Indexed OCR Text
Pages 21-40
سورة المائدة الآية - ١٥ أحدهما : يعني نصرتموهم ، وهذا قول الحسن ، ومجاهد . الثاني : عظمتموهم ، وهذا قول أبي عبيدة . وأصله المنع ، قال الفراء : عزرته عزراً إذا رددته عن الظلم ، ومنه التعزير لأنه يمنع من معاودة القبح . قوله تعالى : ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَتَّاهُمْ﴾ وتقديره: فبنقضهم ميثاقهم لعنَّاهم، و(( ما)) صلة زائدة . ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ من القسوة وهي الصلابة . وقرأ حمزة والكسائي ﴿ قَسِيَةً ﴾ وفيه تأويلان : أحدهما : أنها أبلغ من قاسية . والثاني : أنها بمعنى قاسية . ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ يعني بالتغيير والتبديل ، وسوء التأويل. وَتَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكَّرُواْ بِهِ ﴾ يعني نصيبهم من الميثاق المأخوذ عليهم . ﴿ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِتَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يعني خيانة منهم . والثاني : يعني فرقة خائنة . ﴿ إِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَخْ ﴾ فيها قولان : أحدهما : أن حكمها ثابت في الصفح والعفو إذا رآه . والثاني : أنه منسوخ ، وفي الذي نسخه قولان : أحدهما : قوله تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَومِ الآخِرِ ﴾ [التوبة: ٢٩] وهذا قول قتادة . والثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافُنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانِذْ إِلَيْهِم عَلَى سَوَآءٍ ﴾ [الأنفال: ٥٨]. بَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّدُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُغْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَآءَ كُم ٢١ سورة المائدة الآية - ١٥ - ١٧ يَهْدِى بِهِ اَللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَهُ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌّ مُبِيرٌ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيِهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ١٦ قوله تعالى: ﴿يَأْهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: نبوة محمد ◌َّارِ، ورجم الزانين . وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ﴾ مما سواه . ﴿ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾ في النور تأويلان : أحدهما: محمد ◌َّلر، وهو قول الزجاج . الثاني : القرآن وهو قول بعض المتأخرين . قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَاتَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : سبيل الله ، لأن الله هو السلام ، ومعناه دين الله ، وهذا قول الحسن . والثاني : طريق السلامة من المخافة ، وهو قول الزجاج . ﴿ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ﴾ يعني: من الكفر إلى الإِيمان بلطفه . ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : طريق الحق وهو دين الله (*)، وهذا قول الحسن . والثاني : طريق الجنة في الآخرة ، وهو قول بعض المتكلمين . لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ,وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ (*) وفي نسخة : الحق . ٢٢ سورة المائدة الآية - ١٧ - ٢٠ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَىِ غَحْنُ أَبْنَوْاْ مَا يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّشَىْءٍ قَّدِبٌ! اللَّهِ وَأَحِبَُّهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّ بُكُم بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ اُلْمَصِيرُ ﴿ يَأَهْلَ الْكِنَبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُواْ مَاجَآءَ نَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيْرٍ فَقَدْ جَاءَ كُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ! ١٩ قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ في قولهم ثلاثة أقاويل : أحدها: أنه قول جماعة من اليهود حذرهم النبي وَلّ عقاب الله، وخوفهم به ، فقالوا لا تخوفنا : ﴿ نَحنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأُحِبَّاؤُهُ﴾، وهذا قول ابن عباس . والثاني : أن اليهود تزعم أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بِكْري من الولد، فقالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وهذا قول السدي . وقال الحسن : أنهم قالوا ذلك على معنى قرب الولد من والده ، وهو القول الثالث . وأما النصارى ، ففي قولهم لذلك قولان : أحدهما : لتأويلهم ما في الإِنجيل من قوله : اذهب إلى أبي وأبيكم ، فقالوا لأجل ذلك ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأُحِبَّاؤُهُ الثاني : لأجل قولهم في المسيح : ابن الله ، وهم يرجعون إليه ، فجعلوا نفوسهم أبناء الله وأحباءه ، فرد الله منطقهم ذلك بقوله : ◌ِ ... فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ﴾ لأن الأب لإِشفاقه لا يعذب ابنه ، ولا المحب حبيبه . وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْجَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاءُ ٢٣ سورة المائدة الآية - ٢٠ - ٢٦ يَقَوْمِ أَدْ خُلُواْ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكَّا وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًّاً مِّنَ اْلْعَلَمِينَ (٥) اُلْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَنْئَدُ واْعَلَى أَذْبَارِكُمْ فَنَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ (٦) قَالُواْيَمُوسَىّ ◌ِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ تَّدْ خُلَهَا حَتَّى يَخْرُ جُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُ جُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْ خُلُواْ عَلَّهِمُ الْبَابٌَّ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونٌّ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُنتُمْمُؤْمِنِينَ قَالُواْ يَمُوسَىَّ إِنَّا لَن نَّدْ خُلَهَا أَبَدَّا مَّا دَامُواْ ٢٣ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلاَ إِنَّا هَهُنَا قَعِدُونَ ﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّ لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىٌّ فَاُفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ ﴾ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيَّهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِّ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ يَا قَوْمٍ أَذْكُرُ واْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ ﴾ فيهم قولان : أحدهما : أنهم الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى . والثاني : أنهم السبعون الذين اختارهم موسى . وَجعَلَكُم مُّلُوكاً ﴾ فيه خمسة أقاويل : أحدها : لأنهم مَلَكوا أنفسهم بأن خلصهم من استعباد القبط لهم ، وهذا قول الحسن . والثاني : لأن كل واحد ملك نفسه وأهله وماله ، وهذا قول السدي . والثالث : لأنهم كانوا أول من ملك الخدم من بني آدم(*)، وهو قول قتادة . والرابع : أنهم جُعِلُوا ملوكاً بالمنِّ والسَّلْوَى والحَجَر ، وهذا قول ابن عباس . (*) وفي نسخة : من بني آدم بن إسرائيل وفي أخرى من بني إسرائيل اهـ. وتعقب ابن عطية هذا القول . ٢٤ سورة المائدة الآية - ٢٠ - ٢٦ والخامس : أن كل من ملك داراً وزوجة وخادماً ، فهو ملك من سائر الناس ، وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص ، والحسن ، وزيد بن أسلم . وقد روى زيد بن أسلم (١٩) قال: قال رسول الله وَ الر: (( من كان له بيت [ يأوي إليه وزوجة ] وخادم ، فهو ملك)). ﴿ وَاتَكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : المن والسلوى والغمام والحجر ، وهو قول مجاهد . الثاني : كثرة الأنبياء فيهم والآيات التي جاءتهم . قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ أَدْخُلُواْ الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فيها ثلاثة أقاويل : أحدها : أرض بيت المقدس ، وهذا قول ابن عباس ، والسدي . والثاني : دمشق وفلسطين وبعض الأردن ، وهذا قول الزجاج .. والثالث : هي الشام ، وهذا قول قتادة ، ومعنى المقدسة : المطهرة . وقوله: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وإن قال: ﴿ إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِم ﴾ لأنها كانت هبة من الله تعالى لهم ثم حرَّمها عليهم بعد معصيتهم . وَلَ تَرْتَدُّواْ عَلَى أُدْبَارِكُمْ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته . والثاني : لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها . قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ والجبار : هو الذي يَجْبُر الناس على ما يريد إكراههم عليه، ومنه جَبْرُ العظم ، لأنه كالإِكراه على (١٩) وهذا حديث مرسل من مراسيل زيد قال الحافظ ابن كثير (٣٧/٢) مرسل غريب رواه الطبري (١٦١/١٠) وزاد السيوطي في الدر (٤٧/٣) نسبته للزبير بن بكار في الموقفيات ولأبي داود في مراسيله . ويغني عن هذا الحديث ما رواه مسلم ( ١٨: ١٠٩، ١١٠) والطبري (١٦١/١٠) والسياق له عن أبي هاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال ألسنا من فقراء المهاجرين فقال له عبد الله ألك أمرأة تأوي إليها قال نعم قال ألك مسكن تسكنه قال نعم قال فأنت من الأغنياء فقال إن لي خادماً قال فأنت من الملوك . ٢٥ سورة المائدة الآية - ٢٠ - ٢٦ الصلاح ، ويقال [ للأعواد التي ] تحمله جُبّارة، إذا قامت اليد طولاً، لأنها امتنعت كامتناع الجبار من الناس . وقيل : بلغ من جبروت هؤلاء القوم ، أن واحداً منهم ، أخذ الاثني عشر نقيباً ، الذين بعثهم موسى ، ليخبروه بخبرهم ، فحملهم مع فاكهة حملها من بستانه ، وجاء فنشرهم بين يدي الملك ، وقال : هؤلاء يريدون أن يقاتلونا ، فقال الملك : ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا . قوله تعالى : ﴿قَالَ رَجُلَانٍ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ﴾ فيه قولان : أحدهما : يخافون الله ، وهو قول قتادة . الثاني : يخافون الجبارين ، ولم يمنعهم خوفهم من قول الحق . أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : بالتوفيق للطاعة . والثاني : بالإِسلام ، وهو قول الحسن . وفي هذين الرجلين قولان : أحدهما : أنهما من النقباء يوشع بن نون ، وكالب بن يوقنا ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والسدي . والثاني : أنهما رجلان ، كانا في مدينة الجبارين أنعم الله عليهما بالإِسلام ، وهذا مروي عن ابن عباس . أَدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : إنما قالوه لعلمهم بأن الله كتبها لهم . والثاني : لعلمهم بأن الله ينصرهم على أعدائه ، ولم يمنعهم خوفهم من قول الحق، وقد قال النبي وَله: ((لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ الحَقَّ إِذَا رَآهُ أَوْ عَلِمَهُ فَإِنَّهُ لَا يُبْعِدُ مِنْ رِزْقٍ وَلاَ يُذْنِ مِنْ أَجَلٍ))(٢٠) . (٢٠) رواه أحمد (٥٠/٣) من حديث أبي سعيد الخدري ولفظه ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول الحق إذا رآه وتابعه فإنه لا يقرِّب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم . وصححه الشيخ أحمد شاكر في المسند وله ألفاظ أخرى بنحوه من حديث ابن سعيد أيضاً تراها في المسند (٨٤/٣، ٨٧، ٩٢). ٢٦ سورة المائدة الآية - ٢٧ - ٣١ وَأَتَّلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانَا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ (@َ لَيْنُ بَسَطِتَ إِلَ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِى مَا أَنْبِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌّ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ اَلْعَلَمِينَ ﴿ إِى أُرِيدُ أَن تَبُوَأَ بِئْمِى وَإِنَّكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُاْلظَّلِمِينَ ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَبْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِلِيُرِيَهُ, كَيْفَ يُوَرِى ٣ اْخَسِرِينَ سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ يَوَيْلَتِىَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةً ٣١ أَخِىّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ قوله تعالى: ﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأْ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ ﴾ فيهما قولان: أحدهما : أنهما من بني إسرائيل ، وهذا قول الحسن . والثاني : أنهما ابنا آدم لصلبه ، وهما هابيل وقابيل ، وهو قول ابن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، وقتادة . ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ﴾ والقربان: هو البر الذي يقصد به القرب من رحمة الله ، وهو فعلان من القرب . واختلف في السبب الذي قربا لأجله قرباناً على قولين : أحدهما : أنهما فعلاه لغير سبب . والثاني: وهو أشهر القولين (٢١) أن ذلك لسبب ، وهو أن حواء كانت تضع (٢١) هذه القصة من القصص الإسرائيلية ليس لها أصل صحيح وقد ساق العلامة ابن كثير آثاراً كثيرة معظمها في الطبري وأجود ما فيها ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن خثيم قال أقبلت مع سعيد بن جبير فحدثني عن ابن عباس قال نهي أن تنكح المرأة أخاها توأمها وأقر أن ينكحها غيره من إخوتها وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة وولد له أخرى قبيحة دميمة فقال أخو الدميمة أنكحني أختك وانكحك أختي فقال لا أنا أحق بأختي فقربا قرباناً فتقبل من صاحب الكبش ولم يتقبل من صاحب الزرع فقتله ، قال الحافظ ابن كثير بعد نقله للأثر (٤٢/٢) إسناده ٢٧ سورة المائدة الآية - ٢٧ - ٣١ في كل عام غلاماً وجارية ، فكان الغلام يتزوج من أحد البطنين بالجارية من البطن الآخر ، وكان لكل واحد من ابني آدم هابيل وقابيل توأمة ، فأراد هابيل أن يتزوج بتوأمة قابيل فمنعه ، وقال أنا أحق بها منك . واختلف في سبب منعه على قولين : أحدهما : أن قابيل قال لهابيل أنا أحق بتوأمتي منك ، لأننا من ولادة الجنة وأنت من ولادة الأرض . الثاني : أنه منعه منها لأن توأمته كانت أحسن من هابيل ومن توأمته ، فقربا قرباناً ، وكان قابيل حراثاً، وهابيل راعياً، فقرب هابيل سخلة سمينة من خيار ماله ، وقرب قابيل حزمة سنبل من شر ماله ، فنزلت نار بيضاء فرفعت قربان هابيل وتركت قربان قابيل ، وكان ذلك علامة القبول ولم يكن فيهم مسكين يتقرب بالصدقة عليه وإنما كانت قُرَبُهُم هكذا . قال أبو جعفر الطبري(*): وكانت سخلة هابيل المقبولة ترعى في الجنة حتى فَدَى الله تعالى بها إسحاق بن إبراهيم الذبيح . واختلف في سبب قبول قربان هابيل على وجهين : أحدهما: لأنه كان أتقى لله من قابيل لقوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُثَّقِينَ﴾، والتقوى ها هنا الصلاة ، على ما ذكره المفسرون . الثاني : لأن هابيل تقرب بخيار ماله فَتُقُبِّل منه ، وقابيل تقرب بشر ماله ، فلم يُتقَّل منه ، وهذا قول عبد الله بن عمر، وأكثر المفسرون . واختلف في قربانهما هل كان بأمر آدم ، أو من قبل أنفسهما على قولين : أحدهما : أنهما قربا بأمر آدم حين اختصما إليه . والثاني : أنهما قربا من قِبَل أنفسهما . جيد قلت ورواه الطبري مطولاً برقم ١١٧٥١ وجوّد إسناد الطبري الشيخ أحمد شاكر كما في العمدة (١٢٤/٢) وقال عن هذا الأثر ((وهو خبر كما ترى ليس من السنة النبوية بل ظاهره يدل على أنه مما أخذه ابن عباس من كتب أهل الكتاب )». (*) وما قاله الإمام الطبري هنا لم نعلم له أثراً مرفوعاً يدل عليه ولعله من الإِسرائيليات والله أعلم . ٢٨ سورة المائدة الآية - ٢٧ - ٣١ وكان آدم قد توجه إلى مكة ، ليراها ويزور البيت بها عن أمر ربه ، وكان قد عرض الأمانة في حفظ أهله على السموات فأبت ، فعرضها على الأرض فأبت ، فعرضها على الجبال فأبت ، فعرضها على قابيل فقبلها ، ثم توجه وعاد فوجد قابيل قد قتل هابيل وشربت الأرض دمه ، فبكى ولعن الأرض لشربها دمه ، فأنبتت الشوك ، ولم تشرب بعده دماً . روى غياث بن إبراهيم عن أبي إسحاق الهمداني (٢٢) عن علي قال: لما قتل قابيل بن آدم هابيل أخاه بكاه آدم عليه السلام فقال : فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌ قبيحْ تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَنْ عليها وقَلَّ بَشَاشَةُ الوَجْهِ المَلِيحْ تَغَيَّرَ كلُّ ذِي لَوْنٍ قال فأجيب آدم : وصارَ الحَيُّ كالمَيِّتِ الذَّبِيحْ أبا هابيل قد قُتِلَا جَمِيعاً على خَوْفٍ فَجَاءَ بها تَصِيحْ وجَاءَ بِشَرِّ ما قَدْ كانَ منه واختلف في قابيل هل كان عند قتل أخيه كافراً أو فاسقاً ؟ فقال قوم كان كافراً ، وقال آخرون بل كان رجل سوء فاسقاً . قال ابن جريج : لم يزل بنو آدم في نكاح الأخوات حتى مضي أربعة آباء ، فنكح ابنة عمه وذهب نكاح الأخوات . قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطَتَ إِلَيَّ يَدَلَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِيَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ﴾ معناه لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك بمثله ، وفي امتناعه من دفعه قولان : أحدهما : منعه منه التحرج مع قدرته عليه وجوازه له ، وهذا قول ابن عباس ، وعبد الله بن عمر . والثاني : أنه لم يكن له الامتناع ممن أراد إذ ذاك ، وهذا قول مجاهد والحسن . (٢٢) هذا الأثر عن علي لا يصح فقد رواه الطبري (٢٠٩/١٠) وفي سنده غياث بن إبراهيم وهو مشهور بالوضع ولم يشهد له أحد بخير راجع ترجمته في الميزان فقد أورد له الذهبي هذا الحديث (٣٧٧/٣، ٣٣٨) وجاء نحو هذا الحديث مع اختلاف في بعض ألفاظه عن ابن عباس موقوفاً رواه الخطيب وابن عساكر كما في الدر (٦٣/٣). ٢٩ سورة المائدة الآية - ٢٧ - ٣١ قوله تعالى: ﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوَءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ معناه ترجع، وفيه تأويلان : أحدهما : أن تبوء بإثم قتلي وإثمك الذي عليك من معاصيك وذنوبك ، وهذا قول ابن عباس ، وابن مسعود . والثاني : يعني أن تبوء بإثمي في خطاياي ، وإثمك بقتلك لي ، فتبوء بهما جمیعاً ، وهذا قول مجاهد . وروى الأعمش ، عند عبد الله بن مرة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله وَّ: ((مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْماً إِلَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأُوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا لأِنَّهِ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ)) (٢٣). قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ معنى طوعت أي فعلت من الطاعة ، وفيه ثلاثة تأويلات : أحدها : يعني شجعت ، وهو قول مجاهد . والثاني : يعني زينت ، وهو قول قتادة . والثالث : يعني فساعدته . وكان هابيل أول من قُتِلَ في الأرض ، وقيل إن قابيل لم يدر كيف يقتله حتى ظهر له إبليس فعلمه ، وقيل إنه قتله غيلة ، بأن ألقى عليه وهو نائم صخرة ، شدخه بها . قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةً أخِيهِ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يعني عورة أخيه . والثاني : جيفة أخيه لأنه تركه حتى أنتن ، فقيل لجيفته سوأة . وفي الغراب المبعوث قولان : (٢٣) رواه البخاري (٢٦٢/٦، ١٦٩/١٢، ٢٥٦/١٣) ومسلم (١٣٠٣/٣) وأحمد (٢٢٦/٥) والترمذي (٩٢/١) والنسائي (٨٢/٧) وابن ماجه (٨٧٣/٢) وابن جرير (٢١٨/١٠) وزاد السيوطي في الدر (٦١/٣) نسبته لابن المنذر. ٣٠ سورة المائدة الآية - ٣٢ - ٣٤ أحدهما : أنه كان ملكاً على صورة الغراب ، فبحث الأرض على سوأة أخيه حتی عرف کیف یدفنه . والثاني : أنه كان غراباً بحث الأرض على غراب آخر . قَالَ يَا وَيْلَنَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ قيل إنه ندم على غير الوجه الذي تصح منه التوبة ، فلذلك لم تقبل منه ، ولو ندم على الوجه الصحيح لقبلت توبته . وروى معمر، عن قتادة، عن الحسن (٢٤)، عن النبي وَلّر، أنه قال: ((إِنَّ ابْنَي آدَمَ ضَرَبَا مَثَلَا لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَخُذُوا مِنْ خَيرِ هِمَا، وَدَعُوا شَرَّهُمَا)). مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَاءِ يلَ أَنَّهُ, مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً وَلَقَدْ جَاءَ تَهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَ إِنَّ كَثِيرًامِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴿ إِنَّمَا جَزَاؤُاْ اَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْيُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْيُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى الذُّنْيّاً وَلَهُمْ فِ اُلْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ ٣٤ عَلَيْهِمٌ فَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قوله تعالى : ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ﴾ يعني من أجل أن ابن آدم قتل أخاه ظلماً . ﴿ كَتَبْتَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرٍ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ ﴾ يعني من قتل نفساً ظلماً بغير نفس قتلت ، فيقتل قصاصاً، أو فساد في الأرض استحقت به القتل ، والفساد في الأرض يكون بالحرب لله ولرسوله وإخافة السبيل . (٢٤) رواه ابن جرير (٢٣٠/١٠) وزاد السيوطي في الدر (٥٩/٣) نسبته لعبد الرزاق وهو حديث مرسل وقد ورد نحوه عن السدي قال بلغني أن رسول الله وي سافر قال (( أيها الناس ألا إن ابني آدم ضربا لكم مثلاً» .... الحديث وهذا بلاغ كما ترى ونسبه السيوطي في الدر (٥٩/٣ ) لعبد بن حميد. ٣١ سورة المائدة الآية - ٣٢ - ٣٤ فَكَأَنَّمَا قَتَّلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ فيه ستة تأويلات : أحدها : يعني من قتل نبياً أو إمام عدل ، فكأنما قتل الناس جميعاً ، ومن شد على يد نبي أو إمام عدل ، فكأنما أحيا الناس جميعاً ، وهذا قول ابن عباس . والثاني : معناه فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول ، ومن أحياها فاستنقذها من هلكة ، فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ ، وهذا قول ابن مسعود . والثالث : معناه أن قاتل النفس المحرمة يجب عليه من القود والقصاص مثل ما يجب عليه لو قتل الناس جميعاً ، ومن أحياها بالعفو عن القاتل ، أعطاه الله من الأجر مثل ما لو أحيا الناس جميعاً ، وهذا قول ابن زيد وأبيه . والرابع : معناه أن قاتل النفس المحرمة يَصْلَى النار كما يَصْلاها لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها ، يعني سلم من قتلها ، [ فكأنما ] سلم من قتل الناس جميعاً ، وهذا قول مجاهد . والخامس: أن على جميع الناس (جناية القتل) كما لو قتلهم جميعاً، ومن أحياها بإنجائها من غرق أو حرق أو هلكة، فعليهم شكره كما لو أحياهم جميعاً. والسادس : أن الله تعالى عظم أجرها ووزرها فإحياؤها [ يكون ] بمالك أو عفوك ، وهذا قول الحسن ، وقتادة . قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً ﴾ اختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنها نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي ومسير عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض ، فعرف الله نبيه الحكم فيهم ، وهذا قول ابن عباس . الثاني: أنها نزلت في العُرَنِينَ ارتدوا عن الإِسلام وقتلوا راعي النبي ◌َّ واستاقوا إبله ، وهذا قول أنس بن مالك ، وقتادة . والثالث : أنها نزلت إخباراً من الله تعالى بحكم من حارب الله ورسوله ، وسعى في الأرض فساداً . ٣٢ سورة المائدة الآية - ٣٢ - ٣٤ واختلف في المستحق اسم المحارب الله ورسوله الذي يلزمه حكم هذه الآية على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه الزنى والقتل والسرقة ، وهذا قول مجاهد . والثاني : أنه المجاهر بقطع الطريق والمكابر باللصوصية في المِصْر وغيره ، وهذا قول الشافعي ، ومالك ، والأوزاعي . والثالث : أنه المجاهر بقطع الطريق دون المكابر في المِصْر ، وهذا قول أبي حنيفة ، وعطاء الخراساني . ﴿ أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْأْ مِنَ الأَرْض ﴾ جعل الله هذا حكم المحارب ، وفيه قولان : أحدهما : أنها على التخيير وأن الإِمام فيهم بالخيار بين أن يقتل أو يصلب أو يقطع أو ينفي ، وهذا قول سعيد بن المسيب ، ومجاهد ، وعطاء ، وإبراهيم . والثاني : أنها مرتبة تختلف على قدر اختلاف الأفعال : أن يقتلوا إذا قتلوا ، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، والسدي . وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب (٢٥) أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك العرنيين وهم من بجيلة، فسأل رسول الله وَ لقول جبريل عن القصاص فيمن حارب ، فقال : من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده لسرقته ورجله لإِخافته ، ومن قتل فاقتله ، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج فاصلبه . أما قوله تعالى: ﴿أُوْ يُنفَوا مِنَ الأَرْضِ ﴾ فقد اختلف أهل التأويل فيه على أربعة أوجه : (٢٥) رواه الطبري (٢٦٧/١٠) مطولاً ومختصراً برقم ١١٨١٦ وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف إلا في رواية العبادلة عنه وهذه ليست منها وفيه الوليد بن مسلم وهو مدلس وقد عنعن وفيه انقطاع بين يزيد ابن أبي حبيب وأنس فإنه لم يدرك أنساً ولم يُذكر أنه سمع منه وعلى هذا فالحديث ضعيف بهذه العلل الثلاث أما قصة العرنيين فهي صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه . ٣٣ سورة المائدة الآية - ٣٢ - ٣٤ أحدها : أنه نفيهم وإبعادهم من بلاد الإِسلام إلى بلاد الشرك ، وهو قول أنس ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، والزهري ، والضحاك ، والربيع . والثاني: أنه إخراجهم من مدينة إلى مدينة أخرى، وهو قول عمر بن عبد العزیز، وسعيد بن جبير. والثالث : أنه الحبس ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . والرابع : هو أن يطلبوا لتقام الحدود عليهم فيُبْعَدُوا ، وهذا قول ابن عباس ، والشافعي ، والليث بن سعد . قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ فيه ستة أقاويل : أحدها : إلا الذين تابوا من شركهم وسعيهم في الأرض فساداً بإسلامهم ، فأما المسلمون فلا تسقط التوبة عنهم حداً وجب عليهم ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة . الثاني : إلا الذين تابوا من المسلمين المحاربين بأمان من الإِمام قبل القدرة عليهم ، فأما التائب بغير أمان فلا ، وهذا قول عليّ عليه السلام ، والشعبي ، وروى الشعبي أن خارجة بن زيد خرج محارباً فأخاف السبيل ، وسفك الدماء ، وأخذ الأموال ، وجاء تائباً من قبل القدرة عليه ، فقبل عليّ توبته وجعل له أماناً منشوراً على ما كان أصاب من دم ومال . والثالث : إلا الذين تابوا بعد أن لحقوا بدار الحرب وإن كان مسلماً ثم جاء تائباً قبل القدرة عليه ، وهذا قول عروة بن الزبير . والرابع : إن كان في دار الإِسلام في منعة وله فئة يلجأ إليها وتاب قبل القدرة عليه قبلت توبته، وإن لم يكن له فئة يمتنع بها [وتاب] لم [تسقط] عنه توبته شيئاً من عقوبته، وهذا قول ابن عمر، وربيعة، والحكم بن عيينة . والخامس : أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه حدود الله تعالى دون حقوق الآدميين ، وهذا قول الشافعي . والسادس : أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه سائر الحقوق والحدود إلا الدماء ، وهذا مذهب مالك . ٣٤ سورة المائدة الآية - ٣٥ - ٤٠ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُوْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُ واْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْأَنَّ لَهُم مَّا فِى اُلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَدُ لِيَفْتَدُ واْبِهِ مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَانُقُبِّلَ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَاهُم ٣ مِنْهُمِّ وَلَمْ عَذَابُّ ◌َلِيمٌ ! بِخَرِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴿ وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِ يَهُمَا جَزَاءَ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [٦أَلَمَ تَعَلَمْ أَنَّ ◌ُللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ ج ٤٠ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّشَىْءٍ قَدِيرٌ قوله تعالى : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ وهي في قراءة عبد الله ابن مسعود: والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما . إنما بدأ الله تعالى في السرقة بالسارق قبل السارقة ، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني ، لأن حب المال على الرجال أغلب ، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب ، ثم جعل حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها ، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به ، لثلاثة معانٍ : أحدها : أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن انزجر بها اعتاض بالثانية ، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه . والثاني : أن الحد زجر للمحدود وغيره ، وقطع اليد في السرقة ظاهر ، وقطع الذکر في الزنى باطن . والثالث : أن في قطع الذكر إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله . وقد قطع السارق في الجاهلية ، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد ابن المغيرة ، فأمر الله تعالى بقطعه في الإِسلام ، فكان أول سارق قطعه رسول الله ٣٥ سورة المائدة الآية - ٣٥ - ٤٠ 43 في الإِسلام الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم، وقال: ((لَو كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ)) (٢٦). وقطع عمر ابن سمرة أخا عبد الرحمن بن سمرة . والقطع في السرقة حق الله تعالى لا يجوز العفو عنه بعد علم الإِمام به ، لقول رسول الله 14 في سارق رداء صفوان حين أمر بقطعه ، فقال صفوان : قد عفوت عنه، فقال النبي وَهُ: ((هَلَّاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ لَ عَفَا اللَّهُ عَنِّي إِنْ عَفَوتُ)) (٢٧) . وروي أن معاوية بن أبي سفيان أتِيَ بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم فقدم ليقطع فقال : بعفوك أن تلقی مکاناً یشینها يميني أمير المؤمنين أعيذها ولا تعدمُ الحسناءُ عابا يعيبها يدي كانت الحسناء لو تم سبرها إذا ما شمالي فارقتها يمينها فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة فقال معاوية : كيف أصنع وقد قطعت أصحابك ، فقالت أم السارق : يا أمير المؤمنين اجعلها من ذنوبك التي تتوب منها ، فَخَلَّى سبيله ، فكان أول حد ترك في الإِسلام . ولوجوب القطع مع ارتفاع الشبهة شرطان هما : الحرز والقدر ، وقد اختلف الفقهاء في قدر ما تقطع فيه اليد خلافاً، كُتُبُ الفقه أولى . واختلف أهل التأويل حينئذ لأجل استثناء القطع وشروطه عمن سرق من غير حرز أو سرق من القدر الذي تقطع فيه اليد في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ هل هو عام خُصّ؟ أو مجمل فُسِّر على وجهين : أحدهما : أنه العموم الذي خُصّ . والثاني : أنه المجمل الذي فُسِّر . (٢٦) جزء من حديث رواه البخاري (٧٦/١٢) ومسلم (١٨٦/١١٠ - ١٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها واسم المرأة المخزومية التي سرقت فاطمة بنت الأسود راجع ترجمتها في الإِصابة . (٢٧) رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٢٥/١٠) مختصراً عن الزهري أن صفوان أتى النبي وح اله ورواه مطولاً أيضاً (٢٣٠/١٠) عن طاووس قال قيل لصفوان بن أمية ... الحديث ورواه أيضاً (٢٢٩/١٠) عن عمرو بن دينار مطولاً بنحو حديث طاووس. ٣٦ سورة المائدة الآية - ٣٥ - ٤٠ ثم قال تعالى: ﴿جَزَآءً بِمَا كَسَبَا﴾ فاختلفوا هل يجب مع القطع غُرْم المسروق إذا استهلك على مذهبين : أحدهما : أنه لا غرم ، وهذا قول أبي حنيفة . مـ. والثاني : يجب فيه الغرم ، وهو مذهب الشافعي . وذكر الكلبي أن هذه الآية نزلت في طعمة بن أبيرق سارق الدرع . قوله تعالى: ﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ في التوبة ها هنا قولان : أحدهما : أنها كالتوبة من سائر المعاصي والندم على ما مضى والعزم على ترك المعاودة . والثاني : أنها الحد ، وهو قول مجاهد . وقد روى عبد الله بن عمرو قال (٢٨): سرقت امرأة حلياً فجاء الذين سرقتهم فقالوا: يا رسول الله سرقتنا هذه المرأة، فقال رسول الله وَله: ((أَقْطَعُوا يَدَهَا الْيُمْنَى)) فقالت المرأة: هل لي من توبة؟ فقال رسول الله وَّهِ: ((أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ)) فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأُصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ . قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يغفر لمن تاب من كفره ، ويعذب من مات على كفره ، وهذا قول الكلبي . الثاني : يعذب من يشاء في الدنيا على معاصيهم بالقتل والخسف والمسخ والآلام وغير ذلك من صنوف عذابه ، ويغفر لمن يشاء منهم في الدنيا بالتوبة واستنقاذهم بها من الهلكة وخلاصهم من العقوبة . (٢٨) رواه الطبري (٢٩٩/١٠) وأحمد مطولاً ومفصلاً برقم ٦٦٥٧ من حديث ابن لهيعة عن حيّ بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو ... الحديث وهذا السند فيه ضعف من أجل ابن لهيعة وقد تقدم الكلام عليه وكذا حيّ بن عبد الله تكلم فيه البخاري وقال فيه نظر وقال أحمد عنده مناكير ومشاه ابن معين وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به إذا روى عن ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقد صحح الحديث الشيخ شاكر على قاعدته في توثيق ابن لهيعة ولم يلتفت إلى تضعيف من ضعف حيّ بن عبد الله . وزاد السيوطي في الدر (٧٣/٣ ) نسبته لابن أبي حاتم . ٣٧ سورة المائدة الآية - ٤١ - ٤٤ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى اُلْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُ وَأُسَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكَ يُحْرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَهُ فَاحْذَرُواْ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اُللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمَّلَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )سَفَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ فَإِن جَاءُ وَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُـمَّ وَ إِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَكَنْ يَضُوَكَ شَيْئاً وَإِنْ وَكَيْفَ ٤٢ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ج يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ ◌ِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرََِّّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءً فَلاَ تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنٍ وَلَا تَشْتَرُواْ بِفَايَتِي ثَمَنَا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ ٤٤ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَجْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِن الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَقْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ يعني به المنافقين المظهرين للإِيمان المبطنين للكفر . ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ ﴾ يعني اليهود. )) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ عَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكَ ﴾ ليكذبوا عليك عندهم إذا أتوامن بعدهم ، وهذا قول الحسن ، والزجاج . ٣٨ سورة المائدة الآية - ٤١ - ٤٤ والثاني : أن معنى قوله : ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ أي قائلون للكذب عليك . و﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ عَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكَ ﴾ يعني في قصة الزاني المحصن من اليهود الذي حكم رسول الله والت برجمه فأنكروه ، وهذا قول ابن عباس . ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنهم إذا سمعوا كلام النبي ◌َ ◌ّ غيروه بالكذب عليه، وهذا قول الحسن . والثاني : هو تغيير حكم الله تعالى في جَلْد الزاني بدلاً من رجمه ، وقيل في إسقاط القود عند استحقاقه . وَ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُ واْ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنه يريد بذلك حين زنى رجل منهم بامرأة فأنفذوه إلى النبي وَيه لیحکم بینهم وقالوا : إن حکم علیکم بالجلد فاقبلوه وإن حکم علیکم بالرجم فلا تقبلوه ، فقام النبي ◌َير إلى مدارس توراتهم وفيها أحبارهم يتلون التوراة ، فأتى عبد الله بن صوريا ، وكان أعور ، وهو من أعلمهم فقال له أسألك بالذي أنزل التوراة بطور سيناء على موسى بن عمران هل في التوراة الرجم ؟ فأمسك ، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر بهما النبي ◌ََّ فَرُجِمًا، قال عبد الله: وكنت فيمن رجمه وأنه ليقيها الأحجار بنفسه حتى ماتت ، ثم إن ابن صوريا أنكر وفيه أنزل الله تعالى هذه الآية وهذا قول ابن عباس ، وجابر ، وسعيد بن المسيب ، والسدي ، وابن زید . والقول الثاني : أن ذلك في قتيل منهم ، قال الكلبي : قتلت بنو النضير رجلاً من بني قريظة وكانوا يمتنعون بالاستطالة عليهم من القود بالدية ، وإذا قتلت بنو قريظة منهم رجلاً لم يقنعوا إلا بالقود دون الدية ، قالوا : إن أفتاكم بالدية فاقبلوه ، وإن أفتاكم بالقود فردوه ، وهذا قول قتادة . وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْتَتَهُ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : عذابه ، وهذا قول الحسن . والثاني : إضلاله ، وهو قول السدي . ٣٩ سورة المائدة الآية - ٤١ - ٤٤ والثالث : فضيحته ، وهو قول الزجاج . : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما : لم يطهرها من الضيق والحرج عقوبة لهم . والثاني : لم يطهرها من الكفر . قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ فيه أربعة تأويلات : أحدها : أن السحت الرشوة (٢٩)، وهو مروي عن النبي رَطير. والثاني : أنه الرشوة في الحكم ، وهو قول علي . والثالث : هو الاستعجال في القضية ، وهو قول أبي هريرة . والرابع : ما فيه الغارّ من الأثمان المحرمة : كثمن الكلب ، والخنزير ، والخمر وعسب الفحل ، وحلوان الكاهن . وأصل السحت الاستئصال ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيُسْجِتَكُم بِعَذَابٍ ﴾ أي يستأصلكم ، وقال الفرزدق : وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتاً أو مجلف (٣٠) فسمي سحتاً لأنه يسحت الدين والمروءة . فَإِن ◌َاؤُوَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ فيمن أريد بذلك قولان : أحدهما : اليهوديان اللذان زنيا خيّر رسول الله و لفر أن يحكم بينهما بالرجم أو يدع ، وهذا قول الحسن ، ومجاهد ، والزهري . والثاني : أنها في نفسين من بني قريظة وبني النضير قتل أحدهما صاحبه فخيّر رسول الله وَ ر عند احتكامهما إليه بين أن يحكم بالقود أو يدع ، وهذا قول قتادة . (٢٩) رواه ابن جرير (٣٢٣/٩) السيده عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صل فر: (( كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به)) قيل يا رسول الله ما السحت قال الرشوة في الحكم وهذا حديث مرسل ونسبه السيوطي في الدر (٨١/٣) لابن مردويه وعبد بن حميد وابن جرير لعبد الله بن عمر والذي في الطبري كما تقدم عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر . (٣٠) ديوانه ٥٥٦ والنقائض: الخزانة ٢ : ٢٤٧ واللسان مادة سحت. ٤٠