Indexed OCR Text
Pages 361-380
سورة مريم الآية - ١٦ - ٢١ الثالث : يعني صدقة به على والديه، قاله ابن قتيبة . وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ فيه وجهان: أحدهما : مطيعاً لله ، قاله الكلبي . الثاني : باراً بوالديه ، قاله مقاتل . وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ مَرْيَإِذِاُنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَنَا شَرْقِيًّا فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ جِحَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَارُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَاسَوِبًّا ﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَّقِيًّا ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمًا زَكِيًّا ﴿ قَالَتْ أَّى يَكُونُ لِ غُلِمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَلُ بَغِيًّا ٢٠ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ٢١ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا قوله تعالى : ﴿ وَأَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾ يعني في القرآن ﴿إِذْ أَنْتَبَذَتْ مِنْ أهلها ﴾ فیه وجهان : أحدهما : انفردت ، قاله قتادة . الثاني : اتخذت . ﴿ مَكَاناً شَرْقِيّاً ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : ناحية المشرق ، قاله الأخفش ولذلك اتخذت النصارى المشرق قبلة . الثاني : مشرقة داره التي تظلها الشمس ، قاله عطية (٦١٧). الثالث : مكاناً شاسعاً بعيداً ، قاله قتادة . قوله تعالى: ﴿فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً ﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها : حجاباً من الجدران ، قاله السدي . (٦١٧) وهو قول الأكثرين كما في زاد المسير (٢١٦/٥) روح المعاني (٧٥/١٦) ابن كثير (١١٥/٣) وفتح القدير (٣٢٧/٣) وابن جرير (٦٠/١٦). ٣٦١ سورة مريم الآية - ١٦ - ٢١ الثاني : حجاباً من الشمس جعله الله ساتراً ، قاله ابن عباس . الثالث : حجاباً من الناس ، وهو محتمل ، وفيه وجهان : أحدهما : أنها اتخذت مكاناً تنفرد فيه للعبادة . الثاني : أنها اتخذت مكاناً تعتزل فيه أيام حيضها . فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ الآية : فيه قولان : أحدهما : يعني الروح التي خلق منها المسيح حتى تمثل لها بشراً سوياً . الثاني : أنه جبريل ، قاله الحسن ، وقتادة ، والسدي ، وابن جريج ، وابن منبه . وفي تسميته له روحاً وجهان : أحدهما : لأنه روحاني لا يشوبه شيء غير الروح ، وأضافه إليه بهذه الصفة تشريفاً له . الثاني : لأنه تحيا به الأرواح . واختلفوا في سبب حملها على قولين : أحدهما : أن جبريل نفخ في جيب درعها وكُمِّهَا فَحَمَلَتْ ، قاله ابن جريج ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت : .... " فأهوى لها بالنفخ في جيب درعها فألقت سويّ الخلق ليس بتوأم الثاني : أنه ما كان إلا أن حملت فولدته ، قاله ابن عباس . واختلفوا في مدة حملها على أربعة أقاويل : أحدها : تسعة أشهر ، قاله الكلبي . الثاني : ستة أشهر . حكى لي ذلك أبو القاسم الصيمري . الثالث : يوماً واحداً (٦١٨). الرابع : ثمانية أشهر ، وكان هذا آية عيسى فإنه لم يعش مولوداً لثمانية أشهر سواه . (٦١٨) قال الحافظ ابن كثير (١١١٦/٣) .. والمشهور عن الجمهور إنها حملت به تسعة أشهر. ٣٦٢ سورة مريم الآية - ٢٣،٢٢ قوله تعالى : ﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمْنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ لأن مريم خافت جبريل على نفسها حين دنا منها فقالت ﴿ إِنِّي أَعُوذُ ﴾ أي أمتنع ﴿ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ ﴾ فاستغاثت بالله في امتناعها منه . فإن قيل : فلم قالت ﴿ إن كُنتَ تَقِيّاً﴾ والتقي مأمون وإنما يستعاذ من غير التقي ؟ ففيه وجهان : أحدهما : أن معنى كلامها إن كنت تقياً لله فستمتنع من استعاذتي وتنزجر عني من خوفه ، قاله أبو وائل(*). الثاني : أنه كان اسماً لرجل فاجر من بني إسرائيل مشهور بالعهر يُسَمَّى تقياً(٦١٩) فخافت أن يكون الذي جاءها هو ذلك الرجل المسمى تقياً الذي لا يأتي إلا للفاحشة فقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ، قاله ابن عباس . فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ ٢٢ فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ،مَكَانَاقَصِيًّا النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِى مِتْ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ٢٣ قوله تعالى: ﴿فَأْجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ فيه وجهان: أحدهما : معناه ألجأها ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، ومنه قول الشاعر(٦٢٠): فأجأناكم إلى سفح الجبل إذ شددنا شدة صادقة الثاني : معناه فجأها المخاض كقول زهير(٦٢١): وجارٍ سارَ معتمداً إلينا أجاءته المخافة والرجاء وفي قراءة ابن مسعود﴿ فَأَوَاهَا ﴾ . (*) في الأصل أو أويل وهو تحريف . (٦١٩) قال الشوكاني في فتح القدير (٣٢٨/٣) بعد أن حكى القولين ((والأول أولى)). (٦٢٠) هو حسان بن ثابت . والبيت في ديوانه : ١٨١ واللسان ( جياً) وفيه فأجاءتكم إلى سفح الجبل ونسبه للكميت . (٦٢١) اللسان (جياً) والطبري (٦٤/١٦) فتح القدير (٣٢٨/٣) روح المعاني (٨١/١٦). ٣٦٣ سورة مريم الآية - ٢٤ - ٢٦ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنها خافت من الناس أن يظنوا بها سوءاً قاله السدي . الثاني : لئلا يأثم الناس بالمعصية في قذفها . الثالث : لأنها لم تَرَ في قومها رشيداً ذا فراسة ينزهها من السوء ، قاله جعفر بن محمد رحمهما الله . ﴿ وَكُنتُ نَسْياً مَّنِيّاً﴾ فيه خمسة تأويلات : أحدها : لم أخلق ولم أكن شيئاً ، قاله ابن عباس . الثاني : لا أعرف ولا يدرى من أنا ، قاله قتادة . الثالث : النسي المنسي هو السقط ، قاله الربيع ، وأبو العالية . الرابع : هو الحيضة الملقاة ، قاله عكرمة ، بمعنى خرق الحيض . الخامس : معناه وكنت إذا ذكرت لم أطلب حكاه اليزيدي . والنسي عندهم في كلامهم ما أعقل من شيء حقير قال الراجز(٨٢٢): كالنسي ملقى بالجهاد البسبس . فَنَادَ لَهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَبِ قَدْ جَعَلَ رَبِّ تَحْتَكِ سَرِيًّا (﴿ وَهُزِىَّ إِلَيْكِ يحِذْع النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًّاجَنِيًّا ﴿فَكُلِى وَاشْرَبِ وَقَرِى عَيْنَا فَإِمَّاتَرَيِّنَ مِنَ اُلْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِّ إِنَّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (٦) قوله تعالى : ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَاَ أَلَّ تَحْزَنِي﴾ فيه قولان : أحدهما : أن المنادي لها من تحتها جبريل ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك ، والسدي . الثاني : أنه عيسى ابنها ، قاله الحسن ، ومجاهد . وفي قوله من تحتها وجهان : أحدهما : من أسفل منها في الأرض وهي فوقه على رأسه ، قاله الكلبي . (٦٢٢) هو دكين وصدر الرجز بالدار وحي كاللَّقى المطرس اللسان (انسان). ٣٦٤ سورة مريم الآية - ٢٤ - ٢٦ الثاني : من بطنها : قاله بعض المتكلمين ، بالقبطية . قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ فيه قولان : أحدهما : أن السريّ هو ابنها عيسى ، لأن السري هو الرفيع الشريف مأخوذ من قولهم فلان من سروات قومه أي من أشرافهم ، قاله الحسن ، فعلى هذا يكون عيسى هو المنادي من تحتها ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ . الثاني : أن السريّ هو النهر (٦٢٣) ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، (٦٢٣) ورد هذا الحديث مرفوعاً وموقوفاً . فورد مرفوعاً من حديث البراء بن عازب وابن عمر . أما حديث البراء فرواه الطبراني في الصغير ص ١٤٢ والحاكم (٣٧٣/٢) وصححه على شرط الشيخين وزاد السيوطي نسبته في الدر (٥٠٢/٥) لابن مردويه ولكن الحديث ضعيف السند ففي سنده معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف وبه أعله الهيثمي في المجمع (٥٤/٧ ) وفي سنده أيضاً بقية بن الوليد وهو مدلس تدليس تسوية ولم يصرح هنا بالسماع وقال الطبراني بعد روايته للحديث لم يرفع هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا أبو سنان سعيد بن سنان اهـ. قلت لكنه لم ينفرد بالرفع كما قال الطبراني وإنما تابعه الأعمش عن أبي إسحق به وروى هذه المتابعة محمد بن العباس البزار في حديثه (١/١١٦) كما نقله الألباني في السلسلة ١١٩١ وسند هذه المتابعة جيد كما قال . وقد ورد الحديث موقوفاً على البراء كما رواه ابن جرير (٦٩/١٦) وسنده صحح وصحح الموقوف الشوكاني في فتح القدير (٣٣١/٣) وأورده البخاري معلقاً (٤٧٦/٦) وأسند عبد الرزاق أيضاً والحاكم (٣٧٣/٢) وصححه والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر (٥٠٢/٥). قال الألباني عن الموقوف وهو أصح ((يعني من المرفوع)) لكن تفسير الصحابي للقرآن له حكم الرفع كما قرره الحاكم في مستدركه لا سيما وقد روى عن ترجمان القرآن ابن عباس من قوله رواه ابن جرير (١٦ /٩٠٦) وغيره أ هـ. قلت لكن سنده إلى ابن عباس في الطبري منقطع وله سند آخر في الطبري ايضاً سلسل بالضعفاء . فاقتضى التنبيه. وأما حديث ابن عمر فرواه الطبراني في الكبير (١٦٧/٣) وابن مردويه وابن النجار كما في الدر (٥٠٢/٥) وسنده ضعيف جداً. قال الهيثمي في المجمع (٥٤/٧ ) فيه يحيى بن عبد الله الببلتي وهو ضعيف. قال الحافظ ابن كثير (١١٧/٣) هذا حديث غريب جداً من هذا الوجه وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلى قال فيه أبو حاتم الرازي ضعيف وقال أبو زرعة منكر الحديث وقال ابو الفتح الأزدي متروك الحديث . والحديث ضعفه الشوكاني بأيوب في فتح القدير (٣٣١/٣) وضعفه الألباني ١٩١١ = ٣٦٥ سورة مريم الآية - ٢٤ - ٢٦ وقتادة ، والضحاك ، لتكون النخلة لها طعاماً ، والنهر لها شراباً، وعلى هذا يكون جبريل هو المنادي لها ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾. الثاني (٦٢٤): أنه عربي مشتق من السراية فَسُمَِّ السريّ لأنه يجري فيه ومنه قول الشاعر (٦٢٥) : سهل الخليقة ماجد ذو نائلٍ مثل السريّ تمده الأنهار وقيل : إن اسم السري يطلق على ما يعبره الناس من الأنهار وثباً . وروى أبان بن تغلب في تفسيره القرآن خبراً عن عدد لم يسمهم (٦٢٦) أن رسول الله وَّر بعث شداد بن ثمامة مصدقاً لبني كعب بن مذحج وكتب له كتاباً: ((عَلَى مَا سَقَتْهُ المَرَاسِمُ وَالجَدَاوِلُ وَالنَّوَاهِرُ وَالدَّوَافِعُ العُشْرُ وَنِصْفُ العشر بقيمة عَدْلٍ إِلَّ الضَّوَامَرَ وَاللَّوَاقِحَ وَمَا أُطل الصور من الجفن . وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلَّ العَقِيلَ وَالأَكِيلَ وَالربِيَّ. ومن كل ثلاثين بقرةً جِذْعٌ أَوْ جِذْعَةٌ إِلَّ العَاقِرَ وَالنَّاشِطَ وَالرَّاشِحَ. وَمِن كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ الْمُوَّبَةِ مُسِتَّةٌ مِنَ الغَتَمِ . وَلَ صَدَقَةَ فِي الخَيلِ وَلَ فِي الإِبِلِ العَامِلةِ . شَهِدَ جَرِيرٌ بِن عَبدِ اللّهِ بِن جَابرٍ البَجْلِي وَشَدَّادُ بن ثُمَامَةَ وَكَتَبَ المُغِيرَةُ بن شُعْبةٍ )). فالمراسم العيون ، والجداول الأنهار الصغار ، والنواهر الدوالي ، والدوافع الأودية ، والضوامر ما لم تحمل من النخل ، واللواقح الفحول ، والجفن الكرم ، وما أطلاه من الزرع عفو، والعقيل فحل الغنم والأكيل الذي يُرَبَّى للأكل . والربي التي تربي ولدها ، والعاقر من البقر التي لا تحمل ، والناشط الفحل الذي ينشط من أرض إلى أرض والراشح الذي يحرث الأرض . قوله تعالى: ﴿وَهُزِّيّ إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ... ) الآية. اختلف في النخلة على أربعة أقاويل : = وأورده الحافظ في الفتح (٤٧٩/٦، ٤٨٠) من رواية ابن مردويه وسكت عليه وهذا يدل على أن كل ما سكت عليه الحافظ ابن حجر ليس حسناً كما قال بعضهم فتنبه . (٦٢٤) لعل هذا هو القول الثالث فإن المؤلف ذكر هنا قولين ثم أورد هذا القول . (٦٢٥) أورده في روح المعاني (٨٣/١٦). (٦٢٦) هذا الحديث أشار إليه الحافظ في الإصابة (٣٢١/٣) من رواية ابن السكن في كتابه الذي ألفه في الصحابة وقال ابن السكن عن الحديث تفرد به عبد الله بن ناصح الرقي عن القاسم بن معن . اهـ. والحديث من مسند أنس رضي الله عنه . ٣٦٦ سورة مريم الآية - ٢٤ - ٢٦ أحدها : كانت برنية (٦٢٧). الثاني : صرفاتة ، قاله أبو داود . الثالث : قريناً. الرابع : عجوة ، قاله مجاهد . وفي ﴿ الجَنِي ﴾ ثلاثة أقاويل : أحدها : المترطب البسر ، قاله مقاتل . الثاني : البلح لم يتغير ، قاله أبو عمرو بن العلاء . الثالث : أنه الطري بغباره . وقيل لم يكن للنخلة رأس وكان في الشتاء فجعله الله آية . قال مقاتل فاخضرت وهي تنظر ثم حملت وهي تنظر ثم نضجت وهي تنظر . قوله تعالى : ﴿ فَكُلِي﴾ يعني من الرطب الجني . وَأَشْرَبِي ﴾ يعني من السريّ . ﴿ وَقَرِّي عَيْناً﴾ يعني بالولد ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : جاء يقر عينك سروراً، قاله الأصمعي ، لأن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة . الثاني : طيبي نفساً ، قاله الكلبي . الثالث : تسكن عينك ولذلك قيل ما شيء خير للنفساء من الرطب والتمر . فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ﴾ يعني إما للإِنكار عليك وإما للسؤال لك. فَقُولِيَ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمْنِ صَوْماً ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: يعني صمتاً ، وقد قرىء في (٦٢٨) بعض الحروف: ﴿لِلرَّحَمْنِ صَمْتَاً ﴾ وهذا تأويل ابن عباس وأنس بن مالك والضحاك . الثاني : صوماً عن الطعام والشراب والكلام ، قاله قتادة . (٦٢٧) نوع من أجود أنواع التمر . (٦٢٨) وهي قراءة أبي بن كعب وأنس بن مالك وأبي رزين العقيلي، زاد المسير (٢٢٥/٥). ٣٦٧ سورة مريم الآية - ٢٧ - ٣٣ فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنها امتنعت من الكلام ليتكلم عنها ولدها فيكون فيه براءة ساحتها ، قاله ابن مسعود ووهب بن منبه وابن زيد . الثاني : أنه كان من صام في ذلك الزمان لم يكلم الناس ، فأذن لها في المقدار من الكلام قاله السدي . صل فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْيَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيَّا (٢) يَتَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ أَمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا ) قَالَ إِلَى عَبْدُ الَّهِءَاتَنِى الْكِتَبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّالـ ٣٠ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَادُمْتُ حَيَّالَّ وَبَرَّا بِوَ لِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَارًا شَقِيًّا ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَ يَوْمَ وُلِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ٣٣ قوله تعالى: ﴿ ... شَيْئاً فَرِيّاً﴾ فيه خمسة تأويلات : أحدها : أنه القبيح من الإِفتراء ، قاله الكلبي . الثاني : أنه العمل العجيب ، قاله الأخفش . الثالث : العظيم من الأمر ، قاله مجاهد ، وقتادة ، والسدي . الرابع : أنه المتصنع مأخوذ من الفرية وهو الكذب ، قاله اليزيدي . الخامس : أنه الباطل . قوله تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ ... ﴾ وفي هذا الذي نسبت إليه أربعة أقاويل : أحدها : أنه كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل ينسب إليه من يعرف بالصلاح ، قاله مجاهد وكعب ، والمغيرة بن شعبة يرفعه (٦٢٩) للنبي رقيقة. (٦٢٩) رواه مسلم (١٦٨٥/٣) والترمذي (١٤٤/٢) وأحمد (٢٥٢/٤) وزاد السيوطي في الدر = ٣٦٨ سورة مريم الآية - ٢٧ - ٣٣ الثاني : أنه هارون أخو موسى فنسبت إليه لأنها من ولده كما يقال يا أخا بني فلان ، قاله السدي . الثالث : أنه كان أخاها لأبيها وأمها ، قاله الضحاك . الرابع : أنه كان رجلاً فاسقاً معلناً بالفسق ونسبت إليه ، قاله ابن جبير . وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً ﴾ أي زانية . وسميت الزانية بغياً لأنها تبغي الزنا أي تطلبه . قوله تعالى : ﴿ فَأَشَارَتْ إِليْهِ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أشارت إلى اللّه فلم يفهموا إشارتها ، قاله عطاء . الثاني : أنها أشارت إلى عيسى وهو الأظهر، إما عن وحي الله إليها ، وإما لثقتها بنفسها في أن الله تعالى سيظهر براءتها، فأشارت إلى الله إليها ، فأشارت إلى عيسى أن كلموه فاحتمل وجهين : أحدهما : أنها أحالت الجواب عليه استكفاء . الثاني : أنها عدلت إليه ليكون كلامه لها برهاناً ببراءتها . قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ ﴾ وفي ﴿كَانَ ﴾ في هذا الموضع وجهان : أحدهما : أنها بمعنی یکون تقديره من یکون في المهد صبياً ، قاله ابن الأنباري . الثاني : أنها صلة زائدة وتقديره من هو في المهد ، قاله ابن قتيبة . وفي ﴿اَلْمَهْدِ ﴾ وجهان : أحدهما : أنه سرير الصبي المعهود لمنامه . = (٥٠٧/٥) نسبته لابن أبي شيبة . وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر وابن حبان والطبراني وابن . مردويه والبيهقي في الدلائل . قال الشوكاني بعد ايراده لهذا الحديث في فتح القدير (٣٣٢/٣) وهذا التفسير النبوي يغني عن سائر ما روى عنه السلف في ذلك . ٣٦٩ سورة مريم الآية - ٢٧ - ٣٣ الثاني : إنه حجرها الذي تربيه فيه ، قاله قتادة . وقيل إنهم غضبوا وقالوا : لسخريتها بنا أعظم من زناها ، قاله السدي . فلما تكلم قالوا : إن هذا الأمر عظيم . قَإِلَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ وإنما قدم إقراره بالعبودية ليبطل به قول من ادعى فيه الربوبية وكان الله هو الذي أنطقه بذلك لعلمه بما يتقوله الغالون فيه . ﴿وَ آَتَانِيَ الْكِتَابَ ﴾ أي سيؤتيني الكتاب. وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾ فيه وجهان : أحدهما : وسيجعلني نبياً ، والكلام في المهد من مقدمات نبوته . الثاني : أنه كان في حال كلامه لهم في المهد نبياً كامل العقل ولذلك كانت له هذه المعجزة ، قاله الحسن . وقال الضحاك : تكلم وهو ابن أربعين [ يوماً ]. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها : نبياً ، قاله مجاهد . الثاني : آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر . الثالث : معلماً للخير ، قاله سفيان . الرابع : عارفاً بالله وداعياً إليه . ﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَةِ ﴾ فيها وجهان : أحدهما : الدعاء والإِخلاص . الثاني : الصلوات ذات الركوع والسجود . ويحتمل ثالثاً : أن الصلاة الإستقامة مأخوذ من صلاة العود إذا قوّم اعوجاجه بالنار . وَالزَّكَاةِ .. ﴾ فيها وجهان : أحدهما : زكاة المال . الثاني : التطهير من الذنوب . ٣٧٠ سورة مريم الآية - ٢٧ - ٣٣ ويحتمل ثالثاً : أن الزكاة الاستكثار من الطاعة ، لأن الزكاة في اللغة النماء والزيادة . قوله تعالى: ﴿ وَبَرَّاً بِوَالِدَتِي ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : بما برأها به من الفاحشة . الثاني : بما تكفل لها من الخدمة . ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾ فيه وجهان : أحدهما : أن الجبار الجاهل بأحكامه ، الشقي المتكبر عن عبادته . الثاني : أن الجبار الذي لا ينصح ، والشقي الذي لا يقبل النصيحة . ويحتمل ثالثاً : أن الجبار الظالم للعباد ، والشقي الراغب في الدنيا . قوله تعالى: ﴿وَالْسَّلَامُ عَلَيَّ ... ) الآية. فيه وجهان: أحدهما : يعني بالسلام السلامة ، يعني في الدنيا . ﴿ وَيَوْمَ أَمُوتُ ﴾ يعني في القبر ، ﴿وَيَوْمَ أَبْعَثُ حَيَّأَ﴾ يعني في الآخرة ، لأن له أحوالاً ثلاثاً : في الدنيا حياً ، وفي القبر ميتاً ، وفي الآخرة مبعوثاً، فسلم في أحواله كلها ، وهو معنى قول الكلبي . الثاني : يعني بالسلام ﴿ يَوْمَ وُلِدتَّ﴾ سلامته من همزة الشيطان فإنه ليس مولود يولد إلا همزه الشيطان وذلك حين يستهل ، غير عيسى (٦٣٠) فإن الله عصمه منها . وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنِّيَ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾. ﴿ وَيَوْمَ أَمُوتُ ﴾ يعني سلامته من ضغطة القبر لأنه غير مدفون في الأرض ﴿ وَيَوْمَ أَبْعَثُ حَيّاً ﴾ لم أر فيه على هذا الوجه ما يُرضي . (٦٣٠) وقد رواه البخاري (٤٦٩/٦) وحديث أبي هريرة مرفوعاً ولفظه ((ما من. ابن آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان غير مريم وابنها ثم يقول أبو هريرة ﴿إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ آل عمران: ٣٦. قال الحافظ نقلاً عن القرطبي (٤٧٠/٦) قوله: ((هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط فحفظ الله مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها حيث قالت ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى )) اهـ. ٣٧١ سورة مريم الآية - ٣٤ - ٣٧ ويحتمل أن تأويله على هذه الطريقة سلامته من العرض والحساب لأن الله ما رفعه إلى السماء إلا بعد خلاصه من الذنوب والمعاصي . قال ابن عباس ثم انقطع كلامه حتى بلغ مبلغ الغلمان . مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِىِ فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٦) وَإِنَّاللَّهَ رَبِ وَرَبِّكُمْ (٣٥ مِن وَلَدِّ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَى أَمْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُكُنْ فَيَكُونُ: فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ فَأُخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِيَوْمٍ عَظِيم ٣٧ قوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ عِيسَىْ أَبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن الحق هو الله تعالى . الثاني : عيسى وسماه حقاً لأنه جاء بالحق . الثالث : هو القول الذي قاله عيسى من قبل . الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ فیه وجهان : أحدهما : يشكّون ، قاله الكلبي . الثاني : يختلفون لأنهم اختلفوا في الله وفي عيسى ، فقال قوم هو الله ، وقال آخرون هو ابن الله، وقال آخرون هو ثالث ثلاثة . وهذه الأقاويل الثلاثة للنصارى (٦٣١). وقال المسلمون : هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم . ونسبته اليهود إلى غير رشدة (٦٣٢) فهذا معنى قوله : ﴿ الَّذِي فِيهِ تَفْتَرُونَ ﴾ بالفاء معجمة (٦٣٣) من فوق . (٦٣١) والعجيب أن كل طائفة من الطوائف الثلاث تكفر الأخرى أما المسلم فيكفر الطوائف الثلاث ومن عقوبة الله تعالى لهؤلاء المشركين أن ضرب قلوب بعضهم ببعض بحيث أنهم لا يتفقون على قول وصدق من قال ((لو اجتمع أحد عشر قساً لافترقوا على اثنى عشر قولاً)). (٦٣٢) أي هو ابن زنا كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً . (٦٣٣) وفي روح المعاني (٩١/١٦) وقرأ عن علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي وداود بن أبي هند ونافع= ٣٧٢ سورة مريم الآية - ٣٨ - ٤٥ قال ابن عباس ففرّ بمريم ابن عمها ومعها ابنها إلى مصر فكانواً فيها اثنتي عشرة سنة حتى مات الملك الذي كانوا يخافونه . أَسَمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِ ضَلِ مُّبِينٍ (٦) وَأَذِرُهُمْيَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْقُضِىَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْلَا يُؤْمِنُونَ (٢٦) إِنَا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴿ وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيم ◌ِنَّهُ كَانَ صِدِّيقَائِّبًّا ﴿ إِذْقَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُمَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنَكَ شَيْئًا(٤) يَأَبَتِ إِنِّ قَدْجَاءَفِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى أَهْدِ لَ صِرَ طًا سَوْنَا [®] يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّ الشَّيْطَنَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَأْبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٤٤ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا ٤٥ قوله تعالى : ﴿أُسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : يعني لئن كانوا في الدنيا صماً عمياً عن الحق فما أسمعهم له وأبصرهم به في الآخرة يوم القيامة ، قاله الحسن ، وقتادة . الثاني : أسمع بهم اليوم وأبصر كيف يصنع بهم يوم القيامة يوم يأتوننا ، قاله أبو العالية . ويحتمل ثالثاً : أسمع أمَّتَك بما أخبرناك من حالهم فستبصر يوم القيامة ما يصنع بهم . قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأُمْرُ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : يوم القيامة (٦٣٤) إذ قضي العذاب عليهم ، قاله الكلبي . = في رواية والكسائي كذلك ((تمترون)) بتاء الخطاب اهـ. قلت وهي قراءة أبي مجلز ومعاذ القاري وابن يعمر وأبي رجاء كما في زاد المسير (٢٣١/٥). (٦٣٤) ومن موجبات الحسرة يوم القيامة كثيرة وأشدها ذبح الموت بين الجنة والنار حيث يؤتى به في صورة كبش أملح ويقال لأهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت فتكون الحسرة على أهل النار كبيرة حين ذلك ينقطع رجاؤهم في الخروج من النار والحديث في ذلك رواه البخاري = ٣٧٣ سورة مريم الآية - ٤٦ - ٤٨ الثاني : يوم الموت إذا قضى الموت انقطاع التوبة واستحقاق الوعيد ، قاله مقاتل . قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْءَالِهَتِى يَتَإِبْرَهِيمٍ لَبِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْ جُمَنَّكَ وَأَهْجُرْ نِي مَلِيًّا ﴿ قَالَ سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرُلَكَ رَبِ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا (®] وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْرَبِى عَسَىّ أَلَّ أَكُونَ بِدُ عَاءِ رَبِ شَقِيًّا! ٤٨ قال تعالى: ﴿ ... لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ فيه وجهان : أحدهما : بالحجارة حتى تباعد عني ، قاله الحسن . الثاني : لأرجمنك بالذم باللسان والعيب بالقول ، قاله الضحاك ، والسدي ، وابن جريج . وَأَهْجُرِي مَلِيّاً﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : دهراً طويلاً، قاله الحسن ، ومجاهد ، وابن جبير ، والسدي ، ومنه قول مهلهل (٦٣٥): فتصدعت صم الجبال لموته. وبكت عليه المرملات ملياً الثاني : سوياً سليماً من عقوبتي ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك ، وعطاء . الثالث : حيناً ، قاله عكرمة . قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَمٌ عَلَيْكَ﴾ هذا سلام إبراهيم على أبيه ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه سلام توديع وهجر لمقامه على الكفر ، قاله ابن بحر . = (٣٢٥/٨) ومسلم (٢١٨٨/٤) وابن جرير (٨٧/١٦) وأحمد (٩/٣) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . راجع موجبات الحسرة في زاد المسير (٢٣٣/٥ - ٢٣٥). (٦٣٥) فتح القدير (٣٣٦/٣) وروح المعاني (٩٩/١٦). ٣٧٤ سورة مريم الآية - ٤٩ - ٥٣ الثاني : وهو أظهر أنه سلام بر وإكرام ، فقابل جفوة أبيه بالبر تأدية لحق الأبوة وشكراً لسالف التربية . ثم قال : ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ وفيه وجهان : أحدهما : سأستغفر لك إن تركت عبادة الأوثان . الثاني : معناه سأدعوه لك بالهداية التي تقتضي الغفران . إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً ﴾ فيه خمسة أوجه : أحدها : مُقَرِّباً . الثاني : مُكْرِماً . الثالث : رحيماً ، قاله مقاتل . الرابع : علياً ، قاله الكلبي . الخامس : متعهداً . فَلَمَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ وَكُلََّ جَعَلْنَا فَبِيًّا ٤٩ ١] وَوَهَبْنَا لَهُ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا! ٥٠ قوله تعالى: ﴿ .... وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ فيه وجهان : أحدهما : جعلنا لهم ذكراً جميلاً وثناءً حسناً، قاله ابن عباس ، وذلك أن جمع الملك بحسن الثناء عليه . الثاني : جعلناهم رسلاً لله كراماً على الله ، ويكون اللسان بمعنى الرسالة : قال الشاعر (٦٣٦): أتتني لسان بني عامر أحاديثهما بعد قول ونكر ويحتمل قولاً [ثالثاً ] أن يكون الوفاء بالمواعيد والعهود وَاذْكُرْ فِ الْكِتَبِ مُوسَى إِنَّةٌ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نِّيَََّّوَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الُّورِ اُلْأَيْمَنِ وَقَرَبْتَهُ نِيًّا [٣] وَوَهَبْنَهُ مِن رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَرُونَ بِيًّا ٥٣ (٦٣٦) اللسان ( لسن ) ولم ينسب فيه . ٣٧٥ سورة مريم الآية - ٥٤ قوله تعالى : ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبٍ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ والطور جبل بالشام ناداه الله من ناحيته اليمنى . وفيه وجهان : أحدهما : من يمين موسى . الثاني : من يمين الجبل ، قاله مقاتل . وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه قربه من الموضع الذي شرفه وعظمه بسماع كلامه . الثاني : أنه قربه من أعلى الحجب حتى سمع صريف القلم (٦٣٧)، قاله ابن عباس ، وقال غيره : حتى سمع صرير القلم الذي كتب به التوراة . الثالث : أنه قربه تقريب كرامة واصطفاء لا تقريب اجتذاب وإدناء لأنه لا يوصف بالحلول في مكان دون مكان فيقرب من بعد أو يبعد من قرب ، قاله ابن بحر . وفي قوله : ﴿ نَجِيّاً﴾ ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مأخوذ من النجوى ، والنجوى لا تكون إلا في الخلوة ، قاله قطرب . الثاني : نجاه لصدقه مأخوذ من النجاة . الثالث : رفعه بعد التقريب مأخوذ من النجوة وهو الإِرتفاع ، قال الحسن لم يبلغ موسى من الكلام الذي ناجاه به شيئاً . وَأَذَّكُرْ فىِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنُّ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَِّيًّا (﴾ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ. بِالصَّلَوْةِ وَالزَّكَوْةِ وَكَانَعِندَرَیِهِ،مَرْضِيًّا ٥٥ قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ﴾ وصفه بصدق الوعد لأنه وعد رجلاً أن ينتظره ، قال ابن عباس : حولاً حتى أتاه . وقال يزيد الرقاشي : انتظره اثنين وعشرين يوماً . وقال مقاتل : انتظره ثلاثة أيام . (٦٣٧) وهو قول قتادة كما في الطبري (٩٥/١٦) قاله الألوسي (١٠٤/١٦) ولا يخفى بعده. ٣٧٦ سورة مريم الآية - ٥٧،٥٦ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : يأمر قومه فسماهم أهله . الثاني : أنه بدأ بأهله قبل قومه . وفي الصلاة والزكاة ما قدمناه . وهو على قول الجمهور : إسماعيل بن إبراهيم (٦٣٨). وزعم بعض المفسرين أنه ليس بإسماعيل بن إبراهيم لأن إسماعيل مات قبل إبراهيم ، وإن هذا هو إسماعيل بن حزقيل بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه ، فخيره الله تعالى فيما شاء من عذابهم فاستعفاه ورضي بثوابه وفوض أمرهم إليه في عفوه أو عقوبته . وَأَذَّكُرْ فِي الْكِتَبِ إِدْرِسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا () وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا قوله تعالى: ﴿ .... وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ فيه قولان : أحدهما : أن إدريس رفع إلى السماء الرابعة ، وهذا قول أنس بن مالك في حديث مرفوع (٦٣٩)، وأبي سعيد الخدري (٦٤٠)، وكعب ، ومجاهد(٦٤١). الثاني : رفعه إلى السماء السادسة ، قاله ابن عباس (٦٤٢)، والضحاك، وهو مرفوع في السماء . (٦٣٨) قال الشوكاني (٢٣٨/٣) ((ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به)). (٦٣٩) رواه ابن أبي شيبة (٥٣٣/١١) والحاكم (٣٧٣/٢) والطبري (١١/١٦) وهناد (١٨٨/١) وصححه الحاكم وأقره الذهبي وزاد السيوطي (٤ / ) نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم . (٦٤٠) قول أبي سعيد وسنده ضعيف جداً. رواه هناد في الزهد (١١٩/١) وابن أبي شيبة (٥٥١/١١) والطبري (٢٧٣/١٦) وابن مردويه كما في الدر (٥/ ) وفي سنده أبو هارون وهو الصيمري واسمه عمارة بن جوين البصري قال الحافظ في التقريب متروك ومنهم من كذبه شيعي . (٦٤١) قول مجاهد إسناده صحيح عنه رواه الطبري (٧٣/١٦) وابن أبي شيبة (٥٥٠/١١) وهناد في الزهد ( ١١٩/١). (٦٤٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٥٤٩/٢) عن الحسن عن سمرة قاله الذهبي إسناده مظلم لا تقوم به حجة . وقد اشتهر بين الناس أن إدريس رفع حياً إلى السماء قال الحافظ ابن حجر (٣٧٥/٦) وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية ... وأثر ابن عباس أن إدريس في السماء السادسة رواه الطبري (٩٦/١٦) وإسناده مسلسل بالضعفاء . ٣٧٧ سورة مريم الآية - ٥٨ - ٦٠ واختلفوا في موته فيها على قولين : أحدهما : أنه ميت فيها ، قاله مقاتل وقيل أنه مات بين السماء الرابعة والخامسة . الثاني : أنه حيّ فيها لم يمت مثل عيسى . روى ابن إسحاق أن إدريس أول من أُعْطِي النبوة من ولد آدم وأول من خط بالقلم (٦٤٣)، وهو أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن آنوش بن شيث بن آدم . وحكى ابن الأزهر عن وهب بن منبه أن إدريس أول من اتخذ السلاح وجاهد في سبيل الله وسبى ، ولبس الثياب وإنما كانوا يلبسون الجلود ، وأول من وضع الأوزان والكيول ، وأقام علم النجوم والله أعلم . أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَاللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّنَ مِنْ ذُرِّيَّةٍ،َآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِيَّةِ إِيْرَهِيمَ وَإِسْرَِّيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَاْ إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وُگِيًّا ٥٨ قوله تعالى: ﴿ .... خَرّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ أي سُجّداً لله ، وبكياً جمع باك، ليكون السجود رغبة والبكاء رهبة . وقد روي في الحديث (٦٤٤): ((فَهُذَا السُّجُودُ فَأَيْنَ البُكَاءُ ؟)) يعني هذه الرغبة فأين الرهبة ؟ لأن الطاعة لا تخلص إلا بالرغبة والرهبة . ◌َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْالصَّلَوَةَ وَاتَّبَعُوْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا وَإِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَأَيُظْلَمُونَ شَيْئًا ٥٩ ٦٠ (٦٤٣) قال الحافظ في الفتح (٣٧٥/٦). وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه ابن حبان أن إدريس كان نبياً رسولاً وأنه أول من خط بالقلم . (٦٤٤) هذا الحديث موقوف عن عمر رضي الله عنه رواه ابن جرير (٩٨/١٦) وزاد السيوطي في الدر (٥٢٥/٥) نسبته لابن أبي الدنيا في البكاء وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب أنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال هذا السجود فأين البكاء . ٣٧٨ سورة مريم الآية - ٥٨ - ٦٠ قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية . في الفرق بين الخلف بتسكين اللام والخلف بتحريكها وجهان : أحدهما : أنه بالفتح إذا خلفه من كان من أهله ، وبالتسكين إذا خلفه من ليس من أهله . الثاني : أن الخلْف بالتسكين مستعمل في الذم ، وبالفتح مستعمل في المدح قال لبيد(٦٤٥): ذهب الذین یعاش في أکنافهم وفي هذا الخلف قولان : وبقيت في خلفٍ كجلد الأجْرب أحدهما : أنهم اليهود من بعد ما تقدم من الأنبياء ، قاله مقاتل . الثاني : أنهم من المسلمين . فعلی هذا في قوله ﴿ من بعْدِهِم ﴾ قولان : أحدهما : من بعد النبي وَّير ، من عصر الصحابة وإلى قيام الساعة كما روى الوليد بن قيس حكاه إبراهيم عن عبيدة . الثاني : إنهم من بعد عصر الصحابة . روى الوليد بن قيس عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَيٍ (٦٤٦): ((يَكُونُ بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً ﴿خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾. الآية . وفي إضاعتهم الصلاة قولان : أحدهما : تأخيرها عن أوقاتها ، قاله ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز . الثاني : تركها ، قاله القرظي . ويحتمل ثالثاً : أن تكون إضاعتها الإِخلال باستيفاء شروطها(٦٤٧). (٦٤٥) اللسان ( خلف ) روح المعاني (١٦ /١٠٩). (٦٤٦) رواه أحمد (٣٨/٣) والحاكم (٣٧٤/٢، ٥٤٧/٤) وصححه ووافقه الذهبي وابن حبان (٦٧/٢) والبخاري في التاريخ (١٥١/٨) وزاد السيوطي في الدر (٥٢٧/٥) نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان والمؤلف هنا اقتصر على جزء من الحديث . (٦٤٧) ولا مانع من دخول كل هذه الصور تحت إضاعة الصلاة وأشدها تركها بالكلية . ٣٧٩ سورة مريم الآية - ٦١ - ٦٣ : فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً ﴾ فيه خمسة أقاويل : أحدها: أنه واد في جهنم (٦٤٨)، قالته عائشة(٦٤٩) وابن مسعود(٦٥٠). الثاني : أنه الخسران ، قاله ابن عباس . الثالث : أنه الشر ، قاله ابن زيد . الرابع : الضلال عن الجنة . الخامس : الخيبة ، ومنه قول الشاعر(٦٥١): ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره من يغو : أي من يخب . جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَالرَّحْمَنُ عِبَادَهُ يَلْغَيْبٍ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْنِيًّا [ ◌َلَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا إِلَّا سَلَمَا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا [٣]تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ٦٣ قوله تعالى: ﴿لَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً ﴾ فيه وجهان : أحدهما : الكلام الفاسد . الثاني : الخلف ، قاله مقاتل . ﴿ إِلَّ سَلَاماً ﴾ فيه وجهان : (٦٤٨) وقد ورد مرفوعاً من حديث ابن عباس رواه ابن مردويه كما في الدر (٥٢٨/٥ ) وفي سنده نهشل وهو كذاب . (٦٤٩) تقدم تخريجه في سورة الكهف . (٦٥٠) رواه هناد (١٨٣/١) والطبري (٧٥/١٦) والطبراني (٢٥٩/٩) وأبو نعيم في الحلية (٢٠٧/٤) والحاكم (٣٧٤/٢) ومحمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة رقم (٣٠) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقال الهيثمي (٥٥/٧) رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه . وقال في موضع آخر ( ٣٩٠/١٠) رجاله رجال الصحيح وزاد السيوطي في الدر (٥٢٧/٥) نسبته للفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم . (٦٥١) هو المرقش الأصغر والبيت في المفضليات ص ١١٨ والطبري (١٠١/١٩) واللسان (غوى) وروح المعاني ( ١٦ /١١٠). ٣٨٠