Indexed OCR Text
Pages 181-200
والتّسخير والمَنام دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ إِلَّ وَحْيًا(١)﴾، وسَماعُ الكلام
من غير مُعَاينة دلَّ عليه: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجاب (١) ﴾ ، وتَبْلِيغُ جبريل عليه السّلام
فى صورة معيّنة دلَّ عليه: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسولاً فيُوحِىَ بإِذنه ما يشاءَ
وقوله تعالى : ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قال أُوحِىَ إِلَىّ
ولَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شْءٍ(٢)﴾ ، فذلك ذمّ لمن يَدَّعِى شيئاً من أنواع ماذكرنا من الوَحْى،
أَىّ نوعٍ ادَّعاه من غير أَنْ حَصَلَ له .
وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ (٣)﴾ فهذا
الوَحْىُ هو عامٌّ فى جميع أنواعِه، وذلك أَنَّ معرفةَ وَحْدانيّةِ الله تعالى ،
ومعرفةَ وُجوب عبادتِه ليست مقصورةً على الوَحْىِ المختصّ بأُولِ العَزْم من
الرّسل بل ذلك يُعْرف بالعقل والإِلهام ، كما يعرف بالسّمع، فإِذا القصدُ
من الآية تنبيهٌ أَنَّه من المُحالِ أَن يكون رسولٌ لايَعرِف وَحْدانيّة الله
تعالى ووُجوبَ عبادتهِ .
وقوله: ﴿وإِذْ أَوْحَيْتُ إِلى الحَوَارِيّينِ(٤)﴾ فذلك وَحْىٌ بوَساطة عيسى
عليه السّلام . وقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنا إليهم فِعْلَ الخَيْراتِ (٥) ﴾ فذلك وَحْىٌ إِلى
الأُمم بوساطة الأنبياء عليهم السّلام .
ومن الوَحْى المختصّ بالنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِليك
(١) من الآية ٥١ سورة الشورى.
(٢) الآية ٩٣ سورة الأنعام.
(٣) الاية ٢٥ سورة الأنبياء.
(٤) الآية ١١١ سورة المائدة .
(٥) الآية ٧٣ سورة الأنبياء ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات).
- ١٨١ -
٦٠٠
مِن رَبّك (١)﴾، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلى مُوسَى وَخِيهِ (٢)﴾ فوخْيُهُ إِلى موسَى
بِوَساطة جبريل ، وإِلى هارونَ بوَساطة مُوسَى عليه السّلام .
وقوله: ﴿ إِذْ يُوحِى رَبُّك إلى المَلائِكَةِ أَنِّى مَعَكُم(٣)﴾ فذلك وَحْىٌ
إليهم بوَساطة اللَّوح والقَلَم فيما قيل .
وقولُه: ﴿وَأَوْحَى فى كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها(٤) ﴾ فإِن كان الوَحْىُ إِلى
أَهل السماءِ فقط فُالمُوحَى إِليه مَحْذوف ذِكْره(٥) كأَنَّه قال: أَوْحَى
إلى الملائكة ، لأَنَّ أَهل السّماءِ هم الملائكة، ويكون كقوله: ﴿ إِذْ يُوحِى
رَبُّكَ إِلى المَلائِكة(٣)﴾، وإِن كان المُوحَى إِليه هى السَّمَاوَات فذلك تسخيرٌ
عند من يجعل السّماءَ غير حَىٍّ ، ونُطْقٌ عند من يجعله حَيًّا .
وقوله : ﴿ بأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَها (٩)﴾ قريبٌ من الأَوّل.
وقوله : ﴿ ولا تَعْجَل بالقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُّه(٧) )
فحَثَّ له على التثبتِ فى السّماع، وعلى تَرْك الاستِعْجال فى تَلَقِّيه وتَلَقُّنه .
(١) الآية ١٠٦ سورة الأنعام.
(٣) الآية ٨٧ سورة يونس.
(٣) الآية ١٢ سورة الأنفال .
(٤) الآية ١٢ سورة فصلت.
(٥) فى ا: فذكر الموحى إليه محذوف وما أثبت عن المفردات .
(٦) الآية ٥ سورة الزلزلة .
(٧) الآية ١١٤ سورة طه.
- ١٨٢ -
١٤ - بصيرة فى ود
تقول: وَدِدْتُ لو تَفْعَل ذاكَ، ووَدَدْتُ لو أَنَّك تفعل/ ذاك، أَوَدُّ وَدًّا
ووُدَّا وَوَدَادًا ووَدَادَةً بالفتح(١) فيهما، أَى تمنَّيْت ومنه قوله تعالى :
﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لو يُعَمَّر (٢)﴾ أَى يتمنَّى، قال :
ب
٣٥٠
وَدِدْتُ ودادَةً لو أَنَّ حَظِّى من الخُلَّنِ أَلَّ يَصْرِمُونِى(٣)
ووَدِدْتُ الرّجلَ أَوَدُّه وُدّاً ومَوَدَّة ومَوْدِدَةً، عن الفرّاءِ ، بإِظهار التَّضْعِيف
[و] قال: وَدَدْتُهُ أَوَدُّه مثال وَضعْتُهُ أَضَعُهُ (٤) لغة فيها، وأنكرها البصريّون
قال العجّاج(٥) :
إِنَّ بَنِىَّ لِلَّئَامِ زَهَدَهْ
لايَجدُون لِصَدِيق مَوْدِدَهْ
وقوله تعالى: ﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالمَوَّدة(٢)﴾ أَى بالكُتُب. وقولُه عزَّ وجلّ
﴿وَدُوا مَا عَنِتُمْ(٢٧)﴾ أَى وَدَّ المُنافِقون ما عَنِتَ المؤمنون فى دِينِهِم. وقوله
تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمُنُ وُدَّا (٨)﴾، قال ابنُ عبّاس رضى الله عنهما:
أَىْ مَحَبَّةً فى قلوب الناس. وقال عثمان بنُ عفَّان رضى الله عنه: ((ما أَحَدٌ
(٢) فى القاموس: الود والوداد: الحب ويثلثان كالودادة بالفتح اهـ. وقد صرح ابن السيد فى المثلث بكسر الواو
من الودادة ، وحكى غيره فيها الضم أيضا فتكون الودادة مثلثة كالود والوداد ( راجع تاج العروس مادة: ودد).
(٢) الآية ٩٦ سورة البقرة .
(٣) البيت فى اللسان (ودد)-الخلان: جمع خليل وهو الصديق المختص. يصرمونى: يقطعون صلتهم ويهجرونى.
(٤) أى على زنة فعل يفعل مفتوح العين فى الماضى والمضارع، ولحنه البصريون لأنه لا يفتح إلا الحلقى العين أو اللام
وكلاهما منتف هنا فهو على خلاف القياس .
(٥) فى اللسان والتاج وأنشد الفراء . والبيت ليس فى ديوان العجاج ولا فيما ينسب إليه، ورواية المشطور الثانى فى اللسان
(٦) الآية ١ سورة الممتحنة .
* مالى فى صدورهم من مودده *
(٧) الآية ١١٨ سورة آل عمران .
(٨) الآية ٩٦ سورة مريم.
- ١٨٣ -
من الناسِ يعملُ خيراً أَو شَرًّا إِلَّا وَدّ أَنَّ اللّه يُرِى عَمَلَه)، يعنى أنَّه يُظْهِر
ذلك عليه فيجعله لباسًا له فيُعرَف به .
والوُدُّ بالكسر والوَدِيدُ واحدٌ والجمع أَوُدّ ، مثال قِدْحٍ (١) وأَقْدُح
وذِئْبٍ وأَذْوُب ، وهم أَوِدّاءُ .
والوَدُودُ: المُحِبّ. ورجالٌ وُدَدَاءُ . والوَدُودُ فى صفاتِ الله تعالى،
قال ابن الأَنْبَارِىّ : هو المُحِبُّ لِعِباده . ويستوى فى الوَدُود المذكَّرُ
والمؤْنَّث لكَوْنه وَصْفاً داخلاً على وَصْف للمُبالغة .
والتَوَّدُّد: التَحَبُّبُ. والتَوادُّ: التَحابُّ، وقوله تعالى: ﴿ وجَعَلَ بَيْنَكُمْ
مَوَدَّةً ورَحْمَةً(٢) ﴾ إِشارة إِلى ما أَوْقَع بينهم من الأَلْفَة المذكورة فى قوله :
﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِى الأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمُ ولَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ
بَيْنَهُم(٣)﴾ . ومن المَوَدّة الَّتِى هى المحبَّة المجرَّدة قولُه تعالى ﴿ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ
(٤)
عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّ المَوَدَّةَ فى القُرْبَىّ
قال أَبو القاسم الراغب فى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودِ(٥))
:
الوَدُودُ يتضمَّن ما دَخَل فى قوله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِّى اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ(٩)﴾
وقد تقدّم معنى مَحبَّةِ الله تعالى لعباده ومَحَبَّةِ العِباد له فى بصيرة الحُبّ.
وقال بعضُهم: محبّة الله لِعباده هى مُراعاتُه لَهُم ، رُوِىَ أَنَّ اللّه تعالى
قال لِمُوسَى عليه السّلام: ((أَنا لا أَغْفَلُ عن الصَّغِير لِصِغَرِه ، ولاعن
الكَبِيرِ لِكِبَرِهِ ، فَأَنَا الوَدُودُ الشَّكُور)». ويصحَّ أَن يكون معنى
(١) القدح (بالكسر): السهم قبل أن ير اش وير كب نصله .
(٣) الآية ٦٣ سورة الأنفال.
(٢) الآية ٢١ سورة الروم.
(٤) الآية ٢٣ سورة الشورى.
(٦) الآية ٥٤ سورة المائدة .
(٥) الآية ١٤ سورة البروج .
- ١٨٤ -
﴿سَيَجْعَلُ لهُمُ الرَّحْمُن وُدَّ(١) ﴾ معنى قوله: ﴿فسَوْف يَأْتِى الهُ بِقَوْم يُحِبُّهم
ويُحِبُّونِهِ(٢)﴾.
ومن المَودَّة التى تقتضى معنى التمنى قوله تعالى: ﴿ وَدَّتْ طائفَةٌ
من أَهْلِ الكِتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ(٣)﴾.
وقوله تعالى: ﴿لاتَجِدُ قوماً يُؤْمِنُون باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادًّ
الله ورَسُولَه (٤)﴾ ﴾ نَهْىُ عن مُوالاة الكُفَّار ومُظاهَرَتِهم کقوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا
عَدُوِّى وعُدُوَّكمٍ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالمَوَدَّةُ(٥)﴾ أَى بِأُسْباب المَحبَّة
من النَّصيحة ونحوها ، وتقدّم عن بعضهم تفسيرُه بالكُتُبِ .
والوَدّ بالضمّ وبالفتح: اسمُ صَنَم كان لقومٍ نُوح عليه السلام ، ثم
صار لكَلْب، وكان بدُومَة الجَنْدل، ومنه سُمِّىَ عَبْدُ وُدُّ. وقرأَ أَبوجعفر (٦)
ونافعٌ ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وُدَّا(٧))
بالضمّ ، والباقون(٨) بالفتح.
والوَدّ(٩): الوَقِدُ .
(١) الآية ٩٦ سورة مريم.
(٢) الآية ٥٤ سورة المائدة .
(٣) الآية ٦٩ سورة آل عمران.
(٥) صدر سورة الممتحنة .
(٤ ) الآية ٢٢ سورة المجادلة .
(٧) الآية ٢٣ سورة نوح .
(٦) اتحاف البشر (سورة نوح).
(٨) هم أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائى وعاصم ويعقوب الحضرمى.
(٩) بالفتح وهى لغة نجد . وكأنهم سكنوا التاء من الوتد وأدغموها فى الدال.
- ١٨٥ -
١٥ - بصيرة فى ودع
المادّة تدلُّ على التَّرْكِ والتَخْلِيَةِ . وَدُعَ(١) الرجلُ فهو وَدِيعٌ ووادِعٌ،
أَى ساكنٌ، مثلُ حَمُضَ فهو حامِضٌ، يُقال: نالَ المكارِمَ وادعاً ، أَى من
غير كُلْفَةٍ ومَشَقَّة. وعليك بالمَوْدُوعِ(٣) أَى بالسّكينة والوقار. ووَدَّعْتُ فلانًا
تَوْدِيعاً من وَداعِ السّلام .
والدَّعَةُ: الخَفْضُ والرّاحةُ، والهاءُ عِوَضٌ من الواو، وقال :
نُزُوعُ نَفْسٍ إلى أَهْلٍ وَأَوْطَانٍ(٢)
لا يَمْعَنَّكَ خَفْضَ العَيْشِ فِى دَعَة
أَهْلاً بأَهْلٍ وجِيراناً بجيرانِ
تَلْقَى بِكُلِّ بِلاد إِنْ حَلَلْتَ بها
والوَداعُ : اسمٌ من التَّوْدِيع، قال القَطاعىّ:
ولا يَكُ مَوْقِفُ مِنكِ الوَداعَا(٤)
قِفِى قَبْلَ الْتَفَرَّق یا ضُباعًا
أَراد ولايَكُنْ مِنكِ مَوْقِف الوَداعِ، ولكن لِيَكُنْ مَوْقِف غِيْطَةٍ
وإقامة، لأَنَّ موقفَ الوَداع يكون للفِراق ،ويكون مُنَّغِّصًا بما يَتْلُوه من
التَبَارِيحِ والشَّوْق .
وقولُهم : دَعْ ذَا، أَى اتْرُكْه، وأَصلهُ وَدَعَ يَدَعُ ؛ ومنه قولُ
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم :(دَعْ ما يَرِيبك))(٥). قال عَمْرُو بن مَعْدِيكرب :
(١) ومصدره وداعة .
(٢) قال الجوهرى : لا يقال منه ودعه كما لا يقال من المعسور والميسور عسره ويسره.
(٣) البيتان فى ديوان المعانى لأبى هلال العسكرى ١٨٦/٢. وفيه قال أبو هلال: النزوع ههنا ردىء والجيد النزاع.
ورواية البيت فى ديوان المعانى : بكل بلاد أنت ساكنها .
(٤) ديوان القطاعى: ٤٤ والبيت فى اللسان ( ودع).
(٥) رواه الإمام أحمد فى مسنده عن أنس والنسائى عن الحسن بن على، والطبر انى عن وابصة بن معبد، والخطيب عن ابن عمر
( الفتح الكبير ) .
- ١٨٦ -
وجاوِزْهُ إِلى ما تَسْتَطِيعُ(١)
إِذا لم تَسْتَطِعْ أَمْرًا فِدَعْهُ *
قال اللغويون: أُمِيتَ ماضِيهِ ، لايُقال: وَدَعَهُ إِنَّما يُقال تَركَه
ولا وادِعٌ ولكن تَارِكٌ . قالوا: ورُبَّما [جاءَ](٢) فى ضرورة الشِّعر وَدَعَه
وهو مَوْدُوع على أَصْلِه ، قال أَنَسُ بن زُنَيْم(٣):
لَيْتَ شِعْرِى عن خَلِيلِ مالَّذِى . غالَهُ فى الوَعْدِ حَتَّى وَدَعَه(٤)
وقال سُوَيْدُ بن أَبِى كاهِلِ الْيَشْكُرِىّ يصفُ نَفْسه:
حافِظُ العَقْلِ لِما كان اسْتَمَعْ(٥)
وَرِثَ البِغْضَة عن آبائه
ثمّ لم يَظْفَرْ ولا عَجْزاً وَدَعْ
فَسَعَى مَسْعاتَهُم فى قَوْمُهِ
وقال آخر :
وكانَ ما قَدَّمُوا لِأَنْفُسِهم
أَكْثِر نَفْعًا من الَّذِى وَدَعُوا(٦)
وقد اختارَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَصلَ هذه اللغة فيما رَوَى عنه
ابنُ عبّاسِ رضى الله عنهما أَنَّه قرأ: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبِّكَ ومَا قَلَى﴾(٧)
بتخفيف الدَّال (٨)، وكذلك قرأَ بهذه القِراءَة عُرْوة ومُقاتل وأَبو حَيْوَةَ،
وَأَبو البَرَهْسَمِ وابنُ أَبِى عَيْلَةَ ويَزِيدُ النَّحْوَىّ . وقال صلَّى الله عليه
وسلَّم: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقوامُ عن وَدْعِهِمِ الجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ الله على
(١) البيت فى اللسان (ودع) وفى معجم الشعراء المرز بانى ١٦ (ط. الحلبى).
(٢) ما بين القوسين تكملة يقتضيها السياق.
(٣) وروى أيضا لأبى الأسود الدولى.
(٤) البيت فى اللسان (ودع) برواية غاله فى الحب. وغاله: أصاب عقله وذهب به.
(٥) البيتان ٨٠، ٨١ من المفضلية رقم ٤٠ (المفصليات ١٩٧/١). والثانى، فى اللسان (ودع).
(٧) الآية ٣ سورة الضحى.
(٦) البيت فى اللسان ( ودع ) غير معزو .
(٨) قال أبو الفتح ابن جنى: هذه قليلة الأستعمال وقال سيبويه فى الكتاب ٢٥٦/٢: ((كما أن يدع ويذر على ودعت
ووذرت وإن لم يستعمل)) وانظر تاج العروس فى المادة.
- ١٨٧ -
قُلُوبِهِم ثمّ لَيكُونُنَّ من الغافلين)) (١)، وقرأَ الباقون ما وَدَّعك بالتشديد، أَى
ماتَرَكك منذ اخْتَارَك، ولا أَبْغَضَك منذ أَحَبَّك. وفى الحديث: ((إذا لم
يُنْكِرِ الناسُ المُنْكَرَ فقد تُوُدِّع منهم))(٢) أَى أُسْلِمُوا إلى ما استحقُّوه من
المنكر عليهم ، وتُرِكُوا [و] ما استَحُبُّوه من المَعاصى حتى يُكْثِرُوا منها
فيَستوجِبُوا العقوبةَ.
وفى الحديث: ((دَعْ دَاعِىَ اللَّبَن)) (٣) أَى اتركْ منه فى الضَرْعِ
شيئا يَسْتَنْزِلُ اللَّبَنَ
٠
ووادَعَ بَنِى فُلان : صالَحَهُم (٤).
والتَّوْديع عند الرّحيل معروفٌ، وهو تخليف المسافِرِ الناسَ خافِضين
وادِعين ، وهم يُؤَدِّعُونَه إِذا سافَر تفاؤلاً بالدَّعَة التى يصير إِليها إِذا قَفَل،
أَى يتركونه وسَفَرَه ، قال الأعشى :
وهَلْ تُطِيقُ وَدَاعاً أَيّها الرّجُلُ(٥)
وَدِّعْ هُرَيْرَةٍ إِنَّ الرَكْبَ مُرْتَحِلُ
واستَوْدَعْتُه وَديعَةً: اسْتَحْفَظْتُه إِيّاها قال :
اسْتُودِعَ العِلْمَ قرطَاسُ فضَيَّعَه
فِبِئْسَ مستودَ عُ العِلْمِ القَراطيسُ (٦)
(١) الحديث رواه مسلم والنسائى والإمام أحمد فى مسنده عن ابن عباس وابن عمر (الفتح الكبير).
(٢) النهاية - الفائق: ١٥٢/٣ وقيل أيضا فى معناه فقد صاروا بحيث يتحفظ منهم ويتصون كما يتوق شرار الناس
(٣) رواه البخارى فى التاريخ وابن حبان فى صحيحه وأحمد فى مسنده والحاكم فى مستدر كه عن ضرار بن الأزور (الفتح
الكبير ) .
(٤) سالمهم على ترك الحرب والأذى.
(٥) الصبح المنير: ٤١ (ق /١:٦°).
.(٦) البيت فى اللسان (ودع). وفى ا: قرطاسا كرواية الأساس .
- ١٨٨ -
وقوله تعالى: ﴿فمُسْتَقَرُّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾(١) أَى مستودَعٌ فى الصلب فى
وقيل فى الثَّرَى .
والمُسْتَوْدَعُ فى قول عبّاس بن عبد المطّلب رضى الله عنه :
مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ(٢).
مِنْ قَبْلِها طِيبَ فى الظُّلال وفىِ
المكانُ الذى جُعِلَ فيه آدم وحَوّاءُ عليهما السلام من الجنَّة واستُودعاهُ ،
وقيل : الرَّحمُ .
(١) الآية ٩٨ سورة الأنعام .
(٢) البيت فى اللسان (ودع)- معجم الشعراء المرزبانى ( ط. الحلبى) ١٠٢ ..
- ١٨٩ -
١٦ - بصيرة فى ودق
الوَدْقُ: المَطَرُ، قال الله تعالى: ﴿فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾(١)
وقد وَدَقَ (٢) يَدِقُ وَدْقًا، أَى قَطَرَ قال عامر بن جُوَيْنِ الطَّائِىّ:
ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا(٣)
فلا مُزْنَةٍ وَدَقَتْ وَدْقَهَا
هكذا أنشده سيبويه ، وفى شعره : ولا رَوْضَ فلا يحتاج إلى تأويل.
وذاتُ وَدْقَيْنِ : الدّاهيَة، قال عليّ بن أبى طالب رضى الله عنه :
فلا وَرَبِّك مَا بَرُّوا ولا ظَفِرُوا(٤)
تَلْكُم قُرَيْشٌ تَمَنَّانِى لِتَقْتُلَنِىِ
بذات وَدْقَيْنِ لايَعْفُو لها أَثَرُ
فإِنْ هَلَكْتُ فرهنٌّ ذِمَّتِى لَهُمُ
قال المازنىّ: لم يصحّ أَنَّ عليًّا تكلَّم بشىءٍ من الشعر [غير] هذين
البيتين(٥)، ويروى بذات رَوْقَين(٦) أَى ذات قَرْنَيْنَ .
وأَوْدَقَتِ السّماءُ: جاءَت بوَدْق مثل وَدَقَتْ . وقال غيرُه: وَدَقَت
ذاتُ الحافِرِ وَوَدَّقَتْ وَاسْتَوْدَقَت : اشتهَتِ الفَحْلَ .
ووَدَقْتُ بِهِ وَدْقاً : اسْتَأْنَسْتُ بِهِ .
والوَدِيقَةُ: شِدَّةُ الحَرِّ ، قالَ رَبِيعَة بن مَقْرُوم(٧).
(٢) كوعد .
(١) الآية ٤٣ سورة النور .
(٣) البيت فى اللسان (ودق) و(بقل). ولم يقل أبقلت وكان هذا متعبنا لأن الفعل هنا مسند إلى الضمير فيستوى فيه
الحقيقى والمجازى . وعليه فهذا البيت شاذ أو مؤول .
(٤) البيتان فى اللسان (ودق ) والثانى فى الأساس (ودق).
(٥) فى التاج (ودق) نقل صاحبه عن شيخه ردا على هذا عقب عبارة المصنف (وصوبه الزمخشرى رحمه الله)
(٦) فى ا: ودقين (تصحيف ).
فراجعه .
(٧) أحد شعراء مضر المعدودين فى الجاهلية والإسلام أسلم وحسن إسلامه.
- ١٩٠ -
وَدِيقَةً كأُجِيج النار صَيُخودا (١)
كَلَّفْتُها فرأَتْ حَقًّا تَكَلُّفَهُ
وقال أَبو المُثَلَّمِ الهُذَلَىّ يرفى صَخْرَ الغَىِّ:
* تَاقُ الوَسِيقَةِ جَلْدٌ غَيْرُ ثُنْيان(٢)
حامى الحَقِيقَة نَسّالُ الوَدِيقَةِ مِعْ
وقيل : الوَدْق(٣) شىءٌ يكون خلالَ المَطَر كأَنَّه غُبارٌ، لكن قد
يُعَبَّر به عن المَطَر.
(١) البيت رقم ٦ من المفضلية رقم ٤٣ (المفضليات ٢: ١٤). والضمير فى كلفتها يعود على ناقته المذكورة فى البيت
( ٢) البيت فى شرح أشعار الهذليين: ٢٨٤).
قبله . والصيخود : الشديد .
حامى الحقيقة : يحمى ما يحق عليه أن يحميه - نسال الوديقة : عداء فى شدة الحر - الوسيقة : الطريدة - الثنيان :
(٣) عن المفردات:
الضعيف أو غير السيد .
- ١٩١ -
١٧ - بصيرة فى ودی ووذر
الدِّيَّةُ بالكسر : حَقُّ(١) القَتِيل. ووَدَاهُ كوَعَاهُ : أَعْطَى دِيَتَه. قال الله
تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾(٢).
والوَادِى: كلَّ مَفْرَجِ بَيْنَ جِبال أَوْ تِلال أَوْ آ كام. وكلُّ
مَسيلٍ (٣) ماءٍ وادٍ، والجمعُ: أَوْداءُ(٤) وأَوْدِيَةٍ (٥)، وأَوْدَاةً(٦) ، وأَوْدَايَةٌ . قال
تعالى: ﴿ إِنَّكَ بالوادِ المُقَدَّسِ طُوَّى(٢)﴾ وهو وادٍ بجانبِ الطُّور من
الأَرض المقدَّسة.
[ و](٨) يقال: أَنا فى وادٍ وأَنت فى واد . وفلانٌ فى وادٍ غير واديكَ ،
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٩)﴾َ أَى من أَوْدِيَة
(١٠)
الكَلام(١٠) .
والوَدَى (١١) كَفَتِىَ: الهَلاكُ. وكَغَنِىِّ: صِغارُ الفَسِيل، الواحدة
وَدِيَّة .
(١) أى ما يعطى مقابل دمه .
(٢) الآية ٩٢ سورة النساء.
(٣) جعله فى المفردات أصلا فقال: أصل الوادى الموضع الذى يسيل فيه الماء ومنه سمى المفرج بين الجلبين واديا .
(٤) كصاحب وأصحاب .
(٥) أودية جمع على غير قياس فإنه لم يسمع أفعلة جمع لفاعل وقالوا سمع فى ناد وأندية وناج وأنجية وقيل هو جمع ودى
للنهر.
(٦) على القلب وهى لغة طبي".
(٧) الآية ١٢ سورة طه. ومما جاء فى القرآن الكريم مجموعا قوله تعالى ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها)
( الآية ١٧ سورة الرعد ) وقوله تعالى فى الآية ٢٤ سورة الأحقاف ( فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض
مطرنا ) .
(٨) فى المفردات: ويستعار الوادى للطريقة كالمذهب والأسلوب فيقال: فلان فى واد غير واديك . وكان حق
المصنف ألا يسقط هذه الجملة لتستقيم عبارته ويظهر الاتصال بما سبقها .
(٩) الآية ٢٢٥ سورة الشعراء.
(١٠) يعنى أساليب الكلام من المدح والهجاء والجدل والغزل وغير ذلك من الأنواع.
إلى غيره زدنا الأحايث واديا
إذا ما قطعنا واديا من حديثنا
قال الشاعر :
(١١) فى التاج: اسم من أودى: إذا «لك وقلم يستعمل، والمصدر الحقيقى الإيداء.
- ١٩٢ -
وأَوْدَى: هَلَكَ، وَتَكَفَّرَ(١) بالسِّلاحِ. وبه المَوْتُ: ذهَبَ به.
واسْتَوْدَى بحَقِّى: أَقَرَّ به، وفى الحديث الصّحيح(٢): ((لَوْ كان لابْنِ آدَمَ
وادِيانِ من مالٍ ، ويُرْوَى من ذَهَب ، ويُرْوَى من نَخْلِ ، لابْتَغَى إليهما
ثالثًا))(٣) .
والمُودِى : الأَسَدُ
وَذَرْه أَى دَعْهُ، وهو يَذَرُهُ أَى يَدَعُه. والأَّصل وَذِرَهُ يذَرُه مثالُ وَسِعَهُ
يَسَعُه، ولكن قد أُمِيتَ مَصْدرُه [ والفعل الماضى](٤) ، فلا يُقال وَذِرَهُ
ولا واذِرُ اسْتَغْنَوْا عنهما بَتركَه وتارِك .
وَذَّرْت اللحمَ تَوْذِيراً : قَطَّعْتُه ،والجُرْحَ: شَرَّطْتُه. قال الله تعالى
( قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾(٥) وقال تعالى ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾(١).
والوَذْرَةُ : قطعةٌ من اللحم ، سمّيت بذلك(٧) لِقِلَّة الاعْتِداد بها(٨)،
والجمع: وَذْرُ(٩) كَتَمْرَةٍ وَتَمْر .
ومِنْ سَبّ العرب: ياابْنَ شامَّةِ الوَذْرَةِ(١٠)
(١) قال ابن برى: إنما هو آدى: إذا كان ذا أداة وقوة من السلاح.
(٢) كان من حقه أن يرد بعد الآية الكريمة (إنك بالواد المقدس) فهو بالمعنى الحقيقى الوادى ألصق وبخاصة فإنه
انتقل إلى المعانى المجازية المادة .
(٣) رواه البخارى ومسلم وابن حنبل والترمذى عن أنس ومن طرق أخرى عن ابن عباس وعن أبى هريرة وغيرهما
( الفتح الكبير ) .
(٤) ما بين القوسين تكملة من التاج. وفى اللسان عن الليث: فإذا أرادوا المصدر قالوا: ذره تركا ويقال: هو يذره
(٥) الآية ٩١ سورة الأنعام.
تر كا .
(٧) فى ١: به وما أثبت عن المفردات لوضوحه.
(٦) الآية ١٢٧ سورة الأعراف .
(٨) فى ا: به والسياق يقتضى ما أثبت.
(٩) وفى القاموس ويحرك أى وذر. وفى اللسان: قال ابن سيده فإن كان ذلك فوذر اسم جمع لأجمع.
(١٠) الوذرة: بظارة المرأة وكأنه يسبه بأن أمه خافضة وهو يشبه قولهم يا ابن مقطعة البطور، وقيل ابن شامة
الوذر كناية عن الزنا ، كأنها تثم كمرا مختلفة .
- ١٩٣ -
( م ١٣ - بصائر ذوى التمييز )
١٨ - بصيرة فى ورث وورد
وَرِثْتُ أَبِى، وَوَرِثْتُ المالَ من أَبِى، أَرِثُه بالكسر فيهما ، وِرْئًا
ووِرَاثَةً، وإِرْثًا، الأَّلف منقلبةً عن الواو(١) ورِئَةً كَعِدَة الماء عوضُ عن
الواو ، وإِنَّما سقطت الواو من المستقبل لوقوعها بين ياءٍ وكَسْرَة وهما
مُتجانسان، والواوُ مُضادَّتُهما فحُذِفَت لاكْتنافهما إِيّاها ، ثم جُعل
حُكمهما مع الألف والياءٍ والنون كذلك لأَنهنّ مبدلات منها ، والياءُ هی
الأَّصل، يدلُّ على ذلك أَنَّفَعِلِت وفَعِلْنا وفَعِلْتَ مبنيّات على فَعِلَ ، ولم تَسْقُط
الواو من يَوْجَلُ لوُقوعِها بِين ياء وفتحة، ولم تَسْقُط الياء من يَيْسَر
لِتَقَوَّى إِحْدَى الياءَيْن بالأخرى .
والميراث: أَصلُهُ مُوْراثٌ صارت الواو ياءً لسكونها وِكَسْرِ ما قَبْلها .
والوارِثُ فى أَسماءِ الله تعالى : الَّذى يَرِث الخَلَائِقِ، ويَبْقَى بعد
فَنائهم، لما رُوِى أَنَّه يُنادَى لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ فَيُقال : لِلّه الواحِدِ
القَهَّار، قال الله تعالى ﴿ إِنّا نَحن نَرِثُ الأَرْضَ ومَنْ عَلَيْها (٢)) وقال تعالى :
﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾(٣) ،وقال تعالى: {ولله ميراثُ السَّمُواتِ والأَرْضَ﴾(٤)
وقال: ﴿ وَوَرَثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾(٥) وقال تعالى { وأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرائيلَ
الكِتابَ(٦)﴾. وكُلّ من حصل له شىءٌ من غير تعبٍ يقال فيه قد وَرِثَ كذا .
١
٣٥٧
ويُقال لمن خُوّل شيئاً مُهَنِّئًا: أُورِثَ، قال تعالى: ﴿تلْكَ الجَنَّةُ الَّتِى
نُورِثُ مِنْ عِبادِنا(٧) ﴾ ، وقولُه: ﴿فَهَبْ لِ مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِى ويَرِثُ من
(١) فى ا بعد هذه الكلمة أقحمت عبارة من المستقبل والمعني لا يستقيم بها وهى مقدمة من السطر الذى يليها.
(٣) الآية ٨٩ سورة الأنبياء .
(٢) الآية ٤٠ سورة مريم .
(٤) الآيتان ١٨٠ سورة آل عمران، ١٠ سورة الحديد. (٥) الآية ١٦ سورة النمل.
(٦) الآية ٥٣ سورة غافرٍ .
( ٧) الآية ٦٣ سورة مريم :
- ١٩٤ ٠
آل يَعْقُوبَ(١)﴾ فإِنه يُريد وراثة النُّبُوَّة والعِلْم والفضيلة دُون المال، فالمال
لاقَدْرَ له عند الأنبياءِ عليهم السّلام حتى يَتَنافَسوا فيه، بلَ قَلَّما يَقْتَنُون
المال وَيَتَمَلَّكُونَه (٢)، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «نَحْنُ مَعاشرَ الأَنْبياءِ لانُورَثُ
ما تَرَكْناه صَدَقَة))(٣) وقيل أيضاً: ماتركناه هو العِلْم وهو صَدِقَة تشتركُ
فيها الأُمَّة. وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((العُلَماءُ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ)) (٤) إِشارة إلى
ما وَرَثُوه من العِلْم، وليس لَفْظ الوراثة(٥) إِلا لكون ذلك بغير ثَمَنٍ
ولا مِنَّة. وقال صلَّى الله عليه وسلم لعلىّ: ((أَنْتَ أَخِى وَوَارثى. قال:
وما أَرِثُك؟ قال: ما وَرَّفَت الأنبياءُ قَبْلى، كِتاب الله وسُنَّى(٤))).
وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم:(اللَّهُمَّ مَتِّعْنى بسَمْعِى وبَصَرى واجْعَلهما الوارِثَ
مِنِّى(٧) أَى أَبْقهما صحيحين سليمين إِلى أَن أَموت. وقيل: أُراد بَقاءَهما
وقُوَّتَهما عند الكِبَرِ وانحلال القُوَى النَّفسانِيّة، فيكون السّمعُ والبصرُ
وارثَىْ سائرِ القُوَى والباقِيَيْن بعدها . وقيل : أَراد بالسّمْع وَعْىَ مايَسْمَعُ
والعملَ به، وبالبصرِ الاعتبارَ بما يَرَى. وفى رواية: (( واجعله الوارثَ
منّى )) فردّ الهاء إلى الإِمتاع ، فلذلك وَحَّدَه .
ويُقال : وَرِثْتُ من فلانِ عِلْماً، أَى استَفَدْت منه. قال تعالى :
(١) الآية ٦ سورة مريم.
(٢) فى المفردات: ويملكونه .
(٣) نحن معاشر الأنبياء: أخرجه البخارى عن أبى هريرة: وفيه زيادة ( وإنما يأكل آل محمد فى هذا المال).
(٤) من حديث أخرجه ابن النجار عن أنس كما فى الفتح الكبير .
(٥) فى المفردات : الورثه .
(٦) أخرجه الترمذى والحاكم عن ابن عمر برواية أنت أخى فى الدنيا والآخرة كما فى الفتح الكبير .
(٧) من حديث طويل رواه الترمذي والحاكم فى مستدر كه عن أبى هريرة ( الفتح الكبير ).
- ١٩٥ -
﴾، وقال تعالى: ( أَنَّ
ثُمَّ أَوْرَثْنا الكتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا من عِبادِنا
الأَرْضََ يَرِثُها عِبادِىَ الصّالِحُون (٢)﴾ . والوراثَةُ الحقيقية أَنْ يحصلَ للإِنسان
شَىءٌ لايكون عليه فِيه تَبِعٌ ولاعليه مُحاسَبَةٌ. وعبادُ الله الصّالحون
لايتناولون شيئاً من الدَّنيا إِلَّ مالا يُحاسَبُون عليه ، فمَنْ حاسَب نَفْسَه
فى الدّنيا لم يُحاسَبْ فى الآخرة.
الوَرْدُ: الَّذِى يُشَمُّ ، الواحِدَة وَرْدَةٌ، وقوله تعالى: ﴿ فَكَانَتْ وَرْدَةً
كالدِّهان (٣) ﴾ قال ابن عَرَفَة : سمعت أحمد بن يَحْىَ يقول: هى المُهْرَة
تنقلب حمراء بعد أَنْ كانت صفراء . وقال الأَزهرىّ : أَى فصارتْ
وَرْدَةً أَى كَلَوْن الوَرْد تَتَلَوَّنُ أَلْواناً يومَ الفَزَعِ الأَكبر، كما تَتَلَوّن
الدِّهانُ المختلفة (٤)، وهى جمع دُهن. وقيل: إِذا احمرّت السّماءُ كالوَرْد
قامت القيامة .
وعَشِيَّةٌ وَرْدَةُ: إِذا احمرَّ أُفُقِها عِنْدَ غُروب الشمسِ وكذلك عند
طُلُوعِها ، وذلك عَلامةُ الجَدْب .
والوِرْدُ: خلاف الصَّدَرِ ، والوِرْدُ أَيضاً : الوُرّادُ وهم الذين يَرِدُون الماءَ .
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها (٥)﴾ قال ابن عرفة: الوُرُود عند
العرب مُوافاةَ المكانِ قبلَ دخوله ، وقد يكون الوُرُود دُخولاً ، ويبيّن ذلك
حديث عائشة رضى الله عنها عن النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّه ليس
(٢) الآية ١٠٥ سورة الأنبياء.
(١) الآية ٣٢ سورة فاطر.
(٣) الآية ٣٧ سورة الرحمن .
(٤) قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالمُهْلِ) أى كالزيت الذى قد أغلى ، وفى
(٥) الآية ٧١ سورة مريم .
اللسان : الدهان فى القرآن : الأديم الأحمر الصرف .
- ١٩٦ -
بدخول، ويؤيّد ذلك القرآنُ، أَلاَ تَسمعُ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينِ سَبَقتْ
لهم مِنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُون لايَسْمَعُون حَسيسَها﴾(١) وقوله تعالى:
﴿ وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَن(٢)﴾ أَى بلغه.
وقولُه: ﴿وهو أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ(٣)﴾ ، حبلُ الوَرِيد :
عِرْقٌ يَزْعُمُ العربُ أَنَّه من الوَتِينِ (٤) /، وهُمَا وَرِيدان مُكْتَنِفا صَفْقَى (٥)
ب
٣٥٧
الْعُنُق ◌ِّ يَلِ مَقَدَّهُ غَليظان .
والمَوْرِدُ: الطَّرِيقُ، قال جرير يمدح هِشامَ بنَ عَبْدِ المَلِك :
إِذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمٍ (١)
أَمَيرُ المُؤمنينَ على صِراط
والموارد: الشَّوارِعُ. وقولُ أَبى بكرٍ مشيراً إلى لِسانِه: ((إِن ذا
أَوْرَدَنِى المَوارد )»، أَى موارِدِ الهَلَكاتِ فاختصر لوضوحه .
1
(١) الآية ١٠٢ سورة الأنبياء.
(٢) الآية ٢٣ سورة القصص.
(٣) الآية ١٦ سورة ق.
(٤) الوتين : الشريان الرئيسى الذى يغذى جسم الإنسان بالدم النقى الخارج من القلب.
(٥) صفقا العنق : جانباه .
(٦) ديوان جرير (ط . الصارى) : ٥٠٧.
- ١٩٧ -
١٩ - بصيرة فى ورق
الوَرِقُ ، والوِرْقُ مثال كَبِد وكِبْد وكَبْد: الدِّرْهم، هكذا قال الفرّاء ،
وزادغيره : الوَرَقُ بفتحتين: والوُرْقُ بالضمّ(١). وقرأَ أَبو عَمْرٍو وأَبو بَكْرٍ
وحَمْزَةُ وَخَلَفٌ: ﴿بِوَرْقِكَمِ(٢)﴾ بفتح الواو وسكون الراءِ ؛ وعن أبى عمرو
أيضاً وابن مُحَيْصِن: ( بوِرْقِكم ) بكسر الواوِ وسكون الراءِ ، وقرأَ
أبو عبيدة: ( بَوَرَقِكم) بفتح الواو والرّاءِ، وقرأَ أَبو بكر: ( بوُرْقكم)
يضمّ الواو وسُكون الرّاءِ(٣).
والرِّقَةُ كعدَة: الوَرِقُ أَيضا، والهاءُ عوضٌ من الواو ، وفى الحديث
((فى الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ)) (٤) ويجْمع على رِقِين ، مثل إِرَة وإِرين . ويقال :
((إِنَّ الرِّقينَ تُغَطِّى أَفْنَ الأَفِينَ (٥) ))
ورجلٌ وَرَّاقُ : صاحبُ(٦) الدّراهم، ومنه قراءة علىّ بن أبى طالب
رضى الله عنه ﴿ فابْعَثُوا أَحَدَكُم بَوَرَّاقكم (٧)﴾ أى بصاحب دراهمكم،
قال جرير :
(١) عبارة القاموس: الورق مثلثة وككتف: الدراهم المضروبة.
(٢) من الآية ١٩ سورة الكهف .
(٣) الذى فى إتحاف البشر: واختلف فى ( بورقكم) فنافع وابن كثير وابن عامر وحفص والكسائى وأبو جعفر
ورويس بكسر الراء وافقهم ابن محيصن والحسن، والباقون بإسكان الراء، والكسر هو الأصل والإسكان تخفيف منه كنبق وثبق.
(٤) من حديث رواه البخارى والإمام أحمد عن أبى بكر ( الفتح الكبير )
(٥ ) المشهور فى المثل: كثرة الرقين تعنى على أفن الأفين، ويروى عن ثعلب: وجدان الرقين يغطى أفن الأفين.
(٦) فى الصحاح : كثير الدراهم.
الأفن: الحمق وضعف الرأى . الأفين : الأحمق .
(٧) الآية ١٩ سورة الكهف والقراءة (بورقكم).
- ١٩٨ -
كَأَنَّها فى القُمُصِ الرِّفَاقِ(١)
جارِيةٌ من ساكِنِى العِراق
تَأْكُل منٍ كيسِ امْرِئْ وَرَاقٍ
مُخَُّ ساق بين كَفِّى ناقٍ(٢)
[ والوَرَقُ](٣) من أوراق الشجرِ والكِتاب الواحدة وَرَقَةٌ. وشجرةٌ
وَرَيقَةٌ وَوَرِقَةُ: كثيرةُ الأَوْراق ، قال تعالى: ﴿وما تَسْقُطُ مِن وَرَقَّةٍ
إِلَّ يَعْلَمُها (٤)﴾ .
ووَرَّقَ الشجرُ : خَرَجَ وَرَقُه . والوارِقَةُ : الشجرةُ الخضراءُ الوَرَقِ
الحسنة . ووَرَقْتُ الشجرةَ أَرِقُها : أَخذتُ وَرَقَها.
والوَرَقُ أَيضاً : المالُ من دَراهِمَ وإِبِل وغير ذلك ، قال العَجّاج:
واغْفِرْ خَطايایَ وَثَمِّرْ وَرَ قی(٥)
إيّاكَ أَدْعُو فَتَقبَّل مَلَقِى
(١) البيتان فى الديوان ٣٩٢، ٣٩٣ والرواية فيه:
جارية من ساكنى الأسواق
لباسة القمص الرقاق
أبنض ثوبپا إليها الباق
تأ کل من کیس امرئ وراق
وأراد بالأسواق الأمصار لأنه يكون فيها الأسواق .
(٢) ناق: ناق وصف من نقوت العظم ونقيته: استخرجت النقى منه، وهو مخ العظام ومحمها. قوله: مخة ساق
(٣) تكملة من اللسان .
يصفها بالسمن والبضاضة .
(٥) ديوان العجاج - ٤٠ (ب ٤،٣ من أرجوره رقم ٢٤
(٤) الآية ٥٩ سورة الأنعام.
٠ - ١٩٩ -
٢٠ - بصيرة فی وری
وَرَى الزَّنْدُ كَوَعَى، وَوَرِىَ كَوَلِىَ وَرْيًا ووُرِيًّا وَرِيَةً ،وهو وارٍ ووَرِىّ:
خَرَجَتْ نَارُهُ. وأَوْرَيْتُه واسْتَوْرَيْتُه قال الله تعالى: ﴿أَفَرَ أَيْتُمْ النَّارَ الَّتِىِ
تُورُون (١) ﴾ وأَصلُه من التَّوارِى وهو الاستِتارُ، كأَنَّما تُصُوِّر من خُروج
النَّارِ من وَرَاءِ الْمُفْدَحِ اسْتِتارُها فيهِ ، كما قال(٢):
كَكُمُون النار فى حَجَرِه (٣) .
ووَاراهُ: أَخْفاه، قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِى
سَوْآتِكِمْ(٤)﴾. وتَوَارَى: اخْتَفَى، قال تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب(٥))
ووَرّاهُ توْرِيَةً: أَخْفاه، ومنه الحديث:((إِذا أَرادَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم
غَزْوَاً وَرَّى بِغَيْرِهِ ))(٦) .
الوَرَى : الخَلْقُ . وقال الخليل بن أحمد : الوَرَى : الأَنامُ الَّذِين هم
على وَجْهُ الأَرْضِ فى الوَقْتِ ،ليس مَنْ مَضَى ولا مَنْ يَتَناسلُ بعدَهم، فكأنَّهم
الذين يَسْتُرُون الأَرضَ بأَشْخاصِهم .
ووَرَاءُ وَوَرَاءَ وَوَراءِ مثلثة الآخر مبنِيّة . والوَراءُ معرفة يكون بمعنى
خَلْفِ وبمعنى قُدّامٍ ، فمما هو بمعنى ما خَلْفَه قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ وَراءِ إِسْحَاق
يَعْقُوب(٧))، ومما هو بمعنى قدّام قوله تعالى: ﴿وكان وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ) (٨) أَىْ
(١) الآية ٧١ سورة الواقعة .
(٢) هو أبو نواس الحسن بن هانى".
(٣) الديوان: ٤٢٧ - مختار الأغانى ٣: ١٠٦ وصدر البيت:
كمن الشنآن فيه لنا.
وتدور أقوال فيما يعود عليه الضمير فى ( حجره).
(٤ ) الآية ٢٦ سورة الأعراف .
(٥) الآية ٣٢ سورة ص .
(٦) الفائق: ١٥٥/٣ - أى كنى عنه وستره.
(٧) الآية ٧١ سورة هود.
(٨) الآية ٧٩ سورة الكهف ..
- ٢٠٠ -
/