Indexed OCR Text

Pages 81-100

سورة المائدة الآية - ١١٢ - ١١٥
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أُوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ ءَامِنُوا بِي ... ﴾ في وحيه
إلى الحواريين وجهان :
أحدهما : معناه أَلْهَمْتُهُم أن يؤمنوا بي ، ويصدقوا أنك رسولي ، كما قال
تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].
والثاني : يعني ألقيت إليهم بالآيات التي أريتهم أن يؤمنوا بي وبك .
وفي التذكير بهذه النعمة قولان :
أحدهما : أنها نعمة على الحواريين أن آمنوا ، فذكر الله تعالى به عيسى
لأنهم أنصاره .
الثاني : أنها نعمة على عيسى ، لأنه جعل له أنصاراً من الحواريين قد آمنوا
به .
والحواريون : هم خواص عيسى عليه السلام الذين استخلفهم من جملة
الناس .
قَالُوا ءَامَنَّا ﴾ يعني بالله تعالى ربك .
وَاشْهَدْ بِأَنََّا مُسْلِمُونَ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أنهم أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلامهم بالله تعالى وبه .
والثاني : أنهم أشهدوا الله تعالى بذلك على أنفسهم .
إِذْ قَالَ الْحَوَارِتُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ
مَآَبِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ
١١٢
مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَ قْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ الشَّهِدِينَ
١١٣
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَابِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَاعِيدًا
قَالَ اللَّهُ إِنِِّ مُنَزِّلُهَا
١١٤
لِأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا وَءَايَةٌ مِّنْكَ وَأَرْزُقْنَا وَأنْتَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ
عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْبَعْهُ مِنْكُمْ فَإِىْ أُعَذِّبُ عَذَابَ لَّ أُعَذِبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ
١١٥
٨١

سورة المائدة الآية - ١١٢ - ١١٥
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾،
قرأ الكسائي وحده ﴿هل تُستطيع ربَّك﴾ بالتاء والإِدغام ، وربك بالنصب ، وفيها
وجهان :
أحدهما : معناه هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله ، قاله الزجاج .
والثاني : هل تستطيع أن تسأل ربك ، قاله مجاهد ، وعائشة .
وقرأ الباقون ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ بالياء والإِظهار، وفي ذلك التأويل ثلاثة
أوجه :
أحدها : هل يقدر ربك ، فكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام
معرفتهم بالله تعالى .
والثاني : معناه هل يفعل ربك ، قاله الحسن ، لأنهم سموا بالحواريين بعد
إيمانهم .
والثالث : معناه هل يستجيب لك ربك ويطيعك .
﴿ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ﴾ قاله السدي ، قال قطرب : والمائدة لا
تكون مائدة حتى يكون عليها طعام ، فإن لم يكن قيل : خِوان ، وفي تسميتها مائدة
وجهان :
أحدهما : لأنها تميد ما عليها أي تعطي ، قال رؤبة :
إلى أمير المؤمنين الممتاد(٥٢)
أي المستعطي .
والثاني : لحركتها بما عليها من قولهم : مَادَ الشيء إذا مال وتحرك ، قال
الشاعر :
یمید بها غصن من الأيك مائل
لعلك باك إن تغنت حمامة
قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ فيه قولان :
(٥٢) هذا عجز بيت أوله :
لهذي رؤوس المترفین الأنداد
ديوان رؤية ٤٠ ومجاز القرآن لابن عبيدة ١ : ١٨٣ واللسان مادة [ ميد ].
٨٢

سورة المائدة الآية - ١١٢ - ١١٥
أحدهما : يعني اتقوا معاصي الله إن كنتم مؤمنين به ، وإنما أمرهم بذلك لأنه
أولى من سؤالهم .
والثاني : يعني اتقوا الله في سؤال الأنبياء إما طلباً لِعَنَتِهِم وإما استزادة للآيات
منهم ، إن کنتم مؤمن بهم ومصدقین لهم لأن ما قامت به دلائل صدقهم یغنیکم
عن استزادة الآيات منهم .
قوله تعالى: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا﴾ وهذا اعتذار منهم بَيِّنُوا به سبب
سؤالهم حين نهوا عنه فقالوا : ﴿ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا ﴾.
يحتمل وجهين :
أحدهما : أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها .
والثاني : أنهم أرادوه تبركاً بها لا لحاجة دعتهم إليها ، وهذا أشبه لأنهم لو
احتاجوا لم ينهوا عن السؤال .
وَتَظْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : تطمئن إلى أن الله تعالى قد بعثك إلينا نبياً .
والثاني : تطمئن إلى أن الله تعالى قد اختارنا لك أعواناً .
والثالث : تطمئن إلى أن الله قد أجابنا إلى ما سألنا .
وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ في أنك نبي إلينا، وذلك على الوجه الأول .
وعلى الوجه الثاني : صدقتنا في أننا أعوان لك .
وعلى الوجه الثالث : أن الله قد أجابنا إلى ما سألنا .
وفي قولهم ﴿وَنَعْلَمَ ﴾ وجهان:
أحدهما : أنه علم مستحدث لهم بهذه الآية بعد أن لم يكن ، وهذا قول من
زعم أن السؤال كان قبل استحكام المعرفة .
والثاني : أنهم استزادوا بذلك علماً إلى علمهم ويقيناً إلى يقينهم ، وهذا قول
من زعم أن السؤال كان بعد التصديق والمعرفة .
﴿ وَتَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ يحتمل وجهين :
٨٣
!

سورة المائدة الآية - ١١٢ - ١١٥
أحدهما : من الشاهدين لك عند الله بأنك قد أديت ما بعثك به إلينا .
والثاني : من الشاهدين عند من يأتي من قومنا بما شاهدناه من الآيات الدالة
على أنك نبي إليهم وإلينا .
قوله تعالى: ﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ
السَّمَاءِ ﴾ إنما زيدت الميم في آخر اللهم مثقلة عوضاً عن حرف النداء ، فلم يجز
أن يدخل عليه حرف النداء فلا يقال يا اللهم لأن الميم المُعَوِّضة منه أغنت عنه ،
فأما قول الشاعر :
سبحت أو هللت یا اللهم ما
وما عليك أن تقولي كلما
فإننا من خيره لن نعْدَما(*)
أردد علينا شيخنا مسلما
فلأن ضرورة الشعر جوزته .
سأل عيسى ربه ، أن ينزل عليهم المائدة التي سألوه ، وفي سؤاله وجهان :
أحدهما : أنه تفضل عليهم بالسؤال ، وهذا قول من زعم أن السؤال بعد
استحكام المعرفة .
والثاني : أنه رغبة منه إلى الله تعالى في إظهار صدقه لهم ، وهذا قول من
زعم أن السؤال قبل استحكام المعرفة .
◌ِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأُوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها : نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا قاله قتادة
والسدي .
وقيل : إن المائدة أنزلت عليهم في يوم الأحد غداة وعشية ، ولذلك جعلوا
الأحد عيداً .
والثاني : معناه عائدة من الله تعالى علينا ، وبرهاناً لنا ولمن بعدنا .
والثالث : يعني نأكل منها جميعاً ، أولنا وآخرنا ، قاله ابن عباس .
﴿وَءَايَةً مِّنكَ﴾ يعني علامة الإِعجاز الدالة على توحيدك وقيل التي تدل على
صدق أنبيائك .
(*) هذا الشطر الموضوع بين القوسين زدناه من خزانة الأدب (٣٥٨/١).
٨٤

سورة المائدة الآية - ١١٢ - ١١٥
الشكر على ما أنعمت به علينا من إجابتك ، وقيل : أرزقنا ذلك من عندك .
قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ وهذا وعد من الله تعالى أجاب
به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواربين .
واختلفوا في نزول المائدة على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه مثل ضربه الله تعالى لخلقه ، ينهاهم به عن مسألة الآيات
لأنبيائه ، قاله مجاهد .
والثاني: أنهم سألوا ووعدهم بالإِجابة ، فلما قال لهم: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ
مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ ﴾ استعفوا منها فلم تنزل
عليهم ، قاله الحسن .
والثالث : أنهم سألوا فأجابهم ، ولم يستعفوا ، لأنه ما حكى الاستعفاء
عنهم ، ثم أنزلها عليهم ، لأنه قد وعدهم ، ولا يجوز أن يخلف وعده .
ومن قال بهذا اختلفوا في الذي كان عليها حين نزلت على ستة أقاويل :
أحدها : أنه كان عليها ثمار الجنة ، قاله قتادة .
والثاني : أنه كان عليها خبز ولحم ، قاله عمار بن ياسر .
والثالث : أنه كان عليها سبعة أرغفة ، قاله إسحاق بن عبد الله .
والرابع : كان عليها سمكة فيها طعم كل الطعام ، قاله عطاء ، وعطية .
والخامس : كان عليها كل طعام إلا اللحم ، قاله ميسرة .
والسادس : رغيفان وحوتان ، أكلو منها أربعين يوماً في سفرة(٥٣) ، وكانوا
ومن معهم نحو خمسة آلاف ، قاله جويبر .
وأُمِرُوا أن يأكلوا منها ولا يخونوا ولا يدخروا ، فخانوا وادخروا فَرُفِعَتْ .
وفي قوله تعالى: ﴿ ... عَذَاباً لََّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ ﴾ قولان:
أحدهما : يعني من عالمي زمانهم .
(٥٣) قال الإمام الطبري رحمه الله (٢٣٢/١١).
((أما الصواب من القول فيما كان على المائدة أن يقال كان عليها مأكول وجائز أن يكون سمكاً أو خبزأ
وجائز أن يكون كان ثمراً من ثمر الجنة وغير نافع العلم به ولا ضار الجهل به إذا أقر تالي الآية
بظاهر ما احتمله التنزيل ».
٨٥

سورة المائدة الآية - ١١٦، ١١٧
والثاني : من سائر العالمين كلهم .
وفيهم قولان :
أحدهما : هو أن يمسخهم قردة ، قاله قتادة .
والثاني : أنه جنس من العذاب لا يعذب به غيرهم لأنهم كفروا بعد أن رأوا
من الآيات ما لم يره غيرهم ، فكانوا أعظم كفراً فصاروا أعظم عذاباً .
وهل هذا العذاب في الدنيا أو في الآخرة ؟ قولان (*):
وفي الحواريين قولان :
أحدهما : أنهم خواص الأنبياء .
والثاني : أنهم المندوبون لحفظ شرائعهم إما بجهاد أو علم .
وفي تسميتهم بذلك ثلاثة أقاويل :
أحدها : لبياض ثيابهم ، وهذا قول ابن عباس ، تشبيهاً بما هم عليه من نقاء
سرائرهم ، قاله الضحاك ، وهو بلغة القبط حواري .
والثاني : لنظافة ثيابهم وطهارتها تشبيهاً بطهارة قلوبهم .
والثالث : بجهادهم عن أنبيائهم ، قال الشاعر :
ونحن أناس نملأ البيد مأمنا ونحن حواريون حين نزاحف
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُونِ وَأُقِىَ إِلَهَيْنِ مِن
دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَايَكُونُ لِىَ أَنْ أَقُولَ مَالَيْسَ لِى بِحَقِّ إِنَ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ
أَمَا
عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ
قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَآ أَمَرْتَنِ أَنِ اعْبُدُ واْاللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا
دُمْتُ فِيهِمْ فَلَّا تَوَفَّيْتَنِ كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍشَهِيدُ
(*) لاحظ أنه لم يذكر القولين ولعله يريد بالقولين العذاب في الدنيا والعذاب في الآخرة وعلى هذا فلا
إشكال .
٨٦

سورة المائدة الآية - ١١٨
إِن تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
(١١٨)
قوله عز وجل : ﴿ وَإِذْ قَالَ آللَّهُ يَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ... ﴾
الآية. ﴿إِذْ﴾ ها هنا بمعنى (إذا ) كما قال أبو النجم :
ثم جزاك الله عني إذ جزى
جنات عدن في السموات العلا(٤٦)
يعني إذا جزى ، فأقام الماضي مقام المستقبل وهذا جائز في اللغة كما قال
تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾. [الأعراف: ٤٤].
واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس باستفهام وإن خرج مخرج
الاستفهام على قولين :
أحدهما : أنه تعالى سأله عن ذلك توبيخاً لمن ادعى ذلك عليه ، ليكون
إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب وأشد في التوبيخ والتقريع .
والثاني : أنه قصد بهذا السؤال تعريفه أن قومه غُيِّرُوا بعده وادعوا عليه ما لم
يقله .
فإن قيل : فالنصارى لم تتخذ مريم إلهاً ، فكيف قال تعالى فيهم ذلك ؟
قيل : لما كان من قولهم أنها لم تلد بشراً وإنما ولدت إِلَهاً لزمهم أن يقولوا
إنها لأجل البعضية بمثابة من ولدته ، فصاروا حين لزمهم ذلك كالقائلين له .
وفي زمان هذا السؤال قولان :
أحدهما : أن الله تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا ، قاله
السدي وميسرة .
والثاني : أن الله تعالى يقول له ذلك يوم القيامة ، قاله ابن جريج وقتادة وهو
أصح القولين .
قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ ﴾ أي أدعي لنفسي ما
ليس من شأنها ، يعني أنني مربوب ولست برب ، وعابد ولست بمعبود .
(٥٤) انظر الأضداد لابن الأنباري ١٠٢، والصاجي ١١٢ والطبري (٢٣٥/١١) لكن البيت في المصادر
ثم جزاه الله عنا إذ جزى ... جنات عدن في العلاليُّ العلى
٨٧

سورة المائدة الآية - ١١٨
وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين :
أحدهما : تنزيهاً له عما أضيف إليه .
الثاني : خضوعاً لعزته وخوفاً من سطوته .
ثم قال : ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾ فرد ذلك إلى علمه تعالى ، وقد كان
الله عالماً به أنه لم يقله ، ولكن قاله تقريعاً لمن اتخذ عيسى إلهاً .
تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَ أُعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه .
والثاني : تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم .
وفي النفس قولان :
أحدهما : أنها عبارة عن الجملة كلها(٥٥) .
والثاني : أنها عبارة عن بعضه ، كقولهم قتل فلان نفسه .
﴿ إِنَّكَ أَنتَ عَلََّمُ الْغُيُوبِ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : عالم السر والعلانية .
والثاني : عالم ما كان وما يكون .
وفي الفرق بين العالم والعلام وجهان :
أحدهما : أن العلام الذي تقدم علمه ، والعالم الذي حدث علمه .
والثاني : أن العلام الذي يعلم ما كان وما يكون ، والعالم الذي يعلم ما كان
ولا يعلم ما يكون .
(٥٥) اعلم رحمك الله وإيانا أن النفس الثابتة لله عز وجل ومرت الآيات بها كما وردت بها الأخبار عن
رسول الله؛ لكن الخلاف بين السلف في هل النفس صفة للذات أم أنها هي الذات فذهب شيخ
الإِسلام ابن تيمية في الفتاوى (٧٣/٥) إلى أنها بمعنى الذات ورجح هذا القول وذهب ابن خزيمة
الإِمام رحمه الله إلى أنها صفة للذات وذلك في كتابه التوحيد قال ((باب ذكر البيان من خبر النبي وَ ه
في إثبات النفس لله)) ثم ذكر الآيات والأحاديث الدالة على ذلك . وكذلك ذهب ابن حقيق مذهب
ابن خزيمة كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه.
٨٨

سورة المائدة الآية - ١١٨
قوله عز وجل : ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَا أُمَرْتَتِي بِهِ ﴾ لم يذكر عيسى ذلك على
وجه الإِخبار به لأن الله عالم به ، ويحتمل وجهين :
أحدهما : تكذيباً لمن اتخذ إلهاً معبوداً .
والثاني : الشهادة بذلك على أمته فيما أمرهم به من عبادة ربه .
قوله تعالى: ﴿أَنِ آَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : إعلامهم أن الله ربه وربهم واحد .
والثاني : أن عليه وعليهم أن يعبدوا رباً واحداً حتى لا يخالفوا فيما عبدوه .
وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّ دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : يعني شاهداً .
والثاني : شاهداً عليهم .
فَلَمَّا تَوَفَيْتَتِي ﴾ فیه وجهان :
أحدهما : أنه الموت .
والثاني : أنه رفعه إلى السماء .
﴿ ... الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : الحافظ عليهم .
والثاني : العالم بهم .
﴿ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : شاهداً لما حضر وغاب .
والثاني : شاهداً على من عصى ، وأطاع .
قوله عز وجل : ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادَُكَ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم كما يستعطف العبد
سيده .
والثاني : أنه قاله على وجه التسليم لأمر ربه والاستجارة من عذابه .
۔
٨٩

سورة المائدة الآية - ١١٩، ١٢٠
قَالَ اَللَّهُ هَذَايَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِّقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّدٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِينَ فِيهَا أَبَدَ ارَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنَّةٌ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٦) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَمَافِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرً
١٢
قوله تعالى: ﴿قَالَ آللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ يعني يوم
القيامة، وإنما نفعهم الصدق في ذلك اليوم لوقوع الجزاء فيه وإن كان في كلِّ الأيام
نافعاً، وفي هذا الصدق قولان:
أحدهما : أن صدقهم الذي كان منهم في الدنيا نفعهم في الآخرة جُوزُوا
عليه من الثواب ، فعلى هذا المراد بهذا الصدق وجهان محتملان :
أحدهما : أنه صدقهم في عهودهم .
والثاني : أنه تصديقهم لرسل الله وكتبه .
والقول الثاني : أنه صدق يكون منهم في الآخرة ينفعهم لقيامهم فيه بحق
الله .
فعلى هذا في المراد بهذا الصدق وجهان محتملان :
أحدهما : أنه صدقهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ .
والثاني : صدقهم فيما شهدوا به على أنفسهم عن أعمالهم ، ويكون وجه
النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة ، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم
وعلى أنفسهم .
وهل هم مصروفون عنه قبل موقف العرض ؟ على قولين .
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
٠
٩٠

سورة الأنعام الآية - ١ - ٣
ـريبها
◌ُورَةُ الأَنْعَهُمْ
سُورة أو
مكية كلها في قول الأكثرين ، وقيل : إنها نزلت جملة واحدة .
وقال ابن عباس وقتادة : هي مكية إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة : إحداهما :
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] نزلت في مالك بن الصيف، وكعب بن
الأشرف اليهوديين، والأخرى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأْ جَنَّاتٍ مُّعْرُ وشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]
نزلت في ثابت بن قيس بن شماس.
وقال ابن جريج : نزلت في معاذ بن جبل ، وقيل : شَيِّعَ هذه السورة سبعون
ألف مَلَك .
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِية
اْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظّلُمَتِ وَالنُّورِثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ هُوَ الَّذِهِ، خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى
عِندَ هُثُمَّأَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
٣
وَيَعْلَمُ مَاتَكْسِبُونَ
قوله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ .... ) الآية
قال وهب بن منبه : فاتحة التوارة فاتحة الأنعام إلى قوله : ﴿يَعْدِلُونَ﴾، وخاتمة
التوراة خاتمة هود .
وقوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر، وذلك أولى
٩١

سورة الأنعام الآية - ١ - ٣
من أن يجيء بلفظ الأمر فيقول احْمِدِ الله ، لأمرين :
أحدهما : أنه يتضمن تعليم اللفظ والمعنى ، وفي الأمر المعنى دون الافظ .
والثاني : أن البرهان إنما يشهد بمعنى الخبر دون الأمر .
﴿ الَّذِي خَلَقَ السَمَوَاتِ والأرضَ﴾ لأن خلق السموات والأرض نِعَمُ
تستوجب الحمد ، لأن الأرض تقل ، والسماء تظل ، وهي من أوائل نعمه على
خلقه ، ولذلك استحمد بخلقها وأضاف خلقها إلى نفسه عند حمده ، على أن
مستحق الحمد هو خالق السموات والأرض ، ليكون باستحقاق الحمد منفرداً
لانفراده بخلق السموات والأرض .
وفي جمع السموات وتوحيد الأرض وجهان :
أحدهما : لأن السموات أشرف من الأرض ، والجمع أبلغ في التفخيم من
التوحيد كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلَنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩].
والثاني : لأن أوامره إلى الأرض تخترق جميع السموات السبع .
وفي تقديم السموات على الأرض وجهان :
أحدهما : لتقدم خلقها على الأرض .
والثاني : لشرفها فقدمها على ذكر الأرض وإن كانت مخلوقة بعد الأرض .
وهذان الوجهان من اختلاف العلماء أيهما خُلِقَ أولاً .
﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ يعني وخلق ، فغاير بين اللفظ ليكون أحسن في
النظم ، والمراد بالظلمات والنور هنا ثلاثة أوجه :
أحدها : وهو المشهور من قول قتادة ، قدم الظلمة على النور لأنه قدم خلق
الظلمة على خلق النور ، وجمع الظلمات ووحد النور لأن الظلمات أعم من النور .
والثاني : أن الظلمات : الليل ، والنور : النهار .
والثالث : أن الظلمات : الكفر ، والنور : الإِيمان ، قاله السدي .
ولأصحاب الخواطر(٥٦) فيه ثلاثة أوجه أُخَر :
(٥٦) سبق الكلام عن مثل هذه الخواطر التي ذكر المؤلف منها الكثير وقد تحدثنا عن موقفه منها ومن ذلك
ما ذكرناه في المقدمة لهذا التفسير .
٩٢

سورة الأنعام الآية - ١ - ٣
أحدها : أن الظلمات : الأجسام ، والنور : الأرواح .
الثاني : أن الظلمات : أعمال الأبدان ، والنور : ضمائر القلوب .
والثالث : أن الظلمات : الجهل ، والنور : العلم .
﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٥٧) أي يجعلون له مع هذه النِّعَمِ عِدْلًا،
يعني مثلاً .
وفيه قولان :
أحدهما : أنهم يعدلون به الأصنام التي يعبدونها .
والثاني : أنهم يعدلون به إلهاً غيره لم يُخْلَق مثل خلقه .
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلَا وَأَجَلٌ مُّسَمَّى عِندَهُ﴾ في هذين
الأجلين أربعة أقاويل :
أحدها : أن الأجل الأول الذي قضاه أجل الحياة إلى الموت ، والأجل الثاني
المسمى عنده أجل الموت إلى البعث ، قاله الحسن ، وقتادة .
الثاني : أن الأجل الأول الذي قضاه أجل الدنيا ، والأجل الثاني المسمى
عنده ابتداء الآخرة ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
والثالث : أن الأجل الأول الذي قضاه هو حين أخذ الميثاق على خلقه في
ظهر آدم ، والأجل الثاني المسمى عنده الحياة في الدنيا ، قاله ابن زيد .
والرابع : أن الأجل الذي قضاه أجل من مات ، والأجل المسمى عنده أجل
من يموت بعد ، قاله ابن شجرة .
﴿ تَمْتَرُونَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : تشكون ، والامتراء : الشك .
والثاني : تختلفون ، مأخوذ من المراء وهو الاختلاف .
(٥٧) قال مجاهد رحمه الله قوله ((الحمد لله الذي خلق السموات والأرض)) فكان فيه رد على ثلاثة أديان
منهم، فكان فيه رد على الدهرية لأن الأشياء كلها دائمة، ثم قال ((وجعل الظلمات والنور)) فكان
فيه رد على المجوس الذين زعموا أن الظلمة والنور هما المدبران، وقال (( ثم الذين كفروا بربهم
يعدلون)» فكان فيه رد على مشركي العرب ، ومن دعا دون الله إلهاً أخرجه أبو الشيخ كما في الدر
المنثور (٢٤٧/٣ ).
٩٣

سورة الأنعام الآية - ٤ - ١٠
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ
وَجَهْرَكُمْ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن معنى الكلام وهو الله المُدَبِّر في السموات وفي الأرض .
﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ﴾ أي ما تخفون ، وما تعلنون .
والثاني : وهو الله المعبود في السموات ، وفي الأرض (٥٨).
والثالث : أن في الكلام تقديماً وتأخيراً ، وتقديره : وهو الله يعلم سركم
وجهركم في السموات وفي الأرض ، لأن في السموات الملائكة ، وفي الأرض
الإِنس والجن ، قاله الزجاج .
﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي ما تعملون من بعد، ولا يخفى عليه ما كان
منکم ، ولا ما سیکون ، ولا ما أنتم عليه في الحال من سر ، وجھر .
وَمَا تَأْنِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٥)فَقَدْ كَذَّبُواْبِالْحَقٍ
أَلَمْ يَرَوْاْكُمْ أَهْلَكْنَامِن
لَمَّا جَآءَ هُمِّ فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنُواْ مَا كَانُوا بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ مَالَمَ نُمَكِنْ لَّكُرُوَأَرْ سَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا
وَجَعَلْنَاُلْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن ◌َّحِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِ هِمْ قَرْنًا
ءَاخَرِينَ ﴿ وَلَؤْنَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِ يِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ
) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَكٌ وَلَوْأَنزَلْنَا مَلَكَالَّقُضِىَ الْأَمْرُ
٧
هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ
( وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا
ثُمَّ لَايُنْظُرُونَ
يَلْبِسُونَ ﴾ وَلَقَدِ اسْنُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ
(٥٨) ويدل على هذا الوجه قوله تعالى في سورة الزخرف ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ﴾ وقد
تكلم الإمام الطبري حول هذه الآية بكلام طيب ورد على الجهمية الذين يزعمون أن الله في كل
مكان بذاته نعالى ربنا وتقدس عن قولهم ... وخير ما كتب في هذا الموضوع كتاب العلو للحافظ
الذهبي .
٩٤

سورة الأنعام الآية - ١٠، ١١
قُلْ سِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُ واْكَيْفَ
مِنْهُم مَّاكَانُواْبِهِ،يَسْتَهْزِءُونَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
قوله عز وجل : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ ﴾ لأن مشركي قريش لما
أنكروا نزول القرآن أخبر الله أنه لو أنزله عليهم من السماء لأنكروه وكفروا به لغلبة
الفساد عليهم، فقال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ ﴾ واسم القرطاس لا
ينطلق إلا على ما فيه كتابة ، فإن لم يكن فيه كتابة قيل طرس ولم يقل قرطاس .
قال زهير بن أبي سلمى :
كما تردد في قرطاسه القلم
بها أخاديد من آثار ساکنها
فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ قال ذلك تحقيقاً لنزوله عليهم .
ويحتمل بلمس اليد دون رؤية العين ثلاثة أوجه :
أحدها : أن نزوله مع الملائكة وهم لا يرون بالأبصار ، فلذلك عَبَّر عنه
باللمس دون الرؤية .
والثاني : لأن الملموس أقرب من المرئي .
والثالث : لأن السحر يتخيل في المرئيات ، ولا يتخيل في الملموسات .
﴿ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ تكذيباً لليقين بالعناد ،
والمبين : ما دل على بيان بنفسه ، والبيِّن : ما دل على بيانه ، فكان المبين أقوى
من البِيِّن .
قوله عز وجل : ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ أي ملك يشهد بتصديقه
وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكَأَ لَّقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي لو أنزلنا ملكاً فلم يؤمنوا لقضي الأمر وفيه
تأويلان .
أحدهما : لقضي عليهم بعذاب الاستئصال ، قاله الحسن ، وقتادة ، لأن
الأمم السالفة كانوا إذا اقترحوا على أنبيائهم الآيات فأجابهم الله تعالى إلى الإِظهار
فلم يؤمنوا استأصلهم بالعذاب .
والثاني : أن معنى لقضي الأمر أي لقامت الساعة ، قاله ابن عباس .
٩٥

سورة الأنعام الآية - ١١
﴿ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ﴾ أي لا يُمْهَلُون ولا يُؤخّرون ، يعني عن عذاب الاستئصال
على التأويل الأول ، وعن قيام الساعة على التأويل الثاني .
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكأُ لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾ يعني ولو جعلنا معه ملكاً يدل على صدقه
لجعلناه في صورة رجل .
وفي وجوب جعله رجلاً وجهان :
أحدهما : لأن الملائكة أجسامهم رقيقة لا تُرَى، فاقتضى أن يُجْعَل رجلاً
لكثافة جسمه حتى يرى .
والثاني : أنهم لا يستطيعون أن يروا الملائكة على صورهم ، وإذا كان في
صورة الرجل لم يعلموا ملك هو أو غير ملك .
وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها : معناه ولخلطنا عليهم ما يخلطون ، قاله الكلبي .
والثاني : لشبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم ، قال الزجاج : كما يشبهون
على ضعفائهم واللبس في كلامهم هو الشك ومنه قول الخنساء :
أصدق مقالته واحذر عداوته والبس عليه بشك مثل ما لبسا
والثالث : وللبسنا على الملائكة من الثياب ما يلبسه الناس من ثيابهم ،
ليكونوا على صورهم وعلی زِيُّهم ، قاله جويبر .
قوله تعالى: ﴿ ... كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أي أوجبها ربكم على
نفسه (٥٩)، وفيها أربعة أوجه :
أحدها : أنها تعريض خلقه لما أمرهم به من عبادته التي تفضي بهم إلى
جنته .
والثاني : ما أراهم من الآيات الدالة على وجوب طاعته .
(٥٩) وهذا الكتب منه سبحانه على نفسه ولم يوجبه عليه أحد ومعنى كتب الرحمة على نفسه جل شأنه
إيجابها بطريق التفضل والإحسان على ذاته المقدسة بالذات لا بتوسط شيء وقد روى البخاري
ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً ((لما قضى الله تعالى الخلق كتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش
إن رحمتي سبقت غضبي)) ومعنى سبق الرحمة وغلبتها أنها أقدم تعلقاً بالخلق وأكثر وصولاً إليهم مع
أنها من مقتضيات الذات المفيضة للخير. راجع روح المعاني (١٠٤/٧).
٩٦

سورة الأنعام الآية - ١٢ - ١٦
والثالث : إمهالهم عن معالجة العذاب واستئصالهم بالانتقام .
والرابع : قبوله توبة العاصي والعفو عن عقوبته .
﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهذا توعد منه بالبعث والجزاء أُخَرجَه مَخْرَج
القسم تحقيقاً للوعد والوعيد ، ثم أكده بقوله : ﴿لَا رَیْبَ فِيهِ ﴾.
قُل لِّمَنْ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل لِلّهِ كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُ وَاْأَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
١٢
وَلَهُمَا سَكَنَ فِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيِمُ ﴿قُلْ أَغَيْرِ الَِّ أَشَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرٍ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمْ قُلْ إِنّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ
قُلْ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِعَذَابَ
ج
١٤
أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٦
مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ
١٥
يَوْمِ عَظِيمٍ
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ من أجسام الحيوان ، لأن
من الحيوان ما يسكن ليلاً ، ومنه ما يسكن نهاراً .
فإن قيل : فلم قال ﴿ مَا سَكَنَ ﴾ ولم يقل ما تحرك ؟ قيل لأمرين (٦٠):
أحدهما : أن ما يَعُمُّه السكون أكثر مما يَعُمُّه الحركة .
والثاني : لأن كل متحرك لا بد أن تنحل حركته سكوناً ، فصار كل متحرك
ساكناً ، وقد قال الكلبي : معناه وله ما استقر في الليل والنهار ، وهما الزمان كله ،
لأنه لا زمان إلا ليل أو نهار ، ولا فصل بينهما يخرج عن واحد منهما .
قوله عز وجل: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ﴾ يعني إلهاً يَتَولَانِي .
فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي خالق السموات والأرض ومبتدئها ، قال
ابن عباس(٦١): كنت لا أدري ما فاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر ، فقال
(٦٠) زاد ابن الجوزي في زاد المسير وجهاً ثالثاً فقال : الثالث : إن في الآية إضماراً والمعنى وله ما سكن
وتحرك كقوله: ﴿تقيكم الحر﴾ النحل: ٨٣ أراد والبرد فاختصر. زاد المسير (١٠/٣).
(٦١) قال الحافظ في تخريج الكشاف (٦١/٤) ((رواه أبو عبيد في غريب الحديث وفي فضائل القرآن
٩٧

سورة الأنعام الآية - ١٧ - ٢٠
أحدهما لصاحبه : أنا فَطَرْتُها، أي ابتدأتها ، وأصل الفطر الشق، ومنه ﴿هَلْ
تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴾ [الملك: ٣] أي شقوق.
﴿وَهُوَ يَطْعُمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ معناه يَرْزُقُ ولا يُرْزَق، قرأ بعضهم(٦٢) ﴿ وَهُوَ
يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ﴾ معناه على هذه القراءة : وهو يطعم خلقه ولا يأكل.
قُلْ إِنِّي أَمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ يعني من أمته ، وفي إسلامه هذا
ثلاثة أوجه :
أحدها : استسلامه لأمر الله ، ومثله قول الشاعر :
طال النهار على من لا لقاح له إلا الهديّة أو ترك بإسلام
أي باستسلام .
والثاني : هو دخوله في سِلْمِ الله وخروجه من عداوته .
والثالث : دخوله في دين إبراهيم كقوله تعالى: ﴿مِلَّهَ ءَابِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ
سَمَّكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] ويكون المراد به أول من أُسْلَم من قريش،
وقيل: من أهل مكة.
﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا خطاباً من الله لنبيه يَنْهَاهُ
به عن الشرك، ويُحْتَمَل أن يكون المراد به جميع أمته ، وإن توجه الخطاب إليه .
وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوٌ وَ إِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرِفَهُوَ عَلَى كُلّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ
قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبرُ
١٨
وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ!
١٧
شَدَةٌ قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَى هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِ رَكُم ◌ِهِ، وَمَنْ يَلَغَ آَيِّنَّكُمْ
◌َتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَِّءَالِهَةَّ أُخْرَى قُل لَّا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِنَِّ بَرِىٌّ
◌ِمَا تُشْرِكُونَ ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمُ الَّذِينَ
بإسناد حسن ليس فيه إلا إبراهيم بن مهاجر)» قلت: وهو ضعيف كما يراجع في ترجمته في الميزان
(٦٧/١) والتهذيب (١٤٦/١).
(٦٢) وهي قراءة عكرمة والأعمش وقال الزجاج وهذا الاختيار عند البصراء بالعربية ومعناه وهو يرزق ويُطعِمْ
ولا يأكل، زاد المسير (١١/٣).
٩٨

سورة الأنعام الآية - ٢٠، ٢١
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوَكَذَّبَ
٢٠
خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
بَِا يَنِِّنَُّ لَا يُفْلِعُ الظَّالِمُونَ
٢١
قوله عز وجل: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّ هُوَ﴾ فيه
وجهان :
أحدهما : معناه إن أَلْحَقَ الله بك ضُراً، لأن المس لا يجوز على الله .
والثاني : معناه وإن جعل الضُرَّ يمسك .
وكذلك قوله : ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ﴾.
وفي الضُرِّ والخير وجهان :
أحدهما : أن الضُرَّ السُقْمُ (٦٣)، والخير العافية .
والثاني : أن الضُرَّ الفقر ، والخير الغنى .
قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن معناه القاهر لعباده ، وفوق صلة زائدة .
والثاني : أنه بقهره لعباده مستعلٍ عليهم(٦٤)، فكان قوله فوق مستعملاً على
حقيقته كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِم﴾ [الفتح: ١٠] لأنها أعلى قوة .
ويحتمل ثالثاً : وهو القاهر فوق قهر عباده ، لأن قهره فوق کل قهر .
وفي هذا القهر وجهان :
أحدهما : أنه إيجاد المعدوم .
(٦٣) والقول بالعموم أولى قال العلامة الألوسي في روح المعاني (١١٣/٧) وفي هذه الآية الكريمة رد
على من رجا كشف الضر من غيره سبحانه وتعالى وأمل أحداً سواه أ.هـ قلت: ليت الذين يلتمسون
المدد من الأموات ويستغيثون بهم في الكربات قرأوا هذه الآية وعملوا بمعناها .
(٦٤) وعلوه سبحانه علو ذات وعلو صفات ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأما تأويل المؤلف هنا اليد
بمعنى القوة فليس هذا من تفسير السلف إنما هذا التفسير دخيل على العقيدة السلفية وقد تقدم الكلام
على القول الصحيح في صفة اليد فراجعه في سورة المائدة والقاهر هو الذي خضعت له الرقاب
وذلت له الجباه وعنت له الوجوه وقهر كل شيء ودانت له الخلائق وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه
وعظمته وعلوه وقدرته الأشياء واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمته راجع عمدة التفسير
(١٨/٢، ١٩).
٩٩

سورة الأنعام الآية - ٢٠، ٢١
والثاني : أنه لا راد لأقداره ولا صَادَّ عن اختياره .
قوله عز وجل : ﴿ قَلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ﴾ الآية. في سبب [ نزول] ذلك
قولان :
أحدهما : أن المشركين قالوا لرسول الله وَلخير: من يشهد لك بالنبوة ، فأنزل
الله تعالى هذه الآية يأمره فيها أن يقول لهم : ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾، ثم أجابه
عن ذلك فقال : ﴿ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ يعني : بصدقي وصحة نبوتي
وهي أكبر الشهادات ، قاله الحسن .
والثاني : أن الله تعالى أمره أن يشهد عليهم بتبليغ الرسالة إليهم فقال ذلك
لیشهده علیھم .
لُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : لأنذركم [ يا ] أهل مكة ومن بلغه القرآن من غير أهل مكة .
والثاني : لأنذركم به : [ أيها ] العربُ ومن بُلَّغ من العَجَم (٦٥).
قوله عز وجل : ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه التوراة والإنجيل(٦٦)، قاله الحسن ، وقتادة ، والسدي ، وابن
جريج .
والثاني : أنه القرآن .
يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعرفون النبي ◌َليل كما يعرفون أبناءهم، لأن صفته موجودة في
كتابهم ، قاله الحسن ، وقتادة ، ومن زعم أن الكتاب هو التوراة والإنجيل .
٠
(٦٥) قال العلامة الشوكاني في فتح القدير (١٠٥/٢) ((أي أوحى الله إليّ هذا القرآن الذي تلوته عليكم
لأجل أن أنذركم به ومن بلغ إليه أي كل من بلغ إليه من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة
وفي هذه الآية من الدلالة على شمول أحكام القرآن لمن سيوجد كشمولها لمن قد كان موجوداً وقت
النزول ما لا يحتاج معه إلى تلك الخزعبلات المذكورة في علم أصول الفقه اهـ.
(٦٦) واختاره ابن جرير (١٦٤/٧) وحكاه ابن الجوزي في زاد المسير (١٤/٣) عن الجمهور واختار
الشوكاني في فتح القدير (٢ /١٠٥) القول بالعموم .
١٠٠