Indexed OCR Text

Pages 461-477

سورة الأنبياء الآية - ٨٤،٨٣
وكانت الريح تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء . قال مقاتل :
وسليمان أول من استخرج اللؤلؤ بغوص الشياطين .
، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنِ مَسَِّىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِمِينَ
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا ◌ِهِ، مِنِ ضُرِّوَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ
رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ
٨٤
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّي﴾ الآية. حكى الحسن البصري :
أن أيوب آتاه الله مالاً وولداً فهلك ماله ، ومات أولاده، فقال : ربِّ قد أُحْسَنْتَ إِليَّ
الإِحسانَ كُلُّه ، كنتُ قبل اليومِ شَغَلَنِي حُبُّ المالِ بالنهارِ ، وَشَغَنِي حُبُّ الولدِ
بالليلِ ، فالآن أَفَرِغُ لك سمعي وبصري وليلي ونهاري بالحمد والذكر فلم ينفذ
لإِبليس فيه مكر ، ولا قدر له على فتنة ، فَبُلِي في بَدَنِهِ حتى قرح وسعى فيه
الدود ، واشتد به البلاء حتى طرح على مزبلة بني إسرائيل ، ولم يبق أحد يدنو منه
غير زوجته صبرت معه ، تتصدق وتطعمه ، وقد كان آمن به ثلاثة من قومه ،
رفضوا(*) عند بلائه ، وأيوب يزداد حمداً لله وذكراً ، وإبليس يجتهد في افتتانه فلا
يصل إليه حتى شاور أصحابه ، فقالوا : أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة من أين
أتيته ؟ قال : من قبل امرأته ، فقالوا شأنك أيوب من قبل امرأته قال : أصبتم
فأتاها فذكر لها ضر أيوب بعد جماله وماله وولده ، فصرخت ، فطمع عدو الله
فيها ، فأتاها بسخلة ، فقال ليذبح أيوب هذه السخلة لي ويبرأ ، فجاءت إلى أيوب
فصرخت وقالت يا أيوب حتى متى يعذبك ربك ولا يرحمك ؟ أين المال ؟ أين
الولد ؟ أين لونك الحسن ؟ قد بلى ، وقد تردد (٧٥٦) الدواب ، إذبح هذه السخلة
واسترح . قال لها أيوب أتاك عدو الله فنفخ فيك فوجد فيك رفقاً فأجبتيه ؟ أرأيت ما
تبكين عليه من المال والولد والشباب والصحة من أعطانيه ؟ فقالت الله ، قال :
فكم متعنا به ؟ قالت : ثمانين سنة ، قال : منذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء ؟
(*) هكذا في الأصل ولعل الصواب رفضوه .
(٧٥٦) وفي الطبري (١٧ / ٧٠) .. وقد ترددت الدواب .. قلت ولعله تردّت أي هلكت والله أعلم.
٤٦١

سورة الأنبياء الآية - ٨٣، ٨٤
فقالت : منذ سبع سنين وأشهر قال : ويلك والله ما أنصفت ربك ، ألا صبرت حتى
نكون في هذا البلاء ثمانين سنة والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة ، ثم
طردها وقال : ما تأتيني به عليَّ حرام إن أكلته ، فيئس إبليس من فتنته (٧٥٧).
ثم بقي أيوب وحيداً فخر ساجداً وقال : ربِّ ،
مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ وفيه خمسة أوجه :
أحدها : أن الضر المرض ، قاله قتادة .
الثاني : أنه البلاء الذي في جسده ، قاله السدّي ، حتى قيل إن الدودة كانت
تقع من جسده فيردها في مكانها ويقول : كلي مما رزقك الله(٧٥٨).
الثالث : أنه الشيطان كما قال في موضع آخر ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بنُصُبٍ
وَعَذَابٍ ﴾ [ص: ٤١] قاله الحسن.
الرابع : أنه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض ، فقال : مسني الضر ،
إخباراً عن حاله ، لا شكوى لبلائه ، رواه أنس مرفوعاً (٧٥٩).
(٧٥٧) رواه ابن جرير عن الحسن (٦٩/١٧) وهذا الحديث كما يبدو من الإسرائيليات وسنده إلى الحسن
ضعيف ففي سنده مبارك بن فضالة وهو مدلس وقد عنعن وورد نحوه من قول وهب رواه ابن جرير
(٢٥٧/١٧) والرائحة الإسرائيلية تفوح منه .
(٧٥٨) لقد قف شعري مما أورده المؤلف هنا في نبي الله أيوب وير والأمر بخلاف ذلك. فهذه الأقوال وما
شابهها لا يشك عاقل في أنها من روايات أهل الكتاب وتلقاها منهم وهب وكعب والسدي والحسن
البصري وقد رواه الطبري عنهم .
(٧٥٩) رواه ابن جرير (١٦٧/٢٣) وأبو نعيم (٣٧٤/٣ - ٣٧٥) وابن حبان (٢٤٥/٤) والحاكم
(٥٨١/٢) والبزار (١٠٧/٣ - ١٠٨) وأبو ليلى (٢٩٩/٦) والضياء المقدسي كما نقله الالباني في
السلسلة (٢٥/١) وابن أبي حاتم كما في ابن كثير (١/٣) كلهم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن
الزهري عن انس مرفوعاً أن نبي الله أيوب ابتلي فلبث في بلائه ثماني عشرة سنة قال الحاكم صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه ...
قلت وهذا وهم منه رحمه الله فإن نافعاً لم يروله البخاري بل روى له مسلم فهو على شرط مسلم
فقط ..
وقال أبو نعيم غريب من حديث الزهري لم يروه عنه إلا عقيل ورواته متفق على عدالتهم تفرد به
نافع .. قلت وهذا التفرد لا يضر فإنه من رجال مسلم وهو نفسه وقال البزار لا نعلم رواه عن الزهري
عن أنس إلا عقيل ولا عنه إلا نافع سواه عن نافع غير واحد .. قلت وقد رواه مرسلاً ابن المبارك في
الزهد برقم ١٧٩ من طريقه يونس بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب مرسلاً مطولاً .
٤٦٢

سورة الأنبياء الآية - ٨٤،٨٣
الخامس : أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوماً فخاف هجران ربه ، فقال :
مسني الضر ، وهذا قول جعفر الصادق رحمه الله .
وفي مخرج قوله: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ أربعة أوجه :
أحدها : أنه خارج مخرج الإستفهام ، وتقديره أيمسني الضر وأنت أرحم
الراحمين .
الثاني : أنت أرحم بي أن يمسني الضر .
الثالث : أنه قال [ ذلك ] استقالة من ذنبه ورغبة إلى ربه .
الرابع : أنه شكا ضعفه وضره استعطافاً لرحمته ، فكشف بلاءه فقيل له :
﴿أَرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ﴾ [ص ٤٢] فركض برجله فنبعت عين، فاغتسل
منها وشرب فذهب باطن دائه وعاد إليه شبابه وجماله، وقام صحيحاً، وضاعف الله له
ما كان من أهل ومال وولد.
ثم إن امرأته قالت : إن طردني فإلى من أكِله؟ فَرَجَعَتْ فلم تَرَهُ ، فجعلت
= وقال الهيثمي في المجمع (٢٠٨/٨) رواه أبو يعلى والبزار ورجال البزار رجال الصحيح اهـ.
ووقع في رواية الحاكم خمسة عشر سنة . والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٥/١).
تنبيهات.
التنبيه الأول: وقع في فتح الباري (٤٢١/٦) نسبة هذا الحديث هكذا قال الحافظ أخرجه ابن أبي
حاتم وابن جريج وصححه ابن حبان والحاكم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس
أن أيوب عليه السلام ابتلي فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة . وفي هذا خطأ .
(أ) قوله ابن جريج لعله خطأ مطبعي والصواب ابن جرير .
(ب) صنيع الحافظ هنا وهم أن الحديث موقوف من قول أنس بينما هو مرفوع فلعل الناسخ أسقط قال
رسول الله أو قوله مرفوعاً .
(جـ ) ذكره مدة البلاء وأنها ثلاث عشرة يخالف الروايات التي ذكرها المؤلف إذ فيها خمسة عشر وقد
عرفت أن رواه الأكثرين ثماني عشرة فلتعتمد .
التنبيه الثاني: اعرب الحافظ ابن كثير رحمه الله حيث قال في البداية والنهاية (١ /٢٠٨) وكذا في التفسير
(١٨٩/٣) هذا غريب. رفعه جيداً والأشبه أن يكون موقوفاً .. قلت ولم يدل على الوقف دليل
وحتى لو كان غريباً فالغرابة لا تنافي الصحة كما هو معلوم وعلى فرضر أنه موقوف فهو في حكم
المرفوع على أن التسليم بصحة وقفه يحتاج إلى بينة وهي مفقودة هنا .
تنبيه ثالث : في سند هذا الحديث عندأبي بعلى حميدي الربيع الخزاز .
وقد ضعفه بعضهم ووثقه بعضهم ولكنه لم يتفرد به بل تابعه عن الحاكم ( أحمد بن مهران )
(٥٨١/٢) وعند أبي نعيم اسماعيل بن عبد الله ويحيى بن أيوب كما تقدم في تخريج الحديث.
٤٦٣

سورة الأنبياء الآية - ٨٥، ٨٦
تطوف وتبكي ، وأيوب يراها وتراه فلا تعرفه فلما سألته عنه وكلمته فعرفته ، ثم إن
الله رحمها لصبرها معها على البلاء ، فأمره أن يضربها بضِغت (٧٦٠) ليبرّ في يمينه ،
قاله ابن عباس . وكانت امرأته ماخيرا بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب .
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرِّ وءَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ ﴾
قال ابن مسعود(٧٦١): رد الله إليه أهله الذين أهلكهم بأعيانهم ، وأعطاه مثلهم
معهم . قال الفراء كان لأيوب سبع بنين وسبع بنات فماتواً في بلائه ، فلما كشف
الله ضره رَدّ عليه بنيه وبناته وولد له بعد ذلك مثلهم ، قال الحسن : وكانوا ماتوا قبل
آجالهم فأحياهم الله فوفاهم آجالهم ، وأن الله أبقاه حتى أعطاهم من نسلهم
مثلهم .
وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِّ كُلٌّ مِنَ الصَّبِينَ (٥) وَأَدْخَلْنَهُمْ
فِي رَحْمَتِنَّاً إِنَّهُمْ مِنَ الصَّلِحِينَ
٨٦
قوله تعالى : ﴿ وَذَا الْكِفْلِ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه لم يكن نبياً وكان عبداً صالحاً كُفِلَ لنبي قيل إنه اليسع بصيام
النهار وقيام الليل ، وألا يغضب ، ويقضي بالحق ، فوفى به فأثنى الله عليه ، قاله
أبو موسى ، ومجاهد ، وقتادة .
: الثاني : أنه كان نبياً كفل (٧٦٢) بأمر فوفى به ، قاله الحسن .
وفي تسميته بذي الكفل ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه كان (٧٦٣).
.
(٧٦٠) وهي حزمة من عثكال النخل .
(٧٦١) رواه الطبري (١٧ /٧٢) والطبراني كما في المجمع (٤ /٦٧)
وفي سنده انقطاع بين الضحاك وابن مسعود .
وفي سند الطبراني يسمى الحماني وهو ضعيف كما نبه على ذلك الهيثمي في المجمع .
(٧٦٢) قال الحافظ ابن كثير (١٩٠/٣). وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو
نبي .
(٧٦٣) ذكر ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير (٣٧٩/٥) ثلاثة أقوال في سبب التسمية ولا بأس
٤٦٤

سورة الأنبياء الآية - ٨٠٨،٨٧
الثاني : لأنه کفل بأمر فوفی به .
الثالث : لأن ثوابه ضعف ثواب غيره ممن کان في زمنه.
وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّأَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَتَادَى فِ الْفُّكُلُمَتِ أَنْ
لَّ إِلَهُ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
فَاسْتَجَبْنَا
لَهُوَجَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ
٨٨
قوله تعالى : ﴿ وَذَا آلنُّونِ ﴾ وهو يونس بن متى ، سمي بذلك لأنه صاحب
الحوت، كما قال تعالى: ﴿فَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] والحوت
النون، نسب إليه لأنه ابتلعه، ومنه قول الشاعر:
وجيداً أهله من حاضر بادي
يا جيد القصر نعم القصر والوادي
توفي قراقره والوحش رائعه والضب والنون والملاح والحادي
يعني أنه يجتمع فيه صيد البر والبحر ، وأهل المال والظهر ، وأهل البدو
والحضر .
إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني مراغماً للملك وكان اسمه حزقيا ولم یکن به بأس ، حكاه
النقاش .
الثاني : مغاضباً لقومه ، قاله الحسن .
الثالث : مغاضباً لربه ، قاله الشعبي ، ومغاضبته ليست مراغمة ، لأن مراغمة
الله كفر لا تجوز على الأنبياء ، وإنما هي خروجه بغير إذن ، فكانت هي معصيته .
وفي سبب ذهابه لقومه وجهان :
بايرادها هنا ومقارنتها بما ذكره المؤلف . وإليك هذه الوجوه: أحدهما أن رجلاً كان يصلي كل يوم مائة
=
صلاة فتوفي فكفل صلاته فسمى ذا الكفل قاله أبو موسى الأشعري . الثاني أن تكفل لنبي بقومه أن
يكفيه أمرهم ويقيمه ويقضي بينهم بالعدل ففعل فسمي ذا الكفل قاله مجاهد. الثالث أن ملكاً قتل في
يوم ثلاثمائة نبي وفر منه مائة نبي فكفلهم ذو الكفل يطعمهم ويسقيهم حتى أفلتوا فسمي ذا الكفل قاله
ابن السائب .
٤٦٥

سورة الأنبياء الآية - ٨٨،٨٧
أحدهما : أنه كان في خُلُقِه ضيق ، فلما حملت عليه أثقال النبوة ضاق ذرعه
بها ولم يصبر لها، وكذلك قال الله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ
الرُّسُلِ﴾ الأحقاف: ٣٥] قاله وهب.
الثاني : أنه كان من عادة قومه أن من كذب قتلوه ، ولم يجربوا عليه كذباً ،
فلما أخبرهم أن العذاب يحل بهم ورفعه الله عنهم ، قال لا أرجع إليهم كذّاباً ،
وخاف أن يقتلوه فخرج هارباً (٧٦٤) .
فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها : فظن أن لن نضيق طرقه ، ومنه قوله : ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾
[الطلاق: ٧] أي ضیق علیه، قاله ابن عباس.
الثاني : فظن أن لن نعاقبه بما صنع ، قاله قتادة ، ومجاهد .
الثالث : فظن أن لن نحكم عليه بما حكمنا ، حكاه ابن شجرة ، قال
الفراء : معناه لن نُقِدرَ عليه من العقوبة ما قَدَّرْنَا ، مأخوذ من القدر ، وهو الحكم
دون القدرة ، وقرأ ابن عباس: نقدّر بالتشديد(٧٦٥)، وهو معنى ما ذكره الفراء . ولا
يجوز أن يكون محمولاً على العجز عن القدرة عليه لأنه كفر .
الرابع : أنه على معنى استفهام ، تقديره : أفظن أن لن نقدر عليه ، فحذف
ألف الاستفهام إيجازاً ، قاله سليمان بن المعتمر .
فَتَادَىْ فِي الظُّلُمَاتِ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنها ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة جوف الحوت ، قاله ابن
عباس ، وقتادة .
٠٠
الثاني : أنها ظلمة الحوت في بطن الحوت ، قاله سالم بن أبي الجعد .
ويحتمل ثالثاً : أنها ظلمة الخطيئة ، وظلمة الشدة ، وظلمة الوحدة .
(٧٦٤) روى قصته باسناد صحيح ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن ميمون عن ابن مسعود كما قال الحافظ
في الفتح (٤٥٢/٦).
(٧٦٥) وهي قراءة سعيد بن جبير وأبي الجوزاء وابن أبي ليلى وفيها قراءات أخرى راجعها في زاد المسير
(٣٨٢/٥).
٤٦٦

سورة الأنبياء الآية - ٩٠،٨٩
﴿ أَن ◌َّ إِلَّهَ إِلَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ يعني لنفسي في
الخروج من غير أن تأذن لي ، ولم يكن ذلك عقوبة من الله ، لأن الأنبياء لا يجوز
أن يعاقبوا ، وإنما كان تأديباً ، وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان .
قوله تعالى : ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾ وفي استجابة الدعاء قولان:
أحدهما : أنه ثواب من الله للداعي ولا يجوز أن يكون غير ثواب .
والثاني : أنه استصلاح فربما كان ثواباً وربما كان غير ثواب .
﴿ وَنَجَّيْتَهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : من الغم بخطيئته .
الثاني : من بطن الحوت لأن الغم التغطية. وقيل: إن الله أوحى إلى الحوت
ألّ تكسر له عظماً ، ولا تخدش له جلداً .
وحينما صار في بطنه : قال يا رب اتخذتَ لي مسجداً في مواضع ما اتخذها
أحد .
وفي مدة لبثه في بطن الحوت ثلاثة أقاويل :
أحدها : أربعون يوماً .
الثاني : ثلاثة أيام .
الثالث : من ارتفاع النهار إلى آخره . قال الشعبي : أربع ساعات ، ثم فتح
الحوت فاه فرأى يونس ضوء الشمس ، فقال : سبحانك إني كنت من الظالمين ،
فلفظه الحوت .
وَزَكَرِيَّا إِذْنَادَىْ رَبَُّ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ
٨٩
فَاسْتَجَبْنَا لَهُوَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُزَوْجَهُ، إِنَّهُمْ
كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَارَغَبًا وَرَهَبَّاً وَكَانُواْ
لَنَا خَشِعِينَ
٩٠
﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
- .
٤٦٧

سورة الأنبياء الآية - ٩٠،٨٩
أحدها : خلياً من عصمتك ، قاله ابن عطاء .
الثاني : عادلاً عن طاعتك .
الثالث : وهو قول الجمهور يعني وحيداً بغير ولد .
( وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾ أي خير من يرث العباد من الأهل والأولاد ، ليجعل
رغبته إلى الله في الولد والأهل لا بالمال ، ولكن ليكون صالحاً ، وفي النبوة تالياً .
قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَجْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْبَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ فيه
وجهان :
أحدهما : أنها كانت عاقراً فَجُعِلَتْ ولوداً. قال الكلبي : وَلَدَتْ له وهو ابن
بضع وسبعين سنة .
والثاني : أنها كانت في لسانها طول فرزقها حُسْنَ الخَلْقِ ، وهذا قول عطاء ،
وابن كامل .
﴿ .... يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾ أي يبادرون في الأعمال الصالحة ، يعني
زكريا ، وامرأته ، ويحيى .
وَيَدْعُونَنَا رَغَبأَ وَرَهَباً﴾ فيه أربعة أوجه :
أحدها : رغباً في ثوابنا ورهباً من عذابنا .
الثاني : رغباً في الطاعات ورهباً من المعاصي .
والثالث : رغباً ببطون الأكف ورهباً بظهور الأكف .
والرابع : يعني طمعاً وخوفاً .
ويحتمل وجهاً خامساً : رغباً فيما يسعون من خير ، ورهباً مما يستدفعون من
شر .
وَكَانُوْ لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه: (٧٦٦)
أحدها : يعني متواضعين ، وهذا قول ابن عباس .
(٧٦٦) واستظهر هذا القول ابن كثير رحمه الله (١٩٣/٣) وأما القول الثاني فقد ورد من قول ابن عباس
رواه الحاكم (٣٨٣/٢) وصححه وتعقبه الذهبي بقوله طلحة ( أحد الرواة ) واهٍ .
٠.
٤٦٨

سورة الأنبياء الآية - ٩١ - ٩٤
والثاني : راغبين راهبين ، وهو قول الضحاك .
والثالث : أنه وضع اليمنى على اليسرى ، والنظر إلى موضع السجود في
الصلاة .
وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَآَبْنَهَآَ
ءَايَةٌ لِّلْعَلَمِينَ
قوله عز وجل : ﴿ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : عفّت فامتنعت عن الفاحشة .
والثاني : أن المراد بالفَرْجِ فَرْجُ درعها منعت منه جبريل قبل أن تعلم أنه
رسول .
﴿ فَتَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ أي أجرينا فيها روح المسيح كما يجري الهواء
بالنفخ ، فأضاف الروح إليه تشريفاً له ، وقيل بل أمر جبريل فحلّ جيب درعها
بأصابعه ثم نفخ فيه فحملت من وقتها.
﴿ وَجَعَلْنَاهَا وَأَبْنَهَا ءَايَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ لأنها حملت من غير مسيس، ووُلد
عيسى من غير ذُكَرٍ ، مع كلامه في المهد ، ثم شهادته ببراءتها من الفاحشة ،
فكانت هذه هي الآية ، قال الضحاك : ولدته في يوم عاشوراء .
إِنَّ هَذِهِ: أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْرَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴿ وَتَقَطَّعُوْاْ
أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ
وَهُوَ مُؤْ مِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ، وَإِنَّا لَهُ كَتِبُونَ
٩٤
قوله عز وجل : ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ معناه أن دینکم دین واحد ،
وهذا قول ابن عباس ، وقتادة .
ويحتمل عندي وجهين آخرين :
أحدهما : أنكم خلق واحد ، فلا تكونوا إلا على دين واحد .
والثاني : أنكم أهل عصر واحد ، فلا تكونوا إلا على دين واحد .
٤٦٩

سورة الأنبياء الآية - ٩٥ - ٩٧
وَأَتَأْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ فأوصى ألا يعبد سواه .
وَتَقَطَّعُواْ أُمْرَهُم بَيْنَهُمْ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : اختلفوا في الدين ، قاله الأخفش .
الثاني : تفرقوا ، قاله الكلبي .
حَتٌَّ إِذَا فُتِحَتْ
وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزْجِعُونَ ®
وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ
٩٦
يَأْجُوجُ وَمَأْجُوُ وَهُمْ مِن كُلِّ حَدٍَ يَنْسِلُونَ(
اُلْحَقُّ فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُ واْيَوَيْلَنَا قَدْكُنَّافِ عَفْلَةٍ
مِّنْ هَذَابَلْ كُنَّا ظَلِمِين
قوله عز وجل: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ فيه
تأويلان :
أحدهما : معناه حرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب أنهم لا يرجعون إلى
التوبة ، وهو قول عكرمة .
الثاني : وحرام على قرية أهلكناها بالعذاب أنهم لا يرجعون إلى الدنيا ،
وهذا قول الحسن ، وقرأ ابن عباس (٧٦٧): وحَرُم على قرية، وتأويلها ما قاله
سفيان: وجب على قرية أهلكناها(*). [ أنهم لا يرجعون قال: لا يتوبون ].
قوله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحتْ يَأْجُوجُ وَمَأُجُوجُ﴾ أي فتح السد ، وهو
من أشراط الساعة ، وروى أبو هريرة (٧٦٨) عن زينب بنت جحش قالت : كان رسول .
(٧٦٧) وفيها قراءات أخرى كثيرة راجعها في زاد المسير (٣٨٦/٥ - ٣٨٧).
(*) بعد قوله أهلكناها عبارة مضطربة ومطموسة في الأصل وما بين المربعين أخذناه من القرطبي
(٧٦٨) في هذا الموضع حدث طمس في أصل المخطوطة وأظن أن قوله هنا روى أبو هريرة عن زينب خطأ
بل أكاد أجزم بذلك .
وأن الصواب روى أبو هريرة وزينب بنت جحش ..
فإن هذا الحديث ورد من حديث أبي هريرة مرفوعاً وكذا من حديث زينب مرفوعاً وهاك بيانها
حديث أبي هريرة رواه الحاكم (١٠٨/١) من ثلاثة طرق عن أبي هريرة الأول قال فيه صحيح على
شرط الشيخين ولم يخرجاه فتعقبه الذهبي بقوله فيه انقطاع .
=
٤٧٠

سورة الأنبياء الآية - ٩٥ - ٩٧
الله وَلّ نائماً في بيتي، فاستيقظ محمرة عيناه، فقال: ((لَا إِلَّهَ إِلَّ اللَّهَ
ثَلَاثاً، وَيْلٌ لِلْعَربِ مِن شَرِ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَومَ مِن رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ
هذَا)) وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَىْ عِقْدِ التُّسْعِينَ.
ويأجوج ومأجوج قيل أنهما أخوان ، وهما ولدا يافث بن نوح ، وفي اشتقاق
اسميهما قولان :
أحدهما : أنه مشتق من أَجّت النار .
والثاني : من الماء الأجاج . وقيل إنهم يزيدون على الإِنس الضعف .
﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴾ وفي حدب الأرض ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه فجاجها وأطرافها ، قاله ابن عباس .
والثاني : حولها .
الثالث : تلاعها وآكامها ، مأخوذ من حدبة الظهر ، قال عنترة :
فما رعشت يداي ولا ازْدهاني
تواترهم إليَّ من الحِداب
وفي قوله : ﴿يَنْسِلُونَ ﴾ وجهان :
أحدها : معناه يخرجون ، ومنه قول امرىء القيس (٧٦٩):
فسلي ثیابي من ثيابك تنسلٍ
والثاني : معناه يسرعون ، ومنه قول الشاعر(٧٧٠):
عسلان الذئب أمسى قارباً برد الليل عليه فنسل
وفيه زیادة.
= الثاني: قد صححه على شرط مسلم ولم
والطريق الثالث: قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وفيه زيادة أيضاً وقد روى الحديث البزار.
كما نقله ابن كثير من (١ /١٠٥) وهي طرق رائجة عن أبي هريرة.
وقد روى البخاري (٣٨٢/٦) ومسلم (٢٨٨١) من حديثه مرفوعاً ولفظه فتح الله من ردم يأجوج
ومأجوج مثل هذه وعقد بيده التسعين ورواه أحمد ( ٤٤١/٢ ) وأبو داود (٤٢٤٩ ).
وأما حديث زينب رضي الله عنها .
فرواه البخاري (٣٨١/٦) ومسلم (٢٢٠٨/٤) والترمذي (٤٨٠/٤) والبغوي في مصابيح السنة
(٤١١٢). وفيه فائدة إسنادية ذكرها ابن كثير (١٠٥/١).
(٧٦٩) وصدر البيت وإن تك قد ساءتك مني خليقة .
(٧٧٠) هو لبيد أو النابغة الجعدي والبيت في اللسان ((عسل، نسل)) والطبري (٩١/١٧).
٤٧١

سورة الأنبياء الآية - ٩٨ - ١٠٣
وفي الذين هم من كل حدب ينسلون قولان :
أحدهما : هم يأجوج ومأجوج(٧٧١)، وهذا قول ابن مسعود.
الثاني : أنهم الناس يحشرون إلى الموقف .
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا
لَوْكَانَ هَؤُلاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلُّ فِيهَا خَلِدُونَ
٩٨
وَرِدُونَ
لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم
لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى
٩٩
رصاروخ
مِّنَا الْحُسْنَ أُوْ لَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِّدُونَ (٣) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اُلْأَكْبَرُ وَنَقَّهُمُ
الْمَلَتَبِكَةُ هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنتُمُ تُوعَدُونَ
١٠٣
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ فيه ثلاثة
أقاويل :
أحدها : وقود جهنم ، وهو قول ابن عباس .
الثاني : معناه حطب جهنم ، وقرأ علي بن أبي طالب وعائشة : حطب
جهنم (٧٧٢) .
الثالث : أنھم یُرمَون فیھا کما يُرْمَى بالحصباء ، حتى كأن جهنم تحصب
بهم ، وهذا قول الضحاك ، ومنه قول الفرزدق :
مستقبلين شمال الشام يضربنا بحاصب كنديف القطن منثور
يعني الثلج ، وقرأ ابن عباس : حضب جهنم ، بالضاد معجمة . قال
الكسائي : حضبت النار بالضاد المعجمة إذا أججتها فألقيت فيها ما يشعلها من
الحطب .
قوله عز وجل : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّ الْحُسْنَى﴾ فيها ثلاثة تأويلات:
(٧٧١) وهو أرجح لدلالة السياق عليه ومواقعة الخبر الوارد له .
(٧٧٢) وفيها قراءات أخرى راجعها في زاد المسير (٣٩٠/٥).
٤٧٢

سورة الأنبياء الآية - ١٠٤
أحدها : أنها الطاعة لله تعالى ، حكاه ابن عيسى .
والثاني : السعادة من الله ، وهذا قول ابن زيد .
والثالث : الجنة ، وهو قول السدي .
ويحتمل تأويلاً رابعاً : أنها التوبة .
﴿أُوْلَكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ يعني عن جهنم . وفيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم عيسى والعزير والملائكة الذين ◌ُبِدوا من دون الله وهم كارهون
وهذا قول مجاهد .
الثاني : أنهم عثمان وطلحة والزبير ، رواه النعمان بن بشير عن علي بن أبي
طالب .
الثالث : أنها عامة في كل من سبقت له من الله الحسنى .
وسببب نزول هذه الآية(٧٧٣) ما حكي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قال المشركون: فالمسيح والعزير والملائكة
قد عُبِدُوا، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا
مُبْعَدُونَ ﴾ يعني عن جهنم، ويكون قوله: ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾
محمولاً على من عذبه ربه .
قوله عز وجل : ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأُكْبَرُ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الفزع الأكبر النفخة الأخيرة ، وهذا قول الحسن .
والثاني : أنهذَبْحُ الموتِ ، حكاه ابن عباس .
والثالث : حين تطبق جهنم على أهلها ، وهذا قول ابن جريج .
ويحتمل تأويلاً رابعاً : أنه العرض في المحشر .
يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كُطَيِ السّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ
وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ
١٠٤
(٧٧٣) رواه ابن جرير (٩٧/١٧) وزاد السيوطي في الدر (٦٧٩/٥) نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن أبي
حاتم والطبراني وغيرهم .
٤٧٣

سورة الأنبياء الآية - ١٠٥ - ١٠٧
قوله عز وجل : ﴿يَوَمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ فيه ثلاثة
أقاويل :
أحدها : أن السجل الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة ، وهذا قول
مجاهد ، وقتادة .
الثاني : أنه الملك .
الثالث : أنه كاتب يكتب (٧٧٤) بين يدي رسول الله والقر، وهذا قول ابن
عباس .
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِأَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَاِعِبَادِىَ
الصََّلِحُونَ ﴿ إِنَّ فِى هَذَا لَبَلَغَّا لِّقَوْمِ عَبِدِينَ لَّهُوَ مَآ أَرْسَلْنَكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَلَمِينَ
١٠٧
قوله عز وجل : ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
(٧٧٤) وقد ورد الحديث بذلك عن ابن عباس شاهد من حديث ابن عمر . أما حديث ابن عباس فرواه أبو
داود ( ٢٩٣٥) والنسائي ( في الكبرى كما في التحفة للمزي ) (٣٦٦/٤) وابن جرير (١٠٠/١٧)
وزاد السيوطي في الدر (٦٨٤/٥) نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده في المعرفة"
والبيهقي في سننه وصححه كلهم من طريق عمرو بن مالك عن ابن الجوزاء عن ابن عباس بلفظ
السجل كاتب النبي قال﴾ .
أخرجه ابن المنذر وابن عدي وابن عساكر من طريق يحيى بن عمرو بن مالك النكري عن أبيه عن ابن
الجوزاء به. الشاهد: رواه ابن مردويه وابن منده في الصحابة وابو نعيم كلهم من طريق ابن نمير عن
عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال كان للنبي كاتب يقال له سجل .
قال الحافظ ابن كثير (٢٠٠/٣) وهذا منكر جداً من حديث نافع عن ابن عمر لا يصح أصلاً وكذلك
ما تقدم عن ابن عباس من رواية ابن داود وغيره لا يصح أيضاً وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه
وإن كان في سنن أبي داود، منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي فسح الله في عمره ونسأ في
أجله وختم له بصالح عمله وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدته ولله الحمد وقد تصدى الإمام
أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد وقال لا يعرف في الصحابة أحد اسمه
السجل وكتاب النبي ◌َّ معروفون ليس منهم أحد اسمه السجل وصدق رحمه الله في ذلك وهو من أقوى .
الأدلة على نكارة هذا الحديث وأما من ذكره في اسماء الصحابة فإنما اعتمد على هذا الحديث لا
على غيره والله أعلم. والصحيح عن ابن عباس أن السجل الصحيفة قاله علي بن أبي طلحة والعوفي
عنه ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة اهـ.
٤٧٤

سورة الأنبياء الآية - ١٠٥ - ١٠٧
أحدها : أن الزبور الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه ، والذكر أُمّ
الكتاب الذي عنده في السماء ، وهذا قول مجاهد .
والثاني : أن الزبور من الكتب التي أنزلها الله تعالى على مَنْ بعد موسى من
أنبيائه ، وهذا قول الشعبي (٧٧٥).
﴿ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ فيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها أرض الجنة يرثها أهل الطاعة ، وهذا قول سعيد بن جبير ،
وابن زيد .
والثاني : أنها الأرض المقدسة يرثها بنو إسرائيل ، وهذا قول الكلبي .
والثالث: أنها أرض الدنيا، والذي يرثها أمة محمد وَلغيره، وهذا قول ابن
عباس .
قوله عز وجل : ﴿إِنَّ فِي هُذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾، أما قوله ﴿ إِنَّ فِي
هذَا ﴾ ففيه قولان :
أحدهما : يعني في القرآن .
والثاني : في هذه السورة .
وفي قوله : ﴿ لَبَلَاغَاً لِّقُوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ وجهان :
أحدهما : أنه بلاغ إليهم يَكُفَّهُم عن المعصية ويبعثهم على الطاعة .
الثاني : أنه بلاغ لهم يبلغهم إلى رضوان الله وجزيل ثوابه .
وفي قوله : ﴿ عَابِدِينَ ﴾ وجهان :
أحدهما : مطيعين .
والثاني : عالمين .
قوله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فيما أريد بهذه الرحمة
وجهان :
أحدهما : الهداية إلى طاعة الله واستحقاق ثوابه .
(٧٧٥) لم يذكر المؤلف هنا الوجه الثالث فتنبه.
٤٧٥

سورة الأنبياء الآية - ١٠٨ - ١١٢
الثاني : أنه ما رفع عنهم من عذاب الاستئصال .
وفي قوله : ﴿لِلْعَالَمِينَ ﴾ وجهان :
أحدهما : من آمن منهم ، فيكون على الخصوص في المؤمنين إذا قيل إن
الرحمة الهداية .
الثاني : الجميع ، فيكون على العموم في المؤمنين والكافرين إذا قيل إن
الرحمة ما رفع عنهم من عذاب الاستئصال .
قُلْ إِنَّمَايُوحَىَ إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
◌َ فَإِ تَوَلَّوْ فَقُلْءَاذَنْنُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌمَّا
١٠
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ
تُوعَدُونَ
١َ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمُ وَمَنَعُ إلَى حِينٍ ◌َّقَلَ رَبِّ أَحْكُم بِالْحَقِّ
١١٠
وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
(١١٢)
قوله عز وجل : ﴿ فَإِن تَوَلَّوْا ﴾ يعني أعرضوا ، وفيه وجهان :
أحدهما : عنك .
والثاني : عن القرآن .
فَقُلْ ءَاذَنْتُكُمْ عَلَىْ سَوَآءٍ ﴾ فيه سبعة تأويلات :
أحدها : على أمر بيِّنِ سَوِي ، وهذا قول السدي .
والثاني : على مَهْلٌ ، وهذا قول قتادة .
والثالث : على عدل ، وهذا قول الفراء .
والرابع : على بيان علانية غير سر ، وهذا قول الكلبي .
والخامس : على سَوَّاءٍ في الإِعلام يظهر لبعضهم ميلاً به عن بعض ، وهذا
قول علي بن عيسى .
والسادس : استواء في الإِيمان به .
٤٧٦

سورة الأنبياء الآية - ١٠٨ - ١١٢
والسابع : معناه أن من كفر به فهم سواء في قتالهم وجهادهم ، وهذا قول
لحسن .
قوله عز وجل : ﴿ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : لعل تأخير العذاب فتنة لكم .
والثاني : لعل رفع عذاب الاستئصال فتنة لكم .
وفي هذه الفتنة ثلاثة أوجه:
أحدها : هلاك لكم .
والثاني : محنة لكم .
والثالث : إحسان لكم .
وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : إلى يوم القيامة ، وهذا قول الحسن .
والثاني : إلى الموت ، وهذا قول قتادة .
والثالث : إلى أن يأتي قضاء الله تعالى فيهم .
قوله عز وجل : ﴿قَالَ رَبِّ أَحْكُم بِالْحَقِّ ﴾ (٧٧٦) فيه وجهان :
أحدهما : عجّل الحكم بالحق .
الثاني : معناه افصل بيننا وبين المشركين بما يظهر به الحق للجميع ، وهذا
معنى قول قتادة .
وَرَبُّنَا الرَّحَمْنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: على ما تكذبون ، قاله قتادة .
والثاني : على ما تكتمون ، قاله الكلبي .
وقيل (٧٧٧) إن النبي ◌َّر كان إذا شهد قتالاً قرأ هذه الآية . والله أعلم .
(٧٧٦) قال العلامة ابن هبيرة .. المراد منه كن أنت أيها القائل على الحق ليمكنك أن تقول احكم بالحق لأن
المبطل لا يمكن أن يقول احكم بالحق
راجع ذيل الطبقات لابن رجب الحنبلي (١ /٢٦٦) .
(٧٧٧) من حديث مرسل من مرسلات قتادة رواه عنه مطولاً ابن أبي حاتم كما نسبه السيوطي إليه في الدر
(١٨٩/٥) ورواه مختصراً عنه ابن جرير (١٠٧/١٧) وزاد السيوطي نسبة المختصر في الدر
(٦٨٩/٥) لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر .
٤٧٧