Indexed OCR Text

Pages 521-540

٢ - بصيرة فى الغبث
وهو المطمئن من الأرض . وأَخبت الرّجل: قصد الخَبْتِ أَو نزله نحو
أَنجد وأسهل ، ثمّ استعمل الإخبات استعمال اللَّين والتَّواضع. قال تعالى:
(وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ (١)) أَى المتواضعين. وقيل معناه: المخلصين. وقوله
تعالى : (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ(٢)) أَی تلینَ وتخشع . وقيل : معناه تطمئن ،
والإِخْبَات ههنا قريب من الهبوط فى قوله تعالى: (وإِنْ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ
مِنْ خَشْيَةِ اللهِ(٣)). وقوله تعالى: (وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ(٤)) أَى سكنوا إليه
وتواضعوا له
الآية ٣٤ سورة الحج .
(١)
(٣) الآية ٧٤ سورة البقرة .
الآية ٥٤ سورة الجيج .
(٢)
الآية ٢٣ سورة هود .
(٤)
- ٥٢١ ـ

٣ - بصيرة فى الخبث
الخُبْث والخبيث ما يُكره رداءةً وخساسة ، محسوسًا كان أو معقولًا .
وأصله الردىء الدُّخْلة الجارى مجرى خَبَث الحديد ، قال :
سیکناه ونحسبه
لُجَّينًا.
فأَبدى الكِبرُ عن خَبَك الحديد(١)
وذلك يتناول الباطل فى الاعتقاد ، والكذبَ فى المقال، والقبيح فى الفعال.
قال تعالى: (ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ(٢) أَى مالا يوافق النَّفْس من المحظورات.
وقوله تعالى: ( ونَجْيْنَاهُ مِنَ الْقِرْيَةِ الَّى كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ (٣))
كناية عن إتيان الرّجال. وقوله تعالى: (لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيْب (٤))
أى الأعمال الخبيثة من الأعمال الصالحة ، والنفوس الخبيثة من النُّفوس
الزّكِيَّة . وقوله تعالى: ( وَلَا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بالطَّيِّبِ (٥)) أَى الحرام بالحلال.
وقوله تعالى: (الْخَبِيئَاتُ للخَبيئِينَ(٦)) أَى الأَفعال الرديئة والاختيارات
المبهرَجة لأَمثالها ، وقوله تعالى: (قلَ لَّايَسْتَوِى الْخَبِيثُ والطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ
كَثْرَةُ الْخَبِيثِ (٧)) أى كثرة الحرام ، وقيل أى الكافر والمؤمن، والأعمال
الفاسدة والأعمال الصالحة . وقوله تعالى: (ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ
خَبِيئَةٍ (٨)) إشارة إلى كلّ كلمةٍ قبيحةٍ من كفرٍ وكذب ونميمةٍ وغير ذلك .
وفى الحديث ((المؤمن أطيب من عمله والكافر أَخبث من عمله)) وفيه
من أمثال المستطرف ٣٨/١
(١)
الآية ٧٤ سورة الانبياء .
(٣)
(٥) الآية ٢ سورة النساء.
الآية ١٠٠ سورة المائدة.
(٧)
الآية ١٥٧ سورة الأعراف .
(٢)
الآية ٣٧ سورة الأنفال.
(٤)
الآية: ٢٦ سورة النور.
(٦).
الآية ٢٦ سوره إبرهيم .
(٨)
- ٠٢٢

أيضًا ((أعوذ بك من الخبْثِ والخبائث)) وفى رواية ((من الرّجس النجس
الخبيث المُخبث الشيطان الرّجيم)). الْمُخْبِث أَى فاعل الخُبْث، قال.
خَبُثَتْ فعلا ونيّة
أُفَّ للدنيا الدنيَّة
مّ وعقباه منيّة
ولِعِيش كُلُّه ◌َ
وقال(١) :
نَبِّئْت عَمْرًا غَيْرَ شاكرٍ نعمتى والكفرُ مَخْبَئَةٌ لِنَفْسِ المنعِ
وَسَبِىُ خِبْئَةٍ أَى فى حِلَّةِ شُبْهة، يقال فى مقابلته سَبْى طيبَة أَى حلال
بلا شبهة . ويا خَبَاثٍ أَى يا خبيثة .
٤ - بصيرة فى الخبر والخبر
الخُبْرُ - بالضَّمَ - : العلم بالشَّىء قال تعالى: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ
تُحِطْ بِهِ خُبْرًا(٢)) ويقال: صدَّق الْخُبْرُ الْخَبَرَ، ويقال لِأَخْبُرنَّ خُبْرِك أَى
لأَعلمنّ علمك (٣)، يقال منه: خبرته أَخْبُرُهُ كنصرته أَنصره خُبْرًا بالضّمْ
نشرته . ووجدت النَّاس اخْبُر تَقْلَهْ، المعنى :
وخِبْرةً بالكسـ ا"
ء ما منهم إلَّا وهو مسخوط الفعل عند
وجدتهم مقوا
حرج الكلام على لفظ الأمر ومعناه الخّبَر .
الخبرة . إذا اخذــ
العالم ، قال تعالى: ( فاسْأَلْ بهِ خَبيرًا(٤)) والخبير فى صفات الله تعالى :
أى عنترة فى معلقته .
(١)
(٣) فى الأصلين: ((لأعملن عملك)) وما أثبت من القاموس.
(٤) ٣ ية ٥٩ سورة الفرقان .
(٢) الآية ٦٨ سورة الكهف .

العالِمِ بما كان وبما يكون . وأخبرت أَعلمت بما حصل لى من الخُبْر .
وقيل الخِبْرة : المعرفة ببواطن الأمور .
وقوله تعالى: (قد نَبَّأَنَا اللهُ من أَخْبَارِكُمْ(١)) أَى من أَحْوالكم الّتى
يُخبر عنها. وقوله تعالى: (والله خَبِيرٌ بما تَعْمَلُونَ(٢)) أَى عالم بأخباركم
وأعمالكم . وقيل: أَى عالم ببواطن أموركم. وقيل: خبير بمعنى مُخْبِر
كقوله تعالى: (فَيُنْبِّئُكُمْ بما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(٣)) وتخبّرته أَى سألته عن
الخبر . وقد جاءَ يتفعّل بمعنى يستفعل كتكبّر واستكبر وتضعّفه واستضعفه.
وفى الحديث: بَعَث (٤) بين يديه عينًا من خُزَاعة يتخبّر له خَبَر كفَّار قريش.
والمخابرة : المزارعة على الخُّبْرة وهى النَّصيب كالثَّلث والرّبع ونحوه .
وقيل أصل الكلمة من خَيْبَرٍ لأَنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلم كان أَقرّها فى
أيدى أهلها على النصف ؛ فقيل : خابرهم أى عاملهم فى خَيْبَر .
(١)
(٣).
الآية ٩٤ سورة التوبة .
(٢) الآية ١٣٠ سورة المجادلة .
الآية ٩٤ سورة التوبة . ورد فى آيات اخر .
فى الأصلين: «بعثت» وما أثبت فى التاج .
(٤)
- ٥٢٤ -

٥ - بصيرة فى الخبط
والخبل والخَبْء والختر
الخَبْط : الضَّرب على غير استواء كخبط البعير الأرض بيده . وخَبَطه
وتخبّطه واختبطه بمعنَى، أَى ضربه ضربًا شديدًا . وخبطه الشيطانُ
وتخبّطه: مسّه بأَذِّى. قال تعالى: (يَتَخَبِّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ (١))
يجوز أن يكون من خَبْط الشجر ، وأن يكون من الاختباط الَّذى هو طلب
المعروف ، خبطه واختبطه : سأَل معروفهُ . وفى دعاء النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم («وأَعوذُ بك أن يتخبّطنى الشّيطانُ عند الموت)).
والخَبَال: الفساد يلحق الحيوان فيورثه إضرابًا كالجنون والمرض المؤثر
فى العقل والفكر، قال تعالى: ( مَازَادُوكُمْ إِلَّ خَبَالاً (٢)) والخبال : النقصان،
والخبال : الهلاك، والخبال : العَنّاءُ. والخبال السمّ القاتل. والخَبْل:
فساد الأَعضاء ، وقطع الأيدى والأَرجل ، والجنون . ويضمّ خاؤه . والخَبَل
- بالتحريك - والخابل: الجنّ. واختبله. جَنَّنْهُ. وقول زهير:
* هنالك إِن يُسْتَخْبَلوا المالَ يَخْبلوا (٣).
(١) الآية ٢٧٥ سورة البقرة .
الآية ٤٧ سورة التوبة .
(٢)
عجزه : • وأَن يُسْأَلُوا يُعْطُوا وَأَن يَيْسِروا يُغْلُوا.
(٣)
وقد فسر الاخبال بأن تعطى الرجل البعير أو الناقة ليركبها ويجتز ويرها وينتفع
بها ثم يردها وفسر بغير هذا. وييسروا يدخلوا فى الميسر، ويغلوا: يتخيروا فى الميسر الابل
الغالية السمينة . والبيت من قصيدة فى مدح هرم ابن سنان والحارث بن عوف وقومهما. وانظر
الديوان بشرح تعلب ١١٢
- ٥٢٥ -

أى إن طلب منهم إفساد شىء من إبلهم أُفسدوه
***
والْخَبْءُ كلّ مدّخر مستور، وقال تعالى: (يُخْرجُ الخَبْءَ (١)) ومنه
جاريَة مخبّأةً. والخُبَأة: الجارية التى تظهر مرّة وتخبأ(٢) أُخرى
والخَتْرِ الغدر .
٦ - بصيرة فى الختم
الخَتْم والطَّبْعِ: مصدرًا خَتمت وطبعت . وهو تأثير الشىء كنقش(٣
الخاتم والطَّابع، والثانى (٤) الأثر الحاصل عن الشيء . وتُجوّز بذلك تارة فى
الاستيثاق من الشىء والمنع منه اعتبارًا بما يحصل من المنع بالخَتْمِ على الكُتُب
والأبواب ؛ نحو قوله تعالى: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (٥)) وتارة فى تحصيل
أَثر شىء اعتبارًا بالنّقش الحاصل وتارة يعتبر منه بلوغ الآخِرِ . ومنه
قيل : ختمت القرآن أى انتَهيت إلى آخره
وقوله تعالى: (خَتَم اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) إشارةٍ(٦) إلى ما أَجرى الله به
العادة : أن الإنسان إذا تناهى فى اعتقاد باطل أو ارتكاب محظور ولا (٧)
(١) الآية ٢٥ سورة النمل .
(٢) كذا فى الاصلين والرقب. وكان المراد: تخبأ نفسها. والانسب: تختبىء.
(٣) فى الأصلين: ((بنقش)) وما أثبت من الراغب.
(٤) الاول هو الاستعمال السابق، وهو كونهما مصدرين. والعبارة فى الراغب واضحة
وهى: ((الختم والطبع يقال على وجهين: مصدر ختمت وطبعت. وهو تأثير الشىء
كنقش الخاتم والطابع والثانى الأثر ... )).
(٥) الآية ٧ سورة البقرة .
(٦) تبع فى هذا الراعب، وهى نزعة عتزالية تنفى تأثير الله سبحانه واحداثه
هذه الامور من الختم والطبع ونحوهما، اذ أن هذا عندهم لا يليق بالله سبحانه ، وأهل السنة
يثبتون أحداث الله لهذه الأشياء كظاهر النصوص ولا يرون فيها شيئًا .
(٧) فى الأصلين: ((فلا)) وما أثبت من الراغب.
-- ٥٢٦

يكون منه تلفّت بوجه إلى الحقّ. يورثه ذلك هيئة تمرّنُه (١) على استحسان
المعاصى كأَما (٢) يُختم بذلك على قلبه. وعلى ذلك (أُولَئِكَ الَّذِينَ
طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (٣)) وعلى هذا النحو استعارة الإغفال فى قوله: (أَغْفَلْنَا
قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا (٤) )، واستعارة الكِنّ فى قوله: ( وجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ
أَكِنَّةَ(٥))، واستعارة القساوة فى قوله: (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيةً(٦)).
قال الجُبَّائيّ: يجعل الله ختمًا على قلوب الكفَّار ليكون دلالةً للملائكة على
كفرهم فلا يَدْعُون لهم ، وليس ذلك بشىء لأَنّ هذه الكتابة إِن كانت
محسوسة فمن حقُّها أن يدركها أصحاب التشريح ، وإن كانت معقولة غير
محسوسة فالملائكة باطّلاعهم على اعتقاداتهم مستغنية عن الاستدلال .
وقال بعضهم : ختمه شهادته تعالى عليه أَنَّه لايؤمن، وقوله تعالى: (الْيَوْمَ
نَخْتِمُ عَلَى أَقْوَاهِهِمْ(٧)) أَى نمنعهم من الكلام. (وخَاتَمَ النبيّين(٨)) لأَنَّه
ختم النبوّة أَى تممها (٩) بمجيئه. وقوله تعالى: ( فإِنْ يَدَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى
قَلْبِكَ(١٠)) يريد به ختم الحفظ والحِياطة فى صدره صلي الله عليه وسلم .
وقوله تعالى: (خِتَامُهُ مِسْكٌ (١١)) [قبل] (١٢) أى ما يختم به أَى يطبع، وإنما
معناه منقَطَعهُ وخاتمة شربه أَىَ سُؤْره [فى](١٢) الطّيب مسك . وقول من قال
فى الأصلين: «يمر به » وما أثبت من الراغب .
(١)
(٢)
كذا فى ب. وفى أ وهامش: ((كأنها )».
(٣)
آية ١٠٨ سورة النحل .
(٤) الآية ٢٨ سورة الكهف .
الآية ٢٥ سورة الأنعام ، والآية ٤٦ سورة الاسراء .
(٥)
الآية ١٣ سورة المائدة .
(٧) الآية ٦٥ سورة يس .
(٦)
الآية ٤٠ سورة الأحزاب .
(٨)
(٩) فى الأصلين: ((تمم)) وما اثبت من الراغب .
(١٠) الآية ٢٤ سورة الشورى .
(١٢) زيادة من الراغب .
(١١) الآية ٢٦ سورة المطففين.
- ٥٢٧ -

يُختم بالمسك أى يصبع فليس بشىء لأَنَّ الشَّراب يجب أن يطيب فى نفسه.
فأمَّا ختمه بالطَّيب فليس تما يفيده ولا ينفعه طيب خاتمه ما لم يطب فى
نفسه . وقال المتنبيّ .
فليس يحلُّها أحد سواها (١)
أروح وقد ختمتُ على فؤادى
وقال آخر :
والسرّ عند كرام الناس مكتوم
لا يكتم السّرّ إِلَّ كُلّ فى كرم
قد ضاع مفتاحُه والبابُ مختوم (٧)
والسِرِ عندى فى بيت له غلَقٌ
ـو
(١) لم أجده فى ديوان المتنبى ..
(٢) ورد البيتان ببعض تغيير فى روضة العقلاء ١٦٨
- ٥٢٨ -

٧ - بصيرة فى الخداع
وهو إنزال الغير عمَّا هو بِصُدُده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه .
والخداع ورد فى القرآن على أربعة أوجه :
الأُوَّل : خداع الكفار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأَن يعقدوا معه
عهدًا فى الظَّاهر وينقضوه فى الباطن (وإِنْ (١) يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ
حَسْبَكَ اللهُ) .
الثانى : خداع اليهود مع أهل الإيمان يصالحونهم فى الظَّاهر ويتهيّئون
لخربهم فى الباطن (يُخَادِعُونَ اللهَ والذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ (٢))
الثالث : خداع المنافقين مع المؤمنين بإظهار الإيمان وإِبطان الكفر ( إِنَّ
المَنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهُ (٣)).
الرّابع : خداع الله الكفَّار والمنافقينَ بإسبال النُّعمة عليهم فى الدّنيا ،
وادْخار أنواع العقوبة لهم فى العُقْبَى (وَهُوَ خَادِعُهُمْ (٤)) وقيل فى قوله تعالى:
( يُخَادِعُون اللهُ) أَى يخادعون رسول الله وأولياءه. ونُسب ذلك إِلى الله
من حيث إِنَّ معاملة الرّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - كمعاملته ، ولذلك قال الله
تعالى : (إِنَّ الذين يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ (٥)) وجُعل ذلك خداعًا
تفظيعًا لفعلهم، وتنبيهًا على عظم الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وعظم أوليائه
الآية ٦٢ سورة الأنفال .
(١)
الآية ١٤٢ سورة النساء .
(٣)
الآية ١٠ سورة الفتح .
(٥)
(٢) الآية ٩ سورة البقرة .
الآية ١٤٢ سورة النساء
(٤)
-
٥٢٩
--
(بصائر غوى الز جـ ٢ م - ٣٤)
١

وقول أَهل اللّغة إِنَّ هذا على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه
فيجب أن يعلم أَنَّ المقصود بمثله فى الحذف لا يحصل لو أتى بالمضاف المحذوف
لِمَا ذكرنا من التنبيه على أمرين :
أحدهما : فظاعة فعلهم فيما تحرّوه (١) من الخديعة ، وأنّهم بمخادعتهم
إيّاه يخادعون الله .
والثانى : التنبيه على عظم المقصود بالخداع وأَنَّ معاملته كمعاملة الله .
وقوله تعالى : (وَهُوَ خَادِعُهُمْ) قيل : معناه : مجازيهم بالخداع .
وخَدَع الضبَّ أَى استترِ فى جُحره. واستعمال ذلك فى الضبّ لِمَا
اعتقدوا فى الضبّ أَنَّه يُعِدّ عقربًا تلدغ من يُدخل يده فى جُحْرِه حتَّى قيل :
العقرب بوّاب الضّبّ وحاجبُه . ولاعتقاد الخديعة فيه قيل : أُخدع من
ضبّ. وطريق خادع وخَيْدَعُ: مُضِلّ كأَنَّه يخدع سالكه . وقيل : المؤمن
يُخدع عن درهمه ولا يُخدع عن دينه ، والمنافق يُخدع عن دينه ولا يُخدع
عن درهمه . وفى الحديث ((إِنَّ بين يدى السّاعة سنين خداعة)) قيل معناه
أَنَّ النَّاس فيها خُدّاع . وقيل : من قولهم سنة خادعة إذا مضت سريعة ، أَى
سنون تمرّ سريعة لقربها من القيامة ، ولغفلة النّاس فيها عن مرور الأيَّام
قال :
جميعُ أَمانيك فيها خديعهْ
أَلا إِنَّ دنياك مثل الوديعه
فما هى إِلَّ سراب بِقِيعة
فلا تغتررْ بالَّذی نِلْته
(١) كذا فى أ. وفى ب: ((يحرون)) وكأن أصله ((يتحرون، وفى الراغب: ((تجرءوه)) وكأن
الأصل : تجرءوا عليه، فحذف الخافض وأوصل الفعل بالضمير .
- ٥٣٬٠ -

وقول الشّاعر(١) :
طيِّبَ الرّيقِ إِذا الرّيقُ خَدَع
أبيضَ اللَّون لذيذا طعمه
أَى فسد ، أَى خفى طِيبُه .
٨ - بصيرة فى الخدن والخذل والخرور
الخِدْن والخَدِينِ : الصّاحِب المُحَدِّث ، ومن يخادنك فى كلّ أَمرظاهرٍ وباطن.
وأكثر ما يستعمل الخِدْن فيمن يصاحب بشهوة . قال (ولا مُتَّخِذَاتِ أَخْدان (٢)).
الخَذْل ترك النُّصرة . خَذَله خَذْلًا وخِذْلانًا : ترك نُصْرته وكان يَظنّ به
أن ينصره . لذلك قيل خَذَلت الظَّبْية وغيرها إذا تخلَّفت (٣) عن صواحبها
أَو تخلَّفت فلم تَلْحَق، وتخاذلت رجلاه : ضعفتا .
والخُرُور: السّقوط. خرّ الرجل يَخُرّ بالضمّ (٤) خَرًّا وخُرورًا : سقط .
وخرّ الماء يخِرّ بالكسر خَرِيرًا إِذا صَوّت . والخرير يقال لصوت الماءِ والرّيح
وغير ذلك مما يسقط من علوّ .
وقوله تعالى: (خَرُّوا سُجَّدًا (٥)) فيه تنبيه على اجتماع أمرين : السّقوط من
علوّ، وحصول الصّوت بالتسبيح . وقوله من بعد: (وَسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)
تنبيهٌ على أَنَّ ذلك الخرير كان تسبيحًا بحمد الله لا بشىء آخر .
(١) هو سويد بن أبى كاهل اليشكرى . من قصيدة مفضلية. والبيت فى وصف ثغر المرأة
وأسنانها .
(٢) الآية ٢٥ سورة النساء.
(٣) أى تخلفت باختيارها. وفى القاموس: ((تخلفت عن صواحبها وانفردت)) وبهذا يخالف
المعنى الثانى ، فإن تخلفها فيه عن عجز .
(٤) جاء فى القاموس الكسر أيضا ، بل هو الأصل .
(٥) الآية ١٥ سورة السجدة .
- ٥٣١ -

٩ - بصيرة فى الحرب والخروج
خَرِب المكانُ خرابًا ضِدّ عَمَر . وقد أُخربه غيره وخَربه . قال تعالى :
(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ(١)) فتخريبهم بأيديهم إنما كان لئلا تبقى للنِّىّ
صلَّى الله عليه وسلّم وأصحابه ، وقيل : بل بإجلائهم عنها .
والخروج : البُرُوز . يقال: خرج إذا برز من مقرّه وحاله ، سواء كان
مقرّه دارا أَو بلذا أو ثوبا ، وسواء كان حاله حالًا فى نفسه أو فى أسبابه
الخارجة ، والإخراج أكثر ما يقال فى الأعيان . ويقال فى التكوين الَّذى
هو من فعل الله تعالى نحو (فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِن نَبَاتٍ شَتَّى (٢)) والتخريج
أكثر ما يقال فى العلوم والصّناعات. وقيل لِمَا يخرج من الأرض ومن كراء
الحيوان ونحو ذلك: خَرْج وخَرَاجِ. قال تعالى: ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا
فَخَرَاج ربِّك خَيْرُ (٣)) فإضافته إلى الله تنبيه أَنَّه هو الذى ألزمه وأوجبه.
والخَرْجِ أَعمّ من الخراج. وجُعِل الخَرْج بإزاءِ الدَّخْل. والخَرَاج مختصّ
فى الغالب بالضريبة على الأرض. وقيل: العبد يؤدّى خَرْجه (٤) أَى غَلَّته،
والرّعِيَّةُ تؤدّى إِلى الأَمير الخَرَاج. وقيل: الخراج (٥) بالضَّمان، أَى
(١) الآية ٢ سورة الحشر وقد قرأ: ((يخربون)) بالتشديد أبو عمرو، وقرأ الباقون
بسكون الخاء من الاخراب .
(٣) الآية ٥٣ سورة طه .
(٤) الآية ٧٢ سورة المؤمنين.
(٣) أى يؤديه الى سيده على حسب اتفاقه معه .
(٥) فى التاج فى المادة: قال الجلال فى التخريج : هذا الحديث صححه الترمذى وابن
حبان والحاكم وابن القطان والمنفرى والذهبى، وضعفه البخارى وأبو حاتم وابن حزم . وجزم
فى موضع آخر بصحته، وقال: هو حديث صحيح أخرجه الشافعى وأحمد وأبو داود
والترمذى والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث عائشة رضى الله منها. قال شيخنا :
وهو من كلام النبوة الاولى الجامع . واتخذه الأئمة المجتهدون، والفقهاء الاثبات المقلدون
قاعدة من قواعد الشرع وأصلا من أصول الفقه ، بنوا عليه فروعا واسعة مبسوطة .
-
-٣٢

ما يخرجُ من مال البائع فهو بإزاء ما سقط عنه من الضمان (١). والخارجىّ:
الذى يَخْرج(٢) بذاته عن أحوال أقرانه . والخوارج سُمّوا به لكونهم
خارجين عن طاعة الإمام .
١٠ - بصيرة فى الخرص والخرق
الخَرْص: حَزْرُ الثمرة، والاسم الخِرْص بالكسر . والخَرْصُِ أَيضًا : الكذب .
وكلّ قول قيل بالظّنّ . والخِرص - بالكسر - بمعنى المخروص كالنّقْضِ
بمعنى المنقوض .
وقوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّايَخْرُصُونَ (٣) ) قيل: معناه يكذبون . وقوله
تعالى: ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (٤)) قيل: لُعن الكذَّابون. وحقيقة ذلك أَنَّ كُلَّ
قول عن ظنَّ وتخمين يقال له خَرْص، سواءً كان ذلك مطابقًا للشىءٍ(٥)
أَو مخالفًا له، من حيث إِنَّ صاحبه لم يقُله عن علم ولا غلبة ظن ولاسماعٍ ،
بل اعتَمَد فيه على الظنّ والتخمين كفعل الخارص فى خَرْصه . وكلُّ من
قال قولًا على هذا النَّحو يسمّى (٦) كاذبًا وإِن كان مطابقًا للقول المخبَر به
بیان هذا أن الرجل لو اشترى بقرة مثلا وانتفع بلبنها وعملها ثم اطلع على عيب فيها
فردها فليس عليه أن يرد غلّتها حين كانت عنده، كما أن البقرة لو تلفت عنده فانه يضمنها ولا
يعود على البائع بثمنها، فالخراج أى منفعة المبيع للمشترى ، فى مقابل ضمانه لو تلف
عنده . ويوافق هذا قاعدة الغنم بالقرم .
(١) فى الراغب: ((ضمان المبيع)).
(٢) وهو الذى يقال له العصامى ...
(٣) الآية ١١٦ سورة الانعام. وورد فى آيات أخرى.
(٤)
الآية ١٠ سورة الذاريات .
فى الأصلين: ((لشىء)) وما أثبت من الراغب .
(٥)
(٦) فى الراغب: ((قد يسمى))."
- ٥٣٣ -

كما حكى عن المنافقين فى قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ (١)) إلى قوله (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)
والخَرْق : قطع الشَّىء على سبيل الفساد من غير تفكر ولا تدبّر .
وهو ضدّ الخَلْق فإِنّ الخلق هو فعل الشىء بتقدير ورِفق ، والخَرْق بغير تقدير.
قال تعالى: (وخَرَقُوا له بَئِيْنَ وبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ (٢)) أَى حكموا بذلك على
سبيل الخَرْق . وباعتبار القطع قيل : خَرْق الثوب وتخريقه .
وقوله تعالى : (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ (٣)) فيه قولان: أحدهما لن تقطع،
والآخر لن تَنْقُب(٤) الأرض إلى الجانب الآخر اعتبارًا بالخرق(٥) فى الأذن ،
وباعتبار ترك التقدير قيل : رجل أَخرق وخَرِق وامرأة خرقاءُ . وشُبّه بها
الرّيح فى تعسّف مرورها فقيل: رِيح خرقاء. وفى الحديث (( ما كان
الخُرْق فى شىء قَطَّ إِلَّا شانه، وما كان الرّفق فى شىء قطّ إِلَّا زانه (٦)،
(١) صدر سورة المنافقين .
(٢) الآية ١٠٠ سورة الانعام.
(٣) الآية ٣٧ سورة الاسراء .
(٤) كذا فى الأصلين. وفى الراغب والتاج: ((تثقب)).
(٥) جاء هذا فى الراغب بعد أن مهد له بقوله: ((وقيل لثقب الاذن: خرق. وصبى
.
أخرق ، وامرأة خرقاء مثقوبة الاذن ثقبا واسعا»
(٦) ورد فى الجامع الصغير باسناد صحيح بلفظ: ما كان الرفق فى شىء إلا زانه، ولا نزع
من شيء إلا شانه )» .
- ٥٣٤ -

١١ - بصيرة فى الخزن والخزى
الخَزْن: حفظ الشّىء فى الخِزَانة ، ثمّ يعبّر به عن كلَّ حِفظٍ كحِفِظ
السر ونحوه .
وقوله تعالى: (وِلَّهِ خَزَائِنُ السّمَوَاتِ والأَرْضِ(١)) إشارة منه إلى قدرته
تعالى على ما يريد إيجاده، أو إلى الحالة الَّى أَشار إليها بقوله صلَّى الله عليه
وسلَّم ((فرغ (٢) ربّكم من الخَلْقِ والخُلُقَ والأَجَلِ والرّزق)) وقوله تعالى:
( وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(٣)) قيل معناه: حافظين له بالشِّكر ، وقيل: هو
إشارة إلى ما أَنْبَأَ عنه قوله: (أَفَرَّأَيْتُمُ المَاءِ الَّذِى تَشْرَبُونَ. أَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ
مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ(٤)). والخَزَنة جمع الخازن. وقوله تعالى:
(وَلَّا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِى خَزَائِنُ اللهِ(٥) ) أَى مَقْدوراته الَّتى مُنِعَ النَّاسُ عنها،
لأنّ الخَزْن ضرب من المنع ، وقيل : جوده الوسيعُ وقدرته . وقيل هو
قوله : كن . والخَزْنَ فىِ اللَّحم: الادخار فكُنِى به عن نَتْنِهِ
الخِزْى : الانكسارُ من الوقوع فى بَلِيَّةٍ وشُهْرة . وقد خِزِىَ کرضِى خِزْبًا
- بالكسر - وخَزَّى، واخْزَوَى: معناهُ. وأَخزاه الله: فَضَحَهُ. والخَزْيَةِ والخِزْية
(١) الآية ٧ سورة المنافقين ..
(٢) ورد فى الجامع الصغير بلفظ ((فرغ إلى ابن آدم من أربع: الخلق والخلق والرزق
والأجل )) .
(٣) الآية ٢٢ سورة الحجر .
(٤) الابتان ٦٨، ٦٩ سورة الواقعة .
١
(٥) الآية ٣١ سورة هود .
-
٥٣ -

بالفتح والكسر : البلية . وقيل الخِزى: إنكسار يلحق الإنسان إمّا من
نفسه وإِمَّا من غيره. فالَّذى يلحقه من نفسه هو الحياة المفرط ومصدره
الخَزَاية، ورجل خَزْيان وامرأةٍ خَزْيا. وفى الحديث: ((اللَّهمّ احشُرنا غير
خَزَابًا ولا نادمين)) والَّذى يلحقه من غيره يقال هو ضرب من الاستخفاف(١)
ومصدره الخِزْى ورجل خَز . وأَخْزَى يقال من الخَزَاية والخِرْی جمیعًا
وقوله تعالى: ( يوم لا يُخْرِى اللهُ النَّبيّ والَّذِينَ آمَنُوا (٢)) هو من الخِرِى
أقربُ ، وإن جاز أَن يكون منهما جميعًا. وقوله: (رَبِّنَا إِنَّكَ(٣) مَنْ تُدْخِل
النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) فمن الخِاية . ويجوز أن يكون من الخِّى . وقوله تعالى:
﴿إِلَّا خِزْىُ فى الحَيَاةِ الدِّنْيَا(٤)) أَى قتل وإهلاك لهم. قوله: (فَأَذَاقَهُمُ
اللهُ الخِزْىَ (٥)) أَى العذاب. (ومِنْ خِزْىٍ يَوْمِئِذٍ(٦)) من عذابه . وقوله تعالى:
( إِنَ الخِزْىَ الْيَوْمَ والسُّوءِ عَلَى الْكَافِرِينَ(٧)) أَى الرّدّ والطَّرد. (كَشَفْنَا
عَنْهُمْ عَذَابَ الخِرْىِ(٨)) أَى الطَّرد. وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْرُونٍ فى
ضَيْفِى (٩)) أَى لا تفضحون. (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ ونَّخْرَى(١٤)) أى نفتضح.
(يَوْمَ لا يُخْزِى اللهُ النبيّ(١١)) أَى لا يهِينه. (وَلَا تُخْرِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ(١٢))
أَى لاتُهِنَّا. ومنه: ( وَلَا تُخْزِنِى يَوْمٌ يُبْعَثُّونَ (١٣)) وقوله (فَقَدْ أَخْرَيْتَهُ (١٤)
كذا فى ب والراغب. وفى أ:« الاستجهاد))
(1)
(٢)
الآية ٨ سورة التحريم .
(٥) الآية ٢٦ سورة الزمر .
(٧) الآية ٢٧ خطورة الشحل.
(٨) الآية ٩٨ سورة يونس ..
(١٠) الآية ١٣٤ سورة طه .
(١٢) الآية ١٩٤ سورة آل عمران.
(١٤) الآية ١٩٢ سورة آل عمران .
(٣) الآية ١٦٢ سورة آل عمران.
الآية ٨٥ سورة البقرة .
(٤)
(٦)
الآية ٦٦ سورة هود .
(٩) الآية ٧٨ سورة هود .
(١١) الآية ٨ سورة التحريم .
(١٣) الآية ٨٧ سورة الشعراء
- ٥٣٦ -

١٢ - بصيرة فى الخسر
والخُسْر والخُسْران فى البيع: انتقاص رأس المال، خَسِر يَخْسَرُ خِسْرا
بالضمّ، وخُسُرا بضمّتين، وحَسَرًا بالتَّحريك وخَسَارا وخسارة وخَسْرًا
- بفتحهنّ - وخُسْرَانًا .
وقوله تعالى: ( وكانَ عاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (١) ) أَى خَسِرت أعمالها.
وقوله تعالى : (إِنَّ الإِنْسَانَ لفِى خُشْر (٢)) أَى لفى عقوبة بذنوبه، قاله
الفراءُ. وقرأَ الأَعرج وعيسى بن عُمَر وأبو بكر (٣) بن عيّاش (لَفِى
خُسُر) بضمّتين، وفيه لغة شاذَّةٍ : خَسَر يَخْسِر مثال ضرب يضرب . ومنه
قراءة الحسن البصرىّ ( ولا تَخْسِرُوا الميزان(٤)) وقرأَ بلال بن أَبِى بُرْدة
( ولا تَخْسَروا) بفتح التاءِ والسّين .
وقوله تعالى: (هل نُنَبَّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (٥)) قال الأخفش : واحِدهم
الأَخسر مثل الأكثر، وقوله ( فجعلناهُمُ الأُخْسَرِينَ(٦)) لأنه محسر سعيُهم
فى جمعهم الحَطب .
والخسران ينسب إلى الإنسان فيقال : خسر فلان ، وإلى الفعل فيقال :
خسرت تجارتُه. ويستعمل ذلك فى المقتنيات النَّفسيّة(٧) كالصّحّة والسّلامة
(١) الآية ٩ سورة الطلاق .
(٢) الآية ٢ سورة العصر.
(٣) هو :قرين حفص فى الاخذ عن عاصم. وهذه الرواية رواية هارون عن أبى بكر، كما فى
البحر المحيط، ولم تأت فى الاتحاف. وفى التاج: ((أبو بكر وابن عباس:)) والصواب
ما هنا .
(٤) الآية ٩ سورة الرحمن.
(٥) الآية ١٠٣ سورة الكهف .
(٦) الآية ٧٠ سورة الانبياء.
(٧) أى التى ترجع الى النفس، يريد غير المادية. وفى التاج: ((النفيسة)).
- ٠٣٧ -

والعقل والإيمان والثّواب. وهو الَّذى جعله الله الخسران المبين . وقوله :
(ولا تُخْسِرُوا المِيزَانَ(١)) يجوز أن يكون إشارة إلى تحرّى العدالة فى الوزن
وترك الحَيْف فيما يتعاطاه من الوزن ، ويجوز أن يكون إشارة إلى تعاطى
مالا يكون ميزانه فى القيامة خاسراً فيكون من قال فيه (وَمَنْ خَفَّتْ (٢)
مَوَازِينُهُ) وكلا المعنيين يتلازمان. وكلّ خسران ذكره الله تعالى فى القرآن
فهو على هذا المعنى الأخير دون الخسران المتعلَّق بالمقتنيات الدّنيويّة والتجارات
الماليّة.
وقيل : ورد الخاسر فى القرآن على سبعة أوجه :
الأوّل : بمعنى العجز والعاجز (ونَحْن عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرونَ(٣)) أَى
لعاجزون .
الثَّانِى: بمعنى الغَبْنِ والخاسر المغبون ( إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ(٤) خَسِروا
أَنْفُسَهِمْ) أَى غَبَنُوها
الثالث الخسران بمعنى: الضلالة (فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مبينًا(٥)) أَی ضلّ
( إِنَّ الإِنْسَانَ لِفِى خُسٍْ (٦)) أَى فى ضلال.
الرّابع: بمعنى نقصان الكيل والميزان (ولا تُخْسِروا الميزَانَ) (وإِذَا كَالُوهُمْ
أَزْ وَزَنُوهُمْ يَخْسِرُونَ(٧)) أَى ينقصون .
الآية ٩ سورة الرحمن .
(١)
الآية ٩ سورة الأعراف ، وورد فى آيات أخر .
(٢)
(٣)
الآية ١٤ سورة يوسف .
(٥) .
الآية ١١٩ سورة النساء .
الآية ٣ سورة المطففين .
(٧)
الآية ٤٥ سورة الشورى .
(٤)
الآية ٢ سورة العصر .
(٦)
- ٥٣٨ -

الخامس بمعنى: ضِدّ الربْح (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئْكَ هُمُ الخَاسِرُونَ(١))
السّادس بمعنى : العقوبة ( وكان عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا(٢) ) أَى عقوبة
(ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ(٣)) أَى من الباقين فى العقوية.
السّابع بمعنى : الهلاك (لنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ(٤)) أَي الهالكين (ذَلِك
هَوَ الْخُسْرَانُ الْمبِين (٥)) اى الهلاك البَيِّنَ (٦). قال:
لدىّ وَلا بَيْنَنَا صِرَةْ
إِذا لم يُكنْ لِمْرِئُ نِعْمَةٌ
ولا نَفْعُ دنْيا ولا آخره
وَلا ◌ِی فی وُدّهِ حاصل
فتلك إِذَا صَفْقَةٌ خاسره
وَأَفْنَيْتُ عُمْرِى على بَابِهِ
الآية ٩ سورة المنافقين .
(٣) الآية ٦٥ سورة الزمر .
الآية ١١ سورة الحج .
(٥)
الآية ٩ سورة الطلاق .
(٢)
الآية ٢٣ سورة الأعراف .
(٤)
(٦) ب: ((المبين)).
- ٥٣٩ -

١٣ - بصيرة فى الخسف والخسا والخشب
قال تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وبدَارِهِ الأَرْضَ (١)) وقرأَ خَفْص ويعقوب وسهم
قوله تعالى: (لَخْسَفَ بِنَا (٢)) والباقون (لخُسِفَ بنا) من خَسَف المكانُ
يخيف خُسوفًا أَى ذهب فى الأرض، وخسف الله به الأُرض اى غيّبه فيها .
وخسوف العين : ذهابها فى الرأس ، وخسوف القمر: كسوفه . وقال ثعلب
كسفت الشمس وخسَّف القمر، هذا أَجود الكلام . وقال أبو حاتم إذا
ذهب بعضها فهو الكسوف ، وإذا ذهب كلّها فهو الخسوف . والخسف :
النقصان .
والخَسْءُ الزجر مع استهانة ، خَسَأْت الكلب فخساً أَى زجرته مستهينًا به
(٣)
فانزجر (٣) .
وقوله تعالى: (كأَنَّهُمْ خُتُبٌ مُسَنَّدَةً(٤)) شُبّهوا بذلك لقلَّةٍ غَنَائهم.
(١) الآية ٨١ سورة القصص.
(٢) الآية ٨٢ سورة القصص .
(٣) الوارد من هذه المادة فى القرآن قوله تعالى فى الآية ١٠٨ من سورة المؤمنين :
(( اخسئوا فيها)) وفى الآية٤ من سورة الملك: ((ينقلب اليك البصر خاسبًا))، وفى
الآية ٦٥ من سورة البقرة (كونوا قردة خاسئين)) وكذا فى الآية ١٦٦ سورة الاعراف.
(٤) الآية ٤ سورة المنافقين.
- ٥٤٠ عب