Indexed OCR Text
Pages 21-40
( ١٨ ) مسكن ، لأنه كلباسه ولباس أهله . وعند الشافعية المراد به من لم يملك رقبة أو ثمنها فاضلا كل منهما عن كفاية نفسه وعياله العمر الغالب نفقة وكسوة وسكنى وأثاثا لا بد منه ، وعن دينه ولو مؤجلا. وقالوا : إذا لم يفضل القن أو ثمنه عما ذكر لاحتياجه لخدمته لمنصب بأبى خدمته بنفسه أو ضحامة كذلك بحيث يحصل له بعتقه مشقة شديدة لا تحتمل عادة ، فلا عتق عليه ؛ لأنه فاقد .. شرعا كمن وجد ماء وهو يحتاجه لعطش . والفرق عندنا - على ما ذكره الرازى فى أحكام القرآن - أنه مأمور فى هذه الحال باستيفاء الماء وإمساكه لعطشه ، واستعماله مخطور عليه ؛ بخلاف الخادم فليس بمأمور بإمساكه وليس بمخطور عليه عند الجميع عتق هذا الرقبة ؛ فعلمنا أنه واجد . والمسئلة الثانية عشر: إن ظاهر قوله تعالى: ((فصيام شهرين منتابعين من قبل أن يتماسا)) يقتضى أنه يجب عليه استيفاء هذه المدة بالصيام قبل الجماع ، فلو جامع فى هذه المدة ليلا أو نهارا عمداً أو خطأ استأنف ، لأنه قد بطلت الكفارة لفوات شرطها . وهو مذهب أبى حنيفة ومالك ، وقال الشافعى : لا يسأنف إذا وطئ ليلا، لأنه ليس مخلا للصوم . والأول أولى وأقرب، لأن الوطئ فى خلال الصوم ليس بالمحل المأذون فيه بالكفارة . المسئلة الثالثة عشر : إن شرط التتابع يدل على أنه يلزم أن لا يكون فى الشهرين صوم رمضان ، وشهر رمضان لا يقع عن الظهار ، لما فيه من إبطال ما أوجب الله تعالى ؛ وأن لا يكون فيها الأيام التى نهى عن الصوم فيها - وهى يوما العيدين وأيام التشريق - لأن الصوم فيها ناقص لسبب النهى، فلا ينوب عن الواجب الكامل . وفى البحر : المسافر فى رمضان له أن يصومه عن واجب آخر ، وفى المريض روايتان (كذا فى الروح ) . المسئلة الرابعة عشر: إن قوله تعالى: ((فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا)) يدخل فيه من لا يستطيع أصل الصيام أولا يستطيع تتابعه بسبب من الأسباب ، ( ١٩ ) ككبر ، أو مرض لا يرجى زواله ، أو فرط شهوة لا يصبر بها عن الجماع. كما يؤيده الحديث الوارد فى ذلك . المسئلة الخامسة عشر: إن ظاهر قوله تعالى: (( فإطعام ستين مسكينا)) أنه لا يشترط التمليك فى كفارة الطعام بل يكنى الإباحة ، وهو مذهب السادة الحنفية . واشترط الشافعية التمليك اعتباراً بالزكاة وصدقة الفطر ، لأن التمليك أدفع للحاجة ، فلا ينوب منابه الإباحة . ونحن نقول : المنصوص عليه هنا هو الإطعام وهو حقيقة فى التمكين من الطعم ، وفى الإباحة ذلك كما فى التمليك ، وفى الزكوة الإيتاء وفى صدقة الفطر ومما للتمليك حقيقة كما فى الهداية . وذكر الوانى أن الإطعام جعل الغير طاعما أى آكلا ، لأن حقيقة طعمت الطعام أكلته والهمزة تعديه إلى المفعول الثانى أى جعلته آكلا ، وأما نحو أطعمتك هذا الطعام فيكون هبة وتمليكا بقرينة الحال . قالو : والضابط أنه إذا ذكر المفعول الثانى فهو للتمليك وإلا فللإباحة . هذا ، والمذكور فى كتب اللغة أن الإطعام إعطاء الطعام وهو أعم من أن يكون تمليكا أو إباحة - انتهى. فلا تغفل ( كذا فى الروح ) . المسئلة السادسة عشر : ذهب الإمام الشافعى رحمه اللّه إلى أنه لا بد من الدفع إلى ستين مسكينا حقيقة ، فلايجزئ الدفع لواحد فى ستين يوما . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجزيه ذلك ، لأن المقصود دفع الحاجة وهو حاصل ، وبتكرر الحاجة يتكرر المسكين حكما ، وستون فى الآية أعم من أن يكون حقيقة وأحكما . كذا فى الروح . المسئلة السابعة عشر : إنه يجوز دفع القيمة عندنا ، ولا يجوز عند الشافعى رحمه الله . قلنا : دفع القيمة هو إطعام حكما ، فمن دفع القيمة إلى الفقير فكأنه وكله لاشتراء الطعام ، وهذا أنفع للفقير وأقرب إلى دفع الحاجة . المسئلة الثامنة عشر : اختلفوا فى مقدار الطعام ، فقال أصحابنا والثورى : لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير. وقال مالك والشافعى: (٢٠ ) لكل مسكين مد واحد . واحتج ابن الهمام للحنفية بأخبار أوردها فى فتح القدير . قال الإمام أبو بكر الرازى : حدثنا محمد بن بكر حدثنا أبو داوود ثنا عثمان بن أبى شيبة ومحمد بن سليمان الأنبارى قالا : حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال: (( كنت امرأ أصيب من النساء - وذكر قصة ظهاره من امرأته وأنه جامع امرأته ، وسأل النبي صَلِّ فقال: حرر رقبة - فقلت: والذي بعثك بالحق ! ما أملك رقبة غيرها ، وضربت صفحة رقبتى . قال : فصم شهرين متتابعين . قال : وهل أصبت إلا من الصيام ؟ قال : فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا . قلت : والذى بعثك بالحق نبيا ! لقد بتنا وحشين وما لنا طعام . قال: فانطلق إلى صاحب صدقة بنى زريق فليدفعها إليك ، فأطعم ستين وسقا من تمر ، وكل أنت .وعيالك بقيتها)). فإن قيل : روى إسمعيل بن جعفر عن محمد بن أبى حرملة عن عطاء بن يسار أن خولة بنت مالك بن ثعلبة ظاهر منها زوجها أوس ابن الصامت فقال النبى جَ جلّ: ((مريه فليذهب إلى فلان، فإن عنده شطر وسق ، فليأخذه صدقة عليه، ثم يتصدق به على ستين مسكينا)). وروى عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحق عن معمر بن عبد الله بن حنظلة عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن خولة ((أن زوجها ظاهر منها فذكرت للنبى حَ له ، فأمره أن يتصدق بخمسة عشر صاعا على ستين مسكين )) . قيل له: قد روينا حديث محمد بن إسحق عن محمد بن عمرو بن عطاء (( وأنه أمره بأن يطعم وسقا من تمر ستين مسكينا )) . وهذا أولى لأنه زائد على خبرك ، وأيضا فجائز أن يكون النبى معَالٍّ : أعانه بهذا القدر ، ولا دلالة فيه على أن ذلك جميع الكفارة . وقد بين ذلك في حدیث إسرائیل عن أبی إسحق عن زيد بن زيد ((أن زوج خولة ظاهر منها - وذكر الحديث - فأعانه رسول اللّه حَلالٍ بخمسة عشر صاعا)). وهذا يدل على أنه أعانه ببعض الكفارة . وقد روى ذلك أيضا فى ( ٢١.) حديث يوسف بن عبد الله بن سلام رواه يحيى بن زكريا عن محمد بن إسحق عن معمر بن عبد اللّه عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال : حدثتنى خولة ابنة مالك بن ثعلبة ((أن رسول اللّه ◌َالالم أعان زوجها حين ظاهر منها بعذق من تمر وأعانته هى بعذق آخر - وذلك ستون صاعا - فقال رسول اللّه جَلالّ: تصدق به)). انتهى كلامه فى كتاب الأحكام (٣ : ٤٢٦ ). وسي . والآية الثانية: قوله تعالى: ((ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول)» فيه تحريم النجوى، وهو تحدث الإثنين سراً بحضرة ثالث (كذافى الإكليل). والآية الثالثة: قال الله تعالى: ((وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله)) روى سعيد عن قتادة عن أنس ((أن رسول اللّه فَلٍ بينما هو جالس بسين أصحابه إذا أتى عليهم يهودى فسلم عليهم فردوا عليه ، قال رسول اللّه : هل تدرون ما قال؟ قالوا : سلم يا نبى الله ، قال : قال : سام عليكم أى تسأمون دينكم)). وقال نبى الله عَل الج: ((إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك - أى عليك ما قلت - )). وحدثنا عبد الباقى بن قانع قال: حدثنا إسحاق بن الحسين قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان عن سهل عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه بَلٍ: ((إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدأوهم بالسلام، واضطرواهم إلى أضيقه)). قال أبو بكر: قد روى في حديث أنس عن النبى عَ ليه ـوسـ أنهم يريدون بقولهم : السام : أنكم تسأمون دينكم . وروى أنهم يريدون به الموت، لأن السام اسم من أسماء الموت . قال أبو بكر: ذكر هشام عن محمد عن أبى حنيفة قال : نرى أن ترد على المشرك السلام ، ولا نرى أن نبدأه . وقال محمد : وهو فول العامة من فقهائنا . وحدثنا معاذ بن المثنى قال : حدثنا عمرو بن مرزوق قال : حدثنا شعبة عن منصور وعن إبراهيم عن علقمة قال: ((صحبنا عبد اللّه فى سفر ومعنا أناس ، ( ٢٢ ) من الدهاقين ، قال : فأخذوا طريقا غير طريقنا ، فسلم عليهم ، فقلت لعبد الله: أليس هذا نكره ؟ قال: إنه حق الصحبة)). قال أبو بكر: ظاهره يدل على أن عبد الله بدأهم بالسلام، لأن الرد لا يكره عند أحد، وقد قال النبى محمد لامٍ: (( إذا سلموا عليكم فقولوا: عليكم)). قال أبو بكر: وإنما كره الإبتداء لأن السلام من تحية أهل الجنة، فكره أن يبدأ به الكافر، إذ ليس من أهلها . ولا يكره الرد على وجه المكافأة، قال الله تعالى: ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحن منها أوردوها)). وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا الحسن بن المثنى قال : حدثنا عثمان قال : حدثنا عبد الواحد قال : حدثنا سليمان الأعمش قال : قلت لإبراهيم : أختلف إلى طبيب نصرانى أسلم عليه ؟ قال: نعم ، إذا كانت لك إليه حاجة فسلم عليه)) - انتهى . كذا فى أحكام القرآن ( ٣ : ٤٢٧ ) . والآية الرابعة: قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس فافسحوا يفسخ الله لكم ، وإذا قيل انشزوا فانشزوا. يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتو العلم درجات )» فيه دليل على رفع العلماء فى المجالس الرفيعة . كذافى الإكليل . قال الإمام أبو بكر الرازى: هذا يدل على أن النبى معَِّلٍّ قد كان يرفع مجلس أهل العلم غيرهم ليبين الناس فضلهم ومنزلتهم عنده، وكذلك يجب أن يفعل بعد النبى صلاله . وقال النبى حَ لّ: ((ليلينى منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم)). فرتب أولى الأحلام والنهى في أعلى المراتب إذا جعلهم فى المرتبة التى تلى النبوة - انتهى . أخرج ابن أبى حاتم عن مقاتل بن حيان: كان النبي صَ لّ يوم الجمعة في الصفة وفى المكان ضيق وكان عليه الصلاة والسلام يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول اللّهِ حَّ لٍ فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ( ٢٣ ) وبركاته، فرد النبى معَلاِّ ، ثم سلموا على القوم فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم، فشق ذلك على رسول اللّهِ عَ اله فقال لبعض من حوله : قم يا فلان ويا فلان ، فأقام نفرا مقدار من قدم ، فشق ذلك عليهم وعرفت كراهية فى وجوههم وقال المنافقون: ما عدل بإقامة من أخذ مجلسه وأحب قربه لمن تأخر عن الحضور . فأنزل الله تعالى هذه الآية: (( يا أيها الذين آمنوا إلخ)). وكان ذلك من لم يفسح تنافساً فى القرب من رسول اللّه ◌َلاٍّ ، ولا تكاد نفس تؤثر غيرها بذلك. كذا فى روح المعانى ( ٢٨ : ٢٥ ). ، وقال القاضى أبو بكر بن العربى: أخبرنا القاضى أبو الحسن بن الكرامى بها أخبر نا عبد الرحمان بن عمر أخبرنا ابن الأعرابی أخبرنا محمد بن بکیر الغلابى حدثنا العباس بن بكار الضبى حدثنا عبد الله بن المثنى الأنصارى عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس قال: ((بينا رسول اللّه حَلٍّ فى المسجد وقد أطاق به أصحابه أيهم يوسع له، وكان أبو بكر جالسا على يمين النبى عجب خل فتزحزح له عن مجلسه وقال: هاهنا يا أبا الحسن، فجلس بين يدى النبى عَ ◌ّ وبين أبى بكر قال : فرأينا السرور في وجه رسول اللّه ، ثم أقبل على أبى بكر فقال: يا أبا بكر إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل)). وفى الصيحح أن عمر بن الخطاب كان يقدم عبد اللّه ابن عباس على الصحابة ، فكلموا فى ذلك ، فدعاهم ودعاه وسألهم عن تفسير ((إذا جاء نصر الله والفتح)) فسكتوا ، فقال ابن عباس : هو أجل رسول اللّه حَاللّه أعلمه اللّه إياه. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. وقد قال مالك: إن الآية في مجلس النبى حَدٍِّّ مجالسنا هذه، وإن الآية عامة فى كل مجلس . رواه عنه ابن القاسم . وقال يحي بن يحيى عنه : إن قوله : ((يرفع الله الذين آمنوا)) الصحابة ((والذين أتوا العلم درجات)) يرفع الله بها العالم والطالب للحق . والعموم أوقع فى المسئلة ، وأولى بمعنى الآية . والله أعلم . كذا فى أحكام القرآن ( ٢: ٢٣٩ - ٢٤٠ ) . . ( ٢٤ ) والآية الخامسة: قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة ، ذلك خير لكم وأطهر ، فإن لم تجدوا فإن اللّه غفور رحيم )) . قال الإمام : فيه مسائل . بسرعة ميله المسئلة الأولى : هذا التكليف يشتمل على أنواع من الفوائد ، أولها : إعظام الرسول عليه السلام وإعظام مناجاته ؛ فإن الإنسان إذا وجد الشئ مع المشقة استعظمه، وإن وجده بالسهولة استحقره . وثانيها : نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة . وثالثها : قال ابن عباس : إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول اللّه بجبل يج حتى شقوا عليه، وأراد اللّه أن يخفف عن نبيه ، فلما نزلت هذه الآية شح كثير من الناس فكفوا عن المسئلة . ورابعها . قال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء على مجلس النبي صَ لٍّ وأكثروا من مناجاته، حتى كره النبى حَل ◌ٍّ طول جلوسهم، فأمر الله بالصدقة عند المناجاة ؛ فأما الأغنياء فامتنعوا ، وأما الفقراء فلم يجدوا شيئاً واشتاقوا إلى مجلس الرسول عليه الصلوة والسلام، فتمنوا أن لو كانوا يملكون شيئاً فينفقونه ويصلون إلى مجلس رسول اللّه حَ لالٍ، فعند هذا التكليف ازدادت درجة الفقراء عند اللّه وانحطت درجة الأغنياء . وخامسها : يحتمل أن يكون المراد منه التخفيف عليه، لأن أرباب الحاجات كانوا يلحون على الرسول ويشغلون أوقاته التى هى مقومة على الإبلاغ إلى الأمة وعلى العبادة . ويحتمل أنه كان فى ذلك ما يشغل قلب بعض المؤمنين لظنه أن فلانا إنما ناجى رسول اللّه معبالج الأمر يقتضى شغل القلب فيما يرجع إلى الدنيا . وسادسها : إنه يتميز به محب الآخر عن محب الدنيا ، فإن المال محك الدواعى . المسئلة الثانية : ظاهر الآية تدل على أن تقديم الصدقة كان واجبا ، لأن الأمر للوجوب ، ويتأكد ذلك بقوله فى آخر الآية: ((فإن لم تجدوا فإن الله ( ٢٥ ) غفور رحيم )) فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده يزول وجوبه . ومنهم من قال : إن ذلك ما كان واجبا ، بل كان مندوبا . واحتج عليه بوجهين، الأول: إنه تعالى قال: ((ذلك خير لكم وأطهر)) وهذا إنما يستعمل فى التطوع لا فى الفرض . والثانى : إنه لو كان ذلك واجبا لما أزيل وجوبه بكلام متصل به، وهو قوله تعالى: ((أ أشفقتم أن تقدموا)). والجواب عن الأول: إن المندوب كما يوصف بأنه خير وأطهر فالواجب. أيضا يوصف بذلك . والجواب عن الثانى: إنه لا يلزم من كون الآيتين متصلين في التلاوة كونها متصلين فى النزول ، وهذا كما قلنا في الآية الدالة على وجوب. الاعتداد بأربعة أشهر وعشرا: إنها ناسخة للاعتداد بحول وإن كان الناسخ متقدما في التلاوة على المنسوخ . ثم اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ ، فقال الكلبى : ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من النهار ثم نسخ. وقال مقاتل بن حيان : بقى ذلك التكليف عشرة أيام ثم نسخ . المسئلة الثالثة: روى عن على عليه السلام أنه قال: ((إن فى كتاب الله. لآية ما عمل بها أحد قبلى ولا يعمل بها أحد بعدى ، كان لى دينار فاشتريت به عشرة دراهم ، فكلما ناجيت رسول الله چێ قدمت بین یدی نجوای درهما ، ثم نسخت؛ فلم يعمل بها أحد)) . وروى عن ابن جريج والكلبى وعطاء عن ابن عباس أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا ، فلم يناجه أحد إلا على عليه السلام تصدق بدينار ، ثم نزلت الرخصة . قال القاضى: والأكثر فى الروايات أنه عليه السلام تفرد بالتصدق قبل مناجاته ، ثم ورد النسخ . وإن كان قد روى. أيضا أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك ، وإن ثبت أنه اختص بذلك فلأن الوقت لم يتسع لهذا العرض ، وإلا فلا شبهة أن أكابر الصحابة لا يقعدون عن مثله . ( ٢٦ ) وأقول : على تقدير أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك ، فهذا لا يجر إليهم طعنا ، وذلك الإقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير ؛ فإنه لا يقدر على مثله فيضيق قلبه ، ويوحش قلب الغنى فإنه لما لم يفعل الغنى ذلك وفعله غيره صار ذلك الفعل سببا للطعن فيمن لم يفعل ، فهذا الفعل لما كان سببا لخزن الفقراء ووحشة الأغنياء ، لم يكن فى تركه كبير مضرة ، لأن الذى يكون سببا لإلفه أولى مما يكون سببا للوحشة. وأيضا فهذه المناجات ليست من الواجبات، ".ولا من الطاعات المندوبة؛ بل قد بينا أنهم إنما كلفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة، ولما كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة لم يكن تركها سببا للطعن . المسئلة الرابعة : روى عن على بن أبى طالب عليه السلام أنه قال : ((لما نزلت هذه الآية دعانى رسول اللّه مح لاه فقال : ما تقول فى دينار؟ قلت : لا يطيقونه، قال: كم؟ قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد)). والمعنى: إنك قليل المال، فقدرت على حسب حالك. أما قوله تعالى: ((ذلك خير لكم وأطهر)) أى ذلك التقديم خير لكم فى دينكم وأطهر، لأن الصدقة طهرة . أما .. قوله: ((فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم)) فالمراد منه الفقراء. وهذا يدل على أن من لم يجد ما يتصدق به كان معفوا عنه . المسئلة الخامسة : أنكر أبو مسلم وقوع النسخ ، وقال : إن المنافقين كانوا يمتنعون من بذل الصدقات ، وإن قوما من المنافقين تركوا النفاق وآمنوا ظاهرا وباطنا وإيمانا حقيقيا ، فأراد الله تعالى أن يميزهم عن المنافقين ، فأمر بتقديم الصدقة على النجوى، ليتميز هؤلاء الذين آمنوا إيمانا حقيقيا عمن بقى على نفاقه الأصلى. وإذا كان هذا التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت لا جرم يقدر هذا التكليف بذلك الوقت . وحاصل قول أبى مسلم : إن ذلك التكليف كان مقدرا بغاية مخصوصة ، فوجب انتهاءه عند الانتهاء إلى غايته المخصوصة ، فلا يكون هذا ( ٢٧ ) نسخا . وهذا الكلام حسن ، ما به بأس . والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ ، القوله: ((أ أشفقتم)) . ومنهم من قال: إنه منسوخ بوجوب الزكاة . كذا فى التفسير الكبير للإمام الرازى رحمه الله تعالى (٨ : ١١٧ - ١١٩). المسئلة السادسة : فى الآية دليل على جواز النسخ بلا بدل ووقوعه ، خلافا لمن أبى ذلك ، كذا في الإكليل : والآية السادسة: قوله تعالى: ((لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر یوادون من حاد الله ورسوله)). استدل به على منع تعزية الكافر ، وأخرج ابن أبى حاتم عن مالك أنه سئل عن مجالسة القدرية وكلامهم ، فنهى عن ذلك وقرأ هذه الآية . كذا في الإكليل . وقال الإمام أبو بكر الرازى: المحادة أن یکون كل واحد منها فى حد وحيز غير حد صاحبه وحزه، فظاهره أن يكون المراد أهل الحرب لأنهم فى حد غير حدنا . فهو يدل على كراهة مناكحة أهل الحرب وإن كانوا من أهل الكتاب، لأن المناكحة توجب المودة، قال الله تعالى: ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة)). كذا فى أحكام القرآن . سورة الحشر فيها آيات . الآية الأولى: قوله تعالى: ((هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر )) . قال مجاهد وقتادة : أول الحشر جلاء بنى النضير من اليهود ؛ فمنهم من خرج إلى خيبر ، ومنهم من خرج إلى الشام . وقال الزهرى : قاتلهم رسول الله - بَّله حتى صالحم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام ، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من شئ إلا الحلقة - والحلقة السلاح - . ( ٢٨ ) قال أبو بكر : قد انتظم ذلك معنيين، أحدهما : مصالحة أهل الحرب على الجلاء عن ديارهم من غير سبى ، ولا استرقاق، ولا دخول في الذمة ، ولا أخذ جزية . وهذا الحكم منسوخ عندنا إذا كان بالمسلمين قوة على قتالهم على الإسلام وأداء الجزية . وذلك لأن اللّه قد أمر بقال الكفار حتى يسلموا أو يودو الجزية ، قال الله تعالى: ((قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله - إلى قوله - حتى يعطوا الجزية عن يدوهم صاغرون)) وقال: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)). فغير جائز إذا كان بالمسلمين قوة قتالهم وإدخالهم فى الذمة أو الإسلام أن يجاوهم ، ولكنه لو عجز المسلمون عن مقاومتهم فى إدخالهم فى الإسلام أو الذمة جاز لهم مصالحتهم على الجلاء عن بلادهم . والمعنى الثانى: جواز مصالحة أهل الحرب على مجهول من المال ، لأن الذى حضاراتلم صالحهم على أراضيهم وعلى الحلقة، وترك لهم ما أقلت وسلم الإبل ، وذلك مجهول . كذا فى أحكام القرآن للجصاص رحمه الله . الآية الثانية: قوله تعالى: ((فاعتبروا يا أولى الأبصار)). استدل به على حجية القياس، وأنه فرض كفاية على المجتهدين ؛ لأن الاعتبار قياس الشئء بالشئ. كذا فى الإكليل . والآية الثالثة: قوله تعالى: (( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله)). قال الإمام : احتج العلماء بهذه الآية على أن حصون الكفرة ودریاهم لا بأس أن تهدم وتحرق وتغرق وتربى بالمجانيق ، وكذلك أشجارهم - انتهى . كذا فى تفسير الكبير. قال الإمام أبو بكر الرازى: إذ غزى جيش المسلمين أرض الحرب فالأول أن يحرقوا شجرهم وزروعهم وديارهم، وكذلك قال أصحابنا فى مواشيهم. وإذا لم يمكنهم إخراجها ذبحت ثم أحرقت . وأما ما رجوا أن يصير فيئا للمسلمين فإنهم إن تركوه ليصير للمسلمين جاز ، وإن أحرقوه غيظا للمشركين جاز ، استدلالا بالآية، وبما فعله النبي جَعَ لّ فى أموال نى النضير. كذا فى أحكام القرآن. ١ ( ٢٩ ) والآية الرابعة: قوله تعالى: « وما أفاء الله على رسوله منهم فما أو جفتم عليه من خيل ولا ركاب )) . وفيه مسائل . المسئلة الأولى: قال ابن العربى: ((ما أفاء الله)) يريد ما رد الله، وحقيقة ذلك أن الأموال فى الأرض للمؤمنين حقا ، فيستولى عليها الكفار من الله بالذنوب عدلا ، فإذا رحم الله المؤمنين وردها عليهم من أيديهم رجعت فى طريقها ذلك ، فكان ذلك فيئا . كذا فى أحكام القرآن (٢ : ٢٤٣). المسئلة الثانية: معنى الآية - على ما قال الإمام قدس اللّه سره .. إن الصحابة طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقسم الفئ بينهم كما قسم الغنيمة بينهم، فذكر اللّه الفرق بين الأمرين؛ وهو أن الغنيمة ما أنفقتم أنفسكم فى تحصيلها وأو جفتم عليها الخيل والركاب ، بخلاف الفئ فإنكم ما تحملتم تعبا ؛ فكان الأمر فيه مفوضاً إلى الرسول عليه السلام يضعه حيث يشاء . ١ ثم ههنا سؤال: وهو أن أموال بنى النضير أخذت بعد المحاصرة والمصالحة على الجلاء ، فوجب أن تكون من جملة الغنيمة لا من جملة الفئ . والجواب : وإنه لم يمكن يومئذ كثير خيل ولا ركاب ولم يقطوا مسافة كبيرة بل مشوا إلى حصون بنى النضير رجالا إلا رسول اللّه حَ لالٍ فإنه كان على حمار أو جمل لأنها قريبة على نحو ميلين من المدينة، فلما حصل ما حصل بغير مشقة" وقتال يعتز بّه أجراه الله مجرى ما لم يحصل فيه المقاتلة أصلا؛ فخص رسول الله مَكُلّ بتلك الأموال. كذا في التفسير الكبير ملخصا . والمسئلة الثالثة: ((ولكن اللّه تعالى يسلط رسله على من يشاء)) المعنى: إن هذه الأموال وإن كانت فيئا فإن الله تعالى خصها لرسوله ، لأن رجوعها . كن برعب ألقى فى قلوبهم دون عمل من الناس ؛ فإنهم لم يتكلفوا سفراً . ( ٣٠ ). ولا تجشموا رحلة ، ولا صاروا عن حالة إلى غيرها ، ولا أنفقوا مالاً . فأعلم الله أن ذلك موجب لاختصاص رسوله بذلك الفئ ، وأفاد البيان بأن ذلك العمل اليسير من الناس فى محاصرتهم لغو لا يقع الاعتداد به فى استحقاق سهم ؛ فكان النبي صَلاّ مخصوصا بها . روى ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان النضرى ((أن عليا والعباس لما طلباعمر مما كان فى يد النبى محمد الٍّ من المال - وذلك بحضرة عثمان وعبد الرحمان بن عوف والزبير وسعد - قال لهم عمر: أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خص رابطوله عنّ له فى هذا الفتى بسهم لم يعطه أحدا غيره وقرأ (( وما أفاء الله على رسوله منهمفما أو جفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن اللّه يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شئ قدير)). فكانت هذه خالصة لرسوله محَ له، وأن اللّه اختارها. والله ما أختارها دونكم، ولا أستأثر بها عليكم - وذكر باقى الحديث -)). فكان رسول اللّه عَ لّه يثيبها وإن كان الله خصه بها . وروى أنه أعطاها المهاجرين خاصة ، ومن الأنصار لأبى دجانة "وسماك بن خرشة وسهل بن حنيف لحاجة كانت بهم . وفى ذلك آثار كثيرة بيناها فى شرح الصحيحين . كذا في أحكام القرآن لابن العربى (٢: ٢٢٤). وروى الزهرى عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب قال : ((كانت أموال بنى النضير فيئا مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول اللّه مَّ الٍّ خاصة، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقى جعله في الكراع والسلاح عدة فى سبيل اللّه)). قال أبو بكر: فهذا من الفئى الذى جعل الأمر فيه إلى رسول اللّه ح له ، ولم يكن لأحد فيه حق إلا من جعله له النبى عَ لّ، فكان النبى عَ لّ ينفق منها على أهله" ويجعل الباقى فى الكراع والسلاح . وذلك لما بينه اللّه في كتابه، وهو أن المسلمين لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب ، ولم يأخذوه عنوة ، أخذوه صلحا . (٣١ ) وكذلك كان حكم فدك وقرى عرينة ، فيما ذكره الزهرى : قد كان للنبى معَّ له من الغنيمة الصفى - وهو ما كان يصطفيه من جملة الغنيمة قبل أن يقسم المال - وكان له أيضا سهم من الخمس، فكان للنبى جَ الج من الفئى هذه الحقوق يصرفها فى نفقة عياله ، والباقى فى نوائب المسلمين ، ولم يكن لأحد فيها حق إلا من يختار هو جَ له أن يعطيه وفى هذه الآية دلالة على أن كل مال من أمول أهل الشرك لم يغلب عليه المسلمون عنوة وإنما أخذ صلحا : إنه لا يوضع فى بيت مال المسلمين ويصرف على الوجوه التى يصرف فيها الخراج والجزية، لأنه بمنزله ما صار للنبى عد له من أموال بنى النضير حين لم يوجف المسلمون عليه . كذا فى أحكام القرآن للجصاص (٣ : ٤٢٩ ) . والآية الخامسة: قوله تعالى: ((ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول)) إلى آخرها فيها مسئلتان . المسئلة الأولى فى بيان حكم الفئ : قال حجة الله على العالمين الشهير بالشاه ولى الله الدهلرى قدس الله سره: اختلف أهل العلم فى تخميس الفى - هو ما صار إلى المسلمين من أموال الكفار من غير إيجاف خيل ولاركاب - فقال الشافعى : يخمس ، ويخمس خمسه على خمسة أقسام كخمس الغنيمة . ويصرف أربعة أخماسه إلى المقاتلة وإلى المصالح . وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الفئ لا يخمس بل مصرف جميعها واحد ، وإليه كان يذهب عمر رضى الله عنه ؟ فإنه قال : ((ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، وللفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم، والذين جاءوا من بعدهم)) . فاستوعبت هذه الناس ، فلم يبق أحدمن المسلمين إلا له فيها حق إلا بعض من تملكون من ١٠ ( ٣٢ ) الأرقاء . فجملة الفئ لجميع المسلمين يصرفها الإمام إلى مصالحهم على ما يراه من الترتيب . ويستحب للإمام أن يضع الديوان كما وضع عمر رضى الله عنه ويحصى جميع من فى البلاد من المقاتلة - وهم من قد احتلم أو استكمل خمس عشرة سنة - ويحصى الذرية والنساء صغيرهن وكبيرهن، ويعرف قدر نَفاقتهن : وما يحتاجون إليه من مئوناتهم بقدر معاش مثلهم فى بلدانهم . ثم يعطى المقاتلة فى كل عام عطاءهم ، والذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم ، ولا يعطى الماليك ولا الأعراب الذين هم أهل الصدقة. ويعطى من الفئ رزق الحكام ، ومن قام بأمر الفئ من وال وكاتب وجندى ممن لا غنى للفئ عنه ، فما فضل وضعه فى إصلاح الحصون ، والازدياد من الصلاح والكراع وكل ما يقوى به المسلمون . واختلفوا فى التفضيل فى القسمة ، فذهب أبو بكر رضى الله عنه إلى التسوية بين الناس، وقال: ((إنما عملوا اللّه وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ)). وقال عمر رضى اللّه تعالى عنه: ((ما أنا أحق بهذه الفئ منكم ، وما أحد منا بأحق به من أحد ، إلا أنا على منازلنا من كتاب اللّه وقسم رسوله ؛ فالرجل وقدمه، والرجل وعياله ، والرجل وعياله ، والرجل وحاجته)) . وكان يفضل أيضا بالنسب والقرب من النبى مح له . وعلى قوله أكثر علماء المسلمين. كذا فى المسوى شرح المؤطا . ! " والأصل فى المصارف أن أمهات المقاصد أمور، منها : إبقاء ناس لا يقدرون على شئ لزمانة ، أو لاحتياج مالهم ، أو بعده منهم . ومنها : حفظ المدينة عن شر الكفار بسد الثغور ، ونفقات المقاتلة والسلاح والكراع . ومنها : تدبير المدينة وسياستها ، وحراستها ، والقضاء ، وإقامة الحدود والحسبة . ومنها : حفظ الملة بنصب الخطباء ، والأئمة ، والوعاظ ، والمدرسين . ومنها : منافع مشتركة ككرى الأنهار ، وبناء القناطير ، ونحو ذلك . وإن البلاد على قسمين قسم تجرد لأهل الإسلام - كالحجاز - أو غلب عليه المسلمون . وقسم أكثر أهلها ( ٣٣ ) الكفار فغلب عليهم المسلمون بعنوة أو صلح، والقسم الثانى يحتاج إلى شئ كثير من جمع الرجال ، وإعداد آلات القتال ، ونصب القضاة والحرس والعمال . والأول لا يحتاج إلى هذه الأشياء كاملة وافرة . وأراد الشرع أن يوزع بيت المال المجتمع فى كل البلاد على ما يلائمها؛ فجعل مصرف الزكاة والعشر ما يكون فيه كفاية المحتاجين أكثر من غيرها ، ومصرف الغنيمة والفئ ما يكون فيه إعداد المقاتلة حفظ الملة وتدبير المدينة أكثر. ولذلك جعل سهم اليتامى والمساكين والفقراء من الغنيمة والفئ أقل من سهمهم من الصدقات ، وسهم الغزاة منها أكثر من سههم منها. ثم الغنيمة إنما تحصل بمعاناه وإيجاف خيل وركاب، فلا تطيب قلوبهم إلا بأن يعطوا منها . والنواميس الكلية المضروبة على كافة الناس لأبد فيها من النظر إلى حال عامة الناس، ومن ضم الرغبة العقلية، ولا يرغبون إلا بأن يكون هناك ما يجدونه بالقتال ، فلذلك كان أربعة أخماسها للغانمين . والفئ إنما يحصل بالرعب دون مباشرة القال فلا يجب أن يصرف على ناس مخصوصين ؛ فكان حقه أن يقدم فيه الأهم فالأسهم ( كذا فى حجة الله البالغة ) . وقال القاضى أبو الوليد رحمه اللّه تعالى : أما الفئ عند الجمهور فهو ما صار للمسلمين من الكفار من الرعب والخوف من غير أن يوجف عليه بخيل أو رجل. واختلف الناس فى الجهة التى يصرف إليها ، فقال قوم: إن الفئ لجميع المسلمين الفقير والغنى ، وإن الإمام يعطى منه للمقاتلة والحكام وللولاة ، وينفق منه فى النوائب التى تنوب المسلمين كبناء القناطر وإصلاح المساجد وغير ذلك ، ولا خمسٍ فى شئ منه . وبه قال الجمهور . وهو الثابت عن أبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما. وقال الشافعى رحمه اللّه تعالى: فيه الخميس، والخمس مقسوم على الأصناف الذين ذكروا فى آية المغانم - وهم الأصناف الذين ذكروا فى الخمس بعينه من الغنيمة - وإن الباقى هو مصروف إلى اجتهاد الإمام ينفق منه على نفسه وعياله . كذا فى هداية المجتهد . ( ٣٤ ) حديث بنى نضير المسئلة الثانية : قال الإمام أبو بكر الرازى : بين اللّه حكم ما لم يوجف عليه المسلمون من الفئ فجعله للنبى معَّ ◌ٍّ على ما قدمنا من بيانه، ثم ذكر حكم الفئ الذى أوجف المسلون عليه ، فجعله هؤلاء الأصناف- وهم الأصناف الخمس المذكورون فى غيرها- وظاهره يقتضى أن لا يكون للغانمين شيء منه إلا من كان منهم من هذه الأصناف . وقال قتادة : كانت الغنائم فى صدور الإسلام لهؤلاء الأصناف ، ثم نسخ بقوله: ((واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه)). قال أبو بكر: لما فتح عمر رضى الله عنه العراق سأله قوم من :الصحابة قسمته بين الغانمين منهم الزبير وبلال وغيرهما ، فقال: إن قسمتها بينهم بقى آخر الناس لا شئ لهم. واحتج عليهم بهذه الآية إلى قوله: ((والذين جاءوا من بعدهم)) . وشاوروا علياً وجماعة من الصحابة فى ذلك ، فأشاروا عليه بترك القسمة وأن يقر أهلها عليها الخراج ففعل ذلك ، ووافقته الجماعة عند إحتجاجه بالآية . وهذا يدل على أن هذه الآية غير منسوخة ، وأنها مضمومة إلى آية الغنيمة فى الأرضين المفتحة؛ فإن رأى قسمتها أصلح للمسلمين وأرد عليهم قسم ، وإن وأى إقرار أهلها عليها وأخذ الخراج منهم فيها فعل ؛ لأنه لو لم تكن هذه الآية ثابتة الحكم فى جواز أخذ الخراج منها حتى يستوى الآخر والأول فيها لذكروه إله وأخبروه بنسخها ، فلما لم يحاجوه بالنسخ دل على ثبوت حكمها عندهم وصحة دلالتها لديهم على ما استدل به عليه، فيكون تقدير الآيتين بمجموعها: ((واعلموا "أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه)) وفى الأموال سوى الأرضين، إذا اختار الإمام ذلك، ((وما أفاء الله على رسوله)) من الأرضين ((فلله وللرسول)) إن اختار تركها على ملك أهلها . ويكون ذكر الرسول ههنا لتفوض الأمر عليه فى صرفه إلى من رأى فاستدل عمر رضى الله عنه من الآية بقوله: ((كيلاً يكون دولة بين الأغنياء منكم)) .وقوله: ((والذين جاءو من بعدهم)) وقال: لو قسمتها بينهم لصارت دولة بين الأغنياء منكم، ولم يكن لمن جاء بعدهم من المسلمين شئء؛ وقد جعل لهم فيها الحق بقوله: ((والذين جاءوا من بعدهم)). فلما استقر عنده حكم دلالة الآية وموافقة ( ٣٥ ) كل الصحابة على إقرار أهلها عليها ووضع الخراج : بعث عثمان بن حليف. وحذيفة بن اليمان فمسحا الأرضين ، ووضع الخراج على الأوضاع المعلومة ، ووضعا الجزية على الرقاب ، وجعلاهم ثلاث طبقات : اثنى عشر، وأربعة وعشرون ، وثمانية وأربعين . ثم لم يتعقب فعله هذا أحد ممن جاء بعده من الأئمة. بالفسخ ؛ فصار ذلك اتفاقا . واختلف أهل العلم فى أحكام الأرضين المفتحة عنوة، فقال أصحابنا والثورى: إذا افتتحها الإمام عنوة فهو بالخيار إن شاء قسمها وأهلها وأموالهم بين الغانمين بعد إخراج الخمس ، وإن شاء أقر أهلهبا عليها وجعل عليها وعليهم الخراج ويكون ملكا لهم، ويجوز بيعهم وشراءهم لها . وقال مالك : ما باع أهل الصلح من أرضهم فهو جائز، وما افتتح عنوة فإنه لا يشترى منهم أحد لأن أصل الصلح من أسلم منهم كان أحق بأرضه وماله . وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة فمن أسلم منهم أحرز له إسلامه نفسه، وأرضه للمسلمين، لأن بلادهم قد صارت فيئا للمسلمين . وقال الشافعى : ما كان عنوة فخمسها لأهله وأربعة أخماسها للغانمين ، فمن طاب نفسا عن حقه للإمام أن يجعلها وقفا عليهم ، ومن لم يطلب نفسا فهو أحق بماله . قال أبو بكر : لا تخلو الأرض المفتتحة عنوة من أن تكون للغانمين لا يجوز للإمام صرفها عنهم إلا بطبيبة من أنفسهم ، أو أن يكون الإمام مخيرا بين إقرار أهلها على أملاكهم فيها ، ووضع الخراج عليها، وعلى رقاب أهلها - على ما فعله عمر رضى الله عنه فى أرض السواد - فلما ائفق الجميع من الصحابة على تصويب عمر فيما فعله فى أرض السواد بعد خلاف من بعضهم عليه على إسقاط حق الغانمين على رقابها دل ذلك على أن الغانمين لا يستحقون ملك الأرضين ولا رقاب أهلها إلا بأن يختار الإمام ذلك لهم ؛ لأن ذلك لو كان ملكا لهم لما عدل عنهم بها إلى غيرهم ، ولنازعوه فى احتجاجه بالآية في قوله : ((كيلا يكون دولة بين الأغنياء ٣٦ منكم)) وقوله: ((والذين جاءوا من بعدهم)) فلما سلم له الجميع رأيه عند احتجاجه بالآية دل على أن الغانمين لا يستحقون ملك الأرضين إلا باختيار الإمام ذلك لهم . وأيضا لا يختلفون أن للإمام أن يقتل الأسرى من المشركين ولا يستبقيهم ، ولو كان ملك الغانمين قد ثبت فيهم لما كان له إتلافه عليهم كما لا يتلف عليهم سائر أموالهم ؛ فلما كان له أن يقتل الأسرى وله يستبقيهم فيقسمهم بينهم ثبت أن الملك لا يحصل للغانمين بإحراز الغنيمة في الرقاب والأرضين إلا أن يجعلها الإمام لهم. ويدل على ذلك أيضا ما روى الشورى عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن حثمة قال: ((قسم رسول اللّه حَ لّ خيبر نصفين، نصفا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما)). فلو كان الجميع ملكا للغانمين فما جعل نصفه للنوائب والحاجات وقد فتحها عنوة. ويدل عليه أن النبى مع الله فتح مكة ، ومن على أهلها فأقرهم على أملاكهم . فقد حصل بدلالة الآية ، وإجماع السلف ، والسنة : تخيير الإمام فى قسمة الأرضين ، أو تركها ملكا لأهلها ، ووضع الخراج عليها . ويدل عليه حديث سهل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى حَ الٍ: ((منعت العراق قفیزها ودرهمها، ومنعت الشام مدادها ودینارها، ومنعت مصرا ردبها ودينارها، وعدتم كما بدأتم. شهد على ذلك لحم أبى هريرة ودمه )). فأخبر عليه السلام عن منع الناس لهذه الحقوق الواجبة للّه تعالى في الأرضين، وأنهم يعودون إلى .حال أهل الجاهلية فى منعها، وذلك يدل على صحة قول عمر رضى الله عنه فى السواد وأن ما وضعه هو من حقوق الله تعالى التى يجب أداءها . فإن قيل : ليس فيما ذكرت من فعل عمر فى السواد إجماع ، لأن حبيب. ابن أبي ثابت وغيره قدرووا عن ثعلبة بن يزيد الحمانى قال: دخلنا على على رضى ( ٣٧ ) الله عنه بالرحبة فقال: ((لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت السواد بينكم)). قيل له: الصحيح عن على رضى الله عنه أنه أشار على عمر رضى الله عنه بترك قسمة السواد وإقرار أهله عليه ، ومع ذلك فإنه لا يجوز أن يصح عن على. ما ذكرت ، لأنه لا يخلو من خاطبهم على بذلك من أن يكونوهم الذين فتحوا السواد فاستحقوا ملكه وقسمته بينهم من غير خبار فيه ، أو أن يكون المخاطبون به غير الذين فتحوه ، أو خاطب به الجيش وهم أخلاط منهم من شهد فتح السواد ومنهم من لم يشهده، وغير جائز أن يكون الخطاب لمن لم يشهد فتحه ، لأن أحداً لا يقول : إن الغنيمة تصرف إلى غير الغانمين ويخرج منها الغانمون؛ وأن يكونوا أخلاطاً فيهم من شهد الفتح واستحق الغنيمة وفيهم من لم يشهد . وهذا مثل الأول ، لأن من لم يشهد الفتح لا يجوز أن يسهم له ، وتقسم الغنيمة بينه وبين الذين شهدوه ؛ أو أن يكون خاطب به من شهد الفتح دون غيره ، فإن كان كذلك وكانوا هم المستحقين له دون غيرهم من غير خيار للإمام فيه فغير جائز أن يجعل حقهم لغيرهم ، لأن بعضهم يضرب وجوه بعض إذا كان أتفى اللّه من أن يترك حقا يجب عليه القيام به إلى غيره لما وصفت ، وعلى أنه لم يخصص بهذا الخطاب الذين فتحوه دون غيرهم . وفى ذلك دليل على فساد هذه الرواية . واختلف الناس بعد ثبوت هذا الأصل الذين ذكرنا وصحة الرواية عن عمر فى كافة الصحابة على ترك قسمة السواد وإقرار أهله عليه ، فقال قائل : أقر على أملاكهم وترك أموالهم فى أيديهم ، ولم يسترقهم ، وهو الذى ذكرناه من وذهب أصحابنا . وقال آخرون: إنما أقرهم على أرضهم على أنهم وأرضهم في للمسلمين ، وأنهم غير ملاك لها . وقال آخرون : أقرهم على أنهم أحرار ، والأرضون موقوفة على مصالح المسلمين . قال أبو بكر: ولم يختلفوا أن من أسلم من أهل السواد كان حرا وأنه ليس لأحد أن يسترقه ، وقد روى عن على رضى الله عنه أن دهقانا أسلم على عهده. :