Indexed OCR Text

Pages 41-60

سورة الصافات الآية - ١١ - ١٩
الرابع: لازم، والعرب تقول طين لازب ولازم، وقال النابغة (٣٥):
ولا تحسبون الخير لا شر بعده ولا تحسبون الشر ضربة لازب
نزلت هذه الآية في ركانة بن زيد بن هاشم بن عبد مناف وأبي الأشد ابن
أُسید بن كلاب الجمحي .
قوله عزوجل: ﴿بل عجبت ويسخرون﴾ وفي ﴿عجبت﴾ قراءتان:
إحداهما: بضم التاء، قرأ بها حمزة والكسائي، وهي قراءة ابن مسعود، ويكون
التعجب مضافاً إلى الله تعالى، وإن كان لا يتعجَّبُ من شيء لأن التعجب (٣٦) من
حدوث العلم بما لم يعلم، واللَّه تعالى عالم بالأشياء قبل كونها.
وفي تأويل ذلك على هذه القراءة وجهان:
أحدهما: يعني بل أنكرت حكاه النقاش.
الثاني : هو قول علي بن عيسى أنهم قد حلّوا محل من يتعجب منه.
والقراءة الثانية: بفتح التاء قرأ بها الباقون، وأضاف التعجب إلى رسول الله وَ له
کأنه قال: بل عجبت يا محمد، قاله قتادة.
وفیما عجبت منه قولان:
أحدهما: من القرآن حين أعطيه، قاله قتادة.
الثاني : من الحق الذي جاءهم به فلم يقبلوه، وهو معنى قول ابن زياد.
وفي قوله ﴿وتسخرون﴾ وجهان:
أحدهما: من الرسول إذا دعاهم.
الثاني : من القرآن إذا تلي عليهم.
قولهعز وجل : ﴿وإذا ذگِّروا لا يذكرون﴾ فیه وجهان:
أحدهما: وإذا ذكروا بما نزل من القرآن لا ينتفعون، وهو معنى قول قتادة.
والثاني: وإذا ذكروا بمن هلك من الأمم لا يبصرون، وهو معنى ما رواه سعيد.
(٣٥) ديوانه: ٤٨، الطبري (٤٢/٢٣) روح المعاني (٧٥/٢٣) فتح القدير (٣٨٨/٤).
(٣٦) ولما لا يقال إن الله تعالى يعجب عجباً يليق بذاته وجلاله ليس كعجب الحوادث فثبت لله تعالى هذه
الصفة دون تشبيه أو تعطيل بدلاً مما ذكره المؤلف هنا مما يوهم صنيعه بنفي هذه الصفة عن ربنا تبارك
وتعالى. وقد تقدم الكلام على هذه الصفة .
٤١

سورة الصافات الآية - ٢٠ - ٢٦
قوله عز وجل: ﴿وإذا رأوا آيةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ وفي هذه الآية قولان:
أحدهما: أنه انشقاق القمر، قاله الضحاك.
الثاني : ما شاهدوه من هلاك المكذبين، وهو محتمل.
وفي قوله ﴿يستسخرون﴾ وجهان:
أحدهما: یستهزئون، قاله مجاهد.
الثاني : هو أن يستدعي بعضهم من بعض السخرية بها لأن الفرق بين سخر
واستسخر كالفرق بين علم واستعلم.
وقيل إن ذلك في ركانة بن زيد وأبي الأشد بن كلاب.
قوله عزوجل: ﴿فانما هي زجرةٌ واحدةٌ﴾ أي صيحة واحدة، قاله الحسن. وهي
النفخة الثانية وسميت الصيحة زجرة لأن مقصودها الزجر.
﴿فإذا هم ينظرون﴾ يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: البعث الذي كذبوا به .
الثاني : ينظرون سوء أعمالهم.
الثالث: ينتظرون حلول العذاب بهم، ويكون النظر بمعنى الانتظار.
وَقَالُواْنَوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ اُلِّينِ
(٤َهَذَايَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُتُمِيِهِ، ثُكَذِبُونَ
لأ
١١/٠٠٤/٠
أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُوْيَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ فَ هْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ
٢٢
مَالَكُمْ لَاَنَا صَرُونَ
اٌلْجَحِيمِثَّا وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (ّ
بَلْ هُمُ الْيَوْمَ
٢٥
مُسْتَسْلِمُونَ
قوله عز وجل: ﴿وقالوا يا ويلنا هذا يومُ الدين﴾ الآية. فیه وجهان:
أحدهما : يوم الحساب، قاله ابن عباس.
الثاني : يوم الجزاء، قاله قتادة.
﴿هذا يوم الفصل) الآية. فيه وجهان:
أحدهما: يوم القضاء بين الخلائق، قاله يحيى .
الثاني : يفصل فيه بين الحق والباطل، قاله ابن عيسى.
٤٢

سورة الصافات الآية - ٢٠ - ٢٦
قوله عز وجل : ﴿احشروا الذين ظلموا﴾ الآية. فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: المكذبون بالرسل.
الثاني: هم الشُرَط، حكاه الثوري .
الثالث: هم كل من تعدى على الخالق والمخلوق.
وفي ﴿وأزواجهم﴾ أربعة أوجه:
أحدها: أشباههم فيحشر صاحب الزنى مع صاحب الزنى، وصاحب الخمر مع
صاحب الخمر، قاله عمر بن الخطاب (٣٧) رضي الله عنه.
الثاني : قرناؤهم، قاله ابن عباس.
الثالث: أشياعهم، قاله قتادة، ومنه قول الشاعر:
فكبا الثور في وسيل وروض مونق النبت شامل الأزواج
الرابع: نساؤهم (٣٨) الموافقات على الكفر، رواه النعمان بن بشير عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه.
﴿وما كانوا يعبدون. من دون الله﴾ وفيهم ثلاثة أقاويل:
أحدها: إبليس، قاله ابن زياد.
الثاني : الشياطين، وهو مأثور.
الثالث: الأصنام، قاله قتادة وعكرمة.
﴿فاهدُوهم إلى صراط الجحيم﴾ أي طريق النار.
وفي قوله تعالى : ﴿فاهدوهم﴾ ثلاثة أوجه:
أحدها: فدلوهم، قاله ابن (٣٩).
الثاني : فوجهوهم، رواه معاوية بن صالح.
الثالث: فادعوهم، قاله السدي .
قوله عز وجل : ﴿وقفُوهم إنّهم مسئولون﴾ أي احبسوهم عن دخول النار.
(٣٧) وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رواه أحمد بن منيع وصححه الحافظ في المطالب (٣٦٢/٣) وقال
البوصيري: رواته ثقات ولفظه أشباههم.
(٣٨) ولا يعارض هذا القول ما سبق فلا خلاف أن المرأة إن وافقت زوجها على كفره كانت محشورة معه.
(٣٩) لاحظ أن هنا نقص.
٤٣

سورة الصافات الآية - ٢٧ - ٣٠
﴿إنهم مسئولون﴾ فيه ستة أوجه:
أحدها: عن لا إله إلا الله، قاله يحيى بن سلام.
الثاني: عما دعوا إليه من بدعة، رواه أنس مرفوعاً (٤٠).
الثالث: عن ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حكاه أبو هارون العبدي
عن أبي سعيد الخدري .
الرابع: عن جلسائهم، قاله عثمان بن زيادة.
الخامس: محاسبون، قاله ابن عباس.
السادس: مسئولون .
﴿ما لكم لا تناصرون﴾ على طريق التوبيخ والتقريع لهم، وفيهم ثلاثة أوجه:
أحدها: لا ینصر بعضكم بعضاً، قاله يحيى بن سلام.
الثاني : لا يمنع بعضكم بعضاً من دخول النار، قاله السدي .
الثالث: لا يتبع بعضكم بعضاً في النار يعني العابد والمعبود، قاله قتادة.
فإن قيل: فهلا كانوا مسؤولين قبل قوله ﴿فاهْدوهم ... ) الآية؟
قيل: لأن هذا توبيخ وتقريع فكان نوعاً من العذاب فلذلك صار بعد الأمر
بالعذاب.
قال مجاهد: ولا تزول (٤١) من بين يدي الله تعالى قدم عبد حتى يُسأل عن
خصال أربع: عمره فيهم أفناه، وجسده فيم أبلاه، وماله مم اكتسبه وفيم أنفقه،
وعلمه ما عمل فيه .
وَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ يَتَسَآءَلُونَ (١٧) قَالُواْ إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ
٢٨
قَالُواْ
٣٠
بَ لَّمْ تَكُونُواْمُؤْمِنِينَ (٢٦) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّنْ سُلْطَانٍّ بَلْ كُنُمْ قَوْمًا طَغِينَ
(٤٠) ولفظه ((أيما رجل دعا رجلاً إلى شيء كان موقوفاً لازماً به لا يغادره ولا يفارقه ثم قرأ هذه الآية ﴿وقفوهم
إنهم مسئولون﴾ .
رواه الطبري (٤٨/٢٣) وفي سنده رجل مجهول وزاد في الدر (٨٤/٧) نسبته لابن المنذر وابن أبي
حاتم والحاكم وصححه (٤٣٠/٢).
(٤١) وقد ورد في هذا المعنى حديث مرفوع.
٤٤

سورة الصافات الآية - ٣١ - ٣٧
◌َ فَأَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَّا غَوِينَ ﴿٦َ فَإِنَهُمْ يَوْمَيِدٍ فِى
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَيْنَا إِنَا لَذَابِقُونَ
٣١
◌َ إِنَّهُمْ كَانُوْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ
٣٤
إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
اُلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
لَّ إِلَهَ إِلَّاللهُ يَسْتَكْبُونَ (٢٥) وَيَقُولُونَ أَبِنَّالَتَرِكُوَاْءَ الِهَيِّنَا لِشَاعِ تَحْنُونِ التَّابَلْ
جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَقَ الْمُرْسَلِينَ
٣٧
قوله عز وجل: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ فيهم قولان:
أحدهما: أنه أقبل الإنس على الجن، قاله قتادة.
الثاني : بعضهم على بعض، قاله ابن عباس.
ويحتمل ثالثاً: أقبل الاتباع على المتبوعين.
وفي ﴿يتساءلون﴾ وجهان:
أحدهما: یتلاومون، قاله ابن عباس.
الثاني: يتوانسون، وهذا التأويل معلول لأن التوانس راحة، ولا راحة لأهل
النار.
ويحتمل ثالثاً: يسأل التابع متبوعه أن يتحمل عنه عذابه.
قوله عزوجل : ﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ وفي تأويل ذلك قولان:
أحدهما: قاله الإنس للجن. قاله قتادة.
الثاني : قاله الضعفاء للذين استكبروا، قاله ابن عباس.
وفي قوله : ﴿تأتوننا عن اليمين﴾ ثمانية تأويلات:
أحدها: تقهروننا بالقوة، قاله ابن عباس، واليمين القوة، ومنه قول الشاعر(٤٢):
اذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ تَلقاها عَرابةُ باليمين
أي بالقوة والقدرة.
الثاني : يعني من قبل ميامنكم، قاله ابن خصيف ..
الثالث: من قبل الخير فتصدوننا عنه وتمنعوننا منه، قاله الحسن.
الرابع: من حيث نأمنكم، قاله عكرمة.
الخامس: من قبل الدين أنه معكم، وهو معنى قول الكلبي .
(٤٢) هو الشماخ بن ضرار المري والبيت في الطبري (٤٩/٢٣) واللسان ((يمن)) الروض الأنف (١٩٠/٢).
٤٥

سورة الصافات الآية - ٣٨ - ٤٩
السادس: من قبل النصيحة واليمين، والعرب تتيمن بما جاء عن اليمين
ويجعلونه من دلائل الخير ويسمونه السانح (٤٣)، وتتطير بما جاء عن الشمال ويجعلونه
من دلائل الشر ويسمونه البارح، وهو معنى قول عليّ بن عيسى .
السابع: من قبل الحق أنه معكم، قاله مجاهد.
الثامن: من قبل الأموال ترغبون فيها أنها تنال بما تدعون إليه فتتبعون عليه،
وهو معنی قول الحسن.
إِنَّكُمْلَذَا بِقُواْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٦) إِلَّ عِبَادَاللَّهِ
(٤) فِى جَنَّتِ
فَوَكَةٌ وَهُمْ مُكْرَمُونَ إِ
الْمُخْلَصِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ لَمْ رِزْقٌ مَّعْلُومُ (
النَّعَِ عَلَى سُرُمِّنَفَبِينَ ﴿٢َ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسِ مِّن ◌َّعِينٍ (٥) بَيْضَآءَلَذَّةٍ
لِلشَرِبِينَ ﴿ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَهُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [٨] وَعِندَهُمْفَصِرَاتُ الطَّرْفِ
عِينٌ ﴿٤َاكَنَّهُنَّ بَيْضُ مَّكْنُونٌ !
قوله عز وجل: ﴿يُطاف عليهم بكأسٍ من مَعينٍ﴾ أي من خمر معين وفيه ثلاثة
أوجه :
أحدها: أنه الجاري؛ قاله الضحاك.
الثاني : الذي لا ينقطع، حكاه جويبر.
الثالث: أنه الذي لم يعصر، قاله سعيد بن أبي عروبة .
ويحتمل رابعاً: أنه الخمر بعينه الذي لم يمزج بغيره.
وفي المعين من الماء خمسة أوجه:
أحدها: أنه الظاهر للعين، قاله الكلبي .
الثاني : ما مدّته العيون فاتصل ولم ينقطع، قاله الحسن.
الثالث: أنه الشديد الجري من قولهم أمعن في كذا إذا اشتد دخوله فيه.
الرابع: أنه الكثير مأخوذ من المعين وهو الشيء الكثير.
(٤٣) وكانوا يتشائمون بالسوانح والبوارح وقد أبطل الاسلام هذه العادة والعقيدة الفاسدة فقال: لا عدوى ولا
طيرة الحديث رواه البخاري وغيره.
٤٦

سورة الصافات الآية - ٣٨ - ٤٩
الخامس: أنه المنتفع به مأخوذ من الماعون، قاله الفراء.
﴿بيضاء لذَّةٍّ للشاربين﴾ يعني أن خمر الجنة بيضاء اللون، وهي في قراءة ابن
مسعود صفراء.
ويحتمل أن تكون بيضاء الكأس صفراء اللون فيكون اختلاف لونهما في
منظرهما قال الشاعر:
فكأن بهجتها وبهجة كأسها نار ونور قيّدا بوعاء
قوله عز وجل: ﴿لا فيها غَوْلٌ﴾ فيه خمسة تأويلات:
أحدها: أي ليس فيها صداع، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
الثاني : ليس فيها وجع البطن، قاله مجاهد.
الثالث: ليس فيها أذى، قاله الفراء وعكرمة وهذه الثلاثة متقاربة الاشتقاق الغول
من الغائلة.
الرابع: ليس فيها إثم، قاله الكلبي.
الخامس: أنها لا تغتال عقولهم، قاله السدي وأبو عبيدة، ومنه قول الشاعر:
وهذا من الغيلة أن
يصرع واحد واحدا
﴿ولاهم عنها ينزفون﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: لا تنزف العقل ولا تذهب الحلم بالسكر، قاله عطاء، ومنه قول
الشاعر (٤٤):
لعمري لئن أنزفتم أو صحوتمُ لبئس الندامى كنتم آل أبجرا
الثاني: لا يبولون، قاله ابن عباس، وحكى الضحاك عنه أنه قال: في الخمر
أربع خصال: السكر والصداع والقيء والبول، فذكر الله تعالى خمر الجنة فنزهها عن
هذه الخصال.
الثالث: أي لا تفنى مأخوذ من نزف الركية، قاله أبو عمرو بن العلاء، ومنه قول
الشاعر:
(٤٤) هو الأبيرد الرياحي من بني محجل والبيت في مجاز القرآن (١٦٩/٢) والطبري (٥٥/٢٣) واللسان
نزف، زاد المسير (٥٧/٧) روح المعاني (٨٨/٢٣).
٤٧

سورة الصافات الآية - ٣٨ - ٤٩
لحاك الله قد أنزفت ريقي
دعيني لا أبالك أن تطيقي
وقد يختلف هذا التأويل باختلاف القراءة، فقرأ حمزة والكسائي ينزفون (٤٥)
بكسر الزاي، وقرأ الباقون يُنزَفون بفتح الزاي، والفرق بينهما أن الفتح من نزف فهو
منزوف(*) إذا ذهب عقله بالسكر، والكسر من أنزف فهو منزوف إذا فنيت خمره،
وإنما صرف الله تعالى السكر عن أهل الجنة لئلا ينقطع عنهم التذاذ نعيمهم.
قوله عز وجل : ﴿وعندهم قاصِراتُ الطّرفِ عينٌ﴾ يعني بقاصرات الطرف النساء
اللاتي قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يردن غيرهم مأخوذ من قولهم: قد اقتصر
على كذا إذا اقتنع به وعدل عن غيره، قال امرؤ القيس (٤٦):
من القاصرات الطرف لو دب مُحولٌ من الذّرَ فوق الخد منها لأثّرا
وفي العين وجهان:
أحدهما: الحان العيون، قاله مجاهد ومقاتل.
الثاني : العظام الأعين، قاله الأخفش وقطرب .
﴿کانھن بيض مکنون﴾ فیه وجهان:
أحدهما: يعني اللؤلؤ في صدفه، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر(٤٧):
وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغوا ص ميزت من جوهر مكنون
الثاني : يعني البيض المعروف في قشره، والمكنون المصون.
وفي تشبيههم (٤٨) بالبيض المكنون أربعة أوجه:
أحدها: تشبيهاً ببيض النعام يُكنّ بالريش من الغبار والريح فهو أبيض إلى
الصفرة ، قاله الحسن.
الثاني : تشبيهاً ببطن البيض إذا لم تمسه ید، قاله سعيد بن جبير.
(٤٥) زاد المسير (٥٧/٧) الحجة في القراءات ٦٠٨.
(*) هكذا في الأصول والقياس أن يقال منزف لأن اسم المفعول من الرباعي المزيد بالهمزة يكون على
وزن مفعل.
(٤٦) روح المعاني (٨٩/٢٣) فتح القدير (٤ /٣٩٤) ديوانه ٩٨ وفيه فوق الأتب ..
(٤٧) هو أبو دهبل والبيت في الطبري (٥٨/٢٣) وفيه هي زهراء. وفتح القدير (٣٩٢/٤).
(٤٨) لعل الصواب أن يقال وفي تشبههن لأن الكلام على الحور العين قاصرات الطرف.
٤٨

سورة الصافات الآية - ٥٠ - ٦١
الثالث: تشبيهاً ببياض البيض حين ينزع قشرة، قاله السدي .
الرابع: تشبيهاً بالسحاء الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض، قاله
عطاء .
◌ِ قَرِينٌ
قَالَ قَائِلُ مِنْهُمْ إِنِكَانَ
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ يَنَسَآءَ لُونَ ﴾
٥١
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ {ثُّأَءِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَعِنَّ لَمَدِينُونَ [٥] قَالَ هَلْ
أَنْتُم مُطَلِعُونَ ﴿٨] فَطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِ سَوَاءِ الْجَحِيمِ (®ْ قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدَتَّ لَتُدِينٍ ؟
٥٦
وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِ لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴿٥) أَفَمَا نَحْنُ بِمَّتِينٌّ (٢) إِلَّاَمَوْنَتَنَا
لِمِثْلِ هَذَا فَلَيَعْمَلِ
٦٠
اُلْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَالْفَوْزُ الْعَظِيمُ
اُلْعَمِلُونَ
٦١
قوله عز وجل: ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ يعني أهل الجنة كما يسأل
أهل النار.
﴿قال قائلٌ منهم﴾ يعني من أهل الجنة.
﴿إني كان لي قرين﴾ يعني في الدنيا، وفيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه الشيطان کان یغویه فلا يطيعه، قاله مجاهد.
الثاني : شريك له كان يدعوه إلى الكفر فلا یجیبه، قاله ابن عباس.
الثالث: أنهما اللذان في سورة الكهف ﴿واضرب لهم مثلاً رجلين﴾ إلى آخر
قصتهما، فقال المؤمن منهما في الجنة للكافر في النار.
﴿يقول أئنك لمن المصدقين﴾ يعني بالبعث.
(أٹذا مِتْنَا و گُنَّا تراباً وعظاماً أننا لمدينون﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: لمحاسبون، قاله مجاهد وقتادة والسدي .
الثاني : لمجازون، قاله ابن عباس ومحمد بن کعب من قوله: كما تدين تدان.
قوله عزوجل: ﴿قال هل أنتم مطلعون﴾ وهذا قول صاحب القرين للملائكة
وقيل لأهل الجنة. هل أنتم مطلعون يعني في النار. يحتمل ذلك وجهين:
أحدهما: لاستخباره عن جواز الاطلاع.
٤٩

سورة الصافات الآية - ٦٢ - ٧٤
الثاني : لمعاينة القرين.
﴿فاطَلَعَ﴾ يعني في النار. ﴿فرآه﴾ يعني قرينه ﴿في سواءِ الجحيم﴾ قال ابن
عباس في وسط الجحيم، وانما سمي الوسط سواءً لاستواء المسافة فيه إلى الجوانب
قال قتادة: فوالله، لولا أن الله عَرّفه إياه ما كان ليعرفه، لقد تغير حبْرُهُ وسبرُه يعني
حسنه وتخطيطه (٤٩).
قوله عز وجل: ﴿قال تالله إن كِدْتَ لتُرْدين﴾ هذا قول المؤمن في الجنة لقرينه
في النار، وفيه وجهان :
أحدهما: لتهلكني لو أطعتك، قاله السدي .
الثاني : لتباعدني من الله تعالى، قاله يحيى.
﴿ولولا نعمة ربي﴾ يعني بالإيمان ﴿لكنت من المحْضَرين﴾ يعني في النار،
لأن أحضر لا يستعمل مطلقاً إلا في الشر.
إِنَّهَا
٦٣
أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلَا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ ﴿ إِنَّا جَعَلْتَهَا فِتْنَةً لِلِِّمِينَ
فـ
٦٥
شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ {لَطَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيْطِينِ (
ـهُمْ
ء :
لَّ كِلُونَ مِنْهَا فَمَا لِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
٦٧
ثُمَّإِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ
٦٦
إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيِ(٤٦) إِنَهُمْ أَلْفَوْءَابَآءَ هُرْ ضَالَّيْنَ ثَافَهُمْ عَلَى ءَاتَِّهِمْ
يُهْرَعُونَ ﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ
٧٣
◌ْ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنذَرِينَ
مُنذِرِینَ
الْمُخْلَصِينَ
٧٤
قوله عز وجل : ﴿أذلك خيرٌ نزلا أم شجرة الزقوم﴾ والنّزل العطاء الوافر ومنه إقامة
الإنزال، وقيل ما يعد للضيف والعسكر. وشجرة الزقوم هي شجرة في النار يقتاتها أهل
النار، مرة الثمر خشنة اللمس منتنة الريح .
واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي يعرفها العرب أو لا؟ على قولين:
(٤٩) يعني تغير لونه وهيئته من العذاب الذي لحقه نسأل الله العافية.
٥٠

سورة الصافات الآية - ٦٢ - ٧٤
أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا، ومن قال بهذا اختلفوا فيها فقال قطرب:
إنها شجرة مرّة تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره بل كل نبات قاتل.
القول الثاني: أنها لا تعرف في شجر الدنيا، فلما نزلت هذه الآية في شجرة
الزقوم قال كفار قريش: ما نعرف هذه الشجرة، فقال ابن الزبعرى: الزقوم بكلام
البربر: الزبد والتمر فقال أبو جهل لعنه الله: يا جارية ابغينا تمراً وزبداً ثم قال
لأصحابه تزقموا هذا الذي يخوفنا به محمد يزعم أن النار تنبت الشجر، والنار تحرق
الشجر.
﴿إنا جعلناها فتنة للظالمين﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن النار تحرق الشجر فكيف ينبت فيها الشجر وهذا قول أبي جهل
إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه فكان هذا هو الفتنة للظالمين، قاله مجاهد.
الثاني : أن شدة عذابهم بها هي الفتنة التي جعلت لهم، حكاه ابن عيسى.
قوله عز وجل: ﴿إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم) فكان المقصود بهذا
الذكر أمرين :
أحدهما: وصفها لهم لاختلافهم فيها.
الثاني: ليعلمهم جواز بقائها في النار لأنها تنبت من النار.
قال يحيى بن سلام: وبلغني أنها في الباب السادس وانها تحيا بلهب النار كما
يحيا شجركم ببرد الماء.
﴿طلعها كأنه رؤُوس الشياطين﴾ يعني بالطلع الثمر، فإن قيل فكيف شبهها
برؤوس الشياطين وهم ما رأوها ولا عرفوها؟
قيل عن هذا أربعة أجوبة:
أحدها: أن قبح صورتها (٥٠) مستقر في النفوس، وإن لم تشاهد فجاز أن ينسبها
بذلك لاستقرار قبحها في نفوسهم كما قال امرؤ القيس(٥١):
ومسنونةٍ زُرقٍ كأنياب أغوال
ايقتلني والمشرفيّ مضاجعي
(٥٠) اي صورة الشياطين.
(٥١) ديوانه: ٢٣ مختار الشعر الجاهلي ٣٩/١ روح المعاني (٩٧/٢٣) اللسان (غول) فتح القدير
(٣٩٨/٤).
٥١

سورة الصافات الآية - ٧٥ - ٨٢
فشبهها بأنياب الأغوال وإن لم يرها الناس.
الثاني: أنه أراد رأس حية تسمى عند العرب شيطاناً وهي قبيحة الرأس.
الثالث: أنه أراد شجراً يكون بين مكة واليمن يسمى رؤوس الشياطين، قاله
مقاتل.
قوله عزوجل: ﴿ثم إنّ لهم عليها لشوباً من حميم﴾ يعني لمزاجاً من حميم
والحميم الحار الداني من الإحراق قال الشاعر:
إذا اغترفته بأطساسها
كأن الحميم على متنها
عَلَتْه حدائد دوّاسها
جُمان يجول على فضة
ومنه سمي القريب حميماً لقربه من القلب، وسمي المحموم لقرب حرارته من
الإحراق، قال الشاعر:
أحم الله ذلك من لقاءٍ آحاد آحاد في الشهر الحلال
أي أدناه فيمزج لهم الزقوم بالحميم ليجمع لهم بين مرارة الزقوم وحرارة
الحميم تغليظاً لعذابهم وتشديداً لبلاتهم.
قوله عز وجل: ﴿ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها : يعني بأن مأواهم لإلى الجحيم، قاله عبد الرحمن بن زيد.
الثاني : أن منقلبهم لإلى الجحيم، قاله سفيان.
الثالث: يعني أن مرجعهم بعد أکل الزقوم إلی عذاب الجحيم، قاله ابن زياد.
الرابع: أنهم فيها كما قال الله تعالى ﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ ثم
يرجعون إلى مواضعهم، قاله يحيى بن سلام.
وَلَقَدْنَادَ ثَنَانُوٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٢٥) وَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
وَجَعَلْنَا ذُرِيَّهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٨٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِينَ (٨)سَلَمُ عَلَى نُوحِفِى
ثُمَّ أَغْرَقْنَا
٨١٦
اَلْعَلَمِينَ أَثَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
(٨٢
الْآَخَرِينَ
٥٢

سورة الصافات الآية - ٨٣ - ٨٥
قوله عز وجل: ﴿ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون﴾ أي دعانا، ودعاؤه كان على
قومه عند إياسه من إيمانهم، وإنما دعا عليهم بالهلاك بعد طول الاستدعاء لأمرين:
أحدهما: ليطهر الله الأرض من العصاة .
الثاني: ليكونوا عبرة يتعظ بها من بعدهم من الأمم.
وقوله : ﴿فَلَنِعْمَ أْمُچِيبُونَ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: فلنعم المجيبون لنوح في دعائه.
الثاني: فلنعم المجيبون لمن دعا لأن التمدح بعموم الإجابة أبلغ.
﴿ونجيناه وأهله﴾ قال قتادة: كانوا ثمانية (٥٢): نوح وثلاثة بنين ونساؤهم، أربعة
[أي](*) رجال وأربعة نسوة.
﴿من الکرب العظيم﴾ فیه وجهان:
أحدهما: من غرق الطوفان، قاله السدي .
الثاني: من الأذى الذي کان ینزل به من قومه، حكاه ابن عیسی .
﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ قال ابن عباس: والناس كلهم بعد نوح من ذريته
وكان بنوه ثلاثة: سام وحام ويافث، فالعرب والعجم أولاد سام، والروم والترك
والصقالبة أولاد يافة والسودان من أولاد حام، قال الشاعر:
عجوز من بني حام بن نوح كأن جبينها حجر المقام
قولهعزوجل : ﴿وتر کنا علیه في الآخرين﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: معناه أبقى الله الثناء الحسن في الآخرين، قاله قتادة.
الثاني : لسان صدق للأنبياء كلهم، قاله مجاهد.
الثالث: هو قوله سلام على نوح في العالمين، قاله الفراء.
﴿ وَإِنَّ مِن شِيَعَتِهِ، لِإِبْرَاهِيمَ
◌ِهَ إِذْجَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
إِذْقَالَ لِأبِیهِ
٨٤
(٥٢) ليت من يتصدى للدعوة إلى الله تعالى يفقه هذا فيعلم أن الاسلام ينظر أولاً إلى الكيف لا الكم ففي
هذه المدة الطويلة التي دعا فيها نبي الله نوح إلى الله تعالى لم يؤمن معه إلا هذا العدد القليل أفلا يكون
ذلك عبرة وعظة ودرساً لمن يركز همه على كثرة العدد تاركاً بناء الرجال وتربيتهم.
(*) زيادة للايضاح يقتضيها السياق.
٥٣

سورة الصافات الآية - ٨٥ - ٨٧
وَقَوْمِهِ مَاذَاتَعْبُدُ ونَ {فَ أَبِفِكَاءَالِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
٨٧
اَلْعَلَمِينَ
فَمَا ظَتُّكُمْ بَرَبّ
(٨٦
قوله عز وجل: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾ فيه وجهان:
أحدهما: من أهل دينه، قاله ابن عباس.
الثاني : علی منهاجه وسنته، قاله مجاهد.
وفي أصل الشيعة في اللغة قولان:
أحدهما: أنهم الأتباع ومنه قول الشاعر(٥٣):
قال الخليط غداً تصدُّ عَنّا أو شيعَه أفلا تشيعنا
قوله أو شيعه أي اليوم الذي يتبع غداً، قاله ابن بحر.
الثاني: وهو قول الأصمعي الشيعة الأعوان، وهو مأخوذ من الشياع وهو
الحطب الصغار الذي يوضع مع الكبار حتى يستوقد لأنه يعين على الوقود.
ثم فيه قولان:
أحدهما: إن من شيعة محمد (٥٤) لإبراهيم عليهما السلام، قاله الكلبي
والفراء.
الثاني : من شيعة نوح لإبراهيم (٥٥)، قاله مجاهد ومقاتل.
وفي إبراهيم وجهان :
أحدهما: أنه اسم أعجمي وهو قول الأكثرين.
الثاني : مشتق من البرهمة وهي إدامة النظر.
قوله عز وجل : ﴿إِذ جاء ربّه بقَلْب سليم﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: سليم من الشك، قاله قتادة.
الثاني : سليم من الشرك، قاله الحسن.
الثالث: مخلص، قاله الضحاك.
(٥٣) هو عمر بن أبي ربيعة والبيت في اللسان (شيع).
(٥٤) قال الشوكاني (٤ /٤٠١) متعقباً هذا القول ((ولا يخفى ما في هذا من الضعف والمخالفة للسياق)).
(٥٥) واستظهره الألوسي (٩٩/٢٣) وهو قول أكثر المفسرين كالطبري (٦٩/٢٣) وابن كثير (١٢/٤).
٥٤

سورة الصافات الآية - ٨٨ - ٩٨
الرابع: ألا يكون لعاناً، قاله عروة بن الزبير.
ویحتمل مجيئه إلى ربه وجھیں :
أحدهما: عند دعائه إلى توحيد» وطاعته.
الثاني : عند إلقائه في النار.
فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ {أَ فَنَوَلَوْ عَنْهُ مُدْبِينَ (٤) فَرَاعَ إِلَى
٨٨
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِ النُّجُومِ
٩٣
ءَالِهِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُونَ (٤٦) مَا لَكُمْ لَطِقُونَ (٤٦) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ
فَأَقْبَلُواْإِلَيْهِ يَزِقُّونَ ﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُّونَ (١٥) وَاْللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
فَأْرَادُواْ بِهِ كَيدًاً فَجَعَلْنَهُمُ
قَالُواْ أَبْنُواْلَهُ يُنْيَنًا فَأَلْقُوهُ فِى الْجَحِيمِ
٩٦
اُلْأَسْفَلِينَ
(٩٨
قوله عز وجل: ﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ فيها أربعة تأويلات:
أحدها: أنه رأى نجماً طالعاً(٥٦)، فعلم بذلك أن له إلَهاً خالقاً، فكان هذا
نظره في النجوم، قاله سعيد بن المسيب.
الثاني: أنها كلمة من كلام العرب إذا تفكر الرجل في أمره قالوا قد نظر في
النجوم، قاله قتادة .
الثالث: أنه نظر فيما نجم من قولهم، وهذا قول الحسن.
الرابع: أن علم النجوم كان من النبوة، فلما حبس الله تعالى الشمس على
يوشع (٥٧) بن نون أبطل ذلك، فنظر إبراهيم فيها [كان](*) علماً نبوياً، قاله ابن
عائشة .
وحكى جويبر (٥٨) عن الضحاك أن علم النجوم كان باقياً إلى زمن عيسى ابن
مريم عليه السلام حتى دخلوا عليه في موضع لا يطلع عليه فقالت لهم مريم من أين
(٥٦) وفي نسخة للمخطوطة [فاستدل به على أنه له مدبراً صانعاً فعالم ... ].
(٥٧) وهو فتى موسى الذي صاحبه في رحلتيه الى الخضر.
(*) زيادة يقتضيها السياق.
(٥٨) وجويبر متروك كما مر غير مرة.
٥٥

سورة الصافات الآية - ٨٨ - ٩٨
علمتم موضعه؟ قالوا: من النجوم، فدعا ربه عند ذلك فقال: اللهم فوهمهم في علمها
فلا يعلم علم النجوم أحد، فصار حكمها في الشرع محظوراً وعلمها (٥٩) في الناس
مجهولاً. قال الكلبي وكانوا بقرية بين البصرة والكوفة يقال لها هرمزجرد وكانوا ينظرون
في النجوم.
﴿فقال إني سقيم﴾ فيه سبعة تأويلات:
أحدها: أنه استدل بها على وقت حمى كانت تأتيه.
الثاني: سقيم بما في عنقي من الموت ..
الثالث: سقيم بما أرى من قبح أفعالكم في عبادة غير الله.
الرابع : سقيم لشكه.
الخامس: لعلمه بأن له إلهاً خالقاً معبوداً، قاله ابن بحر.
السادس: لعلة عرضت له.
ء.
السابع: أن ملكهم أرسل إليه أن غداً عيدنا فاخرج، فنظر إلى نجم فقال: إن ذا
النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقمي، فتولوا عنه مدبرين، قاله عبد الرحمن بن زيد
قال سعيد بن المسيب: كابد نبي الله عن دينه فقال إني سقيم. وقال سفيان: كانوا
يفرون من المطعون فأراد أن يخلو بآلهتهم فقال: اني سقيم أي طعين وهذه خطيئته
التي قال اغفر لي خطيئتي يوم الدين وروى أبو هريرة عن النبي وَمايو (٦٠) أنه قال: ((لم
يكذب إبراهيم غير ثلاث: ثنتين في ذات الله عز وجل قوله إني سقيم، وقوله بل فعله
كبيرهم هذا، وقوله في سارة هي أختي))(٦١).
﴿فراغ إلى ءَالَتِهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه:
(٥٩) وتعلم علم النجوم والاستفادة منها فيه تفصيل راجع ما كتبه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على الروضة
الندية ورسالة التقويم الفلكي .
(٦٠) رواه الطبري (٧١/٢٣) والبخاري (٣٨١/٦) ومسلم (٢٣٧١).
من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٦١) قال الحافظ ابن كثير (١٣/٤) ((أما الحديث الذي رواه ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله وَلّ قال لم يكذب ابراهيم عليه الصلاة والسلام غير ثلاث كذبات .... الحديث فهو مخرج في
الصحاح والسنن من طرق ولكنه ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا ولما وإنما
أطلق الكذب على هذا تجوزاً وإنما هو من المعاريض لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث ((إن
في المعاريض لمندوحة عن الكذب)).
٥٦

61
سورة الصافات الآية - ٨٨ - ٩٨
أحدها: ذهب إليهم، قاله السدي .
الثاني: مال إليهم، قاله قتادة.
الثالث: صال عليهم، قاله الأخفش.
الرابع: أقبل عليهم، قاله الكلبي وقطرب، وهذا قريب من المعنيين
المتقدمین.
﴿فقال ألا تأكلون﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه قال ذلك استهزاء بهم، قاله ابن زياد.
الثاني: أنه وجدهم حين خرجوا إلى عيدهم قد صنعوا لآلهتهم طعاماً لتبارك
لهم فيه فلذلك قال للأصنام وإن كانت لا تعقل عنه الكلام احتجاجاً على جهل من
عبدها. وتنبيهاً على عجزها، ولذلك قال:
﴿ما لكم لا تنطقون﴾.
﴿فراغ عليهم ضرباً باليمين﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: يده اليمنى. قاله الضحاك، لأنها أقوى والضرب بها أشد.
الثاني : باليمين التي حلفها حين قال ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ حكاه ابن
عیسی .
الثالث: يعني بالقوة، وقوة النبوة أشد، قاله ثعلب.
﴿فأقبلوا إلیه یزفون﴾ فيه خمسة تأويلات:
أحدها: يخرجون، قاله ابن عباس.
الثاني : يسعون، قاله الضحاك.
الثالث: يتسللون، حكاه ابن عيسى .
الرابع: يرعدون غضباً، حكاه يحيى بن سلام.
الخامس: يختالون وهو مشي الخيلاء، وبه قال مجاهد، ومنه أخذ زفاف
العروس إلى زوجها، وقال الفرزدق:
يزفّ وجاءت خَلْفه وهي زفّف
وجاء قريع الشول قَبل إفالها
قوله عز وجل: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ فیه وجهان:
أحدهما: أن الله خلقكم وخلق عملكم.
٥٧

سورة الصافات الآية - ٩٩ - ١١٣
الثاني : خلقكم وخلق الأصنام التي عملتموها .
﴿فأرادوا به كيداً﴾ يعني إحراقه بالنار التي أوقدوها له.
﴿فجعلناهم الأسفلين﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: الأسفلين في نار جهنم، قاله يحيى .
الثاني: الأسفلين في دحض الحجة، قال قتادة: فما ناظروه بعد ذلك حتى
أهلكوا .
الثالث: يعني المهلكين فإن الله تعالى عقب ذلك بهلاكهم.
الرابع: المقهورين لخلاص إبراهيم من كيدهم. قال كعب: فما انتفع بالنار
يومئذٍ أحد من الناس وما أحرقت منه يومئذٍ إلا وثاقه .
وروت أم سبابة الأنصارية (٦٢) عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَ ل
حدثها أن ((إبراهيم لما ألقي في النار كانت الدواب كلها تطفىء عنه النار إلا الوزغة
فإنها كانت تنفخ عليها)) فأمر رسول الله وَلّ بقتلها.
فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ
وَقَالَ إِ ذَاهِبُّ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينِ الْهَرَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِحِينَ
حَلِيمٍ ﴿ فَمَّابَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّ ◌ِّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنِى أَذْ بَحُكَ فَأَنْظُرْ
مَاذَا تَرَىَّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ
٠٢
أَقَدْ صَدَقْتَ الرُّؤْيَآ إِنَا
١٠٤
وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَابَرَهِيمُ
١٠٢
فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَُّ لِلْجَبِينِ
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
وَفَدَيْنَهُ بِذِبْچٍ
إِنَّ هَذَالَهُوَ الْبَلَوُاْالْمُبِينُ
١٠٥
عَظِيمِ (٢٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِىِ آلْأَخِرِينَ
٠٨
سَلَمُ عَلَىَ إِنْزَهِيمَ (٩َ كَذَلِكَ نَجْرِى
﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١) وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ فِيًّا مِّنَ
اُلْمُحْسِنِينَ
الصَّلِحِينَ [٣] وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَّ إِسْحَقْ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ،
مُبِيرٌ
(٦٢) رواه أحمد (٨٣/٦) ومن حديث عائشة ورواه البخاري (٣٨٩/٦) من حديث أم شريك رضي الله عنها
قالت إن رسول الله له أمر بقتل الوزغ قال كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام.
٥٨ ٠

سورة الصافات الآية - ٩٩ - ١١٣
﴿وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾ وفي زمان هذا القول منه قولان:
أحدهما: أنه قال عند إلقائه في النار، وفيه على هذا القول تأويلان:
أحدهما: إني ذاهب إلى ما قضی به عليّ ربي .
الثاني: إني ميت كما يقال لمن مات قد ذهب إلى الله تعالى لأنه عليه السلام
تصور أنه يموت بإلقائه في النار على المعهود من حالها في تلف ما يلقى فيها إلى أن
قيل لها كوني برداً وسلاماً، فحينئذٍ سلم إبراهيم منها.
وفي قوله: ﴿سيهدين) على هذا القول تأويلان:
أحدهما: سيهدين إلى الخلاص من النار.
الثاني : إلى الجنة.
فاحتمل ما قاله إبراهیم من هذا وجهین :
أحدهما: أن بقوله لمن يلقيه في النار فيكون ذلك تخويفاً لهم.
الثاني: أن بقوله لمن شاهده من الناس الحضور فيكون ذلك منه إنذاراً لهم،
فهذا تأويل ذلك على قول من ذكر أنه قال قبل إلقائه في النار.
والقول الثاني : أنه قاله بعد خروجه من النار.
﴿إني ذاهب إلى ربي﴾ وفي هذا القول ثلاثة تأويلات:
أحدها: إني منقطع إلى الله بعبادتي، حكاه النقاش.
الثاني : ذاهب إليه بقلبي وديني وعملي، قاله قتادة.
الثالث: مهاجر إليه بنفسي فهاجر من أرض العراق. قال مقاتل: هو أول من
هاجر من الخلق مع لوط وسارة.
.
وفي البلد الذي هاجر إليه قولان:
أحدهما: إلى أرض الشام.
الثاني: إلى أرض حران، حكاه النسائي(٦٣).
وفي قوله: سيهدين على هذا القول تأويلان:
أحدهما: سيهدين إلى قول: حسبي الله عليه توكلت، قاله سليمان.
الثاني: إلى طريق الهجرة، قاله يحيى.
(٦٣) وفي نسخة أخرى للمخطوطة الكسائي.
٥٩

سورة الصافات الآية - ٩٩ - ١١٣
واحتمل هذا القول منه وجهين :
أحدهما: أن بقوله لمن فارقه من قومه فيكون ذلك توبيخاً لهم.
الثاني : أن بقوله لمن هاجر معه من أهله فيكون ذلك منه ترغيباً .
قوله عز وجل: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ أي وقور. قال الحسن: ما سمعت الله
يحل عباده شيئاً(*) أجل من الحلم.
وفي قولان:
أحدهما: أنه إسحاق، ولم يثن الله تعالى على أحد بالحلم إلا على إسحاق
وإبراهيم قاله قتادة .
الثاني: إسماعيل وبشر بنبوة (٦٤) إسحاق بعد ذلك، قاله عامر الشعبي. قال
الكلبي وكان إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة.
قوله عز وجل: ﴿فلما بلغ معه السعي﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: يمشي مع أبيه، قاله قتادة.
الثاني : أدرك معه العمل، قاله عكرمة.
الثالث: أنه سعي العمل الذي تقوم به الحجة، قاله الحسن.
الرابع: أنه السعي في العبادة، قاله ابن زيد.
قال ابن عباس: صام وصلى، ألم تسمع الله يقول ﴿وسعى لها سعيها﴾
[الإسراء: ١٩] قال الفراء والكلبي: وكان يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة.
﴿قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحُك﴾ فروى سماك عن عكرمة عن ابن
عباس (٦٥) قال: قال رسول الله وَ له ((رؤيا الأنبياء في المنام وحي)).
﴿فانظُرْ ماذا تَرَى﴾ لم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله سبحانه، وفيه
ثلاثة أوجه :
(*) هكذا في الأصول ولعل الصواب يجل في عباده شيئاً .
(٦٤) وهو الصواب والأدلة على ذلك كثيرة ذکر بعضها ابن القيم في زاد المعاد (١ /٧١ - ٧٥) ورجحه شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله وعدد من الأئمة راجع تفسير ابن كثير (١٥/٣).
(٦٥) رواه ابن أبي حاتم قال ابن كثير (١٥/٣) وليس هو في شيء من الكتب الستة وهذا الوجه. وبعد فقول
محقق المطبوعة رواه البخاري ومسلم والترمذي قول واسع الخطو وفيه نوع تجاسر.
٦٠