Indexed OCR Text
Pages 461-480
سورة الواقعة الآية - ٧٢ - ٧٤
الرابع: تعجبون، قاله ابن عباس. وإذا نالكم هذا في هلاك زرعكم كان ما
ينالكم في هلاك أنفسكم أعظم.
إنّا لَمُغْرَمُون﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها: لمعذبون، قاله قتادة، ومنه قول ابن المحلم(٥١٢):
وثقت بأن الحفظ مني سجية وأن فؤادي مبتلى بك مغرم
الثاني: مولع بنا، قاله عكرمة، ومنه قول النمر بن تولب (٥١٣).
سلا عن تذكره تكتما وكان رهيناً بها مغرماً
أي مولع .
الثالث: محرومون من الحظ، قاله مجاهد، ومنه قول الشاعر (٥١٤):
يوم النسار ويوم الجفا ركانا عذاباً وكانا غراماً
﴿أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أي تستخرجون بزنادكم من شجر أو حديد أو
حجر، ومنه قول الشاعر:
فإن النار بالزندين تورى وإن الشر يقدمه الكلام
ءَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ أي أخذتم أصلها .
﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾ يعني المحدثون.
﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ فيه وجهان :
أحدهما: تذكرة لنار [الآخرة] الكبرى، قاله قتادة.
الثاني : تبصرة للناس من الظلام، قاله مجاهد.
﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوينَ﴾ فيه خمسة أقاويل:
أحدها: منفعة للمسافرين قاله الضحاك، قال الفراء: إنما يقال للمسافرين إذا
نزلوا القِيّ وهي الأرض القفر التي لا شيء فيها.
الثاني : المستمتعین من حاضر ومسافر، قاله مجاهد.
الثالث: للجائعین في إصلاح طعامهم، قاله ابن زید.
(٥١٢) القرطبي (٢١٩/١٧).
(٥١٣) فتح القدير (١٥٨/٥) والقرطبي (١٧ / ٢١٩).
(٥١٤) اللسان ((غرم)) ونسبه للطرماح، فتح القدير (٥ / ١٥٨) القرطبي (١٧ / ٢١٩).
٤٦١
سورة الواقعة الآية - ٧٥ - ٨٢
الرابع: الضعفاء والمساكين، مأخوذ من قولهم قد أقوت الدار إذا خلت من
أهلها، حكاه ابن عیسی .
والعرب تقول قد أقوى الرجل إذا ذهب ماله، قال النابغة:
يقوى بها الركب حتى ما يكون لهم إلا الزناد وقدح القوم مقتبس
الخامس: أن المقوي الكثير المال، مأخوذ من القوة فيستمتع بها الغني
والفقير.
فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ (٢٥) وَإِنَّهُ لَفَسَمٌ لَّوْتَعْلَمُونَ عَظِيةٌ.
٧٦
٧٩
لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
٧٨
فِ كِنَبِ مَّكْنُونٍ
(٧٧
إِنَّم ◌َقُرْءَانٌ كَرِيمٌ
تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُم مُدْهِنُونَ ﴿ وَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ
أَنَّكُمْتُكَذِبُونَ
٨٢
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ الْنُّجُومِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه إنكار أن يقسم الله بشيء من (٥١٥) مخلوقاته، قال الضحاك: إن
الله لا یقسم بشيء من خلقه ولکنه استفتاح يفتتح به کلامه.
الثاني : أنه يجوز أن يقسم الخالق بالمخلوقات تعظيماً من الخالق لما أقسم به
من مخلوقاته .
فعلی هذا في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ وجهان :
أحدهما: أن ((لا)) صلة زائدة، ومعناه أقسم.
الثاني: أن قوله: ﴿فَلَا﴾ راجع إلى ما تقدم ذكره، ومعناه فلا تكذبوا ولا
تجحدوا ما ذكرته من نعمة وأظهرته من حجة، ثم استأنف كلامه فقال: ﴿أَقْسِمُ
بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾.
وفيها ستة أقاويل :
أحدها: أنها مطالعها ومساقطها، قاله مجاهد.
(٥١٥) وعقب الحافظ ابن كثير على هذا القول (٤ / ٢٩٧) بقوله: وهذا القول ضعيف والذي عليه الجمهور
أنه قسم من الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه وهو دليل على عظمته م.هـ.
٤٦٢
سورة الواقعة الآية - ٧٥ - ٨٢
الثاني : إنتشارها يوم القيامة وإنكدارها، قاله الحسن.
الثالث: أن مواقع النجوم السماء، قاله ابن جريج .
الرابع: أن مواقع النجوم الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مطروا قالوا: مطرنا
بنوء كذا، قاله الضحاك، ويكون قوله: ﴿فلا أقسم﴾ مستعملاً على حقيقته في نفي
القسم بها .
الخامس : أنها نجوم القرآن أنزلها الله من اللوح المحفوظ من السماء العليا
إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمه السفرة على جبريل عشرين
ليلة، ونجمه جبريل على محمد ◌َ* عشرين(٥١٦) سنة، فهو ينزله على الأحداث في
أمته، قاله ابن عباس والسدي .
السادس: أن مواقع النجوم هو محكم القرآن، حكاه الفراء عن ابن مسعود.
﴿وَإِنَّهُ قَسَمْ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن القرآن قسم عظيم، قاله ابن عباس.
الثاني : أن الشرك بآياته جرم عظيم، قاله ابن عباس، والضحاك.
ويحتمل ثالثاً : أن ما أقسم الله به عظيم.
﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ﴾ يعني أن هذا القرآن كريم، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: کریم عند الله.
الثاني : عظيم النفع للناس.
الثالث: كريم بما فيه من كرائم الأخلاق ومعالي الأمور.
ويحتمل أيضاً رابعاً: لأنه يكرم حافظه ويعظم قارئه .
﴿فِي كِتَابِ مَّكْتُوٍ﴾ وفيه أربعة أقاويل:
أحدها: أنه كتاب في السماء وهو اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس، وجابر بن
٠
زید .
الثاني: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن وذكر من ينزل عليه، قاله عكرمة.
الثالث: أنه الزبور.
الرابع: أنه المصحف الذي في أيدينا، قاله مجاهد، وقتادة.
(٥١٦) والمعلوم أنه نزل في ثلاثة وعشرين سنة مدة دعوة رسول الله مطلقة .
٤٦٣
سورة الواقعة الآية - ٧٥ - ٨٢
وفي ﴿مّگنُونٍ﴾ وجهان :
أحدهما: مصون، وهو معنى قول مجاهد.
الثاني : محفوظ عن الباطل، قاله يعقوب بن مجاهد.
ويحتمل ثالثاً: أن معانيه مكنونة فيه.
﴿لَّ يَمَسَّهُ إِلَّ الْمُطَهِّرُونَ﴾ تأويله يختلف بإختلاف الكتاب، فإن قيل: إنه
کتاب في السماء ففي تأويله قولان:
أحدهما: لا يمسه في السماء إلا الملائكة المطهرون، قاله ابن عباس،
وسعيد بن جبير.
الثاني: لا ينزله إلا الرسل من الملائكة إلى الرسل من الأنبياء، قاله زيد بن
أسلم.
وإن قيل إنه المصحف الذي في أيدينا ففي تأويله ستة أقاويل :
أحدها: لا يمسه بيده إلا المطهرون من الشرك، قاله الكلبي .
الثاني : إلا المطهرون من الذنوب والخطايا قاله الربيع بن أنس.
الثالث: إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس (٥١٧)، قاله قتادة.
الرابع: لا يجد طعم نفعه إلا المطهرون أي المؤمنون بالقرآن، حكاه الفراء.
الخامس: لا يمس ثوابه إلا المؤمنون، رواه معاذ(٥١٨) عن النبي ◌َّر.
السادس: لا يلتمسه إلا المؤمنون، قاله ابن بحر.
﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُم مُّدْهِنُونَ﴾ يعني بهذا الحديث القرآن الذي لا يمسه إلا
المطهرون .
وفي قوله مدهنون أربعه تأويلات:
أحدها: مکذبون، قاله ابن عباس.
الثاني : معرضون، قاله الضحاك.
(٥١٧) ويشهد لهذا القول قوله {مَ﴾ ((لا يمس القرآن إلا طاهر)) صححه غير واحد من العلماء وله طرق راجعها
في الدر (٢٨/٨).
(٥١٨) لم أقف على الحديث بهذا اللفظ ولكن وجدته عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال إن
النبي مَيّ لما بعثه إلى اليمن كتب له في عهده أن أن لا يمس القرآن إلا طاهر، وقد رواه ابن مردويه
كما في الدر (٨/ ٢٨).
٤٦٤
سورة الواقعة الآية - ٨٣ - ٨٧
الثالث: ممالئون الكفار على الكفر به، قاله مجاهد.
الرابع: منافقون في التصديق به حكاه ابن عيسى، ومنه قول الشاعر(*):
تنوبك من مداهنة العدو
لبعض الغشم أبلغ في أمور
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُم إِنَّكُم تُكَذِبُونَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه الإستسقاء بالأنواء وهو قول العرب مطرنا بنوء كذا، قاله ابن
عباس (٥٢٠) ورواه علي بن أبي طالب عن (٥١٩) النبي ◌َّر.
الثاني : الاكتساب بالسحر، قاله عكرمة.
الثالث: هو أن يجعلوا شكر الله على ما رزقهم تكذیب رسله والكفر به، فیکون
الرزق الشكر، وقد روي عن علي أن (٥٢١) النبي وَ ◌ّ﴿ قرأ: ﴿وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُم
· تُكَذِّبُونَ﴾.
ويحتمل رابعاً: أنه ما يأخذه الأتباع من الرؤساء على تكذيب النبي وَلّ والصد
عنه .
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
ΑΣ
وَأَنْتُمْ حِينَيِذٍ نَظَرُونَ
(٨٣
فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلَقُوَمَ
وَلَكِن لَّا تُبُّصِرُونَ [٤٥َا فَلَوْلَا إِنَ كُمْ غَيْرَ مَدِينِنَّ (٥٦) تَرْجِعُونَهَا إِنَ كُنُ
صَدِقِينَ
(٨٧)
﴿فَلَوْلاَ إِن كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ فيه سبعة تأويلات:
أحدها: غیر محاسبین، قاله ابن عباس.
الثاني : غیر مبعوثین، قاله الحسن.
الثالث: غیر مصدقین، قاله سعيد بن جبير.
الرابع: غير مقهورین، قاله ميمون بن مهران.
(*) القرطبي (١٨ / ٢٣١).
(٥١٩) رواه مسلم (١ / ٨٤،٨٣) وزاد نسبته في الدر (٨/ ٢٨) لابن المنذر وابن مردويه.
(٥٢٠) رواه الطبري (٢٧ / ٢٠٨) وأحمد (٢ / ٧٧) والترمذي (٣٢٩٥) وحسنه وفي سنده عبد الأعلى بن عامر
الثعلبي وهو ضعيف وزاد السيوطي في الدر (٨ / ٢٩) نسبته لعبد بن حميد وابن منيع وابن المنذر وابن
أبي حاتم والخرائطي في مساوىء الأخلاق وابن مردويه والضياء في المختارة.
(٥٢١) تقدم تخريجه وقد أخرجه موقوفاً ابن مردويه عن عليّ كما في الدر (٨/ ٣٠).
٤٦٥
سورة الواقعة الآية - ٨٨ - ٩٦
الخامس: غير موقنين، قاله مجاهد.
السادس: غير مجزيين بأعمالكم، حكاه الطبري (٥٢٢).
السابع: غير مملوكين، قاله الفراء.
﴿ تَرْجِعُونَهَآَ﴾ أي ترجع النفس بعد الموت إلى الجسد إن كنتم صادقين أنكم
غیر مذنبین .
فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَّ ◌َ فَرَوْعُ وَرَتْحَانٌ وَحَتَتُ نَّعِيمِ (٨٦) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ
أَصْحَبِ الْيَمِينِ ﴿ فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ أَلْيَعِينِ (١٦) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ
◌َ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِيِنِ
الضَّالِينُ ﴿أَفَتْلٌ مِّنْ حَمِيمِ ﴾ وَتَصْلِيَةُ ◌َحِيمٍ
٩٥
أَفَسَيِحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
٩٦
﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فیھم وجهان:
أحدهما: أنهم أهل الجنة، قاله يعقوب بن مجاهد.
الثاني : أنهم السابقون، قاله أبو العالية.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ في الرَّوْح ثمانية تأويلات:
أحدها: الراحة، قاله ابن عباس.
الثاني : أنه الفرح، قاله ابن جبير.
الثالث: أنه الرحمة، قاله قتادة.
الرابع: أنه الرخاء، قاله مجاهد.
الخامس: أنه الروح من الغم والراحة من العمل، لأنه ليس في الجنة غم ولا
عمل، قاله محمد بن کعب.
السادس: أنه المغفرة، قاله الضحاك.
السابع: التسلیم، حكاه ابن كامل .
الثامن: ما روى عبدالله بن شقيق عن عائشة أن(٥٢٣) النبي وَّر كان يقرأ
﴿فَرُوحٌ﴾ بضم الراء، وفي تأويله وجهان:
(٥٢٢) جامع البيان (٢٧ / ٢١٠).
(٥٢٣) رواه الترمذي (٢٩٣٨) وأبو داود (٣٩٩١) والحاكم (٢٣٦/٢) وصححه وأحمد (٦٤/٦) وقال=
٤٦٦
سورة الواقعة الآية - ٨٨ - ٩٦
أحدهما : بقاء روحه بعد موت جسده.
الثاني : ما قاله الفراء أن تأويله حياة لا موت بعدها في الجنة.
وأما الريحان ففيه ستة تأويلات:
أحدها: أنه الإستراحة عند الموت، قاله ابن عباس.
الثاني : الرحمة، قاله الضحاك.
الثالث: أنه الرزق، قاله ابن جبير.
الرابع: أنه الخير، قاله قتادة.
الخامس: أنه الريحان المشموم يُتَلَّقَّى به العبد عند الموت، رواه عبد الوهاب.
السادس: هو أن تخرج روحه ريحانة، قاله الحسن.
واختلف في محل الرَوْح على خمسة أقوال.
أحدها: عند الموت .
الثاني : قبره ما بین موته وبعثه.
الثالث: الجنة (٥٢٤) زيادة على الثواب والجزاء، لأنه قرنه بذكر الجنة فاقتضى
أن یکون فيها .
الرابع: أن الروح في القبر، والريحان في الجنة .
الخامس: أن الروح لقلوبهم، والريحان لنفوسهم، والجنة لأبدانهم.
﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينٍ﴾ فيه
وجهان :
أحدهما: أنه سلامته من الخوف وتبشيره بالسلامة.
الثاني: أنه يحيا بالسلام إكراماً، فعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقاويل:
أحدها: عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت، قاله الضحاك.
الثاني : عند مساءلته في القبر، يسلم عليه منكر ونكير.
الثالث: عند بعثه في القيامة تسلم عليه الملائكة قبل وصوله إليها.
الترمذي لا نعرفه إلا من حديث هارون الأعور وزاد السيوطي في الدر (٨ / ٣٦) نسبته لأبي عبيد في
=
فضائله والنسائي وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبي
نعیم وابن مردويه .
(٥٢٤) وهو الصواب أنظر المطولات في ذلك كالروح لابن القيم.
٤٦٧
سورة الحديد الآية - ١ - ٣
ترتيبها
٥٧
سُورَةُ الحَدِد
ہہیور
آياتها
٢٩
مدنية في قول الجمهور، قال الكلبي هي مكية .
بِسْمِ الهِ الرَّحْضَ الزَحِيةِ
لَهُمُلْكُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِّ
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يُحِىء وَيُمِيثٌّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ هُوَاْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَاطِرةٌ
وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
قوله تعالى ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالَأَرْضِ﴾ في هذا التسبيح ثلاثة
أوجه :
أحدها: يعني أن خلق ما في السموات والأرض يوجب تنزيهه عن الأمثال
والأشباه.
الثاني : تنزيه الله قولاً مما أضاف إليه الملحدون، وهو قول الجمهور.
الثالث: أنه الصلاة، سميت تسبيحاً لما تتضمنه من التسبيح، قاله سفيان،
والضحاك.
فقوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ يعني الملائكة وما فيهن من غيرهم وما في
الأرض يعني من الحيوان والجماد، وقد ذكرنا في تسبيح الجماد وسجوده ما أغنى عن
الإعادة .
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتصاره، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره.
٤٦٨
سورة الحديد الآية - ٤ - ٦
﴿هُوَ الأَوَّلُ وِالأخِرُ﴾ يريد بالأول أنه قبل كل شيء لقدمه، وبالآخر لأنه بعد
كل شيء لبقائه .
﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: الظاهر فوق كل شيء لعلوه، والباطن إحاطته بكل شيء لقربه، قاله
ابن حيان(٥٢٥).
الثاني: أنه القاهر لما ظهر وبطن كما قال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَى
عَدُوِّهِم فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ .
الثالث: العالم بما ظهر وما بطن.
﴿وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٍ﴾ يعني بالأول والآخر والظاهر والباطن.
ولأصحاب الخواطر في ذلك ثلاثة أوجه.
أحدها: الأول في ابتدائه بالنعم، والآخر في ختامه بالإحسان، والظاهر في
إظهار حججه للعقول، والباطن في علمه ببواطن الأمور.
الثاني: الأول بكشف أحوال الآخرة حين ترغبون فيها، والآخر بكشف أحوال
الدنيا حين تزهدون فيها، والظاهر على قلوب أوليائه حين يعرفونه، والباطن على
قلوب أعدائه حین ینکرونه.
الثالث: الأول قبل كل معلوم، والآخر بعد كل مختوم، والظاهر فوق كل
مرسوم، والباطن محيط بكل مكتوم.
هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامِ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا
يَلِجُ فِ آلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ
مَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿الَّهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى الَّهِ تُرْجَعُ
الْأُمُورُِّ يُولِيعُ الَّلَ فِ النَّهَارِ وَيُوِيُالنََّرَ فِى الَّلِّ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
(٥٢٥) وخير من فسر هذه الأسماء هو رسول الله وَلل كما رواه مسلم (٤ / ٢٠٨٤) في الحديث اللهم أنت الأول
فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس
دونك شيء .. الحدیث.
٤٦٩
سورة الحديد الآية - ٧ - ١٢
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ قال مقاتل: من مطر، وقال غيره: من مطر وغير
مطر.
مِنهام
يُخرَجَ
وَمَا
قال مقاتل: من نبات وغير نبات .
٠
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ قال مقاتل: من الملائكة، وقال غيره:
من ملائكة وغير ملائكة .
ويحتمل وجهاً آخر: ما يلج في الأرض من بذر، وما يخرج منها من زرع، وما
ينزل من السماء من قضاء، وما يعرج فيها من عمل، ليعلموا إحاطة علمه بهم فيما
أظهروه أو ستروه، ونفوذ قضائه فيهم بما أرادوه أو كرهوه.
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْم﴾ فيه وجهان :
أحدهما: علمه معكم(٥٢٦) أينما كنتم حيث لا يخفى عليه شيء من أعمالكم،
قاله مقاتل .
والثاني : قدرته معكم أينما كنتم حيث لا يعجزه شيء من أموركم.
ءَامِنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَأَنْفَقُوْلَمْ أَعٌَّْبِيٌ ◌َّ وَ مَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْ عُوكُوْلِنُؤْ مِنُواْ بِرَبِّكُمْ
وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْإِنَ كُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿َهُوَالَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ: ءَايَاتٍ بَيِّنَتِ
وَمَا لَكُمْ أَلَّا
٩
لِيُخْرِ حَكُمْ مِنَ الْقُلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ لـ
تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنفَقَ مِن
قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا
وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيٌ ◌َّمَنِ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ فَضًا حَسَنًا
يَوْمَ تَرَىَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ
١١
فَيُضَعِفَهُ لَهُ وَلَّهُ : أَجْرٌ كريمٌ
(٥٢٦) وهو الصواب وعليه الجمهور وهي المعية الشاملة العامة وهو سبحانه يحيط بخلقه علماً وقدرته
وتحيط بهم لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه جل شأنه.
٤٧٠
سورة الحديد الآية - ١٢
أَيْدِ يِهِمْ وَبِأَيْمَنِ بُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحِنِهَا الْأَنْهُ خَالِينَ فِيَهَا ذَلِكَ هُوَ
١٢
اُلْفَوْزُ العَظِيمُ
﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ تحتمل هذه النفقة وجهين:
أحدهما: أن تكون الزكاة المفروضة.
والثاني : أن يكون غيرها من وجوه الطاعات.
وفي ﴿مَا جَعَلَكُم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ قولان:
أحدهما : يعني مما جعلكم معمرین فیه بالرزق، قاله مجاهد.
الثاني : مما جعلكم مستخلفين فيه بوراثتكم له عمن قبلكم، قاله الحسن.
ويحتمل ثالثاً: مما جعلكم مستخلفين على القيام بأداء حقوقه .
﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما: معناه ولله ملك السموات والأرض.
الثاني: أنهما راجعان إليه بانقباض من فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق.
لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مِّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ فيه قولان:
أحدهما: لا يستوي من أسلم من قبل فتح مكة وقاتل ومن أسلم بعد فتحها
وقاتل، قاله ابن عباس، ومجاهد.
الثاني : يعني من أنفق ماله في الجهاد وقاتل، قاله قتادة.
وفي هذا الفتح قولان:
أحدهما: فتح مكة، قاله زيد بن أسلم.
الثاني : فتح الحديبية، قاله الشعبي، قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من
الأخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة
أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك.
وَوَكُلَّ وَعَدَ آللَّهُ الْحُسْنَى﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن الحسنى الحسنة، قاله مقاتل.
الثانى : الجنة، قاله مجاهد.
ويحتمل ثالثاً: أن الحسنى القبول والجزاء.
٤٧١
سورة الحديد الآية - ١٢
﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّه قَرْضاً حَسَناً﴾ فيه خمسة أقاويل:
أحدها: أن القرض الحسن هو أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا حول ولا
قوة إلا بالله والله أکبر، رواه سفیان عن ابن حيان.
الثاني : أنه النفقة على الأهل، قاله زيد بن أسلم.
الثالث: أنه التطوع بالعبادات، قاله الحسن.
الرابع: أنه عمل الخير، والعرب تقول لي عند فلان قرض صدق أو قرض
سوء، إذا فعل به خيراً أو شراً، ومنه قول الشاعر:
بما قدمت أيديهم وأزلت
وتجزي سلاماً من مقدم قرضها
الخامس: أنه النفقة في سبيل الله، قاله مقاتل بن حيان.
وفي قوله: ﴿حسناً﴾ وجهان:
أحدهما: طيبة بها نفسه، قاله مقاتل .
الثاني: محتسباً لها عند الله، قاله الكلبي، وسمي قرضاً لاستحقاق ثوابه، قاله
لبید :
إنما يجزى الفتى ليس الجمل
وإذا جوزيت قرضاً فاجزه
وفي تسميته ﴿حسناً﴾ وجهان:
أحدهما: لصرفه في وجوه حسنة .
الثاني: لأنه لا مَنَّ فيه ولا أذى.
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: فيضاعف القرض لأن جزاء الحسنة عشر أمثالها.
الثاني: فيضاعف الثواب تفضلاً بما لا نهايه له.
﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: لم يتذلل في طلبه.
الثاني : لأنه کریم الخطر.
الثالث: أن صاحبه کریم.
فلما سمعها أبو الدحداح تصدق (٥٢٧) بحديقة فكان أول من تصدق بعد هذه
الآية .
(٥٢٧) قال الحافظ في الإصابة .(٧ / ١١٩) وروى أحمد والبغوي والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن
٤٧٢
سورة الحديد الآية - ١٢
وروى سعيد بن جبير أن اليهود أتت النبي ◌َّله عند نزول هذه الآية، فقالوا يا
محمد، أفقير ربك يسأل عباده القرض؟، فأنزل الله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ الآية.
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىْ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم) وفي
نورهم ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ضياء يعطيهم الله إياه ثواباً وتكرمة، وهذا معنى قول قتادة.
الثاني : أنه هداهم الذي قضاه لهم، قاله الضحاك.
الثالث: أنه نور أعمالهم وطاعتهم.
قال ابن مسعود(٥٢٨): ونورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم
مَن نوره مثل النخلة، وأدناهم نوراً مَن نوره على إبهام رجله يوقد تارة ويطفأ أخرى.
وقال الضحاك: ليس أحد يعطى يوم القيامة نوراً، فإذا انتهوا إلى الصراط
أطفىء نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن ينطفىء نورهم كما طفىء
نور المنافقين، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ .
وفي قوله: ﴿بْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ وجهان :
أحدهما: ليستضيئوا به على الصراط، قاله الحسن.
والثاني: ليكون لهم دليلاً إلى الجنة، قاله مقاتل.
وفي قوله: ﴿بِأَيْمَانِهِم﴾(٥٢٩) في الصدقات والزكوات وسبل الخير.
الرابع: بإيمانهم في الدنيا وتصديقهم بالجزاء، قاله مقاتل.
قوله تعالى ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جنّاتٌ﴾ فيه وجهان :
ثابت عن أنس أن رجلاً قال يا رسول الله وسل﴿ إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فأمره أن يعطيني حتى
أقيم حائطي بها فقال النبي ◌ّله أعطه إياها بنخلة في الجنة فأبى، قال فأتاه أبو الدحداح فقال له: بعني
نخلتك بحائطي قال أفعل فأتى النبي ◌ّه فقال يا رسول الله ابتعت النخلة بحائطي فاجعلها له فقد
أعطيتكها فقال كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة ... الحديث.
(٥٢٨) رواه ابن جرير (٢٢٣/٢٧) والحاكم (٥٩٠/٤) وصححه وتعقبه الذهبي بقوله .. ما أنكره حديثاً على
جودة إسناده وأبو خالد شيعي منحرف وزاد السيوطي في الدر (٥٢/٨) نسبته لابن أبي شيبة وابن
المنذر وابن أبي هاشم وابن مردويه .
(٥٢٩) وهي قراءة سهل بن سعد وأبي حيوة.
٤٧٣
سورة الحديد الآية - ١٣ - ١٥
أحدهما: أن نورهم هو بشراهم بالجنات.
الثاني : هي بشرى من الملائكة يتلقونهم بها في القيامة، قاله الضحاك.
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَانَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ قِيلَ أَرْجِعُواْ
وَرَ كُمْفَالْتَمِسُوْنُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورِلَّهُ بَابٌ بَاطِنَّهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ
اَلْعَذَابُ ﴿هَيُّنَادُونَهُمْ أَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْفَتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ
وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَّى جَاءَ أَمْيُ الَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُوُ ا ◌َلْيَوْمَلَا
يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَكُمْ النَّارِّهِىَ مَوْلَنْكُمْ وَبِئْسَ
اْلْمَصِيرُ
١٥
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ الآية. قال ابن عباس وأبو أمامة: يغشى
الناس يوم القيامة ظلمة أظنها بعد فصل القضاء، ثم يعطون نوراً يمشون فيه.
وفي النور قولان :
أحدهما: يعطاه المؤمن بعد إيمانه دون الكافر.
الثاني : يعطاه المؤمن والمنافق، ثم يسلب نور المنافق لنفاقه، قاله ابن عباس.
فيقول المنافقون والمنافقات حين غشيتهم الظلمة .
﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ حين أعطوا النور الذي يمشون فيه:
﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي انتظروا، ومنه قول عمرو بن(٥٣٠) كلثوم :
وأنظرنا نخبرك اليقينا
أبا هند فلا تعجل علينا
﴿قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً﴾ فيه قولان:
أحدهما: ارجعوا إلى الموضع الذي أخذنا منه النور فالتمسوا منه نوراً.
الثاني : ارجعوا فاعملوا عملًا يجعل الله بين أيديكم نوراً.
ويحتمل في قائل هذا القول وجهان :
(٥٣٠) بيت من معلقة عمرو أنظر شرح القصائد السبع لأبي بكر الأنباري واللسان نظر والطبري (٢٧ / ٢٢٤)
وفتح القدير (٥/ ١٧٠) والقرطبي (١٧ / ٢٤٥).
٤٧٤
سورة الحدید الآية - ١٣ - ١٥
أحدهما: أن يقوله المؤمنون لهم.
الثاني : أن تقوله الملائكة لهم.
﴿ فَضْرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه حائط بين الجنة والنار، قاله قتادة.
الثاني : أنه حجاب في الأعراف، قاله مجاهد.
الثالث: أنه سور المسجد الشرقي، [بيت المقدس] قاله عبدالله بن عمرو بن
العاص .
﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبلِهِ الْعَذَابُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن الرحمة التي في باطنه الجنة، والعذاب الذي في ظاهره جهنم،
قاله الحسن .
الثاني: أن الرحمة التي في باطنه: المسجد وما يليه، والعذاب الذي في
ظاهره: وادي جهنم يعني بيت المقدس (٥٣١)، قاله عبدالله بن عمرو بن العاص.
ويحتمل ثالثاً: أن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي في
ظاهره ظلمة المنافقين .
وفيمن ضرب بينهم وبينه بهذا السور قولان :
أحدهما: أنه ضرب بينهم وبين المؤمنين الذي التمسوا منهم نوراً، قاله الكلبي
ومقاتل .
الثاني : أنه ضرب بينهم وبين النور بهذا السور حتى لا يقدروا على التماس
النور.
(٥٣١) وقد تعب الشوكاني في فتح القدير (١٧١/٥) هذا القول بقوله ((ولا يخفاك أن تفسير السورة المذكورة
في القرآن في هذه الآية بهذا السور الكائن ببيت المقدس فيه من الأشكال لا يدفعه مقال ولا سيما بعد
زيادة قوله باطنه فيه الرحمة المسجد فإن هذا غير ما سيقت له الآية وغيرما دلت عليه وأين يقع بيت
المقدس أو سوره بالنسبة إلى السور الحاجز بين فريقي المؤمنين والمنافقين، وأي معنى لذكر بيت
المقدس ها هنا، فإن كان المراد أن الله سبحانه ينزع بيت المقدس ويجعله في الدار الآخرة سوراً مضروباً
بين المؤمنين والمنافقين، فما معنى تفسير باطن السور وما فيه من الرحمة بالمسجد، وإن كان
المراد أن الله يسوق فريق المؤمنين والمنافقين إلى خارجه، فهم إذ ذاك على الصراط وفي طريق الجنة
وليسوا ببيت المقدس، فإن كان مثل هذا التفسير ثابت عن رسول الله صلفيه، قبلناه وآمنا به وإلا فلا كرامة
ولا قبول.
٤٧٥
سورة الحديد الآية - ١٦، ١٧
﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ يعني نصلي مثلما تصلون، ونغزو مثلما تغزون،
ونفعل مثلما تفعلون .
﴿ قَالُواْ بَلَىْ وَلَكِنَكُمْ فَتَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: بالنفاق، قاله مجاهد.
الثاني : بالمعاصي، قاله أبو سنان.
الثالث: بالشهوات، رواه أبو نمير الهمداني .
فيه تأويلان :
وتربصتم ﴾
أحدهما: بالحق وأهله، قاله قتادة.
الثاني : وتربصتم بالتوبة، قاله أبو سنان .
﴿وَأَرْتَبْتُمْ﴾ يعني شككتم في أمر الله.
وَغَرَّتْكُمُ الْأمَانِيُّ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: خدع الشيطان، قاله قتادة.
الثاني : الدنیا، قاله ابن عباس .
الثالث: سيغفر لنا، قاله أبو سنان.
الرابع: قولهم اليوم وغداً.
﴿حَتَّى جَاءَ أُمْرُ اللهِ﴾ فيه قولان:
أحدهما: الموت، قاله أبو سنان .
الثاني : إلقاؤهم في النار، قاله قتادة.
﴿وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُوْرُ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: الشيطان، قاله عكرمة .
الثاني : الدنيا، قاله الضحاك.
(أَلَمْ بَأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا
يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِشَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ
مِّنْهُمْ فَسِقُونَ (٦َا أَعْلَمُوْأَنَّ اللَّهَ يُحِ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَأَقَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْأَيَتِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
٤٧٦
سورة الحديد الآية - ١٦، ١٧
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ وفيه
ثلاثة أوجه :
أحدها: أنها نزلت في قوم موسى عليه السلام قبل أن يبعث النبي بَّ، قاله ابن
حيان.
الثاني : في المنافقين آمنوا بألسنتهم (٥٣٢) وكفروا بقلوبهم، قاله الكلبي .
الثالث: أنها في المؤمنين من أمتنا، قاله ابن عباس وابن مسعود، والقاسم بن
محمد .
ثم اختلف فيها على ثلاثة أقاويل :
أحدها: ما رواه أبو حازم عن عون بن عبدالله عن (٥٣٣) ابن مسعود قال: ما كان
بين أن أسلمنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض
ويقول ما أحدثنا. قال الحسن: يستبطئهم وهم أحب خلقه إليه.
الثاني : ما رواه قتادة عن ابن عباس أن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم
على رأسٍ ثلاثة عشرة سنة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية.
الثالث: ما رواه المسعودي عن القاسم قال: مل أصحاب رسول الله وَلأول مرة
فقالوا يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله تعالى: ﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾
ثم ملوا مرة فقالوا :
حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرٍ
اللَّهِ﴾.
قال شداد بن أوس: كان يروى لنا (١٦١) عن النبيِ نََّ أنه قال: ((أُوَّلُ مَا يُرْفَعُ
. مِنَ النَّاسِ الخُشُوعُ)).
(٥٣٢) وهذا القول غير صحيح لأن الآية صريحة في الذين آمنوا.
(١٦٠) رواه مسلم (٤ / ٢٣١٩) والحاكم (٢ / ٤٧٩) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وزاد السيوطي في الدر
(٨/ ٥٨) نسبته لابن المنذر و ابن ماجه وابن مردويه، والنسائي.
(٥٣٣) اختلف في هذا الحديث فقد رواه الطبراني مرفوعاً من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه وكذلك
٤٧٧
سورة الحديد الآية - ١٨
ومعنى قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ ألم يحن، قال الشاعر (٥٣٤):
وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا
ألم يأن لي يا قلب أن اترك الجھلا
وفي ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن تلین قلوبهم لذكر الله.
الثاني : أن تذل قلوبهم من خشية الله.
الثالث: أن تجزع قلوبهم من خوف الله.
وفي ذكر الله هاهنا وجهان : .
أحدهما: أنه القرآن، قاله مقاتل.
الثاني : أنه حقوق الله، وهو محتمل.
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: القرآن، قاله مقاتل ..
الثاني : الحلال والحرام، قاله الكلبي .
الثالث: يحتمل أن يكون ما أنزل من البينات والهدى.
﴿اعلموا أن الله یحیی الأرض بعد موتها﴾ فیه ثلاثة أوجه:
أحدها: يلين القلوب بعد قسوتها، قاله صالح المري.
الثاني: يحتمل أنه يصلح الفساد.
الثالث: أنه مثل ضربه لإحياء الموتى. روى وكيع عن أبي (٥٣٥) رزين قال:
قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الأرض بعد موتها؟ فقال: ((يَا أَبَا رُزَينَ أَمَامَرَرْتَ
بِوَادٍ مُمْحَلٍ ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خُضْرَةً؟ قال: بلى، قَلَ كَذَلِكَ يُحْبِي اللَّهُ المَوتَى)).
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ وَأَقْرَضُوْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنَّا يُضَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ
رواه ابن حبان موقوفاً على شداد بن أوس ورجح المنذري وقفه وزاد الألباني نسبة المرفوع لابن عدي
وأبي نعيم في الحلية وللحديث شاهد من حديث أبي الدرداء مرفوعاً رواه الطبراني.
(٥٣٤) هو كثير عزة والبيت في فتح القدير (٥ / ١٧٢) والقرطبي (١٧ / ٢٤٨) والكتاب لسبيويه (١ / ٣٨).
(٥٣٥) رواه أحمد (٤ / ١١) واحمد (٤/ ١١ -١٢) وابن أبي عاصم (١ / ٢٠٠) وأبو داود (٤٧٣١) وفي
سنده وکیع بن عداس وهو مجهول الحال.
٤٧٨
سورة الحديد الآية - ١٨، ١٩
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِوَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ
أَجْرُ كَرِيمُ
عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ
أَصْحَبُ الْجَحِيمِ
١٩
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: المصدقين لله ورسوله.
الثاني : المتصدقين بأموالهم في طاعة الله.
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ أي المؤمنون بتصديق الله
ورسله
﴿وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أُجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء عند ربهم،
قاله زيد بن أسلم.
الثاني: أن قوله: ﴿أُوْلِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ كلام تام.
وقوله: ﴿وَالشُّهَدَآءُ عِنَدَ رَبِّهِمْ﴾ كلام مبتدأ وفيهم قولان:
أحدهما: أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب، قاله
الكلبي .
الثاني: أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة .
وفیما یشهدونبه قولان :
أحدهما: يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة ومعصية، وهذا معنى قول
مجاهد.
الثاني: يشهدون لأنبيائهم بتبليغ الرسالة إلى أممهم، قاله الكلبي .
وقال مقاتل قولاً ثالثاً: أنهم القتلى في سبيل الله لهم أجرهم عند ربهم يعني
ثواب أعمالهم.
﴿وَنُورُهُمْ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: نورهم على الصراط.
الثاني : إيمانهم في الدنيا، حكاه الكلبي .
٤٧٩
سورة الحديد الآية - ٢٠، ٢١
أُعْلَمُوْ اْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَّكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اَلْأَمْوَلِ
وَالْأَوْلَّدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ بَهِيجُ فَرَنَّهُ مُصْفَرًا ثُمَ يَكُونُ
خُطَمَّأْ وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ
سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ
إِلَّ مَتَعُ الْغُرُورِ !
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ
مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ@
﴿أَعْلَمُوْاْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: أكل وشرب، قاله قتادة.
الثاني : أنه على المعهود من اسمه، قال مجاهد: کل لعب لهو.
ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن اللعب ما رغَّب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة.
ويحتمل رابعاً: أن اللعب الاقتناء، واللهو النساء.
﴿وَزِينٌ﴾ یحتمل وجهین:
أحدهما: أن الدنيا زينة فانية.
الثاني : أنه كل ما بوشر فيها لغير طاعة .
﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ يحتمل وجهین :
أحدهما: بالخلقة والقوة.
الثاني: بالأنساب على عادة العرب في التنافس بالآباء.
﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأوْلاَدِ﴾ لأن عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأموال والأولاد،
وتكاثر المؤمنين بالإيمان والطاعات.
ثم ضرب لهم مثلاً بالزرع ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَّبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيْجُ﴾ بعد
خضرة .
﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرَاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَامَاً﴾ بالرياح الحطمة، فيذهب بعد حسنه، كذلك
دنيا الكافر.
﴿سَابِقُواْ إِلَیْ مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَبِّكُمْ﴾ فیه أربعة أوجه:
٤٨٠