Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة المائدة
وعن أحمدَ روايةٌ باشتراطِ السفرِ للتيممِ خاصةً، وحُكي روايةً عن أبي
حنيفة وعن طائفة من أصحابِ مالكٍ.
وعلى هذا: فلا فرق بين السفرِ الطويلِ والقصيرِ على الأصحِّ عندهم.
وقولُهُ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦].
قد قيل: إنَّ ((أو)) هنا بمعنى الواو، كما يقولُ الكوفيونَ ومِنْ وَافَقَهُم، فإنه
لما ذَكَر السبينِ المبيحينِ للتيممٍ، وهما التضررُ باستعمالِهِ بالمرضِ ومظنةُ فقْده
بالسفرِ ذكر ما يُستباحُ منه الصلاةُ بالتيممِ وهو الحدثُ، فإنَّ التيممِ يُبيح
الصلاةَ من الحدثِ الموجودِ ولا يرفعُه عند كثيرٍ من العُلماءِ، وهو مذهبُ
الشافعيِّ، وظاهرُ مذهبِ أحمدَ وأصحابِهِ، ولهذا قالُوا: يجب عليه أن ينوي
ما يستبيحُهُ من العباداتِ وما يَستبيح فعلَ العباداتِ منه من الأحداث.
وقالتْ طائفةٌ: بل التيمم يرفع الحدثَ رفْعًا مؤقتًا بعدمِ القُدرةِ على
استعمالِ الماءِ، ورُبَّما استدل بعضُهم بهذه الآيةِ، وقالُوا: إنَّما أمرَ اللَّهُ بالتيممِ
مع وجودِ الحدثِ، ولو كانَ التيممُ واجبًا لكلِّ صلاةٍ أو لوقتِ كلِّ صلاةٍ -
كما يقولُهُ من يقول: إنَّ التيممَ لا يرفعَ الحدثَ، على اختلاف بينهم في
ذلك - لما كان لذكرِ الحدثِ معنًّی.
والأظهرُ - واللَّهُ أعلمُ -: أنَّ ((أو)) ها هنا ليست بمعنى الواو، بل هي على
بابها، وأُرِيدَ بها: التقسيم والتنويع، وأنَّ التيممَ يُباح في هذه الحالات
الثلاثِ، واثنتان منهما مَظِنَّتَان، وهُما: المرضُ والسفرُ، فالمرضُ مظنَّة التضررِ
باستعمال الماء، والسفر مظنة عدم الماء، فإن وُجدتْ الحقيقةُ في هاتينِ المظنتينِ
جازَ التيممُ، وإلا فلا.

٤٠٢
سورة المائدة
ثمَّ ذكرَ قسمًا ثالثًا، وهو وجودُ الحقيقة نفسها، فذكر أنَّ من كانَ مُحْدثًا
ولم يجدْ مَاءً فَلْيَتَيَمَّم، وهذا يشملُ المسافرَ وغيرَه، ففي هذا دليلٌ على أنَّ
التيممَ يجوز لمن لم يجدِ الماءَ، مسافرًا كان أو غيرَ مسافرٍ، واللَّهُ أعلمُ.
وقد ذكر سبحانَهُ حدثَين :
أحدهما: الحدثُ الأصغرُ، وهو المجيء من الغائطِ، وهو كنايةٌ عن قضاء
الحاجة والتَّخَلِي، ويلتحقُ به كلُّ ما كانَ في معناهُ، كخروجِ الريحِ أو
النجاساتِ من البدَنِ عندَ من يرى ذلكَ.
والثاني: ملامسةُ النساءِ، واختلفُوا: هل المرادُ بها الجماعُ خاصةً، فيكونُ
حينئذٍ قد أمَرَ بالتيممِ من الحدثِ الأصغرِ والأكبرِ، وفي ذلكَ ردٌّ على من
خالفَ في التيممِ للجنابةِ كما سيأتي ذكْرُهُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى - أو المرادُ
بالملامسةِ مقدِّماتُ الجِماعِ من القُبْلةِ والمباشرة لشهوة، أو مطلقُ التقاء
البَشْرَتَين، وعلى هذين القولينِ فلم يذكر في الآيةِ غير التيممٍ من الحدث
الأصغر .
وقولُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] متعلِّقٌ بمن أحدثَ، سواءٌ كان
على سفرٍ أو لم يكنْ، كما سبق تقريرُه، دون المريضِ؛ لأنَّ المريضَ لا يُشترط
لتيممه فقْدُ الماءِ، هذا هو الذي عملَ به الأُمة سلفًا وخلفًا .
وحُكِيَ عن عطاء والحسنِ: أنَّ فقْدَ الماء شرطٌ للتيممِ مع المرضِ - أيضًا -
فلا يُباحُ للمريض أن يتيممَ مع وجودِ الماءِ وإن خشي التلفَ.
٥ م
وهذا بعيدُ الصحة عنهما؛ فإنه لو لم يَجُزِ التيممُ إلا لفقد الماء لكان ذكرُ
ہے
المرضِ لا فائدة له.

٤٠٣
سورة المائدة
وقولُهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] أصلُ التيممِ في اللغةِ القصدُ، ثم صارَ علمًا
على هذه الطهارة المخصوصة .
وقولُهُ: ﴿صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦] اختلَفُوا في المرادِ بالصعيدِ، فمنهُم: من فَسَّره
بما تصاعدَ على وجهِ الأرضِ من أجزائها، ومنهم: من فسره بالتراب خاصةً.
وقولُهُ: ﴿طَيِبًا﴾ [المائدة: ٦] فسره من قال: الصعيدُ: ما تصاعدَ على وجه
الأرضِ؛ بالطاهرِ، ومن فسره بالتراب، قال: المرادُ بالصعيد الترابُ المُنْبت،
كقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرَجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] وهذا مذهب
الشافعيٌّ وأحمدَ في المشهورِ عنه.
وقالَ ابنُ عباسٍ : الصعيدُ الطيبُ ترابُ الحَرْث.
وقولُهُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] كقولِهِ في الوضوءِ:
﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وقد ذكرنا فيما سبَقَ في ((أبوابِ الوضوءِ)) أنَّ كثيرًا من العلماء أوجبوا
استيعاب مسح الرأسِ بالماءِ، وخالفَ فيه آخرونَ، وأكثرُهم وافقُوا هاهُنَا،
وقالُوا: يجبُ استيعابُ الوجهِ والكفينِ بالتيممٍ، ومنهُم من قال: يُجْزِئُ
أكثرُهما، ومنهم من قال: يجزئُ مسحُ بعضِهما كالرأسٍ - أيضًا.
وقول النبيِّ نَّهَ لعمَّار: ((إنَّما يكفيك أن تضرب بيديك الأرضَ، ثم تمسحُ بهما
وجهك وكفََّّك)) يردُّ ذلك ويبينُ أنَّ المأمورَ به مسحُ جميعهما.
وسيأتي الكلامُ على حدِّ اليدينِ المأمورِ بمسحِهِما في التيممٍ - إن شاءَ
تعالی .
[المائدة: ٦] يستدلَّ به من قال: لا تيمم إلا بترابٍ لَهُ
وقولُهُ تعالى: ﴿مَنْهُ﴾

٤٠٤
سورة المائدة
غبارٌ يعلق باليد، فإن قوله: ﴿مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] يقتضي أن يكونَ الممسوحُ به
الوجهُ واليدان بعض الصعيد، ولا يمكنُ ذلك إلا فيما له غبارٌ يَعْلَقُ باليد حتى
يقع المسح به، ومَنْ خالَفَ في ذلك، جعَل ((مِن)) هاهنا لأبعد الغايةِ، لا
للتبعيض، وهو بعيد يأباه سياق الكلام، واللَّهُ تعالى أعلم(١).
وقد أجمع العلماءُ على أنَّ مسح الوجهِ واليدينِ بالترابِ في التيممِ فرضٌ
لا بدَّ منه في الجملة، فإنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾
[ المائدة : ٦ ].
ولكن اختلفوا في قَدْر الفَرْضِ من ذلك:
فأمَّا ((الوجهُ»:
فمذهبُ مالك والشافعيِّ وأحمدَ وجمهورِ العلماءِ: أنه يجبُ استيعابُ
بشرتِهِ بالمسحِ بالترابِ، ومَسْحُ ظاهرِ الشعرِ الذي عليه، وسواءٌ كان ذلك
الشعر يجب إيصالُ الماءِ إلى ما تحتَه كالشعرِ الخفيفِ الذي يَصِفُ البشرةَ، أم
لا، هذا هو الصحیحُ.
وفي مذهبِنَا ومذهب الشافعيِّ وجهٌ آخرُ: أنه يجب إيصالُ التراب إلى ما
تحتَ الشعورِ التي يجبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تحتها، ولا يجبُ عند أصحابِنَا
إيصالُ الماءِ إلى باطنِ الفم والأنفِ، وإن وجبَ عندهم المضمضةُ والاستنشاقُ
في الوضوءِ.
وعن أبي حنيفةَ رواياتٌ، إحدَاهَا: كقول الشافعيِّ وأحمدَ. والثانية: إن
(١) ((فتح الباري)) (٧/٢ _ ١٥).

٤٠٥
سورة المائدة
ترك قدرَ دِرْهمٍ لم يُجزئْه، وإن تركَ دونَهُ أجْزأه. والثالثةُ: إن تركَ دون ربعٍ
الوجهِ أجزأه، وإلا فلا. والرابعةُ: إن مسح أكثره وترك الأقلَّ منه أو من
الذراعِ أجزأه، وإلا فلا، وحكاهُ الطحاويُّ عن أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ وزُفَرَ.
وحكى ابنُ المنذرِ، عن سُليمان بن داودَ الهاشميِّ: أن مسحَ التيمم حُكْمُهُ
حكْمُ مسحِ الرأس في الوضوءِ، يجزئُ فيه البعضُ.
وكلامُ الإمامِ أحمدَ يدلُّ على حكايةِ الإجماعِ على خلاف ذلك.
قال الجوزجانيُّ: ثنا إسماعيلُ بنُ سعيدِ الشالنجيُّ، قال: سألتُ أحمدَ بن
حنبلٍ عمن ترك مسحَ بعضِ وجههِ في التيممِ؟ قال: يُعيدُ الصلاةَ. فقلتُ له:
فما بالُ الرأسِ يجزئُ في المسحِ ولم يَجُزُ أن يتركَ ذلكَ من الوجهِ في التيممِ؟
فقال: لم يبلغْنا أن أحدًا تركَ ذلك من تيممه.
قال الشَّالنجيُّ: وقال أبو أيُّوبَ - يعني: سليمانَ بنَ داودَ الهاشميّ يجزئه
في التيممِ إن لم يُصب بعضَ وجهه أو بعضَ كفَّيه، لأنه بمنزلةِ المسح على
الرأس؛ إذا تركَ منه بعضًا أجزأه.
قال الجوزجانيَّ: فذكرتُ ذلك ليحيى بنِ يحيى - يعني: النَّيْسابوريَّ فقال:
المسحُ في التيممِ كما يَمْسَحُ الرأسَ، لا يتعمَّد لتركِ شيءٍ من ذلكَ، فإنْ بَقِيَ
شيءٌ منه لم يُعِدْ، وليسَ هو عندي بمنزلةِ الوضوءِ .
قال الجوزجانيُّ: لم نسمع أحدًا يَتَّبِعُ ذلكَ من رأسِهِ في المسحِ، ولا بينَ
أصابعِهِ في التيممِ كما يتَّبِعُوا في الوضوءِ بالتخليلِ، فأحسن الأقاويل منها ما
ذكَرَه يحيى بن يحيى: أن لا يتعمَّد تركَ شيءٍ من ذلك، فإن بقي شيءٌ لم
يُعِد. انتهى.

٤٠٦
سورة المائدة
وظاهرُ هذا: يدلُّ على أنَّ مذهبَ سليمانَ بنِ داودَ ويحيى بن يحيى
والجوزجانيَّ: أنه إذا ترك شيئًا من وجهه ويديه في التيممٍ لم يُعِد الصلاةَ.
ونقل حرْبٌ، عن إسحاقَ، أنه قال: تضربُ بكفَّيْك على الأرضِ، ثم
تمسح بهما وجهَك، وتَمُرُّ بيديك على جميع الوجه واللِّحْية، أصابَ ما
أصابَ وأخطأ ما أخطأ، ثم تضرب مرة أخرى بكفَّيْك.
ومُرادُ إسحاقَ: أنه لا يشترط وصولُ الترابِ إلى جميعِ أجزاءِ الوجهِ كما
يقولُهُ من يقولُهُ من الشافعيَّةِ وغيرِهم، حتى نصَّ الشافعيُّ: أنه لو بَقَيَ من
مَحِلِّ الفرض شيءٌ لا يدركه الطَّرْفُ لم يصحَّ التيممُ.
واستشكل أبو المعالي الجُوَيْنِىُّ تحقَّق وصولِ الترابِ إلى اليدينِ إلى المرفقينِ
بضربة واحدة، وقال: الذي يجبُ اعتقادُه أنَّ الواجبَ استيعابُ المَحِلِّ بالمسحِ
باليدِ المغبّرةِ من غير ربطِ الفكر بانبساطِ الغبارِ على جميع المحل، قال: وهذا
شيء أظهر به، ولم أرَ منه بُدًا.
وحكى ابنُ عطية في ((تفسيرِهِ)) عن محمدِ بنِ مسلمةَ من المالكية: أنه لا
يجبُ أن يُتْبَعَ الوجهُ بالترابِ كما يُتْبِعُ بالماء، وجعله كالخُفِّ وما بين الأصابع
في اليدينِ - يعني: في التيممِ.
وحكى في وجوبِ تخليلِ الأصابعِ وتحريكِ الخاتَمِ قولينِ لأصحابِهِم:
بالوجوبِ، والاستحبابِ .
وحكَى ابنُ حزمٍ في وجوبِ تخليلِ اللحيةِ بالترابِ اختلافًا .
وأما ((اليدان)):
فأكثرُ العلماء على وجوبِ مسح الكفين: ظاهرهما وباطنهما بالتراب إلى

٤٠٧
سورة المائدة
الكُوعين، وقد ذكرنا أن بعض العلماء لم يوجب استيعابِ ذلك بالمسح.
وحكى ابنُ عطية عن الشَّعْبِيِّ: أنه يمسح الكفينِ فقطِ؛ لحديثِ عمَّارِ، وأنَّه
لم يُوجِبْ إيصالَ الترابِ إلى الكُوعين، وهذا لا يصحّ. واللهُ أعلمُ.
وإنَّما المرادُ بحديث عمَّارِ، وبما قالُه الشعبيُّ وغيرُه من مسحِ الكفينِ:
مسحُهما إلى الكُوعين، وقد جاء ذلك مقيّداً، رواه أبو داود الطيالسيُّ(١) ،
عن شعبةَ، عن الحكمِ: سمعَ ذَرَّ بن عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عبدِ الرحمنِ بنِ
أبْزَى، عن أبيه، عن عمَّارٍ، أنَّ النبيَّ ◌َ قالَ لهُ: ((إنَّما كان يُجزئك)) وضربَ
رسولُ اللهِ وَلَّ بِيدِهِ الأرضَ إلى الترابِ، ثم قال: ((هكذا))، فَنَفَخَ فيها،
ومسَحَ وجهه ويديهِ إلى المفْصَلِ، وليسَ فيه الذراعان.
ورَوَى إبراهيمُ بنُ طهْمان، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، عن عمَّارٍ بِنِ
ياسرٍ، أنَّ النبيَّ وَجلَّ قال له: ((إنَّما كان يكفيك أنْ تضْرِبَ بكفيك في الترابِ، ثم
تَنْفُخ فيهما، ثم تمسحُ بهما وجهك وكفيك إلى الرَّسْغَيْنِ)).
خرَّجه الدار قطنيُّ(٢) وقال: لم يَروه عن حُصَين مرفوعًا غيرُ إبراهيمَ بنِ
طهمانَ، ووقفه شعبةُ وزائدةُ وغيرُهما .
يعني: أنهم رَوَوْه عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، عن عمَّارٍ موقوفًا،
والموقوفُ أصحُّ - : قاله أبو حاتمِ الرَّزيُ(٣).
وأبو مالك، قال الدارقطنيّ: في سماعِه من عمَّارِ نظرٌ، فإن سلمةَ بنَ
(١) ((المسند)) (٦٧٣ - ٦٧٤).
(٢) («السنن)) (١٨٣/١).
(٣) ((العلل)) لابنه (٨٥).

٤٠٨
سورة المائدة
كُهَيَلِ رواه عن أبي مالكٍ، عن ابنِ أبْزَى، عن عمَّار.
وقال أبو حاتمٍ: يُحتمل أنه سمع منه.
وأبو مالك، هو: الغفاريُّ، سُئل أبو زرعةَ: ما اسمه؟ فقال: لا يُسمى.
وقال البيهقيّ: اسمُهُ حبيبُ بنُ صُهْبَانَ.
ءُ
وفيما قاله نظرٌ؛ فإن حبيبَ بنَ صهبانَ هو: أبو مالكِ الكاهليُّ الأسديُّ،
وأما الغفاريُّ فاسمه: غزوانُ ـ : قالهُ ابنُ معين. وقد فرَّق بينهما ابنُ أبي
حاتمٍ، ووقع في بعضِ نُسخِ البخاريِّ، غير أنَّ البخاريَّ متوقفٌ غيرُ جازمِ
بأنَّ حبيبَ بنَ صُهبانَ يُكنى: أبا حاتمٍ، ولا أنَّ أبا مالك الغفاريَّ اسمُه:
غزوانُ.
ورُوِيَ حديثُ عمَّارٍ على وجه آخرَ: فروى الأعْمشُ، عن سلمةَ بنِ
كُهَيَلٍ، عن عبد الرحمن بن أبْزَى، عن عمَّارٍ، أنَّ النبيَّ وَِّقال له: ((إنما كان
يكفيك هكذا)) ثم ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب إحداهما على الأخرى، ثم
مسح وجهه، والذراعينِ إلى نصفِ الساعدينِ، ولم يبلغِ المرفقينِ، ضربةً
واحدةً.
خرَّجه أبو داود(١) .
وخرَّجه - أيضًا (٢) - من طريقِ سفيانَ الثوريِّ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن
أبي مالكٍ، عن عبد الرحمن بن أبزى، قالَ: كنتُ عند عمرَ، فقال عمَّارٌ:
قال النبيّ وَّ: ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا)) وضربَ بيديه إلى الأرضِ، ثم
نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصفِ الذراعِ.
(١) («السنن)) (٣٢٣).
(٢) ((السنن)) (٣٢٢).

٤٠٩
سورة المائدة
وخرَّجه النسائيّ (١) من طريقٍ سفيانَ، عن سلمةَ، عن أبي مالك - وعن
عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبزى، عن عبد الرحمنِ بنِ أَبْزى، قال: كنَّا عند
عمر - فذكر الحديثَ، وفيه: ثم مسح وجهه وبعضَ ذراعيهِ.
وقد رواه عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ: شعبةُ، وسفيانُ، والأعْمشُ، واختُلُفَ
عنهم في إسنادِهِ.
وقد تقدَّمَ: أنَّ في رواية شعبةَ أن سلمةَ شكَّ: هل ذكر فيه الذراعين، أو
الكفين خاصةً، وهذا يدلُّ على أنَّ ذكْرَ الذراعينِ أو بعضهِمَا لم يحفظه
سلمةُ، إنَّما شكَّ فيه، لكنَّه حفظ الكفين وتيقنَهُما، كما حفظه غيرُهُ.
وعلى تقديرٍ أن يكون ذكرُ بعضِ الذراعينِ محفوظًا فقد يحملُ على
الاحتياط لدخولِ الكوعينِ، أو يكونُ من بابِ المبالغةِ وإطالةِ التَّحجيلِ، كما
فعلَهُ أبو هريرةَ في الوضوءِ، وقد صرَّح الشافعيةُ باستحبابِهِ في التيممِ -
أيضًا .
وقد رُويَ عن قتادةَ، قال: حدَّثْني محدِّثٌ عن الشعبيِّ، عن عبدِ الرحمنِ
بن أبْزى، عن عمَّارِ بن ياسرٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لجيه قال: ((إلى المرفقين)).
خرَّجه أبو داود (٢) .
وهذا الإسنادُ مجهولٌ لا يَثْبُت.
والصحيحُ: عن قتادةَ، عن عزرةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيهِ،
عن عمَّارٍ، أنَّ النبيَّ بَّ أمرَهُ بالتيممٍ للوجه والكفينِ.
(١) ((السنن)) (١٦٨/١).
(٢) ((السنن)) (٣٢٨).

٤١٠
سورة المائدة
خرَّجه الترمذيُّ وصحَّحهُ (١) .
وخرَّجه أبو داودً(٢)، ولفظُه: أنَّ النبيَّ وَِّ أمرَه في التيممِ: ضربةً واحدةً
للوجه والکفینِ.
وقد روي عن عمَّارٍ، أَنَّهم تيمَّموا مع النبيِّ وَّ إلى المناكب والآباطِ: من
روايةِ الزهريِّ، عن عُبيد اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن
عمَّارِ، قال: نزلتْ رخصةُ التطهر بالصَّعيد الطَّيِّب، فقام المسلمون مع النبيّ
وَلَه، فضربوا بأيديهم الأرضَ، ثم رفعوا أيديهم ولم يَقبضوا من الترابِ
شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأيديَهم إلى المناكبِ، ومن بُطُون أيديهم إلى
الآباط .
(٣)
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائي
وقد اختُلِفُ في إسنادِهِ على الزهريِّ:
فقيل: عنه، كما ذكرنا.
وقيل: عنه، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ، عن أبيهِ، عن عمَّارِ،
كذا رواه عنه: مالكٌ وابنُ عُيْينةَ، وصحَّح قولهما أبو زُرعةَ وأبو حاتمٍ
الرَّازِيَّانِ .
وقيل: عن الزِّهريِّ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن عمَّارٍ - مرسلاً.
وهذا حديثٌ منكرٌ جدًا، لم يزلِ العلماءُ يُنكرونه، وقد أنكرَهُ الزهريُّ
راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناسُ -: ذكره الإمامُ أحمدُ وأبو داود
(١) ((الجامع)) (١٤٤).
(٢) («السنن)) (٣٢٧).
(٣) أخرجه: أحمد (٢٦٤/٤)، وأبو داود (٣٢٠)، والنسائي (١٦٧/١).

٤١١
سورة المائدة
وروي عن الزهريِّ، أنه امتنع أن يُحَدِّث به، وقال: لم أسمعه إلا من
عُبَيْدِ اللَّهِ، ورويَ عنه، أنه قالَ: لا أدري ما هو؟ !.
وروي عن مكحول، أنه كان يغضبُ إذا حدَّث الزهريَّ بهذا الحديثِ،
وعن ابنِ عُيّنة، أنه امتنع أن يُحدِّث به، وقال: ليسَ العملُ عليه.
وسئل الإمامُ أحمدُ عنه، فقالَ: ليسَ بشيءٍ - وقال - أيضًا -: اختلفُوا
في إسنادِهِ، وكانَ الزهريُّ يهابُه، وقال: ما أرى العملَ عليه.
وعلى تقديرِ صحَّتِهِ، ففي الجوابِ عنه وجهانِ :
أحدهما: أن النبيَّ وَّه لم يُعلِّمْ أصحابَهُ التيممَ على هذه الصِّفَةِ، وإنَّما
فعلوه عند نزول الآيةِ، لظنِّهم أن اليدَ المطلقةَ تشملُ الكفينِ والذراعينِ
والمَنْكِبَيْن والعضدين، ففعلُوا ذلكَ احتياطًا كما تمعَّك عمَّارٌ بالأرضِ للجنابةِ،
وظنَّ أنَّ تيمُّمَ الْجُنُبِ يعُمُّ البدنَ كلَّ كالغُسلِ، ثم بَيَّن النبيُّ ◌َّهِ التيممَ بفعلِهِ،
وقولِهِ: ((التيمم للوجه والكفين)) فرجَعَ الصحابةُ كلَّهم إلى بيانِهِ نَّل، ومنهم
عمَّارٌ راوِي الحديثِ، فإنه أفتى أن التيممَ ضربةٌ للوجهِ والكفينِ، كما رواه
حُصينٌ، عن أبي مالك، عنه، كما سبق.
وهذا الجوابُ ذكره إسحاقُ بنُ راهويه وغيره من الأئمةِ .
والثاني: ما قالهُ الشافعيُّ، وأنّه إن كان ذلكَ بأمْرٍ رسولِ اللَّهِ بََّ، فهو
منسوخٌ، لأنَّ عمَّارًا أخْبر أن هذا أولُ تيمُّم كان حينَ نزلتْ آيَةُ التيممِ، فكلّ
ءِ
تيمَّمٍ كان للنبيِّ نَّهِ بعدَهُ مخالفٌ له، فهو له ناسخٌ.
وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيرُه من العلماءِ.
وقد حكى غيرُ واحدٍ من العلماء عن الزهريِّ، أنَّه كان يذهبُ إلى هذا

٤١٢
سورة المائدة
الحديث الذي رواه.
ورُوي عن عبدِ الوهَّابِ بنِ عطاءِ، عن سعيد، عن قتادةَ، أنَّ الزُّهريَّ
قال: التيمم إلى الآباط، قال سعيد: ولا يُعجبنا هذا.
قلت: قد سبقَ عن الزهري أنه أنكر هذا القول، وأخبر أن الناس لا
يعتبرونَ به، فالظاهرُ أنه رجع عنه لما علم إجماع العلماءِ على مخالفته واللَّه
أعلمُ.
وذهبَ كثيرٌ من العلماءِ إلى أنه ينتهي المسحُ لليدين بالترابِ إلى المرفقينِ،
هذا مرويٌ عن ابنِ عمرَ وجابرِ - رِوَّه؟ - وروي - أيضًا - عن سالمِ بنِ
عبد اللَّهِ، والشَّعْبيِّ، والحسنٍ، والنخَعِيَّ، وقتادةَ، وسفْيانَ، وابن المبارك،
واللَّيْثِ، ومالك، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ.
واستدلَّ بعضُهم: بالأحاديثِ المرفوعةِ المروية في ذلكَ، ولا يثبت منها
شيءٌ، كما سبق الإشارةُ إلى ذلك.
واستدلُّوا - أيضًا -: بأنَّ اللَّهَ تعالى أمرَ بغسلِ اليدينِ في الوضوءِ إلى
المرفقين، ثم ذكر في التيممٍ مسحَ الوجهِ واليدينٍ، فينصرفُ إطلاقهما في
التيممٍ إلى تقييدِهِما في الوضوءِ، لا سيَّما وذلكَ في آيةٍ واحدةٍ، فَهُوَ أولى
مِنْ حَمْلِ المُطْلَقِ علي المُقَّدِ في آيتينِ .
وأجابَ من خالفَهُم: بأن المطلق إنما يحملَ على المقيدِ في قضيةٍ واحدةٍ،
والوضوءُ والتيممُ طهارتانِ مختلفتان، فلا يصحّ حملُ مطلقِ أحدِهما على
مقیدِ الآخرِ .
ويدلُّ على ذلك: أن أصحابَ النبيِّ وَِّ عند نزولِ آيَةِ التيممٍ لم يفهموا

٤١٣
سورة المائدة
حملَ المطلقِ على المقيدِ فيها، بل تيمّمُوا إلى المناكبِ والآباطِ، وهم أعلمُ
الناسِ بلُغةِ العربِ، ثم بَيَّن النبيُّ ◌َّ أن التيممَ للوجهِ والكفينِ، وهو
- أيضًا - يُنافي حمْلَ المطلقِ على المقيدِ فيها.
وذهب آخرونَ: إلى أن التيممَ يمسح فيه الكفان خاصةً.
وقد حكى ابنُ المنذرِ لأهلِ هذه المقالةِ قولين: أحدهما: يمسحُ الكفين إلى
الرسغينِ، وحكاه عن عليَّ، والثاني: يمسحُ الكفين مطلقًا، قال: هو قولُ
عطاء، ومكحولٍ، والشعبي، والأوزاعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ.
قال: وبهذا نقولُ للثابت عن نبيِّ اللَّهِ وَلِّ، أَنَّه قال: ((التيممُ ضربةٌ للوجه
والکفین)).
و م
قلتُ: هذا يُوهم أن من قالَ بمسح الوجه والكفين، أنه لا ينتهي مسحهما
إلى الكوعين، وهذا كما حكاهُ ابنُ عطيّة عن الشعبيِّ، كما سبق عنه، وليس
هذا قولُ الأئمةِ المشهورينَ.
وقد روى داودُ بنُ الحُصَّيْنِ، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، أنه سُئل عن
التيممٍ، فقال: إنَّ اللَّهَ قال في كتابِهِ حينَ ذكر الوضوءَ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في التيممِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُ جُوهِكُمْ وايْدِيكُم
منه﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فكانت
السُّنةُ في القطعِ الكفين، إنما هو: الوجهُ والكفينِ - يعني: التيممِ .
خرَّجه الترمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ(١).
وروى الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ هذا المعنى - أيضًا.
(١) ((الجامع)) (١٤٥).

٤١٤
سورة المائدة
وكذلك استدلَّ بهذا الدليل مكْحُولٌ وأحمدُ وغيرُهما من الأئمة، وقالُوا:
إنَّ القطعَ يكونُ من الرَّسْغِ، فكذلك التيممُ.
والرسغُ: هو مَفْصل الكفِّ، وله طرفانِ هما عظمانٍ، فالذي يلِي الإبهامَ
كوعٌ، والذي يلي الخِنْصرَ كُرُسُوعٌ.
ومضمون هذا الاستدلال: أن اليدَ إذا أُطلقتْ انصرفتْ إلى الرُّسْغِ، وإن
قُيِّدت بموضعٍ تقيدتْ به، فلما قيدتْ بالمرفقين في الوضوءِ وجبَ غَسْلُ
الذراعينِ إلى المرفقين، ولما أُطلقتْ في التيممِ وجبَ إيصالُ الترابِ إلى
الرسغ، كما تُقطع يدُ السارقِ ويدُ المحاربِ منه.
وكذا قالَ الأوزاعيُّ: التيممُ ضربةٌ للوجهِ والكفينِ إلى الكُوعينِ.
وكذلك نصَّ إسحاقُ على أنَّ التيممَ يبلغ إلى الرسغ، وخطَّأ من قال: لا
يُجزئ ذلك. وقال: الصحيحُ عن النبيِّ ◌َّهِ المعروفُ المشهورُ الذي يرويه الثقة
عن الثقة بالأخبارِ الصحيحةِ: أنَّ النبيَّ نَّهِ علَّم عمَّارَ بنَ ياسرِ التيممَ للوجهِ
والكفينِ، قال: وعلى ذلكَ كان عليّ بنُ أبي طالبٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ،
والشعبيُّ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، ومكحُولٌ وغيرُهم، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يدَّعي
على هؤلاء أنهم لم يعرِفُوا التيممَ. قال: ولو قالُوا: الذراعينِ أحبُّ إلينا
اختياراً لكان أشْبَهُ.
وروى حرْبٌ بإسنادِهِ، عن زائدة، عن حُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي
مالك، عن عمَّارِ، أنه غَمَس باطنَ كفَّيْه بالترابِ، ثم نفخ يدَه، ثم مسح
وجهَهُ ويديه إلى المفْصلِ .
وبإسناده: عن عبدِ العزيزِ بن أبي رَوّادٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قالَ:

٤١٥
سورة المائدة
التيممُ ضَرْبَتَانِ: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ للكفّيْنِ .
قال: وثنا أحمدُ بنُ حنبلِ: ثنا سليمانُ بنُ حيَّنَ: أبنا حجَّاج، عن عطاء
والحَكَمِ، عن إبراهيمَ، قال: التيممُ ضربتانِ للكفين والوجهِ .
قال: وثنا محمودُ بنُ خالد: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن حامدٍ وسعيدِ بنِ
بشير، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: التيممُ ضربةٌ واحدةٌ للوجه
والکفین .
قال الوليدُ: وأبنا الأوزاعيُّ، عن عطاء، أنه كان يقولُ في التيممٍ: مسحةٌ
واحدةٌ للوجهِ، ثم ضربةٌ أخرى لكفَّيْه، وبه يأخذُ الأوزاعيَّ.
وروى حرْبٌ بإسنادِهِ عن إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، قال: سألتُ الشَّعْبيَّ عن
التيممَ؟ فضربَ بيديه الأرضَ، ثم قرن إحداهما بالأخرى، ثم مسح وجهه
و کفیه .
قال حرْبٌ: سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ أحمدَ بنِ حنْبَلٍ، يقولُ: والتيممُ ضربٌ
واحدةٌ للوجه والكفينِ، يبدأُ بوجههِ، ثم يمسحُ كفَّهِ إحداهما بالأخرَى، قيل
له: صحَّ حديثُ عمَّارِ، عن النبيِّ ◌َّ في ذلك، قال: نعم، قد صح.
والقولُ بأنَّ الواجبَ في التيممِ مسحُ الكفينِ فقط: روايةٌ عن مالك، وقولٌ
قديم للشافعيِّ، قال في القديمِ - فيما حكاه البيهقيّ في ((كتابِ المعرفةِ)) -:
قد رُوي عن النبيِّ وَّلَ في الوجهِ والكفينِ، ولو أعلمُه ثابتًا لم أعْدُهُ، قال:
فإنه ثبت عن عمَّارِ، عن النبيِّ بَّهِ الوجه والكفين، ولم يثبت إلى المرفقينِ،
ء
فما يثبت عن النبيِّ وَ﴿ أولى، وبهذا كان يُفُتي سعيدُ بنُ سالمٍ، انتهى.
ومن العلماءِ من قالَ: الواجبُ مسحُ اليدينِ إلى الكُوعَيْنِ، ويُستحبُّ

٤١٦
سورة المائدة
مسحُهما إلى المرفقين، ولعله مرادُ كثيرٍ من السَّلَفِ - أيضًا - فإن منهم من
رُوي عنه: إلى الكُوعين، وروي عنه: إلى المرفقينِ، كالشعبيِّ وغيرِهِ، فدلَّ
على أن الكُلَّ عندَهُم جائز.
وهو - أيضًا - رواية عن مالك، وقولُ وكيع، وإسحاقَ، وطائفةٌ من
أصحابنا، وحكَوْه روايةً عن أحمدَ، والمنصوصُ عنه يدلُّ على أن ذلك جائزٌ،
لا أنه أفضلُ.
وسيأتي ذِكْرُ الضربةِ الواحدةِ، والضربتين فيما بعد - إن شاء اللَّه تعالى،
فإن البخاريَّ أَفْرَدَ لذلك بابً(١).
وقد صحَّ عن النبيِّنَّ أَمْرُ الجنبِ إذا لم يجدِ الماءَ بأن يتيمَّمَ ويصلِّي، في
حديثِ عمرانَ بنِ حُصينِ المتقدمٍ، وحديثِ عمَّارٍ، ورويَ - أيضًا - من حديث
أبي ذرٌّ وغيرِه.
وشُبهةُ المانعينَ: أنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾
[النساء: ٤٣]، وقال: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جَنْبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] - يعني به: الغُسْلَ - ثم
ذكر التيممَ عند فقْدِ الماءِ بعد ذكره الأحداثَ الناقضةَ للوضُوءِ، فدلَّ على أنَّه
إنَّما رخَّصَ في التيممِ عندَ عدمِ الماءِ لمن وُجدتْ منه هذه الأحداثُ، وبقِيَ
الجُنُبُ مأمورًا بالغسلِ بكلِّ حالٍ .
وهذا مردودٌ؛ لوجهینِ:
أحدهما: أنَّ آيَةَ الوضوءِ افتتحت بذكر الوضوءِ، ثم بغسلِ الجنابةِ، ثم أمرَ
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٠ - ٦٢).

٤١٧
سورة المائدة
بعد ذلك بالتيممِ عند عدمِ الماءِ، فعادَ إلى الحدثينِ معًا، وإن قيلَ: إنه يعودُ
إلى أحدهما، فعودُه إلى غسل الجنابةِ أولى؛ لأنه أقربُهُما، فأما عودُه إلى
أبعدِهِم وهو - وضوءُ الصلاةِ - فممتنعٌ.
وأمَّا آيَةُ سورة النساءِ، فليسَ بها سوى ذكرِ الجنابةِ، وليسَ للوضوءِ فيها
ذكرٌ، فكيفَ يعودُ التيممُ إلى غيرِ مذكورِ فيها، ولا يعودُ إلى المذكورِ؟
والثاني: أنَّ كلتا الآيتينِ: أمر اللَّهُ بالتيممٍ من جاء من الغائط، ولَسَ النساءَ
أو لم يجد الماءَ، ولَمْسُ النِّساءِ إما أن يراد به الجماعُ خاصةً، كما قاله ابنُ
عباسٍ وغيرُهُ، أو أنه يدخل فيه الجماعُ وما دونه من الملامسة لشهوة كما يقولُه
غيرُهُ، فأما أن يُخَصَّ به ما دون الجماعِ ففيه بُعْدٌ.
ولمَّا أوردَ أبو موسى على ابنِ مسعودٍ الآيَةَ تحيّر ولم يُدرِ ما يقول، وهذا
يدلُّ على أنه رأى أن الآية يدخل فيها الجنب كما قاله أبو موسى.
وفي أمْرِ النبيِّ نَّهِ الجنبَ العادِمَ للماءِ أن يتيمَّمَ ويصلِّي دليلٌ على أنه وَّ
فهِمَ دخولَ الجنبِ في الآيةِ، وليس بعد هذا شيءٍ.
ورَدُّ ابنِ مسعودٍ تيممَ الجنبِ؛ لأنه ذريعةٌ إلى التَّيَمُّم عندَ البردِ؛ لم يوافقْ
عليه، لأنَّ النصوصَ لا تُرَدُّ بسدِّ الذرائع، وأيضًا، فيقالُ: إن كان البردُ
يخشى معه التلف أو الضرر فإنه يجوز التيمم معه كما سبق.
وقد روى شُعْبةُ، أنَّ مُخارِقًا حدثهم، عن طارق، أنَّ رجلاً أجنبَ فلم
يصلِّ، فأتى النبيَّ ◌َّ فذكر ذلك له، فقالَ لهُ: ((أصَبْتَ))، وأجنب رجل آخرُ
فتيمم وصلَّى، فأتاه بَِّ، فقال له نحوًا مما قال للآخرِ - يعني: ((أصَبْتَ)).

٤١٨
سورة المائدة
خرَّجه النسائيَّ وهو مرسل (١)
وقد يُحملُ هذا على أنَّ الأولَ سأله قبل نزول آية التيممٍ، والآخرَ سأله
بعد نزولها .
وروى أبو داود الطيالسيُّ(٢)، عن شعبةَ، عن الحكمٍ، عن ذَرٍّ، عن ابنِ
أبْزى، عن أبيه أنَّ عمَّارًا قال لعمرَ: أما تذْكُر يا أمير المؤمنين أني كنتُ أنا
وأنت في سَرِيَّةٍ فأجنبنا ولم نجدِ الماءَ، فأما أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكتُ
بالترابِ وصليتُ، فلما قدِمنا على رسولِ اللَّهِ وَلِّ ذكرنا ذلكَ لهُ، فقالَ: ((أما
أنت فلم يكن ينبغي لك أن تدع الصلاة، وأما أنت يا عمَّارُ فلم يكنْ لكَ أن تتمعك كما
تتمعكُ الدابةُ، إنما كان يُجزيك)) - وضربَ رسولُ اللَّهِ وَلَه بيدِهِ إلى الأرضِ إلى
الترابِ، ثم قال: ((هكذا))، ونفخ فيها ومسح وجهه ويديه إلى المفصل. وليس
فيه الذراعان(٣).
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسيَةً يُحَرّفُونَ
الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةِ
مِنْهُمْ إِلَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
لُيُتدبرْ ما ذَّ اللَّهُ به أهلَ الكتابِ من قسوةِ القلوبِ بعد إيتائِهم الكتابَ
ومشاهدتِهِم الآياتِ كإحياءِ القتيلِ المضروبِ ببعضِ البقرةِ، ثم نهينا عن
التشبيهِ بهم في ذلك، فقيل لنا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
(١) ((السنن)) (١٧٢/١).
(٢) («المسند» (٦٧٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٨٢/٢ - ٨٤).

٤١٩
سورة المائدة
وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ
قُلُوبُهُمْ وَكَغِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: ١٦].
وبيَّنَ في موضعٍ آخرَ سببَ قسوةٍ قلوبِهِم، فقال: سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم
مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، فأخبرَ أنَّ قسوةَ قلوبِهِم كانَ
عقوبةً لهُم على نقضِهِم مواثيقَ اللَّهِ وعهودِهِ أنْ لا تفعلُوا ذلك.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿يُحَرِفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]،
فذكرَ أنَّ قسوةَ قلوبِهم أوجبتْ لهم خصلتينِ مذمومتين :
إحداهما: تحريف الكلم من بعدِ مواضعِهِ.
والثانية: نسيانُهم حظا ممّا ذكِّرُوا به، والمرادُ تركُهُم وإهمالُهُم نصيبًا ممّا ذُكِّرُوا
به من الحكمة والموعظة الحسنةِ، فنسوا ذلكَ وتركُوا العملَ به وأهملُوه.
وهذانِ الأمرانِ موجودانٍ في الذين فسدُوا من علمائنا لمشابهتِهِم لأهلٍ
الكتاب :
أحدهما: تحريفُ الكلم، فإنَّ من تفقَّه لغير العملِ يقسُو قلبُهُ فلا يشتغلُ
بالعملِ، بل بتحريفِ الكلمٍ، وصرفِ ألفاظِ الكتابِ والسنةِ عن مواضعِها،
والتلطفِ في ذلكَ بأنواعِ الحيلِ اللطيفةِ، من حمْلِها على مجازاتِ اللغةِ
المستبعدَةِ ونحوِ ذلك، والطعنُ في ألفاظِ السننِ حيثُ لم يمكنْهم الطعنُ في
ألفاظِ الكتابِ، ويذمُّونَ من تمسَّكَ بالنصوصِ وأجْرَاها على ما يُفْهمُ منها
ويسمونه جاهلاً أو حسودًا. وهذا يوجدُ في المتكلمينَ في أصولِ الدياناتِ،
وفي فقهاءِ الرأي، وفي صوفيةِ الفلاسفةِ والمتكلمينَ.
والثاني: نسيانُ حظ مما ذُكِّرُوا به من العلم النافعِ فلا تتعظُ به قلوبُهم، بل

٤٢٠
سورة المائدة
يذمُّون من تعلَّمَ ما يبكيه ويرِّقُ به قلبُهُ ويسمونَهُ قاصا.
ونقلَ أهلُ الرأي في كتبِهِم عن بعضِ شيوخِهِم أنَّ ثمراتِ العلومِ تدلُّ على
شرفِهَا، فمن اشتغلَ بالتفسيرِ فغايتُه أن يقصَّ على الناسِ ويذكرَهم. ومن
اشتغلَ برأيهم وعلمِهِم فإنَّه يفتي ويقضِي ويحكمُ ويدرِّسُ، وهؤلاءِ لهُم
نصيبٌ من الذين: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾
[ الروم : ٧ ].
والحاملُ لهم على هذا شدَّةٌ محبَّتِهِم للدنيا وعلوِّها ولو أنهم زهِدُوا في
الدنيا ورغِبُوا في الآخرةِ، ونصحُوا أنفسَهُم وعبادَ اللَّهِ لتمسَّكُوا بما أنزلَ اللَّهُ
على رسولِهِ، وألزمُوا الناسَ بذلك، فكان الناسُ حينئذٍ أكثرُهُم لا يخرجونَ
عن التقوى. فكان يكفيهم ما في نصوصِ الكتابِ والسنةِ، ومن خرج منهم
عنها كانَ قليلاً، فكانَ اللَّهُ يقيضُ من يفهمُ من معاني النصوصِ ما يردّ به
الخارجُ عنْهَا إلى الرجوع إليهَا ويستغنِي بذلكَ عمَّا وَلَّدوه من الفروعِ الباطنةِ
والحيلِ المحرّمةِ التي بسببها انفتحتْ أبوابُ الرياءِ وغيرِه من المحرَّمات،
واستُحلَّتْ محارمُ اللَّهِ بأدنى الحيل، كما فعلَ أهلُ الكتاب: ﴿فَهَدَى اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ﴾(١) [البقـ
[ البقرة : ٢١٣].
(١) ((فضل علم السلف)) (٨٠ - ٨٣).