Indexed OCR Text
Pages 181-200
سورة الأنعام الآية - ١٤٥
﴿قُلُ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أُمِ الأَنْثَيْنِ﴾ إبطالاً لما حرمته الجاهلية منها في البحيرة،
والسائبة، والوصيلة، والحام.
﴿أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأَنَبَيْنِ﴾ يعني قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ
الأَرْحَامِ خالصةً لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىْ أَزْوَاجِنَا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنٍ وَمِنَ الْبَقَرِ أَثْنَيْنٍ﴾ يريد به ما أراده في
الضأن والمعز وأن هذه الثمانية أزواج حلال لا يحرم منها شيء بتحريمكم.
حكى أبو صالح عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت على رسول الله وَلفي حين أتاه
عوف بن مالك، فقال له: أَحَلَّلْتَ ما حرمه أباؤنا، يعني من البحيرة، والسائبة،
والوصيلة، والحام، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال: ﴿وَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أُمِ
الأَنْثَيْنِ﴾ فسكت عوف لظهور الحجة عليه.
قُل لَّا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلََّ أَنْ يَكُونَ مَيْنَةً
أَوْدَمًا مَّسْفُوحًا أَوْلَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِبِهِ، فَمَنِ
اضْطُرَّ غَيْرَبَاِخٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٤٥
قوله عز وجل: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِي مَا أُرِحِيَ إِلَيَّ مُخَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن
يَكُونَ مَيْتَةً﴾ يعني أن ما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام لم يحرمه الله
تعالى ولا أوحى إليَّ بتحريمه، ثم بيَّن المحرَّم على وجه الاستثناء لأن نفي التحريم
خرج مخرج العموم، فقال: ﴿إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وهي التي خرجت روحها بغير
ذکاة.
﴿أَوْ دَماً مُّسْفُوحاً﴾ يعني مهراقاً مصبوباً ومنه سمي الزنا سفاحاً لصب الماء فيه
ضائعاً، وقال طرفة بن العبد (١٩٢):
إني وجدك ما هجوتك والأن
حصاب يسفح فوقهن دم
فأما الدم غير مسفوح فإن كان ذا عروق يجمد عليها كالكبد والطحال فهو حلال
(١٩٢) ديوان الستة الجاهليين ٢٤٧ والطبري (١٩٢/١٢).
١٨١
سورة الأنعام الآية - ١٤٥
لقوله {وَ﴾(١٩٣): ((أَحِلَّتْ لَنَا مِيْتَتَانِ وَدَمَانٍ، فَالمِيْتَانِ: الحُوتُ وَالجَرَادُ، وَالدَّمَانِ:
الكَبِدُ وَالطَّحَالُ﴾.
وإن كان غير ذي عروق يجمد عليها وإنما هو مع اللحم وفيه، ففي تحريمه
قولان :
أحدهما: لا يحرم لتخصيص التحريم بالمسفوح، وهو قول عائشة، وعكرمة،
وقتادة، قال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون عروق اللحم كما تتبعها اليهود.
والثاني: أنه حرام لأنه من جملة المسفوح وبعضه، وإنما ذكر المسفوح
لاستثناء الكبد والطحال منه.
﴿أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ يعني نجساً حراماً.
﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ يعني ما ذبح للأوثان والأصنام، سماه فسقاً
لخروجه عن أمر الله .
فإن قيل: لم اقتصر هنا على تحريم هذه الأربعة وقد ذكر في المائدة غيرها من
المنخنقة والموقوذة والمتردية؟ قيل: لأن هذا كله من جملة الميتة فذكره هناك مفصلًا
وها هنا في الجملة.
وفي هذه الآية قولان:
أحدهما: أنها مشتملة على جميع المحرمات فلا يحرم من الحيوان ما عدا هذا
المذكور فيها، وهذا قول ابن عباس، وعائشة.
والثاني: أنها (١٩٤) تشتمل على تحريم ما تضمنها وليست مستوعبة لجميع
(١٩٣) رواه أحمد (٢ / ٩٧) وابن ماجة (٣٣١٤) والشافعي (٢/ ٤٢٥) من حديث ابن عمر مرفوعاً وفي سنده
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف ورواه البيهقي (١ / ٢٥٤) عن ابن عمر موقوفاً وقال هذا إسناد
صحيح وهو في المسند.
قلت وللحديث حكم الرفع لأنه قول الصحابي أحل لنا كذا وحرم علينا كذا من قبيل المرفوع حكماً وقد
صحح الحديث العلامة الألباني في الإرواء.
(١٩٤) ولا ريب أن هذا القول هو المتعين لأن السنة متى ثبتت عن رسول الله صل# فعلى العين والرأس فالقول بها
لازم.
١٨٢
سورة الأنعام الآية - ١٤٦
المحرمات لما جاءت به السنة من تحريم (١٩٥) كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من
الطير، وهذا قول الجمهور.
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى نُفُرٍ وَ مِنَ الْبَقَرِ وَاُلْغَنَمِ
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلََّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَابَآأَوْمَا
أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍّ ذَلِكَ جَزَيْنَهُمِ بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ
١٤٦
قوله عز وجل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ◌ُفُرٍ﴾ هذا التحريم على
الذين هادوا إنما هو تكليف بلوى وعقوبة، فأول ما ذكره من المحرمات عليهم ﴿كُلّ
ذِي ◌ُفُرٍ﴾ وفيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه ما ليس بمنفرج الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط، قاله ابن
عباس (١٩٦) ، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي.
والثاني(*): أنه عنى أنواع السباع كلها.
والثالث: أنه كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي حافر من الدواب.
ثم قال: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُ هُمَا﴾
فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها: أنها شحوم الثّرْب (١٩٧) خاصة، قاله قتادة.
والثاني: أنه كل شحم لم يكن مختلطاً بعظم ولا على عظم، قاله ابن جريج.
والثالث: أنه شحم الثرب والكلى، قاله السدي وابن زيد.
(١٩٥) رواه البخاري (١٠ / ٢١٢) ومسلم (٥/ ٨٢) وأبو داود (٣٨٠٢) والترمذي (١٥٠٤) والنسائي (٧/
٢٠١، ٣٠٤) وابن ماجة (٣٢٣٢) من حديث أبي ثعلبة الخشني ولفظه نهى رسول الله ولاير عن أكل كل
ذي ناب من السباع.
(١٩٦) رواه ابن أبي حاتم بسنده عنه قال الحافظ في الفتح (٢٩٥/٨) وأسناده حسن وأخرجه ابن جرير من طريق
سعید بن جبير مثله مفرقاً ولیس فیه ابن عباس.
(*) وفي نسخة والثاني: أنه كل ما صاد بظفره من الطير.
(١٩٧) جمع ثروب والثرب بفتح المثلثة وسكون الراء المهملة هو شحم رقيق يغطي الكرش والأمعاء.
١٨٣
سورة الأنعام الآية - ١٤٧ - ١٥٠
ثم قال: ﴿إِلَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ يعني شحم الجنب وما علق بالظهر فإنه لم
يحرم عليهم .
ثم قال: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ وفيها أربعة تأويلات:
أحدها: أنها المباعر، قاله ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة،
ومجاهد، والسدي .
والثاني : أنها بنات اللبن(*)، قاله عبد الرحمن بن زيد.
والثالث: أنها الأمعاء التي عليها الشحم من داخلها، قاله بعض المتأخرين.
والرابع: أنها كل ما تحوّى في البطن واجتمع واستدار، قاله علي بن عيسى .
﴿ أُوْ مَا آخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه شحم الجنب.
والثاني: أنه شحم الجنب والآلية، لأنه على العصعص، قاله ابن جريج،
والسدي .
﴿ذَالِكَ جَزَيْنَاهُم پِبَغْپھمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: ببغيهم على موسى عليه السلام فيما اقترحوه وعلى ما خالفوه.
والثاني : ببغيهم على أنفسهم في الحلال الذي حرموه.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما حكاه عنهم وحرمه عليهم.
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُورَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ
اٌلْمُجْرِمِينَ ﴿َا سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوْلَوَشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا
وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَقَّ ذَاقُواْ بَأْسَنَّاً
قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلَّمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّا إِن تَتَّبِعُونَ إِلََّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا
قُلْ
١٤٩
تَخْرُصُونَ
قُلْ فَلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْشَآءَ لَهَدَنَكُمْ أَجْمَعِينَ
(١٤٨
هَلُمَّ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّاللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنِ شَهِدُ وافَلَا تَشْهَدْ
(*) كذا في أصول المخطوطة وفي القرطبي خزائن اللبن.
١٨٤
سورة الأنعام الآية - ١٥٠، ١٥١
مَعَهُمَّ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِثَايَتِنَا وَاُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿ قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَاحَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
أَلَّا تُشْرِكُواْبِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْأَوْلَدَكُمْ مِنْ إِمْلَقٍّ
◌َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِتَاهُمٌّ وَلَا تَقْرَبُواْالْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَاللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ
نَعْقِلُونَ
١٥١
قوله عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَواْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمُ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا أمر من الله لنبيه
ول*، أن يدعو الناس إليه ليتلو عليهم ما حرمه الله عليهم، وما أحله لهم ليقلعوا عما
كانت الجاهلية عليه من تحريم المباح وإباحة الحرام.
والتلاوة: هي القراءة، والفرق بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقروء أن التلاوة
والقراءة للمرة الأولى، والمتلو والمقروء للثانية وما بعدها، ذكره علي بن عيسى،
والذي أراه من الفرق بينهما أن التلاوة والقراءة يتناول اللفظ، والمتلو والمقروء يتناول
الملفوظ.
ثم إن الله أخذ فيما حرم فقال: ﴿أَلَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: ألا تشركوا بعبادته عبادة غیره من شیطان أو وثن.
والثالث: أن يحمل الأمرين معاً (١٩٨).
ثم قال: ﴿وَبَالْوَالِدَينَ إِحْسَاناً﴾ تقديره: وأوصيكم بالوالدين إحساناً،
والإحسان تأدية حقوقهما ومجانبة عقوقهما والمحافظة على برهما.
﴿وَلَ تَقْتُلُوْاْ أَوْلَادَكُمْ مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ وذلك أنهم كانوا في
الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق.
وفي الإملاق قولان:
(١٩٨) لاحظ أن القول الثاني لم يذكره المؤلف فلعله سقط من الناسخ.
١٨٥
سورة الأنعام الآية - ١٥٠، ١٥١
أحدهما: أنه الإفلاس، ومنه الملق لأنه اجتهاد المفلس في التقريب إلى الغنى
طمعاً في تأجيله.
والثاني: أن الإملاق (١٩٩) ومعناهما قريب وإن كان بينهما فرق، وهذا قول ابن
عباس، وقتادة، والسدي، والضحاك، وابن جريج .
ثم ذكر فساد اعتقادهم في الإملاق بأن قال: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لأن رزق
العباد کلھم، من کفیل ومکفول، علی خالقهم،
ثم قال: ﴿وَلَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ وفيها أربعة تأويلات:
أحدها: أن ذلك عام في جميع الفواحش سرها وعلانيتها، قاله قتادة.
والثاني: أنه خاص في الزنى، ما ظهر منها: ذوات الحوانيت، وما بطن: ذوات
الاستسرار، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي.
والثالث: ما ظهر منها: نكاح المحرمات، وما بطن: الزنى، قاله مجاهد، وابن
جبير.
والرابع: أن ما ظهر منها: الخمر، وما بطن منها: الزنى، قاله الضحاك.
وقد ذكرنا فيه احتمال تأويل خامس: أن ما ظهر منها أفعال الجوارح، وما بطن
منها اعتقاد القلوب.
ثم قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّ بِالْحَقِّ﴾ والنفوس المحرمة:
نفس مسلم، أو معاهد، والحق الذي تقتل به النفس ما بَّنْه النبي وَلِّ بقوله(٢٠٠): ((لاَ
يَحِلُّ دَمُ أَمْرِىءٍ مُسْلِمٍ إِلَّ بِإِحْدَىْ ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنِّى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ
نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ)).
ثم قال: ﴿ذَالِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ﴾ يعني أن الله وصى عباده بذلك، ووصية الله
واجبة .
(١٩٩) بياض في الأصل وقد رجعنا إلى الروايات الواردة عمن ذكرهم المؤلف هنا فوجدناهم فسروها بالفقر
وعليه فالتفسير الثاني يكون (الفقر).
(٢٠٠) رواه الترمذي (٢١۵٨) وابن ماجه (٢٥٣٣) وأحمد (٤٦٨ ، ٤٣٧ ، ٤٣٨، ٤٥٢، ٥٠٩) من حديث
عثمان بن عفان وقال الترمذي هذا حديث حسن وورد في حديث عبدالله بن مسعود وعائشة رضي الله
عنهما.
١٨٦
سورة الأنعام الآية - ١٥٢، ١٥٣
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: تعقلون تحریم ذلك علیکم وتعلمونه.
والثاني: تعملون عمل من يعقل وهو ترك ما أوجب العقاب من هذه
المحرمات .
وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٍ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ
وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَانُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّوُسْعَهَا وَ إِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْكَانَ
ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِأَوْ فُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُم بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (*) وَأَنَّ
هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ.
ذَالِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
(١٥٣
قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إنما خص مال
اليتيم بالذكر وإن كان مال غيره في التحريم بمثابته، لأن الطمع فيه لقلة مراعيه أقوى،
فکان بالذکر أولى .
وفي قوله: ﴿إِلَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أربعة تأويلات:
أحدها: حفظ ماله عليه إلى أن يكبر ليتسلمه، قاله الكلبي.
والثاني : أن ذلك هو التجارة به، قاله مجاهد.
والثالث: هو ألا يأخذ من الربح إذا اتجر له بالمال شيئاً، قاله الضحاك.
والرابع: هو أن يأكل الولي بالمعروف من ماله إن افتقر، ويترك إن استغنى، ولا
یتعدی من الأکل إلی لباس ولا غيره، قاله ابن زید.
ويحتمل خامساً: أن التي هي أحسن: حفظ أصوله وتثمير فروعه.
ثم قال: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ والأشُد استحكام القوة والشباب(*).
وفي حدها ثلاثة أقاويل :
(*) هنا كلمة مطموسة من الأصل.
١٨٧
سورة الأنعام الآية - ١٥٢، ١٥٣
أحدها: أنه الحلم حين تكتب له الحسنات وعليه السيئات، قاله ربيعة،
وزيد بن أسلم، ومالك.
والثاني: أن الأشُد ثلاثون سنة، قاله السدي.
والثالث: أن الأشد ثماني عشرة سنة، ذكره علي بن عيسى وفيه وجوه أُخَر
نذكرها من بعد.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يعني بالعدل، أمر في مال
البائع من تأدية بمثل ما أمر به في مال اليتيم.
ثم قال: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّ وُسْعَهَا﴾ يعني أنه لما كان العدل في الوزن والكيل
مستحقاً، وكان تحديد أقل القليل متعذراً، كان ذلك عفواً، لأنه لا يدخل في الوسع
فلم يكلفه .
ثم قال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: إذا حكمتم فأنصفوا.
الثاني : إذا شهدتم فاصدقوا.
الثالث: إذا توسطتم فلا تميلوا.
ثم قال: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْنُواْ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن عهد الله كل ما أوجبه الإنسان على نفسه من نذر وغيره.
الثاني: أنه الحلف بالله أن يلزم الوفاء به إلا في معصية.
ذَالِكُمْ وَصَّاكُمْ پِهِ﴾ فيه وجهان.
أحدهما: أنه راجع إلى الذين هادوا وما أوصاهم به في التوراة.
والثاني: أنه راجع إلى المسلمين وما وصاهم به في القرآن.
قوله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَآَتَّبِعُوهُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: القرآن.
والثاني: الشرع وسُمِّيَ ذلك صراطاً، والصراط هو الطريق لأنه يؤدي إلى الجنة
فصار طريقاً إليها .
فَاتَّبِعُوهُ﴾ يعني في العمل به.
١٨٨
سورة الأنعام الآية - ١٥٤ - ١٥٧
﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ما تقدم من الكتب المنزلة نسخها بالقرآن، وهو محتمل.
والثاني: ما تقدم من الأديان المتقدمة نسخها بالإسلام وهو محتمل.
والثالث: البدع والشبهات.
﴿قَتَفَرَّقَ پگُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ يعني عن طريق دينه .
ويحتمل وجهاً ثانياً: أن يكون سبيله نصرة دينه وجهاد أعدائه، فنهى عن التفرق
وأمر بالاجتماع.
ثُمَّءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامًا عَلَى الَّذِىِ أَحْسَنَ وَنَفْضِيلًاً لِّكُلِّشَىْءٍ
وَهَذَا كِنَكُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكُ
(١٥٤)
وَهُدِّى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
١٥٥
فَاتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أُحْسَنَ﴾
وفي قوله: ﴿َاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ خمسة أقاويل:
أحدها: تماماً على إحسان موسى بطاعته، قاله الربيع، والفراء.
والثاني: تماماً على المحسنين، قاله مجاهد، وكان ابن مسعود. يقرأ: ﴿تَمَّاماً
عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾.
والثالث: تماماً على إحسان الله إلى أنبيائه، قاله ابن زيد.
والرابع: تماماً لكرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا، قاله الحسن وقتادة.
والخامس: تماماً لنعمة الله على إبراهيم لأنه من ولده، قاله ابن بحر.
أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن ◌ِدِرَاسَتِهِمْ
لَغَفِلِينَ ﴿ أَوْتَقُولُواْلَوَأَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ
جَاءَ كُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِعَنْ كَذَّبَ بِكَايَتِ
اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَا سُوَءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ
١٨٩
سورة الأنعام الآية - ١٥٧، ١٥٨
◌َْهَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْ بَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْيَأْتِىَ بَعْضُ
يَصْدِفُونَ
ءَايَتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَنُهَا لَمْ تَكُنْءَامَنَتْ مِن قَبْلُ
١٥٨
أَوَّ كَسَبَتْ فِ إِيَمَنِهَا خَيْرً قُلِ أَنَظِرُواْ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ
قوله عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: هل ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة رسلاً، يعني الكفار الذين
يتوقفون عن الإيمان مع ظهور الدلائل.
والثاني: هل ينظرون يعني في حُجَج الله ودلائله إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض
أرواحهم، قاله جوییر.
﴿أُوْ يأْتِي رَبُّكَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أمر ربك بالعذاب (٢٠١)، قاله الحسن.
والثاني : قضاء ربك في القيامة، قاله مجاهد.
﴿أُوْ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتٍ رَبِّكَ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه طلوع الشمس من مغربها، قاله مجاهد، وقتادة، والسدي، قال
ابن مسعود: مع القمر في وقت واحد وقرأ: ﴿وَجُمِعَ الشُّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. [القيامة:
٩].
والثاني: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، قاله أبو
هريرة (٢٠٢).
(٢٠١) والصواب أن الإتيان هو إتيان الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء بين عباده يوم القيامة على الوصف
اللائق به دون تأويل أو تعطيل وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في سورة البقرة. فراجعه.
(٢٠٢) وقد ورد مرفوعاً من حديث أبي هريرة رواه البخاري (٨/ ٢٩٧) ومسلم (٢ / ١٩٤) وأبو داود (٤ /
١٦٣) وابن ماجه (٢ / ٢٣٥٢) وأحمد (٧١٦١) واللفظ للبخاري ((لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس
من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون به وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها ثم قرأ الآية ...
م هـ ورجح ابن الجوزي القول الأول في زاد المسير (٣/ ١٥٧) قلت ولا تنافي بين القولين فإن القول
الأول ذكر آية من الآيات الثلاثة المذكورة في القول الثاني وقد ورد مرفوعاً أيضاً من حديث أبي هريرة
((ثلاثة إذا خرجت لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً طلوع الشمس
من مغربها والدجال ودابة الأرض رواه البخاري (٢٢٣/٨) و(١١ / ٣٠٤) ومسلم (٢ / ١٩٤) وأحمد
١٩٠
سورة الأنعام الآية - ١٥٧، ١٥٨
﴿یَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ ... ) في أول آيات الساعة وآخرها قولان:
أحدهما: أن أولها الدجال، ثم الدخان، ثم يأجوج ومأجوج، ثم الدابة، ثم
طلوع الشمس من مغربها، ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَاتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾، هذا قول
معاذ بن جبل.
والثاني: أن أولها خروج الدجال، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم طلوع
الشمس من مغربها ﴿لَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مَن قَبْلُ﴾ ثم خروج الدابة،
وهذا قول حذيفة بن اليمان ورواه مرفوعاً.
ثم اختلفوا في ألا ينفعها إيمانها بظهور أول الآيات أو بظهور آخرها على
قولین:
أحدهما: إذا خرج أول الآيات، طرحت الأقلام، وجلست الحفظة، وشهدت
الأجساد على الأعمال.
٠
والقول الثاني: أن ذلك يكون بخروج آخر الآيات ليكون لنا فيها أثر في
الإنذار.
ثم قال: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِيَ إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ أما إيمانها قبل هذه الآيات فمُعْتَدُّ به، وأما
بعدها فإن لم تكسب فيه خيراً لم يُعْتَدّ به، وإن كسبت فيه خيراً ففي الاعتداد به
قولان :
أحدهما: يُعْتَدُّ به، وهو ظاهر الآية أن يكون قبل الآيات أو بعده.
والثاني: لا يُعْتَدُّ به، ويكون معناه: لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها
خيراً، وهذا قول السدي .
وفي الخير الذي تكسبه وجهان:
أحدهما: تأدية الفروض على أكمل أحوالها.
والثاني: التطوع بالنوافل بعد الفروض (٢٠٣).
(٧١٦١) وأبو داود (٤ / ١٦٣) والطبري (١٢ / ٢٦٥) واللفظ له وزاد السيوطي في الدر (٣/ ٥٧) نسبته
لعبد بن حميد وعبد الرزاق والنسائي وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في البعث
والطبراني وابن أبي عدي .
(٢٠٣) والأولى أن يفسر الخير بالعمل الصالح بشموله بما في ذلك الفرائض والنوافل قال العلامة ابن الجوزي
١٩١
سورة الأنعام الآية - ١٥٩
روى مجاهد عن عبدالله بن عمر قال(٢٠٤): قال رسول الله وَله: «بَابُ التَّوْبَةِ
مَفْتُوحٌ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، فَالتَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ إِلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ: مِنْ إِبْلِيس رَأْسِ الكُفْرِ، وَمِنْ
قَابِيل قَاتِلِ هَابِيلَ، وَمَنْ قَتَلَ نَبِيًّا لَ تَوْبَةَ لَهُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن ذَلِكَ البَابِ
كَالعَكَرِ الأُسْوَدِ لاَ نُورَ لَهَا حَتَّى تَتَوَسَّطَ السَّماءَ ثُمَّ تَرْجِعُ فَيُغْلَقُ البَابُ وَتُرَدُّ النَّوبَةُ فَلَا
يْفَعُ نَفْساً إِيمَاتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبِّتْ فِي إِيمَانِهَا خَيراً، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى
مَشَارِقِهَا، فَتَطْلُعُ بَعْدَ ذَالِكَ عِشْرِينَ وَمِائَة سَنَةٍ إِلَّ أَنَّهَا سُئُونَ تَمُرُّ مَرأ)).
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوْدِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعَالَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ إِذَّمَ أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِثُمَّ
يُنَبُِّّهُمْ بِمَا كَانُوْيَفْعَلُونَ
١٥٩
قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمُ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ فيهم أربعة أقاويل:
أحدها: أنهم اليهود خاصة، قاله مجاهد.
والثاني: اليهود والنصارى، قاله قتادة.
والثالث: أنهم جميع المشركين (٢٠٥)، قاله الحسن.
والرابع: أهل الضلالة من هذه الأمة، قاله أبو هريرة.
وفي تفريقهم الذي فرقوه قولان :
أحدهما: أنه الدين الذي أمر الله به، فرقوه لاختلافهم فيه باتباع الشبهات.
والثاني : أنه الكفر الذي كانوا يعتقدونه ديناً لهم.
ومعنى قوله: ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ يعني فرقاً.
ويحتمل وجهاً آخر: أن يكون الشيع المتفقين على مشايعة بعضهم لبعض،
وهو الأشبه (٢٠٦)، لأنهم يتمالأون على أمر واحد مع اختلافهم في غيره.
في زاد المسير (٣/ ١٥٧). والمراد بالخير هنا العمل الصالح وإنما لم ينفع الإيمان والعمل الصالح
حينئذ لظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان.
(٢٠٤) لم اهتد إلى تخريجه وقد أورد السيوطي رحمه الله في الدر (٣/ ٥٧ - ٥٨) أحاديث عقباه فراجعها.
(٢٠٥) وكذلك هي في أهل البدع وطوائف أهل الكتاب المشركين قال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير (٣/
١٨٣). وقيل الآية عامة في جميع الكفار وكل من ابتدع وجاء بمالم يأمر به الله وهذا هو الصواب لأن
اللفظ يفيد العموم فيدخل فيه طوائف أهل الكتاب وطوائف المشركين وغيرهم ممن ابتدع من أهل
الإسلام أهـ واختار القول بالعموم ابن جرير رحمه الله (١٢ / ٢٧١).
(٢٠٦) قال الشوكاني (٣/ ١٨٣). ومعنى شيعاً وأحزاباً فتصدق على كل قوم كان أمرهم في الدين واحداً
مجتمعاً ثم اتبع كل جماعة منهم رأي كبير من كبرائهم يخالف الصواب ويباين الحق أهـ.
١٩٢
سورة الأنعام الآية - ١٦٠
وفي أصله وجهان:
أحدهما: أصله الظهور، من قولهم شاع الخبر إذا ظهر.
والثاني: أصله الاتباع، من قولهم شايعه على الأمر إذا اتبعه، قاله الزجاج.
ثم قال تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ فيه قولان:
أحدهما: لست من قتالهم في شيء، ثم نسخها بسورة التوبة، قاله الكلبي.
والثاني: لست من مخالطتهم في شيء، نَهْيٌ لنبيهِ وَّه عن مقاربتهم، وأمر له
بمباعدتهم، قاله قتادة، كما قال النابغة (٢٠٧):
إذا حاولت في أسد فجوراً فإني لست منك ولست مني.
مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَمُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَ مَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ
لَا يُظْلَمُونَ
١٦٠
قوله عز وجل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىْ
إِلّ مِثْلَهَا﴾ في الحسنة والسيئة هنا قولان:
أحدهما: أن الحسنة الإيمان، والسيئة الكفر، قاله أبو صالح.
والثاني: أنه على العموم في الحسنات والسيئات أن جعل جزاء الحسنة عشر
أمثالها تفضلاً، وجعل جزاء السيئة مثلها عدلاً، قال رسول الله وَّةٍ (٢٠٨): (أَبْعَدَ اللَّهُ
مَنْ غَلَبَتْ وَاحِدَتُهُ عَشْراً)).
ثم في ذلك قولان:
أحدهما: أنه عام في جميع الناس.
والثاني: أنه خاص في الأعراب (٢٠٩) إذا جاء أحدهم بحسنة فله عشر أمثالها،
فأما غيرهم من المهاجرين فلمن جاء منهم بحسنة سبعمائة، قاله ابن عمر، وأبو سعيد
الخدري .
(٢٠٧) ديوانه: ١٢٧.
(٢٠٨) لم أهتد إليه والله أعلم.
(٢٠٩) والصواب أنها عامة في جميع الناس كما في القول الأول راجع فتح القدير (٢ / ١٥٣) وروح المعاني
للآلوسي (٨/ ٦٩).
١٩٣
سورة الأنعام الآية - ١٦١
فأما مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها فلأن الله فرض عُشْر أموالهم، وكانوا
يصومون في كل شهر ثلاثة أيام وهي البيض منه، فكان آخر العُشْر من المال آخر
جميع المال، وآخر الثلاثة الأيام آخر جميع الشهر.
وأما مضاعفة ذلك بسبعمائة ضعف فلقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أُمْوَالَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَيَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ
يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، فضاعف الله الحسنة بسبعمائة ضعف، وكان الحسن
البصري يقرأ: ﴿فَلَهُ عَشْرٌ أَمْثَالُهَا﴾ بالتنوين (٢١٠)، وَوَجْهُهُ في العربية صحيح .
وحكى ابن بحر في الآية تأويلاً يخرج عن عموم الظاهر، وهو أن الحسنة اسم
عام يطلق على كل نوع من الإيمان وينطلق على عمومه، فإن انطلقت الحسنة على
نوع واحد منه، فليس له عليها من الثواب إلا مثل واحد، وإن انطلقت على حسنة
تشتمل على نوعين، كان الثواب عليها مثلين كقوله: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ
يُؤْتِكُم كفْلَينٍ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، والكفل: النصيب كالمثل، فجعل لمن
اتقى وآمن بالرسول نصيبين، نصيباً لتقوى الله، ونصيباً لإيمانه برسوله، فدل على أن
الحسنة التي جعلت لها عشر أمثالها هي التي جمعت عشرة أنواع من الحسنات، وهو
الإيمان الذي جمع الله في صفته عشرة أنواع بقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٥]، فكانت هذه
الأنواع العشرة التي ثوابها عشرة أمثالها، فيكون لكل نوع منها مثل، وهذا تأويل
فاسد، لخروجه عن عموم الظاهر، لما لا يحتمله تخصيص العموم، لأن ما جمع
عشرة أنواع فهو عشر حسنات، فليس يجزي عن حسنة إلا مثلها، وبطل أن يكون
جزاء الحسنة عشر أمثالها .
وذكر بعض المفسرين تأويلاً ثالثاً: أن له عشر أمثالها في النعيم والزيادة لا في
عظيم المنزلة، لأن منزلة التعظيم لا تنال إلا بالطاعة، وهذه مضاعفة تفضيل كما قال:
﴿لِيُوَفِيهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠].
قُلْ إِنَّتِى هَدَنِ رَبٍِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيهِ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
(٢١٠) وفي قراءة يعقوب والقزاز عن عبد الوارث زاد المسير (٣/ ١٥٩).
١٩٤
سورة الأنعام الآية - ١٦١ - ١٦٣
الْمُشْرِكِينَ ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِ وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَ لِكَ أُمِرْتُ وَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِينَ
(١٦٣
١٦٢
قوله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
هذا أمر من الله تعالى لنبيه و لو أن يذكر للناس حال عبادته ومن له الأمر في حياته
ومماته .
فقال) ﴿إِنَّ صَلَاتِي﴾ وهي الصلاة المشروعة ذات الركوع والسجود المشتملة
علی التذلل والخضوع لله تعالى دون غيره من وثن أو بشر.
ثم قال: ﴿وَنُسُكِي﴾ وفيه هنا ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه الذبيحة في الحج والعمرة، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد وقتادة
والسدي والضحاك.
والثاني : معناه ديني، قاله الحسن.
والثالث: معناه عبادتي، قاله الزجاج، من قولهم فلان ناسك أي عابد، والفرق
بين الدين والعبادة: أن الدين اعتقاد، والعبادة عمل.
قوله تعالى: ﴿وَمَحَيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن حياته ومماته بيد الله تعالى لا يملك غيره له حياة ولا موتاً، فلذلك
کان له مصلياً وناسكاً .
والثاني: أن حياته لله في اختصاصها بطاعته، ومماته له في رجوعه إلى
مجازاته .
ووجدت فيها وجهاً ثالثاً: أن عملي في حياتي ووصيتي عند مماتي لله.
ثم قال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ صفة الله تعالى أنه مالك العالم دون غيره، فلذلك
كان أحق بالطاعة والتعبد من غيره.
ثم قال تعالى : ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ یحتمل وجهين:
أحدهما: لا شريك له في ملك العالمين.
والثاني : لا شريك له في العبادة.
١٩٥
سورة الأنعام الآية - ١٦٤، ١٦٥
﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ يعني ما قدم ذكره.
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ يعني من هذه الأمة حثّاً على اتباعه والمسارعة
بالإسلام.
قُلْ أَغَيَّ اللَّهِ أَبْغِى رَبَّا وَهُوَرَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلََّ عَلَيْهَا وَلَ يِزِرُ
(١٦٤
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ ثُمَّإِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّكُمُ بِمَاكُمْ فِهِ تَخْذَلِفُونَ
قوله عز وجل: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وسبب [نزول]
ذلك أن كفار قريش دعوا رسول الله وَ لقر إلى ملة آبائه في عبادة اللات والعزى،
وقالوا: يا محمد إن كان وزراً فهو علينا دونك، فنزلت هذه الآية عليه.
﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّ عَلَيْهَا﴾ يعني إلا عليها عقاب معصيتها ولها ثواب
طاعتها .
﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي لا يتحمل أحد ذنب غيره فيأثم به ويعاقب
عليه، ولا يحمل ذنبه غيره، فيبرأ منه ويسلم من عقابه.
وفي أصل الوزر وجهان :
أحدهما: أصله الثقل، من قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِيّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾
[الشرح: ٢ - ٣] ومنه سمي وزير الملك لتحمله الثقل عنه.
والثاني: أن أصله الملجأ من قوله: ﴿كَلََّّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ومنه سُمِّي
وزير المَلِكِ لأنه يلجأ إليه في الأمور.
وَهُوَالَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَّكُمْ
١٦٥
فِي مَآءَاتَنْكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمُ
قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأُرْضِ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه جعلهم خلفاً من الجان سكاناً للأرض، قاله ابن عباس.
والثاني: أن أهل كل عصر يخلف أهل العصر الذي قبله، كلما مضى أهل
عصر خلفه أهل عصر بعده على انتظام، حتى تقوم الساعة على العصر الأخير فلا
١٩٦
سورة الأنعام الآية - ١٦٤، ١٦٥
يخلق عصر، فصارت هذه الأمة خلفاً للأمم الماضية .
والثالث: جعل بعضهم خليفة لبعض ليتآلفوا بالتعاون.
والرابع: لأنهم آخر الأمم وكانوا خلفاً لمن تقدمهم، قال الشماخ (٢١١):
تصيبكم وتخطئني المنايا وأخلق في ربوع عن ربوع
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ يعني ما خالف بينهم في الغنى بالمال
وشرف الآباء وقوة الأجسام، وهذا، وإن ابتدأه تفضلاً من غير جزاء ولا استحقاق،
لحكمة منه تضمنت ترغيباً في الأعلى وترهيباً من الأدنى، لتدم له الرغبة والرهبة.
وقد نبه على ذلك بقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءَاتَاكُمْ﴾ يعني من الغنى والقوة وفيه
وجهان :
أحدهما: ليختبركم بالاعتراف (٢١٢).
﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ فإن قيل: فكيف جعله سريعاً وهو في الآخرة؟،
فعنه ثلاثة أجوبة :
أحدها: أن كل آت قريب، كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ الْسَّاعَةِ إِلَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ
أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].
والثاني: إن ربك سريع العقاب في الدنيا لمن استحق منه تعجيل العقاب
فيها .
والثالث: أنه إذا شاء عاقب، فصار عقابه سريعاً لأنه يقترن بمشيئته، وهذا قول
ابن بحر.
﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جمعاً منه بين ما يقتضي الرهبة من سرعة العقاب وبين ما
يقتضي الرغبة من الغفران والرحمة، لأن الجمع بين الرغبة والرهبة أبلغ في الانقياد
إلى الطاعة والإقلاع عن المعصية، والله عز وجل أعلم.
(٢١١) ديوانه: ٥٨ ومجاز القرآن (١ / ٢٠٩) والطبري (١٢ / ٢٨٨).
(٢١٢) ويلاحظ هنا أن الوجه الثاني سقط ولم يذكر فلعل السقط كان من الناسخ .
١٩٧
سورة الأعراف الآية - ١ - ٣
سُورَةُ الَّغرافى
آياتها
مكية كلها في قول الحسن، وعطاء، وعكرمة، وجابر، وقال ابن عباس،
وقتادة: مكية إلا خمس آيات وهي قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]
إلى آخر الخمس .
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِية
الَّمَصَ اكِنَبْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنذِرَبِهِ، وَذِكْرَى
لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ أَتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا
مَّا تَذَكَّرُونَ
٣
قوله عز وجل ﴿الَّمَصَ﴾ فيه لأهل التأويل تسعة أقاويل:
أحدها: معناه: أنا الله أُفَضِّل، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير.
والثاني: أنه [حرف] هجاء [من] المصور، قاله السدي.
والثالث: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة.
والرابع: أنه اسم السورة ومفتاح لها، قاله الحسن.
والخامس: أنه اختصار من كلام يفهمه النبي ◌َّار، وهذا مروي عن ابن عباس
أيضاً.
والسادس: هي حروف هجاء مقطعة نبه بها على إعجاز القرآن.
والسابع: هي من حساب الجمل المعدود استأثر الله بعلمه.
١٩٨
سورة الأعراف الآية - ١ - ٣
والثامن: هي حروف تحوي معاني كثيرة دل الله تعالى خلقه بها على مراده من
کل ذلك.
والتاسع: هي حروف اسم الله الأعظم.
ويحتمل عندي قولاً عاشراً(٢١٣): أن يكون المراد به: المصير إلى كتاب أنزل
إليك من ربك، فحذف باقي الكلمة ترخيماً وعبر عنه بحروف الهجاء لأنها تذهب
بالسامع كل مذهب، وللعرب في الاقتصار على الحروف مذهب كما قال الشاعر(٢١٤):
قلت لها قفي فقالت قاف .
أي وقفت.
قوله عز وجل ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن.
﴿فَلَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ وفي الحرج ها هنا ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه الضيق، قاله الحسن، وهو أصله.
قال الشماخ بن ضرار:
لحاجة لا العالي ولا المتحرج
ولو ردت المعروف عندي رددتها
ويكون معناه: فلا يضيق صدرك خوفاً ألا تقوم بحقه.
والثاني: أن الحرج هنا الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي.
قال الراجز:
٠
آليت لولا حرج يعروني ما جئت أغزوك ولا تغزوني
ومعناه: فلا تشك فیما يلزمك فيه فإنما أنزل إليك لتنذر به.
والثالث: فلا يضيق صدرك بأن يكذبوك، قاله الفراء.
ثم قال: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فجعله إنذاراً للكافرين وذكرى للمؤمنين
ليعود نفعه على الفريقين.
(٢١٣) وقد عرّفناك فيما سبق القول الراجح عند الكلام على أوائل السور في سورة البقرة وذكرنا أقوال العلماء
وما عليه أكثرهم.
(٢١٤) من رجز الوليد بن عقبة وبقية الرجز لا تحسبن أنا نسينا الإيخاف. والبيت من الأغاني (٥/ ١٣١)،
شرح شواهد الشافية، ٢٧١، مشكل القرآن ٢٣٨ والطبري (١ / ٢١٢) وسيأتي في الشطر البيت في
سورة قَ وقد وقع هنا في شطر البيت نقص وصوابه من الطبري هكذا :
لا تحسبن أنا نسينا الإيخاف
قلنا لها قِفِي لنا قالت: قافْ
١٩٩
سورة الأعراف الآية - ٤ - ٧
وَكَم ◌ِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَ هَا بَأْسُنَابَيَتَّا أَوْهُمْ قَآئِلُونَ ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَهُمْ
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أَرْسِلَ
إِذْجَآءَ هُم بَأَسُنَا إِلَّ أَنْ قَالُواْإِنَّا كُنَّا ظَلِينَ ﴾َّ
٧
فَنَقُضَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍِّ وَمَا كُنَّا غَيِينَ
٦
إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
قوله عز وجل: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَاهَا﴾ الآية. هذا إخبار من الله تعالى عن
حال من أهلكه بكفر تحذيراً للمخاطبين به عن مثله، وقوله: ﴿وَكَم﴾ هي كلمة توضع
للتكثير، ((ورُب)) موضوعة للتقليل، وذلك هو الفرق بين كم ورب.
قال الفرزدق (٢١٥):
كم عمة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت على عشاري
فدل ذلك على تكثير العمات والخالات:
وفي قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتَاً﴾ وإنما الهلاك بعد مجيء البأس أربعة
أوجه :
أحدها: معناه أهلكناها حكماً فجاءها بأسنا فعلاً.
والثاني: أهلكناها بإرسال الملائكة إليها بالعذاب فجاءها بأسنا بوقوع العذاب
لهم.
والثالث: أهلكناها بخذلاننا لها عن الطاعة فجاءها بأسنا عقوبة على المعصية.
والرابع: أن البأس والهلاك وقعا معاً في حال واحدة، لأن الهلاك كان بوقوع
البأس فلم يفترقا، وليس دخول الفاء بينهما موجبة لافتراقهما بل قد تكون بمعنى الواو
كما يقال أعطيت وأحسنت، فكان الإحسان بالعطاء ولم يكن بعد العطاء، قاله الفراء.
وقوله: ﴿بَيَاتاً﴾ يعني في نوم الليل.
﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ يعني في نوم النهار وقت القائلة.
فإن قيل: فلم جاءهم بالعذاب في وقت النوم دون اليقظة؟ قيل: لأمرين:
أحدهما: لأن العذاب في وقت الراحة أشد وأغلظ.
(٢١٥) ديوانه: ٤٥١، النقائض: ٣٣٢، الطبري (١٢ / ٣٠٠).
٢٠٠