Indexed OCR Text

Pages 321-340

سورة الأنفال الآية - ٤٢
أحدها: أنه لهم أبداً كما كان لهم من قبل، قاله الشافعي.
والثاني : أنه لقرابة الخليفة القائم بأمور الأمة .
والثالث: أنه إلى الإمام يضعه حيث شاء.
والرابع: أن سهمهم وسهم رسول الله وَّر مردود على باقي السهام وهي ثلاثة،
قاله أبو حنيفة .
وأما ﴿وَالْيَتَامَى﴾ فهم من اجتمعت فيهم أربعة شروط:
أحدها: موت الأب وإن كانت الأم باقية، لأن يتم الآدميين بموت الآباء دون
الأمهات ویتم البهائم بموت الأمهات دون الآباء.
والثاني: الصغر، لقول رسول الله وَّهِ: ((لَا يُْمَ بَعْدَ حُلُمِ))(٣٦٨).
والثالث: الإسلام لأنه مال المسلمين.
والرابع: الحاجة لأنه معد للمصالح .
ثم فيهم قولان :
أحدهما: أنه لأيتام أهل الفيء خاصة.
والثاني : أنه لجميع الأيتام .
وأما ﴿اَلْمَسَاكِينِ﴾ فهم الذين لا يجدون ما يكفيهم.
وأما أبناء السبيل فهم المسافرون من ذوي الحاجات، والإسلام فيهم معتبر.
وهل يختص بأهل الفيء؟ على القولين. وقال مالك: الخمس موقوف على رأي
الإمام فيمن يراه أحق به، وإنما ذكرت هذه الأصناف لصدق حاجتها في وقتها.
قوله عز وجل ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ وهو يوم
بدر فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل.
إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَاوَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ
وَلَوْ تَوَاعَدْ تُمْلَاَ خْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَدِ وَلَكِنْ لِّيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرَّاكَانَ
(٣٦٨) رواه أبو داود (٢٧٨٣) وسنده ضعيف من أجل يحيى بن محمد المدني ولكن للحديث شواهد من حديث
أنس وجابر وغيرهما كما قال السخاوي ما في المقاصد الحسنة وحسنه الأرناءوط في تخريج جامع الأصول
(١١ / ٦٤٢).
٣٢١

سورة الأنفال الآية - ٤٢، ٤٣
مَفْعُولًاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَى عَنْ بِيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ
٤٢
لَسَمِيعٌ عَلِيهُ
قوله عز وجل: ﴿إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ يعني شفير الوادي بيدر، الأدنى إلى
المدينة .
﴿وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىْ﴾ يعني شفير الوادي الأقصى إلى مكة. وقال
الأخفش: عدوة الوادي هو ملطاط (٣٦٩) شفيره الذي هو أعلى من أسفله، وأسفل من
أعلاه .
﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ يعني عير أبي سفيان أسفل الوادي، قال الكلبي: على
شاطىء البحر بثلاثة أميال.
﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ولو تواعدتم أن تتفقوا مجتمعين لاختلفتم في الميعاد، بالتقديم
والتأخير والزيادة والنقصان من غير قصد لذلك.
والثاني: ولو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم مع قلة عددكم لتأخرتم فنقضتم
الميعاد، قاله ابن إسحاق.
والثالث: ولو تواعدتم ثم بلغكم كثرة عدوكم من غير معونة الله لكم لأخلفتم
بالقواطع والعوائق في الميعاد.
قوله عز وجل ﴿ ... لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْبَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيْنَةٍ﴾ فيه
وجهان .
أحدهما: ليقتل ببدر من قتل من مشركي قريش عن حجة، وليبقى من بقي عن
قدرة .
والثاني: ليكفر من قريش من كفر بعد الحجة ببيان ما وعدوا، ويؤمن من آمن
بعد العلم بصحة إيمانهم.
إِذْيُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوَ أَرَكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَنَنَزَعْتُمْ
(٣٦٩) هو حافة الوادي .
٣٢٢

سورة الأنفال الآية - ٤٣ - ٤٥
فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [®] وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ
إِذا لْتَقَيِّتُمْ فِيَ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ
مَفْعُولًاً وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ آلْأُمُورُ
٤٤
قوله عز وجل: ﴿إِذْ يُرِيكُهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ فيه وجهان .
أحدهما: أن الله أرى نبيه وَّ قلة المشركين عياناً، وقوله ﴿فِي مَنَامِكَ﴾ يريد
في عينيك التي هي (٣٧٠) محل النوم، قاله الحسن.
والثاني: أنه ألقى عليه النوم وأراه قلتهم في نومه، وهو الظاهر، وعليه
الجمهور.
وإنما أراه ذلك على خلاف ما هو به لطفاً أنعم به عليه وعلى أمته، ليكون أثبت
لقلوبهم وأقدم لهم على لقاء عدوهم، ولولا ذلك لما جازت هذه الحالة من الله تعالى
في نبيه وَله .
﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمُ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: لاختلفتم في لقائهم أو الكف عنهم.
والثاني : لجبنتم عنهم وانهزمتم منهم.
... وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: سلّم من الفشل.
والثاني : لجبنتم عنهم وانهزمتم منهم ولكن الله سلم من العدو.
وفيه ثالث: ولكن الله سلم أمره فيهم حتى نفذ ما حكم فيهم به من هلاكهم.
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَاثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ
(٣٧٠) وهذا القول قول أبي عبيدة في مجاز القرآن (٢٤٧/١) وقول كثير من النحويين وأورده الطبري
(٥٧٠/١٣) ولم يصرح بالقائل بل قال ((وزعم بعضهم)).
وأما نسبة الاثر للحسن البصري ففيه غرابة ولهذا قال الحافظ ابن كثير (٣١٥/٢) ((وهذا القول غريب))
يعني من قول الحسن. وقال الزمخشري في الكشاف (١٢٨/٢) وهذا تفسير فيه تعسف وما أحسب
الرواية صحيحة فيه عن الحسن وما يلائم علمه بكلام العرب وفصاحته. وبنحوه قال الآلوسي في روح
المعاني (٨/١٠).
٣٢٣

سورة الأنفال الآية - ٤٥ - ٤٩
٤٥
وَأَطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
نُفْلِحُونَ
وَأَصْبِرُوَأَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ
٤٦
قوله عز وجل ﴿ ... وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ والفشل هو التقاعد عن القتال
جبناً .
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يريد بالريح القوة، وضرب الريح لها مثلاً.
والثاني: يريد بالريح الدولة. ومعناه فتذهب دولتكم، قاله أبو عبيدة.
والثالث: يريد ريح النصر التي يرسلها الله عز وجل لنصر أوليائه وهلاك أعدائه
قاله قتادة وابن زید .
ويحتمل رابعاً: أن الريح الهيبة، وريح القوم هيبتهم التي تتقدمهم كتقدم
الريح. ويكون معنى الكلام: فتذهب ريحكم وهيبتكم.
وَلَا تَكُونُواْ كَأُلَّذِينَ خَرَجُوْ مِن دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (*) وَ إِذْزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ
وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنَّ جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ
اُلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِى بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّ
أَخَافُ اللَّهِ وَاْللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ إِذْيَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضُ غَرَّهَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَ كَّلْ عَلَى الَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِ يزٌ
٤٩
حَكِيمٌ
﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِثَآءَ النَّاسِ﴾ هم قريش حين
خرجوا في حماية العير فنجا بها أبو سفيان، فقال لهم أبو جهل: لا نرجع حتى نرِد
بدراً وننحر جزوراً ونشرب خمراً وتعزف علينا القيان، فكان من أمر الله فيهم ما كان.
قوله عز وجل ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال المفسرون: ظهر لهم في
٣٢٤

سورة الأنفال الآية - ٤٥ - ٤٩
صورة سراقة (٣٧١) بن جعشم من بني كنانة فزين للمشركين أعمالهم.
یحتمل وجھین :
أحدهما: زين لهم شركهم.
والثاني : زین لهم قتال رسول الله ێ . .
وفيه وجه ثالث: أنه زین لهم قوتهم حتى اعتمدوها.
﴿وَقَالَ: لَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ يعني أنكم الغالبون دون المؤمنين.
﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: يعني أني معكم. وفي جواركم ينالني ما نالكم.
الثاني: مجير لكم وناصر. فيكون على الوجه الأول من الجوار، وعلى الوجه
الثاني من الإجارة.
﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئتانِ﴾ یحتمل وجهین:
أحدهما: فئة المسلمين وفئة المشركين.
والثاني : المسلمون ومن أمدوا به من الملائكة، فكانوا فئتين.
﴿نَكَصَ عَلَىْ عَقِبَيْهِ﴾ والنكوص أن يهرب ذليلاً خازياً، قال الشاعر:
وما ينفع المستأخرين نكوصهم ولا ضَرّ أهل السابقات التقدم.
﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيّءٌ مِّنْكُمْ إِنِّي أَرَىْ مَا لَا تَرَوْنَ﴾ يعني من الملائكة الذين أمد الله
بهم رسوله والمؤمنين .
﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ وإنما ذكر خوفه من الله تعالى في هذا الموضع ولم يذكره
في امتناعه من السجود لآدم لأنه قد كان سأل الإنظار إلى قيام الساعة فلما رأى نزول
الملائكة ببدر تصور قيام الساعة فخاف فقال ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
قوله عز وجل ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ فيهم ثلاثة
أقاویل:
أحدها: أنهم قوم في قلوبهم شك كانوا تكلموا بالإسلام وهم بمكة، قاله ابن
عباس ومجاهد.
(٣٧١) وفي هامش المخطوطة [بن مالك].
٣٢٥

سورة الأنفال الآية - ٥٠ - ٥٣
والثاني : أنهم المشركون، قاله الحسن.
والثالث: أنهم قوم مرتابون لم يظهروا العداوة للنبي وَ # بخلاف المنافقين.
والمرض في القلب كله هو الشك، وهو مشهور في كلام العرب، قال الشاعر:
ولا مرضاً أتقيه إني لصائن لعرضي ولي في الأليّة مفخر
وقوله تعالى ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ﴾ يعني المسلمين.
﴿ديتُهُمْ﴾ يعني الإسلام، لأن الله تعالى قلل المشركين في أعين المسلمين
ليتقدموا عليهم، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين ليستهينوا بهم حتى أظفر بهم
المسلمين فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا.
وَلَوْ تَرَىَّ إِذْيَتَوَى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ
وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِ يكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ
بِظَلَّمٍ لِلْعِبِيدِ
٥١
قوله عز وجل ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ يَتَوَنَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَارَهُمْ﴾ فيه قولان:
أحدهما: يتوفاهم ملك الموت عند قبض أرواحهم، قاله مقاتل.
والثاني : قتل الملائكة لهم حین قاتلوهم يوم بدر.
﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ تأويله على القول الأول: يضربون وجوههم
يوم القيامة إذا واجهوهم، وأدبارهم إذا ساقوهم إلى النار.
وتأويله على القول الثاني يحتمل وجهين:
أحدهما: يضربون وجوههم ببدر لما قاتلوا، وأدبارهم لما انهزموا.
والثاني: أنهم جاءوهم من أمامهم وورائهم، فمن كان من أمامهم ضرب
وجوههم، ومن كان من ورائهم ضرب أدبارهم.
كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ
ج
ذَلِكَ بِأنّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرًا نِعْمَةً
٥٢
◌ِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِىَّ شَدِيدُ الْعِقَابِ
٣٢٦

سورة الأنفال الآية - ٥٣ - ٥٧
كَدَأْبِ
٥٣
أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيْرُوْمَا بِأَنْفُسِهِمٌ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(
ءَالِ فِّرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ رَبِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
وَأَغْرَقْنَآءَالَ فِرْعَوْنَ وَكُلْ كَانُواْظَلِمِينَ
٥٤
قوله عز وجل ﴿ذَالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ
مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ يحتمل خمسة أوجه:
أحدها: لم يك مغيراً نعمة أنعمها عليهم بالنصر لهم على أعدائهم حتى يغيروا
ما بأنفسهم من الثقة به والتوكل عليه.
والثاني: لم يك مغيراً نعمته عليهم في كف أعدائهم عنهم حتى يغيروا ما
بأنفسهم من طاعته والكف عن معصيته .
والثالث: لم يك مغيراً نعمته عليهم في الغنى والسعة حتى يغيروا ما بأنفسهم
من تأدية حق الله تعالی منه.
والرابع: لم يك مغيراً نعمته في الثواب والجزاء حتى يغيروا ما بأنفسهم من
الإيمان.
والخامس: لم يك مغيراً نعمته عليهم في الإرشاد حتى يغيروا ما بأنفسهم من
الانقياد .
اُلَّذِينَ عَهَدتَّ
إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥
مِنْهُمْ ثُمَ يَنَقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِ مَّةٍ وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ ﴿ فَإِمَّانَتْقَفَنَّهُمْ فِي
Ov
اُلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
قوله عز وجل ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَتَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: تصادفهم.
والثاني : تظفر بهم.
﴿فَشَرِّدْ بِهِم مِّنْ خَلْفَهُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
٣٢٧

سورة الأنفال الآية - ٥٨ - ٦٠
أحدها: أنذر بهم من خلفهم، قال الشاعر من هذيل (٣٧٢):
أطوِّف في الأباطح كلَّ يوم مخافة أن يشرِّد بي حكيم
وَإِمَّا تَخَافَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَلَا يُحِبُّ الْخَّيِنِينَ (
٥٨
قوله عز وجل ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ يعني في نقض العهد.
﴿فَتْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾ أي فألق إليهم عهدهم حتى لا ينسبوك إلى الغَدر
بهم. والنبذ هو الإلقاء. قال الشاعر(٣٧٣):
مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
فهن ينبذن من قول يصبن به
وفي قوله تعالى ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾ خمسة أوجه:
أحدها: على مهل، قاله الوليد بن مسلم (٣٧٤).
والثاني: على محاجزة مما يفعل بهم، قاله ابن بحر.
والثالث: على سواء في العلم حتى لا يسبقوك إلى فعل ما يريدونه بك.
والرابع: على عدل من غير حيف، واستشهد بقول الراجز.
فاضرب وجوه الغد والأعداء
حتى يجيبوك إلى السواء (٣٧٥)
أي إلى العدل.
والخامس: على الوسط واستشهد قائله بقول حسان (٣٧٦):
بعد المغيب في سواء الملحد
يا ويح أنصار النبي ورهطه
وذكر مجاهد أنها نزلت في بني قريظة .
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْسَبَقُوْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾ وَأَعِدُواْ لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم
(٣٧٢) اللسان (شرد) وحكيم هو رجل من بن سليم كانت قريش ولته الأخذ على أيدي السفهاء.
(٣٧٣) اللسان (صدى) والشاعر هو القطامي .
(٣٧٤) هو أبو العباس الدمشقي عالم دمشق القرشي مات في المحرم سنة خمس وتسعين وقيل غير ذلك
والأول أشهر تهذيب التهذيب (١٣٣/١٠ - ١٣٦).
(٣٧٥) الطبري (١٤ /٢٧) وفتح القدير للشوكاني (٣٢٠/٢).
(٣٧٦) ديوان حسان (٩٨) والطبري (٤٩٦/٢، (٢٧/١٤).
٣٢٨

سورة الأنفال الآية - ٦٠
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن
دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمَّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمُّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ
إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ
قوله عز وجل ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ فيه خمسة
أقاویل:
أحدها: أن القوة ذكور الخيل، ورباط الخيل إناثها، وهذا قول عكرمة.
والثاني : القوة السلاح، قاله الكلبي .
والثالث: القوة التصافي واتفاق الكلمة.
والرابع: القوة الثقة بالله تعالى والرغبة إليه.
والخامس: القوة الرمي. روى يزيد بن أبي حبيب (٣٧٧) عن أبي عليّ
الهمزاني (٣٧٨) عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله وَّةٍ (٣٧٩) يقول على المنبر:
﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُمْ مِّن قوة﴾ أَلَ إِنَّ القُوةَ الرميُ)) قالها ثلاثاً(٣٨٠).
(٣٧٧) وفي الطبري (١٤ /٣٢) يزيد بن أبي حبيب وعيد الكريم بن الحارث عن أبي علي .....
(٣٧٨) كذا هنا وفي المطبوعة وهو تصحيف والصواب الهمداني بالدال والتصويب من الطبري (٣٢/١٤)
واسم أبي علي ثمامة بن شفي .
(٣٧٩) وهذا لفظ الطبري (٣٢/١٤) وفي سنده ابن لهيعة وهو سيىء الحفظ وضعف الطبري سند هذه الرواية
في (٣٧/١٤).
لكن الحديث له طرق صحيحة أخرى عن عقبة بن عامر.
فرواه مسلم (٦٤/١٣) وأبو داود (٢٥١٤) وابن ماجه (٢٨١٣). والحاكم (٣٢٨/٢) وصححه على شرط
الشيخين ووافقه الذهبي. وزاد السيوطي نسبته في الدر (٤ / ) لابن المنذر وابن أبي حاتم وابي الشيخ
وابن مردوية وأبي يعقوب إسحق بن إبراهيم القراب في كتاب فضل الرمي والبيهقي في شعب الإيمان.
(٣٨٠) ولا يخفى على المسلم المجاهد البصير بأمر دينه أن العدو اليوم قد طور أسلحته فينبغي أن لا يغفل
المسلم عن ذلك بل عليه أن يعد العدة ويواجه بالمثل ولا حرج عليه في ذلك الإعداد مادياً كان أو
معنوياً فكلاهما مطلوب قال العلامة الآلوسي (٢٥/١٠) وأنت تعلم أن الرمي بالنبال اليوم لا يصيب
هدف القصد من العدو لأنهم استعملوا الرمي بالبند والمدافع ولا يكاد ينفع معهما نبل وإذا لم يقابلوا
بالمثل عم الداء العضال واشتد الوبال والنكال وملك البسيطة أهل الكفر والضلال فالذي أراه والعلم
عند الله تعالى تعين تلك المقابلة على أئمة المسلمين وحماة الدين اهـ وقلت وفي كلامه رحمه الله
الإشارة إلى إعداد العدة بما يلائم الوقت والعصر فتنبه.
٣٢٩

سورة الأنفال الآية - ٦١ - ٦٣
﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ على قول عكرمة إناثها خاصة، وعلى قول الجمهور
على العموم الذكور والإناث. وقد روى عبدالله بن عمرو بن العاص قال(٣٨١): قال
رسول الله ﴿ ((ارتبطوا الخيل فَإِنَّ ظُهُورَهَا لَكُم عِزٌّ، وَأَجْوَافَهَا لَكُم كَنزٌ)).
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدَوَّكُمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: عدو الله بالكفر وعدوكم بالمباينة .
والثاني: عدو الله هو عدوكم لأن عدو الله عدو لأوليائه. والإرهاب:
التخويف .
وَآخِرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ فيه خمسة أقاويل:
أحدها: هم بنو قريظة، قاله مجاهد.
والثاني: أهل فارس والروم قاله السدي.
والثالث: المنافقون؛ قاله الحسن وابن زيد.
والرابع: الشياطين (٣٨٢)، قاله معاذ بن جبل.
والخامس: كل من لا تعرفون عداوته، قاله بعض المتأخرين.
ج وَإِن
وَإِنْ جَنَحُو ◌ْلِلِسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَالسَّمِيعُ الْعَلِيمُ
يُرِيدُوَّا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنتَ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِى أَيَّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ
٦٢
وَأَلَّفَ بَيِّنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌحَكِيمٌ
قوله عز وجل ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَهَا﴾ فيه ثلاثة أُوجه:
أحدها: وإن مالوا إلى الموادعة فَمِلْ إليها.
(٣٨١) لم اهتد إليه بنصه ولكن روى أبو داود (٣٥٤٤) والنسائي (٢١٨/٦، ٢١٩) جزء منه بنحوه ضمنه
حديث أبي وهب الجشمي مرفوعاً ولفظه ((ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأعجازها أو قال: أكفالها
وقلَّدوها ولا تقلدوها الأوتار)).
(٣٨٢) وفي نسخة ((الجن)) وهو اختيار الطبري.
قلت وسند من قال ذلك حديث منكر لا يصح سنداً ولا متناً كما قال الحافظ ابن كثير بعدما ساقه
(٣٢٢/٢).
٣٣٠

سورة الأنفال الآية - ٦٤ - ٦٦
والثاني: وإن توقفوا عن الحرب مسالمة لك فتوقف عنهم مسالمة لهم.
والثالث: وإن أظهروا الإسلام فاقبل منهم ظاهر إسلامهم وإن تخلف باطن
اعتقادهم.
وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها: أنها عامة في موادعة كل من سألها من المشركين ثم نسخت بقوله
تعالى ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قاله الحسن وقتادة وابن
زید.
والثاني : أنها في أهل الكتاب خاصة إذا بذلوا الجزية .
والثالث: أنها في قوم معينين سألوا الموادعة فأمر بإجابتهم.
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اَللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِّ إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَِّرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنٍّ وَإِن
يَكُنْ مِّنكُمْ مِّأْئَةٌ يَغْلِيُوْأَلْفَا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ
® اُلْتَّنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَشّ فِيَكُمْ ضَعْفَأَ فَإِ يَكُنْ مِّنْكُمْ مِّأْتَّةٌ
صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
الصَّبِرِينَ
قوله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ أَتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه
وجهان :
أحدهما: حسبك وحسب من (٣٨٣) اتبعك من المؤمنين الله، قاله الكلبي
ومقاتل :
والثاني : حسبك الله أن تتوكل عليه والمؤمنون أن تقاتل بهم.
قال الكلبي : نزلت هذه الآية بالبيداء من غزوة بدر قبل القتال.
حدث ابن القيم معلقاً على هذه الآية والأوجه النحوية فيها بكلام طيب في زاد المعاد
(٣٥/١، ٣٦) فراجعه.
٣٣١

سورة الأنفال الآية - ٦٧ - ٦٩
قوله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرّضٍ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنْكُمْ
عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلُواْ مَأْتَتَيْنٍ وَإِن يَكُن مِّنْكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ ألفاً﴾ يعني يقاتلوا ألفاً قال
مجاهد: وهذا يوم بدر جعل على كل رجل من المسلمين قتال عشرة من المشركين
فشق ذلك عليهم فنسخ بقوله تعالى: ﴿الأنَ خَفَّفَ آللَّهُ عَنكُمِ﴾ .
وقال ابن بحر: معناه أن الله تعالى ينصر كل رجل من المسلمين على عشرة من
المشركين، وقد مضى تفسير هاتين الآيتين من قبل.
مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِى الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ
اُلُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *الَّوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ
لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْ تُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ◌ِّفَكُلُوْمِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبًا وَأَتَّقُواْ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٦٩
قوله عز وجل ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا
نزل في أسرى بدر حين استقر رأي النبي و # فيهم بعد مشاورة أصحابه على الفداء
بالمال، كل أسير بأربعة آلاف درهم، فأنكر الله تعالى ذلك عليه وأنه ما كان له أن
يفادي الأسرى.
﴿حَتَّى يُؤْخِنَ فِي الأرْضِ ﴾ فیه وجهان:
أحدهما: هو الغلبة والاستيلاء، قاله السدي .
والثاني: هو كثرة القتل ليُعزَّ به المسلمون ويذل به المشركين. قاله مجاهد.
﴿يُرِيدُونَ عَرَضَ الْدُّنْيَا﴾ يعني المال، سماه عرضاً لقلة بقائه.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْأَخِرَةَ﴾ يعني العمل بما يوجب ثواب الآخرة.
﴿لَّوْلَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَسَّكُمْ فِيمَآَ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني ما أخذتموه من المال
في فداء أسرى بدر.
وفي قوله ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أربعة أقاويل:
أحدها: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر أن يعذبهم لمسهم فيما أخذوه من
فداء أسری بدر عذاب عظيم، قاله مجاهد وسعيد بن جبير.
٣٣٢

سورة الأنفال الآية - ٧٠، ٧١
والثاني: لولا كتاب من الله سبق في أنه سيحل لكم الغنائم لمسكم في
تعجلها من أهل بدر عذاب عظيم، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وعبيدة.
والثالث: لولا كتاب من الله سبق أن لا يؤاخذ أحداً بعمل أتاه على جهالة
لمسکم فیما أخذتم عذاب عظيم، قاله ابن اسحاق.
والرابع: لولا كتاب من الله سبق وهو القرآن الذي آمنتم به المقتضي غفران
الصغائر لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم.
وكان النبي ◌َلي (٣٨٤) شاور أبا بكر وعمر في أسرى بدر فقال أبو بكر: هم قومك
وعشيرتك فاستبقهم لعل الله أن يهديهم، وقال عمر: هم أعداء الله وأعداء رسوله
كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم، فمال رسول الله وَّر بعد انصرافه عنهم إلى قول
أبي بكر وأخذ فداء الأسرى ليتقوى به المسلمون، وقال ((أَنْتُم عَالَةٌ بعيني المُهَاجِرِينَ.
فلما نزلت هذه الآية قال النبي ◌َّهَ:((لَو عُذِّبْنَا فِي هَذَا الْأُمْرِ يَا عُمَرُ لَمَا نَجَا غَيْرُكَ)) ثم
إن الله تعالى بيَّن تحليل الغنائم والفداء بقوله ﴿فَكُلُّوْا مِمَّا غَيِمْتُمْ حَلَالاً طَيّاً﴾.
يَأَيُّهَا النَّبِىُّقُل لِّمَن فِىِّ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىَ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا
وَإِن يُرِيدُواْ
γ.
يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
٧١
خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ
قوله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّمَن فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأُسْرَىْ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي
قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّآ أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أحل مما أخذ منكم.
الثاني : أكثر مما أخذ منكم.
قيل إن هذه الآية (٣٨٥) نزلت لما أسر العباس بن عبد المطلب مع أسرى بدر
وأخذ منه رسول الله ◌َ لقر فداء نفسه وابني أخويه عقيل ونوفل فقال: يا رسول الله كنت
(٣٨٤) وبنحوه روى ابن المنذر وابو الشيخ وابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنها كما في الدر
(١٠٨/٤).
(٣٨٥) وهو قول مقاتل كما في زاد المسير لابن الجوزي (٣٨٢/٣، ٣٨٣).
٣٣٣

سورة الأنفال الآية - ٧٢
مسلماً وأخرجت مكرهاً ولقد تركتني فقيراً أتكفف الناس. قال: ((فَأَيْنَ الأُمْوَالُ الَّتِي
دَفَعْتَهَا إِلَى أُمّ الْفَضْلِ عِنْدَ خُرُ وجِكَ)) فقال: إن الله ليزيدنا ثقة بنبوتك. قال العباس
فصدق الله وعده فيما آتاني وإن لي لعشرين مملوكاً كل مملوك يضرب بعشرين الفاً
في التجارة فقد أعطاني الله عز وجل خيراً مما أخذ مني يوم بدر.
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْ بِأَ مْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ
ءَاوَواْ وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْمَا لَكُمِّن
وَلَتِهِم مِّنْ شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنَصَرُوَكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ
إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَنُّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [َّ
قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعني بالله.
﴿وَهَاجَرُ وا﴾ يعني هاجروا وتركوا ديارهم في طاعة الله.
﴿وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمجاهدة بالمال: النفقة،
والمجاهدة بالنفس القتال. وهؤلاء هم المهاجرون مع النبي والر إلى المدينة.
ثم قال ﴿وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُ واْ﴾ يعني الأنصار الذين آووا المهاجرين في
منازلهم ونصروا النبي ◌َِّ ونصروهم.
﴿أَوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: أولئك بعضهم أعوان بعض، قاله الجمهور.
والثاني: أولئك بعضهم أولى بميراث بعض. قال ابن عباس: جعل الله تعالى
الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام.
ثم قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُ واْ مَا لَكُمْ مِّنْ وَلَ يَتَهِمْ مِّنْ شَيْءٍ حَتَّى
يُهَاجِرُ وا﴾ يعني ما لكم من ميراثهم من شيء حتى يهاجروا فكانوا يعلمون ذلك حتى
أنزل الله تعالى ﴿وَأُولُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ يعني في
الميراث فنسخت التي قبلها وصار التوارث لذوي الأرحام، قاله مجاهد وعكرمة
والحسن والسدي.
٣٣٤

سورة الأنفال الآية - ٧٣ - ٧٥
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِىِ الْأَرْضِ
٧٣
وَفَسَادٌ كَبِيرٌ
قوله عز وجل ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُ واْ بَعْضُهُمْ أُوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما: بعضهم أنصار بعض، قاله قتادة وابن إسحاق.
والثاني: بعضهم وارث بعض، قاله ابن عباس وأبو مالك.
﴿إِلَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ ... ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: إلَّ تناصروا أيها المؤمنون ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ﴾ يعني بغلبة
الكفار.
﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ بضعف الإيمان، قاله ابن اسحاق وابن جرير(٣٨٦).
. والثاني: إلّ تتوارثوا بالإسلام والهجرة ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ﴾ باختلاف
الكلمة. ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ بتقوية الخارج على الجماعة، قاله ابن عباس وابن زيد والله
أعلم .
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّالَهُم ◌َّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴿ وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ
وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْمَعَكُمْ فَأُوْلَ مِنْكُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِي
كِتَبِ الهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِ شَىْءٍ عَلِيمٌ
(٧٥
(٣٨٦) لكن في الطبري (١٤ /٨٦) قال قوله ((وفساد كبير)) قال يعني ((ومعاص لله)).
٣٣٥

سورة التوبة الآية - ١، ٢
ترتيبها
سُورَةُ التَّوَيَّةْ
آياتها
١٢٩
مدنية عند جميعهم. روي عن ابن عباس أن سورة براءة تسمى على عهد رسول
الله ◌َ﴾ ((الفاضحة)) لأنها فضحت المنافقين (٣٨٧).
وحكى محمد بن اسحاق أنها كانت تسمى في زمن رسول الله وَلير ((المبعثرة))
لما كشفته من أسرار الناس. وهي مدنية عند جميعهم (٣٨٨).
قال مقاتل وحده: إلا آيتين من آخرها ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾
[التوبة: ١٢٨] نزلتا بمكة.
فَسِيحُواْ فِي الْأَرْضِ
بَرَآءَةٌ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدُ ثُمَ ◌ّمِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْ مُعْجِى اللَّهِ وَ أَنَّاللَّهَ مُخْرِى الْكَفِرِينَ
٢
قوله عز وجل ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
في ترك افتتاح هذه السورة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قولان:
أحدهما: أنها والأنفال كالسورة الواحدة في المقصود لأن الأولى في ذكر
العهود، والثانية في رفع العهود، وهذا قول أبي بن (٣٨٩) كعب قال ابن عباس: وكانتا
تدعيان القرينتين، ولذلك وضعتا في السبع الطول. وحكاه عن عثمان بن عفان.
(٣٨٧) ولها اسماء اخرى مثل المقشفة والمبعثرة والفاضحة والبحوث والمشردة والمخزية والحافرة والمنكلة
والمدمدمة وسورة العذاب راجع زاد المسير (٣٨٩/٣) والزمخشري من الكشاف (١٣٦/٢، ١٣٧).
(٣٨٨) وحكاه القرطبي (٦١/٨).
(٣٨٩) وأولى الأقوال أنها نزلت هكذا بدون بسملة.
٣٣٦

سورة التوبة الآية - ١، ٢
الثاني: أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أمان، وبراءة نزلت برفع الأمان،
وهذا قول ابن عباس، ونزلت سنة تسع فأنفذها رسول الله وَلي (٣٩٠) مع علي بن أبي
طالب رضي الله عنه ليقرأها في الموسم بعد توجه أبي بكر رضي الله عنه إلى الحج،
وكان أبو بكر صاحب الموسم، وقال النبي وَّ ((لَا يُبِّغُ عَنِّي إِلَّ رَجُلٌ مِنِّي(٣٩١)) حكى
ذلك الحسن وقتادة ومجاهد.
وحكى الكلبي أن الذي أنفذه رسول الله وَّله من سورة التوبة عشر آيات من
أولها.
وحكى مقاتل أنها تسع آيات تقرأ في الموسم، فقرأها علي رضي الله عنه في
يوم النحر على جمرة العقبة.
وفي قوله تعالى ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وجهان:
أحدهما: أنها انقطاع العصمة منهما.
والثاني : أنها انقضاء عهدهما.
ثم قال تعالى ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وهذا أمان.
وفي قوله ﴿فَسِيحُواْ فِي الْأَرْضِ ﴾ وجهان:
أحدهما: انصرفوا فيها إلى معايشكم.
والثاني : سافروا فيها حیث أردتم.
وفي السياحة وجهان:
أحدهما: أنها السير على مهل.
والثاني : أنها البعد على وجل.
واختلفوا فيمن جعل له أمان هذه الأربعة الأشهر على أربعة أقاويل:
أحدها: أن الله تعالى جعلها أجلاً لمن كان رسول الله وَلير قد أمنه أقل من
أربعة أشهر ولمن كان أجل أمانه غير محدود ثم هو بعد الأربعة حرب، فأما من لا أمان
له فهو حرب، قاله ابن إسحاق.
(٣٩٠) وقد ورد حديث مرفوع في ذلك رواه أحمد (٣٩٩/١) والترمذي (١٣٤/٢) وحسنه وأبو داود
(٢٩٠/١) والحاكم (٣٣٠٢) وضعفه الشيخ أحمد شاکر في المسند وقال لا أصل له.
(٣٩١) وقد ظن بعضهم أن هذا تفضيل لعلي بن أبي طالب على أبي بكر وليس هذا بشيء وقد أجاد ابن
الجوزي رحمه الله في الرد على من ظن ذلك راجع زاد المسير (٣٩١/٣، ٣٩٢).
٣٣٧

سورة التوبة الآية - ٣
والثاني: أن الأربعة الأشهر أمان أصحاب العهد من كان عهده أكثر منها حط
إليها، ومن كان عهده أقل منها رفع إليها، ومن لم يكن له من رسول الله عهد جعل له
أمان خمسين ليلة من يوم النحر إلى سلخ المحرم لقوله تعالى ﴿فَإِذَا أَنْسَلَغَ آلْأَشْهُرُ
الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ قاله ابن عباس والضحاك وقتادة.
والثالث: أن الأربعة الأشهر عهد المشركين كافة، المعاهد منهم وغير
المعاهد، قاله الزهري ومحمد بن کعب ومجاهد.
والرابع: أن الأربعة الأشهر عهد وأمان لمن لم يكن له من رسول الله وَليل عهد
ولا أمان. فأما أصحاب العهود فهم على عهودهم إلى انقضاء مددهم، قاله الكلبي.
واختلفوا في أول مَدَى الأربعة الأشهر على ثلاثة أقاويل :
أحدها: أن أولها يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر، وآخرها انقضاء العاشر من
شهر ربيع الآخر، قاله محمد بن کعب ومجاهد والسدي .
والثاني : أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، قاله الزهري.
والثالث: أن أولها يوم العشرين من ذي القعدة، وآخرها يوم العشرين من شهر
ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك اليوم ثم صار في السنة الثانية في
العشر من ذي الحجة وفيها حجة الوداع، لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من
النسىء، فأقره النبي ◌َّه فيه حتى نزل تحريم النسىء وقال(٣٩٢): ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدٍ
اسْتَدَارَ كَهَيْثَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)).
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ أي لا تعجزونه هرباً ولا تفوتونه طلباً.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: بالسيف لمن حارب والجزية لمن استأمن.
والثاني : في الآخرة بالنار.
وَأَذَنٌ مِّنَ اْلَّهِ وَرَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْبَرِ أَنَّاللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ
الْمُشْرِكِينٌ وَرَسُولٌ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌلَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْأَنَّكُمْ غَيْرُ
(٣٩٢) رواه البخاري (٤٥٩/٣)(٢٤٤/٨) (٦/١٠) ومسلم (١٦٧٩) واحمد (٣٧/٥) وأبو داود (١٩٤٧) من
حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
٣٣٨

سورة التوبة الآية - ٣
مُعْجِزِى اللّهِ وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْبِعَذَابٍ أَلِيمٍ @
قوله عز وجل ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ في الأذان ها هنا ثلاثة
أقاويل :
أحدها: أنه القصص، وهذا قول تفرد به سليمان بن موسى النشابي (٣٩٣).
والثاني: أنه النداء بالأمر الذي يسمع بالأذن، حكاه علي بن عيسى .
الثالث: أنه الإعلام، وهذا قول الكافة.
وفي ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه يوم عرفة، قاله عمر بن الخطاب وابن المسيب وعطاء. وروى ابن
جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة (٣٩٤) أن رسول الله وَ ل# خطب يوم عرفة وقال:
(هَذَا يَوْمُ الْحَجّ الْأُكْبَرِ)).
والثاني: أنه يوم النحر، قاله عبدالله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة وسعيد بن
جبير والشعبي والنخعي .
وروي مرة عن رجل من أصحاب(٣٩٥) النبي ◌َ اللّ قال: خطبنا رسول الله وَلاير على
ناقته الحمراء وقال ((أَتَدْرُ ونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ هَذَا يَوُْ النَّحْرِ وَهَذَا يَوْمُ الحَجّ الْأَكْبَرِ)).
والثالث: أنها أيام الحج كلها، فعبر عن الأيام باليوم، قاله مجاهد وسفيان. قال
سفيان: كما يقال يوم الجمل ويوم صفين، أي أيامه كلها .
واختلفوا في تسميته يوم الحج الأكبر على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه سمي بذلك لأنه كان في سنة اجتمع فيها حج المسلمين
والمشركين، ووافق أيضاً عيد اليهود والنصارى، قاله الحسن.
والثاني: أن الحج الأكبر القِران، والأصغر الإفراد، قاله مجاهد.
والثالث: أن الحج الأكبر هو الحج، والأصغر هو العمرة، قاله عطاء والشعبي .
(٣٩٣) كذا هنا وهو خطأ والصواب الشامي والتصويب من التهذيب والطبري وهو سليمان بن موسى الأموي
الدمشقي الأشدق فقيه أهل الشام في زمانه مات سنة (١٥) وقيل غير ذلك تهذيب التهذيب (٤ /١٩٧ ،
١٩٨).
(٣٩٤) وهذا الحديث من مرسلات محمد بن قيس بن مخرمة ورواه الطبري (١١٥/١٤) (١٤، ١١٦).
(٣٩٥) رواه الطبري (١٢٥/١٤).
٣٣٩

سورة التوبة الآية - ٥،٤
إِلَّا الَّذِينَ عَهَدَ ثُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَلَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُ واْ عَلَيْكُمْ
أَحَدًّا فَأَتِّقُواْإِلَيْهِمْ عَهْدَ هُمْ إِلَى مَّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ ﴿ فَإِذَا أُنْسَلَخَ
الْأَشْهُأَلْهُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْوَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ
لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَءَاتَّواْ الزَّكَوَةَ فَخَلَّوْ سَبِيلَهُمَّ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قوله عز وجل ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ الآية. في الأشهر الحرم قولان:
أحدهما: أنها رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثلاثة سرد وواحد فرد،
وهذا رأي الجمهور.
والثاني: أنها الأربعة الأشهر التي جعلها الله تعالى أن يسيحوا فيها آمنين وهي
عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع وعشر من شهر ربيع الآخر، قاله
الحسن.
﴿ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِ كِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ فيه قولان:
أحدهما: في حل أو حرم.
والثاني: في الأشهر الحرم وفي غيرها. والقتل وإن كان بلفظ الأمر فهو على
وجه التخییر لوروده بعد حظر اعتباراً بالأصلح .
﴿وَخُذُوهُم﴾ فيه وجهان :
أحدهما: على التقديم والتأخير، وتقديره فخذوا المشركين حيث وجدتموهم
واقتلوهم.
والثاني: أنه على سياقه من غير تقديم ولا تأخير، وتقديره: فاقتلوا المشركين
حیث وجدتموهم وخذوهم.
﴿وَأَحْصُرُوهُم﴾ على وجه التخيير في اعتبار الأصلح من الأمرين.
وفي قوله ﴿ وَآخْصُرُ وهُم﴾ وجهان:
أحدهما: أنه استرقاقهم .
والثاني : أنه الفداء بمال أو شراء.
٣٤٠