Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
سورة المائدة
قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ
لَكُمْ كَثِيرًاً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن
كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾
أما زِنى الثيبِ فأجمع المسلمونَ على أنَّ حَدَّه الرجمُ حتى يموتَ، وقد
رجمَ رسولُ اللَّهِ وَّهَ ماعزًا والغامديّة، وكان في القرآن الذي نُسخَ لفظُهُ:
((والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)).
وقد استنبطَ ابنُ عباسِ الرَّجمَ من القرآنِ من قولِهِ تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًاً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾
[المائدة: ١٥]، قال: فمن كفرَ بالرَّجم، فقد كفرَ بالقرآن من حيثُ لا يحتسب،
ثم تلا هذه الآيةَ وقالَ: كان الرجمُ مما أخفوا، خرَّجه النسائيّ، والحاكمُ،
وقال: صحيحُ الإسنادِ(١) .
ويُستنبط - أيضًا - من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدَّى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا
النَُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى قولهِ تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ
اللَّهُ ﴾ [المائدة: ٤٤ - ٤٩ ].
وقال الزهري: بلغنا أنها نزلتْ في اليهوديّينِ اللَّذينِ رجمهما النبيّ
قال: ((إنِّي أحكمُ بما في التوراة) وأمر بهما فرُجما(٢).
صَلَى اللّه
ءِ
وسلم
وخرَّج مسلمٌ في ((صحيحِهِ»(٣) من حديث البراء بن عازبٍ قصةَ رجمٍ
اليهوديينِ، وقال في حديثِهِ: فأنزلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنكَ الَّذِينَ
(١) أخرجه: النسائي في ((الكبرى)) (٣٣٣/٦)، والحاكم (٣٥٩/٤).
(٢) أخرجه: أبو داود (٤٤٥٠).
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٢٢/٥).

٤٢٢
سورة المائدة
يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]، وأنزل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] في الكفارِ كلِّها.
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ (١) وعندَهُ: فأنزلَ اللَّهُ: ﴿لا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي
الْكُفْرِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿إِنْ أُوتِيْتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]، يقولونَ: ائتوا محمدًا،
فإن أفتاكُم بالتَّحميمِ والجلدِ، فخُذُوه، وإن أفتاكُم بالرَّجمِ، فاحذَرُوا، إلى
قولِهِ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قال: في
اليهود.
ورُوي من حديث جابرٍ قصةُ رجمِ اليهوديينِ، وفي حديثِهِ قالَ: فأنزلَ
اللَّهُ: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم
بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ﴾ [المائدة: ٤٢].
وكانَ اللَّهُ تعالىَ قد أمر أوَّلاً بحبسِ النِّساءِ الزَّواني إلى أن يتوفَّاهنَّ الموتُ
أو يجعلَ اللَّهُ لهنَّ السبيلَ ثم جعلَ اللُّه لهنَّ سبيلاً، ففي ((صحيحِ مسلمٍ))(٢)
عن عبادةَ، عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((خُذُوا عنِّي خُذُوا عَنِّي قد جعلَ اللَّهُ لهنَّ سبيلاً:
البكرُ بالبكرِ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مائة والرَّجْمُ).
وقد أخذَ بظاهرِ هذا الحديثِ جماعةٌ من العلماءِ، وأوجبوا جلدَ الثيبِ
مائة، ثم رجمه كما فعل عليٌّ بشُراحة الهَمْدَانيّة، وقال: جلدتُها بكتاب الله،
ورجمتُها بسنّة رسولِ اللَّهِ مَِّينَ(٣). (٤).
(١) ((المسند)) (٢٨٦/٤).
(٢) (١١٥/٥).
(٣) أخرجه: البخاري (٢٠٤/٨).
(٤) ((جامع العلوم والحكم)) (٣١٤/١ - ٣١٦).

٤٢٣
سورة المائدة
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.
كانتْ هذه الآيةُ يشتدُّ منها خوفُ السلف على نفوسهم فخافُوا أن لا
يكونُوا من المنَّقِينَ الذين يُتُقبلُ منهم .
وسُئُلَ الإمامُ أحمدُ عن معنى ((المتقينَ) فيها، فقالَ: يتقي الأشياءَ، فلا يقعُ
فيما لا يحلُّ له(١) .
وكان السلفُ يوصونَ بإتقانِ العملِ وتحسينِهِ دون مجردِ الإكثار منه، فإنّ
العملَ القليلَ مع التحسينِ والإتقانِ أفضلُ من الكثيرِ مع عدمِ الإتقانِ، قالَ
بعضُ السلفِ: ((إن الرجلينِ ليقومانِ في الصفِّ وبينَ صلاتيهما كما بينَ
السماءِ والأرضِ، كم بينَ من تصعدُ صلاتُه لها نورٌ وبرهانٌ كبرهانِ الشمسِ،
وتقولُ: حفظك اللَّهُ كما حفظتني، وبينَ من تُلَفُّ صلاتُهُ كما يُلَفُّ الثوبُ
الخَلِق ويضربُ بها وجهُ صاحبها، وتقولُ: ضيعكَ اللَّهُ كما ضيعتَنِي)).
ولهذا قالَ ابنُ عباسٍ وغيرُهُ: ((صلاةُ ركعتين في تفكرٍ خيرٌ من قيامٍ ليلةٍ
والقلبُ ساه)).
قال بعضُ السلفِ: ((لا يقلُّ عملٌ مع تقوى؛ وكيف يقِل ما يتقبلُ؟)) يشيرُ
إلى قولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ولهذا قال من قالَ
من الصحابة: لو علمتُ بأنَّ اللَّهَ قبلَ منِّي ركعتينِ كانَ أحبَّ إليَّ من كذا
وكذا، فمن اتَّى اللَّهَ في العملِ قبلهُ منه، ومن لم يتَّقِهِ لم يقبلْهُ منه.
والتقوى في العملِ: أنْ يأتي به على وجهِ إكمالِ واجباتِهِ الظاهرة والباطنةِ،
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٥٧/١).

٤٢٤
سورة المائدة
وإن ارتقى إلى الإتيانِ بآدابِهِ وفضائِلهِ كانَ أكملَ، في الملأ الأعْلَى، ومباهاة
الملائكة، وقد يراد بالقبول: الثوابُ على العملِ، وإن لم يرضَ به والقبولُ هنا
يُراد به: الرِّضا بالعملِ، والمدحُ لعاملِهِ، والثناءُ عليه، في الملأ الأعلى،
ومباهاةُ الملائكة.
وقد يُرادُ بالقبول: الثوابُ على العملِ، وإن لم يرضَ به ولم يمدحْ عاملُهُ،
فيجازى عليه بأنواعٍ من الجزاءِ، فضلاً من اللَّهِ وإحسانًا، وإن لم يرضَ عن
عامله كما رُؤيَ بعضُ المفرطينَ في النومِ فسُئِلَ عن حالِهِ فقالَ: غَفرَ لي
وأعرض عني، وعن جماعة من العلماءِ لم يعملُوا بعلمِهِم.
ويطلقُ القبولُ على إسقاطِ الفرضِ بالعملِ، وإن لم يُثَب عليه بثوابٍ غيرِ
سقوطِ العقوبةِ والمطالبةِ بأداءِ الفرضِ بهِ، والعارفون كلهم إنَّما يطلبون القبولَ
بالوجهِ الأولِ، وهو الرِّضا، ويخافون من فواتِهِ أشدَّ الخوفِ، قالَ مالكُ بنُ
دينار: ((وددتُ أنَّ اللَّهَ إذا جمعَ الخلائقَ يقولُ لي: يا مالكُ، فأقولُ: لبَّكَ،
فيأذنُ لي أن أسجدَ بينَ يديهِ سجدَةٌ فأعرفُ أنه قد رضيَ عنِّي، ثم يقولُ: يا
مالكُ، كنْ ترابًا اليومَ، فأكونُ ترابًا)».
وكان بعضُهم يقولُ في سجودِهِ :
متى ألقاكَ وأنتَ عنِّي راضِ وعذبتني بكثرةِ الإعراضِ
وأعتاضُ ولستُ عنه بالمعتاضِ يا من بوصالِهِ شفى أمراضي
هل أنتَ عليَّ ساخطٌ أم راضٍ
رضاه أكبرُ من الجنةِ ونعيمِهَا فليسَ للعارفينَ همٌّ سواهُ.
لعلك غضبان وقلبي غافلٌ سلامٌ على الدارينِ إن كنتَ راضيًا(١)
(١) شرح حديث شداد بن أوس (٤٥ - ٤٨).

٤٢٥
سورة المائدة
قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا
قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾
قول اللَّه عز وجل: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ
النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: ٣٢] يدلُّ على أنّه إنما يباحُ
قتلُ النفسِ بشيئينٍ: أحدهما: بالنفسِ، والثاني: بالفسادِ في الأرضِ .
ويدخلُ في الفسادِ في الأرضِ: الحراب والرِّدَّةُ والزَّنَى، فإنَّ ذلكَ كلَّه فسادٌ
في الأرضِ، وكذلكَ تكرّر شربِ الخمرِ والإصرارِ عليه هو مظنةُ سفك الدِّماء
المحرمةِ. وقد اجتمعَ الصحابة في عهدِ عمرَ على حدٍّ ثمانينَ، وجعلُوا
السكرَ مَظِنَّة الافتراءِ والقذفِ الموجبِ لجلد الثمانين.
ولَّا قدِمَ وفدُ عبدِ القيسِ على النبيِّ وَِّ، ونهاهُم عن الأشربةِ والانتباذِ في
الظُّروف قال: ((إنَّ أحدكم ليقومُ إلى ابنِ عمِّه- يعني: إذا شربَ - فيضربه
بالسََّّ)»، وكان فيهم رجلٌ قد أصابته جراحةٌ من ذلك، فكانَ يخبؤها حياءً
من النبيِّ وَلٍّ(١).
فهذا كلُّه يرجعُ إلى إباحةِ الدَّمِ بالقتلِ إقامةً لمظانِ القتلِ مقامَ حقيقتِهِ، لكنّ
هلْ نُسِخَ ذلكَ أم حكْمُهُ باقٍ؟ هذا هو محلُ النزاعِ(٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
خرَّج البخاريُّ ومسلمٌ(٣): من حديثٍ: مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن
(١) أخرجه: مسلم (١٣٥/١) من حديث أبي سعيد الخدري فى الله.
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٣٣٠/١، ٣٣٢).
(٣) أخرجه: البخاري (١٤/١ - ١١٨ - ١٩٠)، (١٣٢/٤)، (٣٩/٧)، ومسلم (٣٣/٣ - ٣٤).
٧

٤٢٦
سورة المائدة
عطاءِ بنِ يسارٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ وَِّ، قالَ: «أُرِيتُ النَّارَ، فرأيتُ أكثرَ
أهلها النِّساءَ، بِكُفْرِهِنَّ)، قيل: أيكفرن؟ قال: ((يكفرنَ العشيرَ، ويكفُرْنَ الإحسانَ، لو
أحسنْتَ إلى إحداهن الدهر، ثم رأتْ منك شيئًا، قالتْ: ما رأيتُ منكَ خيرًا قطُ).
وقال البخاريُّ: كُفْرٌ دونَ كُفْرٍ .
والكفرُ، قد يطلق ويرادُ به الكفرُ الذي لا ينقلُ عن الملةِ، مثلُ كفرانِ
العشيرِ ونحوِه.
وهذا عندَ إطلاق الكفر، فأمَّا إن وردَ الكفرُ مقيدًا بشيء، فلا إشكالَ في
ذلكَ، كقولِهِ تعالى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢].
وإنَّما المرادُ هاهُنَا: أنه قد يَرِدُ إطلاقُ الكفرِ، ثم يفسّرِّ بكفرٍ غير ناقلٍ عن
الملة .
وهذا كما قالَ ابنُ عباسٍ، في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، قال: ليسَ بالكفرِ الذي يذهبونَ إليه، إنه
ليس بكفرٍ ينقلُ عن الملةِ، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
[المائدة: ٤٤]، كفرٌ دونَ كفرٍ.
خرّجه الحاكمُ (١) .
(١)
وقال: صحيحُ الإسنادِ.
وعنه في هذه الآيةِ، قال: هو به كُفْرٌ، وليس كَمَنْ كَفَرَ بالله وملائكته
٠٠
وكتبه ورسلِهِ واليومِ الآخرِ .
(١) ((المستدرك)) (٣١٣/٢).

٤٢٧
سورة المائدة
وكذا قال عطاءٌ وغيرُه: كفرٌ دونَ كفر.
وقال النخعيُّ: الكفر كفرانِ: كفرٌ باللّهِ، وكفرٌ بالُنْعِمِ .
واستدلَّ البخاريُّ لذلكَ بحديثِ ابنِ عباسِ الذي خرَّجه هاهنا، وهو قطعةٌ
من حديثٍ طويلٍ، خرَّجه في ((أبواب الكسوفِ))، فإنَّ النبيَّ وَّ أطلقَ على
النِّساءِ الكفرَ، فسئلَ عنه، ففسَّرَه بكفرِ العشيرِ.
وحديثُ أبي سعيدٍ في هذا المعنى يشبه حديثَ ابنِ عباسٍ.
وقد خرَّج هذا المعنى من حديثِ ابنِ عمرَ، وأبي هريرةَ - أيضًا.
وفي المعنى - أيضًا -: حديثُ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ◌َِِّ، قال: ((سبابُ
المسلمٍ فسوقٌ، وقتالُهُ كفرٌ)(١) .
وقد خرَّجه البخاريُّ في موضعٍ آخرَ.
وكذلكَ قوله {َّله: ((لا ترجعوا بعدي كُفَّارًا يضربُ بعضكم رقاب بعض))(٢).
وقولُهُ: ((من قالَ لأخيه: يا كافرُ، فقدْ باءَ بها أحدُهُما))(٣).
وللعلماء في هذه الأحاديثِ - وما أشبهها - مسالك متعددةٌ:
منهم: من حَمَلَها على من فعلَ ذلكَ مستحلاً لذلكَ.
وقد حملَ مالكٌ حديثَ: ((من قال لأخيه: يا كافرُ)) على الحَرُوريَّةِ، المعتقدينَ
لكفر المسلمينَ بالذنوبِ - نقلَهُ عنه أشهبُ.
(١) أخرجه: البخاري (١٩/١)، (١٨/٨)، (٦٣/٩)، ومسلم (٥٧/١ - ٥٨).
(٢) أخرجه: البخاري (٤١/١)، (٢٢٤/٥)، (٣/٩، ٦٣)، ومسلم (٥٨/١) من حديث جرير بن
عبد الله البجلي ظُِّه .
(٣) أخرجه: البخاري (٣٢/٨)، ومسلم (٥٦/١) من حديث عبد الله بن عمر ◌ِثُه.
وقد أخرجه : البخاري أيضًا فيما تقدم من حديث أبي هريرة ضِلّه.

٤٢٨
سورة المائدة
وكذلك حملَ إسحاقُ بنُ راهويه حديثَ: ((من أتى حائضًا - أو امرأةً - في
دُبُرها فقد كفر))(١) على المستحلِّ لذلكَ: نقله عنه حربٌ وإسحاقُ الكوسجُ.
ومنهم: من يحملُها على التغليظِ والكفر الذي لا ينقلُ عن الملةِ، كما
تقدَّمَ عن ابنِ عباسٍ وعطاءٍ .
ونقلَ إسماعيلُ الشالنجيُّ عن أحمدَ، وذُكِرَ له قولُ ابنِ عباسِ المتقدمُ،
وسأله: ما هذا الكفرُ؟ قال أحمدُ: هو كفرٌ لا ينقلُ عن الملةِ، مثلُ الإيمانِ
بعضُهُ دونَ بعضٍ، فكذلك الكفرُ، حتى يجيءَ من ذلكَ أمرٌ لا يختلفُ فيه .
قال محمدُ بنُ نصرِ المروزيُّ: واختلفَ من قالَ من أهلِ الحديثِ: إن
مرتكبَ الكبائرِ مسلمٌ وليسَ بمؤمنٍ: هل يسمَّى كافرًا كفرًا لا ينقلُ عن الملةِ -
كما قال عطاءٌ: كفرٌ دون كفرٍ، وقالَ ابنُ عباسٍ وطاووسُ: كفرٌ لا ينقلُ عن
الملةِ؟ على قولينِ لهم.
قالَ: وهما مذهبانِ في الجملةِ محكيانِ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، في موافقيه
من أهلِ الحديثِ .
قلتُ: قد أنكرَ أحمدُ - في روايةِ المرُّوذيِّ - ما رُوي عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو
أنَّ شاربَ الخمرِ يسمَّى كافرًا، ولم يُثْبِتْه عنه، مع أنَّه قد رُوي عنه من وجوهِ
كثيرة، وبعضُها إسنادُهُ حسنٌ.
ورُوي عنه مرفوعًا .
وكذلك أنكر القاضي أبو يعلى جوازَ إطلاقِ كفرِ النعمةِ على أهلِ الكبائرِ،
ونصبَ الخلافَ في ذلك معَ الزيديةِ من الشيعةِ والإباضيةِ من الخوارجِ.
(١) أخرجه: أبو داود (٣٩٠٤)، وأحمد (٤٠٨/٢ - ٤٧٦).

٤٢٩
سورة المائدة
وروايةُ إسماعيلَ الشالنجيِّ عن أحمدَ قد توافقُ ذلك، فمن هنا حكى
محمدُ بنُ نصرِ عن أحمدَ في ذلك مذهبينٍ .
والذي ذكرهُ القاضي أبو عبد اللَّهِ بنُ حامدٍ شيخُ القاضي أبي يعلى، عن
أحمدَ: جوازُ إطلاقِ الكفرِ والشركِ على بعضِ الذنوبِ التي لا تخرجُ عن
الملة، وقد حكاهُ عن أحمدَ ..
وقد رُوي عن جريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنه سئلَ: هل كنتُم تسمونَ شيئًا منَ
الذنوبِ الكفر أو الشركَ؟ قال: معاذَ اللَّه، ولكنَّا نقولُ: مؤمنينَ مذنبينَ.
خرَّجه محمدُ بنُ نصرٍ وغيرُهُ.
وكان عمَّارٌ ينهى أن يقال لأهلِ الشامِ الذين قاتلوهم بصفِّين: كفروا.
وقال: قولُوا: فسقُوا، قولُوا: ظلموا.
وهذا قولُ ابنِ المباركِ، وغيرِه من الأئمةِ.
وقد ذكرَ بعضُ الناسِ أن الإيمانَ قسمانِ :
أحدُهما: إيمانٌ باللّهِ، وهو الاقرارُ والتصديقُ به.
والثاني: إيمانٌ للَّه، فنقيضُ الإيمانِ الأولِ الكفرُ، ونقيضُ الإيمانِ الثاني:
الفسقُ، وقد يسمَّى كفرًا، ولكن لا ينقلُ عن الملةِ .
وقد وردتْ نصوصٌ، اختلفَ العلماءُ في حملِهَا على الكفرِ الناقلِ عن
الملةِ، أو على غيرِهِ، مثلُ الأحاديثِ الواردةِ في كفرِ تاركِ الصلاةِ.
وتردَّدَ إسحاقُ بنُ راهويهِ فيما وردَ في إتيانِ المرأةِ في دُبُرها، أنه كفرٌ: هلْ
هو مُخرِجٌ عن الدِّينِ بالكليّةِ، أم لا؟
٠

٤٣٠
سورة المائدة
ومن العلماءِ: من يتوقَّى الكلامَ في هذه النصوصِ تورعًا، ويُمرِّها كما
جاءتْ من غيرِ تفسيرٍ، مع اعتقادِهِم أنَّ المعاصي لا تخرجُ عن الملةِ .
وحكاه ابنُ حامد روايةً عن أحمدَ.
ذكرَ صالحُ بنُ أحمدَ وأبو الحارثِ: أنَّ أحمدَ سئلَ عن حديثِ أبي بكرٍ
الصديقِ: كفرٌ بالله تبرِّي من نسب وإنْ دقَّ، وكفرٌ باللَّه ادعاءٌ إلى نسبٍ لا
يُعلَمُ.
قال أحدُهما: قالَ أحمدُ: قد رُوي هذا عن أبي بكرٍ، واللَّهُ أعلمُ، وقال
الآخرُ: قال: ما أعلمُ ، قد كتبناها هكذا.
قال أبو الحارثِ: قيل لأحمدَ: حديثُ أبي هريرةَ: ((من أتى النِّساءَ في
أعجازهنَّ فقد كفر)) فقال: قد رُوي هذا، ولم يزِدْ على هذا الكلامِ.
وكذا قال الزهريُّ، لَّا سُئِلَ عن قولِ النبيِّ وَّهِ: (ليس منَّا من لطمَ الخدودَ)(١)
وما أشبهه من الحديثِ - فقالَ: من اللَّه العلمُ، وعلى الرسولِ البلاغُ، وعلينا
التسليم.
ونقلَ عبدوسُ بنُ مالك العطارُ، عن أحمدَ، أنه ذكر هذه الأحاديثَ التي
وردَ فيها لفظُ الكفرِ، فقال: نسلِّمُها، وإن لم نعرفْ تفسيرَها، ولا نتكلّمُ
فيه، ولا نفسرُها إلا بما جاءتْ.
ومنهم: من فرَّقَ بين إطلاقِ لفظِ الكفرِ، فجوَّزه في جميعِ أنواعِ الكفرِ،
سواءٌ كان ناقلاً عن الملةِ أو لم يكن، وبين إطلاقِ اسم الكافرِ، فمنعَهُ، إلا
(١) أخرجه: البخاري (١٠٢/٢ - ١٠٣ - ١٠٤)، (٢٢٣/٤)، ومسلم (٦٩/١ - ٧٠) من حديث
عبد الله بن مسعود ضائه .

٤٣١
سورة المائدة
في الكفرِ الناقلِ عن الملةِ، لأنَّ اسمَ الفاعلِ لا يُشتقُّ إلا من الفعلِ الكاملِ .
ولذلكَ قالَ في اسمِ المؤمنِ: لا يقالُ إلا للكاملِ الإيمانِ، فلا يستحقُّه من
كان مرتكبًا للكبائرِ حال ارتكابِهِ، وإن كان يقالُ: قد آمنَ، ومعه إيمانٌ.
وهذا اختيارُ ابنٍ قتيبةَ.
وقريبٌ منه: قولُ من قالَ: إنَّ أهل الكتاب، يقالُ: إنهم أشركُوا، وفيهم
شِرْكٌ، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، ولا يدخلون في
اسمِ المشركينَ عند الإطلاقِ، بل يفرَّقُ بينهم وبينَ المشركينِ، كما في قولِهِ
تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]، فلا تدخل
الكتابيّةُ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتٍ حَتَّى يُؤْمِنَّ}
﴾ [البقرة: ٢٢١].
وقد نصَّ على ذلك الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ.
وكذلك كرِه أكثرُ السلف، أن يقولَ الإنسانُ: أنا مؤمنٌ، حتى يقولَ: إن
شاءَ اللَّهُ، وأباحُوا أن يقولَ: آمنتُ بالله.
وهذا القول حسنٌ، لولا ما تأوَّلَه ابنُ عباسٍ وغيرُهُ في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَن
لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، واللَّهُ أعلمُ (١)
قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ
بالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ
كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
وأما النَّفْسُ بالنفسِ، فمعناه: أن المكلَّف إذا قتل نفساً بغير حقٍّ عمدًا، فإنه
(١) ((فتح الباري)) (١٢٦/١ - ١٣١).

٤٣٢
سورة المائدة
يُقْتَلُ بها، وقد دلَّ القرآنُ على ذلكَ بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي
الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
ويُستثنى من عُمومٍ قولِهِ تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] صُورٌ:
منها: أن يقتلَ الوالدُ ولدَه، فالجمهورُ على أنّه لا يُقْتَلُ به، وصحَّ ذلك عن
عُمَرَ. وروي عن النبيِّ وَ له من وجوهِ متعدِّدةٍ، وقد تُكُلِّمَ في أسانيدِها(١)،
وقال مالكٌ: إنْ تعمَّدَ قتله تعمدًا لا يشكُّ فيه، مثل أن يذبَحَهُ، فإنه يُقتلُ به،
وإن حذفَهُ بسيفٍ أو عصا، لم يقتلَ، وقال البتِّي: يقتلُ بقتلِهِ بجميع وجوهِ
العمدِ للعموماتِ.
ومنها: أن يقتلَ الحرُّ عبدًا فالأكثرون على أنَّه لا يُقتل به، وقد وردت في
ذلك أحاديثُ في أسانيدها مقالٌ. وقيل: يقتلُ بعبدِ غيرِهِ دون عبدِهِ، وهو
قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِهِ، وقيل: يقتلُ بعبده وعبدِ غيرِهِ، وهو رواية عن
الثوري، وقولُ طائفةٍ من أهلِ الحديثِ، لحديث سمرةً عن النبيِّ ◌َِّهِ: (( من
قَثَلَ عبدَهُ، قتلناهُ، ومن جَدَعَهُ جدَعْناهُ)(٢) وقد طعن فيه الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ.
وقد أجمعوا على أنَّه لا قصاصَ بين العبيدِ والأحرارِ في الأطرافِ، وهذا
يدلُّ على أنَّ هذا الحديثَ مِطَّرحٌ لا يُعمل به، وهذا مما يُستدلُّ به على أنَّ
المرادَ بقولِهِ تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الأحرار، لأنه ذكرَ بعدَهُ
ءِ
القصاصَ في الأطرافِ وهو يختصَّ بالأحرارِ.
(١) أخرجه: الترمذي (١٣٩٩).
/
(٢) أخرجه: أحمد (١٠/٥ - ١١ - ١٢ - ١٨ - ١٩)، وأبو داود (٤٥١٥ - ٤٥١٦ - ٤٥١٧)،
والترمذي (١٤١٤)، والنسائي (٢٠/٨ - ٢١ - ٢٦).

٤٣٣
سورة المائدة
ومنها: أن يَقتُلَ المسلمُ كافرًا، فإن كان حربيًّا لم يقتلْ به بغير خلاف، لأنَّ
قتل الحربيِّ مباحٌ بلا ريب، وإن كان ذميًّا أو معاهدًا، فالجمهورُ على أنَّه لا
يقتلُ بهِ - أيضًا، وفي ((صحيح البخاريِ)(١) عن عليٌّ عن النبيِّ بَلَّه قال:
((لا يقتلُ مسلمٌ بكافرِ)).
وقال أبو حنيفةَ وجماعةٌ من فقهاء الكوفيين: يُقتلُ به، وقد روى ربيعةُ عن
ابن البيلماني عن النبيِّ نَّهِ أنه قتلَ رجلاً من أهلِ القبلةِ برجلٍ من أهلِ
الذمَّةَ، وقال: ((أنا أحقُّ من وفَي بذمَّتَه))(٢) وهذا مرسل ضعيف قد ضعَّفَه الإمامُ
أحمدُ، وأبو عبيد، وإبراهيمُ الحربيُّ، والجوزجانيٌّ، وابنُ المنذرِ والدارقطنيُّ،
وقال: ابن البيلمانيُّ: ضعيف لا تقومُ به حجة إذا وصلَ الحديثَ، فكيف بما
يرسلُهُ؟ وقال الجوزجانيُّ: إنَّما أخذه ربيعةُ عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ابنِ
المنكدرِ عن ابن البيلمانيِّ، وابنِ أبي يحيى متروك الحديث.
وفي ((مراسيلِ أبي داودَ))(٣) حديثٌ آخرُ مرسلٌ أنَّ النبيَّ وَّ قتلَ يومَ خيبر
مسلمًا بكافرٍ قتله غيلةً، وقال: ((أنا أوْلى وأحقُّ من وفَّي بذمَّته)) وهذا مذهبُ
مالكٍ وأهلِ المدينةِ أن القتلَ غيلة لا تُشرط له المكافأة، فيُقْتَلُ فيه المسلمُ
بالكافرِ، وعلى هذا حملُوا حديثَ ابنِ البيلمانيِّ أيضًا على تقدير صحَّته.
ومنها: أن يقتلَ الرجلُ امرأةً فيُقتل بها بغيرِ خلافٍ، وفي كتابِ عمرو بنِ
حزمٍ عن النبيِّ نََّ أنَّ الرَّجُلَ يقتلُ بالمرأة(٤). وصحَّ أنَّ ◌َلّ قتل يهوديًا قتلَ
(١) (٣٨/١)، (٨٤/٤)، (١٣/٩).
(٢) أخرجه: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٠/٨ - ٢١)، وراجع: ((السلسلة الضعيفة)) (٤٦٠).
(٣) ((المراسيل)) (٢٥١).
(٤) أخرجه: النسائي (٥٧/٨ - ٥٨)، وابن حبان (٦٥٥٩)، والحاكم (٣٩٥/١).

٤٣٤
سورة المائدة
جاريةٌ (١) ، وأكثرُ العلماء على أنَّه لا يُدفع إلى أولياءِ الرجلِ شيءٌ. وروي
عن عليٍّ أنَّه يدفع إليهم نصف الدِّيّة، لأنَّ دية المرأة نصفُ ديةِ الرجل وهو
قولُ طائفةٍ من السلفِ وأحمدَ في روايةٍ عنه(٢).
قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾
[ قال البخاريُّ](٣): وقال ابنُ عباسِ: ﴿شِرْعَةَ وَمِنْهَاجَا﴾ [المائدة: ٤٨]، سبيلاً
وسنّةً .
هذا، من رواية أبي إسحاقَ، عن التميمي، عن ابنِ عباسٍ، قال:
﴿ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] سبيلاً وسُنَّةً .
ومعنى قولِ ابنِ عباسٍ: أنَّ المنهاجَ هو السَّنَّة، وهو الطريقُ الواسعةُ
المسلوكةُ، المداوَمُ عليها.
والشِّرْعةُ، هي السبيلُ والطريقُ الموصلُ إليها، فهي كالمدخلِ إليها،
كمشْرَعةِ الماءِ، وهي المكانُ الذي يُورَدُ الماءُ منه.
ويقالُ: شَرَع فلانٌ في كذا، إذا ابتدأ فيه، وأنْهَجَ البِلى في الثوبِ، إذا
اتَّسع فيه. وبذلكَ فرَّق طائفةٌ من المفسرينَ وأهلِ اللُّغة بين الشِّرعة والمنهاجِ،
منهم: الزجاجُ وغيرُهُ(٤).
*
(١) أخرجه: البخاري (١٥٩/٣)، (٤/٤)، (٥/٩ -٨)، ومسلم (١٠٤/٥) من حديث أنس بن
مالك ضِ ◌ّه .
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٣١٧/١ _ ٣٢٠).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٩/١).
(٤) ((فتح الباري)) (١/ ١٧).

٤٣٥
سورة المائدة
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دينه
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِينَ
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ
لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ؟
علامات المحبة الصادقة: التزامُ طاعةِ اللَّهِ تعالى، والجهادُ في سبيله،
واستحلاءُ الملامةِ في ذلك، واتباعُ رسولِهِ. قال اللَّهُ جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنِ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ
مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
فوصفَ اللَّهُ سبحانه المحبينَ له بخمسةِ أوصافٍ :
أحدها: الذّلةُ على المؤمنين، والمرادُ لِينُ الجانبِ وخفضِ الجناحِ والرأفةِ
والرحمةِ للمؤمنينَ، كما قال تعالى لرسولِهِ: ﴿وَاَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ووصفَ أصحابَه بمثلِ ذلك في قولِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ
اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وهذا يرجعُ إلى أنَّ
المحبينَ للَّهِ يحبونَ أحباءَهُ ويعودونَ عليهم بالعطفِ والرأفةِ والرحمةِ، وقد
سبقَ في البابِ الأولِ بيانُ ذلكَ.
الثاني: العزةُ على الكافرينَ، والمرادُ الشِّدَةُ والغلظةُ عليهم، كما قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] وهذا يرجعُ إلى
أنَّ المحبينَ لهُ يبغضونَ أعداءَه، وذلك من لوازِمِ المحبةِ الصادقةِ، كما سبقَ

٤٣٦
سورة المائدة
تقريرُهُ أيضًا .
الثالث: الجهادُ في سبيلِ اللَّه، وهو مجاهدةُ أعدائه باليد واللسان، وذلك
أيضًا من تمامٍ معاداةٍ أعداء اللَّه الذي تستلزمُه المحبةُ، وأيضًا فالجهادُ في سبيلٍ
اللَّه فيه دعاءُ الخلقِ إلى اللَّهِ وردُّهم إلى بابِه بالقهرِ لهم والغلبةِ، كما قال
تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
باللّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية .
قال مجاهدٌ وغيرُهُ: يعني كنتُم خيرَ الناسِ للناسِ، فخيرُ الناس للناسِ
أنفعُهُم لهم، ولا نفعَ أعظمُ من الدعاءِ إلى التوحيدِ والطاعةِ والنهي عن
الشركِ والمعصيةِ، وسُئلَ الحسنُ البصريُّ عن رجلٍ له أمِّ فاجرةٌ فقال: ((يقيِّدُها
فما وصلَها بشيء أعظم من أن يكفّها عن معاصي اللهِ تعالى)).
قال إبراهيمُ بنُ أدهمَ: سمعتُ رجلينِ من الزُّهادِ يقولُ أحدُهما للآخرِ:
(يا أخي، ما ورثَ أهلَ المحبةِ محبّتُهُم؟)) قال: فأجابه الآخرُ: ((ورِثُوا النظرَ
بنورِ اللَّهِ والعطفَ على أهلِ معاصِي اللَّهِ) قال: فقلتُ له: ((كيفَ يعطفُ على
قومٍ قد خالَفُوا أمرَ محبوبِهِم؟» فقال: ((مقتَ أعمالَهم وعطَفَ عليهم ليزيلَهم
بالمواعظِ عن فِعالِهِم وأشْفقَ على أبدانِهِم من النارِ، لا يكونُ المؤمنُ مؤمنًا
حقًّا حتى يَرضى للناسِ ما يرضاهُ لنفْسِه)).
الرابع: أنهم لا يخافون لومة لائم، والمرادُ أنهم يجتهدونَ فيما يرضى به من
الأعمالِ ولا يبالونَ بلومةِ من لامَهُم في شيءٍ منه إذا كان فیه رِضا ربِّهم،
وهذا من علاماتِ المحبةِ الصادقةِ، إنَّ المحبَّ يشتغلُ بما يرضى به حبيبُهُ
ومولاه، ويستوِي عنده مَنْ حَمَدَهُ في ذلكَ أو لامَهُ، وفي هذا المعني يقولُ

٤٣٧
سورة المائدة
بعضهم :
وقفَ الهوى بي حيثُ أنتِ فليسَ لي متأخَّرٌ عنه ولا متقدَّمُ
أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً حبًّا لذكرِكِ فلْيلُمْني اللُّوَّمُ
الخامس: متابعةُ الرسولِ بَّله وهو طاعتُه واتباعُه في أمرِهِ ونهيهِ. قال مباركُ
بنُ فضالةَ عن الحسنِ: كان ناسٌ على عهدِ النبيِّ وَِّ يقولونَ: ((يا رسولَ
اللَّه، إنَّا نحبُّ ربَّنَا حبًا شديدًا)) فأحبَّ اللَّه أن يجعلَ لحبِّه عَلَمًا، فأنزلَ اللَّهُ
تباركَ وتعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) [آل عمران: ٣١].
وقد قرنَ اللَّهُ بين محبَّتَه ومحبةِ رسولِهِ في قولِهِ: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] وكذلك وردَ في
السَّنَّة في أحاديثَ كثيرة جدًا، سبقَ ذكرُ بعضها والمرادُ أنَّ اللَّه تعالى لا توصلُ
إليه إلا من طريقِ رسولِهِ مَّله باتباعِهِ وطاعتِهِ.
كما قال الجنيدُ وغيرُهُ من العارفين: ((الطرقُ إلى اللّه مسدودةٌ إلا من اقتفى
أثرَ الرسولِ وَه)). وكلامُ أئمة العارفينَ في هذا البابِ كثيرٌ جدًّا.
قال إبراهيمُ بنُ الجنيد: يقالُ: علامةُ المحبِّ على صدق الحبِّ ستُّ
خصال :
أحدها: دوام اُلذكر بقلِهِ بالسرورِ بمولاه.
والثانيةُ: إيثارُهُ محبةَ سيده على محبةِ نفسِهِ ومحبةِ الخلائقِ، يبدأُ بمحبة
مولاهُ قبل محبة نفسه ومحبةِ الخلائقِ.
(١) أخرجه: ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) من طرق - غير طريق فضالة - عن الحسن (٢٣٢/٣).

٤٣٨
سورة المائدة
والثالثةُ: الأُنسُ به والاستثقالُ لكلِّ قاطع يقطعُ عنه، أو شاغلٍ يشغلُهُ عنه.
والرابعةُ: الشوقُ إلى لقائهِ والنظرُ إلى وجهه.
الخامسةُ: الرِّضا عنه في كلِّ شديدة وضرٍّ ينزلُ به.
والسادسةُ: اتباعُ رسولِهِ ◌ِل﴾.
ومحبةُ الرسولِ بَّله على درجتينِ:
إحداهما فرضٌ: وهي المحبةُ التي تقتضي قبولَ ما جاء به الرسولُ وَلِّ من
عند اللَّه وتلقّيه بالمحبةِ والرِّضا والتعظيمِ والتسليمِ وعدمٍ طلبِ الهدى من غيرِ
طريقِهِ بالكليّةِ، ثم حسنُ الاتباعِ له فيما بلَّغه عن ربِّه من تصديقِهِ في كلِّ ما
أخبر به، وطاعته فيما أمر به من الواجباتٍ، والانتهاءِ عمَّ نهى عنه من
المحرَّماتِ، ونصرةِ دِينِهِ والجهادِ لمن خالفَهُ بحسبِ القدرة، فهذا القدرُ لا بدَّ
منه ولا يتمّ الإيمانُ بدونه .
والدرجة الثانية فضلٌ: وهي المحبةُ التي تقتضي حسنَ النَّأْسِِّ بهِ وتحقيقَ
الاقتداءِ بسنتِهِ في أخلاقِهِ وآدابِهِ ونوافلِهِ وتطوعاتِهِ وأكلِهِ وشربِهِ ولباسِهِ وحسنِ
معاشرتِهِ لأزواجِهِ وغيرِ ذلك من آدابِهِ الكاملةِ وأخلاقِهِ الطاهرةِ، والاعتناءَ
بمعرفة سيرتِهِ وأيامِهِ، واهتزازَ القلبِ عند ذكرِهِ، وكثرةَ الصلاةِ عليه لما سكنَ
في القلبِ من محبّتِه وتعظيمِهِ وتوقيرِهِ، ومحبةَ استماعٍ كلامِهِ، وإيثارَهُ على
كلامٍ غيرِه من المخلوقينَ.
ومن أعظمٍ ذلكَ الاقتداءُ به في زهده في الدَّنيا والاجتزاء باليسيرِ منها
ورغبتِهِ في الآخرةِ.
٠
قال سهل التستريَّ: من علامات حبِّ اللَّه حبُّ القرآن، وعلامة حبِّ اللَّه

٤٣٩
سورة المائدة
وحبِّ القرآنِ حبُّ النبيِّ وَّةَ، وعلامةُ حبِّ النبيِّ وَِّ حِبُّ السنَّةِ، وعلامةُ
حبِّ السنةِ حبُّ الآخرةِ، ومن علامة حبِّ الآخرةِ بغضُ الدنيا، وعلامةُ
بغضِ الدنيا أن لا يأخذَ منها إلا زادًا يبلِّغُه إلى الآخرةِ(١).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ
لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
ففي هذه الآيةِ إشارةٌ إلى أنَّ منْ أعرض عن حبِّنا، وتولَّى عن قربِنا، لم
نبالِ بِهِ، واستبدلْنَا به من هوَ أوْلَى بهذه المنحة منه وأحقٌّ، فمن أعْرَضَ عنِ
اللَّهِ، فما له منَ اللَّهِ بدَلٌ، وللَّهِ منه أبدالٌ.
ما لي شُغل سواه ما لي شُغلُ ما يَصرِفُ عن هواه قلبِي عذلُ
ما أصنعُ إِن جَفا وخابَ الأملُ مِنِّي بدل ومنه ما لي بدَلُ
وفي بعضِ الآثارِ: ((يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ابنَ آدمَ، اطلبِنِي تجدْنِي، فإنْ وجدتَّني،
وجدتَ كُلَّشيء، وإن نُتُّكَ، فاتَّكَ كلُّ شيءٍ، وأنا أَحبُّ إليك من كُلِّ شيءٍ».
كان ذو النونِ يردِّدُ هذه الأبياتِ بالليلِ كثيرًا:
اطلبوا لأنفسِكُم مثلَ ما وجدتُ أنا
قد وجدتُ لي سكَنًا ليس في هواه عَنَا
إِنْ بَعَدْتُ قَرََّنِي أو قَرِيْتُ مِنْهُ دَنَا
(١) ((استنشاق نفحات الأنس)) (٨١ - ٨٥).
٩

٤٤٠
سورة المائدة
من فاتَهُ اللَّهُ، فلو حصلتْ له الجنَّةُ بحذافيرهَا، لكان مغبونًا، فكيفَ إذا لم
يحصلْ له إلا نزْرٌ يسير حقيرٌ من دارِ كلِّها لا تَعدِلُ جناحَ بعوضةٍ :
مَنْ فاتَهُ أنْ يَراكَ يَومًا فكلُّ أوقاتهِ فواتُ
وحَيثُما كنتُ من بلادٍ فَلِي إلى وجْهِكَ التِفَاتُ
ثم ذكرَ أوصافَ الذين يُحبُّهم ويحبُّونه، فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِينَ﴾
[المائدة: ٥٤] يعني: أنهم يعاملونَ المؤمنينَ بالذَّلَّة واللِّينِ، وخَفْضِ الجناحِ،
﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني: أنهم يعامِلُونَ الكافرينِ بالعزَّةَ والشدَّةِ عليهم،
والإغلاظِ لهم، فلما أحبُّوا اللَّهَ، أحبُّوا أولياءَه الذين يُحبونَهُ، فعامَلُوهُم
بالمحبَّةِ، والرَّأَفةِ، والرحمة، وأبغضُوا أعداءَه الذين يُعادونه، فعاملُوهُم بالشِّّدَّة
والغلظة، كما قال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنِهِم﴾ [الفتح: ٢٩]،
يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].
فإنَّ من تمامِ المحبةِ مجاهدةً أعداءِ المحبوبِ - وأيضًا - فالجهادُ في سبيلِ اللَّهِ
دعاءٌ للمعرضينَ عن اللَّهِ إلى الرجوعِ إليه بالسِّفِ والسِّنَانِ، بعد دعائهم إليه
بالحجَّةِ والبُرْهانِ، فالمحبُّ للَّهِ يحبُّ اجتلابِ الخلقِ كلِّهم إلى بابِهِ، فمنْ لم
يُجبِ الدعوةَ إليه باللينِ والرِّفْقِ، احتاجَ إلى الدعوةِ بالشدَّةِ والعنفِ: ((عجِبَ
رَبُّك من قوم يُقَادون إلى الجنَّةِ بالسَّلَاسلٍ))(١).
﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] لا هَمَّ للمحبِّ غيرُ ما يُرضِي حبيبَهُ،
رضِيَ من رَضِيَ وسخِطَ من سخِطَ، من خافَ الملامةَ في هوى من يُحبُّ،
فليس بصادق في المحبَّةِ .
(١) أخرجه: البخاري (٧٣/٤) من حديث أبي هريرة فِ ◌ّه.