Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
مقدمة في فضائل القرآن
قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((من القرآن سورةٌ ثلاثونَ آيَةً شفعتْ لرجلٍ حَتَّى غُفرِ له،
وهي تبارك الذي بيده الملك))(١) .
قال رسولُ اللَّهِ بِّهِ: ((لا تجعلُوا بيوتكم مقابِرَ، إنَّ الشيطانَ ينفرُ من البيت الذي
تُقرأ فيه سورةُ البقرة))(٢).
قال رسولُ اللَّهِ و ◌َلّه لأُبي بنِ كعب ◌ِاثله: ((يا أبا المنذرِ أتدرى أيَّ آية منْ كتاب
اللَّه معكَ أعظمُ؟» قلتُ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فضربَ في
صدْرى وقال: ((ليهنك العِلمُ أبا المنذرِ))(٣).
وفي الأثر أن الرسولَ وَ ﴿ ﴿ كان يعلِّم أبا هريرة ◌ِوتُه أن يقرأ آية الكرسي
من أوَّلها إلى آخرِها إذا أوى إلى فراشهِ، وبها لن يقرَبَهُ شيطانٌ حتى يصبح
ويكون اللَّه حافظًا له.
ويقولُ الرسولُ قِلّهِ: («من حفظ عشر آيات من أوَّل سورة الكهف، عُصِمَ من
الدَّجالِ)) (٤) .
وفي رواية: ((منْ آخر سورة الكهف)).
ويقولُ ابنُ عباسٍ بُِّها: بينما جبريلُ - عليه السلام - قاعدٌ عند النبيِّ ◌َل
سمعَ نقيضًا من فوقِهِ، فرفع رأسَهُ فقال: هذا بابٌ من السماءِ فُتح اليومَ، ولم
يُفتح قط إلا اليومُ، فنزلَ منه ملكٌ، فقال: هذا ملكٌ نزل إلى الأرضِ لم
(١) أخرجه أحمد (٢٩٩/٢ - ٣٢١)، وأبو داود (١٤٠٠)، والترمذي (٢٨٩١) من حديث أبي
هريرة فىته، وقد تقدم.
(٢) أخرجه مسلم (١٨٨/٢) من حديث أبي هريرة فى الله.
(٣) أخرجه مسلم (١٩٩/٢) من حديث أبيّ بن كعب ◌ِ ◌ّه.
(٤) أخرجه مسلم (١٩٩/٢) من حديث أبي الدرداء، وقد تقدم.

٦٢
مقدمة في فضائل القرآن
ينزلْ قط إلا اليومَ، فسلَّم، وقال: أبشر بنورينٍ أُوتِيتَهما، لم يُؤْتَهما نبيٌّ
قبلك: فاتحةُ الكتاب، وخواتيمُ سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا
أُعطيته(١).
قالٍ وَله: ((وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوتِ اللَّه يتلونَ كتابَ اللَّه، ويتدارسُونَه
بينهم إلا نزلتْ عليهم السكينةُ، وغشيتُهُمُ الرحمةُ، وحفتُهُمُ الملائكةُ، وذكرَهُمُ اللَّه فيمن
عندَه)(٢).
كان جبريلُ يعرضُ القرآنَ على النبيِّ بَّ، عن فاطمة - عليها السلام -:
فقد أسرَّ إليَّ النبيُّ ◌ََّ: «أن جبريل يعارِضُني بالقرآنِ كلَّ سنةٍ، وإِنَّه عارضني العامَ
مرتينِ ولا أراهُ إلا حضرَ أجلي)) (٣).
وكان النبيُّ ◌َّه أجودَ الناسِ بالخيرِ، وأجودَ ما يكونُ في شهرِ رمضانَ،
لأنَّ جبريلَ كان يلقاهُ كلَّ ليلةٍ في شهرِ رمضانَ حتى ينسلخَ، يعرضُ عليه
رسولُ اللّهِ وَ لَّهِ القرآنَ فإذا لقيهُ جبريلُ كان أجودَ بالخير من الرِّيحِ المرسلةِ (٤).
وكان القرآنُ يُعرضُ على النبيِّ وَّهِ مرتين في العامِ الذي قُبضَ وكان
يعتكفُ كلَّ عامِ عشرًا فاعتكفَ عشرينَ في العامِ الذي قُبِضَ.
يقولُ الرسول وَله: ((خذوا القرآنَ من أربعة: من عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وسالمٍ،
ومعاذٍ، وأُبيّ بنِ كعبٍ))(٥)
(١) أخرجه مسلم (١٩٨/٢).
(٢) أخرجه مسلم (٨/ ٧٢) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ضِلّها.
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٧/٤) (٧٩/٨)، ومسلم (١٤٢/٧ - ١٤٣).
(٤) أخرجه البخاري (٤/١) (٣٣/٣) (١٣٧/٤ -٢٢٩)، ومسلم (٧/ ٧٣) من حديث عبد الله بن
عباس فِرها.
(٥) أخرجه البخاري (٣٤/٥ - ٤٥) (٢٢٩/٦) ومسلم (١٤٩/٧) من حديث عبد الله بن عمرو خلوّئا.

٦٣
مقدمة في فضائل القرآن
وخطب عبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ بعضَ الصحابةِ قائلاً: والله لقد أخذتُ من
فيِّ رسولِ اللَّه عليه الصلاةُ والسلامُ بضعًا وسبعينَ سورةً، واللَّه لقد علمَ
أصحابُ النبيِّ وَِّ أَنِّي من أعلمِهِم بكتابِ اللَّهِ. وما أنا بخيرِهِم.
ويقولُ شقيقُ بنُ سلمةَ الذي كان من حضورِ هذه الخطبةِ: فجلستُ في
الحلقِ، أسمعُ ما يقولونَ: فما سمعتُ رادًّا يقولُ غيرَ ذلك(١).
ويحكي إبراهيمُ عن علقمةَ أنهم كانوا بحمْص، فقرأ ابنُ مسعودِ سورةَ
يوسفَ، فقالَ رجلٌ: ما هكذا أنزلتْ قال: قرأتُ على رسولِ اللّهِ مِ له فقالَ:
((أحسنتَ)) ووجدَ منه ريحَ الخمرِ، فقال: أتجمعُ أن تكذبَ بكتابِ اللَّه وتشربَ
الخمرَ؟ فضربَهُ الحدّ(٢).
يقولُ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ شَه: والله الذي لا إله غيرُهُ ما أُنزِلتْ سورةٌ
منْ كتاب اللَّه إلا أنا أعلمُ أينَ أُنزِلتْ؟ ولا نزلتْ آيةٌ من كتاب اللَّه إلا أنا
أعلم فيم أنزلت؟ ولو أعلمُ أحدًا أعلمُ مِنِّي بكتابِ اللَّه تبلُغهُ الإبلُ لركبتُ
إليه(٣).
وَ له فلم يجبهُ، قالَ:
قال أبو سعيد بن المعلَّى: إنَّه كانَ يصلِّي فدعاهُ النبيّ
يا رسولَ اللَّه إنِّي كنتُ أصلِّي، قال: ((ألم يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا
دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟)) ثمَّ قال: ((ألا أعلمُكَ أعظم سورة في القرآنِ، قبلَ أنْ تخرجَ
من المسجدِ)) فأخذ الرسولُ بيدِ ابنِ المعلَّى، فلمَّا أرادُوا الخروجَ قال: يا رسولَ
(١) أخرجه البخاري (٢٢٩١٦)، ومسلم (١٤٨/٧) من حديث عبد الله بن مسعود خشّه.
(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٢٣٠)، ومسلم (١٩٦/٢).
(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٢٣٠)، ومسلم (١٤٨/٧).

٦٤
مقدمة في فضائل القرآن
اللَّهِ، إِنَّك قلتَ: لأعلمنَّك أعظمَ سورة من القرآن، قال: ((الحمدُ لله ربِّ
العالمينَ هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه))(١) .
قال أبو سعيد الخدري: كنا في مسيرِ لنا فنزلنا فجاءتْ جاريةٌ فقالتْ: إِنَّ
سيِّد الحيِّ سليمٌ، وإنَّ نفرنا غيبٌ فهلْ منكم راقٍ؟ فقامَ معها رجلٌ ما كنّا
نأبِنُهُ برقيةٍ فرقاه، فبراً، فأمر له بثلاثينَ شاة وسقانا لبنًّا، فلمَّا رجع قلنا له:
أكنتَ تحسنُ رقيةً؟ أو كنتَ ترقي؟ قال: لا ما رقيتُ إلا بأمِّ الكتاب، قلْنا: لا
تُحدِثُوا شيئًا حتى نأتيَ أو نسألَ النبيَّ ◌ََّ، فلما قدمنا المدينةَ ذكرناهُ للنبيِّ
وَلَّ فقال: ((وما كان يُدْرِيهِ أَنَّهَا رقيةٌ؟ اقسمُوا واضربوا لي بسهمٍ)(٢).
قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((من قرأ بالآيتينِ من آخرِ سورة البقرةِ في ليلةٍ كفتاهُ)(٣)
٠
وقال أبو هريرة: وكَّلني رسولُ اللَّهِ وَلِ بحفظِ زكاةِ رمضانٍ، فأتاني آتٍ،
فجعلَ يحثو من الطعامِ، فأخذتُهُ فقلتُ: لأرفعنَّك إلى رسولِ اللَّهِ بِلَه فقصَّ
الحديثَ، فقال: ((إذا أويت إلى فراشكَ فاقرأ آيةَ الكرسي، لن يزالَ معك من اللَّه
حافظٌ ولا يقربُك شيطانٌ حتى تصبحَ))، وقال النبيُّ نَّهِ: ((صدقك وهو كذوبٌ) ذاك
شيطانٌ) (٤).
كان رجلٌ يقرأ سورةَ الكهفِ، وإلى جانبِهِ حصانٌ مربوطٌ بشطنين،
فتغشتْه سحابةٌ جعلتْ تدنُو وتدنُو وجعلَ فرسُهُ ينفرُ فلما أصبحَ أتى النبيِّ وَّ.
(١) أخرجه البخاري (٢٠/٦ - ١٠١ - ٢٣٠) وقد تقدم.
(٢) أخرجه البخاري (٢٣١/٦)، ومسلم (٢٠/٧).
(٣) أخرجه البخاري (١٠٧/٥) (٢٣١/٦ - ٢٣٩ - ٢٤٢)، ومسلم (١٩٨/٢) من حديث أبي
مسعود الأنصاري، وقد تقدم.
(٤) أخرجه البخاري تعليقًا (١٣٢١٣) وهو عند النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٥٩)، وابن خزيمة
في «صحيحه» (٢٤٢٤).

٦٥
مقدمة في فضائل القرآن
فذكر ذلك فقال: ((تلك السكينة تنزَّلَتْ بالقرآن))(١).
كان رسولُ اللّهِ وَ لَّهِ يسيرُ وعمرُ بنُ الخطابِ يسيرُ معه ليلاً، فسأله عمرُ عن
شيءٍ فلم يجبه رسولُ اللَّه ◌ِِّ، ثم سألُه فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، قال
عمرُ لنفسه: ثكلتك أمُّكَ، نزرتَ رسولَ اللَّهِ وَلِّ ثلاثَ مرات كلَّ ذلك لا
يجيبُك، قال عمرُ: فحركتُ بَعيري حتى كنتُ أمامَ الناسِ، وخشيتُ أن ينزلَ
فيَّ قرآنٌ، فما نشبتُ أن سمعتُ صارخًا يصرخُ، قال: فقلتُ: لقد خشيتُ
أن يكونَ نزلَ فِيَّ قرآنَ، قال: فجئتُ رسولَ اللَّهِ وَلَهِ، فسلَّمتُ عليه، فقال:
(لقد أنزلتْ عليَّ الليلةَ سورةٌ لهي أحبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمسُ، ثم قرأ: ﴿إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾(٢)).
وسمعَ رجلٌ رجلاً يقرأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يردِّدُها، فلما أصبحَ جاء إلى
رسولِ اللهِ وَ الَّ فذكر ذلك له وكأنَّ الرجلَ يتقالُّها، فقالَ رسولُ اللَّه ◌َلّ:
((والذي نفسي بيده إنَّها لتعدلُ ثلثَ القرآن))(٣).
وقامَ رجلٌ في زمنِ النبيِّ وَّهِ يقرأ من السَّحرِ: ﴿قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ﴾ لا يزيدُ
عليها فلمَّا أصبحَ أتى رجلٌ النبيَّ ◌َّهِ ... نحوه.
وقال النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ لأصحابِهِ: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلثَ
القرآنِ في ليلة؟)) فشقَّ ذلك عليهم، وقالُوا: أينا يطيقُ ذلك يا رسولَ اللَّه؟
فقال: ((الله الواحدُ الصمد ثلثُ القرآن)»(٤).
(١) أخرجه البخاري (٢٤٥/٤) (٢٣٢/٦) ومسلم (١٩٣/٢ - ١٩٤) من حديث البراء بن عازب
(٢) أخرجه البخاري (٥/ ١٦٠) (٢٣٢/٦) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه
(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٢٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري، وقد تقدم
(٤) المصدر السابق.

٦٦
مقدمة في فضائل القرآن
تقول عائشة ضِمتها: إنَّ رسولَ اللَّه ◌َلَه كان إذا اشتكَى يقرأُ على نفسِهِ
بالمعوذاتِ، وينفثُ، فلمَّا اشتدَّ وجعُه كنتُ اقرأُ عليه وأمسحُ بيدِهِ رجاء
بركَتَها(١) .
وعنها أيضًا: كان رسولُ اللَّهِ وَلِّ إذا أوَى إلى فراشهِ كلَّ ليلةٍ، جمعَ كفَّيه
ثُمَّ نفثَ فيهما فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ الْفَلَقِ﴾،
و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثمّ يَمسحُ بهما ما استطاعَ من جسده يبدأُ بهما على
رأسه ووجهه وما أقبلَ من جسده، يفعلُ ذلكَ ثلاثَ مرات(٢).
(١) أخرجه البخارى (١٣/٦ - ٢٣٣) (١٧٠/٧ - ١٧٣)، ومسلم (١٦/٧ - ١٧) من حديث عائشة
(٢) أخرجه البخارى (٢٣٣/٦) (١٧٢/٧) (٨٧/٨) من حديث عائشة فى الها.

سُورَةُ الفَاتحَة
و رو
الْحَمْدُ للَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ
٢
و
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ
صرَاطَ
٦
اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمَستَقِيم
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾
[قال البخاري]: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بن يُوسُفُ: ثنا مالكٌ، عنْ أبي الزِّنَادِ،
عنِ الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللّهِ وَلَّهِ قالَ: ((إذا قالَ أحدكمْ: آمينَ
وقالت الملائكةُ في السماء: آمينَ، فوافقتْ إحْداهمَا الأخْرَى غُفْرَ لهُ ما تقدََّ مِنْ
فقيه)(١).
وخرَّج مسلمٌ من رواية أبي يونسَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَيه
قال: ((إذا قالَ أحدُكُم في الصلاة: آمينَ، والملائكةُ في السماء: آمينَ، فوافقَ إحداهما
الأخرى غُفُرَ له ما تقدَّمَ منْ ذَنِهِ»(٢).
ومن روايةِ سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللّهِ وَّه قال: ((إذا
قالَ القارئُّ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾، فقالَ مِنْ خلفَهُ: آمينَ: فوافقَ قولُهُ
قولَ أهلِ السماءِ، غُفْرَ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ)(٣).
(١) البخاري (١٩٨/١).
(٢) مسلم (٢/ ١٧).
(٣) مسلم (١٨/٢).

٦٨٠
سورة الفاتحة
وروى إسحاقُ بنُ راهويه: حدثنا جريرٌ: ثنا ليثٌ، عن كعب، عن أبي
هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَ لَهُ: ((إذا قالَ الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا
الضَّالَينُ﴾ فقالَ: آمينَ، فوافقَ آمينُ أهلِ الأرضِ أمينَ أهلِ السماءِ، غَفَرَ اللَّهُ للعبد ما
تقدَّمَ مِنْ ذنبِهِ. ومثلُ من لا يقولُ: آمينَ كمثلٍ رجلٍ غزا مع قومٍ فاقترَعُوا، فخرجتْ
سهامُهُم ولم يخرجُ سهمُهُ، فقال: لِمَ لَمْ يخرِجْ سَهْمِي؟ فقيل: إنَّكَ لم تقلْ آَمينَ)) ..
قال أبو هريرةَ: وكانَ الإمامُ إذا قالَ: ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾ جهرَ بآمينَ.
كعبٌ هذا، قالَ أحمدُ: لا أدْري منْ هوَ. وقالَ أبو حاتم : مجهولٌ لا
یعرَفُ.
وقد ذكرنا - فيما تقدَّمَ - أنَّ الحديثَ على ظاهرهِ، وأن الملائكةَ في السماءِ
تؤمِّنُ على قراءةِ المصلِّينَ في الأرضِ للفاتحةِ .
وفي ((صحيح مسلم)) من روايةِ العلاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن
النبيِّ وَّهِ، قالَ: ((قالَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: قسمتُ الصلاةَ بيني وبينَ عبدِي نِصفَيْنِ،
ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قالَ اللَّهُ: حمدني عبْدِي،
فإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ اللَّهُ: أثْنَى عليَّ عبدي، فإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمٍ
الدِّينِ﴾ قال: مجَّدني عبدِي - وقالَ مرَّةً: فوَّضَ إليَّ عبدي ، فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ: هذا بيني وبينَ عبدِي، ولعبدي ما سألَ: فإذَا قالَ: ﴿هْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِمَ ﴿ْ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قالَ:
هذا لعبدِي ولعبدي ما سألَ)(١) .
فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ اللَّهَ يَسْتَمِعُ لقراءة المصلِّي حيثُ كان مناجيًّا له،
(١) مسلم (٩/٢).

٦٩
سورة الفاتحة
ويردُّ عليه جوابَ ما يناجيه به كلمةً كلمةً، فأولُ الفاتحة حمدٌ، ثم ثناءٌ، وهو
تثنيةُ الحمد وتكريرُهُ، ثم تمجيدٌ، والثناءُ على اللَّهِ بأوصافِ المجدِ والكبرياءِ
والعظمةِ، ثم ينتقلُ العبدُ منَ الحمدِ والثناءِ والتمجيدِ إلى خطابِ الحضورِ،
كأنه صلُحَ حينئذٍ للتقريبِ منَ الحضرةِ فخاطبَ خطابَ الحاضرينَ، فقال:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
وهذه الكلمةُ قدْ قيلَ: إِنَّهَا تجمعُ سرَّ الكتبِ المنزلةِ منَ السماءِ كلِّها؛ لأنَّ
الخلقَ إنما خُلِقُوا ليؤْمَروا بالعبادةِ، كما قالَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّ
لَيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وإنما أُرسلتِ الرسلُ وأُنزلتِ الكتبُ لذلكَ، فالعبادةُ
حقُّ اللَّهِ على عبادِهِ، ولا قدرةَ للعبادِ عليها بدون إعانةِ اللَّهِ لهم، فلذلك
كانتْ هذه الكلمةُ بينَ اللَّهِ وبين عبدِهِ؛ لأنَّ العبادةَ حقُّ اللَّهِ على عبدِهِ،
والإعانةُ من اللَّهِ فضلٌ من اللَّه على عبْدِهِ.
وبعد ذلك الدعاءُ بهدايةِ الصراط المستقيمِ ؛ صراطِ المُنْعَم عليهم، وهم
الأنبياءُ وأتباعُهم منَ الصديقين والشهداء والصالحين، كما ذكرَ ذلكَ في سورة
النساء .
فمنِ استقامَ على هذا الصراطِ حصلَ له سعادةُ الدنيا والآخرةِ، واستقامَ
سيرُهُ على الصراطِ يومَ القيامةِ، ومن خرجَ عنه فهو إما مغضوبٌ عليه، وهو
من يعرفُ طريقَ الهُدَى ولا يتبعُه كاليهود، أو ضالٌّ عن طريقِ الهُدَى
كالنصارى ونحوِهم من المشركين.
فإذا ختم القارئُ في الصلاة قراءة الفاتحة، أجابَ اللَّهُ دعاءَه فقال: ((هذا
لعبدي ولعبدي ما سألَ)، وحينئذٍ تؤمِّنُ الملائكةُ على دعاءِ المصلِّي، فيشرعُ

٧٠
سورة الفاتحة:
للمصلِّين موافقتُهم في التأمينِ معهم، فالتأمينُ مما يستجابُ به الدعاءُ.
وفي ((صحيح مسلمٍ)) عن أبي موسى الأشعريِّ، عن النبيِّ وَّ، قالَ: ((إذا
قالَ الإِمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِينَ﴾ فَقُولُوا: آمينَ، يُحِبُكُمُ اللَّهُ)(١).
ولما كانَ المأمومُ مأمورًا بالإنصاتِ لقراءةِ الإمامِ، مأمورًا بالتأمينِ على دعائِهِ
عندَ فراغِ الفاتحةِ، لم يكنْ عليه قراءةٌ؛ لأنَّه قد أنصتَ للقراءة، وأمَّنَ على
الدعاء فكأنَّهُ دعا؛ كما قالَ كثيرٌ منَ السلَفِ في قولِ اللَّهِ تعالَى لموسى
وهارونَ: ﴿قَدْ أُجِيبَتِ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [ يونس: ٨٩]. قالُوا: كانَ موسى يدعُو، وهارونُ
يُؤْمِّنُ، فسمَّاهُمَا دَاعِيَيْنِ (٢).
وقولُهُ وَّه: ((إذا سألتَ فاسأل اللَّهَ، وإذا استعنتَ، فاستعنْ باللَّه))، هذا مُنْتَزَعٌ من
قولِه تعالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فإنَّ السؤالَ للَّه هو دعاؤُه والرغبةُ
إليه، والدُّعاءُ هو العبادةُ، كذا رُويَ عنِ النَّبِيِّ بَ من حديثِ النعمانِ بِنِ
بشيرٍ، وتلا قولَهُ تعالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] خرجه
=رو
13
الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابنُ ماجه (٣) .
وخرَّج الترمذيُّ من حديث أنسِ بنِ مالكِ عنِ النبيِّ ◌َِّ: «الدُّعَاءُ مُخُّ
العبادة)) (٤)، فتضمنَ هذا الكلامُ أن يُسألَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ، ولا يسألَ غيرُه، وأن
(١) مسلم (١٤/٢ _ ١٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٩٨/٤ - ٥٠١).
(٣) أحمد (٢٦٧/٤ - ٢٧١ - ٢٧٦)، وأبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٣٢٤٧)، (٣٣٧٢)،
والنسائي في ((الكبرى)) (٦/ ٤٥٠)، وابن ماجه (٣٨٢٨).
(٤) الترمذي (٣٣٧١).

٧١
سورة الفاتحة
يُستعانَ باللّهِ دونَ غيرِهِ.
فأما السؤالُ، فقد أمرَ اللَّهُ بمسألته، فقالَ: ﴿وَاَسْأَلُوا اللَّهَ من فَضْلِهِ﴾
[ النساء: ٣٢].
وفي الترمذيّ(١) عنِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: ((سَلُوا اللَّهَ منْ فَضله، فإنَّ اللَّهَ يُحبُّ
أن يُسألَ)).
وفيه - أيضًا - عن أبي هريرة مرفُوعًا: ((من لم يسألِ اللَّهَ يغضبْ عليه)(٢).
وفي حديث آخرَ: (ليسألْ أحدُكُمْ ربَّ حاجَتَه كلَّها حتَّى يسألَهُ شِسْعَ نعلِهِ إذا
انْقطع)(٣).
ءِ
وفي النَّهي عن مسألة المخلوقينَ أحاديثُ كثيرةٌ صحيحٌ، وقد بايعَ النبيّ
وَ لَّه جماعةً من أصحابه على أن لا يسألُوا النَّاسَ شيئًا: منهم أبو بكرٍ
الصدِّيقُ، وأبو ذرِ، وثوبانُ، وكان أحدُهم يسقطُ سوطُه أو خطامُ ناقته، فلا
يسألُ أحدًا أن يُنَاوِلَه إِيَّاهُ(٤) .
وخرَّج ابنُ أبي الدُّنيا من حديث أبي عبيدةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودِ أنَّ
رجلاً جاءَ إلى النبيِّ ◌َّهِ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ بَنِي فُلانٍ أغارُوا عليّ
فذهبُوا بابِي وإِي، فقالَ له النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّآلَ محمَّدِ كذا وكذا أهلَ بيتٍ: ما لهُم
مدٌّ منْ طعامٍ أو صاعٍ، فاسألِ اللَّهَ عزَّ وجلَّ)، فرجعَ إلى امرأتِهِ، فقالتُ: ما قالَ
لكَ؟ فأخبرَهَا، فقالتْ: نِعْمَ ما رَدَّ عليكَ، فما لبثَ أن ردَّ اللَّهُ عليه ابنَه وإبلَهُ
أوفرَ ما كانتْ، فأتى النبيَّ نَّهِ فأخبرَهُ، فصعدَ المنبرَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ،
(٢) الترمذي (٣٣٧٣).
(١) الترمذي (٣٥٧١).
(٣) الترمذي (٣٦٨٢) ((تحفة)) وابن حبان (٨٦٦) وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٥٤).
(٤) راجع ((صحيح مسلم)) (٩٧/٣).

٧٢
سورة الفاتحة
وأمرَ الناسَ بمسألةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ والرغبةِ إليهِ، وقرأَ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
٠٥
٠
مخرجا
- وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (١) [الطلاق: ٢].
وقد ثبتَ في (الصحيحينِ))(٢) عنِ النبيِّ نَِّ ((إِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ ينزلُ كلَّ ليلة
إلى سماءِ الدُّنْيَا حينَ بْقَى ثلثُ اللَّيْلِ الآخرِ، يقولُ: هلْ من داعٍ، فأستجيبَ لهُ؟ هلْ من
سائل فأُعْطِيَهُ؟ هلْ منْ مُستغفر فأَغْفرَ لَهُ؟)).
وخرَّج المحامليُّ وغيرُهُ من حديث أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ، قالَ: ((قالَ
اللَّهُ تعالَى: من ذا الَّذِي دعانِي فلمْ أُجِبْهُ؟ وسألَني فلمْ أُعطِهِ؟ واستغفرَنِي، فلمْ أغفرْ لهُ،
وأنا أرحم الراحمين؟)).
واعلم؛ أنَّ سؤالَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ دونَ خلقهِ هو المتعينُ؛ لأنَّ السؤالَ فيه
إظهارُ الذلِّ من السائلِ والمسكنةِ والحاجةِ والافتقارِ، وفيه الاعترافُ بقدرةٍ
و.
المسئولِ على رفعِ هذا الضَّرِّ، ونيلِ المطلوبِ، وجلبِ المنافعِ ودرءِ المضارِّ، ولا
يصلحُ الذلُّ والافتقارُ إلا للَّه وحدَه؛ لأنَّه حقيقةُ العبادة.
وكانَ الإمامُ أحمدُ يدعُو ويقولُ: اللَّهِمَّ كَمَا صُنْتَ وجهِي عنِ السّجودِ
93
لغيرِك فصُّنْه عن المسألةِ لغيرك. ولا يقدرُ على كشفِ الضرِّ وجلبِ النفعِ
سواهُ، كما قالَ: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّ هُوَ وَإِن يُرِدَكِ بِخَيْرٍ فَلا
رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]، وقالَ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا
(١) أخرجه الحاكم (٥٤٣/١)، والبيهقي في ((الدلائل)) (١٠٦/٦) وأخرجه ابن ماجه (٤١٤٨) من
طريق المسعودي، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: ((ما
أصبح في آل محمد إلا مدَّ من طعام)) أو ((ما أصبح في آلِ محمدٍ مدٌّ من طعامٍ)) ولم يذكرِ
القصة .
(٢) هو قطعة من حديث النزول المشهور، وهو حديث متواتر.
رواه البخاري (٢٩/٣)، ومسلم (١٧٥/٢) من حديث أبي هريرة.

٧٣
سورة الفاتحة
يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
واللَّهُ سبحانهُ يحبُّ أن يُسألَ ويُرْغَبَ إليهِ في الحوائجِ، ويُلَحَّ في سؤالِهِ
ودُعائه، ويغضَبُ على من لا يسألُه، ويستدْعِي مِنْ عبادِه سؤالَهُ، وهو قادرٌ
على إعطاءِ خلقِه كُلِّهِم سُؤْلَهُم من غيرِ أن يَنْقُصَ منْ ملكِهِ شيءٌ، والمخلوقُ
بخلاف ذلكَ كلِّه: يكرهُ أن يُسألَ، ويُحبُّ أن لا يُسألَ، لعجزِهِ وفقرِهِ
وحاجته. ولهذا قالَ وهبُ بنُ منبهِ لرجلٍ كانَ يأتي الملوكَ: ويحكَ، تأتي من
يُغلقُ عنكَ بابَه، ويُظهِرُ لك فقرَهُ، ويوارِي عنك غناهُ، وتَدَعُ من يفتحُ لكَ
بابَه بنصفِ الليلِ ونصفِ النهارِ، ويُظهرُ لك غناهُ، ويقولُ: ادعُنِي أستجب
لك؟ !.
وقالَ طاووس لعطاء: إياكَ أن تطلبَ حوائجَكَ إلى من أغلقَ دونَكَ بابَهُ
ويجعلُ دونَهَا حجابَهُ، وعليكَ بمنْ بابُهُ مفتوحٌ إلى يومِ القيامةِ، أمركَ أن
تسألَهُ ووعدَكَ أن يُجِيبَكَ.
وأما الاستعانةُ باللَّهِ عزَّ وجلَّ دونَ غيرِهِ من الخلقِ، فلأنَّ العبدَ عاجزٌ عن
الاستقلالِ بجلبِ مصالحِهِ، ودفعٍ مضارِّهِ، ولا معينَ لهُ علَى مصالحِ دینِهِ،
ودنياهُ إلا اللَّهُ عزَّ وجلَّ، فمنْ أعانَهُ اللَّهُ، فهو الُعانُ، ومن خذَلَهُ فهو
المخذولُ، وهذا تحقيقُ معنى قولٍ: ((لا حولَ ولا قوَّةً إلا باللّه))، فإنَّ المعنى لا
تحوُّلَ للعبدِ منْ حالٍ إلى حالٍ، ولا قُوَّةً له على ذلكَ إلا باللّهِ، وهذه كلمةٌ
عظيمةٌ وهي كنزٌ من كنوزِ الجنةِ، فالعبدُ محتاجٌ إلى الاستعانةِ باللَّهِ في فعلٍ
المأموراتِ، وتركِ المحظوراتِ، والصبرِ على المقدوراتِ كلِّها في الدنيا وعندَ
الموتِ وبعدَهُ من أهوالِ البرزخِ ويومِ القيامةِ، ولا يقدرُ على الإعانةِ على ذلكَ
إلا اللَّهُ عزَّ وجلَّ، فمنْ حقَّقَ الاستعانةَ عليه في ذلكَ كلِّه أعانَهُ. وفي

٧٤
سورة الفاتحة
الحديثِ الصحيحِ عَنِ النبيِّ وَّ قالَ: ((احْرصْ على ما ينفعُكَ، واستعنْ بالله ولا
تعجَزْ)(١).
ومن تركَ الاستعانةَ باللَّهِ، واستعانَ بغيرِهِ، وكَلَهُ اللَّهُ إلى منْ استعانَ به
فصارَ مخذُولاً. كتبَ الحسنُ إلى عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ: لا تستعنْ بغيرِ اللَّهِ
فيكلَكَ اللَّهُ إليهِ. ومن كلامِ بعضِ السلفِ: يا ربِّ عَجبتُ لمن يعرفُك كيفَ
يرجُو غيرَك، عجبتُ لمن يعرفُك كيفَ يستعينُ بغيرِكَ (٢).
خرَّج الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ، والترمذيُّ (٣) من حديثِ النوَّاسِ بنِ
سِمْعَانَ، عَنِ النبيِّنَِّ، قالَ: ((ضربَ اللَّهُ مثلاً صِرَاطًا مستقيمًا، وعلَى جنبتِيِّ
الصراطِ سُورانِ فيهِمَا أبوابٌ مفتحةٌ وعلَى الأبوابِ سُتُورٌ مرخاةٌ، وعلى بابِ الصراط
داعٍ، يقولُ: أَيُّها الناسُ ادْخُلُوا الصراطَ جميعًا ولا تعوجُوا، وداعٍ يدْعُو من جوفِ
الصراطِ. فإذا أرادَ أن يَفتحَ شيئًا منْ تلكَ الأبواب، قالَ: ويحكَ لا تَفْتَحْهُ فِإِنَّكَ إنْ تفتَحْهُ
تلجُهُ. والصراطُ: الإسلامُ. والسوران: حُدُودُ اللَّه. والأبوابُ المفتَّحةُ: محارمُ اللَّه. وذلكَ
الداعِي علَى رأسِ الصراطِ: كتابُ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ - والداعي من فوق: واعظُ اللَّه في
قلبِ كلِّ مسلمٍ)) وهذا لفظُ الإمامِ أحمدَ.
وعندَ الترمذيِّ زيادةُ: ((﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ
(١) قطعة من حديث: ((المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف))، أخرجه مسلم
(٥٦/٨).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٥٠١ - ٥٠٧).
(٣) ((المسند)) (١٨٢/٤ - ١٨٣)، والنسائي في ((الكبري)) (تحفة الأشراف) (١١٧١٤/٩)، والترمذي
في ((الجامع)) (٢٨٥٩).

٧٥
سورة الفاتحة
مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥])).
وحسَّنه الترمذيُّ (١) ، وخرَّجه الحاكمُ (٢)، وقالَ: صحيحٌ على شرطِ
مسلمٍ، لا أعلمُ له علَّةً.
ضربَ النبيُّ ◌َّهِ في هذا الحديثِ العظيمِ - الذي حكاهُ عن ربِّه - عزَّ وجلَّ -
مَثَل الإسلامِ: بالصراطِ المستقيمِ. وقد سمَّى اللَّهُ دِينَهُ الذي هوَ دينُ الإسلامِ
صراطًا مستقيمًا في مواضعَ كثيرةٍ من كتابِهِ، كقولِهِ تعالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ
. مـ
الْمُسْتَقِيمَ
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾
٦
[ الفاتحة: ٦ - ٧ ].
وقد فُسِّرِ الصراطُ هُنَا: بكتاب اللَّه. وكتابُ اللَّهِ فيه شرحُ دينِ الإسلامِ،
وبيانُه وتفصيلُه والدعوةُ إليهِ.
وعنِ جابرٍ، قالَ : الصراطُ المستقيمُ: هو الإسلامُ، وهوَ أوسعُ ممّا بينَ
السماءِ والأرضِ.
وقالَ تعالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴿﴿﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَبَعَ
رِضْوَتَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقالَ تعالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا
تَتَبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام : ١٥٣].
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ في «تفسيرِهِ»، والحاكمُ (٣) منِ حديثِ ابنِ
(١) كما في ((التحفة)) (١٥٣/٨) حيث قال: هذا حديث حسن غريب. والذي وقع في ((الترمذي)) أنه
غريب فقط .
(٢) الحاكم (١/ ٧٣).
(٣) أحمد (٤٣٥/١، ٤٦٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (تحفة الأشراف) (٧/ ٩٢٨١)، والحاكم
(٣١٨/٢).

٧٦
سورة الفاتحة
مسعود، قالَ: خطَّ رسولُ اللَّه ◌ِ لّهِ خطًّا بيده ثمَّ قالَ: ((هذا سبيلُ اللَّه مُستقيمًا))
وخطَّ عن يمينه وشماله، ثم قالَ: «هذه السبلُ ليسَ مِنْهَا سبيلٌ إلا عليه شيطانٌ
يدْعُو إليه)) ثمَّ قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ
عَن سبيله﴾ .
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه(١)، من حديثٍ مُجاهدٍ، عن الشَّعْبِيِّ،
عن جابرٍ، قالَ: كُنَّا جلوسًا عندَ النبيِّ وَِّ، فخطَّ خطَّا هكذا أمامَهُم، قالَ:
((هذا سبيلُ اللَّه)) وخطينٍ عن يمينِهِ، وخطينِ عن شمالِهِ، وقالَ: ((هذه سبيلُ
الشيطان)) ثم وضعَ يدَهُ في الخطِّ الأوسط، ثمَّ تلا هذه الآيةَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية .
وقد رُويَ عن ابن مسعودٍ، أَنَّه سُئلَ عن الصراطِ المُستقيمِ فقالَ: تركَّنَا
محمدٌ بَّه في أدناهُ وطرفُه في الجنةِ، وعن يمينِهِ جوادٌّ وعن شماله جوادٌّ،
وثمَّ رجالٌ يدعونَ من مرَّ بِهِم. فمن أخذَ في تلكَ الجوادِ انتهتْ بِهِ إلَى النَّارِ،
ومن أخذَ علَى الصراطِ انتهَى بِهِ إلى الجنَّةِ. ثمَّ قرأَ ابنُ مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ خرَّجه ابنُ جرير (٢) وغيرُهُ.
وإنَّما سُمِّيَ الصراطُ صِراطًا: لأَنَّه طريقٌ واسعٌ سَهْلٌ، يُوصِّلُ إلى
المقصودِ. وهذا مَثَلُ دينِ الإسلامِ في سائرِ الأديانِ، فإنَّه يُوصِّلُ إلى اللّهِ وإِلَى
دارِهِ، وجوارِهِ، مع سهولَتِهِ وسعتِهِ .
وبقيةُ الطرق وإنْ كانتْ كثيرةً، فإنَّها كلَّها مَعَ ضيقِهَا وعُسْرِها لا تُوصِّلُ
(١) أحمد (٣٩٧/٣)، وابن ماجه (١١).
(٢) ((تفسير الطبري)) (٨٨/٨ - ٨٩).

٧٧
سورة الفاتحة
إلى اللَّه، بل تقطعُ عنه وتُوصلُ إلى دارِ سخطِهِ وغضبِهِ، ومجاورة أعدائه؛
ولهذا قالَ تعالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقالَ تعالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل
عمران : ١٩].
والإسلامُ العامُّ: هو دينُ اللَّهِ الَّذِي كانَ عليهَ جميعُ الرسلِ، كما قالَ
نوحٌ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، وقالَ تعالَى: ﴿مَلَّةَ أَبِيكُمْ
إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقالَ تعالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ
بَنِهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾
[البقرة: ١٣٢]، وقالَ عن يوسفَ إنَّه قالَ: ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِّي فِي
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَِّي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقالَ تعالَى عن
ملكة سبأ: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وقالَ عنِ
الحواريينَ: إنهم قالُوا: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ [المائدة: ١١١].
وقد وصفَ اللَّهُ في سُورةِ الفاتحةِ الصراطَ بأنَّه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِم ﴾ [ الآية: ٦].
ثم سمَّى الذينَ أنعمَ عليهمٍ في سُورةِ النساءِ، وجعلَهُم أربعةَ أصناف:
النبيينَ والصِّدِيقينَ والشُّهداءَ والصالحينَ. فدلَّ على أنَّ هؤلاء كلَّهُم علَى هذا
الصراطِ المستقيمٍ، فلا يخرجُ عنهُم إلا: إمَّا مغضوبٌ عليهِ، وهو من عَرَفَ
الصراطَ وسلكَ غيرَهُ عمْدًا كاليهود والمشركينَ. وإمَّا ضالٌّ جاهلٌ يسلكُ غيرَ
الصراطِ جَهْلاً، ويظنُّ أَنَّه الصراطُ.
وحقيقةُ الإسلام: الاستسلامُ للَّه تعالَى والانقيادُ لطاعته. وأمَّا الإسلامُ

٧٨
سورة الفاتحة
الخاصُّ، فهو دينُ مُحَمَّد
ومُنْذ بَعثَ اللَّه محمَّدًا وَّ لم يقبلْ من أحدٍ دينًا غيرَ دِينِهِ. وهوَ الإسلامُ
الخاصَّ [وجعل](١) بقية الأديان كفرًا؛ لما تضمَّنَ اتباعُهَا من الكفرِ بدينِ محمدٍ
والمعصية للَّه في الأمرِ باتباعه، فإنَّه ليسَ هناكَ إلا أحدُ أمرينٍ:
إمَّا الاستسلامُ للَّه والانقيادُ لطاعته وأوامرِهِ، وهوَ دينُ الإسلامِ الذي أمرَ
اللَّهُ تعالَى بِهِ .
وإمَّا المعصيةُ للَّه والمخالفةُ لأوامرِهِ، وذلكَ يستلزمُ طاعةَ الشيطان؛ لأن
الشيطانَ يأمرُ بسلوكِ الطرقِ التي عن يمينِ الصراطِ وشمالِهِ، ويصدُّ عن سلوك
الصراط المستقيمِ؛ كَمَا قَالَ تعالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا
وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]،
الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين
قالَ تعالَى حاكِيًّا عنِ الشيطانِ: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لِأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ
أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴿١٧﴾ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لِأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ
مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٨]، وقالَ تعالَى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِّي لأُزَيَنَنَّ لَهُمْ
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ
فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿
عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴿٤١َ﴾ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٢].
وو
وصحّ عن ابن مسعودٍ، أنَّه قالَ: إِنَّ هذا الصراطَ مُحتضرٌ، تحضرَهُ
الشياطينُ.
يا عبدَ الله، هذا الطريقُ، هلُمَّ إلى الطريقِ، فاعتصِمُوا بحبلِ اللَّه، فإنَّ
(١) زيادة يقتضيها السياق.

٧٩
سورة الفاتحة
حبلَ اللَّهِ هو القرآنُ، وهذا كَمَا أنَّ الكتبَ المنزَّلَة، والرسلَ الُرسلةَ وأتباعَهُم
يدعونَ إلى اتّباعِ الصراطِ المستقيمِ، فالشيطانُ وأعوانُهُ وأتباعُهُ من الجنِّ
والإنسِ يدعونَ إلى بقيةِ الطرقِ الخارجةِ عن الصراطِ المستقيمِ، كما قالَ
تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى
اثْتَنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١].
والإسلامُ لهُ: هوَ الاستسلامُ، والإذعانُ، والانقيادُ، والطاعةُ.
والإسلامُ قد فسَّرِه النبيِّ نَّله في حديث جبريل(١) بالشهادتينِ، معَ إقامِ
الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجِّ، والصيامِ.
وأخبرَ بَّ في حديثٍ آخرَ (٢) : أنَّ الإسلامَ بُني على هذهِ الخمسِ:
يعني: أنه أركانُ بنائِهِ التي لا يقومُ البناءُ إلا عليها، وبقيةُ الأعمال داخلٌ في
مسمَّاهُ أيضًا .
ورُويَ من حديث أبي الدرداء مرفوعًا(٣) ومن حديث حُذيفةَ مرفوعًا
٠
وموقوفًا، وعدَّ من سهامه الجهاد (٤).
وأفضلُ الإسلامِ: أنْ يسلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ(٥) ، ومن حُسنِ إسلامٍ
المرءِ تركُه ما لا يعنيه (٦).
(١) أحمد (٢٨/١، ٥١، ٥٢)، ومسلم (٢٨/١)، وأبو داود (٤٦٩٥).
(٢) البخاري (٩/١)، ومسلم (١/ ٣٤).
(٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) كما في «مجمع الزوائد)) (٤٧/١).
(٤) أخرجه البزار، كما في ((كشف الأستار)) (٣٣٦، ٣٣٧).
(٥) البخاري (٩/١)، ومسلم (٤٧/١ - ٤٨).
(٦) الترمذي (٢٣١٧، ٢٣١٨)، وابن ماجه (٣٩٧٦).

٨٠
سورة الفاتحة
وفي ((صحيح مسلمٍ))(١) عن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ، قالَ: بينما أنا نائمٌ، إذْ
أتَّانِي رجلٌ، فقالَ لي: قُمْ: فأخذَ بيدي فانطلقتُ معهُ فإذا أنا بجوادَّ من
شمالي. قالَ: فأخذتُ لآخذ فيها، فقال: لا تأخذْ فيها فإنَّها طُرقُ أصحابٍ
الشمالِ، فإذا جوادٌّ منهجٌ عن يميني، فقالَ لي: خذْ هاهُنا، قال: فأتِي بي
جبلاً، فقال لي: اصعدْ. قال: فجعلتُ إذا أردتُ أن أصعدَ خررتُ على
اسْتِي. قالَ: حَتَّى فعلتُ ذلك مرارًا، قالَ: ثمَّ انطلقَ حتَّى أتى عمودًا رأسُهُ
في السماءِ وأسفلُهُ في الأرضِ، في أعلاهُ حلْقةٌ، قالَ لي: اصْعَدْ فوقَ هذا.
قلتُ: كيفَ أصعدُ هذا ورأسُهُ في السماءِ، قالَ: فأخذَ بيدِي فزجلَ بي، فإذا
أنا متعلّقٌ بالحلْقةِ، ثمَّ ضربَ العمودَ فخرَّ وبقيتُ متعلّقًا بالحلْقةِ حتى
أصبحتُ، قال: فأتيتُ النبيَّ وَِّّ فقصَصْتُها عليه، قالَ: ((أمَّا الطريقُ التي رأيتَ
عن يسارك: طريقُ أصحاب الشمال. وأمَّا الطريقُ التي رأيتَ عن يمينكَ، فهي طريقُ
أصحاب اليمين، وأمَّا الجبلُ: فهو منزلُ الشهداء ولن تنالَهُ، وأمَّا العمودُ: فهو عمودُ
الإسلام وأمَّا العروةُ: فهي عروةُ الإسلامِ، ولن تزال متمسكاً بها حتَّى تموتَ)).
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَِّيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ
[ النحل: ٩].
فأخبرَ أنَّ قصدَ السبيل - وهو الطريقُ القاصدُ - عليه، يعني: أنه يُوصِّلُ
إليه، وأنَّ من السبيلِ ما هو جائرٌ عنْ القصدِ غيرُ مُوصِّلٍ.
فالسبيلُ القاصدُ: هو الصراطُ المستقيمُ. والسبيلُ الجائرُ: هو سبيلُ
الشيطانِ الرجيمِ. وقد وحَّدَ طريقَهُ في أكثرِ المواضعِ، وجَمَعَ طرقَ الضلالِ؛
(١) البخاري (٤٦/٩)، ومسلم (١٦٠/٧، ١٦١).