Indexed OCR Text
Pages 261-280
ب
٣٦٦
منثوراً. وقد علمنا أنَّ الله تعالى إِنَّما يَتَقَبَّل من الثَّقين، فَرَجَعَ الأَمرُ
كلُّه إلى التَّقْوَى. وقال بعضُ المُرِيدين لشَيْخِه : أَوْصِنِى قال :
أُوصِيكَ بما أَوْصىَ الله تعالَى الأَوَّلِين والآخِرِين / وهوقوله: ﴿وَقَدْ
وَصَّيْنا الَّذِينَ أُوتوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وإِيّاكُمْ أَن اتَّقُوا الله (١))
قال الشيخ أبو حامد رحمه الله : أَلَيْسَ اللهُ سبحانه أَعلمُ بصَلاحِ العَبْدِ
من كلِّ أَحدٍ ، ولَو كانت فى العالَمِ خصلةٌ هى أَصلِحُ للعبد وأَجْمَعُ
للخير، وأَعظمُ للأَجْرِ ، وأَجَلُّ فى العُبُوديّةِ، وأَعظمُ فى القَدْرِ، وأَوْلَى فى
الحالِ، وأَنجحُ فى المآلِ من هذه الخَصْلَة الَّتى هى التقوىَ لكان الله
سبحانه أَمَرَ بھَا عِبادَه وأَوْصَی خواصّه بذلك ؛ لِكمال حِكْمَته ورحمته ،
فلمّا أَوْصَى بهذه الخَصْلة جميعَ الأَوّلين والآخِرِين [ من](٢) عِبادِه واقتصر
عليها عَلِمْنا أَنَّها الغايةُ التى لا مُتجاوَزَ عنها، وأَنَّه عزَّ وجلّ قد جمع كُلِّ
مَحْضٍ نُصْح ، ودَلالة ، وإِرشاد ، وتَأْدِيبٍ ، وتعليم، وتَهْذيب فى هذه
الوصيّة الواحدة كما يَلِيقُ بِحِكْمَته ورحمته ، فهى الخَصْلةِ الجامِعةُ
الخيرِ الدُّنيا والآخرة، الكافِيَة لجميع المهمات، المُبْلِغَة إِلى أَعلَى الدّرجات.
وهذا أَصلُ لامَزِيدَ عليه ، وفيه كِفايَةٌ لمن أَبصرَ النُّورَ واهْتَدَى، وَعَمِلَ
واسْتَغْنَى. والله وَلِىّ الهِداية والتَّوْفيق. ولقد أحسن القائل:
مَعْرِفَةُ اللهِ فَذاك الشَّقِ
مَنْ عَرَفَ اللّه فلم تُغْنِهِ
والِزُّ كُلُّ العَزِّ للمُّنَّقِى
ما يَصْنَعُ العَبْدُ بِعِزّ الغِنَى
رَوَى الثَّعلِىّ(٣) بسَنَده عن ابنِ عبّاس رضى الله عنهما قال: ((قَرَأَ
(١) الآية ١٣١ سورة النساء.
(٢) تكملة يقتضيها السياق.
(٣) الكافى الشافى لأبن حجر ١٧٤ وفيه أيضا: رواه أبو نعيم موقوفا على قتادة فى ترجمته فى الحلية.
- ٢٦١ -
النبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّم ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ له مَخْرَجًا ويَرْزُقْه من
حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ(١) ﴾ قال: مَخْرجًا من مهمّات الدُّنيا(٢)، ومن غَمرات
المَوْت ، ومن شدائد يوم القيامة)).
وقال الحسنُ بن الفَضْل : ومَنْ يَتَّقِ اللهَ فِى أَداءِ الفَرائض يجعلْ
له مخرجاً من العُقوبة ، ويَرْزُقه الثَّواب من حيثُ لايحتسب .
وقال عَمْرُو بن عثمان الصوفىّ : ومَنْ يَقِفْ عند حدوده ويجتنب
مَعَاصِيَه يُخْرِجه من الحَرامِ إِلى الحَلال، ومن الضَّيق إِلى السّعَة ، ومن
النَّارِ إِلى الجَنَّة .
وقال أبو سعيد الخَرّاز : وَمَنْ يَتَبرّأُ مِن حَوْلهَ وقُوَّته بالرّجوع إليه
يجعلْ له مخرجًا مّا كلَّفه بالمَعُونة له . وقيل: ومَنْ يَتَّق الله فى الرِّزق
وغيره بقَطْع العلائق، يَجْعَلُ له مَخْرجًا بالكِفاية ، ويرزقْه من حيثُ
لایحتسب .
ورَوَى الثَّعْلَبِىّ مُسْنِداً عن أَبِى الدّرداءِ ، قال النبيّ صلَّى الله عليه
وسلم: ((إِنِّى لأَعْلَم آيةً لَوْ أَخَذَ الناسُ بِها لكَفَتَهْم: ﴿ومَنْ يَتْقِ اللهَ
يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسب﴾ فما زال يقولُها
ويُعيدُها(٣))).
م
وقال عِكْرِمَة والشَّعِىّ والضَّحَّاك: من يُطَلِّق [طلاق] السُّنَّة يجعلْ
له مَخْرجًا إلى الرّجعة، ويرزقه من حيثُ لايرجُو ولا يتَوقَّع.
(١) الآيتان ٢، ٣ سورة الطلاق.
(٢) فى الكشاف : شبهات الدنيا .
(٣) رواه ابن حنبل فى الزهد وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبى ذر مرفوعا ( الكافى الشافى / ١٧٤) . وفى رواية
الكشاف: فازال يقروها ويعيدها .
- ٢٦٢ -
ورُوى عن ابن عَبّاس قال: ((جاءَ عوفُ بن مالِكِ الأُشجعىّ إِلى النبىّ.
صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يارسولَ الله إنَّ ابْنِى أَسَرَهُ العَدُوُّ وجَزْعَتِ الأُمُّ
فما تأُّمُرُنِى؟ قال: آمُرُك وإِيّاها أَن تَسْتَكْثِرا من قَوْلِ: لا حَوْلَ وَلَاقُوَّةٌ
إِلَّ بالله))، فانصرف إِليها فقالت: ما قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم ؟ قال :
أَمَرَنِى وإِيّاك أَن نَسْتَكثِرَ من قَوْل: لاحَوْل ولاقُوَّةُ إِلَّ بالله . قالت: نِعْمَ
ما أَمَرَك به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فجعلًا يقولانِ ذلك ،
فَغَفَل العدوُّ فاستاق غَنَمَهم ، فجاءَ به إِلى أَبيه وهى أَربعةُ آلاف شاةٍ
فَنَزَلَت: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللّه يَجْعَلْ له مَخْرَجًا ويَرْزُقْه من حَيْثُ لايَحْتَسِبِ﴾(١).
١
٣٦٧
وقال / مُقاتل : أَصابَ غَنَماً ومَتاعاً فرجع إلى أبيه ، فانْطَلَق أَبُوه فأَخَبر
النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بخبره ، فسأله أَن يُحِلَّ له أَنْ يأْكل مما
أَناه ابنُه . فقال له النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: نَعَمْ: فأَنْزَل الله عزَّ وجلّ
هذه الآية .
(١) رواه الثعلى من طريق الكلبى عن أبى صالح عن أبن عباس. ورواه البيهقى فى الدلائل من طريق أبى عبيدة بن عبد الله
ابن مسعود عن أبيه، ورواه الحاكم عن جابر ( الكافى الشافى / ١٧٤).
- ٢٦٣ -
١
٤٦ - بصيرة فى وكد ووكز
وَكَدَ بِالمَكان يَكِدُ وُكُودًا: أَقام به . وقولُهم : وَكَدَ وَكْدَهُ ، أَى
قَصَد قَصْدَه .
والوَكائد: السُّيور التى يُشَدُّ بها القَرَبُوس إلى دَفَّتَى السَّرْج، الواحدُ
وِكادٌ وإِكادُ .
قال ابن عَبَّاد: الوُكْدُ بالضم: الجُهْدُ والسّعى، يقال كان وُحْدِى
من الأمرِ مافعلته ، أَى كان جهدى .
والنَّواكِيدُ(١) والتَّأكيد(١)، والمَياكِيد(١): الوكائد.
والتَّوْكيد والتَّاكِيد واحد ، وبالواو أَفصح ، قال الله تعالى :
﴿ ولا تَنْقُضُوا الأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها(٢))
والنَّوْ کید دخل فىالكلام على وجهین : تکریر صريح، وغیر صريح ،
نحو قولك : رأيتُ زيداً زيداً، وغير الصّريح نحو قولك : فَعَلَ زيدٌ
نفسُهُ وعَيْنُه ، والقَوْمُ أَنْفُسُهم وأَعْيانُهم. والرَّجُلان كِلاهُما والمرأَتان
كِلْتَاهُما، والرِّجال أَجْمَعُون، والنساءُ جُمَع .
وجَدْوَى التوكيد أَنَّكَ إِذا كرّرت فقد قَرَّرت المؤكَّد وماعَلِقَ به فى
نفس السّامع ومَكَّنْتَه فى قلبه، وأَمَطْتِ شبهَةً رُبَّما خالَجَتْه، أَوْ تَوَهَّمتَ
غفلةً وذَهابًا عما أَنت بصَدَده فأَزَلْتَه .
(١) التواكيد والتأكيد والمياكيد، قالوا أنها جموع لا مفرد لها، قد أنكر بعضهم التواكيد وفى مفردات الراغب:
والسير الذى يشد به القربوس يسمى التأكيد ويقال تو كيد، وواضح أن التأكيد مفرد التأكيد والتوكيد مفرد التواكيد التى أنكرها
(٢) الآية ٩١ سورة النحل.
بعضهم .
- ٢٦٤ -
الوَكْرُ : الدَفْعُ، والطَّعْنُ، والضَّرْبُ بِجُمع الكَفّ(١)، يقال: وَكَزَهُ
يَكِرُهُ وَكْرًاً .
قال الزَّجَاج فى قوله تعالى: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾(٢) : أَى ضربه
بِجُمْع كفِّه، وقد قيل: ضَرَبَه بالعَصا ، يقال: وَكَزَه بالعَصا أَى
ضَرَبَه بها .
وقرْبَةٌ مُوْكُوَزَةٌ أَىْ مَعْلُوءَةٍ، وقد وَكَرْتُهَا وَكْزاً .
وَتَوَكَّزَ لِكَذا وَتَوفَّزَ وتَوَشَّزَ ، أَى تَهَيَّأَ له. وتَوَكَّزَ على عَصاهُ ،
أَى تَوكَّأَ .
(١) قيده التاج بقوله: على الذقن.
(٢) الآية ١٥ سورة القصص.
- ٢٦٥ -
٤٧ - بصيرة فى وكل
التَّوْكِيل : أَن تَعْتَمِدَ غَيْرَك وتَجْعَله نائباً عنك. والوَكِيلُ : فعيلٌ
بمعنى مفعول،وقوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً(١)﴾ أَى اكْتَفِ به أَنْ يَتَوَّل
أَمْرَك ويَتَوَكَّل لك، وعلى هذا حَسْبُنا الله ونِعْمَ الوَكيل. وقوله: ﴿ وما أَنْتَ
عَلَيْهِم بوَكِيل(٢) ﴾ أَى بِمُؤَكَّلٍ عليهم وحافِظ لهم، كقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم
بِمُسَيْطِرٍ﴾(٢). وقوله: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾(٤): أَى مَنْ يَتَوَّكَل عنهم.
قال اله تعالى: ﴿وعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾(٥)، وقال: ﴿وَعَلَى اللهِ
فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُون (٦)﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ(٧)﴾ ، وقال:
عن أوليائه : ﴿ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ (٨)﴾، وقال:
(قُل هُوَ الرَّحْمُنِ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾(٩)، وقال لرسوله صلَّى الله عليه
وسلَّم: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الحَقِّ المُبِينِ(١٠)﴾ ، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى
، وقال: ﴿ وَتَوَكَّلْ على الحىِّ الَّذِى لاَيَمُوتُ وسَبِّحْ
الله وكَفَى بالله وكيلًا(١١
بحمده﴾(١٢)، وقال: ﴿فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِإِنَّالَّ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾(١٢)
وقال عن أَنبيائه ورسله :﴿ ومالَنا أَنْ لَا نَتَوَكَّل عَلَى اللهُ وقَدْ هَدانا
(١) الآية ٨١ سورة النساء وورد فى آيات أخرى.
(٣) الآية ٢٢ سورة الغاشية.
(٤) الآية ١٠٩ سورة النساء.
(٦) الآية ١٢٢ سورة آل عمران وورد فى آيات أخر.
(٨) الآية ٤ سورة الممتحنة .
(١٠) الآية ٧٩ سورة النمل.
(١٢) الآية ٥٨ سورة الفرقان.
(٢) الآيات ١٠٧ سورة الأنعام ، ٤١ سورة الزمر.
٦ سورة الشورى .
(٥) الآية ٢٣ سورة المائدة.
(٧) الآية ٣ سورة الطلاق.
(٩) الآية ٢٩ سورة الملك .
(١١) الآية ٣ سورة الأحزاب.
(١٣) الآية ١٥٩ سورة آل عمران.
- ٢٦٦ -
سُبُلَنَا﴾ (١)، وقال عن أصحاب نبيّه: ﴿الَّذين قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيماناً وقالُوا حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكيل(٢)﴾
وقال : ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم وإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِم آياتُه
زَادَتْهُمْ إِيماناً وعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُون(٣) ). وفى الصّحيحين حديث السبعين
أَلْفا الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب: ((هُمُ الَّذين لايَسْتَرْفُون ولا
يَتَطَيَّرُوُن وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون (٤)). وعن الترمذىّ يرفعه: ((لوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُون
عَلَى اللّه حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُم كما يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُوخِماصًا وَتَرُوحِ بِطاناً)) (٥)
ثمّ التَّوَكُّل نِصْف الإيمان، والنِّصف الثانِىِ الإِنابَةِ، فالتَّوَكُّلُ هو
الاستِعانَةُ، والإِنابَةُ هو العبادة.
( فصل ) مَنْزِلة التوكَّلِ من أَوسع المَنازلِ وأَجَلُّها وأَجمعها ،
ولاتَزال معمورة بالنازلين ، فلنذكر معنى التوكلّ ودرجاته(٦) .
قال الإِمام أحمد رحمه الله : التوكُّل عملُ القَلْب ، ومعنى ذلك أَنَّه
عملٌ قلبيّ ليس للجوارح فيه مَدْخَل ، وهو من باب الإِدراكات والعُلوم.
ومن الناس من يجعلُه من باب المعارِف فيقول : هو علّمُ القَلْب بِكفاية
(٢) الآية ١٧٣ سورة آل عمران.
(١) الآية ١٢ سورة إبراهيم.
(٣) الآية ٢ سورة الأنفال .
(٤) أخرجه البزار عن أنس كما فى (الفتح الكبير) وتمامه: ((هم الذين لا يكتوون ولا يكوون ولا يسترقون)) الحديث.
(٥) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده والترمذى فى صحيحه وابن ماجه والحاكم فى مستدركه عن عمر (الفتح الكبير)
والرواية فى الفتح: ((لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ... ) الحديث .
(٦) فى كتاب إحياء علوم الدين للغزالى: قد أكثر الخائضون فى بيان حد التوكل واختلفت عباراتهم وتكلم كل واحد
عن مقام نفسه وأخبر عن حده كما جرت عادة أهل التصوف به .
- ٢٦٧ -
الربُّ عنده . ومنهم من يفسّره بسُكون حركة القَلْب فيقول : التَّوكُّل
هو انْطِراح(١) القَلْب بين يَدَىِ الله، كانْطِراح الميّت بين يدى الغاسِل
يُقَلِّبه كيف يشاءُ، أو تَرْكُ الاختيار والاسترسالُ مع مجارِى الأقدار
قال سَهْلٌ: التوّل: الاسترسالُ مع الله على ما يريد(٢). ومنهم من
يُفَسِّرُهُ بالرِّضَا، سئل يَحْيِىَ بنُ مُعاذ، مَتَى يكون الرّجلُ مُتَوَكِّلاً ؟
قال : إذا رَضِىَ بالله وَكِيلاً. ومنهم من يفسّره بالثقة بالله والطُّمَأْنينة
إليه . وقال ابنُ عَطاء : التوكُّل: أَن لايَظْهَرَ فيكَ(٣) انزِعاجُ إلى الأسباب مع
شدّة فاقَتِك إِليها .
وقال ذُو النُّون: هو تَرْك(٤) تدبير النَّفْسِ، والانْخلاعُ من الحَوْل والقُوَّة.
وإنَّما يقوِّى العقد على التوكُّل إذا عَلِمٍ أَنَّ الحقَّ سبحانه يعلم ويَرَى
ماهو فيه . وقيل: التَّوكُّل(٥) : التَّعَلَّق بالله فى كلَّ حال. وقيل: التوكُّل:
أَن تَرِدَ عليك مَوارِدُ الفاقاتِ فلا تَسْمُو إلاَّ إِلى من له الكِفايات . وقيل :
نَفْى الشُّكوك والتَّغْوِيض إلى مالِك المُلُوك . وقال ذُو النُّون : خَلْحُ
الأَرْباب ، وقَطْعُ الأَسباب ، يريد قَطْعَها من تعلُّقِ القلب بها لا من مُلابَسَةِ
الجوارح لها .
ومنهم من جعله مُرَكَّبًا من أَمرين ، قال أبوسَعِيد الخرّاز(٦): التَّوُّل.
اضطرابٌ بلا سُكُون، وسُكُونٌ بلا اضْطِراب . وقال أَبو تُرابِ النخشى
(١) يرى الغزالى أن هذه أعلى درجات التوكل.
(٢) وهو المعروف بترك التدبير كما يقول الغزالى.
(٣) فى ا، ب: فيه والتصويب من السياق فبعدها أضاف كلمة الفاقة إلى ضمير الخطاب.
(٤) عبارة ذى النون كما فى الإحياء: خلع الأرباب وقطع الأسباب وستأتى عنه هنا .
(٥) هو قول أبى عبد الله القرشى كما فى الإحياء.
(٦) إحياء علوم الدين ٢٢٨/٤.
- ٢٦٨ -
هو طَرْحِ البَدَن فى العُبوديّة، وتعلُّق القَلْب بالرُّبُوبيّة، والطمأنينة
إلى الكِفاية ، فإِنْ أُعْطِىَ شَكَر، وإِنْ مُنِعَ صَبَرْ، فجعله مُرَكَّبا من خمسة
أُمورٍ : القِيامُ بحركات العُبودِيّةِ ، وتعلُّق القَلْب بتدبير الربِّ، وسُكونٌ
إلى قضائه وقدَرِهِ ، وطُمأنينةُ بكفايته، وشكرٌ إِذا أُعْطِى، وصَبْرٌ إذا
مُنع .
وقال أبو يعقوب النهر جورىّ: التوكُّل(١) على الله تعالى بكمال الحقيقة
وَقَع لإِبراهيمَ الخليل، فى الوقت الذى قال لجبريل عليه السلام: (( أَمّا إِلَيْكَ
فَلَا )).
وأَجمع القومُ على أَنَّ التوكُّل لايُنافِى القيام بالأسباب ، بل لايصحّ
التوكُّل إِلا مع القيام بها ، وإلاَّ فهو بَطالَةٌ، وتَوكُّلُ فاسد . قال سَهْل :
من طَعَن فى الحركة فقد طَعَن فى السُّنَّة، ومن طَعَن فى التَّوُّل فقد طعن
فى الإِيمان(٢). فالتوكُّل حالُ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والكَسْب سُنَّتُه،
فمن عَمِلَ على حالِهِ فلا يتركنَّ سُنَّتَه . وسُئِل سهلٌ عن النَّوكل فقال :
قلبُ عاش مع اللّهِ بلا عَلَاقَةِ . وقيل: التوكُّل: قَطْعُ العلائق ومُواصَلَة
الحقائق. وقيل : هو أَنْ يستوى عندك الإكثار والإِقْلال، وهذا من
مُوجِباتِهِ وآثارِهِ لا أَنه حقيقته . وقيل: هو ترك (٣) كلِّ سَبَبٍ يوصل
إِلى سَبَبٍ حَتَّى يكون الحقُّ تعالَى هو المتولِّى لذلك. وهذا صحيحٌ من وَجْهٍ
باطِلٌ من وجه ، فَتَرْكِ الأَسباب / المأمور بها قادِحٌ فى التوُّل ، وقد تولَّى
الحقَّ إيصالَ العبدِ بها، وأَمّا تَرْكُ الأَسباب المُباحة فإِنَّ تَرْكَها لما هو
١
٣٦٨
(١) فى ا، ب: التوقع (تحريف).
(٢) عبارة الإحياء عن سهل: من طعن على التكسب فقد طعن على السنة، ومن طعن على ترك التكسب فقد طعن على
(٣) هو قول أبى عبد الله القرشى كما فى الإحياء (٤: ٢٢٨).
التوحيد (إحياء /٤ : ٢٣٢).
- ٢٦٩ -
أَرجح منها مَصْلَحةً فممدوحٌ ، وإِلاَّ فمذمومٌ. وقيل: هو إلقاء [النَّفس فى](١)
العبودية وإخراجها من الرّبوبيّة . وقيل هو التسليم لأمر الربّ وقضائه .
وقيل : التَّغْوِيضُ إليه فى كلّ حال . وقيل : التوكّل بِدايةٌ ، والتَّسْلِيمُ
وَسَاطَةٌ ، والتفويض نهاية .
قال أَبو عَلِىّ الدّقَّق. التوكُّل(٢) ثلاث درجات: التوكُّل، ثم التَّسْليم،
ثمّ النَّفْويض ، فالمتوكِّل يسكن إلى وَعْدِهِ ، وصاحبُ(٣) التسليم يكتفى
بِعِلْمِهِ، وصاحب التَّفويضِ يَرْضَى بحُكْمِه . فالتَوَكِّل صفةُ المؤْمِنين
والتَّسْلِيم صفةُ الأَولياءِ، والنَّفْويضِ صفة المُوَحِّدِين. التَّوَكُّل صفةُ
الأَنْبياءِ ، والتَسْلِيمُ صفةُ إِبراهِيمَ الخليل ، والتَّفْويضِ صفة نبيّنا
صلَّى الله عليه وسلَّم .
وحقيقة الأمرِ أَنَّ التوُّل حالٌ مركَّبة من مجموع أُمورٍ لايتمُّ حقيقةُ
التوكّل إِلَّ بها، وكُلُّ أَشَارَ إلى واحد من هذه الأُمورِ أَو اثنين أَو أَكثر،
فَأَوَّل ذلك معرفةُ الربِّ تعالَى وصفاتِه من: قُدْرَتِه، وكفايَتِهِ ، وقَيُّومِيَّتِهِ(٤)،
وانتهاءِ الأُمور إلى عِلْمه وصُدورها عن مشيئته وقدرته ، وهذه المعرفة
%
أَوّل درجة يضع بها العبد قَدَمه فى مَقام التوكّل .
، فكلّ من
الدّرجة الثانية : إِثبات الأسباب والمُسبَّبات
نفاها فتوكَّله مدخولٌ (٥)؛ وهذا عكس ما يظهر فى بادئ (الرأى) (٦) أَن إِثبات
(١) تكملة من الإحياء والعبارة من قول ذى النون المصرى (٢٢٨/٤).
(٣) فى الإحياء: والمسلم.
(٢) الإحياء: ٢٢٨/٤.
(٤) قيوميته: قيامه تعالى بأمر خلقه فى إنشائهم ورزقهم وعلمه بمستقرهم ومستودعهم فلا يتصور وجود شئ ولا
دوام وجوده إلا بقدرته هذه .
(٥) مدخول: مشوب بما يفسده ولذا يقول الغزالى فى الإحياء: التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمه وجهالة لسنة
(٦) سقط من ا.
الله .
- ٢٧٠ -
الأَسباب يقدح فى التوكُّل، وأَنَّ نَفْيَها تمامُ التوكُّل ، فاعلمٍ أَنَّ إِثبات(١)
الأَسباب فى [حصول المُتَوَكَّل به لايناقض التوكل (٢)] فهو كالدَّعاءِ الذى
جعلَه اللّهِ سَبَبًا فى حصول المدعُوِّ به، فإذا اعتقد العبدُ أَنَّ التوكُّل لم
يَنْصِبْه الله سبباً ولاجعلَ دُعاءَه سبباً لنَيْل شىءٍ، لأَنَّ(٣) المتوكَّل فيه
المدعُوَّ بحُصوله إِن كان قُدِّر فَسَيَحْصُل (٤)، تَوَكَّل أَوْ لم يَتَوَكَّلْ ، دعا
أَو لم يدْعُ، وإِنْ لم يُقَدَّر فلن(٥) يحصل، توكَّل أَيضاً أَو ترك التوكُّل
[فهذا العبد مراغم لحكمة الله جاهل بسنته] (٦) [وقداً صرّح هؤلاءٍ أَنَّ التوكّل
والدّعاءَ عُبُوديّةٌ محضة، لافائدة فيه إِلَّ ذلك، ولو ترك العبد التوكَّلَ
والدعاءَ لَمَا فاته شىءٌ ثَمَا قُدِّر له، [بل](٧) مِنْ غلامهم(٨) مَنْ يجعلِ الدُّعاءَ(٩) بعدم
المؤاخذة على الخطإِ والنَّسيان عدِيمَ الفائدة إذ هو مضمون الحصول ،
حتى قال بعضهم فى تصنيف له : لايجوز الدَّعاءُ بهذا وإِنَّما يجوز تلاوة
الادعاء ، قال : لأَنَّ الدّعاء يتضمّن الشَّكَّ فى حُصُوله ووُقوعِه، لأَنَّ
الدّاعِىَ بين الخوف والرّجاء ، والشكَّ فى وقوع ذلك شكَّ فى خبر الله .
فانظروا إِلى ما أَفاد إنكار الأُسْباب من العظائم وتحريم الدّعاءِ بما أَثْنَى
الله به على عباده وأوليائه بالدَّعاءِ به وبطلبه . ولم يزل المسلمون من عند
نبيّهم وإلى الآن يدعون به فى مَقامات الدُّعاءِ، وهو من أَفضل الدَّعوات.
(١) فى ا، ب: تفات ولعلها تصحيف إثبات وهو ما يقتضيه السياق.
(٢) ما بين القوسين تكملة يقتضيها المقام وقد اعتمدنا فيها على ما فى الإحياء من عبارات وما سيرد فى عباراته من
(٣) فى ا، ب: ((فإن)) وما أثبتنا أوضح.
تفصيلات .
(٥) فى ا، ب: ((لم)) وما أثبتناه أولى.
(٤) فى ا : يحصل .
(٦) ما بين القوسين تكملة يقتضيها المقام وقد اعتمدنا فيها على ما تقدم من عباراته أول الفصل.
(٧) فى ا، ب: ((ومن)).
(٨) فى ا، ب : علاماتهم وما أثبتنا يقتضيه السياق.
(٩) يريد الدعاء الوارد فى قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا): آية ٢٨٦ سورة البقرة.
- ٢٧١ -
ب
٣٦٨
وجوابُ هذا الوَهْم الباطل هو(١) أَن يقال: بَقِىَ قسمٌ آخرغير ما ذكرتم
من القسمين ، هو أن يكون قَضَى بحصول الشىء عند حصول سَبَبه من
التوكَّل والدّعاءِ، فنصب الدّعاءَ والتوكَّل سببين لحُصول المطلوب ،
وقضى بحصوله إذا فعل العبدُ سَببه ، فإِذا لم يأتِ بالسبب امْتَنَع
المسبّب، وهذا كما إِذا قضَى بحُصول الولدِ إِذا جامع الرّجلُ من يحبلها
فإذا لم يُجامع لم يَحْصُل(٢) الولدُ. وقَضَى بحصول الشِبَع والرِىّ إِذا أَكَل/
وشرب ، فإِذا لم يفعل لم يَشْبَعْ ولم يَرْوَ. وقَضَى بحصول الحجِّ والوصول
إِلى مكَّة إِذا سافر وركبَ الطَّريقَ ، فإِذا جلس فى بيته لايصل إلى مكَّة
أبداً. وقضى بدخول الجنَّة إِذا أَسْلَم وأَتَى بالأعمال الصّالحة ، فإِذا لم
يُسْلمْ مادخلها أبداً. فوزان (٣) ماقاله منكرو الأَسباب أَن يترك كلّ من
هؤلاءِ السببَ المُوصِّل ويقول: إِن كان قُضِى لى وسبق لى فى الأزل حُصول
الوَلَدِ والشِّبَع والرِىّ والحَجِّ ونحوِه فلابّد أَن يصل إلىّ، تحرّكتُ أَو لم
أَتحرّكْ، تزوّجتُ أَو تركتُ ، سافرتُ أَو تركتُ ، وإِن لم يكن قُضِىَ
لى لم يحصُلْ لى أَيضاً ، فعلتُ أَو تركتُ، فهل يَعُدُّ أَحدٌ هذا القائلَ
من جملة العُقلاءِ ؟ وهل البهائِم إِلاَّ أَفْهَم منه، فإِنَّ البهيمة تَسْعَى
فى السّبب . فالتوكَّل من أَعْظم الأَسباب الَّتى يحصل بها المقصود ويندفع
بها المكروه ، فمن أَنكر الأَسباب لم يستقم منه التَّوكُّل، ( ولكن من تمام
التوكُّل)(٤) عدم الرُّكُونِ ( إلى) (٤) الأَسباب وقطع علاقة القلب بها ، فيكون حال
(١) !، ب : وهو.
(٢) فى ا: يحبل، وفى ب: يخلق وما أثبتنا هو عبارة المؤلف فيما سيأتى من تفصيلاته .
(٣) فوزان ما قاله: كفاؤه وما يجب أن يكون نتيجة له .
(٤) سقط من ا.
- ٢٧٢ -
قلبه قيامه باللّه لابها ، فلا تقوم عبوديّة الأَسباب إلاَّ على ساقِ التوُّل ،
ولا تقوم ساقُ التوكُّل إلا على قَدَمِ العُبودية .
الدّرجة الثَّالثة: رُسوغُ القلبِ فى مقام التَّوحيد؛ فإنَّه لايستقيم
توكُّل العبدِ حتى يصحَّ له توحيدُه ، بل حقيقة التوكُّل توحيدُ القلب ،
فما دامت فيه علائقُ الشِّرْك فتوكُّله معلولٌ مدخول ، وعلى قدر تجريد
التوحيد يكونُ صحة النَّوكُّل، فإِنَّ العبد متى التفت إلى غير الله أَخذ
ذلك الالتفاتُ شُعبةً من شُعَب قلبه فنقص من تو کِّله على الله بقدر ذهاب
تلك الشُّعْبة .
الدّرجة الرابعة : اعتماد القلب على الله واستناده إليه بحيث لايبقى
فيه اضطراب من تشويش الأسباب ولاسكون إليها ، بل يخلع السكونَ
إليها من قلبه ويَلْبَسُ السّكون إلى مسبّبها .
الدّرجة الخامسة : حسن الظَّنّ بالله تعالى ، فعلى قَدْرِ حسن ظنَّك به
ورجائك له يكون توكُّلك عليه .
الدّرجة السّادسة : استسلامُ القلب له وانحداثُ دواعيه كلِّها إليه ،
وقطعَ منازعاته ، وبهذا فسّره من قال : أَنْ يكون كالميّت بين يدى
الغاسِل .
الدّرجة السّابعة : التفويضُ، وهو رُوح التوُّل وحقيقتُه ولُبُّه،
وهو إلقاء أُمورِهِ كلِّها إلى الله تعالى، وإنزالُها به رَغَبًا واختيارًا لاكَرْها
واضطرارا ، بل كتفويض الابنِ العاجز الضعيف المغلوب أُمورَه إِلى
- ٢٧٣ -
( م ١٨ - بصائر ذوى التمييز)
أَبيه [و] (١) الغُلامِ بِشَفَقَته عليه ورحمته، وتَمام كِفايَته وحُسْن
وِلايَتِهِ له ، فإِذا وضع قَدَمَه فى هذه الدّرجة انتقل منها إلى درجة الرضا ،
وهى ثمرةُ التوكُّل. ومن فسّر التوكُّل بها فإِنَّما فسّره بأَحَد ثَمَراته وأَعظم
فوائده ، فإِنه إذا توكَّل حقّ التوكُّل رضى بما يفعلُه وكيله .
والمقدور يكتنفه أَمران : التَوَكُّل قَبْلَه، والرِّضا بعده، فمن توكّل
على الله قَبْلَ الفِعْل، ورَضِىَ بما قَضَى له بعد الفِعْل فقد قام بالعبوديّة .
١
٣٦٩
واعلم أنَّ التوكُّل من أَعمّ المقامات تعلُّقًا بالأَسماءِ الحسنى ، فإِنّ له
تعلُّقًا خاصًّا بعامَّة أَسماءِ الأَفعال، وأَسماءِ الصّفات ، فله تعلُّق باسمه
الغفَّار/، والنَّواب، والغَفُور، والرَّحيم؛ وتعلّق باسمه الفَتَّاح، والوهّاب،
والرزَّاق ، والمُعْطِى؛ وتعلّق باسمه المُعزّ والمُذِلّ ، والخافض والرّافع،
والمانع من جهة توكَّله عليه فى إِذلال أَعداءٍ دينه ومنعهم أسباب النصر
وخفضهم ؛ وتعلّق بأسماء القُدْرة والإرادة ، وله تعلُّق عام بجميع الأسماءِ
الحسنى، ولهذا فسّره من فسّره من الأَئمة بأَنَّه (٢) من المعرفة بالله، وإِنما أَراد
أَنَّه بحسب معرفةِ العبد بصحّ له مقام التَّوكُّل ، فكلَّما كان بالله أعرف
كان توكُّله عليه أَقْوَى. وكثير من المتوكِّلين يكون مغبونًا فى توكُّله ،
وقد توكَّل حقيقة التوكَّل وهو مغبون ، كمن صرف توكَّله إِلى حاجة
جزئية استفرغ فيها قوّةً توكُّله ويمكنه فعلها بأيسر شىءٍ ، وتفريغ قلبه
للتوكّل فى زيادة الإيمان والعلم ونُصْرة الدّين والتأثير فى العالم خيراً ،
فهذا توكَّل العاجز القاصر الهمّة ؛ كما يصرف بعضهم توكَّله ودُعاءَه
: (١) تكملة يقتضيها سياق العبارة.
(٢) فى ا، ب: ((فإنه)).
- ٢٧٤ -
إِلى وَجَع يمكنُ مُداواتُه بأَيسر شىء، أَو جوع يمكن زوالُه بنصف درهم،
ويَدَعُ صَرْفَه إِلى نُصرة الدِّين وقَمْع المبتدعين ومصالح المسلمين .
وقال الشيخ أبو إسماعيل عبد الله الأنصارىّ : هو على ثلاث درجات :
الأُولى: التوكُّلُ مع الطَلَب، ومعاطاة السَّبَب على نيّة شغل النّفس،
ونَفْعِ الخَلْقِ وترك الدَّغْوِى .
الثَّانية: التوكُّل مع إسقاط الطَلَب وَغَضِّ العين عن السَّبَب اجتهاداً
فى تصحيح التوكّل وقمع تشرّف النفس، وتفرّغا إِلى حفظ الواجبات .
الثالثة: التوكُّل النازع إلى الخلاص من عِلَّة التوكُّل، وهو أن تعلم
أَنَّ مْكيَّة الحقِّ عزَّ وجلَّ للأَشياءِ مِلْكيَّة عِزَّة لايشاركه فيها مُشارك ،
فيَكل شركته إليه ، فإِنَّ من ضرورة العُبودِيَّةَ أَنْ يعلم العبد أَنَّه تعالى
هو مالك الأَشياءِ كلِّها وَحْدَه . قال بعض السالكين :
* وخلاصُ الفُؤاد منه اسْتِقامَهْ
رُؤْيَةُ السّالِكِ التَّوَكُّلَ ضَعْفُ
هو بابٌ للمبتدى، وطريق * للمنتهى، والوقوف عنه ندامه
٠٠ .
- ٢٧٥ -
٤٨ - بصيرة فى وكا وولج
رَجُلٌ تُكَأَّةٌ مثال تُؤْدَةٍ، أَى كثير الاتِّكاءِ، وأَصلُها وُكَأَّةٌ . والنُّكَأَّةُ
أيضا: ما يُتَّكَأُ عليه، وهى المُنَّكَأُ، قال الله تعالى: ﴿ وأَعْتَدَتْ لَهُنَّ
مُنَّكَأَ (١))، قال الأَخفش: هو فى معنى مَجْلِس .
وطَعَنَه حَتَّى أَتْكَأَّهُ على أَفْعَلَهُ ، أَى أَلْقَاه على هَيْئَة المُنَّكِى
وأَوْكَأْتُ قُلاناً إِيكاء : إِذا نصَبْتَ له مُنَّكَأً .
وفى نوادر أَبِى عُبَيْدة : أَوْكَأْتُ عَلَيه ، وتَوَكَّأْتُ عليه، بمعنَى واحد،
قال الله تعالى: ﴿مِىَ عَصاىَ أَتَوَكَّأُ عليها(٢)﴾. وتَوَكََّتِ (٣) الناقةُ، وهو
تَصَلَّقُها عند مَخاضِها ، أَى أَنِينُها عند الولادة .
الوُلُوجِ: الدُّخولُ فى مَضِيقٍ وغيره، قال تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ
فى سَمِّ الْخِيَاطِ﴾(٤). ووَلَجَ فى البيت وَتَوَلَّجَ. وأَمرأَةُ خَرّاجَةٌ وَلَّاجَةٌ .
وَدَخَلُوا الوَلَجَ والوَلَجَةِ ، وهو ما كان من كَهْفِ أَو غار يُلْجَأُ إِليه.
والْتَجُوُّوا إلى الوَّلَجَاتِ والأَوْلاجِ.
وأَوْلَجَهُ : أَدْخَلَه، قال الله تعالى: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فى النَّهارِ ويُولِجُ النَّهار فى
اللَّيْلِ﴾ (٥) أَى يُدْخل الليلَ فى النَّهار حتى يكُونَ النهارُ خَمْسَ عَشَرَة ساعةً ،
ويولج النَّهارَ فى اللَّيْلِ حَتَّى يكونَ اللَّيْلُ خَمْسَ عَشَرةَ ساعة ، والنَّهَارُ تسع
(١) الآية ٣١ سورة يوسف.
(٢) الآية ١٨ سورة طه، ومما جاء أيضا فى القرآن الكريم من هذه المادة قوله تعالى: ( ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها
يتكئون) الآية ٢٤ سورة الزخرف. وقوله: ( متكئين فيها على الأرائك ). الآية ٣١ سورة الكهف ، وقد ورد
(٣) توكأت الناقة: أخذها الطلق فصرخت ..
متکثین فی آيات أخرى .
(٤ ) الآية ٤٠ سورة الأعراف .
(٥) الآيات ٦١ سورة الحج ، ٢٩ سورة لق مان ، ١٣ سورة فاطر ، ٦ سورة الحديد.
- ٢٧٦ -
ب
٣٦٩
ساعاتٍ ، فما نَقَص من أَحدهما زاد فى الآخَرِ / ، وفيه تَنْبِيهُ على مارَكَّب
الله عليه العالَمَ من زِيادةِ اللَّيلِ فى النَّهارِ وزيادةِ النَّهار فى اللَّيلِ ، وذلك
بحسب مَطالع الشمس(١) ومغارِبها .
والوّلِيجَةُ: كلّ مايَتَّخِذه الإِنسان مُعْتَمَداً، وليس من قولهم: فلانٌ وَليجَةٌ
فى القوم : إذا دَخَل فيهم وليس منهم ، إنساناً كان أوغيره ، قال الله تعالى:
{ولم يَتَّخِذُوا من دُون الله ولارَسُوله ولا المُؤمنين وَليجةً(٣)﴾ ، وذلك مثلُ
قوله تعالى: ﴿يا أَيّها الَّذين آمنوا لاتَتَّخِذُوا اليَّهُودَ والنَّصارَى أَوْلِيَاءَ(٣)
ورجلٌ خُرَجَةٌ وُلَجَة - كُهُمَزَة -: كثير الخُروج والوُلُوج .
(١) فى ا، ب: ((مطالع الليل ومغاربه)) وما أثبت من المفردات.
(٢) الآية ١٦ سورة التوبة
(٣) الآية ٥١ سورة المائدة .
- ٢٧٧ -
٤٩ - بصيرة فى ولد
الوَلَدُ يكون واحداً وجمعاً ، وكذلك الوُلْدُ بالضمّ كالعَرَبِ والْعُرْب ،
والعَجَم والعُجم. ومن أَمثال بنى أَسَد: (( وُلْدُكَ من دَمَّى عَقِبَيْكَ(١))). ويقال
ما أَدْرِى أَىُّ وَلَدِ الرَّجُل هو، أَى أَىُّ الناسِ هو .
وقوله تعالى: ﴿ووالِدٍ وَمَا وَلَدَ(٣)﴾، يعنى آدَم صلواتُ الله عليه ،
وما وَلَد من صِدِّيق ونَبِىُّ وشَهِيد ومُؤْمنٍ .
والوَلِيدُ: الصّبِىّ. وفى دعاءِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((اللهمّ واقِيَةً
كواقية الوَلِيد)»(٣) لأنه لا يعلم المعاطب وهو يتعرض لها، ثم يحفظه الله تعالى،
أَو لأَنَّ القَلَم مرفوعٍ عنه فهو محفوظٌ من الآثام (٤). والوَلِيدُ أَيضاً: العَبْدُ ،
والجمع وِلْدَانٌ وَوِلْدَةٌ .
ويُجمع الوَلدُ على أَولاد ووِلْدان، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْوالُكُمْ
وأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّ مِن أَزْواحِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لكم﴾(٦)
فجعل كُلَّهم فتنةً وبعضَهم عَدُوًّا. وقال تعالى: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ﴾(٧).
ويقال للمُتَبَنَّى أَيضاً ولدٌ، قال تعالى: ﴿أَو نَتَّخِذَه وَلَدَا﴾(٨).
ويطلق الولد على الابْن والابْنَة .
والوالدُ: الأَبُ،وهى والدةٌ(٩) وهُما الوالدان(١٠). وقد وَلَدَ ولادَا وولادَةً
ولدَةً ومَوْلَداً .
(١) هذه رواية الصحاح، وفى القاموس: بالتحريك وكسر الكاف فيها على أنه خطاب للأنثى، أى نفست به لا من
(٢) الآية ٣ سورة البلد .
اتخذته وتبنيته وهو من غير ك .
(٣) أخرجه أبو يعلى فى مسنده عن ابن عمر (الفتح الكبير).
(٤) وقيل أراد بالوليد موسى عليه السلام.
(٥) الآية ١٥ سورة التغابن، وبفتح همزة إنما الآية ٢٨ سورة الأنفال.
.(٧) الآية ٤٧ سورة آل عمران .
(٦) الآية ١٤ سورة التغابن.
(٨) الآية ٢١ سورة يوسف .
(٩) فى القاموس وهى: والد، ووالده .
(١٠) قيل على تغليب الذكر، وقيل تثنية والد الذى يطلق عليهما كما صرح به القاموس.
- ٢٧٨ -
والمَوْلِد أيضاً والمِيلادُ: وقتُ الولادَةِ، والمَوْلد أيضاً: الموضعُ الَّذى
فيه المَوْلُود، قال تعالى: ﴿والسّلامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوت (١)﴾
وفعل ذلك فى وَلُودِيَّتِهِ وُلُودِيَّته، أَى فى صِغَره . ورجلٌ فيه
وُلُودِيّةٍ ، أَى جَفاءُ وقِلَّة رِفْق وعلم بالأُمور .
والمُوَلِّدة: القابِلَة. وجاءَنا ببيّنة مُوَلَّدَة، أَى ليست بمحقَّقَةٍ . وكتابٌ
مُوَلَّدُ : مُفْتَعَلٌ .
وتّا حَرَّفَتْه النَّصارَى فى الإِنجيل : يقول الله تعالى ياعيسى أَنت
نَبِيِّى وأَنا وَلَّدْتك، أَى رَبَّيْتك، فقال النَّصارى: أَنت بُنَيِّى وأَنا
وَلَدْتُك، تعالى الله عمّا يقول الظَّالمون عُلُوًّا كبيراً .
وقال ابن الأعرابيّ فى قول الشاعر :
إِذا ماوَلَّدُوا شاةً تَنادَوْا
ـ(٢٠)
• أَجَدْىٌ تحت شاتِكَ أَمْ غَلامُ
رماهٍ بأَنَّهم يأْتُون البهائم .
وتَوالَدُوا: كَثُرُوا(٣) ووَلَد بعضهم بعضاً .
والوَليدُ يقال لمن قَرُبَ عهدُه بالولادة، وإِنْ صَحَّ فى الأصلِ(٤) لمَنْ
قَرُب عهده أَو بَعُد : والوَليدَة مختصّةٌ بالإِماء فى عامّة كلامهم.
وتولَّدُ الشىء من الشىء: حُصوله منه بسبب من الأسباب .
(١) الآية ٣٣ سورة مريم ..
(٢) البيت فى التاج (ولد) .
(٣) فى ١، ب: ((أكثروا)) والتصويب من التاج عن البصائر.
(٤) العبارة فى ا، ب: ((وأن يصح فى الأصل كمن)) والتصويب من السياق.
- ٢٧٩ -
٥٠ - بصيرة فى ولق وولى
الوَلْقُ: الإِسراعُ، يقال: جاءت الإِلُ تَلِقُ، أَى تُشْرِعِ ، قال الفُلاح
ابن حَزْن(١) :
جاءَتْ به عَنْسٌ من الشامِ تَلِقُ(١)
والوَلْقُ أيضاً: أَخفُّ الطَعْنِ، وقد وَلَقَهُ وَلْقاً، يُقال: وَلَقْتُه
بِالسَّيْف وَلَقات، أَى ضربات. والوَلْقُ أَيضاً : الاستمرارُ فى السّير وفى
الكَذِب ، ومنه قراءةُ عائشة رضى الله عنها ، ويَحْيَى بنٍ يَعْمُرُ وعُبَيْدِ بن
عُمَيْرِ ، وزيد بنٍ علىّ، وَأَبِى مَعْمَر: ﴿إِذْ تَلِقُونَه بأَلْسِنَتِكِم (٢)﴾ / وناقةٌ وَلَغَى:
سريعةٌ .
١
٣٧٠
والأَوْلَقُ : شِبْهُ الجُنون . قال :
لَعَمْرُكَ بِى مِنْ حُبِّ أَسْماءَ أَوْلَقُ (٣)
وَلِيَهُ وَلْيًا: دَنَا منه، وأَوْلَيْتُهُ أَنا: أَدْنَيْتُه. وكُلْ مَما يَلِيكَ: مَما يَقْرُبُكَ.
وسَقَطَ الوَلِيُّ، وهو المَطَر الذى يَلىِ الوَسْمِىَّ. وقد وُلِيَتِ الأَرضُ
وهى مَوْلِيَّةٌ .
وَوَلِ الأَمرَ وتَوَلَّه. وهو وَلِيُّهِ وَمَوْلاهُ، وهو وَلِّ اليَتِيمِ وأَوْلياُهُ .
وَوَلَِ وِلِاِيَةً. وهو وَالِ الْبَلَدِ ، وهم وُلاتُهُ .
(١) القلاخ بن حزن هكذا فى التاج واللسان (زلق) وفى مادة ( ولق) عزاء إلى الشماخ يهجو جليدا الكلابى، والمشطور
فى الأساس بدون عزو، وهو فى اللسان (زلق) و (ولق) مع مشطورين آخرين، والرواية فى ا، ب والتاج: ((جاءت
به عيس)) وفى الأساس واللسان فى مواضع ذكره ((عنس)) (بالنون ) - والعنس: الناقة القوية أما العيس (بالياء) فهى
الإبل تضرب إلى الصفرة .
(٢) الآية ١٥ سورة النور، وقراءة الجمهور: (إذ تلقونه بألسنتكم) بفتح اللام والقاف مشددة.
(٣) الشطر فى اللسان (ولق) بدون عزو .
- ٢٨٠ -