Indexed OCR Text
Pages 461-480
سورة هود الآية - ١٥ - ١٧
يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَتَكُ فِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ زَبِّكَ
١٧
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَ يُؤْمِنُونَ
قوله عز وجل: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِن رَّبِّه﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه القرآن، قاله عبد الرحمن بن زید.
الثاني: محمد وَّ، قاله مجاهد وعكرمة وأبو العالية وأبو صالح وقتادة
والسري. والضحاك.
الثالث: الحجج الدالة على توحيد الله تعالى ووجوب طاعته، قاله ابن بحر.
وذكر بعض المتصوفة قولاً رابعاً: أن البينة هي الإشراف على القلوب والحكمة
على الغيوب.
﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ فیه خمسة أقاويل :
أحدها: أنه لسانه يشهد له بتلاوة القرآن، قاله الحسن وقتادة، ومنه قول
الأعشى : (٥٧٣)
فلا تحسبنّي کافراً لك نعمةٌ علی شاهدي یا شاهد الله فاشهد
الثاني: أنه محمد ◌َ ل ◌ّ شاهد من الله تعالى، قاله علي بن الحسين.
الثالث: أنه جبريل عليه السلام، قاله ابن عباس والنخعي وعكرمة والضحاك.
الرابع: أنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، روى المنهال عن (٥٧٤) عباد بن
عبد الله قال: قال عليّ: ما في (٥٧٥) قريش أحد إلا وقد نزلت فيه آية، قيل له: فما نزل
فيك؟ قال ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
الخامس: أنه ملك يحفظه، قاله مجاهد وأبو العالية.
(٥٧٣) اللسان ((شهد)) ديوانه: ٦١ والشطر الثاني فيه عليّ شهيد شاهد الله فاشهد.
(٥٧٤) وفي روح المعاني (٢٨/١٢) وأخرج المنهال عن عبادة بن عبدالله.
(٥٧٥) وقد ورد عن علي رضي الله عنه ما يخالف هذا قال العلامة الآلوسي (٢٨/١٢) وأنت تعلم أن الخبر مما
لا يكاد يصح ... ويكذبه ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابو الشيخ والطبراني في
الأوسط عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه قال قلت لأبي كرم الله وجهه إن الناس يزعمون في قول
الله تعالى في ((يتلوه شاهد منه)) أنك أنت التالي؟ قال وددت أني هو ولكنه لسان محمد # على أن في
تقرير الاستدلال ضعفاً وركاكة بلغت الغاية القصوى كما لا يخفى على من له أدنى فطنة .
٤٦١
سورة هود الآية - ١٨
ويحتمل قولاً سادساً: ويتلوه شاهد من نفسه بمعرفة حججه ودلائله وهو عقله
ووحدته، قاله ابن بحر.
﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ فيه وجهان :
أحدهما: ومن قبل القرآن کتاب موسی وهو التوراة، قاله ابن زيد.
الثاني : ومن قبل محمد کتاب موسی، قاله مجاهد.
﴿إِمَاماً وَرَحْمَةً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: يعني متقدماً علينا ورحمة لهم.
الثاني: إماماً للمؤمنين لاقتدائهم بما فيه ورحمة لهم.
﴿أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ پهِ﴾ يعني من كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأخْزَابِ﴾ فیھم قولان:
أحدهما: أنهم أهل الأدیان کلها لأنهم یتحزبون: قاله سعيد بن جبير.
الثاني: هم المتحزبون على رسول الله لل المجتمعون على محاربته.
وفي المراد بهم ثلاثة أوجه:
أحدها: قریش، قاله السدي .
الثاني : اليهود والنصارى، قاله سعيد بن جبير.
الثالث: أهل الملل كلها.
﴿فَالْنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أي أنها مصيره، قال حسان بن ثابت (٥٧٦).
أوردتموها حیاض الموت ضاحیةً
فالنار موعِدُها والموت لاقيها
﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ منه﴾ فیه وجهان:
أحدهما: في مرية من القرآن قاله مقاتل.
الثاني: في مرية من أن النار موعد الكفار، قاله الكلبي، وهذا خطاب
للنبي وَّ والمراد به جميع المكلفين.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ
اُلْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَغْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ
(٥٧٦) ديوانه: ٤٢٤ .
٤٦٢
سورة هود الآية - ١٨ - ٢٢
◌َالَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَا وَهُمْ بِْآَخِرَوِهُ كَفِرُونَ
١٨
أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْمُعْجِينَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءُ
يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ
٢٠
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿الَاجَرَمَ لَهُمْ
في اْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
٢٢
قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَىْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ معناه ومن أظلم لنفسه
ممن افترى على الله كذباً بأن يدعي إنزال ما لم ينزل عليه أو ينفي ما أنزل عليه.
﴿أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىْ رَبّهِمْ﴾ وهو حشرهم إلى موقف الحساب كعرض الأمير
لجيشه، إلا أن الأمير يعرضهم ليراهم وهذا لا يجوز على الله تعالى لرؤيته لهم قبل
الحشر.
﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هُؤْلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ والأشهاد جمع، وفيما هو
جمع له وجهان :
أحدهما: أنه جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب.
والثاني : جمع شهيد مثل شريف وأشراف.
وفي الأشهاد أربعة أقاويل :
أحدها: أنهم الأنبياء، قاله الضحاك.
الثاني : أنهم الملائكة، قاله مجاهد.
الثالث: الخلائق، قاله قتادة.
الرابع: أن الأشهاد أربعة: الملائكة والأنبياء والمؤمنون والأجساد، قاله زيد بن
أُسلم .
قوله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني قريشاً.
وفي سبيل الله التي صدوا عنها وجهان:
أحدهما: أنه محمد وَ لّ صدت قريش عنه الناس، قاله السدي.
والثاني: دین الله تعالی، قاله ابن عباس.
٤٦٣
سورة هود الآية - ٢٣، ٢٤
﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يعني يؤمنون بملة غير الإسلام ديناً، قاله أبو مالك.
الثاني: يبغون محمداً هلاكاً، قاله السدي.
الثالث: أن يتأولوا القرآن تأويلاً باطلاً، قاله عليّ بن عيسى .
قوله عز وجل: ﴿لَاَ جَرَمَ أنّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن معنی لا جرم: لا بد.
الثاني أن ﴿لا﴾ عائد على الكفار، أي لا دافع لعذابهم، ثم استأنف فقال:
جرم، أي كسب بكفره استحقاق النار، ويكون معنى جرم: كسب، أي بما كسبت
يداه، قال الشاعر:
بما جَرَمت يداه وما اعتدينا
نَصَبنا رأسه في جذع نخل
أي بما كسبت يداه.
٠
الثالث: أن ﴿لا﴾ زائدة دخلت توكيداً، يعني حقاً إنهم في الآخرة هم
الأخسرون.
قال الشاعر: (٥٧٧)
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة
جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا.
أي أحقتهم الطعنة بالغضب.
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَأَخْبَنُواْ إِلَى رَبِهِمٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَاُلْنَصِيرِ
هُمْ فِبَهَا خَلِدُونَ
وَالسَّمِيعَ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا نَذَّكَّرُونَ
٢٤
قوله عز وجل : ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فيه خمسة تأويلات:
أحدها: يعني خافوا ربهم، قاله ابن عباس.
الثاني : يعني اطمأنوا، قاله مجاهد.
الثالث: أنابوا، قاله قتادة.
(٥٧٧) هو أبو أسماء بن الضريبة وقيل غيره. والبيت في مجاز القرآن (١٤٧/١) واللسان (جرم) والاقتضاب:
٣١٣ وسيبويه (٤١٨/١) ومعاني القرآن (٨٠) وشواهد الكشاف ٣٢.
٤٦٤
سورة هود الآية - ٢٥ - ٢٨
الرابع: خشعوا وتواضعوا لربهم، رواه معمر.
الخامس: أخلصوا إلى ربهم، قاله مقاتل.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينُ ◌ّ أَن لَّا نَعْبُدُ وَأَإِلَّ اللَّهَ إِىّ
أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ جَافَقَالَ أَلْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ مَا
نَرَكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَازِ لْنَا بَادِىَ
الرََّيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِ بَلْ نَطُنَّكُمْ كَذِبِنَ ®
قوله عز وجل: ﴿وَمَا نَرَاكَ أَتََّعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا﴾ الأراذل جمع أرذل،
وأرذل جمع رذل، والرذل الحقير، وعنوا بأراذلهم الفقراء وأصحاب المهن المتضعة.
﴿بادي الرأي﴾ أي ظاهر الرأي، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: إنك تعمل بأول الرأي من غير فكر، قاله الزجاج.
الثاني : أن ما في نفسك من الرأي ظاهر، تعجيزاً له، قاله ابن شجرة.
الثالث: يعني أن أراذلنا اتبعوك بأقل الرأي وهم إذا فكروا رجعوا عن اتباعك،
حكاه ابن الأنباري .
﴿وَمَا تَرَىْ لَّكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: من فضل تفضلون به علينا من دنياكم .
والثاني: من فضل تفضلون به علينا في أنفسكم.
قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَانَمِ رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ، فَعُمَِّتْ عَلَيْكُمْ
أَنْزِ مُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَمَا كَذِهُونَ
٢٨
قوله عز وجل : ﴿قَالَ یَا قَوْمِ أُرءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بِّنَةٍ مِن رَّبِّي﴾ فيه وجهان:
أحدهما: يعني على ثقة من ربي، قاله أبو عمران الجوني . (٥٧٨)
والثاني : على حجة من ربي، قاله عليّ بن عيسى .
(٥٧٨) وفيها قراءة أخرى بتخفيف الميم وفتح العين هكذا ((فَعَمِيت)) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو
وابن عامر وأبي بكر عن عاصم زاد المسير (٩٧/٤).
٤٦٥
سورة هود الآية - ٣٠،٢٩
وَآتَانِي رَحْمَة مِنْ عِنْدِهِ﴾ فيها وجهان :
أحدهما: الإيمان .
والثاني : النبوة، قاله ابن عباس.
﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ يعني البينة في قوله ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بِيِّنَةِ مِن رَبِّي﴾ .
وإنما قال ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ وهم الذين عموا عنها، لأنها خفيت عليهم بترك
النظر فأعماهم الله عنها.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص ﴿فعمیت علیکم﴾ بضم العين وتشديد المیم،
وفي قراءة أبي ﴿فعمّاها﴾ وهي موافقة لقراءة من قرأ بالضم (٥٧٩) على ما لم يسم
فاعله .
وفي الذي عماها على هاتين القراءتين وجهان :
أحدهما: أن الله تعالى عماها عليهم.
الثاني : بوسوسة الشيطان. وما زينه لهم من الباطل حتى انصرفوا عن الحق.
وإنما قصد نبي الله نوح بهذا القول لقومه أن يرد عليهم قولهم ﴿وَمَا نَرَىْ لَكُمْ
عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ ليظهر فضله عليهم بأنه على بينة من ربه وآتاه رحمة من عنده وهم قد
سلبوا ذلك، فأي فضل أعظم منه .
ثم قال تعالى: ﴿أَنَّلْزِ مْكَمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ فيها وجهان:
أنلزمكم الرحمة، قاله مقاتل.
الثاني: أنلزمكم البينة وأنتم لها كارهون، وقبولكم لها لا يصح مع الكراهة
عليها .
قال قتادة: والله لو استطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه لم
يملك ذلك.
وَيَقَوْمِ لَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَ إِنْ أَجْرِىَ إِلََّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَأْبِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
ج
إِنَّهُمْ مُلَقُواْرَبِهِمْ وَلَكِنِّي أَرَنَّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٦) وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى
٣٠
مِنَ اللهِإِن طَتُهُمْ أَفَلَا نَذَكَّرُونَ
(٥٧٩) وهي قراءة الأعمش أيضاً زاد المسير (٩٧/٤).
٤٦٦
سورة هود الآية - ٣١ - ٣٤
قوله عز وجل: ﴿ .. وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ لأنهم سألوه طرد من اتبعه من
أراذلهم، فقال جواباً لهم ورداً لسؤالهم: وما أنا بطارد الذين آمنوا.
﴿إِنَّهُم مُّلا قُوْارَبِهِم﴾ یحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون قال ذلك على وجه الإعظام لهم بلقاء الله تعالى .
الثاني: على وجه الاختصام، بأني لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله.
﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: تجهلون في استرذالكم لهم وسؤالكم طردهم.
الثاني : تجلون في أنهم خير منكم لإيمانهم وكفركم.
وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَاِنُ اللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِّى مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ
لِلَّذِينَ تَزْدَرِىّ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمّ إِنَّ إِذَا
لَّمِنَ الظَّالِمِينَ
قَالُواْ يَسِنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَلَنَا فَأَئِنَابِمَا
٣١
تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ قَالَ إِنَّمَا يَأْنِيكُمْ بِهِ اللَّهُإِن شَاءَ وَمَآ أَنْتُم
بِمُعْجِينَ ﴿ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ
يُغْوِيَكُمْ هُوَرَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٣٤
قوله عز وجل: ﴿وَلَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلَ أُعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنّيِ
مَلَكٌ﴾ احتمل هذا القول من نوح عليه السلام وجهين:
أحدهما: أن يكون جواباً لقومه على قولهم ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّ بَشَرَأَ مِثْلَنَا﴾.
الثاني: أن يكون جواباً لهم على قولهم ﴿وَمَا نَرَىْ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ فقال
الله تعالى له قل: ﴿وَلَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنَ اللَّهِ﴾.
وفيها وجهان :
أحدهما: أنها الرحمة أي ليس بيدي الرحمة فأسوقها إليكم، قاله ابن عباس.
الثاني: أنها الأموال، أي ليس بيدي أموال فأعطيكم منها على إيمانكم. ﴿وَلَا
أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ فأخبركم بما في انفسكم. ﴿وَلَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ يعني فأباين
جنسکم.
٤٦٧
سورة هود الآية - ٣٥ - ٣٨
﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً﴾ والازدراء الإحتقار،
يقال ازدريت عليه إذا عبته، وزريت عليه إذا حقرته .
وأنشد المبرد(٥٨٠) :
حليلته وينهره الصغير
يباعده الصديق وتزدريه
﴿لَنْ يُؤْتِيَّهُمُ اللَّهُ خَيْراً﴾ أي ليس لاحتقاركم لهم يبطل أجرهم أو ينقص
ثوابهم، وكذلك لستم لعلوكم في الدنيا تزدادون على أجوركم.
﴿اَللَّهَ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني أنه يجازيهم عليه ويؤاخذهم به .
﴿إِنِي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني إن قلت هذا الذي تقدم ذكره.
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَنَةٌ قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَأْ بَرِىٌّ مِّمَّا مُحْرِمُونَ
٣٥
قوله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعني النبي ◌ََّ، افترى افتعل من قبل نفسه
ما أخبر به عن نوح وقومه .
﴿قُلْ إِنْ أَفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجرامي﴾ وفي الإجرام وجهان:
أحدهما: أنه الذنوب المكتسبة. حكاه ابن عيسى .
الثاني: أنها الجنايات المقصودة، قاله ابن عباس ومنه قول الشاعر(٥٨١):
بما جرمت يدي وجنى لسانى
طريد عشيرةٍ ورهين جرم
ومعناه: فعلیّ عقاب إجرامي .
﴿وَأَنَّا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي وعليكم من عقاب جرمكم في تكذيبي ما أنا
بريء منه .
وَأُوْجِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْءَامَنَ فَلَا نَبْتَبِسْ بِمَا كَانُواْ
يَفْعَلُونَ ﴿ وَأَصْنَعِالْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴿٦ وَيَصْنَعُ الْقُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّعَلَيْهِ مَلَأَمِنْ قَوْمِهِ، سَخِرُواْ
(٥٨٠) وأورد الشوكاني البيت في فتح القدير (٤٩٥/٢) وقال: وأنشد الفراء ...
(٥٨١) هو الهَيْرُدان بني خطار بن حفص السعدي والبيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة (٢٨٨/١) واللسان
(جرم) والطبري (١٥ /٣٠٦).
٤٦٨
سورة هود الآية - ٣٨، ٣٩
ج
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٥
مَن يَأَنِيِهِ عَذَابٌ يُخْزِيِهِ وَيَحِلُ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ
قوله عزوجل ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أنه لن يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ حقق
الله تعالى استدامة كفرهم تحقيقاً لنزول الوعيد بهم، قال الضحاك: فدعا عليهم لما
أُخبر بهذا فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ ديَّاراً. إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا
عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلّ فاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].
﴿فَلَا تَبَْئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: فلا تأسف ومنه قول يزيد بن عبد المدان(٥٨٢).
فارسُ الخيل إذا ما ولولت ربّةُ الخِدر بصوتٍ مبتئس
الثاني : فلا تحزن، ومنه قول الشاعر(٥٨٣):
وكم من خليلٍ أو حميم رُزئته فلم أبتئس والرزءُ فيه جَليلٌ
والابتئاس: الحزن في استكانة، وأصله من البؤس، وفي ذلك وجهان:
أحدهما: فلا تحزن لهلاكهم.
الثاني: فلا تحزن لكفرهم المفضي إلى هلاكهم.
قوله عزوجل: ﴿وَأَصْنَعِ الْقُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: بحيث نراك، فعبر عن الرؤية بالأعين لأن بها تكون الرؤية .
الثاني : بحفظنا إياك حفظ من يراك (٥٨٤).
(٥٨٢) هو يزيد بن عبدالله المدان من اليمن وهو شاعر أقبل مع خالد بن الوليد مع قومه إلى رسول الله وَالقر في
السنة العاشرة من الهجرة له ترجمة في الاصابة (٩٢٨٨) وفي سيرة ابن هشام (٤ /٢٤٠).
(٥٨٣) فتح القدير (٤٩٧/٢).
(٥٨٤) اعلم أيها القارىء الكريم أن الرب تبارك وتعالى أخبر في كتابه أن له صفة العين وأخبر رسوله وليد
كذلك في غير ما حديث صحيح وهذه الصفة نثبتها كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل وعلى هذا
الإثبات والنفي درج سلفنا الصالح رحمهم الله لإن السلف الصالح كانوا يمرون الآيات كما نزلت
وكانوا يؤمنون بها إيماناً خالياً من التجسيم والتكيف وقد مر معك قول الشافعي رحمه الله تعالى حيث
قال آمنت بما جاء عن الله بمراد الله وآمنت بما جاء عن رسول الله بمراد رسول الله و لل وكل عقائدهم
تنسجم مع قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)ومع قوله تعالى ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾
فالله لا شبيه له ولا نظير ولا ند له في صفاته ولا في ذاته ولا في أفعاله فيثبت الله ما أثبت لنفسه وينفي ۔
٤٦٩
سورة هود الآية - ٢٨، ٣٩
الثالث: بأعين أوليائنا من الملائكة.
ويحتمل وجهاً رابعاً: بمعونتنا لك على صنعها.
﴿وَوحينا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وأمرنا لك أن تصنعها.
الثاني : وتعليمنا لك كيف تصنعها.
﴿وَلَ تُخَاطِيْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقون﴾ نهاه الله عن المراجعة فيهم
فاحتمل نهيه أمرين :
أحدهما: ليصرفه عن سؤال ما لا یجاب إليه.
الثاني: ليصرف عنه مأثم الممالأة للطغاة.
قوله عز وجل: ﴿وَيَصْنَعُ الْقُلْكَ﴾ قال زيد بن أسلم: مكث نوح عليه السلام
مائة سنة يغرس الشجر ويقطعها وييبسها، ومائة سنة يعملها، واختلف في طولها على
ثلاثة أقاويل :
أحدها: ما قاله الحسن كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة
ذراع، وكانت مطبقة .
الثاني: ما قاله ابن عباس: كان طولها أربعمائة ذراع، وعلوها ثلاثون ذراعاً.
وقال خصيف: كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وكان في أعلاها
الطير، وفي وسطها الناس وفي أسفلها السباع. ودفعت من عين وردة في يوم الجمعة
لعشر مضين من رجب ورست بباقردي (٥٨٥) على الجودي يوم عاشوراء. قال قتادة وكان
بابها في عرضها(٥٨٦).
= عنه الله ما نفاه عن نفسه ويثبت لله ما أثبته له رسوله وينفى عن الله ما نفاه عنه رسوله ﴿و. لذا فليحذر
المسلم من آفات التجسيم والتمثيل فلقد ثبت في بعض الروايات عن الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل
السنة والجماعة أنه قال: ((مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك)) وهذه الرواية أيضاً رويت عن الزاهد
الصالح الشهير ذي النون المصري ولقد قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى في رسالته
الشهيرة المسماة بيان أهل السنة والجماعة قال: ((من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر)).
(٥٨٥) وهو موضع بالقرب من جبل الجودي ذكره ياقوت في معجم البلدان بكسر القاف وفتح الدال.
(٥٨٦) ولا داعي للخوض في طول السفينة وعرضها ومن أي مادة هي لأن الله تعالى لم يبين لنا ذلك لم يثبت
في السنة المطهره فالأولى الوقوف عند قول الله ورسوله ولا نتكلف علم ما غاب عنا ولقد أعجبني الامام =
٤٧٠
سورة هود الآية - ٤٠
﴿وَكلّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأَ مِّنْ قَوْمِهِ سَخِرُ واْ مِنْهُ﴾ وفي سخريتهم منه قولان:
أحدهما: أنهم كانوا يرونه يبني في البر سفينة فيسخرون منه ويستهزئون به
ويقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجاراً.
٠
الثاني: أنهم لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت قالوا يا نوح:
ما تصنع؟ قال: أبني بيتاًيمشي على الماء فعجبوا من قوله وسخروا منه.
﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ فيه قولان:
أحدهما: إن تسخروا من قولنا فسنسخر من غفلتكم.
الثاني: إن تسخروا من فِعلنا اليوم عند بناء السفينة فإنا نسخر منكم غداً عند
الغرق.
والمراد بالسخرية ها هنا الاستجهال. ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم.
قال ابن عباس: ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر فلذلك سخروا
منه . قال: ومياه البحار بقية الطوفان.
فإن قيل: فلم جاز أن يقول فإنا نسخر منكم مع قبح السخرية؟ قيل: لأنه ذمّ
جعله مجازاة على السخرية فجاء به على مزاوجة الكلام(٥٨٧)، وكان الزجاج لأجل هذا
الاعتراض يتأوله على معنى إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلوننا.
حَتََّ إِذَا جَاءَ أَمْرُ نَا وَفَارَ النَّنُّوُ قُلْنَا أَحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ
إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِالْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَّ وَمَآءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِيلٌ
٤٠
= الآلوسي رحمه الله حيث سرد هذه الإسرائيليات في تفسيره ثم كر عليها بالسخرية قائلًا (٥٠/١٢)
وسفينة الأخبار في تحقيق الحال فيما أرى لا تصلح للركوب فيها إذ هي غير سالمة من عيب فالحري
بحال من لا يميل الى الفضول أن يؤمن بأنه عليه السلام صنع السفينة حسبما قضى الله في كتابه ولا
يخوض في مقدار طولها وعرضها وارتفاعها ومن أي خشب صنعها وبكم مدة أتم عملها إلى غير ذلك
مما لم يشرحه الكتاب ولم تبينه السنة الصحيحة اهـوكذا تكلم على هذه الروايات الفخر الرازي والحافظ
ابن کثیر وغيرهما .
(٥٨٧) اقول: ولهذا قال العلامة الآلوسي (١٢/ ٥١) ((وقيل لا مانع من أن يراد الظاهر ولا ضرر في ذلك الحديث
الجزاء ومن هنا قال بعضهم إن في الآية دليلاً على جواز مقابلة نحو الجاهل والأحمق ! بمثل فعله ويشهد
له قوله تعالى ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ و﴿جزاء سيئة سيئة مثلها﴾
﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ إلى غيرذلك اهـ.
٤٧١
سورة هود الآية - ٤٠
قوله عزوجل: ﴿حَتَّى إِذا جَاءَ أُمْرُنَا وَفَارَ التَُّورُ﴾ فيه ستة أوجه:
أحدها: وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض تَنَّوراً، قاله ابن عباس
وقيل لنوح عليه السلام: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك.
الثاني: أن التنور العين التي بالجزيرة ((عين وردة»، رواه عكرمة.
الثالث: أنه مسجد بالكوفة من قبل أبواب كندة، قاله علي بن أبي طالب رضي
الله عنه .
الرابع: أن التنور ما زاد على وجه الأرض فأشرف منها، قاله قتادة.
الخامس: أنه التنور الذي يخبز فيه، قيل له: إذا رأيت الماء يفور منه فاركب
أنت ومن معك، قاله مجاهد.
قال الحسن: كان تنوراً من حجارة وكان لحواء ثم صار لنوح: وقال مقاتل: فارَ
من أقصى دار نوح بعين وردة من أرض الشام، قال أمية بن الصلت:
فار تنورهم وجاش بماءٍ صار فوق الجبال حتى علاها
السادس: أن التنور هو تنوير الصبح، من قولهم: نور الصبح تنويراً، وهو
مروي عن علي رضي الله عنه.
﴿قُلْنَا آخِْلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنْ أَثْنَيْنِ﴾ يعني من الآدميين والبهائم ذكراً
وأنثى .
﴿وَأهْلَكَ﴾ أي احمل أهلك.
﴿إِلَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ من الله تعالى أنه يهلكهم وهو ابنه كنعان وامرأته
كانا كافرين، قاله الضحاك وابن جريج .
﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي احمل من آمن.
﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّ قَلِيْلٌ﴾ واختلف في عددهم على ثلاثة أقاويل:
أحدها: ثمانون رجلاً منهم جرهم، قاله ابن عباس.
الثاني : ثمانين، قاله ابن جريج .
الثالث: سبعة (٥٨٨)، قاله الأعمش ومطر، وكان فيهم ثلاثة بنين: سام وحام
(٥٨٨) قال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله (٣٢٧/١٥) ((والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله))
﴿وما آمن من معه إلا قليل﴾ يصفهم بأنهم كانوا قليلاً ولم يحد عددهم بمقدار ولا خبر عن رسول الله ولقد =
٤٧٢
سورة هود الآية - ٤٠ - ٤٣
ويافث، وثلاث بنات له ونوح معهم فصاروا سبعة .
وعلى القول الثاني : كانت فيهم امرأة نوح فصاروا ثمانية .
قال محمد بن عباد بن جعفر: فأصاب حام امرأته في السفينة، فدعا نوح أن
يغير الله نطفته فجاء السودان .
، وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِبَهَ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِنِهَا وَمُرْسَهَا إِنَّ رَبِ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ الَّاوَهِىَ
تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجِ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوُّ أَبَنَهُ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَبُنَّ
أَرْكَبِ مَّعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَفِينَ لَقَالَ سَشَاوِيّإِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِن
الْمَآءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّ مَن رَّحِمَّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ
٤٣
مِنَ الْمُغْرَقِينَ
قوله عز وجل: ﴿وقال اركبوا فيها بأسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور
رحيمٌ﴾ قال قتادة: ركب نوح عليه السلام في السفينة في اليوم العاشر من رجب،
ونزل منها في اليوم العاشر من المحرم، وهو يوم عاشوراء، فقال لمن معه: من كان
صائماً فليتم صومه، ومن لم يكن صائماً فليصمه.
وقوله ﴿بسم الله مجريها﴾ أي مسيرها، ﴿ومُرساها﴾ أي مثبتها، فكان إذا أراد
السير قال: بسم الله مجريها، فتجري، وإذا أراد الوقوف قال: بسم الله مرساها.
فتثبت واقفة .
قوله عز وجل: ﴿قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ قال ذلك لبقائه على
کفره تكذيباً لأبيه، وقيل إن الجبل الذي أوى إليه طور زيتا.
وقال لا عاصم الیوم من أمر الله إلا من رحم﴾ فیه وجهان:
أحدهما: إلا من رحم الله وهم أهل السفينة.
الثاني: إلا من رحم نوح فحمله في سفينته وقوله ﴿لا عاصم) يعنى لا
معصوم. ﴿من أمر الله﴾ يعني الغرق.
= صحيح فلا ينبغي أن يتجاوز في ذلك حد الله اذ لم يكن لمبلغ عدد ذلك حد من كتاب الله أو أثر عن
رسول الله ◌َآپيچ)).
٤٧٣
سورة هود الآية - ٤٤ - ٤٦
وَقِيلَ يَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكٍ وَيَسَمَاءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِىَ اُلْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ
٤٤
عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًالِلْقَوْمِ الَّالِمِينَ
قوله عز وجل: ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءَك﴾(٦٨٩) جعل نزول الماء فيها بمنزلة
البلع، ومعناه ابلعي الماء الذي عليك، فروى الحسن والحسين عليهما السلام أن
بعض البقاع امتنع أن يبلع ماءه فصار ماؤه مراً وترابه سبخا.
﴿ويا سماء أقلعي﴾ أي لا تمطري، من قولهم أقلع عن الشيء إذا تركه.
﴿وغيض الماء﴾ أي نقص حتى ذهبت زيادته عن الأرض.
﴿وقضي الأمر﴾ يعني بهلاك من غرق من قوم نوح. (٥٩٠).
﴿واستوت﴾ يعني السفينة.
﴿على الجودي﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه جبل بالموصل، قاله الضحاك.
الثاني: أنه جبل بالجزيرة، قاله مجاهد. قال قتادة: هو بباقردى من أرض
الجزيرة .
الثالث: أن الجودي اسم لكل جبل، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل(٥٩١).
سبحانه ثم سُبحاناً يعود له وقبلنا سبح الجوديُّ والجمد
وَنَادَى نُحُ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ أَبْنِ مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ
اُلْحَكِينَ [® قَالَ يَنُوعُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَُّ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحْ فَلَنَسْتَلْنِ مَا
(٦٨٩) قال العلامة الألوسي رحمه الله (٦٣/١٢) ((اعلم أن هذه الآيات الكريمة قد بلغت من مراتب الإعجاز
أقاصيها واستذلت مصاقع العرب فسفعت بنواصيها وجمعت من المحاسن ما يضيق عنه نطاق البيان
وكانت من سهري البلاغة مكان البستان ا هـ ثم شرع رحمه الله في بيان أوجه البلاغة قرابة ثلاث
صفحات فراجعها.
(٥٩٠) فائدة: قال العلامة ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير (١١٣/٤).
فإن قيل: ما ذنب من أغرق من البهائم والأطفال؟
فالجواب: ان آجالهم حضرت فأميتوا بالغرق قاله الضحاك وابن جريج .
(٥٩١) ذكره ايضاً في فتح القدير (٢ /٥٠٠).
٤٧٤
سورة هود الآية - ٤٧،٤٦
قَالَ رَبِّ إِنَّ أَعُوذُ
ءَ ◌ُ
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ الثـ
بِكَ أَنْ أَسْشَلَكَ مَالَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْلِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُنْمِّنَ
اُلْخَسِرِينَ
٤٧
قوله عز وجل: ﴿ونادى نوحُ ربه فقال رَبِّ إنَّ ابني من أهلي﴾ وإنما قال ﴿من
أهلي﴾ لأن الله تعالى وعده أن ينجي أهله معه .
﴿وإن وعدك الحق﴾ یحتمل وجھین:
أحدهما: الذي يحق فلا يخلف.
الثاني : الذي يلزم كلزوم الحق.
﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾ يعني بالحق. فاحتمل هذا من نوح أحد أمرين: إما
أن يكون قبل علمه بغرق ابنه فسأل الله تعالى له النجاة، وإما أن يكون بعد (٥٩٢) علمه
بغرقه فسأل الله تعالى له الرحمة .
قوله عز وجل: ﴿قال يا نوح إنه ليس من أهلك﴾ فيه ثلاثة أقاويل: (٥٩٣)
أحدها: أنه ولد على فراشه ولم يكن ابنه وكان لغير رشدة، قاله الحسن
ومجاهد.
الثاني : أنه ابن امرأته .
الثالث: أنه كان ابنه، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك. قال
ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط (٥٩٤).
(٥٩٢) وهو قول الواحدي أيضاً قال العلامة الآلوسي (٧١/١٢) ((وزعم الواحدي أن السؤال قبل الغرق ومع
العلم بكفره وذلك أن نوحاً عليه السلام لم يعلم أن سؤاله ربه نجاة ولده محظور عليه مع إصراره على
الكفر حتى أعلمه الله تعالى ذلك واعترض بأنه إذا كان عالماً بكفره مع التصريح بأنه في أهله من يستحق
العذاب كان طلب النجاة منكراً من المناكير فتدبراهـ.
(٥٩٣) اي لغير نكاح صحيح وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله (٢ /٤٤٨) وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة
من ذهب الى تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وانما كان ابن زنية ويحكي القول بأنه ليس بابنه وانما كان
ابن امرأته عن مجاهد والحسن وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر وابن جريج.
(٥٩٤) قال الحافظ ابن كثير (٤٤٩/٢) وكذا روي عن مجاهد ايضاً وعكرمة والضحاك وميمون بن مهران
وثابت بن الحجاج وهو اختيار أبي جعفر الطبري وهو الصواب الذي لا شك فيه اهـ. قلت وإليه ذهب
عدد کبیر من المفسرين.
٤٧٥
سورة هود الآية - ٤٨، ٤٩
وقيل إن اسمه کان کنعان، وقيل بل كان اسمه يام.
قال الحسن: وكان منافقاً ولذلك استعجل نوح أن يناديه فعلى هذا يكون في
تأويل قوله تعالى ﴿إنه ليس من أهلك﴾ وجهان:
أحدهما: ليس من أهل دينك وولايتك، وهو قول الجمهور.
الثاني : ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجیهم معك، قاله سعيد بن جبير.
﴿إنه عملٌ غير صالحٍ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن مسألتك إياي أن أنجيه عمل غير صالح، قاله قتادة وإبراهيم وهو
تأويل من قرأ عملٌ غير صالح بالتنوين.
والثاني: معناه أن ابنك الذي سألتني أن أنجيه هو عملٌ غير صالحٍ، أي أنه
لغیر رشدة، قاله الحسن (٥٩٥) .
والثالث: أنه عملٌ غير صالحٍ ، قاله ابن عباس، وهو تأويل من لم ينون.
﴿فلا تسألن ما ليس لك به علمٌ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: فیما نسبته إلى نفسك وليس منك.
الثاني : في دخوله في جملة من وعدتك بإنجائهم من أهلك وليس منهم.
﴿إني أعظُك أن تكون من الجاهلين﴾ یحتمل وجھین:
أحدهما: من الجاهلين بنسبك.
الثاني : من الجاهلين بوعدي لك.
وفي قوله ﴿إني أعظك﴾ تأويلان:
أحدهما: معناه إني رافعك أن تكون من الجاهلين.
الثاني : معناه أني أحذرك ومنه قوله تعالى ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله
أبداً﴾ أي يحذرّكم.
قِيلَ يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمِ مِنَّا وَبَرَكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَن مَّعَكَ وَأُمَمٌ
سَنُمَّتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿َتِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا
إِلَيْكَ مَاكُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرٍّ إِنَّالْعَقِبَةَ
(٥٩٥) راجع ما كتب في تعليق رقم ٢٧ .
٤٧٦
سورة هود الآية - ٤٩ - ٥٥
لِلْمُنَّقِينَ ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُم مِّنْ
يَقَوْمِ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ
صى
إِلَهٍ غَيْرُهُمْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ مُفْتَرُونَ يَّ
أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَبِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٨) وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُ واْ رَبَّكُمْ
ثُمَّ نُوبُواْإِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ
وَلَا تَتَوَلَوْ مُجْرِمِينَ
٥٢
قوله عز وجل: ﴿يُرْسِلِ السماء عليكم مدراراً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه المطر في إبانه، قاله هارون التيمي (٥٩٦).
الثاني : المطر المتتابع، قاله ابن عباس.
ویحتمل وجهین آخرین:
. أحدهما: يُدرُّ عند الحاجة.
والثاني: يُدُرُّ به البركة، وهو مأخوذ من درور اللبن من الضرع.
﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: يعني شدة إلى شدتكم، قاله مجاهد.
الثاني : خصباً إلى خصبكم، قاله الضحاك.
الثالث: عزاً إلى عزكم بكثرة عددكم وأموالكم، قاله علي بن عيسى .
الرابع: أنه ولد الولد، قاله عكرمة.
ويحتمل خامساً: يزدكم قوة في إيمانكم إلى قوتكم في أبدانكم.
قَالُواْيَدَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيّ،َالِهَنِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ
لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿إِنِ نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَكَ بَعْضُءَ الِهَتِنَا بِسُوْءٍ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ
٥٤
مِن دُونِهِ فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّلَا نُظِرُونِ
لا
وَأَشْهَدُوَ أْ أَنِّ بَرِىّ ◌ٌ مِّمَّا تَشْرِكُونَ
(٥٩٦) وقول هارون التيمي رواه أبو الشيخ كما في الدر (٤ /٤٤٣) ونصه قال في قوله ﴿يرسل السماء عليكم
مدراراً﴾ قال يدر ذلك عليهم مطراً ومطراً .. وإذا كان ذلك كذلك فلا فرق بين تفسير ابن عباس
وهارون التيمي .
٤٧٧
سورة هود الآية - ٥٥ - ٦١
أَإِ تَوَكَلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِ وَرَبِّكُمْمَا مِن دَآبَةٍ إِلَّ هُوَءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّرَبِ
ج
٥٥
عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقٍِ ﴿ فَإِن تَوَلَوْ فَقَدْ أَبْلَغَشُكُمْ مَّا أُزْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ
رَبِى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبٍِّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَظُ ﴿ وَلَمَّاجَاءَ أَمْرُنَا
◌َيِّنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْمَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّاوَنَّتْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِظٍ { وَتِلْكَ
عَادٌ جَحَدُ واْبِعَايَتِ رَبِهِمْ وَعَصَوْرُ سُلَهُ وَأَتَّبَعُواْ أَمْرَّكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٢) وَأُنْبِعُواْ
فِي هَذِهِالدُّنْيَا لَغَنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَآ إِنَّ عَادَا كَفَرُواْ رَهُمْ أَلَ بَعْدًا لِعَادٍ قَوْمٍ
هُودٍ
٦٠
قوله عزوجل: ﴿ ... إن ربي على صراط مستقيم) فيه وجهان:
أحدهما: على الحق، قاله مجاهد.
الثاني : على تدبير محكم، قاله علي بن عيسى .
ويحتمل ثالثاً: أنه على طريق الآخرة في مصيركم إليه للجزاء وفصل
القضاء(٥٩٧).
﴿ وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ
أَنشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمُفِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ قَرِيبٌ
◌ُجِيبٌ
قوله عز وجل: ﴿ ... هو أنشأكم من الأرض﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: خلقكم من الأرض لأنكم من آدم وآدم من الأرض، قاله السدي .
والثاني : معناه أنشأكم في الأرض.
والثالث: أنشأكم بنبات الأرض (٥٩٨) .
(٥٩٧) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله (٢ / ٤٥٠) وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما
جاءهم به وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر
ولا توالى ولا تعادى وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له الذي بيده الملك والتصرف وما
من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه فلا إله الا هو ولا رب سواه.
(٥٩٨) كما قال تعالى ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ [نوح: ١٧].
٤٧٨
سورة هود الآية - ٦٢، ٦٣
﴿واستعمر کم فيها﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: معناه أعمركم فيها بأن جعلكم فيها مدة أعماركم، قاله مجاهد، من
قولهم أعمر فلان فلاناً داره فهي له عمرى (٥٩٩).
الثاني: أمركم بعمارة ما تحتاجون(٦٠٠) إليه فيها من بناء مساكن وغرس أشجار،
قاله علي بن عيسى .
الثالث: أطال فيها أعماركم، قال الضحاك، كانت أعماركم ألف سنة إلى
ثلاثمائة سنة .
قَالُوْيَصَلِحُ قَّذَّكُنْتَ فِيَنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَنَتْهَدْنَا أَن تَعْبُدَ مَايَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَنَا
لَفِى شَكٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ◌َقَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن
رَّبِ وَءَاتَنِىِ مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُفِىِ مِنَ اللهِإِنْ عَصَيْنُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ
٦٣
تَخْسِيرِ
قوله عز وجل ﴿قالوا یا صالحُ قد کنت فينا مرجُوّاً قبل هذا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أي مؤملاً برجاء خيرك.
الثاني: أي حقيراً من الإرجاء وهو التأخير، فيكون على الوجه الأول عتباً،
وعلى الثاني زجراً.
قوله عز وجل : ﴿قال یا قوم أر أيتم إن كُنْتُ علی بینةٍ من ربي﴾ یحتمل وجھین:
أحدهما: على حق بيّن.
الثاني : على حجة ظاهرةٍ. وقال الكلبي على دين من ربي .
﴿وآتاني منه رحمة﴾ قال ابن جرير الطبري (٦٠١) يعني النبوة والحكمة.
(٥٩٩) بضم فسكون مقصور وهي كما قال الراغب الأصفهاني في العطية أن تجعل له شيئاً مدة عمرك أو عمره
نقله في روح المعاني (٨٨/١٢).
(٦٠٠) قال العلامة الآلوسي رحمه الله (٨٨/١٢) واستدل بالآية على أن عمارة الأرض واجبة لهذا الطلب.
وقسمها في الكشاف الى واجب كعمارة القناطر اللازمة والمسجد الجامع ومندوب كعمارة المساجد
ومباح كعمارة المنازل وحرام كعمارة الحانات وما يبتنى للمباهاة أو من مال حرام كأبنية كثير من الظلمة .
(٦٠١) جامع البيان (١٥ /٣٧٠).
٤٧٩
سورة هود الآية - ٦٤ - ٦٨
﴿فمن ينصرني من الله إن عصيته﴾ أي فمن يدفع عني عذاب الله إن عصيته
بطاعتكم.
﴿فما تزيدونني غير تخسير﴾ فيه وجهان:
أحدهما: يعني ما تزيدونني في احتجاجكم باتباع آبائكم إلا خساراً تخسرونه
أنتم، قاله مجاهد.
الثاني: فما تزيدونني مع الرد والتكذيب إن أجبتم إلى ما سألتم إلا خساراً
لاستبدال الثواب بالعقاب.
وَيَقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِلَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اَللَّهِوَلَا
تَمَسُّوهَابِسُوْءٍ فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِىِ دَارِكُمْ
ثَلَثَةَ أَيَّامِ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا صَلِحًا
وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ
اَلْعَزِيزُ ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْالصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ
® كَأَن ◌َّمْ يَغْنَوْ فِهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُ واْرَّهُمّ ◌َلَبُعْدًا لِّثَمُودَ
٦٨
قوله عزوجل: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحةُ﴾ فیھا ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن جبريل عليه السلام صاح بهم.
الثاني: أن الله تعالى أحدثها في حيوان صاح بهم.
الثالث: أن الله تعالى أحدثها من غير حيوان.
﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ لأن الصيحة أخذتهم ليلاً فأصبحوا منها
هلكى.
﴿في ديارهم﴾ فيه وجهان:
أحدهما: في منازلهم وبلادهم، من قولهم هذه ديار بكر وديار ربيعة.
الثاني : في دار الدنيا لأنها دار لجميع الخلق.
وفي ﴿جاثمين﴾ وجهان :
أحدهما: مبيتين، لأن الصيحة كانت بياتاً في الليل، قاله عبد الرحمن بن زيد.
٤٨٠