Indexed OCR Text

Pages 261-280

سورة الغاشية الآية - ٨ - ١٦
السابع: لا يسمع في كلامهم كلمة تلغى، لأن أهل الجنة لا يتكلمون إلا
بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم، قاله الفراء.
﴿فيها سُرُرٌ مرفوعةٌ﴾ والسرر جمع سرير، وهو مشتق من السرور وفي وصفها
بأنها مرفوعة ثلاثة أوجه :
أحدها: لأن بعضها مرفوع فوق بعض.
الثاني: مرفوعة في أنفسهم لجلالتها وحبهم لها، قاله الفراء.
الثالث: أنها مرفوعة المكان لارتفاعها وعلوها .
فعلى هذا في وصفها بالعلو والارتفاع وجهان :
أحدهما: ليلتذ أهلها بارتفاعها، قاله ابن شجرة.
الثاني : ليشاهدوا بارتفاعهم عليها ما أعطوه من مُلك وأوتوه من نعيم، قاله ابن
عیسی .
فأما قوله ﴿وأكوابٌ موضوعةٌ﴾ فالأكواب: الأواني، وقد مضى القول في
تفسیرها .
وفي قوله «موضوعة» وجهان :
أحدهما: في أيديهم للاستمتاع بالنظر إليها لأنها من ذهب وفضة.
الثاني: يعني أنها مستعملة على الدوام، لاستدامة شربهم منها، قاله المفضل.
﴿ونمارقُ مصفوفةً﴾ فیه وجهان:
أحدهما: الوسائد، واحدها نمرقة، قاله قتادة.
الثاني : المرافق، قاله ابن أبي طلحة، قال الشاعر:
وريم أحمّ المقلتين محبّب
زرابيُّه مبثوثةٌ ونمارِقُه.
﴿وزراميُ مبثوثةً﴾ فيها وجهان:
أحدهما: هي البسط الفاخرة، قاله ابن عيسى .
الثاني : هي الطنافس المخملة، قاله الكلبي والفراء.
وفي ((المبثوثة)) أربعة أوجه:
أحدها: مبسوطة، قاله قتادة.
الثاني : بعضها فوق بعض، قاله عكرمة .
٢٦١

سورة الغاشية الآية - ١٧ - ٢٦
الثالث: الكثيرة، قاله الفراء.
الرابع: المتفرقة، قاله ابن قتيبة.
أَفَلاَ يَظُرُونَ إِلَى الْإِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿ وَ إِلَى السَّمَاءِكَيْفَ رُفِعَتْ (٨َ وَ إِلَى الْجِبَالِ
كَيْفَ نُصِبَتْ (9) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (@)
فَيُعَذِّ بُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ
٢٣
◌َّسْتَ عَلَيْهِم بِعُصَيْطِرٍ ﴿ إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ
(٢٦
مَّإِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم
٢٥
اُلْأَكْبَرَ هَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ
﴿أفلا يَنظُرُونَ إلى الإبلِ كيف خُلِقت﴾ الآيات، وفي ذكره لهذه ثلاثة أوجه:
أحدها: ليستدلوا بما فيها من العبر على قدرة الله تعالى ووحدانيته.
الثاني: ليعلموا بقدرته على هذه الأمور أنه قادر على بعثهم يوم القيامة، قاله
یحیی بن سلام.
الثالث: أن الله تعالى لما نعت لهم ما في الجنة عجب منه أهل الضلالة، فذكر
لهم ذلك مع ما فيه من العجاب ليزول تعجبهم، قاله قتادة.
وفي ((الإبل)) هاهنا وجهان :
أحدهما: وهو أظهرهما وأشهرهما: أنها الإبل من النّعَم.
الثاني: أنها السحاب، فإن كان المراد بها السحاب فلما فيها من الآيات الدالة
على قدرة الله والمنافع العامة لجميع خلقه (٣٥٠).
وإن كان المراد بها من النّعَم فإن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوانات، لأن
ضروبه أربعة :
حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة والإبل تجمع هذه الخلال الأربع، فكانت
النعمة بها أعم، وظهور القدرة فيها أتم.
ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَذَكِّرْ إنّما أنت مُذكَّر﴾ فيه وجهان:
أحدهما: إنما أنت واعظ.
الثاني: ذكّرهم النعم ليخافوا النقم.
(٣٥٠) وهو قول أبي العباس المبرد كما في روح المعاني (١١٦/٣٠).
٢٦٢

سورة الغاشية الآية - ١٧ - ٢٦
﴿لَسْتَ عليهم بِمُسَيْطِر﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: لست عليهم بمسلط، قاله الضحاك.
الثاني : بجبار، قاله ابن عباس.
الثالث: برب، قاله الحسن، ومعنى الكلام لست عليهم بمسيطر أن تكرههم
على الإيمان .
ثم قال: ﴿إِلَّ مَن تَولّى وكَفَر﴾ فلست له بمذكر، لأنه لا يقبل تذكيرك، قاله
السدي .
الثاني: إلا من تولى وكفر فكِلْه إلى الله تعالى، وهذا قبل القتال، ثم أمر
بقتالهم، قاله الحسن.
وفي (تولَّى وكفر)) وجهان:
أحدهما: تولى عن الحق وكفر بالنعمة.
الثاني: تولى عن الرسول وكفر باللَّه تعالى، قاله الضحاك.
﴿فُعَذِّبُه اللَّه العذَابَ الَأَكْبَرِ﴾ يعني جهنم.
ويحتمل أن يريد الخلود فيها، لأنه يصير بالاستدامة أكبر من المنقطع.
﴿إِنّ إليْنَا إيابَهُمْ﴾ أي مرجعهم.
﴿ثم إنّ علينا حِسابَهم﴾ يعني جزاءهم على أعمالهم، فيكون ذلك جامعاً بين
الوعد والوعيد ثواباً على الطاعات وعقاباً على المعاصي .
٢٦٣

سورة الفجر الآية - ١ - ١٤
ـلبــ
شُورَةُ الْفَحْز
آياتها
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالْفَجْرِ هَ وَلَيَالٍ عَشْرِ جَ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ جَ وَالَّلِ إِذَا يَسْرِ ﴿ هَلْ فِ ذَلِكَ قَسَمٌ
لّذِىِ حِجْرِهَاأَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦َ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِالَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا
﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِى اُلْأَوْنَادِ الَّذِينَ
وَثَمُودَ اُلَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ
٨
فِى الْبِلَدِ
طَغَوْاْ فِى الْبِلَدِ {فَأَكْثَرُواْ فِيهَا اُلْفَسَادَ ﴿أَفَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ
١٤
◌َ إِنَّ رَبَّكَ لَبِأُ لْمِرْصَادِ!
١٣
قوله تعالى ﴿والفَجْر﴾ قسم أقسم اللَّه تعالى به، وهو انفجار الصبح من أفق
المشرق، وهما فجران (٣٥١): فالأول منهما مستطيل كذنب السرحان يبدو كعمود نور
لا عرض له، ثم يغيب لظلام يتخلله، ويسمى هذا الفجر المبشر للصبح، وبعضهم
یسمیه الكاذب لأنه كذب بالصبح .
وهو من جملة الليل لا تأثير له في صلاة ولا صوم.
وأما الثاني فهو مستطيل النور منتشر في الأفق ويسمى الفجر الصادق لأنه صدقك
عن الصبح، قال الشاعر:
(٣٥١) وذلك لأن النبي ◌َّه يقول فيما رواه ابن خزيمة (٢١٠/٣) وهو صحيح من حديث ابن عباس مرفوعاً،
الفجر فجران فأما الأول فإنه لا يحرم الطعام ولا يحل الصلاة وأما الثاني فإنه يحرم الطعام ويحل
الصلاة .
٢٦٤

سورة الفجر الآية - ١ - ١٤
ناراً بذي الصبح المصدق يخفق
شعب الكلاب الضاريات فزاده
وبه يتعلق حكم الصلاة والصوم، وقد ذكرنا ذلك من قبل.
وفي قسم اللَّه بالفجر أربعة أقاويل :
أحدها: أنه عنى به النهار وعبر عنه بالفجر لأنه أوله، قاله ابن عباس .
الثاني: أن الفجر الصبح الذي يبدأ به النهار من كل يوم، قاله علّي رضي الله
عنه .
الثالث: أنه عنى به صلاة الصبح، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
الرابع: أنه أراد به فجر يوم النحر خاصة، قاله مجاهد.
وفي ﴿وليالٍ عِشْرٍ﴾ - وهي قسم ثان - أربعة أقاويل:
أحدها: هي عشر ذي الحجة، قاله ابن عباس، وقد روى أبو الزبير عن جابر أن
رسول اللَّهُ وَلِّ قال(٣٥٢): ((والفجر وليال عشر))، قال: عشر الأضحى.
الثاني: هي عشر من أول المحرم، حكاه الطبري (٣٥٣).
الثالث: هي العشر الأواخر من شهر، رمضان، وهذا مروي عن ابن عباس.
الرابع: هي عشر موسى عليه السلام التي أتمها اللَّه سبحانه له، قاله مجاهد.
﴿والشّفْعِ والوَتْرِ﴾ وهذا قسم ثالث، وفيهما تسعة أقاويل:
أحدها: أنها الصلاة، فيها شفع وفيها وتر، رواه عمران بن حصين عن
النبي وَلَ (٣٥٤).
(٣٥٢) رواه الطبري (١٦٩/٣٠) وقال الحافظ ابن كثير (٥٠٥/٤) ورواه النسائي عن محمد بن رافع
وعبدة بن عبد الله وكل منهما عن زيد بن الحباب به ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زيد بن
الحباب به وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم وعندي أن المسند في رفعه نكارة والله أعلم أهـ وزاد
السيوطي نسبته في الدر (٥٠٠/٨) لأحمد والبزار وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي
في الشعب.
وقال الهيثمي في المجمع (١٣٧/٧) رواه البزار وأحمد ورجالهما رجال الصحيح غير عياش بن عقبة وهو
ثقة أ هـ وهذا القول اختاره الطبري .
(٣٥٣) جامع البيان (١٦٩/٣٠) وحكاه عن ابن عباس ولكن الإسناد إليه مسلسل بالضعفاء.
(٣٥٤) رواه الطبري (١٧٢/٣٠) وأحمد (٤٤٢/٤) والترمذي (١٧٠/٢) والحاكم (٥٢٢/٢) وصححه
ووافقه الذهبي وفيه نظر فإن الراوي عن عمران شيخ من أهل البصرة مجهول ولم يوثقه إلا ابن حبان.
وزاد السيوطي نسبته في الدر (٥٠٢/٨) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه وقال الحافظ ابن كثير
٢٦٥

سورة الفجر الآية - ١ - ١٤
الثاني: هي صلاة المغرب، الشفع منها ركعتان، والوتر الثالثة، قاله الربيع بن
أنس وأبو العالية.
الثالث: أن الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، رواه أبو الزبير عن جابر عن
النبي ◌َا﴾ (٣٥٥).
الرابع: أن الشفع يوما منى الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة، والوتر
الثالث بعدهما، قاله ابن الزبير.
الخامس: أن الشفع عشر ذي الحجة، والوتر أيام منى الثلاثة، قاله الضحاك.
السادس: أن الشفع الخلق من كل شيء، والوتر هو آدم وحواء، لأن آدم كان
فرداً فشفع بزوجته حواء فصار شفعاً بعد وتر، رواه ابن نجيح .
التاسع : أنه العدد لأن جميعه شفع ووتر، قاله انحسن.
ويحتمل عاشراً: أن الشفع الحيوان، لأنه ذكر وأنثى، والوتر الجماد.
ويحتمل حادي عشر: أن الشفع ما يَنْمى، والوتر مالا يَنْمى(٣٥٦).
﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرٍ﴾ وهذا قسم رابع، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: هي ليلة القدر لسراية الرحمة فيها واختصاصها بزيادة الثواب فيها .
الثاني: هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة اللَّهُ،
وسئل محمد بن كعب عن قوله تعالى ﴿والليل إذا يَسْرٍ﴾ فقال اسْر یا ساري، ولا تبیتنّ
إلا بجمع، يعني بمزدلفة .
الثالث: أنه أراد عموم اللیل کله.
وفي قوله ﴿إذا يسرٍ﴾ ثلاثة أوجه:
أحدها: إذا أظلم، قاله ابن عباس.
(٥٠٦/٤) ((وعندي أن وقفه على عمران أشبه)) قلت: ومما يؤيد قول ابن كثير أن الإمام ابن جرير رواه
موقوفاً عليه (١٧١/٣٠) وزاد السيوطي في الدر (٥٠٢/٨) نسبة الموقوف لعبد الرزاق وعبد بن حميد.
(٣٥٥) رواه ابن جرير (١٧٢/٣٠).
(*) لاحظ أنه لم يذكر القول الثامن.
(٣٥٦) قال الإمام الشوكاني في فتح القدير (٤٣٣/٥) بعد سرد الأقوال: ((ولا يخفاك ما في غالب هذه الأقوال
من السقوط البين والضعف الظاهر والاتكال في التعيين على مجرد الرأي الزائف والخاطر الخاطىء
والذي ينبغي التعويل عليه ويتعين المصير إليه ما يدل عليه معنى الشفع والوترفي كلام العرب وهما
معروفان)) أهـ.
٢٦٦

سورة الفجر الآية - ١ - ١٤
الثاني: إذا سار، لأن الليل يسيربمسير الشمس والفلك فينتقل من أفق إلى
أفق، ومنه قولهم جاء الليل وذهب النهار.
الثالث: إذا سار فيه أهله، لأن السرى سير الليل.
﴿هل في ذلك قَسَمٌ لذي حجْرٍ﴾ وفي ذي الحجر لأهل التأويل خمسة أقاويل:
أحدها: لذي عقل، قاله ابن عباس.
الثاني : لذي حلم، قاله الحسن.
الثالث: لذین دین، قاله محمد بن كعب.
الرابع: لذي ستر، قاله أبو مالك.
الخامس: لذي علم، قاله أبو رجاء.
والحجر: المنع، ومنه اشتق اسم الحجر لامتناعه بصلابته، ولذلك سميت
الحجرة لامتناع ما فيها بها، ومنه سمي حجر المَولَّى عليه لما فيه من منعه عن
التصرف، فجاز أن يحمل معناه على كل واحد من هذه التأويلات لما يضمنه من
المنع.
وقال مقاتل: ((هل)) هاهنا في موضع إنّ، وتقدير الكلام: إن في ذلك قسماً
لذي حِجْر.
﴿ألم تَرَ كيف فَعَل ربُّك بعادٍ * إرَمَ﴾ فيه سبعة أقاويل:
أحدها: أن إرم هي الأرض، قاله قتادة.
الثاني : دمشق (٣٥٧)، قاله عكرمة.
الثالث: الإسكندرية، قاله محمد بن کعب.
الرابع: أن إرم أمة من الأمم، قاله مجاهد، قال الشاعر:
كما سخرت به إرم فأضحوا مثل أحلام النيام(٣٥٨)
الخامس: أنه اسم قبيلة من عاد، قاله قتادة.
(٣٥٧) قال الحافظ ابن كثير (٤ /٥٠٧، ٥٠٨) ومن زعم أن المراد بقوله إرم ذات العماد مدينة دمشق كما
روي عن سعيد بن المسيب وعكرمة أو اسكندرية كما روي عن القرطبي أو غيرهما ففيه نظر ... إلى
أن قال وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية ... الخ.
فراجعه فإن کلامە رصین.
(٣٥٨) قال محقق المطبوعة هكذا ورد في الأصل وهو غير موزون.
٢٦٧

سورة الفجر الآية - ١ - ١٤
السادس: أن إرم اسم جد عاد، قاله محمد بن إسحاق، وحكى عنه أنه أبوه،
وأنه عاد بن إرم بن عوض بن سام بن نوح.
السابع: أن معنى إرم القديمة، رواه ابن أبي نجيح .
الثامن: أنه الهلاك، يقال: أرم بنو فلان، أي هلكوا، قاله الضحاك.
التاسع: أن الله تعالى رمّهم رمّاً فجعلهم رميماً، فلذلك سماهم، قاله
السدي .
﴿ذاتِ العمادِ﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدها: ذات الطّول، قال ابن عباس مأخوذ من قولهم رجل معمّد، إذا كان
طويلاً، وزعم قتادة. أنه كان طول الرجل منهم اثني عشر ذراعاً .
الثاني: ذات العماد لأنهم كانوا أهل خيام وأعمدة، ينتجعون الغيوث(٣٥٩)،
قاله مجاهد .
الثالث: ذات القوة والشدة، مأخوذ من قوة الأعمدة، قاله الضحاك، وحكى
ثور بن يزيد أنه قال(٣٦٠): أنا شداد بن عاد، وأنا الذي رفعت العماد، وأنا الذي
شددت بذراعي بطن السواد(٣٦١)، وأنا الذي كنزت كنزاً على سبعة أذرع لا تخرجه
إلا أمة محمد .
الرابع: ذات العماد المحکم بالعماد، قاله ابن زید.
﴿التي لم يُخْلَقْ مِثْلُها في البلادِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: لم يخلق مثل مدينتهم ذات العماد في البلاد، قاله عكرمة.
الثاني : لم يخلق مثل قوم عاد في البلاد، لطولهم وشدتهم، قاله الحسن.
﴿وثمود الذين جابوا الصّخْرَ بالوادِ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: يعني قطعوا الصخر ونقبوه ونحتوه حتى جعلوه بيوتاً، كما قال تعالى :
(٣٥٩) يعني أنهم كانوا ينتقلون حيث يكون المطر يطلبون الكلأ حيث كان فلا يقيمون في موضع.
(٣٦٠) وهذا الاثر رواه ابن أبي حاتم كما في الفتح (٥٧٢/٨) من طريق وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة
وفيه ألفاط منكرة وعبد الله بن قلابة لا يعرف وفيها أيضاً عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف إلا في روايته عن
العبادلة. راجع أيضاً تفسير ابن كثير (٥٠٨/٤) فتح القدير (٤٣٥/٥).
(٣٦١) هكذا وقع في المطبوعة وهو خطأ والصواب الواد والتصويب من الفتح لابن حجر (٥٧٢/٨)
والقرطبي (٤٧/٢٠).
٢٦٨

سورة الفجر الآية - ١ - ١٤
﴿وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين﴾ قال الشاعر(٣٦٢):
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللَّه باطِلٌ وكلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائلُ
وقال آخر (٣٦٣):
وهم ضربوا في كل صماءَ صعدة
بأيدٍ شديد من شداد السواعد.
الثاني : معناه طافوا لأخذ الصخر بالوادي، كما قال الشاعر (٣٦٤):
ولا رأَيْت قاوصاً قبْلها حَمَلَتْ
ستين وسقاً ولا جابَتْ به بَلَدا.
وأما ((الواد)) فقد زعم محمد بن إسحاق أنه وادي القرى، وروى أبو الأشهب
عن أبي نضرة قال(٣٦٥): أتى رسول اللَّهُ وَّل في غزاة تبوك على وادي ثمود، وهو على
فرس أشقر، فقال: أسرعوا السير فإنكم في وادي ملعون.
﴿وفرعونَ ذِي الأَوْتادِ﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدها: أن الأوتاد الجنود، فلذلك سمي بذي الأوتاد لكثرة جنوده، قاله ابن
عباس.
الثاني: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد يشدها في أيديهم، قاله الحسن،
ومجاهد، قال الكلبي: بمثل ذلك عذب فرعون زوجته آسية بنت مزاحم عندما آمنت
حتى ماتت.
الثالث: أن الأوتاد البنيان فسمي بذي الأوتاد لكثرة بنائه، قاله الضحاك.
الرابع: لأنه كانت له فطال وملاعب على أوتاد وحبال يلعب له تحتها، قاله
قتادة .
ويحتمل خامساً: أنه ذو الأوتاد لكثرة نخله وشجره، لأنها كالأوتاد في الأرض.
﴿فَصَبَّ عليهم ربُّك سَوْطَ عذابٍ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: قسط عذاب كالعذاب بالسوط، قاله ابن عيسى .
(٣٦٢) هو لبيد بن ربيعة وقد تقدم هذا البيت.
(٣٦٣) الطبري (١٧٩/٣٠).
(٣٦٤) هو الزبير حينما نزل الكوفة راجع القرطبي (٤٨/٢٠).
(٣٦٥) وثبت من حديث ابن عمر في البخاري (٨٨/٨) ومسلم (٢٩٨٠) أن رسول الله و # قال: ((لا تدخلوا على
هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم مثل ما
أصابهم)» .
٢٦٩

سورة الفجر الآية - ١٥ - ٢٠
الثاني: خلط عذاب، لأنه أنواع ومنه قول الشاعر (٣٦٦):
أحارثُ إِنّا لو تُساطُ دماؤنا تَزَيّلْنَ حتى لا يَمسَّ دَمٌ دَمَا
الثالث: أنه وجع من العذاب، قاله السدي .
الرابع: أنه كل شيء عذب اللَّهُ به فهو سوط عذاب، قاله قتادة.
وقال قتادة: كان سوط عذاب هو الغرق.
﴿إنّ ربك لبالمرصاد﴾ فيه وجهان :
أحدهما: بالطريق .
الثاني : بالانتظار، كما قال طرفة :
وإنّ المنايا للرجال بمرصَد.
أعاذلُ إنّ الجَهْلَ من لَذِةِ الفتى
فَمَّا آلْإِسَنُ إِذَا مَابْتَئُهُ رَبُُّ فَأَ كْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَقِّبْ أَكْرَ مَنِ ﴿ وَأَمَّ إِذَا مَا
أَبْنَنَّهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنَنِ ﴿ كََّبَل لََّ تُكْرِمُونَ الْيَقِيمَ لَّا وَلَا
١] وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَحْلًا لَّتًّا
تَّضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
١٩
أَ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبَّاجَمَّا لِيّا)
﴿وتأكُلون التّراثَ أَكْلًا لمّأَ﴾ والتراث: الميراث، وفي قوله ((لمّاً) أربعة
تأويلات :
أحدها: يعني شديداً، قاله السدي .
الثاني: يعني جمعاً، من قولهم لممت الطعام لَمّاً، إذا أكلته جمعاً، قاله
الحسن .
الثالث: معناه سفه سفاً، قاله مجاهد.
الرابع: هو أنه إذا أكل مال نفسه ألمّ بمال غيره فأكله، ولا يتفكر فيما أكل من
خبیث وطیب، قاله ابن زید.
ويحتمل خامساً: أنه ألمّ بما حرم عليه ومنع منه .
(٣٦٦) هو الملتمس اللسان مادة ((سيط)) وفي رواية البيت نشاط دماؤنا فتح القدير (٤٣٦/٥) روح المعاني
(١٢٥/٣٠).
٢٧٠

سورة الفجر الآية - ٢١ - ٣٠
﴿وَتُحِبُّونَ المالَ حُبّاً جَمّاً﴾ فيه تأويلان:
(٣٦٧) .
أحدهما: يعني كثيراً، قاله ابن عباس، والجمّ الكثير، قال الشاعر(١٧
إِنْ تَغْفِر اللهم تغْفِرْ جَمًا وأيُّ عبدٍ لك لا أُلَمّاً
الثاني : فاحشاً تجمعون حلاله إلی حرامه، قاله الحسن.
ويحتمل ثالثاً: أنه يحب المال حب إجمام له واستبقاء فلا ينتفع به في دين ولا
دنيا وهو أسوأ أحوال ذي المال.
كَلَّ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكَادَكَ تَ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفَّارَ وَجِأْىّءَ
يَقُولُ يَلَيْتَنِ
يَوْمَيِلِمٍ بِجَهَنَّهُ يَوْمَيِذٍ يَنَذَ كَّرُ اُلْإِنِسَنُ وَأَى لَهُ الذِّكْرَى ﴿ يَـ
وس ورياسوبر سوء
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُوَ أَحَدٌ لْيَأَيَُّهَا
قَدَّمْتُ لِيَاتِ ﴿ فَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٥)
لا
النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ (٣ أرْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٦) فَادْ خُلِ فِى عِبَدِى ﴿ وَأَدْ خُلِ
جَنَِّ
٣٠
﴿يومئذٍ یتذكّرُ الإنسانُ وأنَّی له الذكرى﴾ فیه تأويلان:
أحدهما: يتوب وكيف له بالتوبة، لأن التوبة بالقيامة لا تنفع، قاله الضحاك.
الثاني: يتذكر ما عمل في دنياه وما قدم لآخرته، وأنى له الذكرى في الآخرة،
وإنما ينتفع في الدنيا، قاله ابن شجرة.
﴿يقولُ يا ليتني قَدَّمْتُ لحياتي﴾ فیه وجهان:
أحدهما: قدمت من دنياي لحياتي في الآخرة، قاله الضحاك.
الثاني : قدمت من حياتي لمعادي في الآخرة ذكره ابن عباس.
﴿فيومئذٍ لا يُعَذِّب عذابَه أَحَدٌ * ولا يُوثِقُ وثاقَه أَحَدٌ﴾ قرأ الكسائي (٣٦٨) لا
يعذّب ولا يوثق بفتح الذال والثاء وتأويلها على قراءته لا يعذّب عذاب الكافر الذي
يقول ((يا ليتني قدمت لحياتي)) أحدٌ، وقرأ الباقون بكسر الذال والثاء وتأويلها أنه لا
يعَذِّب عذابَ اللَّه أحدٌ غَفَر اللَّه له، قاله ابن عباس والحسن، فيكون تأويله على
(٣٦٧) تقدم تخريج هذا البيت في سورة النجم.
(٣٦٨) زاد المسير (١٢٢/٩) السبعة لابن مجاهد (ص ٦٨٥) الحجة في القراءات ٧٦٣.
٢٧١

سورة الفجر الآية - ٢١ - ٣٠
القراءة الأولى محمولاً على الآخرة، وعلى القراءة الثانية محمولاً على الدنيا.
﴿يا أيّتُها النّفْسُ المظْمِئِنَّةُ﴾ فيه سبعة تأويلات:
أحدها: يعني المؤمنة، قاله ابن عباس.
الثاني : المجيبة، قاله مجاهد.
الثالث: المؤمنة بما وعد الله، قاله قتادة.
الرابع: الآمنة، وهو في حرف أبيّ بن كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة.
الخامس: الراضية، قاله مقاتل.
السادس: ما قاله بعض أصحاب الخواطر: المطمئنة إلى الدنيا، ارجعي إلى
ربك في ترکها.
السابع: ما قاله الحسن أن الله تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن
اطمأنت النفس إلى الله عز وجل، واطمأن اللَّه إليها.
﴿ارْچعي إلى ربِّكِ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: إلى جسدك عند البعث في القيامة، قاله ابن عباس.
الثاني: إلى ربك عند الموت في الدنيا، قاله أبو صالح.
ويحتمل تأويلاً ثالثاً: إلى ثواب ربك في الآخرة.
﴿راضيةً مَرْضِيً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: رضيت عن اللَّه ورضي عنها، قاله الحسن.
الثاني : رضيت بثواب اللَّه ورضي بعملها، قاله ابن عباس.
﴿فادخلي في عبادي﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: في عبدي، وهو في حرف أبيّ بن كعب: فادخلي في عبدي.
الثاني : في طاعتي، قاله الضحاك.
الثالث: معناه فادخلي مع عبادي، قاله السدي .
﴿وادخلي جنّتي﴾ فيه قولان:
أحدهما: في رحمتي، قاله الضحاك.
الثاني: الجنة التي (٣٦٩) هي دار الخلود ومسكن الأبرار، وهو قول الجمهور.
(٣٦٩) ولا يختلف هذا القول عن قول الضحاك فإن الجنة من رحمة الله تعالى لعباده وفي الحديث القدسي
٢٧٢

سورة الفجر الآية - ٢١ - ٣٠
وقال أسامة بن زيد: بشرت النفس المطمئنة بالجنة عند الموت، وعند البعث وفي
الجنة.
واختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية على أربعة أقاويل :
أحدها: أنها نزلت في أبي بكر (٣٧٠)، فروى ابن عباس أنها نزلت وأبو بكر
جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا، فقال ◌َ له: ((أما أنه سيقال لك هذا)).
الثاني: أنها نزلت في عثمان حين وقف بئر رومة (٣٧١)، قاله الضحاك.
الثالث: أنها نزلت في حمزة، قاله بريدة الأسلمي.
الرابع: أنها عامة في كل المؤمنين، رواه عكرمة والفراء.
الصحيح ((اختصمت الجنة والنار ... الحديث وفيه فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من
أشاء ... الحديث.
(٣٧٠) ورد هذا من مرسل ابن جبير رواه ابن جرير (١٩١/٣٠) وقال ابن كثير (٥١٢/٤) هو مرسل حسن.
(٣٧١) والطريق إلى الضحاك ضعيفة لأن فيها جويبر وهو متروك. وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم كما في
الدر (٥١٣/٨).
٢٧٣

سورة البلد الآية - ١ - ١٠
بيبها
9.
سُورَةُ البَّلِد
آياتها
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيةِ
لَا أُقْسِمُ بِهَ ذَا الْبَلَدِ ﴿ وَأَنْتَ حِلّ ◌ِهَذَا الْبَلَدِ ◌ّ وَ وَالِدٍ وَمَاوَلَ [٥]َلَقَدْ خَلَقْنَا
اُلْإِسَنَ فِي كَبَدٍ ﴿ أَيَحْسَبُ أَن ◌َّنْ يَقْدِرَعَلَيْهِ أَحَدٌ ◌ّ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَا لَا تُبَدًا
أَلَمّ تَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ لَِّأَوَلِسَانًا وَشَفَنَيْنِ
اأَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ لَّ
٩
وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
١٠
قوله تعالى ﴿لا أُقْسِمُ بهذا البَلَد﴾ ومعناه على أصح الوجوه:
أُقْسِم بهذا البلد، وفي ((البلد)) قولان:
أحدهما: مکة، قاله ابن عباس.
الثاني : الحرم كله، قاله مجاهد.
﴿وأنتَ حلِّ بهذا البلدِ﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: حل لك ما صنعته في هذا البلد من قتال أو غيره، قاله ابن عباس
ومجاهد .
الثاني: أنت مُحِل في هذا البلد غير مُحْرِم في دخولك عام الفتح، قاله الحسن
وعطاء .
الثالث: أن يستحل المشركون فيه حرمتك وحرمة من اتبعك توبيخاً للمشركين.
ويحتمل رابعاً: وأنت حالٌ أي نازل في هذا البلد، لأنها نزلت عليه وهو بمكة
٢٧٤

سورة البلد الآية - ١ - ١٠
لم يفرض عليه الإحرام ولم يؤذن له في القتال، وكانت حرمة مكة فيها أعظم، والقسم
بها أفخم.
﴿ووالدٍ وما وَلَدَ﴾ فيه أربعة أوجه.
أحدها: آدم وما ولد (٣٧٢)، قاله مجاهد وقتادة والحسن والضحاك.
الثاني : أن الوالد إبراهيم وما ولد، قاله أبو عمران الجوني .
الثالث: أن الوالد هو الذي يلد، وما ولد هو العاقر الذي لا يلد، قاله ابن
عباس.
الرابع: أن الوالد العاقر (٣٧٣)، وما ولد التي تلد، قاله عكرمة.
ويحتمل خامساً: أن الوالد النبي وَلي، لتقدم ذكره، وما ولد أُمتّه، لقوله عليه
السلام(١٤٥) إنما أنا لكم مثل الوالد أُعلّمكم، فأقسم به وبأمّته بعد أن أقسم ببلده
مبالغة في تشريفه .
﴿لقد خلقنا الإنسانَ في كَبَدٍ﴾ إلى هاهنا انتهى القسم وهذا جوابه وفي قوله
(في كَبَد)) سبعة أقاويل:
أحدها: في انتصاب في بطن أُمّه وبعد ولادته (٣٧٤)، خص الإنسان بذلك
تشريفاً، ولم يخلق غيره من الحيوان منتصباً، قاله ابن عباس وعكرمة.
(٣٧٢) واختار الطبري القول بالعموم (١٦٩/٣٠).
(٣٧٣) وهذا القول بعيد جداً فإن هناك تضاد بين العاقر والوالد فكيف يفسر الوالد بالعاقر.
(*) جزء من حديث رواه أبو داود (رقم ٨) والنسائي (٣/١) وابن ماجه (٣١٣) من حديث أبي هريرة مرفوعاً.
(٣٧٤) قال القرطبي (٦٣،٦٢/٢٠) قال علماؤنا أول ما يكابد قطع سرته ثم إذا أقمط قماطاً وشدَّ رباطاً يكابد
الضيق والتعب ثم يكابد الارتضاع ولو فاته لضاع ثم يكابد نبت أسنانه وتحرك لسانه ثم يكابد الفطام
الذي هو أشد من اللطام ثم يكابد الختان والأوجاع والأحزان ثم يكابد المعلّم وصولته والموت وسياسته
والأستاذ وهيبته ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه ثم يكابد شغل الأولاد والخدمة والأجناد ثم يكابد
شغل الدور وبناء القصور ثم الكبر والهرم وضعف الركبة والقدم في مصائب يكثر تعدادها ونوائب
يطول إيرادها من صداع الرأس ووجع الأضراس ورمد العين وغم الدين، ووجع السن وألم الأذن ويكابد
مختا في المال والنفس مثل الضرب والجبس ولا يمضي عليه يوم إلا ويقاسي فيه شدة ولا يكابد إلا
مشقة ثم الموت بعد ذلك كله ثم مساءلة الملك وضغطة القبر وظلمته ثم البعث والعرض على الله إلى
أن يستقرّ به القرار إما في الجنة وإما في النار قال الله تعالى ((لقد خلقنا الإنسان في كبد)» فلو كان الأمر
إليه لما اختار هذه الشدائد ودل هذا على أن له خالقاً دبره وقضى عليه بهذه الأحوال فليمتثل أمره.
٢٧٥

سورة البلد الآية - ١ - ١٠
الثاني: في اعتدال، لما بيّنه بعد من قوله ﴿ألم نَجْعَلْ له عَيْنَين﴾ الآيات،
حكاه ابن شجرة.
الثالث: يعني من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، يتكبد في الخلق مأخوذ من
تكبد الدم وهو غلظه، ومنه أخذ أسم الكبد لأنه دم قد غلظ، وهو معنى قول مجاهد.
الرابع: في شدة لأنها حملته كرهاً ووضعته كرهاً، مأخوذ من المكابدة، ومنه
قول لبيد (٣٧٥) :
يا عين هلّ بكيْتِ أَرْبَدَ إِذْ قُمْنا وقامَ الخصومُ في كَبَدٍ.
رواه ابن أبي نجيح .
الخامس: لأنه یکابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة، قاله الحسن.
السادس: لأنه خلق آدم في كبد السماء، قاله ابن زید.
السابع: لأنه يكابد الشكر على السّراء والصبر على الضّرّاء، لأنه لا يخلو من
أحدهما، رواه ابن عمر.
ويحتمل ثامناً: يريد به أنه ذو نفور وحميّة، مأخوذ من قولهم لفلان كبد، إذا
كان شديد النفور والحمية .
وفیمن أرید بالإنسان هاهنا قولان:
أحدهما: جميع الناس.
الثاني : الكافر یکابد شبهات.
﴿أَيَحْسَبِ أَنْ لَنْ يَقْدِر عليه أحَدٌ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه اللَّه أن يبعثه بعد الموت، قاله
السدي .
الثاني: أيحسب الإنسان أن لن يسأل عن هذا المال من أين اكتسبه وأين أنفقه،
اله قتادة .
الثالث: أیحسب أن لن يقدر عليه أحد بأخذ ماله، قاله الحسن.
ويحتمل رابعاً: أيحسب أن لن يذله أحد، لأن القدرة علیه ذل له.
﴿یقولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبدا﴾ فیه وجهان:
(٣٧٥) اللسان كبد، الطبري (١٩٨/٣٠) روح المعاني (١٣٥/٣٠).
٢٧٦

سورة البلد الآية - ١ - ١٠
أحدهما: يعني كثيراً.
الثاني: مجتمعاً بعضه على بعض، ومنه سمي اللّبْد لاجتماعه وتلبيد بعضه
على بعض.
ويحتمل ثالثاً: يعني مالاً قديماً، لاشتقاقه من الأبد، أو للمبالغة في قدمه من
عهد لَبِد(٣٧٦)، لأن العرب تضرب المثل في القدم بلبد، وذكر قدمه لطول بقائه وشدة
ضَنِّه به.
وقيل إن هذا القائل أبو الأشد الجمحي، أنفق مالا كثيراً في عداوة رسول
اللَّهِ وَهِ والصد عن سبيل اللَّهُ، وقيل بل هو النضر بن الحارث.
وهذا القول یحتمل وجهین:
أحدهما: أن يكون استطالة بما أنفق فيكون طغياناً منه.
الثاني : أن یکون أسفاً علیه، فیکون ندماً منه.
﴿أُيخسبُ أن لم يره أحدٌ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن لم يره الله، قاله مجاهد.
الثاني: أن لم يره أحد من الناس فيما أنفقه، قاله ابن شجرة.
ويحتمل وجهاً ثالثاً: أيحسب أن لم يظهر ما فعله أن لا يؤاخذ به، على وجه
التهديد، كما يقول الإنسان لمن ينكر عليه فعله، قد رأيت ما صنعت، تهديداً له،
فيكون الكلام على هذا الوجه وعيداً، وعلى ما تقدم تكذيباً.
﴿وَهَدَيْناه النَّجْدَيْنِ﴾ فيهما أربعة تأويلات:
أحدها: سبيل الخير والشر (٣٧٧)، قاله علي رضي اللَّه عنه والحسن.
الثاني : سبيل الهدى والضلالة، قاله ابن عباس.
الثالث: سبيل الشقاء والسعادة، قاله مجاهد.
الرابع: الثديين ليتغذى بهما (٣٧٨)، قاله قتادة والربيع بن خثيم.
(٣٧٦) هو اسم نسر معروف عند العرب عمّر طويلاً.
(٣٧٧) رواه الطبراني بسند حسن عن ابن مسعود وصححه الحاكم كما في الفتح (٥٧٤/٨) وقال الهيثمي في
المجمع (١٣٨/٧) رواه الطبراني بإسناد فيه عاصم بن أبي النجود وهو ثقة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال
الصحيح .
(٣٧٨) وقد تعقب ابن جرير هذا القول (٢٠١/٣٠) ورجح القول الأول هنا.
٢٧٧

سورة البلد الآية - ١١ - ٢٠
قال قطرب: والنجد هو الطريق المرتفع، فأرض نجد هي المرتفعة، وأرض
تهامة هي المنخفضة .
ويحتمل على هذا الاشتقاق خامساً: أنهما الجنة والنار، لارتفاعهما عن
الأرض.
فَقُّ رَقَّبَةٍ
١٢
فَلَا أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ (١) وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا الْعَقَبَةُ
أَوْ إِطْعَمٌ فِى يَوْمِ ذِى
١٣
مَسْخَبَةٌ ﴿ يَتِمَاذَا مَقْرَبَةٍ ﴿ أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴿) ثُتَ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْبِ لْمَرْحَمَةِ ﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُّالْيَّعَنَّةِ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْبِشَايَلِنَا
هُمْ أَصْحَبُ الْمَشْئَمَةِ (١٦) عَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ
٢٠
﴿فلا اقْتَحَمَ العَقْبَةَ﴾ فيها خمسة أقاويل :
أحدها: أنها طريق النجاة، قاله ابن زيد.
الثاني : أنها جبل في جهنم، قاله ابن عمر.
الثالث: أنها نار دون الحشر، قاله قتادة.
الرابع: أنها الصراط يضرب على جهنم كحد السيف، قاله الضحاك، قال
الكلبي : صعوداً وهبوطاً .
الخامس: أن يحاسب نفسه وهواه وعدوّه الشيطان، قاله الحسن.
قال الحسن: عقبة والله شديدة.
ويحتمل سادساً: اقتحام العقبة خالصة من الغرض (٣٧٩).
وفي معنى الكلام وجهان:
أحدهما: اقتحام العقبة فك رقبة، قاله الزجاج.
الثاني: معناه فلم يقتحم العقبة إلا مَنْ فكَّ رقبة أو أطعم، قاله الأخفش.
ثم قال: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ وهذا خطاب للنبي وَّ ليعلمه اقتحام العقبة،
ثم بين تعالى ما تقتحم به العقبة .
فقال: ﴿فَكّ رَقَبَةٍ﴾ فيه وجهان :
(٣٧٩) قال محقق المطبوعة هكذا في الأصل وربما كان الصواب خلاصه من تبعة الفرض أي الفريضة.
٢٧٨

سورة البلد الآية - ١١ - ٢٠
أحدهما: إخلاصها من الأسر.
الثاني: عتقها من الرق، وسمي المرقوق رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط من
رقبته، وسمي عتقاً فكها لأنه كفك الأسير من الأسر، قال حسان بن ثابت:
وجَزّ ناصية كُنّا مَواليها
كم مِن أسيرٍ فككناه بلا ثَمنٍ
وروى عقبة بن عامر الجهني أن النبي عليه السلام قال(*): من أعتق رقبة مؤمنة
فهي فداؤه من النار.
ويحتمل ثالثاً: أنه أراد فك رقبته وخلاص نفسه باجتناب المعاصي وفعل
الطاعات، ولا يمنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
ثم قال تعالى: ﴿أو إطعامٌ في يومٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي مجاعة، لقحط أو غلاء.
﴿یتیماً ذا مَقْرَبٍ﴾ ویحتمل أن یرید ذا جوار.
﴿أُو مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ فيه سبعة أوجه:
أحدها: أن ذا المتربة هو المطروح على الطريق لا بيت له، قاله ابن عباس،
الثاني : هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره، قاله مجاهد.
الثالث: أنه ذو العيال، قاله قتادة.
الرابع: أنه المديون، قاله عكرمة.
الخامس: أنه ذو زمانه، قاله أبو سنان.
السادس: أنه الذي ليس له أحد، قاله ابن جبير.
السابع: أن ذا المتربة: البعيد التربة، يعني الغريب البعيد عن وطنه، رواه
عكرمة عن ابن عباس.
﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الذين آمنوا وَتَوَاصَوْا بالصّهْر﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: بالصبر على طاعة اللَّهُ، قاله الحسن.
الثاني: بالصبر على ما افترض اللّه عليه، قاله هشام بن حسان.
الثالث: بالصبر على ما أصابهم، قاله سفيان.
(*) أخرجه الحاكم (٢١١/٢) من طريق الطيالسي وهو فيه (١٠٠٠) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله
شاهد عن أبي موسى الأشعري وواثلة بن الاسقع أ هـ ووافقه الذهبي على التصحيح.
قلت: وفي سنده الحسن البصري وقد عنعنه.
ورواية الطيالسي سقط منها الحسن بن قتادة بن قيس الجذامى والله أعلم)).
٢٧٩

سورة البلد الآية - ١١ - ٢٠
ويحتمل رابعاً: بالصبر على الدنيا وعن شهواتها.
﴿وَتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أي بالتراحم فيما بينهم، فرحموا الناس كلهم ويحتمل
ثانياً: وتواصوا بالآخرة لأنها دار الرحمة ، فيتواصوا بترك الدنيا وطلب الآخرة.
﴿أولئك أصحابُ المَيْمَنَةِ﴾ يعني الجنة، وفي تسميتهم أصحاب الميمنة أربعة
أوجه :
أحدها: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن، قاله زيد بن أسلم.
الثاني : لأنهم أوتوا کتابهم بأیمانهم، قاله محمد بن كعب.
الثالث: لأنهم ميامين على أنفسهم، قاله يحيى بن سلام.
الرابع: لأن منزلهم عن اليمين، قاله ميمون.
﴿والّذِین گفروا بآياتنا﴾ فیه وجهان:
أحدهما: بالقرآن، قاله ابن جبير.
الثاني : هي جميع دلائل الله وحُججه، قاله ابن كامل.
﴿هُمْ أصحابُ المشْأَمَةِ﴾ يعني جهنم، وفي تسميتهم بذلك أربعة أوجه:
أحدها: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر، قاله زيد بن أسلم.
الثاني : لأنهم أوتوا کتابهم بشمالهم، قاله محمد بن كعب.
الثالث: لأنهم مشائيم على أنفسهم، قاله يحيى بن سلام.
الرابع: لأن منزلهم عن اليسار، وهو مقتضى قول ميمون.
﴿علیھم نارٌ مُؤْصَدَةً﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: المؤصدة المطبقة، قاله ابن عباس وأبو هريرة وقتادة.
الثاني : مسدودة، قاله مجاهد.
الثالث: لها حائط لا باب له، قاله الضحاك.
٢٨٠