Indexed OCR Text
Pages 61-80
( ٥٨ ) والمسئلة التاسعة فى لفظ البيعية : اعلم أن اللفظ المأثور عن السلف عند البيعة أن يخطب الشيخ الخطبة المسنونة ، وهى : الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفرة، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد اللّه فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وبارك وسلم . ثم يلقنه الإيمان الإجمالى ، فيقول : قل: آمنت بالله ، وبما جاء من عند اللّه، على مراد الله، وآمنت برسول اللّه جَلالٍ، وبما جاء من عند: رسول اللّه، على مراد رسول اللّه عَل ◌ٍَّ ، وتبرأت من جميع العصيان، وأسلمت الآن وأقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . ثم يقول: قل: بايعت رسول اللّه جَ لالٍ بواسطة خلفائه على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلوة، وإيتاء الزكوة ، وصوم رمضان ، وحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . ثم يقول: قل: بايعت رسول اللّه عَلاله بواسطة خلفاءه على أن لا أشرك بالله شيئاً ، ولا أسرق ، ولا أزنى ، ولا أقتل ، ولا آتى بيهتان أفتریه بين يدى ورجلى ، ولا أعصيه فى معروف . ثم يتلوا الشيخ هاتين الآيتين: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا فى سبيله، لعلكم تفلحون)) ((إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه اللّه فسيؤتيه أجراً عظيما)). ثم يدعوا لنفسه وللتلميذ والحاضرين ، فيقول : بارك الله لنا ولكم ، ونفعنا وإياكم . ولا بأس أن يلقنه فيقول : اخترت الطريقة النقشبندية ، أو القادرية ، أو الحشتية المنسوبة : إلى الشيخ الأعظم والقطب الأفحم خواجه نقشبند ، ( ٥٩ ) أو الشيخ محى الدين عبد القادر الجيلانى ، أو الشيخ محى الدين السنجرى . اللهم أرزقنا فتوحها ، واحشرنا فى زمرة أولياءها ، برحمتك يا أرحم الراحمين . سمعت سيدي الوالد يقول: رأيت رسول اللّه عَلاله فى مبشرة، فبايعته فأخذ عليه الصلاة والسلام يدى بين يديه ؛ فأنا أصافح عند البيعة على هذه الصفة . أما بيعة النساء فبأن يأخذ الشيخ طرف ثوب والتى تبايع طرفه الآخر ، والله أعلم . انتهى كلام الشاه ولى الله الدهلوى قدس الله سره فى كتابه المعروف بالقول الجميل . والمسئلة العاشرة فى كيفية بيعة النساء : أخرج ابن أبى حاتم عن مقاتل: إن هذه الآية نزلت يوم الفتح؛ فبايع رسول اللّه عَ لٍ الرجال على الصفا، وعمر رضى الله عنه بايع النساء تحتها عن رسول اللّه حَ الٍ. وجاء أنه عليه السلام بايع النساء أيضا بنفسه الكريمة . أخرج الإمام أحمد، والنسائى ، وابن ماجة ، والترمذى وصححه، وغيرهم عن أميمة بنت رقية قالت: أتيت النبي صَال} تنبايعه، فأخذ علينا ما فى القرآن أن لا نشرك بالله شيئا حتى بلغ ((ولا بعصينك في معروف)) فقال: فيما استطعن. قلنا: الله ورسوله أرحم بناء من أنفسنا يا رسول اللّه عَا﴾، الاتصافحنا؟ قال: ((إنى لا أصافح النساء؛ إنما قولى لمائة امرأة كقولى لامرأة واحدة » . وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد عن الشعبى قال: كان رسول الله بج لاجل إذا بايع النساء وضع على يده ثوبا. وفى بعض الروايات أنه مجّ تج يبايعهن وبين يديه وأيديهن ثوب قطوى . ومن يثبت ذلك يقول بالمصافحة وقت المبايعة ، والأشهر المعول عليه أن لا مصافحة . وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن عمرو بن . شعيب عن أبيه عن جده قال: ((كان رسول اللّه جَ لٍ إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء ، فغمس يده فيه ، ثم يغمس أيديهن فيه، وكان هذا بدل المصافحة)). والله تعالى أعلم بصحته . كذا فى روح المعانى . ( ٫٦٠) سورة الصف قال: (( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ؟ كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون )) .. قال الإمام أبو بكر الرازى : يحتج به فى أن كل من ألزم نفسه عبادة أو قربة وأوجب على نفسه عقداً لزمه الوفاء به؛ إذ ترك الوفاء به يوجب أن يكون قائلا ما لا يفعل وقد ذم اللّه فاعل ذلك. وهذا فما لم يكن معصية ؛ فأما المعصية فلا يلزم الوفاء به - انتهى . سورة الجمعة فيها آيتان .. الآية الأولى: قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة - إلى آخرها -)) . ق .. وفها مسائل . المسئلة الأولى: قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا)) ظاهر فى أن المخاطب المؤمنون دون الكفار . والمسئلة الثانية : إن الجمعة خاصة بهذه الأمة ، ويوم الإسلام ، وأفضل الأيام ؛ كما وردت به الأحاديث . والمسئلة الثالثة: قوله: ((وإذا نودى للصلوة)) النداء هو الأذان ، وقد بينا جملة منه فى سورة المائدة. وقد كان الأذان فى عهد النبى حَلالٍ فى الجمعة كسائر الأذان فى مؤذن واحد إذا جلس سجَّل ◌ٍّ على المنبر ، وكذلك كان يفعل عمر بالكوفة، ثم زاد عثمان أذانا ثانياً على الزوراء حتى كثر الناس بالمدينة، فإذا سمعوا ( ٦١ ) فِّ له ، ثم يخطب عثمان. أقبلوا حتى إذ جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبى فى الحديث الصحيح أن الأذان كان على عهد النبي صَل ◌ٍّ واحداً، فلما كان زمن عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء. وسماه فى الحديث ((ثالثا)) لأنه إضافه إنى الإقامة؛ كما قال النبى معَّلهُ: ((بين كل أذانين صلوة لمن شاء)) يعنى الأذان والإقامة ، فتوهم الناس أنه أذان أصلى ؛ فجعلوا المؤذنين ثلاثة ثم جمعوهم في وقت واحد، فكان وهما على وهم. ورأيتهم بمدينة السلام يؤذنون بعد أذان المنار بين يدى الإمام تحت المنبر في جماعة ، کما كانوا يفعلون عندنا فى الدول الماضية ؛ وكل ذلك محدث ، كما فى أحكام القرآن لابن العربى . والمسئلة الرابعة: قوله تعالى: ((إذا نودى الصلوة)) مختص بوجوب الجمعة على القريب الذى يسمع النداء ؛ فأما البعيد الذى لا يسمع النداء فلا يدخل تحت الخطاب . والتفضيل فى شروح الحديث وكتب الفقه . والمسئلة الخامسة : قوله تعالى: ((إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله)) دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء والنداء لا يكون إلا بعد دخول الوقت . قال الإمام أبو بكر الرازى: وأما وقت الجمعة فإنه بعد الزوال؛ وروى أنس، وجابر، وسهل بن سعد، وسلمة بن الأكوع ((أن النبي صَلامل كان يصلى الجمعة إذا زالت الشمس)). وروى شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن مسعود وأصحابه الجمعة ضحى ثم قال: ((إنما فعلت ذلك مخافة الحر عليكم)) وروى عن عمر وعلى ((أنهما رضى الله عنهما صلياها بعد الزوال)) .! ولما قال عبد الله: ((إنى قدمت مخافة الحر عليكم)) علمنا أنه فعلها على غير الوجه المعتاد المتعارف بينهم ، ومعلوم أن فعل الفروض قبل أوقاتها لا يجوز لحر ولا لبرد إذا لم يوجد أسبابها ، ويحتمل أن يكون فعلها في أول وقت الظهر الذى هو أقرب أوقات الظهر إلى الضحى، فسماه الراوى ((ضحى)) لقربه منه؛ كما قال النبى حَل ◌ٍّ:((ويتسحر تعالى إلى الغداء المبارك)) فسماه (غداء)) لقربه من ( ٦٢ ) الغداء، وكما قال حذيفة: ((تسحرنا مع رسول اللّه عَل لهمٍ وكان نهاراً)) والمعنى قريب من النهار . ولما اختلف الفقهاء في الذى يلزم من الفرض بدخول الوقت فقال قائمون : فرض الوقت الجمعة والظهر بدل منها ؛ وقال آخرون : فرض الوقت الظهر ، والجمعة بدل منه . استحال أن يفعل البدل إلا فى وقت يصح فيه فعل المبدل عنه ، وهو الظهر . ولما ثبت أن وقتها بعد الزوال ثبت أن وقت النداء لها بعد الزوال كسائر الصلوة . كذا فى أحكام القرآن . والمسئلة السادسة : اتفق فقهاء الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها فى غيره، لأنهم مجمعون على أن الجمعة لا تجوز فى البوادى ومناهل الأعراب ، فقال أصحابنا : هى مخصوصة بالأمصار ، ولا تصح بالسواد . وهو قول الثورى، وعبيد الله بن الحسن . وقال مالك: تصح الجعمة فى كل قرية فيها بيوت متصله وأسواق متصلة ، يقدمون رجلا يخطب ويصلى بهم الجمعة إن لم يكن لهم إمام. وقال الأوازعى : لا جمعة إلا فى مسجد جماعة مع الإمام . وقال الشافعى : إذا كانت قرية مجمتعة البناء والمنازل ، وكان أهلها لا يظعنون عنها إلا ظعن حاجة ، وهم أربعون رجلا حرا بالغا غير مغلوب على عقله : وجبت عليهم الجمعة . قال أبو بكر: روى عن النبى حَ الٍ أنه ((لا جمعة ولا تشريق إلا فى مصر جامع)) . وروى عن على مثله . وأيضا لو كانت الجمعة جائزة في القرى لورد النقل به متواتراً كوروده فى الأمصار ، لعموم الحاجة إليه . وأيضا لما اتفقوا على امتناع جوازها فى البوادى لأنها ليست بمصر وجب مثله فى السواد . وروى أنه قيل لحسن : إن الحجاج أقام الجمعة بالأهواز، فقال : لعن الله الحجاج ! يترك الجمعة فى الأمصار ویقیمها فى خلاقيم البلاد . فإن قيل : روى عن ابن عمر أن الجمعة تجب على من آواه الليل ، وأن أنس بن مالك كان بالطف فربما جمع وربما لم يجمع ، وقيل : من الطف إلى ( ٦٣ ) البصرة أقل من أربع فراسخ ، وأقل من مسيرة نصف يوم . قيل له : إنما هدا كلام فيما حكمه حكم المصر ، فرآى ابن عمر أن ما قرب من المصر فحكمه حكمه ، تجب على أهله الجمعة . وهذا يدل على أنهم لم يكونو يرون الجمعة. إلا في الأمصار أو ما حكمه حكم الأمصار ، كما فى أحكام القرآن للجصاص . والمسئلة السابعة: قوله تعالى: ((وذروا البيع)) اختلف السلف فى وقت النهى عن البيع ، فروى عن مسروق ، والضحاك ، ومسلم بن يسار أن البيع يحرم بزوال الشمس . وقال مجاهد والزهرى : يحرم بالنداء . وقد قيل : إن اعتبار الوقت فى ذلك أولى إذا كان عليهم الحضور عند دخول الوقت ، فلا يسقط ذلك عنهم تأخير النداء ، ولما لم يكن للنداء قبل الزوال معنى دل ذلك على أن النداء الذى بعد الزوال إنما هو بعد ما قد وجب إتيان الصلوة . واختلفوا فى جواز البيع عند نداء الصلوة، فقال أبو حنيفة، وأبو يوسف ، وزفر، ومحمد، والشافعى: البيع باطل. قال أبو بكر: قال الله: (( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)) وقال النبي صَلّم : (( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)) وظاهره يقتضى وقوع الملك للمشترى فى سائر الأوقات، لوقوعه عن تراض. فإن قيل: قال اللّه تعالى: ((ذروا البيع)) قيل له: نستعملهما فنقول : يقع محظور عليه عقد البيع فى ذلك الوقت ، لقوله : ((وذروا البيع)) ويقع الملك بحكم الآية الأخرى والخبر الذى رويناه. وأيضا لما لم يقع النهى بمعنى فى نفس العقد وإنما تعلق بمعنى غيره وهو اشتغال عن الصلوة وجب أن لا يمنع وقوعه وصحته ، كالبيع فى آخر وقت صلوة يخاف فوتها إن اشتغل به ، وهو منهى عنه ولا يمنع ذلك صحته ، لأن النهى تعلق باشتغاله عن الصلوة . وأيضا هو مثل تلقى الجلب ، وبيع حاضر لباد ، والبيع فى أرض المغصوبة ونحوها كونه ههنا عنه لا يمنع وقوعه . وقد روى عبد العزيز الدراوردی عن یزید بن خصیفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبى هريرة ( ٦٤ ) قال: قال رسول اللّه حبلىٍّ: ((إذا رأيتم من يبيع فى المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك! وإذا رأيتم من ينشد ضالة فى المسجد فقولوا: لا رد اللّه عليك !)). وروى محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رسول اللّه حرّك ◌ّ نهى أن يباع فى المسجد، وأن يشترى فيه، وأن تنشد الأشعار . ونهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلوة )) وروى عبد الرزاق قال : حدثنا محمد بن مسلم عن عبد ربه بن عبيد اللّه عن مكحول عن معاذبن جبل قال : قال رسول اللّه حبلال﴾: ((جنبوا مساجد كم مجانينكم وصبيانكم؛ ورفع أصواتكم وسل سيوفكم ، وبيعكم وشراكم ، وإقامة حدودكم، وخصومتكم ؛ وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا مظاهركم على أبوابها)). فنهى النبى عجّ لجٍ عن البيع فى المسجد ، ولو باع فيه جاز لأن النهى تعلق بمعنى فى غير العقد . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . والمسئلة الثامنة: فإن كان نكاحا فقال ابن القاسم فى العتبية: لا يفسخ . قال علمائنا : لأنه نادر . ويقرب هذا من قول ابن الماجشون : يفسخ بيع من جرت عادته بالبيع . وقالوا : إن الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ ، والصحيح فسخ الجميع ؛ لأن البيع إنما منع للاشتغال به ؛ فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا . كذا فى أحكام القرآن لابن العربى . والمسئلة التاسعة : واختلفوا فى عدد من تصح به الجمعة من المامومين ، فقال أبو حنيفة وزفر ومحمد والليث: ثلاثة سوى الإمام ، وروى عن أبى يوسف اثنان سوى الإمام ، وبه قال الثورى . وقال الحسن بن صالح: إن لم يحضر الإمام إلا رجل واحد فخطب عليه وصلى به أجزأهما . وأما مالك فلم يحد فيه شيئا ، واعتبر الشافعى أربعين رجلا . قال أبو بكر: روى جابر أن النبى فَلاٍّ كان يخطب يوم الجمعة فقدم 3 ( ٦٥ ) عير فنفر الناس إليه وبقى معه اثنا عشر رجلا، فأنزل تعالى ((وإذا رأو تجارة أو لهواً انفضوا إليها)). ومعلوم أن النبى ◌َله لم يترك الجمعة منذ قدم المدينة، ولم یذکر رجوع القوم؛ فوجب أن یکون قد صلی باثنى عشر رجلا. ونقل أصحاب السير أن أول جمعة كانت بالمدينة صلاها مصعب بن عمير بأمر النبى فعَّ الّ باثنى عشر رجلا وذلك قبل الهجره . فبطل بذلك اعتبار الأربعين . وأيضا الثلاثة جمع صحيح فهى كالأربعين ، لاتفاقهما فى كونهما جمعا صحيحا ، وما دون الثلاثة مختلف فى كونه جمعا صحيحا ، فوجب الاقتصار على الثلاثة ، وإسقاط اعتبار ما زاد . کذا فی أحكام القرآن للجصاص والمسئلة العاشرة : لا يسقط الجمعة كونها في يوم عيد خلافا لأحمد بن حنبل حين قال: إذا اجتمع عيد وجمعة سقط فرض الجمعة ، لتقدم العيد عليها، واشتغال الناس به عنها . وتعلق فى ذلك بما روى أن عثمان أذن فى يوم العيد لأهل العوالى أن يتخلفوا عن الجمعة . وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه ، والأمر بالسعى متوجه يوم العيد كتوجهه فى سائر الأيام . كذافى أحكام القرآن لابن العربى . والآية الثانية ((وإذا رأو تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً)) فيها ثلاث مسائل : المسئلة الأولى فى سبب نزولها : وفى ذلك ثلاث روايات ، الأولى : ثبت فى الصحيح: كان رسول الله عبد الله فى صلوة الجمعة فدخلت عير إلى المدينة فانفضوا فخرجوا إليها، حتى لم يبق مع النبى عَل ◌ّ غير اثنى عشر رجلا، فنزلت (( وإذا رأو تجارة أو لهواً - الآية كلها -)). الثانية: روى محمد بن على: كان الناس قريبا من السوق فرأو التجارة فخرجوا إليها وتركوا رسول اللّه جد اله يخطب قائماً . وكانت الأنصار إذا كانت لهم عرس يمرون بالكبر يضربون به فخرج إليه ناس، فغضباللّه لرسوله . الثالثة: من حديث مجاهد: نزلت مع دحية الكلبى ( ٦٦ ) تجارة بأحجار الزيت ، فضربوا طبلهم يعرفون باقياً فخرج إليهم الناس يمثله، فعاتبهم اللّه ونزلت الآية، وقال النبى جَ لٍ: ((لو تفرق جميعهم لسال الوادى عليهم ناراً » . المسئلة الثانية : فى هذه الآية دليل على أن الإمام إنما يخطب قائماً ، كذلك كان النبى معَ ◌ّ يفعل ، وأبو بكر ، وعمر . وخطب عثمان قائماً حتى رق فحطب قاعداً . ويروى أن أول من خطب قاعداً معاوية . ودخل كعب بن عجرة المسجد وعبد الرحمن بن الحكم يخطب قاعداً فقال : انظروا إلى هذا الخبيث، يخطب قاعداً والله تعالى يقول: ((وتركوك قائما)). إشارة إلى أن فعل النبى معَالّ فى القربات على الوجوب ، ولكن في بيان المجمل الواجب لا خلاف فيه ، وفى الإطلاق مختلف فيه . وقد قيل : إن معاوية إنما خطب قاعداً لسنه. وقد كان النبي ◌َ ◌ٍّ يخطب قائما ثم يقعد، ثم يقوم ولا يتكلم فى قعدته. رواه جابر بن سمرة ، ورواه ابن عمر فى كتاب البخارى وغيره ..!! المسئلة الثالثة : قال كثير من علمائنا : إن هذا القول يوجب الخطبة ، لأن اللّه تعالى ذمهم على تركها ، والواجب هو الذى يذم تاركه شرعاً حسبما بيناه فى أصول الفقه. وقال ابن الماجشون: إنها سنة. والصحيح ما قد مناه . والله أعلم . كذا فى أحكام القرآن لابن العربى . سورة المنافقون فيها آيتان : الآية الأولى: قوله تعالى: (( إذا جاءك المنافقون قالوا : نشهد إنك لرسول الله - إلى قوله - اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله)) قال أبو بكر الرازى: هذا يدل على أن قوله: ((أشهد)) يمين ، لأن القوم قالوا: ((نشهد)) فجعله الله يمينا بقوله: ((اتخذوا أيمانهم جنة)). وقد اختلف - ( ٦٧ ) الفقهاء فى ذلك ، فقال أصحابنا والثورى والأوزاعى : أشهد ، وأقسم ، وأعزم ، وأحلف : كلها أيمان . وقال زفر: إذا قال : أقسم لأفعلن فهو يمين ، ولو قال : أشهد لأفعلن لم يكن يممينا . وقال مالك : إن أراد بقوله : أقسم أى أقسم بالله فهو يمين ، وإلا فلا شئ، وكذلك أحلف. قال : ولو قال : أعزم لم يكن يمينا إلا أن يقول: أعزم باللّه، ولو قال: على نذر أو قال : نذر لله فهو على ما نوى ، وإن لم تكن له نية فكفارته كفارة يمين . وقال الشافعى : أقسم ليس بيمين ، وأقسم بالله يمين إن أرادها وإن أراد الوعد فليست بيمين . وأشهد باللّه إن نوى اليمين فيمين وإن لم ينو يميناً فليست بيمين . وأعزم باللّه إن أراد يمينا فهو يمين . وذكر الربيع عن الشافعى رحمه الله إذا قال: أقسم أو أعزم ولم يقل : باللّه فهو كقوله: واللّه، وإن قال: أحلف باللّه فلا شئ إلا أن ينوى اليمين . قال أبو بكر: لا يختلفون أن ((أشهد بالله)) يمين فكذلك ((أشهد)) من وجهين ، أحدهما: أن اللّه حكى عن المنافقين أنهم قالوا: ((نشهد إنك لرسول الله)) ثم جعل هذا الإطلاق يميناً من غير أن يقرنه باسم الله، وقال تعالى: ((فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله )) فعبر عن اليمين بالشهادة على الإطلاق . والثانى : أنه لما خرج ذلك مخرج القسم وجب أن لا يختلف حكمه فى حذف اسم الله تعالى وفى إظهاره ، وقد ذكر الله تعالى القسم فى كتابه فأظهر تارةً الاسم وحذفه أخرى، والمفهوم باللفظ فى الحالين واحد بقوله: ((وأقسموا باللّه جهد أيمانهم)) وقال فى موضع آخر: ((إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين)) فحذفه تارةً اكتفاء بعلم المخاطبين بإضاره ، وأظهر أخرى . وروى الزهرى عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عباس أن أبا بكر عبر عند النبي صَل ◌ِّ رؤيا فقال النبى مَل ◌ُّ: أصبت بعضا وأخطأت بعضا، فقال أبو بكر: أقسمت عليك يا رسول الله! لتخبرنى، فقال رسول اللّه عَبلال﴾ : رسم ( ٦٨ ) لا تقسم. وروى أنه قال: والله لتخبر. فجعل النبى مَ ال قوله: ((أقسمت عليك)) يميناً. فمن الناس من يكره القسم لقوله: ((لا تقسم)) ومنهم من لا يرى به بأسا؛ وإنه إنما قال: ((لا تقسم)) لأن عبارة الرؤيا ظن قد يقع فيه الخطأ. وهذا يدل أيضا على أن من علم تأويل الرؤيا فليس عليه الإخبار به لأنه : على® لم يخبر بتأويل هذه الرؤيا. وروى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : كان أبو بكر قد استعمل عمر على الشام ، فلقد رأيتنى وإنما أشد الإبل بأقتابها ، فلما أراد أن يرتحل قال له الناس : تدع عمر ينطلق إلى الشام؟ والله إن عمر ليكفيك الشام وهو ههنا ، قال : أقسمت عليك لما أقمت . وروى عن ابن عباس أنه قال للعباس فيما خاصم فيه عليا من أشياء تركها رسول اللّه عَ لالي بإيثاره: ((أقسمت عليك لما سلمته لعلى)). وقد روى البراء قال: ((أمرنا رسول اللّه جَل ◌ٍّ بإبرار القسم)) وهذا يدل على إباحة القسم، وأنه يمين. وهذا على وجه الندب، لأنه حَلٍّ لم يبرر قسم أبى بكر لما قال: أقسمت عليك . وعن ابن مسعود ، وابن عباس ، وعلقمة ، وإبراهيم ، وأبى العالية ، والحسن : القسم يمين . وقال الحسن وأبو العالية : أقسمت ، وأقسمت باللّه سواء . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . . وادّية الثانية : قوله تعالى : وأنفقوا مما رزقنا كم من قبل أن يأتي أحدكم الموت - الآية -)) روی عبد الرزاق قال : حدثنا سفيان عن أبى حباب عن أبى الضحى عن ابن عباس عن النبى معَ الّ قال: (( من كان له مال تجب فيه الزكاة ومال يبلغه بيت الله ثم لم يحج ولم يزك سأل الرجعة، وتلا قوله تعالى: ((وأنفقوا مما رزقناكم)) الآية . وقد روى ذلك موقوفا على ابن عباس رضى الله عنه، إلا أن دلالة الآية ظاهرة على حصول التفريط بالموت ؛ لأنه لو لم يكن مفرطا ووجب أداؤها من ماله بعد موته لكانت قد تحولت إلى المال ، ولا يؤخذ من تركته بعد موته إلا أن يتبرع به الورثة . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . ( ٦٩ ) سورة الطلاق فيها خمسة عشر مسئلة . المسئلة الأولى فى سبب نزولها: وفيه قولان، أحدهما: إن النبى عَ لاله طلق حفصة رضى الله عنها فلما أتت أهلها انزل الله الآية، وقيل له: ((راجعها؛ فإنها ضوامة قوامة، وهى من أزواجك فى الجنة)) . الثانى: إنها نزلت فى عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عمرو، وطفيل بن الحارث ، وعمرو بن سعيد بن العاص . وهذا كله وإن لم يكن صحيحاً فالقول الأول أمثل، والأصح فيه أنها بيان لفرع مبتدأ . والمسئلة الثانية: إن قوله تعالى: ((فطلقوهن لعدتهن)) يقتضى أنهن اللآتى دخل بهن من الأزواج، لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله: (( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها )). والمسئلة الثالثة: إن قوله تعالى: ((طلقوهن لعدتهن)) اختلفوا ما هذه العدة ؟ فقال مالك والشافعى : هو زمن الطهر ، واللام فيه للتأقيت بمعنى : فى عدتهن، متعلق بقوله: (طلقوهن)) أى طلقوهن فى عدتهن أى فى الوقت الذى يصلح لعدتهن ، وهو الطهر . وقال أبو حنيفة : هو زمن الحيض ، فلا يمكن جعل اللام للتأقيت للإجماع على أن الطلاق فى حالة الحيض منهى عنه ؛ بل يجعل متعلقا بمحذوف دل عليه معنى الكلام؛ فيجعل تقدير الكلام: فطلقوهن مستقبلات لعدتهن أى متوجهات إليها . وإذا طلقت المرأة فى الطهر المتقدم على الحيض فقد طلقت مستقبلة لعدتها ، كقولك : أتيته ليلة بقيت من المحرم أى مستقبلاً لها . وفى قراءة رسول اللّه حد لي ((من قبل عدتهن)) وحينئذ يكون ابتداء العدة من الحيض، لأن الطلاق الواقع فى الطهر قبلها مستقبل لها . (٧٠ ) والمسئلة الرابعة: إن مراد الله تعالى فى قوله تعالى: ((فطلقوهن لعدتهن)) أن وقت الطلاق المأمور به أن يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها وهو أحسن الطلاق ، وأدخله فى السنة . والمسئلة الخامسة: إن قوله تعالى: (فطلقوهن لعدتهن)) منتظم للواحد والثلاث مفرقة فى الأطهار ، لأن إدخال اللام يقتضى ذلك، لقوله تعالى: ((أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل)) قد انتظم فعلها مكررا عند الدلوك ؛ فدل ذلك على معنيين ، أحدهما: إباحة الثلاث مفرقة فى الأطهار ، وإبطال قول من قال : إيقاع الثلاث فى الأطهار المتفرقة ليس من السنة - وهو مذهب مالك ، والأوزاعى، والحسن بن صالح، والليث -. والثانى : تفريقها فى الأطهار وحظر جمعها في طهر واحد، لأن قوله: (لعدتهن)) يقتضى ذلك؛ لا فعل الجميع في طهر واحد، كقوله تعالى: ((لدلوك الشمس)) لم يقتض فعل صلاتين فى وقت واحد؛ إنما اقتضى فعل الصلوة مكررة فى الأوقات . وقيل: إن طلاق السنة من وجهين : أحدهما فى الوقت وهو أن يطلقها طاهراً من غير جماع أو حاملاً قد استبان حملها، والآخر من جهة العدد وهو أن لا يزيد فى الطهر الواحد على تطليقة واحدة ، والوقت مشروط لمن يطلق فى العدة ؛ لأنّ من لا عدة عليها بأن كان طلقها قبل الدخول فطلاقها مباح فى الحيض لقوله تعالى: ((إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، فأباح طلاقها فى كل حال من طهر أو حيض. وقد بينا بطلان قول من قال: إن جمع الثلاث فى طهر واحد من السنة، ومن منع إيقاع الثلاث فى الأطهار المتفرقة ، فى سورة البقرة . فإن قيل : لما جاز طلاق الحامل بعد الجماع كذلك الحائل يجوز طلاقها فى الطهر بعد الجماع . قيل له : لاحظ للنظر مع الأثر واتفاق السلف، ومع ذلك فإن الفرق بينهما واضح، وهو أنه إذا طهرت من حيضتها ثم جامعها لا ندرى لعلها قد حملت من الوطئ وعسى أن لا يريد طلاقها إن كانت حاملاً فيلحقه ( ٧١ ) الندم، وإذا لم يجامعها بعد الطهر فإن وجود الحيض علم لبراءة الرحم فيطلقها وهو على بصيرة من طلاقها. والمسئلة السادسة: إن قوله تعالى: ((لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن)) فيه نهى للزوج عن إخراجها ونهى لها عن الخروج. وفيه دليل على وجوب السكنی لها ما دامت فى العدة، لأن بيوتهن التى نهى الله عن إخراجها هى البيوت التي كانت تسكنها قبل الطلاق ، أمر بتبقيتها فى بيتها ونسبها إليها بسكنى ؛ كما قال : ((وقرن في بيوتكن)) وإنما البيوت كانت للنبى معَّ الّ. ولهذه الآية قال أصحابنا: لا يجوز له أن يسافر بها حتى يشهد على رجعتها . منعوها من السفر فى العدة. قال أبو بكر : ولا خلاف نعلمه بين أهل العلم فى أن على الزوج إسكانها ونفقتها في الطلاق الرجعى، وأنه غير إخراجها من بيتها . كذا في أحكام القرآن للجصاص. والمسئلة السابعة: إن قوله تعالى: ((إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)) روى عن ابن عمر قال : خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة . وقال ابن عباس: إلا أن تبذوا على أهله، فإذا فعلت ذلك حل لهم أن يخرجوها . وقال الضحاك :. الفاحشة المبينة عصيان الزوج . وقال الحسن وزيد بن أسلم : إن تزنى فتخرج للحد . وقال قتادة : إلا أن تنشر ، فإذا فعلت حل إخراجها . قال أبو بكر: هذه المعانى كلها يحتملها اللفظ ، وجائز أن يكون جميعها مراداً؛ فيكون خروجها فاحشة، فإذا زنت أخرجت للحد ، وإذا بذت على أهلها أخرجت أيضا، وقد أمر النبي جَ الّ فاطمة بنت قيس بالانتقال حين بذت على أحمائها . فأما عصيان الزوج والنشوز فإن كان فى البذاء وسوء الخلق الذين يعتذر المقام معها فيه فجائز أن يكون مراداً ، وإن كانت إنما عصت زوجها فى شئ غير ذلك فإن ذلك ليس بعذر فى إخراجها. وما ذكرنا من التأويل المراد يدل على جواز انتقالها للعذر، لأنه تعالى قد أباح لها الخروج للأعذار التى وصفنا . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . سلسلة لباد المسئلة الثامنة : إن قوله تعالى :٠٠, ومن بعد حدود الله فقد ظلم نفسه» يدل على أنه إذا طلق لغير السنة وقع طلاقة وكان ظالما لنفسه بتعدية حدود الله ، لأنه ذكر ذلك عقيب طلاق العدة ، فأبان أن من طلق لغير العدة فطلاقه واقع ، لأنه لو لم يقع طلاقه لم يكن ظالما نفسه . ويدل على أنه أراد وقوع طلاقه مع ظلمه لنفسه قوله تعالى عقيبه: ((لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً)) يعنى أن يحدث له ندم فلا ينفعه ، لأنه قد طلق ثلاثا . وهو يدل أيضا على بطلان قول الشافعى رحمه الله ، فإن إيقاع الثلاث فى كلمة واحدة من السنة؛ لأن اللّه جعله ظالما لنفسه حين طلق ثلاثا وترك اعتبار ما عسى أن يلحقه من الندم بأيانتها، وحكم النبى معَ الٍ على ابن عمر بطلاقه إياها فى الحيض وأمره بمراجعتها، لأن الطلاق الأول كان خطأ فأمره بالرجعة ، ليقطع أسباب الخطأ ويبتدثه على السنة . وزعم قوم أن الطلاق فى حال الحيض لا يقع ، وقد بينا بطلان هذا القول فى سورة البقرة من جهة الكتاب والسنة . وسؤال يونس بن جبير لابن عمر عن الطلاق فى الحيض وذكره الأمر النبى حب الله إياه بالمراجعة، قال: قلت: فيعتد بها؟ قال: ((فمه ؟ أرأيت إن عجز واستحمق))؟ فإن احتج محتج بما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا ابن جريج قال : أخبرنى أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن - مولى عروة - يسئل ابن عمر وأبو الزبير يسمع ، فقال : كيف ترى فى رجل طلق امرأته حائضا ؟ قال : طلق عبد الله بن عمر امرأته وهى حائض على عهد رسول اللّه حَ اله، فسأل عمر رسول اللّه ◌َ اله ، فقال: إن عبد اللّه بن عمر طلق امرأته وهى حائض، فقال عبد الله: فردها على ولم يرها شيئا، وقال : إذا طهرت فليطلق أو ليمسك . قال ابن عمر: فقرأ النبى حَ لّ﴾ ((يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن)). فقال المحتج: فأخبر أنه ردها عليه ولم يرها شيئا ، وذلك يدل على أن الطلاق لم يقع . ( ٧٣ ) فيقال له : ليس فيما ذكرت دليل على أنه لم يحكم بالطلاق ؛ بل دلالته ظاهرة على وقوعه، لأنه قال: (وردها على)) وهو يعنى الرجعة . وقوله: ((ولم يرها شيئا)) يعنى أنه لم بنها منه .. وقد روى حديث ابن عمر عنه عن أنس بن سيرين ، وابن جبير ، وزيد ابن أسلم ، ومنصور عن أبى وائل عنه كلهم يقول فيه: إن النبى معَالّ أمره أن يراجعها حتى تطهر. كذا فى أحكام القرآن للجصاص . والمسئلة التاسعة: إن قوله تعالى: (( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوى عدل منكم )) فيه أمر بالإشهاد عند الرجعة إن اختار أو الفرقة إن اختار ، تبرياً عن الريبة وقطعاً للنزاع . وهذا أمر ندب ، كما فى قوله تعالى: ((وأشهدوا إذا تبايعتم)). وقال أحمد بن حنبل: هو للوجوب، وقال الشافعى فى القديم: إنه للوجوب فى الرجعة . وقال الإمام أبو بكر الرازى: وقد روى عن عمران بن حصين ، وطاوس ، وإبراهيم ، وأبى قلابة : أنه إذا رجع ولم يشهد فالرجعة صحيحة ، ويشهد بعد ذلك . قال أبو بكر : لما جعل له الإمساك أو الفراق ثم عقبه بذکر الإشهاد كان معلوما وقوع الرجعة إذا رجع وجواز الإشهاد بعدها ؛ إذ لم يجعل الإشهاد شرطاً فى الرجعة . ولم يختلف الفقهاء فى أن المراد بالفراق المذكور فى الآية إنما هو تركها حتى تنقضى عدتها، وأن الفرقة تصح وإن لم يقع الإشهاد عليها ، ويشهد بعد ذلك . وقد ذكر الإشهاد عقيب الفرقة ثم لم يكن شرطاً فى صحتها ، كذلك الرجعة . وأيضاً لما كانت الفرقة حقاً له وجازت بغير إشهاد إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره، وكانت الرجعة أيضا حقا له : وجب أن تجوز بغير إشهاد . وأيضاً لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك أو الفرقة احتياطاً لهما ونفياً للتهمة عنها إذ علم الطلاق ولم يعلم الرجعة أو لم يعلم الطلاق والفراق، فلا يؤمن التجاحد بينهما، ولم يكن معنى الاحتياط فيها مقصوراً على الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة ؛ بل يكون الاحتياط باقياً ( ٧٤ ) وإن أشهد بعدهما : وجب أن لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ساعتين . ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً فى صحة وقوع الرجعة بغير شهود إلا شيئاً يروى عن عطاء، فإن سفيان روى عن ابن جريج عن عطاء قال ((الطلاق والنكاح والرجعة بالبينة)). وهذا محمول على أنه مأمور بالإشهاد على ذلك احتياطاً من التجاحد ؛ لا على أن الرجعة لا تصح بغير شهود . ألا ترى أنه ذكر الطلاق معها ، ولا يشك أحد فى وقوع الطلاق بغير بينة ؟ وقد روى شعبة عن مطر الوراق عن عطاء والحكم قالا: ((إذا غشيها فى العدد فغشيانه رجعة)). وقوله تعالى: ((وأقيمو الشهادة للّه)) فيه أمر بإقامة الشهادة عند الحكام على الحقوق كلها ، لأن الشهادة ههنا اسم للجنس وإن كان مذكوراً بعد الأمر بإشهاد ذوى عدل على الرجعة ، لأن ذكرها بعده لا يمنع استعمال اللفظ على عمومه ؛ فانتظم ذلك معنيين : أحدهما الأمر بإقامة الشهادة ، والآخر أن إقامة الشهادة حق للّه تعالى ؛ وأفاد بذلك تأكيده والقيام به . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . والمسئلية العاشرة فى عدة الآيسة والصغيرة: قال الله تعالى: ((واللائى يئسن من المحيض من نساءكم إن ارتيتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن » . قال أبو بكر : قد اقتضت الآبة إثبات الإياس لمن ذكرت فى الآية من النساء بلا ارتياب، وقوله تعالى: ((إن ارتبتم)) غير جائز أن يكون المراد به الارتياب فى الإياس ، لأنه قد أثبت إياسها فى أول الآية ؛ فوجب أن يكون الارتياب فى غير الإياس . واختلف أهل العلم فى الريبة المذكورة فى الآية ، فروى مطرف عن عمرو بن سالم قال: قال أبي بن كعب: يا رسول اللّه - حَّ﴾ٍ - إن عددا من عدد النساء لم تذكر فى الكتاب : الصغار ، والكبار ، وأولات أحمال . فأنزل الله تعالى: ((واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن، وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن)). إن سبب نزول الآية ( ٧٥ ) كان ارتيابهم فى عدد من ذكر من الصغار ، والكبار ، وأولات الأحمال ؛ وأن ذكر الارتياب في الآية إنما هو على وجه ذكر السبب الذى نزل عليه الحكم ، فكان بمعنى: واللائى يئسن من المحيض من نساءكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر. واختلف السلف ومن بعدهم من فقهاء الأمصار فى التى يرتفع حيضتها ، فروى ابن المسيب عن عمر رضى الله عنه قال: ((أيما امرأة طلقت فخاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعت حيضتها فإنه ينتظر بها تسعة أشهر ؛ فإن استبان بها حمل فذلك وإلا اعتدت بعد التسعة الأشهر بثلاثة أشهر ، ثم حلت )) . وعن ابن عباس فى التى ارتفع حيضها سنة قال: ((تلك الريبة)). وروى عمر عن قتادة عن عكرمة فى التى تحيض فى كل سنة مرة قال: ((هذه ريبة ، عدتها ثلاثة أشهر )) . وروی سفيان عن عمرو عن طاوس مثله، وروى عن على وعثمان وزيد بن ثابت أن عدتها ثلاث حيض. روى مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان أنه قال : وكان عند جده حبان امرأنان هاشمية وأنصارية ، فطلق الأنصارية وهى ترضع ؛ فمرت به سنة ثم هلك ولم تحض، فقالت : أنا أرثه و لم أحض، فاختصها إلى عثمان؛ فقضى لها بالميراث، فلامت الهاشمية عثمان، فقال: هذا عمل ابن عمك ، هو أشار علينا بذلك - يعنى على بن أبى طالب - . ورى ابن وهب قال: أخبرنى يونس عن ابن شهاب بهذه القصة قال: وبقيت تسعة أشهر لا تحيض - وذكر القصة - فشاور عثمان عليا وزيداً، فقالا: ((ترثه لأنها ليست من القواعد اللائى قد يئن من المحيض ، ولا من الأبكار اللائى لم يحضن ، وهى عنده على حيضتها ما كانت من قليل وكثير)). وهذا يدل من قولهما أن قوله تعالى: ((إن ارتبتم)) ليس على ارتياب المرأة ولكنه على ارتياب الشاكين فى حكم ! عددهن ، وأنها لا تكون آيسة حتى تكون من القواعد اللاتى لا يرجى حيضهن . وروى عن ابن مسعود مثل ذلك . واختلف فقهاء الأمصار فى ذلك أيضا، فقال أصحابنا فى التى يرتفع حيضها لا لإياس منه فى المستأنف: إن عدتها الحيض حتى ( ٧٦ ) تدخل فى السن التى لا تحيض أهلها من النساء، فتستأنف عدة الآيسة ثلاثة أشهر. وهو قول الثورى ، والليث ، والشافعى . وقال مالك : تنتظر تسعة أشهر ؛ فإن لم تحض فيهن اعتدت ثلاثة أشهر ، فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة أشهر استقبلت ؛ فإن مضت بها تسعة أشهر قبل أن تحيض اعتدت ثلاثة أشهر . وقال ابن القاسم عن مالك : إذا حاضت المطلقة ثم ارتابت فإنما تعتد بالتسعة الأشهر من يوم رفعت حيضتها، لا من يوم طلقت . قال مالك في قوله تعالى: ((إن ارتبتم)) معناه: إن لم تدروا ما تصنعون فى أمرها . وقال الأوزاعى فى رجل طلق امرأة وهى شابة فارتفعت حيضتها فلم تر شيئا ثلاثة أشهر : فإنها تعتد سنة . قال أبو بكر : أوجب الله بهذه الآية عدة الآيسة ثلاثة أشهر، واقتضى ظاهر اللفط أن تكون هذه العدة لمن قد ثبت إياسها من المحيض من غير ارتياب ؛ كما كان قوله تعالى: ((واللائى لم يحضن)) لمن ثبت أنها لم حض، وكقوله : ((وأولات الأحمال أجلهن)) لمن قد ثبت حملها؛ فكذلك قوله: ((واللائى يئن )) لمن قد ثبت إياسها وتيقن ذلك منها؛ دون من يشك فى إياسها .. ثم لا يخلو قوله: ((إن ارتبتم)) من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون المراد الارتياب فى أنها آيسة أو ليست بآيسة، أو الارتياب أنها حامل أو غير حامل، أو ارتياب المخاطبين فى عدة الآيسة والصغيرة. وغير جائز أن يكون المراد الارتياب فى أنها آيسة أو غير آيسة؛ لأنه تعالى قد ثبت من جعل الشهود عدتها أنها آية، والمشكوك فيها لا تكون آيسة لاستحالة مجامعة اليأس للرجاء. إذ هما ضدان لا يجوز اجتماعهما حتى تكون آيسة من المحيض مرجوا ذلك منها؛ فبطل أن يكون المعنى الارتياب فى اليأس . ومن وجه أخرى اتفاق الجميع على أن المسنة التى قد تيقن إياسها من الحيض مرادة بالآية، والارتياب راجع إلى جميع المخاطبين، وهو فى التى قدتيقن إياسها ارتياب المخاطبين في العدة ؛ فوجب أن يكون فى المشكوك فى إياسها مثله ، لعوم اللفظ فى الجمع . وأيضاً فإذا كانت عادتها وهى شابة أنها تحيض فى كل ( ٧٧ ) سنة مرة فهذه غير مرتاب فى إياسها ، بل قد تيقن أنها من ذوات الحيض ، فكيف يجوز أن تكون عدتها سنة مع العلم بأنها غير آيسة وأنهامن ذوات الحيض؟ وتراخى ما بين الحيضتين من المدة لا يخرجها من أن تكون من ذوات الحيض ، فالموجب عليها عدة الشهور مخالف للكتاب، لأن الله تعالى جعل عدة ذوات الأقراء الحيض بقوله تعالى: ((والمطلقات يتربصن بأنفسن ثلاثة قروء)) ولم يفرق بين من طالت مدة حيضتها أو قصرت . ولا يجوز أيضً أن يكون المراد الارتياب فى الإياس من الحمل، لأن اليأس من الحيض هو الإياس من الحبل. وقد دللنا على بطلان قول من رد الارتياب إلى الحيض ؛ فلم يبق إلا الوجه الثالث وهو ارتياب المخاطبين على ما روى عن أبى بن كعب حين سأل النبى معَّجُلٍ حين شك فى عدة الآئسة والصغيرة . وأيضاً لو كان المراد الارتياب فى الإياس لكان توجيه الخطاب إليهن أولى من توجيهه إلى الرجال ، لأن الحيض إنما يتوصل إلى معرفته من جهتها ، ولذلك كانت مصدقة فيه ، فكان يقول : إن ارتبتن أو ارتبيتن ؛ فلما خاطب الرجال بذلك دونهن علام أنه أراد ارتياب المخاطبين فى العدة . وقوله تعالى: ((واللاتى لم يحضن)) يعنى: واللائى لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر ، لأنه كلام لا يستقبل بنفسه ، فلا بد له من ضمير ، وضميره ما تقدم ذكره مظهراً - وهو العدة بالشهور -. كذا فى أحكام القرآن للجصاص . والمسئلة الحادية عشر: إنه قوله تعالى: ((واللائى يحضن)) دليل على أن للمرأ أن ينكح ولده الصغار ، لأنه تعالى جعل عدة من لم يحض من النساء ثلاثة أشهر ، ولا تكون عليها عدة إلا أن يكون لها نكاح ؛ فدل على هذا ذلك الغرض ، وهو بديع فى فنه . كذا فى أحكام القرآن للجصاص . والمسئلة الثانية عشر فى عدة الحامل: قال تعالى: ((وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)) . قال أبو بكر : لم يختلف السلف والخلف بعدهم أن