Indexed OCR Text

Pages 441-460

إِلَيْكَ وحياً من الله تعالى، ومنه قوله : (إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا(١)).
والإلقاء: طرحُ الشىء حيث تلقاه، ثم استعمل فى كل طرحٍ ، قال
تعالى: (أَلْفِهَا يَا مُوسَى(٢))، وقال: (أَلْقٍ عَصَاكَ(٣)). ويقال: ألقيت إليك
مودّة (٤) وكلاماً وسلاما، قال تعالى ( تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ (٥)) . وتَلَقَّيته
منه: تلقَّنته . ونُهِىَ عن تلقَّى الرّكبان، أَى استقبالهم . وقوله تعالى:
( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٦)) عبارة عن الإِصغاء إليه . وقوله: (وَأَلْقِىَ
السّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٧) ) تنبيه على مادهمهم من التعجّب والدهشة التى
جعلتهم فى حكم المضطرين غير المختارين .
(١) الآية • سورة المزمل .
(٢) الآية ١٩ سورة طه .
(٣) الآية ١٠ سورة النمل .
(٤) فى التاج بعده: ((وبالمودة)»، وكان الأنسب أن يزيدها لتناسب الآية.
(٥) الآية ١ سورة الممتحنة .
(٧) الآية ١٢٠ سورة الأعراف.
(٦) الآية ٣٧ سورة ق .
- ٤٤١ -

١٦ - بصيرة فی لم ولم ولا
لَمَّ الشىءِ يَلُمّه: جمعه. ولمّ اللّه شَعَته: قارب بين شتيت أمره . (١)
ورجل مِلَمّ: يجمع القوم، أو يجمع بين عشيرته. قال الله تعالى: (أَكْلَالَمًّا(٢))
الأكل يلمّ الثريد . وأُلمّ به : نزل . ويزورنى لِمَاماً ، أَى غِيًّا.
واللَمَم : مقاربة المعصية . ويعبر به عن الصغيرة . وقوله تعالى :
(إِلَّ اللَمَمَ (٣)) من قولك: أَلممت بكذا، أَى نزلت به وقاربته من غير
مواقعة . وغلام ◌ُلِمّ: مراهق. والمُلِمَّة: النازلة. وأَلمّ بالأمر: لم يتعمّق
فيه. وأُلمّ : باشر صغار الذنوب . وأَلمّ النخلُ : قارب الإِرطاب .
ں
لَمْ : حرف جازم / ينفى المضارع ويقلبه ماضياً ، قال تعالى: (لَمْ يَلِدْ
وَلَمْ يُولَدْ (٤)) . وقد يرتفع الفعل بعدها ؛ كقول الشاعر :
٣١٤
يوم الصَّلَيفاء لم يُوفُون بالجار (٥)
لولا فوارِسُ من نُعْمٍ وإخوتهم
وقيل : ضرورة . وقيل: بل لغة صحيحة لبعض العرب . وقال اللِّحيانىّ:
وقد ينصب الفعل بعدها . وهى لغة لبعض العرب :
فى أَىّ يَوْمَىِّ من الموتِ أَفِرُّ أَيَوْمَ لَمْ يُقْدَرْ أَمْ يومَ قُدِرْ (٦)
ومنه قراءة بعضهم: (أَلَمْ نَشْرَحَ لَكَ صَدْركَ(٧))، وقيل: كان الأصل:
(١) فى القاموس: «أموره)».
(٢) الآية ١٩ سورة الفجر .
(٣) الآية ٣٢ سورة النجم.
(٤) الآية ٣ سورة الاخلاص.
(٥) جامع الشواهد / ٢٠٥ ولم يسم قائله - الصليفاء: مع كانت به حرب، والذى فى معجم البلدان:
الصلعباء بالعين المهملة .
(٦) أول مقطوعة الحارث بن المنذر الجرمى، وكان على كرم الله وجهه يتمثل به، ونسبته إليه سهو .
(٧) أول سورة الشرح .
وانظر جامع الشواهد / ٢٠٣ .
- ٤٤٢ -

نشرحَنْ فحذفت النون ؛ وليس بجيّد . وقد تُفصل (لَمْ) من مجزومها
بالظرف لضرورة الشعر ؛ كقوله :
تكنْ فى الناس يُدركُك المِراءُ(١)
فذاك ولم إذا نحن امْتَرَیْنا
وقول الآخر :
فأضحت مغانیها قِفارا رُسومُها
كأنْ لم سوَى أَهلٍ من الوحش تؤهِلٍ (٢)
وقد يليها الاسم معمولا لفعل محذوف يفسّره ما بعده ؛ کقوله ،
فلمْ ذا رجاء أُلقَه غير ذاهب (٣)
ظننت فقيرا ذا غِنَّى ثم نلته
وَأَمَّا لَمَّا فعلى ثلاثة أَوجه :
أحدها : أن تختص بالمضارع فتجزمه ، وتنفيه، وتقلبه ماضياً ، كلَمْ
إلَّا أَنها تفارقها فى خمسة أمور :
١ - أنها لا تقترن بأداة شرط، لا يقال: إِنْ لَمَا يقم . وفى
التنزيل: ( وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ (٤))، و (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا (٥))، (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ
مَا آمُرُه (٦)).
٢ - أَن منفيِها مستمرّ النفي إلى الحال ؛ كقول عثمان(٧):
وإلَّا فأَدركنى ولمّا أَمزّق
فإن كنتُ ماً کولا فکن خیر آ کل
ومنفىّ لم يحتملَ الاتِّصالَ ؛ نحو قوله تعالى: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ
شَقِيًّا (٨))، والانقطاعَ نحو قوله تعالى: (لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُورًا (٩))، ولهذا
(١) جامع الشواهد / ١٧٦ ولم يسم قائله .
(٢) البيت لذى الرمة انظر (ديوانه: ٥٠٦) وجامع الشواهد / ١٦٥.
(٤) الآية ٦٧ سورة المائدة .
(٣) جامع الشواهد / ١٥٠ ولم يسم قائله .
(٦) الآية ٣٢ سورة يوسف .
(٥) الآية ١٨ سورة يس .
(٧) هو من شعر الممزق العبدى. وقد تمثل به عثمان رضى الله عنه.
(٩) الآية ١ سورة الانسان
(٨) الآية ٤ سورة مريم
- ٤٤٣ -

جاز لم يكن ثمّ كان، ولم يجز لما يكن [ ثمّ كان. بل يقال: لمَّا
يكن(١)] وقد يكون .
٣ - منفىّ لَمَّا لا يكون إلَّا قريباً من الحال، ولا يشترط. ذلك فى
منفىّ لم، تقول : لم يكن زيد فى العام الماضى مقيما ، ولا يجوز لمّا يكن .
٤ - أن منفىَ لَمَّا متوقّع ثبوته ، بخلاف منفىٌ لم ؛ ألا ترى أن معنى
( بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عذابٍ (٢)) أنهم لم يذوقوه إلى الآن ، وأَنَّ ذوقهم له
متوقَّع. ومثله قوله تعالى: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فى قُلُوبِكُمْ(٣))، وقد آمنوا
فيما بعد .
٥ - أن منفىّ لمَّا جائز الحذف لدليل ؛ كقوله :
فجئت قبورهم بَدْءًا ولمَّا وناديت القبور فلم يُجِبْنَهْ (٤)
أى ولما أكن بدءا قبل ذلك، أى سيدًا. ولايجوز وصلت إلى بغداد ولم ،
ترید : ولم أُدخلها .
الثانى من أوجه لمًّا: أن تختص بالماضى ؛ ويقال : لَمَّا حرف وجود
لوجود ، وقيل : حرف وجوب لوجوب . وقيل : ظرف بمعنى حين، وقيل :
بمعنى إِذْ، ويكون جوابها فعلا ماضياً اتَّفاقا ، وجملة اسميّة مقرونة بإذا
الفجائية ، أو بالفاء عند بعضهم ، وفعلًا مضارعا عند بعضهم .
دليل الأَوّل قوله تعالى: (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلى البَرّ أَعْرَضْتُمْ(٥)) ودليل
الثانى: (فَلَمَّا نَجَّهُمْ إلى البَرِّ إِذَاهُمْ يُشْرِكُونَ (٦)) ودليل الثالث: (فَلَمَّا
(١) زيادة من المغی فی مبحث لما
(٢) الآية ٨ سورة ص .
(٣) الآية ١٤ سورة الحجرات .
(٤) من قصيدة للمثقف العبدى ويقال: لغيره انظر جامع الشواهد / ١٧٥
(٦) الآية ٦٥ سورة العنكبوت.
(٥) الآية ٦٧ سورة الاسراء.
- ٤٤٤ -

نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ (١))، ودليل الرابع: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبراهِيم
الرَوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا(٢))، وهو مؤوّل بجادّلنا .
وقيل فى آية الفاء : إن الجواب محذوف ، أى انقسموا قسمين .
فمنهم مقتصد ، وفى آية المضارع: إن الجواب (جاءَتْهُ الْبُشْرَى) على
زيادة الواو ، أو الجواب محذوف، أَى أُقبل يجادلنا .
الثالث : يكون حرف استثناء ، فيدخل على الجملة الاسميّة ، نحو:
( إِنْ كُلُّ نَفْسِ لَمَّا عَلَيْهَا حافِظُ. (٣)) فيمن شدَّد الميم ؛ وعلى الماضى لفظاً
لامعنّى، نحو / أَنْشُدُك اللهَ لَمَّا فعلتَ ، أَى ما أَسأَلَك إِلَّ فِعْلك، ومنه قوله
تعالى: ( وَإِنْ كُلَّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٤)) قال الفرّاءُ: لَمَّا وُضعت
فی معنی إلَّا ، فکأنها لَمْ ضمّت إليها ما وصارا جمیعا حرفا واحدا، وخرجا من
حدّ الجحد . قال الأزهرى : ومما يدلّ على أَنَّ لَمَّا يكون بمعنى إلَّا مع إنْ
التى تكون جحدا قول الله عزَّ وجلَّ: ( إِنْ كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرَّسُلَ (٥)) وهى
قراءة قرّاء الأَنصار، وقال الفرَّاءُ: وهى فى قراءة عبد الله ( إِنْ كُلّهم لَمَّا
كَذَّب الرسل)، والمعنى واحد .
١
٣١٥
وتكون لمّا مركّبة من كلمات ومن كلمتين .
فأَمَّا المركّبة من كلمات فكما فى: ( وإِنَّ كُلّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ(٦)) فى
قراءة ابن عامر وحمزة وحفص بتشديد نون (إن) وميم (لمًّا) فيمن قال :
الأُصل: لَمِنْ مَا ، فأَبدلت النون ميماً، وأُدغمت ، فلمَّا كثرت الميمات
حُذفت الأُولى . وهذا القول ضعيف؛ لأن حذف هذه الميم استثقالا لم يثبت .
(١) الآية ٣٢ سورة لقمان .
(٣) الآية ٤ سورة الطارق .
(٥) الآية ١٤ سورة ص .
(٢) الآية ٧٤ سورة هود .
(٤) الآية ٣٢ سورة يس.
(٦) الآية ١١١ سورة هود.
- ٤٤٥ -

وأضعف منه قول آخر : إن الأصل: لمَّا بالتنوين بمعنى جمعاً ، ثم حذف
التنوين إجراء للوصل مُجرى الوقف ؛ لأَن استعمال لَمَّا فى هذا المعنى بعيد ،
وحذف التنوين من المنصرف أبعد . وأضعف من هذا قول من قال : إنه
فَعْلَى من اللمّ وهو بمعناه ، ولكنه مُنع الصرف لألف التأنيث . ولم يثبت
استعمال هذه اللفظة .
واختار ابن الحاجب أنها لَمَّا الجازمة حذف فعلها ، والتقدير : لمّا
يُهمَلوا، أَو لَمَّا يُتركوا لدلالة ما تقدم من قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِىُّ
وَسَعِيدٌ(١))، ثم ذكر الأشقياء والسعداء . وقيل: الأَحسن أَن يقدّر: لَمَّا
يُوَنَّوْا أعمالهم، أَى إنهم إلى الآن لم يوَفَّوها وسيوفَّونها .
وأمَّا قراءة أبى بكر بتخفيف (إِن) وتشديد (لمًّا) فيحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون مخففة من الثقيلة . والثانى : أن تكون (إِنْ ) نافية
و (كُلّا) مفعولا بإضمار أَرى، ولَمَّا بمعنى إِلاّ.
وأمَّا قراءة النحويِّيْن (٢) بتشديد النون وتخفيف الميم فواضحة.
وأمَّا قراءة الحرمِيَّيْن(٣) بتخفيفهما فإنَّ الأولى(٤) على أصلها من التشديد
ووجوب الإعمال ، وفى الثانية مخففة من الثقيلة ، وأُعملت على أحد
الوجهين . واللام مِن (لما) فيهما لام الابتداء .
وأمَّا المركَّبة من كلمتين فكقوله :
أَدع القتال وأشهد الهيجاء
لمَّا رأيت أبا يزيدَ مقاتلاً
الأَصل فيه : لن ثم أدغمت النون فى الميم للتقارب ، ووُصِلا خطأ للإلغاز ،
وإنما حقها أن يكتبا منفصلين . والله أعلم .
(٢) هما أبو عمرو والكسائى كما فى الكتابة على المغنى.
(١) الآية ١٠٥ سورة هود.
(٤) هى قراءة النحويين، وقد أنهى الكلام عليها بقوله
(٣) هما نافع المدنى وابن كثير المكى .
«فواضحة)»، فما كان له أن يعود إلى الحديث عنها ولكنه ينقل عبارة المغنى، ويزيد فيها ما يضر بالسياق .
- ٤٤٦ -
،

١٧ - بصيرة فى لو
وهى حرف شرط. للماضى . ويقلّ فى المستقبل . وقال سيبويه : حرف
لِمَا كان سيقع لوقوع غيره . وقال غيره : حرف امتناعٍ لامتناع . وقيل:
لمجرّد الربط . . وقيل : الصحيح أنه فى الماضى لامتناع ما يليه ، واستلزام
تاليه ، ثم ينتفى الثانى إِن ناسب ولم يخلف (١) المقدَّمَ غيره، نحو: (لَوْ كَانَ
فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا (٢))؛ لا إِن خلفه؛ نحو: لو كان إنسانا لكان
حيوانا . ويَثبت إِن لم يناف وناسب بالأولى ، كلولم يخف لم يعصٍ ،
أو المساوى(٣): كلولم تكن (٤) رَبيبته لَمَا حَلَّت للرضاع، أو الأُدون؛
كقولك: لو انتفت أُخوّة النّسب لما حلَّت للرضاع .
وترد للتمنِّى والعَرْض، والتقليل، نحو: ولو بظِلْفٍ مُحْرقٍ (٥) .
ب
٣١٥
وتكون مصدريّة بمنزلة أن ، إلَّا أَنها / لا تنصب ، نحو قوله تعالى:
(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ (٦))، وقوله تعالى: ( أَيَوَهُ أَحَدُكُمْ لَوْ يُعَمَُّ(٧)).
وقد ورد بمعنى إِنْ، نحو قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا
صادِقِينَ(٨))، وقوله تعالى (لَا يَسْتَوِى الخَبِيثُ والطيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ
(١) أى لم يكن للتالى سبب غير المقدم .
(٢) الآية ٢٢ سورة الأنبياء.
(٣) فى الأصلين: ((المساواة)) والمناسب ما أثبت.
(٤) هذا من حديث قاله النبى صلى الله عليه وسلم فى زينب بنت أبى سلمة وكانت ربيبته فأنها بنت زوجه
أم سلمة رضى الله عنها، وكان النساء تكلمن أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيتزوجها. وانظر الكتابة على
المغنی فی مبحث لو.
(٥) قبله: ((تصدقوا)»، والظلف من الشاء والبقر كالظفر من الانسان .
(٦) الآية ٩ سورة القلم .
(٨) الآية ١٧ سورة يوسف .
(٧) الآية ٩٦ سورة البقرة .
- ٤٤٧ -

كَثْرَةُ الخبيثِ (١))، (وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ(٢))، ولو جاءٍ (٣) على فرس.
وقول الشاعر (٤) :
دون النساء ولو باتت بأطهار
قومٌ إذا حاربوا شدُّوا مآزرهم
وقولنا : لو شرط. للماضى معناه أن لو يفيد عقد السببيّة والمسببية بين
الجملتين بعدها ، وبهذا يجامع إنّ الشرطية ؛ وبتقييد الشرط. بالماضى
يفارق إِنْ، فإِنها للمستقبل. ومع تنصيص النحاة على قلة ورود لو للمستقبل
فإنهم أوردوا لها أمثلة ، منها قوله :
ومن دون رَمْسینا من الأرض سبسب(٥)
ولو تلتقی أُصداونا بعد موتنا
لصوت صدى ليلى يَهَش ويطرب
لظلَّ صَدَی صوتى وإن كنتِ رِمّة
وقول توبة ابن الحُمَيّر :
علىّ ودونى جَنْدَلُ وصفائحُ(٦)
ولو أنّ ليلى الأُخيليَّة سلّمت
إليها صدّى من جانب القبر صائح
لسلَّمتُ تسليم البشاشة أوزقا
وقول الآخر :
خُلقَ الكرام ولو تكون عديما(٧)
لا يُلْفِكَ الراجوكَ إِلَّا مظهرا
وقد أكثر الخائضون القول فى لو الامتناعية . وعبارة سيبويه مقتضية أن
التالى فيها كان بتقدير وقوع المقدّم قريب الوقوع ؛ لإِتيانه بالسين فى
قوله : سيقع . وأَمَّا عبارة المعربين : أنها حرف امتناع لامتناع فقد ردّها
(٢) الآية ٥٢ سورة الأحزاب .
(١) الآية ١٠٠ سورة المائدة .
(٣) هو من حديث. وقبله: أعطوا السائل. وقد جاء فى الجامع الصغير مرويا عن ابن عدى بأسناد ضعيف .
(٤) أى الأخطل فى مدح بنى أمية .
(٥) البيتان لأبى صخر الهذلى: (شرح أشعار الهذليين / ٩٣٨).
(٦) اللالى / ١٢٠ وانظر جامع الشواهد / ٣٢٨
(٧) جامع الشواهد / ٢٢٦ ولم يسم قائله .
- ٤٤٨ -

جماعة من مشايخنا المحقّقين ، قالوا : دعوى دلالتها على الامتناع مطلقا
منقوضة بمالا قِبَل به . ثم نقضوا بمثل قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ مَا فى
الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّه مِنْ بَعْدِه سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ
اللهِ (١))، قالوا : فلو كانت حرف امتناع لامتناع لزم نفاد الكلمات مع عدم
كون كل ما فى الأَرض من شجرة أَقلاما تكتب الكلماتِ ، وكون البحر
الأعظم بمنزلة الدواة، وكون السبعة الأَبحر مملوءات مِدَادًا وهى تَمُد
ذلك البحْر ؛ وقول عُمَر رضى الله عنه : نعم العبد صُهَيب لو لم يخف
الله لم يعصه . قالوا . فيلزم ثبوت المعصية مع ثبوت الخوف ، وهو عكس
المراد .
ثم اضطربت عباراتهم . وكان أقربها إلى التحقيق كلام شيخنا
أبى الحسن بن عبد الكافى ، فإنه قال : تتبّعت مواقع (لو) من الكتاب
العزيز، والكلام الفصيح، فوجدت المستمرّ فيها انتفاءَ الأوّل وكون وجوده
لو فرض مستلزماً لوجود الثانى . وأُمَّا الثانی فإن کان الترتيب بينه وبين الأوّل
مناسباً ولم يخلُف الأوّل غيره فالثانى منتف فى هذه الصورة؛ كقوله تعالى :
(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّ اللهُ لفَسَدَنَا(٢))، وكقول القائل: لو جئتنى
لأكرمتك . لكن المقصود الأعظم فى المثال الأوّل نفى الشرط. ردًّا على من
ادّعاه، وفى المثال الثانى أن الموجب لانتفاء الثانى هو انتفاء الأَوَّل
لا غير . وإن لم يكن الترتيب بين الأول والثانى مناسباً لم يدلُّ على انتفاء
الثانى، بل على وجوده من باب الأولى ، مثل: نعم العبد صهيب لولم يخف
الله لم يعصه ، فإِن المعصية منفيّة عند عدم الخوف . فعند الخوف أولى
(١) الآية ٢٧ سورة لقمان .
(٢) الآية ٢٢ سورة الأنبياء
- ٤٤٩ -
(م ٢٩ بصائر - جـ ٤)

١
٣١٦
وإن كان الترتيب مناسباً ولكن الأول عند انتفائه شىء آخر يخلفه بما
/ يقتضى وجود الثانى [ فالثانى غير منتفٍ (١)]، كقولنا: لو كان إنساناً لكان
حيوانا ؛ فإنه عند انتفاء الإنسانية قد يخلفها غيرها مِمّا يقتضى وجود
الحيوانيّة . وهذا ميزان مستقيم مطّرد حيث وردت لو وفيها معنى الامتناع .
وقال بعض العصريّين ممن يودّ تصحيح عبارة سيبويه وترجيحها :
مدلول لو الشرطيّة امتناع التالى لامتناع المقدّم مطلقاً . وهذا هو المفهوم
من قوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَاها ولكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّى
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ (٢))، فالمعنى والله أعلم - ولكن حق القول فلم أَشأ، أَولم
أَشأ فحقَّ القول: (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِى الأَمْرِ ولكِنَّ
اللهُ سَلَّمَ (٣))، أَى فلم يريكموهم (٤) لذلك . ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولَكِنَّهُ
أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ (٥))، (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت
الأَرض ولكنّ الله ذو فَضْلٍ عَلَى العالَمِينَ (٦))، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الذِينَ
مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَّيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهم
مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ(٧))، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ
لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ (٨))، (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِىّ
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كثيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(٩))، (وَلَوْ
أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْنَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا
(١) زيادة يقتضيها المقام .
(٣) الآية ٤٣ سورة الأنفال .
النحو ((بركوهم)» ولها تخريج فى الحواشى.
(٥) الآية ١٧٦ سورة الأعراف .
(٧) الآية ٢٥٣ سورة البقرة.
(٩) الآية ٨١ سورة المائدة .
(٢) الآية ١٣ سورة السجدة .
(٤) وردت العبارة هكذا فى المغنى (لو)، والواجب فى
(٦) لا مكان لهذه الآية هنا فأن الكلام فى ( لو ) لا فى لولا .
(٨) الآية ٤٨ سورة المائدة .
- ٤٥٠ -

مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَلَكَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١))، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ
الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ
كَذِّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٢))، (وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِى
المِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِىَ اللهُ أَمْرًا كَان مَفْعُولًا(٣))، (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِى الأَرْضِ
جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (٤))، (لَوْ كَانَ عَرَضاً
قَرِيباً وسَفَرًا قاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقةُ (٥))، (وَلَوْ أَرَادُوا
الخُرُوجَ لَأُعَدُّوا لَهُ عُدَّةٌ وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَائَهُمْ(٦))، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ الناسَ
بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى (٧))، ( وَلَوْ
شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدةٌ وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ (٨))
( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَاتَرَكَ على ظهرهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ
يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى(٩)) وغير ذلك من الآيات. وفى الحديث (١٠):
((لو كنت متَّخذا [ من أُمَّى خليلا(١١)] لاتَّخذت أبا بكر خليلًا، ولكن
أخِى وصاحبى)). وفى رواية: ولكن أُخوّة الإِسلام، ((ولو يُعطَى الناسُ
بدعواهم لادّعى رجال دماءَ قومٍ وأموالهم ، لكن البينة على المدّعِى واليمينُ
على مَن أَنكر (١٢))). وقال امرؤ القيس :
:
(١) الآية ١١١ سورة الأنعام.
(٣) الآة ٤٢ سورة الأنفال .
(٥) الآية ٤٢ سورة التوبة .
(٧) الآية ٦١ سورة النحل .
(٩) الآية ٤٠ سورة فاطر .
(١٠) ورد فى الجامع الصغير عن مسند الامام أحمد والبخارى .
(١١) زيادة من الجامع الصغير.
(١٢) ورد فى الجامع الصغير عن المسند للامام أحمد والصحيحين .
(٢) الآية ٩٦ سورة الأعراف .
(٤) الآية ٦٣ سورة الأنفال .
(٦) الآية ٤٦ سورة التوبة .
(٨) الآية ٩٣ سورة النحل.
- ٤٥١ -

كفانى ولم أطلب قليلٌ من المال
ولو أنَّما أَسِعَى الأَدنى معيشة
٠
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل
وقد يدرك المجدّ المؤثّل أَمثالى(١)
وقال طرفة بن العبد :
فلو كان مولاى امراً هو غيرُه
ولكنَّ مولاى امرؤ هو خانفى
وقال قُرَيط. بن أُنَيف العنبرىّ :
لفرَّج كربِى أَو لَأَنظرنى غدى (٢)
على الشكر والتسآل أَو أنا مفتدٍ
بنو الَّلقيطة من ذُهل بن شيبانا
لو کنتُ من مازنٍ لم تستبح إِبلی
ليسوا من الشرّ فی شیءٍ وإِن مانا
ۋ لکنَّ قومی وإن كانوا ذوی عَدَدٍ
هكذا وقع فى جمهور نسخ الحماسة . والصواب : بنو الشقيقة . والنسخ /
محرّفة . وقال آخر :
٣١٦
فلو صافحت إنسا لصافحنه معا
رأین فی لا صیدُ وحٍ يهمّه
إذا اقتفروه واحدا أَو مشيّعا (٣)
ولكنَّ أَرباب المخاض يشفَّهم
وقال آخر :
تنكّبت عنى رُمْت أَن تتنكبا
ولو خفت أنی إِن کففت تحیتی
به النفس يوما كان للكره أذهبا
ولكن إذا ماحلَّ كرهُ فسامحت
وقال آخر (٤) :
فلو كان حمدٌ يُخلد الناسَ لم تَمُتْ
ولكنَّ حمد الناس ليس بِمُخْلِدٍ
(١) انظر ديوانه ٣٩.
(٢) المولى هنا ابن العم . وقوله: غيره، أى غير ابن
عمه مالك المذكور فى بيت سابق ، والبيتان من معلقته .
(٣) يشفهم : يحزنهم . واقتفروه: تتبعوه. ومشيعا: معه أعوان. وكأنه يصف نفسه أنه لص إبل.
والمخاض : النوق الحوامل .
(٤) هو زهير من قصيدة فى مدح هرم بن سنان. وانظر الديوان ٢٣٦.
- ٤٥٢ -

فهذه الأماكن وأمثالها صريحة فى أنها للامتناع ، لأنها عُقّبت بحرف
الاستدراك داخلًا على فعل الشرط. منفيًّا لفظاً أو معنى ، فهى بمنزلة :
( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمَى (١)). فإذا كانت دالَّة على الامتناع
ويصحّ تعقيبها بحرف الاستدراك دلَّ على أن ذلك عامّ فى جميع مواردها ،
وإلّا يلزم الاشتراك ، وعدم صحّة تعقيبها بالاستدراك . وذلك ظاهر كلام
سيبويه ، فلم يخرج عنه .
وأمَّا قول مَن قال: إنه ينتقض كونه للامتناع بقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ
مَافِى الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقلامٌ(٢) ) الآية، وبالأَثْرِ الْعُمَرِىّ(٣): لو لم
يخف، وبقول النبى صلَّى الله عليه وسلّم: ((لو لم تكن ربيبتى فى حجرى
لما حلَّت لى)) فإنه يمكن ردّ جميع ذلك إلى الامتناع. وإيضاح ذلك بأن
تقول : إذا قلنا : امتنع طلوع الشمس لوجود الليل فليس معناه انتفاء
طلوع الشمس رأساً بل انتفاؤه لوجود الليل . وفَرْق بين انتفائه لذلك
وانتفائه المطلق ، فإن الأوّل أَخصّ من الثانى . ولا يلزم من ارتفاع الخاص
ارتفاع العام . فاذا قلنا : لو حرف امتناع لامتناع كان المعنىّ به أن التالى
يمتنع امتناعاً مضافاً إلى امتناع المقدَّم . وليس المعنىّ به أنه يمتنع مطلقا .
وإذا قلت فيمن قيل لك انتقض وضوءُه لأنه مسّ ذكره : لم ينتقض
لأَنه مسّ، فإِنه لم يمسّ، ولكن لناقض آخر غير المسّ، صحّ ؛ ولذلك لك
أن تقول: لم ينتقض لأنه لم يمسّ . كلّ هذا كلام صحيح ، وإن كان
وضوءه منتقِضاً عندك بناقض آخر ؛ فإن حاصل كلامك أن الانتقاض
(١) الآية ١٧ سورة الأنفال.
(٣) أى المروى عن عمر رضى الله عنه.
(٢) الآية ٢٧ سورة لقمان .
- ٤٥٣ -

بالنسبة إلى المشّ لم يحصل ، ولا يلزم من ذلك انتفاء أصل الانتقاض،
فإِنما يلزم مطلقاً الامتناع فى لو الشرطية لو قلنا : إن مقتضاه الامتناع
مطلقا ، ونحن لم نقل ذلك ، وإنما قلنا : يقتضى امتناعاً منكّرًا لامتناع
منكِّر ، فالمنفىّ خاصّ لا عامٌ .
إذا عرفت هذا فنقول : قد يؤتى بلَوْ مسلَّطة على ما يحسب العقل
كونه إذا وُجد مقتضِياً لوجود شىء آخر ، مرادًا بها أن ذلك لا يلزم تحقيقا
لاستحالة وجود ذلك الشيء الآخر الذى ظُنَّ أنه يوجد عند وجود ما يحسبُه
العقل مقتضِيا ؛ كما تقول لعابد الشمس : لو عبدتها ألف سنة ما أَغنت
عنك من الله شيئاً ، فإن مرادك أن عبادتها لا تغنى . وفى الحقيقة الازدياد
من عبادتها ازدياد من عدم الإِغناء، ولكن لمّا كان الكلام خطابا لمن يعتقدها
مغنية حسن إخراجه فى هذا القالب . وكذلك تقول للسائل إِذا أَحكمت
أمر منعه : لو تضرعت إلىّ بألف شفيع ما قضيتُ لك سُؤلا . ولذلك إِذا
[كان (١)] بصيغة إن الشرطيّة لم يكن له مفهوم عند المعترِفين بمفهوم
الشرط.؛ كما فى قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ / مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ
لَهُمْ (٢))، لأن المراد قطع الإياس(٣). والإِتيان بصيغة لو فيما ضَرَبناه
مَثَلا لتحقَّق الامتناع لا لمقابله .
١
٣١٧
وأمَّا ما أوردوه نقضاً، وأنه يلزم نفاد الكلمات عند انتفاء كون ما فى
الأرض من شجرة أقلاما ، وهو الواقع؛ فيلزم النَّفَاد وهو مستحيل ؛ فالجواب
أن النَفَاد إنما يلزم انتفاؤه (٤) لو كان المقدّم ممَّا لا يتصور العقل أنه
(١) زيادة يقتضيها السياق .
(٢) الآية ٨٠ سورة التوبة .
(٣) كذا، وكأن الأولى: قطع الأمل إلا أن يكون المراد : الاياس المقطوع به .
(٤) كذا . وكأن الصواب حذف هذه العبارة.
- ٤٥٤ -

مقتضٍ للانتفاء . أما إذا كان ممَّا قد يتصوّره العقل مقتضياً فألّ يلزم عند
انتفائه أولى وأحرى. وهذا لأن الحكم إذا كان لايوجد مع وجود المقتضى
فأَلَّا يوجد عند انتفائه أولى. فمعنى (لو) فى الآية أنه لو وجد الحكم
المقتضِى لما وُجد الحكم ، لكن لم يوجد فكيف يوجد . وليس المعنى :
لكن لم يوجد فوجد ؛ لامتناع وجود الحكم بلا مقتضٍ.
...
فالحاصل أَن ثمّ أَمرين : أحدهما: امتناع الحكم لامتناع المقتضِى .
وهو مقرر فى بدائه العقول ؛ وثانيهما : وجوده عند وجوده، وهو الذى أَتت
(لو) للتنبيه على انتفائه مبالغة فى الامتناع . فلولا تمكّنها فى الدلالة على
الامتناع مطلقا لما أتى بها . فمن زعم أنها والحالة هذه لا تدل عليه فقد
عكس ما يقصده العرب بها ، فإِنها إنما تأتى بلو هنا للمبالغة فى الدلالة
على الانتفاء ؛ لما للو من التمكُّن فى الامتناع .
فإذا تبين هذا أنقله إلى الأثر وغيره ، فنقول: لو لم يخف اللهَ لم
يعصه لِمَا عنده من إِجلال الله تعالى والخشية ، وإذا لم يخف يكون المانع
واحدا وهو الإِجلال . فالمعصية منتفية على التقديرين، وجىء بلو تنبيها على
الامتناع بالطريقة التى قدَّمناها لا على مطلق الامتناع .
فإن قلت : قوله لو لم يخف لم يعص إذا جعلنا لو للامتناع صريح
فى وجود المعصية ، مستندا إلى وجود الخوف، وهذا لا يقبله العقل . قلنا :
المعنى : لو انتفى خوفه انتفى عصيانه ، لكن لم ينتف خوفه فلم ينتف
عصيانه مستنداً إلى أمر وراء الخوف .
- ٤٥٥ -

وأما قوله : ترد للتمنّى فشاهده قوله تعالى: (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً (١))، أَی
فليت لنا كرّة ؛ ولهذا نصب (فيَكُونَ) فى جوابها ، كما انتصب (فأَفُوزَ)
فى جواب كنت فى قوله تعالى : (يَا لَيْتَنِى كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيماً (٢)).
٠
وأَما العَرْض فمثاله : لو تنزل عندنا فتصيب خيرًا .
وأما التقليل فذكره بعض النحاة ؛ وكثر استعمال الفقهاء له ، وشاهده
قوله تعالى: ( وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ(٣))، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أَوْلِم
ولو بشاة))، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((اَّقوا النار ولو بشِق تمرة))،
وقوله صلَّى الله عليه وسلّم: ((التمِس ولو خاتما من حديد))، وقوله صلَّى الله
عليه وسلَّم: ((تصدَّقوا ولوَ بظِلِف مُحْرَق)).
وقد يُسأَّل عن قوله تعالى (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لِأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ
أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا(٤) )، ويقال : إِن الجملتين يَتَركَّب منهما قياس وحينئذ
ينتج : لو علم الله فيهم لتولَّوْا وهذا مستحيل .
الجواب أن التقدير : لأُسمعهم إسماعاً نافعا، ولو أسمعهم إسماعا غير
نافع لتولَّوْا .
جواب ثان : أن يقدّر ولو أَسمعهم على تقدير عدم علم الخير فيهم .
جواب ثالث : أن التقدير : ولو علم الله فيهم خيرًاً وقتاما لتولَّوا بعد
ذلك .
(١) الآية ١٠٢ سورة الشعراء.
(٣) الآية ١٣٥ سورة النساء .
(٢) الآية ٧٣ سورة النساء.
(٤) الآية ٢٣ سورة الأنفال .
- ٤٥٦ -

قال الشيخ أُثِير الذين: (١) وقد رَكَّب أَبو (٢) العبّاس بن مرّيسُج
مادخلت عليه لو تركيباً غريباً غير عربيّ فقال :
ى
٣١٧
ولو كلَّما / كلب عوى مِلْتُ نحوَه أجاوبه إِنّ الكلاب كثير
قليل فإِنِّى بالكلاب بصير (٣)
ولكن مبالاتى بمن صاح أو عوَى
(١) هو أبو حيان محمد بن يوسف .
(٢) هو أحمد بن عمر من أئمة الشافعية. وانظر ترجمته فى طبقات الشافعية ٨٧/٢.
(٣) انظر فى هذين البيتين طبقات الشافعية ٢ / ٩٠.
- ٤٥٧ -

١٨ - بصيرة فى لولا
وهى على أربعة أوجه :
أحدها : أن تدخل على اسمية (١) ففعليَّة لربط. امتناع الثانية بوجود
الأولى، نحو: لولا زيد لأكرمتك، أَى لولا زيد موجود. وأَمَّا قوله صلَّى
الله عليه وسلم: ((لولا أَن أَشُقَّ على أُمَّتِى لأمرتهم بالسواك عند كل
صلاة (٢))، فالتقدير: لولا مخافة أَن أَشق لأمرتهم أمر إيجاب، وإلّا
لا نعكس معناها ؛ إذ الممتنع المشقّة والموجود الأمر. والمرفوع بعد لولا مبتدأ،
والخبر يكون كوناً مطلقا .
الثانى: يكون للتحضيض والعَرْض ، فيختص بالمضارع أو مافى تأويله ؛
نحو: ( لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ (٣)) ونحو: ( لَوْلَا أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ (٤))
والفرق بينهما أن التحضيض طلب بحثُ ، والعَرْض طلب برفق وتأَدّب .
الثالث : أن تكون للتوبيخ والتنديم ، فتختصّ بالماضى ؛ نحو قوله
تعالى: ( لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءَ (٥))، (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا
مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً (٦))، ومنه: ( لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ(٧))، الَّ أَن
الفعل أُخّر ، وقوله :
(١) أى جملة اسمية .
فى سنن الوضوء من كتاب الطهارة .
(٣) الآية ٤٦ سورة النمل .
(٥) الآية ١٣ سورة النور.
(٧) الآية ١٦ سورة النور .
(٢) أخرجه الشيخان وغيرهما ، كما فى تيسير الوصول
(٤) الآية ١٠ سورة المنافقين .
(٦) الآية ٢٨ سورة الأحقاف .
- ٤٥٨ -

تعدُّون عَقْرَ النِّيبِ أَفضلَ مجدكم بنى ضَوْطَرَى لولا الكِمِىَّ المقنَّعا(١)
إلّا أن الفعل أضمر ، أى لولا عددتم.
وقد فُصلت من الفعل بإِذ وإذا معمولين له ، وبجملة شرط. معترَضة .
فالأُول نحو : ( لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ (٢) )، (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا
تَضَرَّعُوا(٣))، والثانى والثالث: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الخُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ
تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليهِ مِنْكُمْ ولَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ
مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها (٤))، المعنى: فهلًّا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم إن كنتم
غير مربوبين وحالتكم أنكم تشاهدون ذلك . ولولا الثانية تكرار للأولى .
الرابع: الاستفهام ؛ نحو : (لَوْلَا أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ)، (لَوْلًا أُنْزِل
إِليْهِ مَلَكُ (٥)) هكذا مثَّلوا. والظاهر أن الأُولى للعَرْض، والثانية مثل: ( لَوْلًا
جَاءُوا عليهٍ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءٍ(٦)) .
وذكر بعضهم قسماً خامساً وهو : أَنها تكون نافية بمعنى لَمْ ، وجعل
منه : ( فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ منَفَعَها إيمانُها إِلَّا قَومَ يُونَسَ (٧))، والظاهر
أن المعنى على التوبيخ ، أى فهَلًّا كانت قرية واحدة من القرى المهلكة
تابت عن الكفر قبل مجىء العذاب فنفعها ذلك ؛ وهو تفسير الأخفش
والكسائىّ والفرّاء وعلى بن عيسى والنحاس. ويؤيده قراءة أُبَى وعبد الله(٨)؛
(فَهَلَّا) ، ويلزم من هذا المعنى النفى ؛ لأن التوبيخ يقتضى عدم الوقوع .
(١) من قصيدة لجرير فى هجاء الفرزدق. وكان غالب أبو الفرزدق نحر إبلا كثيرة فى مفاخرة بيته وبين
سحيم بن وثيل الرياحى والضوطرى الحمقى. والكمى المقنع: الشجاع المغطى بسلاحه. وانظر الديوان ٢٦٥.
(٢) الآية ١٦ سورة النور .
(٣) الآية ٣ ٤ سورة الأنعام .
(٦) الآية ١٣ سورة النور
(٧) الآية ٩٨ سورة يونس.
(٤) الآيات ٨٣ - ٨٧ سورة الواقعة .
(٥) الآية ٨ سورة الأنعام .
(٨) هو ابن مسعود .
- ٤٥٩ -

وذكر الزمخشرى فى قوله تعالى: (فَلَوْلًا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) : لكنه
جىء بلولا ليفاد أنهم لم يكن لهم عذر فى ترك التضرع ، إلّ عنادهم
وقسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التى زيَّنها الشيطان لهم . وقول القائل(١):
فقلتُ بَلَى لولا ينازعنى شُغلی
أَلا زعمت أسماء أُن لا أُحبّها
قيل : إنها الامتناعية ، والفعل بعدها على إضمار أن ، على حدّ قولهم :
تسمعُ بالمُعَيدِىّ خير من أن تراه . وقيل: ليس من أقسام لولا ، قيل: هما
كلمتان بمنزلة قولك : لو لم ، والجواب محذوف، أى لولم ينازعنى شغلى
لزرتك .
و: لَوْمًا) بمعنى لولا تقول : لوما زيد لأكرمتك ، ومنه قوله تعالى :
( لَوْمَا تَأْتِينَا بِالمَلائِكَةِ (٢)): وزعم بعضهم أن لوما لا يستعمل إلا
للتحضيض . والله أعلم .
(١) هو أبو ذؤيب الغذلى. وانظر ديوان المذليين ١ / ٣٤.
(٢) الآية ٧ سورة الحجر.
- ٤٦٠ -