Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة النساء
السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ
وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ }
قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنثَيْنِ﴾ [النساء: ١١]،
فهذا حكمُ اجتماعٍ ذكورِهم وإناثِهم أنَّه يكونُ للذكرِ منهم مثلُ حظ الأنثيينِ،
ويدخلُ في ذلك الأولادُ، وأولادُ البنينَ باتِّفاقِ العلماءِ، فمتى اجتمعَ من
الأولاد إخوةٌ وأخواتٌ، اقتسَمُوا الميراثَ على هذا الوجهِ عند الأكثرينَ، فلو
كانَ هناكَ بنتٌ للصَّلبِ أو ابنتانٍ، وكان هناك ابنُ ابنٍ مع أخته اقتسما الباقِي
أثلاثًا، لدخولِهم في هذا العمومِ. هذا قولُ جمهورِ العلماءِ، منهم عمرُ
وعليٌّ وزيدٌ وابنُ عباسٍ، وذهبَ إليه عامَّةً العلماءِ، والأئمةُ الأربعةُ.
وذهبَ ابنُ مسعودٍ إلى أنَّ الباقي بعدَ استكمالِ بناتِ الصُُّبِ الثلثين، كلُّه
لابن الابنٍ، ولا يُعْصِّبُ أخته، وهو قولُ علقمةَ وأبي ثورِ وأهلِ الظاهرِ، فلا
يُعْصِّبُ عندَهُم الولدُ أختَه إلا أن يكونَ لها فريضةٌ لو انفردتْ عنه، فكذلك
قالُوا فيما إذا كان هناكَ بنتٌ وأولادُ ابنِ ذكورٌ وإناث: إنَّ الباقي لجميعِ ولد
الابنِ، للذكرِ منهم مثلُ حظِّ الأنثيينِ.
وقال ابنُ مسعودٍ في بنتٍ وبناتِ ابنٍ وبني ابنٍ: للبنتِ النصفُ، والباقي
بين ولدِ الابنِ، للذكرِ مثلُ حظِّ الأُنثيين إلا أن تزيدَ المقاسمةُ بناتَ الابنِ على
السدسِ، فيُفرضُ لهنَّ السدسُ، ويجعلُ الباقي لبني الابنِ، وهو قولُ أبي
ثَوْر.
وأمَّا الجمهورُ، فقالُوا: النصفُ الباقي لولدِ الابنِ، للذكرِ مثلُ حظِّ الأنثيين
عملاً بعمومِ الآيةِ، وعندهم أن الولدَ وإن نزَلَ يُعَصِّبُ من في درجتِهِ بكلِّ

٢٨٢
سورة النساء
حال، سواء كان للأنثى فرض بدونه أو لم يكن، ولا يُعَصِّبُ من أعلى منه
ے
من الإناثِ إلا بشرطِ أن لا يكونَ لها فرضٌ بدونه، ولا يُعصِّبُ من أسفلَ منه
بكلِّ حالٍ.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُنَا مَا تَرَكِ وَإِن كَانَتَ وَاحِدَةً فَلَهَا
النّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، فهذا حكمُ انفرادِ الإناثِ من الأولاد أن للواحدة
النصفَ، ولما فوقَ الاثنتينِ الثلثانِ، ويدخلُ في ذلك بناتُ الصلبِ وبناتُ
الابنِ عند عدمهِنَّ، فإن اجتمعنَ، فإن استكملَ بناتُ الصلبِ الثلثين، فلا
شيءَ لبناتِ الابنِ المنفرداتِ، وإن لم يستكملِ البناتُ الثُّلثين، بل كانَ ولدُ
الصلبِ بنتًا واحدةً، ومعها بناتُ ابنٍ، فللبنتِ النّصفُ، ولبناتِ الابنِ السدسُ
تكملةَ الثلثين، لئلا يزيدَ فرضُ البنات على الثلثين.
وبهذا قَضى النبيِّ وَّ في حديثِ ابنِ مسعودٍ (١) الذي تقدَّمَ ذكرُهُ، وهو
قولُ عامَّةِ العلماءِ، إلا ما رُوي عن أبي مسعودٍ(٢) وسلمانَ بنِ ربيعةً أنه لا
شيء لبنتِ الابنِ، وقد رجعَ أبو موسى إلى قولِ ابنِ مسعودٍ لما بلغَهُ قولُهُ في
ذلك(٣).
وإنما أُشكِلَ على العلماءِ حكمُ ميراثِ البنتينِ، فإنَّ لهما الثلثين بالإجماعِ
كما حكاه ابنُ المنذرِ وغيرُهُ، وما حُكيَ فيه عن ابن عباسٍ أنَّ لهما النِّصفَ،
فقد قيل: إن إسنادَهُ لا يصحُّ، والقرآنُ يدلُّ على خلافه، حيث قال تعالى:
٠٠
﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَهَا النّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، فكيف تُورث أكثرُ من واحدة
(١) أخرجه: البخاري (١٨٨/٨، ١٨٩).
(٢) كذا بالأصول، ولعل الصواب عن ((أبي موسى)) كما في ((أبي داود)).
(٣) أبو داود (٢٨٩٠).

٢٨٣
سورة النساء
النصفَ؟ وحديثُ ابن مسعودٍ في توريثِ البنتِ النصفَ وبنتِ الابنِ السدسَ
تكملة الثلثين يدلُّ على توريثِ البنتين الثلثين بطريقِ الأولى.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُ (١) من حديثِ جابرٍ: أنَّ النبيَّ
وَُّ ورَّث ابنتيْ سعدِ بنِ الرَّبِيعِ الثلثينِ.
ولكن أشكلَ فهمُ ذلكَ من القرآنِ لقولِهِ تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾
[النساء: ١١]، فلهذا اضطربَ الناسُ في هذا، وقالَ كثيرٌ من الناسِ فيه أقوالاً
مستبعدة .
ومنهم من قالَ: استُفيد حكم ميراث الابنتين من ميراث الأختين، فإنَّه قال
تعالى: ﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلْثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، واستُفيد حكمُ
ميراثِ أكثر من الأختينِ من حكمٍ ميراثِ ما فوقَ الاثنتينِ.
ومنهم من قال: البنتُ مع أخيها لها الثلثُ بنصِّ القرآنِ، فلأنْ يكونَ لها
الثلثُ مع أختِهَا أولى، وسلكَ بعضُهم مسلكًا آخر، وهو أنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ
حُكمَ توريثِ اجتماعِ الذكورِ والإناثِ من الأولادِ، وذكر حُكْمَ توريثِ الإناثِ
إذا انفردنَ عن الذكور، ولم ينصَّ على حكم انفرادِ الذكور منهم عن الإناثِ،
وجعل حُكمَ الاجتماع أن الذكرَ له مثلُ حظِّ الأنثيين، فإن اجتمعَ مع الابنِ
ابنتان فصاعدًا، فله مثلُ نصيبِ اثنتين منهنَّ، وإن لم يكنْ معهُ إلا ابنةٌ
٠
واحدةٌ فله الثلثان ولها الثلثُ، وقد سمَّى اللَّه ما يستحقه الذكرُ حظَّ الأنثيين
مطلقًا، وليس الثلثان حظَّ الأنثيين في حالِ اجتماعِهِمَا مع الذكرِ، لأنَّ
حظَّهما حينئذ النِّصفُ، فتعيَّن أن يكونَ الثُّلثان حظَّهما حال الانفراد.
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٥٢/٣)، وأبو داود (٢٨٩٢)، والترمذي (٢٠٩٣) وابن ماجه
(٢٧٢٠) .

٢٨٤
سورة النساء
وبقي ها هنا قسمٌ ثالثٌ لم يصرِّح القرآنُ بذكرِهِ، وهو حكمُ انفرادِ الذكورِ
من الولدِ، وهذا مما يُمكن إدخالُهُ في حديثِ ابن عباسٍ: ((فما بقي فلأوْلى
رجلٍ ذَكَرٍ))، فإنَّ هذا القسمَ قد بقي ولم يصرَّح بحكمه في القرآن، فيكون
المالُ حينئذٍ لأقربِ الذكور مِنَ الولد والأمرُ على هذا، فإنَّه لو اجتمعَ ابنٌ
وابنُ ابنٍ، لكانَ المالُ كُلُّه للابنِ، ولو كان ابنُ ابنٍ وابنُ ابنِ ابنِ، لكانَ المالُ
كُلُّه لابنِ الابنِ على مقتضى حديثِ ابنِ عباسٍ، والله أعلم.
ثم ذكر تعالى حكمَ ميراثِ الأبوين، فقال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ
مِمَّ تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ ﴾ [ النساء: ١١]، فهذا حكمُ ميراثِ الأبوين
إذا كانَ للولدِ المتوفَّى ولدٌ، وسواءٌ في الولدِ الذكر والأنثى، وسواءٌ فيه ولدُ
الصلبِ وولدُ الابنِ، هذا كالإجماعِ من العلماءِ، وقد حكى بعضُهُم عن
مجاهد فيه خلافًا، فمتى كانَ للميتِ ولدٌ، أو ولدُ ابنٍ، وله أبوان، فلكلِّ
واحدٍ من أبويه السُّدسُ فرضًا، ثم إن كان الولدُ ذكرًا، فالباقي بعد سدسي
الأبوين له، وربما دخل هذا في قوله {وَله: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي
فلأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ)(١).
وأقرب العصبات الابنُ، وإن كان الولدُ أنثى، فإن كانتا اثنتين فصاعدًا،
فالثُّلثان لهنَّ، ولا يَفضُلُ منَ المالِ شيءٌ، وإن كانت بنتاً واحدةً، فلها النصف
ويفضلُ من المال سدسٌ آخر، فيأخذُهُ الأبُ بالتَّعصيبِ، عملاً بقوله مَلآ:
((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فالأولى رجل ذكر))، فهو أولى رجلٍ ذكر عندَ فقد
٠
الابنِ، إذ هو أقربُ من الأخِ وابنِهِ والعمُّ وابِنِهِ.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلْأُمّهِ الثَّلَثَ ﴾ [النساء: ١١]،
(١) أخرجه البخاري (١٨٧/٨)، ومسلم (٥٩/٥) من حديث ابن عباس فظرشا

٢٨٥
سورة النساء
يعني: إذا لم يكن للميت ولدٌ، وله أبوانٍ يرثانِه، فلأُمِّه الثلث، فيُفهم من
ذلك أنَّ الباقي بعد الثلثِ للأبِ، لأنه أثبتَ ميراثَه لأبويه، وخصَّ الأمَّ من
الميراثِ بالثلثِ، فعلم أنَّ الباقي للأبِ، ولم يقُل: فللأبِ - مثلاً -: ما للأمِّ،
لئلا يُوهم أنَّ اقتسامَهُما المال هو بالتَّعصيبِ كالأولاد والإخوةِ، إذا كان فيهم
ذكورٌ وإناثٌ.
وكان ابنُ عباسٍ يتمسَّكُ بهذهِ الآيةِ بقولِهِ في المسألتين الملقبتينِ بالعُمريتينِ
وهما زوجٌ وأبوان، وزوجةٌ وأبوان، فإن عمر قضى أن الزوجين يأخذان
فرضَهُما من المال، وما بقي بعد فرضهما في المسألتين، فللأم ثلتُه، والباقي
للأب(١) ، وتابعه على ذلك جمهور الأُمَّة.
وقال ابن عباسٍ: بل للأم الثلثُ كاملاً، تمسُّكًا بقوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ
وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلْأُمّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١].
وقد قيلَ في جوابٍ هذا: إنَّ اللَّهَ إنما جعل للأمِّ الثلثَ بشرطين: أحدُهما
أن لا يكونَ للولدِ المُتوفَّى ولدٌ، والثاني: أن يرثَه أبواه، أي: أن ينفرِدَ أبواه
بميراثه، فما لم ينفردْ أبواه بميراثه، فلا تستحقُّ الأمُّ الثلثُ، وإن لم يكن
للمتوفَّی ولدٌ.
وقد يقال - وهو أحسنُ -: إن قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلْأُمّهِ الثَّلُثُ﴾ [النساء: ١١]
٠٠
أي: فَمَّ ورثه الأبوان، ولم يقل: فلأمه الثلثُ مما ترك كما قال في السَّدس،
فالمعنى أنَّه إذا لم يكن له ولدٌ، وكان لأبويه من ماله ميراثٌ، فللأمِّ ثُلُثُ ذلك
الميراثِ الذي يختصُّ به الأبوان، ويبقى الباقي للأبِ.
ولهذا السرِّ - واللَّهُ أعلمُ - حيثُ ذكرَ اللَّه الفروضَ المقدَّرَةَ لأهلها، قال
(١) أخرجه: عبد الرزاق (٢٥٢/١٠ - ٢٥٣).

٢٨٦
سورة النساء
فيها: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، أو ما يدلُّ على ذلك، كقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ
دينٍ﴾، ليبين أن ذا الفرض حَقُّه ذلك الجزءُ المفروضُ المقدَّر له من جميعِ المالِ
بعد الوصايا والديون، وحيثُ ذكر ميراثَ العصبات، أو ما يقتسمُهُ الذُّكورُ
والإناثُ على وجهِ التَّعصيبِ، كالأولادِ والإخوةِ لم يقيِّده بشيءٍ من ذلك،
ليبيِّنَ أنَّ المالَ المقتسَمَ بالتَّعصيبِ ليسَ هو المال كُلَّهُ، بل تارةً يكونُ جميعَ
المال، وتارةً يكونُ هو الفاضلَ عن الفروضِ المفروضةِ المقدّرةِ.
وهُنَا لَّا ذكرَ ميراثَ الأبوينِ من ولدِهِما الذي لا ولدَ لَهُ، ولم يكنْ
اقتسامُهُما للميراثِ بالفرضِ المحضِ، كما في ميراثِهِما مع الولدِ، ولا كان
بالتَّعصيب المحض الذي يُعصب فيه الذَّكر الأنثى، ويأخذ مِثلي ما تأخذُهُ
الأنثى، بل كانت الأمُّ تأخذُ ما تأخذُهُ بالفرضِ، والأبُ يأخذُ ما يأخذُهُ
بالتَّعصيب، قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثَّلُث﴾ [ النساء: ١١]، يعني: أن القدرَ الذي
يستحقَّه الأبوان من ميراثِهِ تأخذُ الأمُّ ثلثُه فرضًا، والباقي يأخذه الأب
بالتَّعصيبِ، وهذا ممَّا فتح اللَّه به، ولا أعلم أحداً سبقَ إليه، ولله الحمد
والمنّة .
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَّهُ إِخْوَةٌ فَلْأُمّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ
دينٍ﴾ [النساء: ١١]، يعني للأمِّ السدس مع الإخوةِ من جميع التركة الموروثةِ
التي يقتسمُها الورثةُ، ولم يذكرْ هُنَا ميراثَ الأبِ مع الأمّ، ولا شكَّ أنَّه إذا
اجتمعَ أمُّ وإخوةٌ وليس معهم أبٌ، فإنَّ للأمِّ السدسَ، والباقي للإخوةِ،
ويحجبُها الأخوانِ فصاعدًا عندَ الجمهورِ .
وأما إن كانَ مع الأمِّ والإخوةِ أبٌ، فقال الأكثرونَ: يحجبُ الإخوةَ الأمُّ
ولا يرثون، ورُويَ عن ابنِ عباسِ أنهم يرثُون السَّدسَ الذي حجبوا عنه الأمُّ

٢٨٧
سورة النساء
بالفرضِ، كما يَرِثُ ولدُ الأمِّ مع الأمِّ بالفرضِ .
وقد قيلَ: إنَّ هذا مبنيٌّ على قولِهِ: ((إنَّ الكلالة من لا ولدَ له خاصة))،
ولا يُشترط للكلالة فقْدُ الوالد، فيرثُ الإخوةُ مع الأبِ بالفرضِ .
ومن العلماء المتأخرين من قالَ: إذا كانَ الإخوةُ محجوبينَ بالأبِ، فلا
يَحْجُبُون الأمَّ عن شيءٍ، بل لها الثُّلثُ، ورجَّحَهُ الإمامُ أبو العباسِ ابنِ تيميةَ
رحمة اللَّهِ عليه، وقد يُؤْخذُ من عمومٍ قولِ عمرَ وغيرِهِ من السَّلْفِ: من لا
يرثُ لا يَحجبُ، وقد قالَ نحوَهَ أحمدُ والخِرَقي، لكن أكثرَ العلماءِ يحملونَ
ذلكَ على أنَّ المرادَ منْ ليسَ له أهليّةُ الميراثِ بالكليّةِ كالكافرِ والرقيقِ، دونَ
من لا يرثُ لانحجَابِهِ بمنْ هو أقربُ منه، واللَّهُ أعلم.
وقد يشهدُ للقولِ بأنَّ الإخوةَ إذا كانُوا محجوبينَ لا يحجُبُونَ الأمَّ أنَّ اللَّهَ
تعالى قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلْأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] ولم يذكرِ الأبُ، فدلَّ
على أنَّ ذلك حكمُ انفرادِ الأم مع الإخوةِ، فيكون الباقي بعد السدسِ كلِّه
لهم، وهذا ضعيفٌ، فإن الإخوةَ قد يكونون من أمِّ، فلا يكونُ لهم سوى
الثلث، واللَّهُ تعالى أعلمُ.
واعلم أن اللَّهَ تعالى ذكرَ حُكْمَ ميراثِ الأبوين، ولم يذكر الجَدَّ ولا الجَدَّةَ،
فأما الجدَّةُ، فقد قال أبو بكرِ الصديقُ وعمرُ بنُ الخطابِ خُوفيها: إنه ليسَ لهَا
في كتابِ اللَّهِ شيء١ٌ) ، وقد حكَى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على ذلكَ، وأنَّ
فرضَهما إنما ثبتَ بالسُّنَّة، وقيلَ: إنَّ السُّدسَ طُعْمَةٌ أطعَمَها رسولُ اللَّهِ وَه
وليس بفرضٍ، كذا رُوي عن ابنِ مسعودٍ وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
(١) أخرجه: أحمد (٢٢٥/٤)، وأبو داود (٢٨٩٤)، والترمذي (٢١٠١)، والنسائي في ((الكبرى))
((تحفة الأشراف)) (١١٢٣٢).

٢٨٨
سورة النساء
وقد رُوي عنِ ابنِ عباسٍ من وجوهِ فيها ضعفٌ أنها بمنزلة الأمِّ عند فقْد
الأمِّ ترثُ ميراثَ الأمِّ، فترثُ الثلثَ تارةً، والسدسَ أخرى، وهذا شذوذٌ، ولا
مے
يصحُّ إلحاقُ الجدّة بالجدِّ، لأن الجدَّ عصبة يُدْلى بعصبة، والجدّة ذاتُ فرضٍ
تُدلي بذات فرض فضعفت، وقد قيل: إنَّه ليس لها فرضٌ بالكليةِ، وإنما
السُّدسُ طعمةٌ أطْعَمَها النبيُّ نَّهِ، ولهذا قالتْ طائفةٌ ممن يرى الردَّ على ذوي
الفروضِ: إنه لا يردّ على الجدةِ، لضعفٍ فرضِها، وهو روايةٌ عن أحمدَ.
وأما الجدُّ، فاتَّفْقَ العلماءُ على أنَّه يقومُ مقامَ الأبِ في أحوالِهِ المذكورةِ من
قبلُ، فيرثُ مع الولدِ السُّدسَ بالفرضِ، ومع عدمِ الولد يرثُ بالتعصيبِ، وإن
بقيَ شيء مع إناثِ الولدِ أخذهُ بالتعصيبِ - أيضًا - عملاً بقوله: ((فما أبقت
الفرائضُ، فلأولى رَجُلٍ ذكرَ)).
ولكن اختلفُوا إذا اجتمعَ أمُّ وجدٌّ مع أحدِ الزوجينِ، فرُوي عن طائفةٍ من
الصَّحابةِ أن للأمِّ ثُلُثَ الباقي، كما لو كانَ معها الأبُ كما سبقَ، رُوي ذلك
عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ كذا نقلهُ بعضُهم، ومنهم من قال: إنما رُوي عن
عمرَ، وابنِ مسعودٍ في زوجٍ وأمُّ وجدٍّ: أنَّ للأمِّ ثلثَ الباقي.
ورُوي عن ابنِ مسعودٍ روايةٌ أخرى: أنَّ النِّصفَ الفاضلَ بين الجدِّ والأمِّ
نصفان، وأمَّا في زوجةٍ وأمٍّ وجدٍّ، فرُوي عن ابنِ مسعودٍ رواية شاذّة: أنَّ
للأمِّ ثلثَ الباقي، والصَّحِيحُ عنه، كقولِ الجمهورِ: أن لها الثُّلثَ كاملاً، وهذا
يشبهُ تفريقَ ابنِ سيرينَ في الأمِّ مع الأبِ أنَّه إن كان معهُما زوجٌ، للأمِّ ثلثُ
الباقي، وإن كان معهُمَا زوجةٌ، فللأمِّ الثُّلث.
وجمهورُ العلماءِ على أنَّ الأمَّ لها الثلثُ مع الجدِّ مطلقًا، وهو قولُ عليّ

٢٨٩
سورة النساء
وزيدٍ، وابنِ عباسٍ، والفرقُ بين الأمِّ مع الأبِ ومِعَ الجدِّ أنها مع الأبِ
يشملُها اسمٌ واحدٌ، وهما في القُربِ سواءٌ إلى الميتِ، فيأخذُ الذكر منهما
مثلَ حظِّ الأنثى مرتينِ كالأولادِ والإخوةِ، وأما الأمُّ مع الجدِّ، فليسَ يشملُها
اسمٌ واحدٌ، والجدُّ أبعدُ من الأبِ، فلا يلزمُ مُساواتُهُ به في ذلكَ.
وأمَّا إن اجتمع الجدُّ مع الإخوةِ، فإن كانُوا لأمِّ سَقَطُوا به، لأنهم إنما
يرثون من الكلالة، والكلالةُ: منْ لا وَلَدَ له ولا والد، إلا رواية شذَّتْ عن
ابنِ عباسٍ .
وأما إن كانوا لأب أو لأبوين، فقد اختلفَ العلماءُ في حكمٍ ميراثِهِم قديمًا
وحديثًا، فمنهم من أسقطَ الإخوةَ بالجدِّ مطلقًا، كما يسقطونَ بالأبِ، وهذا
قولُ الصديق، ومعاذٍ، وابنِ عباسٍ، وغيرهم، واستدلُّوا بأنَّ الجدَّ أبٌ في
كتاب الله عزَّ وجلَّ، فيدخلُ في مسمى الأبِ في المواريثِ، كما أنَّ ولدَ
الولدِ ولدٌ، ويدخل في مسمَّى الولد عندَ عدم الولدِ بالاتفاقِ، وبأن الإخوة
إنما يرثونَ مع الكلالةِ، فيحجبُهُم الجدُّ كالإخوةِ من الأم ، وبأنَّ الجدَّ أقوى
من الإخوةِ، لاجتماع الفرضِ والتَّعصيب له من جهةٍ واحدة، فهو كالأبِ،
وحينئذٍ، فيدخلُ في عموم قوله وَّ: ((فما بقي، فلأولى رجلٍ ذكر)).
ومنهم من شرَّك بين الإخوةِ والجدِّ وهو قولُ كثيرٍ من الصحابةِ، وأكثر
الفقهاءِ بعدهم على اختلافٍ طويلٍ بينهم في كيفية التشريكِ بينهم في
الميراثِ، وكان من السلفِ منْ يتوقّف في حكمهم ولا يُجيبُ فيهم بشيء،
الاشتباهِ أمرهم وإشكاله، ولولا خشيةُ الإطالةِ لبسطنا القولَ في هذه المسألةِ،
ولكن ذلك يؤدي إلى الإطالةِ جدًّا.

٢٩٠
سورة النساء
وأما حكمُ ميراثِ الإخوةِ للأبوينِ أو للأبِ، فقد ذكره اللَّه تعالى في آخر
سورة النساءِ في قولِهِ تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيَكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ
لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦].
والكَلالةُ: مأخوذةٌ من تكلُّلِ النسبِ وإحاطتِهِ بالميتِ، وذلك يقتضي انتفاءَ
الانتسابِ مطلقًا من العمودينِ الأعلى والأسفل، وتنصيصُه تعالى على انتفاء
الولدِ تنبيهٌ على انتفاءِ الوالدِ بطريقِ الأوْلى، لأن انتسابَ الولدِ إلى والدِهِ أظهرُ
من انتسابِهِ إلى ولدِهِ، فكانَ ذكرُ عدمِ الولد تنبيهًا على عدمِ الوالدِ بطريقِ
الأولى .
وقد قال أبو بكر الصديقُ فِوَّه: الكلالةُ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والدَ(١)،
وتابعَهُ جمهورُ الصحابةِ والعلماءِ بعدَهُم، وقد رُوي ذلك مرفوعًا من مراسيلٍ
أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النبيِّ وَِّ، خرَّجه أبو داود في
(المراسيل))(٢)، وخرَّجه الحاكم من روايةٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ
مرفوعًا، وصحَّحَه ووصْلُه بذكرٍ أبي هريرةَ ضعيفٌ(٣).
فقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌّ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، يعني إذا لم
يكنْ للميتِ ولدٌ بالكليّةِ لا ذكرٌ ولا أنثى، فللأختِ - حينئذٍ - النِّصفُ مما تركَ
فرضًا، ومفهومٌ هذا أنه إذا كان له ولدٌ فليسَ للأختِ النِّصفُ فرضًا، ثم إنْ
كان الولدُ ذكرًا، فهو أولى بالمالِ كلِّه لما سبقَ تقريرُه في ميراث الأولاد الذُّكور
إذا انفردُوا، فإنهم أقربُ العصباتِ، وهم يُسقطُون الإخوةَ فكيف لا يُسقطون
(١) أخرجه: عبد الرزاق (٣٠٤/١٠)، وابن أبي شيبة (٤١٥/١١ - ٤١٦).
(٢) (٣٧١).
(٣) أخرجه: الحاكم (٣٣٦/٤).

٢٩١
سورة النساء
الأخوات؟ وأيضًا، فقد قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ
حَظِ الأُنثَيْنِ﴾، وهذا يدخل فيه ما إذا كانَ هناك ذو فرضٍ كالبناتِ وغيرِهنَّ،
فإذا استحقَّ الفاضلُ ذكورَ الإخوةِ مع الأخواتِ، فإذا انفردُوا، فكذلك
يستحقُّونه وأوْلِى، وإن كانَ الولدُ أنثى، فليسَ للأختِ هنا النِّصفُ بالفرضِ،
ولكن لها الباقي بالتَّعصيب عندَ جمهورِ العلماءِ، وقد سبقَ ذكرُ ذلك
والاختلافُ فيه، فلو كانَ هناكَ ابنٌ لا يستوعبُ المالَ وأختٌ، مثلُ ابنِ نِصْفُه
حُرِ عندَ مَن يُورِّثْه نصفَ الميراثَ، وهو مذهبُ الإمامِ أحمدَ وغيرِه من
العلماء، فهل يقالُ: إن الابنَ هنا يسقط نصفَ فرضِ الأختِ، فترثَ معه
الرُّبِعَ فرضًا؟ أم يقال: إنَّه يصيرُ كالبنتِ فتصيرَ الأختُ معه عصبةٌ كما تصيرُ
مع الأخت، لكنه يُسقط نصفَ تعصيبها، فتأخذُ معه النِّصفَ الباقي
بالتعصيب؟ هذا محتملٌ، وفي هذه المسألةِ لأصحابِنا وجهانِ .
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾، يعني أنَّ الأخَ يستقلّ بميراثٍ
أخته إذا لم يكن لها ولدٌ ذكرٌ أو أنثى، فإن كان لها ولدٌ ذكرٌ، فهو أوْلى من
الأخِ بغير إشكالٍ، فإنَّه أولى رجلٍ ذكرٍ، وإن كان أنثى، فالباقي بعد فرضِها
يكونُ للأخٍ، لأَنَّه أوْلى رجلٍ ذكرٍ، ولكن لا يستقلّ بميراثها حينئذ، كما إذا
لم يكن لها ولدٌ.
وقوله: ﴿فَإِن كَانَتَ اثْنَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلْتَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ يعني: أنَّ فرضَ الثِّتين
الثلثان، كما أنَّ فرضَ الواحدة النِّصفُ، فهذا كلَّه في حكم انفرادِ الإخوةِ
والأخواتِ.
وأما حكمُ اجتماعهم، فقد قالَ تعالى: ﴿وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنَسَاءً فَلِذَّكَرِ
مِثْلُ حَظَ الأُنثَيْنِ﴾، فيدخلُ في ذلكَ ما إذا كانوا مفردينٍ، وأما إذا كان هناكَ

٢٩٢
سورة النساء
ذو فرضٍ منَ الأولادِ أو غيرِهم، كأحدِ الزوجينِ أو الأمّ أو الإخوةِ من الأم،
فيكونُ الفاضلُ عن فروضِهم للإخوةِ والأخواتِ بينهم للذَّكَر مثلُ حظِّ
الأنثيين .
فقد تبيَّن بما ذكرناهُ أنَّ وجودَ الولد إنما يُسقط فرضَ الأخواتِ منَ الأبوينِ
أو الأب، ولا يُسقط توريثهُن بالتَّعصيبِ مع أخواتِهِنَّ بالإجماعِ، ولا
تَعْصِيبَهُنَّ بانفرادهِنَّ مع البناتِ عندَ الجمهورِ، فالكلالةُ شرطٌ لثبوتِ فرضٍ
الأخواتِ، لا لثبوتٍ ميراثِهنَّ، كما أَنَّه ليسَ بشرطِ لميراثِ ذكورهم بالإجماعِ،
وهذا بخلاف ولد الأمِّ، فإنَّ انتفاءَ الكلالة أسقطت فروضَهم، وإذا أسقطت
فروضَهم، سقطت مواريثُهُم، لأنَّه لا تعصيبَ لهم بحالٍ لإدلائهم بأنثى،
والأخوات للأبوين أو للأب يدلون بذكرٍ، فيرثنَ بالتَّعصيبِ مع إخوتِهِنّ
بالاتفاقِ، وبانفرادِهِنَّ مع البناتِ عند الجمهورِ .
وإذا كانَ الولدُ مسقطًا لفرضِ ولد الأبوينِ، أو الأبِ دونَ أصلٍ توريثهم
بغيرِ الفرضِ، فقد يقالُ: إنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما خصَّ انتفاءَ الولدِ في قوله:
﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] ولم يذكر انتفاءَ الولدِ، أو الأبِ، لأنَّه كان يدخلُ
فيه الجدُّ، والجدُّ لا يُسقطُ ميراثَ الإخوةِ بالكليّة، وإنَّما يشتركون معه في
الميراثِ، تارةً بالفرضِ، وتارةً بغيرهِ، وهذا على قولٍ من يقولُ: إنَّ الجدَّ لا
يُسقطُ الإخوةَ - وهمُ الجمهورُ - ظاهرٌ، وهذا كلَّه في انفرادِ ولدِ الأبوينِ أو
الأبِ، فإن اجتمعُوا فإن العصباتِ منْ ولدِ الأبوينِ يُسقطونَ ولدَ الأبِ كلهم
بغير خلافٍ حتى في الأختِ منَ الأبوينِ مع البنتِ عند من يجعلُها عصبةً
يُسقط بها الأخ من الأبوينِ .
وفي ((المسندِ)) و((الترمذيِ) و((ابن ماجه)) عن عليٍّ قال: قَضَى رسولُ اللَّه

٢٩٣
سورة النساء
وَّ أن أعيانَ بني الأم يرثُون دونَ بني العلاَّت، يرثُ الرَّجُلُ أخاه لأبيه وأمَّه
دونَ أخيه لأبيه(١) .
وقال عمرُو بنُ شُعيبٍ: قضى رسولُ اللَّهَ وَّلِ أن الأخَ للأبِ والأم أولى
بالكلالةِ بالميراثِ، ثم الأخُ للأبِ، وهذا - أيضًا - مما يدخلُ في قولِهِ عليه
الصلاةُ والسلامُ: «فما بقي فلأولی رجُل ذکرَ)).
والتحقيقُ في ذلك: أن كلَّ ما دلَّ عليه القرآنُ، ولو بالتَّنبيه، فليسَ هو مَّا
أبقته الفرائضَ، بل هوَ من إلحاقِ الفرائضِ المذكورةِ في القرآنِ بأهلِهَا،
كتوريثِ الأولادِ ذكورِهم وإناثِهم الفاضلَ عن الفروضِ، للذَّكرِ مثلُ حظّ
الأنثيينِ، وتوريثِ الإخوةِ ذكورِهم وإناثِهم كذلك، ودلَّ ذلكَ بطريقِ التَّنبيه
على أنَّ الباقي يأخذه الذَّكرُ منهم عند الانفرادِ بطريق الأوْلى، ودلَّ - أيضًا -
بالتَّنبيه على أنَّ الأختَ تأخذُ الباقي مع البنتِ كما كانتْ تأخذُهُ مع أخيهَا،
ولا يُقدَّمُ عليها من هو أبعدُ منها، كابنِ الأخِ والعمِّ وابنِهِ، فإنَّ أخاها إذا لم
يُسقِطها فكيف يُسقطها من هو أبعدُ منه؟ فهذا كلُّه من بابِ إلحاقِ الفرائضِ
بأهلها، ومن باب قسمة المالِ بين أهلِ الفرائضِ على كتابِ اللَّهِ .
وأمَّا منْ لم يُذكر باسمِهِ منَ العصباتِ في القرآنِ، كابنِ الأخِ والعمِّ وابنه،
فإنَّما دخلَ في عموماتِ مثلٍ قولِهِ تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي
كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِي مِمَّ تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرِبُونَ﴾
[النساء: ٣٣]، فهذا يحتاجُ في توريثِهم إلى هذا الحديثِ: أعني حديثَ ابنِ
عباسٍ، فإذا لم يُوجَدْ للمالِ وارثٌ غيرُهم، انفردُوا به، ويقدَّم منهُمُ الأقربُ
(١) أخرجه: أحمد (٧٩/١ - ١٣١ - ١٤٤)، والترمذي (١٢٠٩٥)، وابن ماجه (٢٧١٥)، والبزار
(٨٣٩).

٢٩٤
سورة النساء
فالأقربُ، لأنَّه أولى رجلٍ ذكر، وإن وُجِدَتْ فروضٌ لا تستغرقُ المالَ، كأحد
الزوجينِ أو الأمٍ، أو ولد الأمُّ، أو بنات منفرداتٍ، أو أخوات منفردات،
فالباقي كلُّ لأوْلى ذكرٍ من هؤلاءِ. ولهذا لو كانَ هؤلاء إخوةً رجالاً ونساءً،
لاختصَّ به رجالُهم دون نسائِهم، بخلافِ الأولادِ والإخوةِ فإنَّه يشتركُ في
الباقي أو في المالِ كلِّه ذكورُهم وإناتُهِم، بنصِّ القرآنِ، والحديثُ إنَّما دلَّ على
توريثِ العصباتِ الذينَ يختصُّ ذكورُهم دونَ إناثِهم، وهم مَنْ عدا الأولادِ
والإخوةِ، فهذا حكمُ العصباتِ المذكورينَ في كتابِ اللهِ، وفي حديثِ ابنِ
عباسٍ.
وأما ذوو الفروضِ، فقد ذكرنَا حكمَ موارِيثِهم، ولم يبقَ منهم إلا الزوجان
والإخوةِ للأمِّ.
فأما الزوجانِ، فيرثانِ بسببِ عقد النكاحِ، ولَّا كان بين الزوجينِ من الألفةِ
والمودةِ والتَّناصُرِ والتعاضُدِ ما بينَ الأقاربِ، جُعِلَ ميراثُهما كميراثِ الأقاربِ،
وجُعل للذَّكرِ منهما مثْلًا ما للأنثى، لامتيازِ الذكرِ على الأنثى بمزيدِ النَّفْع
بالإنفاقِ والنصرةِ .
وأما ولدُ الأمِّ، فإنَّهم ليسُوا من قبيلةِ الرَّجُلِ، ولا عشيرته، وإنَّما هم في
المعنى من ذوي رحمِهِ، ففرضَ اللهُ لواحدِهِم السُّدُسَ، ولجماعتهم الثُّلثَ
صلَّةً، وسوَّى فيه بين ذكورِهِم وإناثِهم، حيثُ لم يكنْ لذكرِهِم زيادةً على
أنثاهم في الحياة من المعاضدةِ والمناصرةِ، كما بين أهلِ القبيلة والعشيرةِ
الواحدةِ، فسوَّى بينَهُم في الصلةِ، ولهذا لم تُشرع الوصيَّةُ للأجانبِ بزيادةٍ
على الثلثِ، بل كانَ الثُّلثُ كثيراً في حقِّهم، لأنَّهم أبعدُ من ولدِ الأمّ،
فينبغي أن لا يُزادوا على ما يُوصل به ولدُ الأم، بل ينقصونَ منه.

٢٩٥
سورة النساء
واستدلَّ بعضُهم بقولِهِ: ((فما بقيَ فلأوْلى رجلٍ ذكر)) على أنْ لا ميراثَ لذوي
ے
الأرحامِ، لأنَّه لم يجعلْ حقَّ الميراثِ لمنْ لم يُذكر في القُرآنِ إلا لأقربِ
الذكورِ، وهذا الحكمُ يختصُّ بالعصباتِ دونَ ذوي الأرحامِ، فإنَّ منْ ورَّث
ذوي الأرحامٍ، وَرَّث ذكورَهُم وإناثَهُم .
وأجابَ من يرى توريثَ ذوي الأرحامِ بأنَّ هذا الحديثَ دلَّ على توريث
العصباتِ، لا على نفي توريثِ غيرِهم، وتوريثُ ذوي الأرحامِ مأخوذٌ من
أدلةِ أخرى، فيكونُ ذلكَ زيادةً على ما دلَّ عليه حديثُ ابنِ عباسٍ .
وأمَّا قوله: (لأوْلى رجلٍ ذَكَرٍ)) مع أنَّ الرجُلَ لا يكون إلا ذكراً، فالجوابُ
الصحيحُ عنه أنه قد يُطْلَقُ الرجل ويرادُ به الشخصُ، كقوله: ((منْ وَجَدَ ماله
عندَ رجلٍ قد أفلس)) ولا فرقَ بينَ أن يجده عند رجل أو امرأة، فتقييدُه بالذَّكر
ينفي هذا الاحتمالَ، ويُخلصهُ للذكرِ دونَ الأنثي وهو المقصودُ، وكذلك
الابنُ: لَّا كان قد يُطلق، ويُراد به أعمُّ من الذكر، كقوله: ابن السبيل، جاء
تقييدُ ابنِ اللَّبُون في نُصُبِ الزكاةِ بالذكرِ.
وللسهيليِّ كلامٌ على هذا الحديث فيه تكلُّفٌ وتعسُّفٌ شديدٌ ولا طائلَ
تحتَه، وقد ردَّ عليه جماعةٌ ممن أدركنَاهُم(١)، واللهُ أعلمُ (٢).
قال تعالى: ﴿ مِن بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مَضَارٍ﴾
وفي حديث أبي هريرةَ المرفوع: ((إنَّ العبد ليعملُ بطاعة اللَّه ستِّينَ سنةً، ثم
(١) راجع: ((الفتح)» (١٢/ ١٣).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٢/ ٤٧٠ - ٤٨٦).

٢٩٦
سورة النساء
يَحضُرُه الموتُ، فيضارَّ في الوصيَّة، فيدخلُ النارَ))، ثم تلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾،
إلى قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا ﴾ [النساء: ١٣ -
١٤] وخرَّجه الترمذيُّ وغيرُه بمعناه(١).
وقال ابنُ عباسٍ : الإضرارُ في الوصيةِ من الكبائرِ، ثم تلا هذه الآية(٢).
والإضرارُ في الوصيّةِ تارةً يكونُ بأنْ يخُصَّ بعضَ الورثةِ بزيادةٍ على فَرْضَهِ
الذي فرَضَهُ اللَّهُ له فيتضرَّرُ بقيَّةُ الورثةِ بتخصِيصِهِ، ولهذا قال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّ
اللَّهَ قدْ أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حقّه، فلا وصيَّةً لوارث))(٣).
وتارةً بأن يُوصِي لأجنبيٌّ بزيادةٍ على الثُّلثِ، فتنقصُ حقوقُ الورثةِ، ولهذا
قال النبيُّ نَّهِ: ((الثلث والثلثُ كثيرٌ)(٤).
ومتى وصَّى لوارث أو لأجنبيِّ بزيادةٍ على الثُّلثِ لم ينفذْ ما وصَّى به إلا
بإجازة الورثة، وسواءٌ قصدَ المضارَّة أو لم يقصدْ، وأمَّا إنْ قصدَ المضارَّةَ
بالوصيَّةِ لأجنبيِّ بالثلثِ فإنه يأثمُ بقصدِهِ المضارَّة، وهلْ تُرَدُّ وصيَّتُه إذا ثبتَ
ذلكَ بإقرارِهِ أم لا؟ حَكَى ابنُ عطيةَ روايةً عن مالك أنها تُرَدُّ، وقيلَ: إنه
قياسُ مذهبِ أحمدَ(٥) .
(١) أخرجه: الترمذي (٢١١٧)، وأبو داود (٢٨٦٧)، وابن ماجه (٢٧٠٤).
(٢) أخرجه: عبد الرزاق (٨٨/٩)، وابن أبي شيبة (٢٠٤/١١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى))
(٢٧١/٦).
(٣) راجع: ((التاريخ الكبير)) (٣٠٤/٢/٣)، و((الجرح والتعديل)) (٢٢٩/١/٣)، و((الفتح))
(٣٧٢/٥)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٦٤/٦).
(٤) أخرجه: البخاري (٢٢/١)، (١٠٣/٢)، (٨٧/٥، ٢٢٥)، ومسلم (٧١/٥).
(٥) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٢٠/٢ - ٢٢١).

٢٩٧
سورة النساء
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّه للَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
السَِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
خرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ)(١) من حديثِ ابنِ
عمرَ عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقبَلُ توبةَ العبدَ ما لم يُغَرْغِر)) وقال
الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ. دلَّ هذا الحديثُ على قبول توبةِ اللَّه عزَّ وجلَّ لعبده
ما دامَتْ روحُه في جسدِهِ لم تبلُغِ الحُلْقُومَ والتراقي.
وقد دلَّ القرآنُ على مثلِ ذلك أيضًا، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى
اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ
عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧]، وعمَلُ السُّوءِ إذا أفرد دَخَل فيه جميعُ السَّيئات،
صغيرُها وكبيرُها، والمرادُ بالجهالةِ الإقدامُ على عملِ السُّوء، وإنْ عِلِمَ صاحبُهُ
أنه سوء، فإنَّ كُلَّ من عَصَى اللَّهَ فهو جاهلٌ، وكُلَّ من أطاعَهُ فهو عالمٌ،
وبيانُهُ من وجهينِ :
أحدُهما: أنَّ من كانَ عالِمًا باللَّهِ تعالى وعظمتِهِ وكبريائهِ وجلاله، فإنَّه
يَهَبُهُ ويخشاهُ، فلا يقعُ منه مع استحضارِ ذلكَ عصيانُه، كما قال بعضُهم:
٠٠
لو تفكّر الناسُ في عظمة اللَّه تعالى ما عَصَوَهُ، وقال آخرُ: كفَى بخشية الله
علْمًا، وكَفى بالاغترارِ باللَّه جهلاً .
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (١٣٢/٢ - ١٥٣)، والترمذي (٣٥٣١)، وابن ماجه (٤٢٥٣)، وابن
حبان (٦٢٨).

٢٩٨
سورة النساء
والثاني: أنَّ مَنْ آَثْرَ المعصيةَ على الطاعة فإنَّما حَمَلَهُ على ذلك جهلُه وظنُّه
أنها تنفعُهُ عاجلاً باستعجالِ لذَّتِها، وإن كان عندهُ إيمانٌ فهو يرجُو التخلُّصَ
من سوءٍ عاقِبتها بالتوبةِ في آخر عمرِهِ، وهذا جَهْلٌ محْضٌ، فإنَّه يتعجَّلُ الإثمَ
والخزي، ويفوتُه عزَّ التقوى وثوابُها ولذَّةُ الطاعة، وقد يتمكَّنُ من التوبةِ بعد
ذلك، وقد يعاجلُهُ الموتُ بغتةً، فهو كجائعِ أكل طعامًا مسمومًا لدفعِ جوعه
الحاضر، ورجا أن يتخلّص من ضرره بِشُرْبِ الدِّرياق بعده، وهذا لا يفعله إلا
جاهلٌ، وقد قال تعالى في حقِّ الذين يؤثرونَ السحرَ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ
وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
[ البقرة : ١٠٢ - ١٠٣ ].
والمرادُ: أَنَّهم آثرُوا السحرَ على التقوى والإيمانِ، لما رجوا فيه من منافعِ
الدنيا المعجلةِ، مع علمهم أنَّهم يفوتُهم بذلكَ ثوابُ الآخرةِ، وهذا جهلٌ
منهم، فإنَّهم لو علمُوا لآثرُوا الإيمانَ والتقوى على ما عَداهُمَا، فكانُوا
يحرزونَ أجرَ الآخرةِ ويأمنونَ عقابَها، ويتعجّلُونَ عِزَّ التقوى في الدنيا، وربما
وصلُوا إلى ما يأمُلُونه في الدنيا أو إلى خيرِ منه وأنفعُ، فإنَّ أكثرَ ما يُطلبُ
بالسِّحرِ قضاءُ حوائجَ محرَّمةٍ أو مكروهةٍ عندَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
والمؤمنُ المتقي يُعوِّضُهُ اللَّهُ في الدنيا خيرًا مما يطلبُهُ السَّاحرُ ويؤثِرُه، مع
تعجيلهِ عِزَّ التّقوى وشرِفِها، وثوابَ الآخرةِ وعلُوَّ درجاتِهَا، فتبيَّن بهذا أنَّ
إيثارَ المعصيةِ على الطاعةِ إنما يحملُ عليه الجهلُ، فلذلكَ كان كُلُّ منْ عصَى
اللَّهَ جاهلاً، وكُلُّ من أطاعه عالمًا، وكفى بخشية اللَّهِ علْمًا، وبالاغترارِ به
جِهْلاً .

٢٩٩
سورة النساء
وأمَّا التوبةُ من قريب فالجمهورُ على أنَّ المرادَ بها التوبةُ قبلَ الموتِ، فالعمرُ
كلُّه قريبٌ، والدنيا كلُّها قريبٌ، فمن تابَ قبلَ الموتِ فقد تابَ من قريبٍ،
ومن ماتَ ولم يتُبْ فقد بَعُدَ كلَّ الْبُعد، كما قيل:
يقولون لا تبْعد وَهُم يَدْفِئُونني وأينَ مكانُ الْبُعْد إلا مكانيا
وقال آخرُ:
من قبل أن تلقي وليس النأيُ إلا نأيُ دارك
وكما قيل:
فهم جِيرةُ الأحياءِ أمَّ مزارُهُمْ فدانِ وأمَّا الُلْتَقِى فَبَعيدُ
فالحيُّ قريبٌ، والميتُ بعيدٌ من الدنيا على قُربه منها، فإنَّ جسْمَهُ في
الأرضِ يَبْلِى ورُوحَه عند اللَّهِ تُنَعَّم أو تُعَذَّبُ، ولقاؤهُ لا يرجى في الدنيا،
كما قيل :
مقيمٌ إلى أن يبعثَ اللَّهُ خلْقَهُ لقاؤك لا يُرجَى وأنتَ قريبُ
تزيدُ بِلَى في كل يومٍ وليلةٍ وتُنْسَى كما تُبْلى وأنتَ حبيبُ
وهذان البيتانِ سمعَهما داودُ الطائيُّ - رحمه الله - من امرأةٍ في مقبرةٍ تَنْدُبُ
بهما ميتًا لها، فوقعتا من قلبه موقِعًا، فاستيقظَ بهما ورَجَع زاهدًا في الدنيا،
راغبًا في الآخرة، فانقطع إلى العبادةِ إلى أن ماتَ - رحمه اللَّهُ.
فمن تابَ قبل أن يغرغِر، فقد تاب من قريبٍ، فتقبَلُ توبتُهُ ورُوي عن ابنِ
عباسٍ، في قوله تعالى: ﴿يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] قال: قبل المرض
والموت، وهذا إشارةٌ إلى أن أفضلَ أوقاتِ التوبةِ، هو أن يبادرَ الإنسانُ بالتوبة
في صحتِهِ قبل نُزُولِ المرضِ به حتَّى يتمكَّن حينئذٍ من العمل الصالحِ.

٣٠٠
سورة النساء
ولذلك قَرَنَ اللَّه تعالى التوبةَ بالعملِ الصالحِ في مواضعَ كثيرةٍ من القرآنِ .
وأيضًا فالتوبةُ في الصحةِ ورجاءِ الحياةِ تُشبهُ الصَّدَقَةَ بالمالِ في الصِّحةِ ورجاءِ
البقاءِ، والتوبةُ في المرضِ عند حضورِ أماراتِ الموت تشبهُ الصدقةَ بالمالِ عندَ
الموتِ، فكأنَّ من لا يتوبُ إلا في مرضه قد استفْرَغَ صِحَتَه وقوَّتَه في شهواتِ
نفسه وهوه ولذَّات دنياه، فإذا أيسَ من الدنيا والحياةِ فيها تابَ حينئذٍ وتركَ ما
كانَ عليه، فأين توبةُ هذا من توبةٍ مَنْ يتوبُ من قريبٍ، وهو صحيحٌ قويٌّ
قادرٌ على عملِ المعاصي، فيتركها خوفًا من اللَّه عزَّ وجلّ، ورجاءً لثوابه،
وإيثارًا لطاعتِهِ على معصيتِه؟
دخلَ قومٌ على بِشْرِ الحافي، وهو مريضٌ، فقالوا له: على ماذا عزَمْتَ؟
قال: عزَمْتُ أنى إذا عُوفِيتُ تُبْتُ، فقال له رجلٌ منهم: فهلاَ تُبْتَ السَّعةَ؟
فقال: يا أخي؟ أما علِمْتَ أنَّ الملوك لا تقبَلُ الأمانَ ممن في رجليه القيدُ،
وفي رقبته الغلُّ؟ إنَّما يُقْبَلُ الأمانُ ممن هو راكبٌ الفرسَ والسيفُ مجرَّدٌ بيده،
فبكى القومُ جميعًا.
ومعنى هذا أنَّ التائب في صحته بمنزلة من هو راكبٌ على متنِ جوادِهِ
وبيده سيفٌ مشهور، فهو يقدرُ على الكَرِّ والفَرِّ والقتال، وعلى الهربِ من
الملك وعصيانِهِ، فإذا جاء على هذه الحالِ إلى بينَ يدي الملكِ ذليلاً له، طالبًا
لأمانِهِ، صارَ بذلك من خواصِّ الملكِ وأحبابِهِ، لأنَّه جاءهُ طائعًا مختارًا له،
راغبًا في قربه وخدمتِهِ .
وأمَّا من هو في أسْرِ الملك، وفي رِجْلِه قيْدٌ، وفي رقبِتِهِ غُلٌّ، فإنه إذا
طلب الأمانَ من الملكِ فإنَّما طلبه خوفًا على نفسه من الهلاك، وقد لا يكونُ
محبّا للملكِ ولا مؤثرًا لرضاه، فهذا مَثَلُ من لا يتوبُ إلا في مرضِهِ عند