Indexed OCR Text
Pages 501-520
سورة النساء الآية - ٦٠ - ٦٣
والثاني : أَظْهَرُ حَقاً وَأَبْيَنُ صَواباً ، وهو معنى قول مجاهد .
والثالث : أحسن من تأويلكم الذي لا يرجع إلى أصل ولا يفضي إلى حق ،
وهذا قول الزجاج .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَرْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْبِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُ وَا أَن يَكْفُرُواْبِهِ،وَيُرِيدُ
الشَّيْطَنُّ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ
اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ صُدُودًا
٦١
فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوَكَ
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ
اُللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضَ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنْفُسِهِمْ
قَوْلاً بَلِيغًا
٦٣
قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ
أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُ واْ بِهِ ﴾
اختلف فيمن نزلت هذه الآية على قولين :
أحدهما: أنها نزلت في رجل من المنافقين ورجل من اليهود كان بينهما
خصومة ، فقال اليهودي : أحاكمك إلى أهل دينك لأني أعلم أنهم لا يقبلون
الرشوة ، وقال المنافق : أحاكمك إلى اليهود منهم كعب بن الأشرف ، لأنه علم
أنهم يقبلون الرشوة ، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة ، فأنزل الله فيهما
هذه الآية ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يعني المنافق
وَمَآ أَنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني اليهودي. ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوَاْ إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾
يعني الكاهن ، وهذا قول الشعبي ومجاهد .
والثاني : أنها نزلت في رجلين من بني النضير وبني قريظة ، وكانت بنو
٥٠١
سورة النساء الآية - ٦٠ - ٦٣
قريظة في الجاهلية إذا قتلت رجلاً من بني النضير أقادوا من القاتل ، وكانت بنو
النضير في الجاهلية إذا قتلت رجلاً من بني قريظة لم تَقُد من القاتل وأعطوا ديته
ستين وَسْقاً من تمر، فلما أسلم ناس من بني قريظة وبني النضير، قتل
رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة فتحاكموا إلى
النبي ◌ِّه، فقال النّضِيرِيُّ لرسول الله: إنا كنَّا في الجاهلية نعطيهم الدية ستين
وَسَقاً من تمر ، فنحن نعطيهم اليوم ذلك، وقالت بنو قريظة : نحن إخوان في
النسب والدين وإنما كان ذلك عليه الجاهلية وقد جاء الإِسلام ، فأنزل الله تعالى
يعيِّرُهم بما فعلواْ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ثم ذكر
قول بني النضير ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ثم أَخَذَ النَّضِيرِيَّ فقتله
بالقرظي، فتفاخرت النضير وقريظة ودخلوا المدينة، فتحاكموا إلى أبي بردة الأسلمي
الكاهن، فأنزل الله في ذلك ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُم ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾
[النساء: ٦٠] يعني في الحال، ﴿وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني حين كانوا يهوداً.
﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني أبا بردة الأسلمي الكاهن، وهذا قول
السدي .
قوله تعالى: ﴿ فَكَيفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةُ . .) الآية في سبب نزولها قولان :
أحدهما : أن عمر قتل منافقاً لم يرض بحكم رسول الله وَلخير، فجاء إخوانه
من المنافقين يطالبون بدمه ، وحلفوا بالله أننا ما أردنا في المطالبة بدمه إلا إحساناً
إلى النساء ، وما يوافق الحق في أمرنا .
والثاني: أن المنافقين بعد القَوَدِ من صاحبهم اعتذرواً إلى رسول اللّهِ وَصّ في
محاكمتهم إلى غيره بأن قالوا ما أردنا في عدولنا عنك إلا توفيقاً بين الخصوم
وإحساناً بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرّ الحق ، فنزلت هذه الآية .
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِم﴾ يعني من النفاق
الذي يضمرونه .
فَأَعْرِضْ عَنْهُم وَعِظْهُم ﴾ وفي الجمع بين الإِعراض والوعظ مع تنافي
اجتماعهما في الظاهر - ثلاثة أوجه :
أحدها : أعرض عنهم بالعداوة لهم وعِظهم فيما بدا منهم .
والثاني : أعرض عن عقابهم وعظهم .
٥٠٢
سورة النساء الآية - ٦٤، ٦٥
والثالث : أعرض عن قبول الأعذار منهم وعظهم .
وَقُل لَّهُم فِي أَنْفُسِهِم قَوْلاً يَلِيغاً ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن يقول لهم : إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلكم ، فإنه يبلغ من
نفوسهم(*) كل مبلغ ، وهذا قول الحسن .
والثاني : أن يزجرهم عما هم عليه بأبلغ الزواجر .
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُواْ
أَنْفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُ واْاللَّهَ وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ
اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا { فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواأ ◌َسْلِيمًا (٥
قوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوَ فِيمَا شَجَرَ بَبْنَهُمْ ﴾
ومعنى ﴿شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ أي وقع بينهم من المشاجرة وهي المنازعة والاختلاف،
سُمِّيَ ذلك مشاجرة ، لتداخل بعض الكلام كتداخل الشجر بالتفافها .
{ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيتَ ) وفي الحرج تأويلان :
أحدهما : يعني شكّاً وهو قول مجاهد .
والثاني : يعني إثماً ، وهو قول الضحاك .
واختلف في سبب نزولها على قولين :
أحدهما : أنها نزلت في المنافق واليهودي اللَّذين احتكما إلى الطاغوت ،
وهذا قول مجاهد ، والشعبي .
والثاني : أنها نزلت في الزبير ورجل من الأنصار قد شهد بدراً ، تخاصما إلى
رسول الله ( 18 في شراج من الحرّة كانا يسقيان به نخلاً، فقال رسول الله الطيار:
((أَسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أُرسِل المَاءَ إِلَى جَارِكَ)) فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله
آن كان ابن عمتك، فَتَلَوَّنَ وجه رسول الله وَلّ حتى عرف أن قد ساءه ، ثم قال يا
(*) وفي نسخة للمخطوطة : نفوسكم .
٥٠٣
سورة النساء الآية - ٦٦ - ٧٠
زبير: ((احْبِسِ المَاءَ إِلَى الجُدُرِ أَوْ إِلَى الکَعْبَينِ ثَمَّ خَلِّ سَبِيلَ المَاءِ))(٤٥٨) فنزلت
هذه الآية ، وهذا قول عبد الله بن الزبير ، وعروة ، وأم سلمة .
وَلَوْأَنَّا كُنَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ أَقْتُلُواْأَنْفُسَكُمْ أَوِأُخْرُجُواْ مِنْ دِيَرِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا
قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَنْبِيْتًا
وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
وَإِذَّا لَا تَيْنَهُمْ مِن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا لَـ
٦٨
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [®َّ ذَلِكَ
اُلْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا
٧٠
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيْهِم مِّنَ النَّيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ آوَلَئِكَ رَفِيقاً ﴾ أما
الصدِّيقون فهو جمع صديق ، وهم أتباع الأنبياء .
وفي تسمية الصدِّيق قولان :
أحدهما : أنه فِعِّيل من الصِّدْقِ .
والثاني : أنه فِعّيل من الصَدَقَةِ . وأما الشهداء فجمع شهيد ، وهو المقتول
في سبيل اللّه تعالى.
وفي تسمية الشهيد قولان :
أحدهما : لقيامه بشهادة الحق ، حتى قتل في سبيل الله .
والثاني : لأنه يشهد كرامة الله تعالى في الآخرة . ويشهد على العباد
بأعمالهم يوم القيامة إذا ختم له بالقتل في سبيل الله .
(٤٥٨) رواه الطبري (٥١٩/٨ برقم ٩٩١٢) والنسائي (٣٠٨/٢ - ٣٠٩) وابن أبي حاتم كما نقله ابن
كثير (٥٢٠/١) والإسماعيلي كما نقله الحافظ في الفتح (٢٦/٥) وبنحوه البخاري (٢٦/٥ -
٢٨) ومسلم (٢٢١/٢) وأبو داود (٣٦٣٧) والترمذي (٢٨٩/٢، ٢٩٠) وابن ماجه (٢٤٨٠)
وابن حبان رقم (٢٣)
من طريق الليث بن سعد عن الزهري عن عروة عن عبد الله بن الزبير .
٥٠٤
سورة النساء الآية - ٧١ - ٧٤
وأما الصالحون فجمع صالح وفيه قولان :
أحدهما : أنه كل من صلح عمله .
والثاني : هو كل من صلحت سريرته وعلانيته .
وأما الرفيق ففيه قولان :
أحدهما : أنه مأخوذ من الرفق في العمل .
والثاني : أنه مأخوذ من الرفق في السير .
وسبب نزول هذه الآية على ما حكاه الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع
والسدي أنَّ ناساً توهموا أنهم لا يرون الأنبياء في الجنة لأنهم في أعلى عليين ،
وحزنوا وسألوا النبي ◌َّلتر فنزلت هذه الآية .
يَأَ يُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ خُذُ وأُحِذْرَكُمْ فَانِفِرُ واْتُبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُ واْ جَمِيعًا لَـ
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطْتَنٌّ فَإِنْ أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَ إِذْ لَمْ أَكُنْ
مَعَهُمْ شَهِيدًا[َّوَلَبِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلٌ مِنَ اَللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَّمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ
فَلْيُقَتِلْ
٧٣
وَبَيْنَهُ, مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِى كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةُ وَمَن يُقَتِلْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبٌ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.
VE
قوله تعالى: ﴿ يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعني احذرواْ عَدُوَّكم.
والثاني : معناه خذوا سلاحكم فسماه حذراً لأنه به يتقي الحذر .
﴿ فَانِفِرُ وَأْثُبَاتٍ أَوِ انْفِرِ واجَمِيعاً﴾ والثُّبات: جمع ثُبَة ، والثُبةُ العُصْبة، ومنه
قول زهير :
لقد أغدو على ثُبةٍ كرام ... نشاوَى واجدين لما نشاء(٤٥٩)
(٤٥٩) ديوانه (٧٢) واللسان مادة [ ثبا، نشا].
٥٠٥
سورة النساء الآية - ٧٥ - ٧٨
فيكون معنى الآية فانفروا عُصَباً وفِرقاً أو جميعاً .
قوله تعالى : ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الْدُّنْيَا بِالْأُخِرَةِ﴾
يعني يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ، فعبر عن البيع بالشراء .
﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ فإن
قيل فالوعد من الله تعالى على القتال فكيف جعل على القتل أو الغلبة ؟ قيل لأن
القتال يفضي غالباً إلى القتل فصار الوعد على القتال وعداً على من يفضي إليه ،
والقتال على ما يستحقه من الوعد عليه إذا أفضى إلى القتل والغلبة أعظم ، وهكذا
أخبر .
وَمَا لَكُمْ لَا تُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِ جْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لََّا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا
وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (٣٥) الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَئِلُواْأَوْلِيَاءَ الشَّيْطِنَّإِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ
٧٦
كَانَ ضَعِيفًا !
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾ هي مكة في
قول جميع المفسرين ، لما كانوا عليه ، كما أخبر الله به عنهم ، من استضعاف
الرجال والنساء والولدان وإفتانهم عن دينهم بالعذاب والأذى .
أَمْتَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَهُمْ كُفُّواْأَيَدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَانُواْالزَّكَوَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ
الْفِنَالُ إِذَا فَبِقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْأَسَدَ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَنَالِمَ
كَثَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلَا أَخَّرْنَنَا إِلَى أَجَلِ فَرِيبٍ قُلْ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَاُلْآَخِرَةُ خَيْرٌ
لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا [® أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِي بُرُوجِ
مُشَيِّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَبِّئَةٌ يَقُولُواْ
٥٠٦
سورة النساء الآية - ٧٨، ٧٩
هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا
٧٨
مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّنَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
وَكَفَى بِلَّهِشَهِيدًا
(٧٩
قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ
خَشْيَةً ﴾ فيمن نزلت هذه الآية فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنها نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي والقر بمكة في قتال
المشركين فلم يأذن لهم ، فلما كُتِبَ عليهم القتال وهم بالمدينة قال فريق منهم ما
ذكره الله عنهم ، وهذا قول ابن عباس ، وعكرمة ، وقتادة ، والسدي .
والثاني : أنها نزلت في المنافقين ، وهو قول بعض البصريين .
والثالث : أنها نزلت في اليهود .
والرابع : أنها من صفة المؤمن لما طُبعَ عليه البشر من المخافة ، وهذا قول
الحسن .
﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كَنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ في البروج
ها هنا ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها القصور ، وهو قول مجاهد ، وابن جريج .
والثاني : أنها قصور في السماء بأعيانها(*) تسمى بهذا الاسم ، وهو قول
السدي ، والربيع .
والثالث : أنها البيوت التي في الحصون وهو قول بعض البصريين .
وأصل البروج الظهور ، ومنه تبرج المرأة إذا أظهرت نفسها .
وفي المُشَيَّدَةِ ثلاثة أقاويل :
أحدها : المخصصة ، والشيد الجص ، وهذا قول بعض البصريين .
(*) وفي نسخة للمخطوطة : معينة .
٥٠٧
سورة النساء الآية - ٧٨، ٧٩
والثاني : أن المُشَيَّدَ المطول في الارتفاع ، يقال شاد الرجل بناءه وأشاده إذا
رفعه ، ومنه أشدت بذِكْرِ الرجل إذا رَفَعْتَ منه ، وهذا قول الزجاج .
والثالث : أن المُشَيِّد، بالتشديد : المُطَوَّل، وبالتخفيف : المجصَّص .
قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ ﴾ في القائلين ذلك قولان :
أحدهما : أنهم المنافقون ، وهو قول الحسن .
والثاني : اليهود ، وهو قول الزجاج .
وفي الحسنة والسيئة ها هنا ثلاثة تأويلات :
أحدها : البؤس والرخاء .
والثاني : الخصب والجدب ، وهو قول ابن عباس، وقتادة .
والثالث : النصر والهزيمة ، وهو قول الحسن ، وابن زيد .
وفي قوله : ﴿ مِنْ عِندِكَ ﴾ تأويلان :
أحدهما : أي بسوء تدبيرك ، وهو قول ابن زيد .
والثاني : يعنون بالشؤم الذي لحقنا منك على جهة التطُّر به ، وهذا قول
الزجاج، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ ﴾
[الأعراف: ١٣١].
قوله تعالی :
﴿ مَا أَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾
اختلف في المراد بهذا الخطاب على ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الخطاب متوجه إلى النبي ◌ّطر وهو المراد به .
والثاني : أنه متوجه إلى النبي ◌َّ ه والمراد به غيره، وهو قول الزجاج .
والثالث : أنه متوجه إلى الإِنسان ، وتقديره : ما أصابك أيها الإِنسان من
حسنة فمن الله ، وهذا قول قتادة .
وفي الحسنة والسيئة ها هنا ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن الحسنة النعمة في الدين والدنيا ، والسيئة المصيبة في الدين
والدنيا ، وهذا قول بعض البصريين .
٥٠٨
سورة النساء الآية - ٨٠، ٨١
والثاني : أن الحسنة ما أصابه يوم بدر ، والسيئة ما أصابه يوم أحد من شج
رأسه وكسر رباعيته ، وهو قول ابن عباس ، والحسن .
والثالث: أن الحسنة الطاعة ، والسيئة المعصية ، وهذا قول أبي العالية .
قوله تعالى: ﴿فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ قولان :
أحدهما : يعني فبذنبك .
والثاني : فبفعلك .
مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ وَ مَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِ كَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ
وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّنُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
٨١
قوله تعالى : ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وإنما كانت طاعة لله لأنها
موافقة لأمر(*) الله تعالى .
﴿ وَمَن تَوَّلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : يعني حافظاً لهم من المعاصي حتى لا تقع منهم .
والثاني : حافظاً لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها فتخاف ألّ تقوم بها ، فإن
الله تعالى هو المجازي عليها .
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ يعني المنافقين ، أي أمرنا طاعة .
فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندَِ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ والتبييت كل عمل
دُبِّر ليلاً ، قال عبيد بن همام :
وكانواْ أتوْنِي بأمرٍ نُكُر (٤٦٠)
أتوني فلم أرض ما بيّتوا
وهل يُنْكِحُ الْعَبْدُ خُرٌّ لحُرْ؟
لُإِنْكِحَ أَيُّمَهُمْ منذراً
٠
(*) وفي نسخة : لارادة.
(٤٦٠) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة (١٣٣/١) والكامل (٣٥/٢)
واللسان مادة [ نكر ].
٥٠٩
سورة النساء الآية - ٨٢، ٨٣
وفي تسمية العمل بالليل بياتاً قولان :
أحدهما : لأن الليل وقت المبيت .
والثاني : لأنه وقت البيوت .
وفي المراد بقوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ قولان:
أحدهما : أنها غيّرت ما أضمرت من الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه ،
وهذا قول ابن عباس ، وقتادة ، والسدي .
والثاني : معناه فدبَّرت(*) غير الذي تقول على جهة التكذيب ، وهذا قول
الحسن .
وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يكتبه في اللوح المحفوظ ليجازيهم( ** ) عليه .
والثاني : يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب ، وهذا قول الزجاج .
أَفَلاَ يَتَدَ بَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْكَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا
◌َِّ وَ إِذَاجَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْبِهِ - وَلَوْرَدُوُ إِلَى الرَّسُولِ
وَإِلَّ أُوْلِ آلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمُّ وَلَوْ لَا فَضْلُ اَللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَ تَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا
٨٣
قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ ﴾ أصل التدبر الدبور ( *** )، لأنه النظر
في عواقب الأمور .
﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً ﴾ في الاختلاف ها هنا
ثلاثة أقاويل :
أحدها : تناقض من جهة حق وباطل ، وهذا قول قتادة ، وابن زيد .
(*) وفي نسخة : قدّرت.
( ** ) وفي نسخة : ليجازوا به .
( *** ) هكذا بالأصول ويبدو أن صوابها الدبر ودبر الشيء آخره وعقبه فالمتدبر للقرآن ينظر في آخر أمره
وما ينتهي إليه من عواقب .
٥١٠
سورة النساء الآية - ٨٢، ٨٣
والثاني : من جهة بليغ ومرذول ، وهو قول بعض البصريين .
والثالث : يعني اختلافاً في الأخبار عما يُسِرُونَ ، وهذا قول الزجاج .
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ في المعني
بهذا قولان :
أحدهما : المنافقون ، وهو قول ابن زيد والضحاك .
والثاني : أنهم ضعفة المسلمين ، وهو قول الحسن ، والزجاج .
﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىْ أَوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ ﴾ وفيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم الأمراء ، وهذا قول ابن زيد ، والسدي .
والثاني : هم أمراء السرايا .
والثالث : هم أهل العلم والفقه ، وهذا قول الحسن ، وقتادة ، وابن جريج ،
وابن نجيح ، والزجاج .
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ فيهم قولان :
أحدهما : أنهم أولو الأمر .
والثاني : أنهم المنافقون أو ضعفة المسلمين المقصودون بأول الآية ، ومعنى
يستنبطونه: أي يستخرجونه ، مأخوذ من استنباط الماء ، ومنه سُمِّي النبط
لاستنباطهم العيون .
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾ في فضل الله
ها هنا ثلاثة أقاويل :
أحدها : يعني النبي ◌َّد .
والثاني : القرآن .
والثالث : اللطف والتوفيق .
وفي قوله تعالى: ﴿لاَ تَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّ قَلِيلاً ﴾ أربعة أقاويل :
أحدها : يعني لا تبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم فإنه لم يكن يتبع الشيطان .
والثاني : لعلمه الذين يستنبطون إلا قليلاً منكم وهذا قول الحسن وقتادة.
٥١١
سورة النساء الآية - ٨٤ - ٨٧
والثالث: أذاعوا به إلا قليلاً ، وهذا قول ابن عباس ، وابن زيد .
والرابع : لا تبعتم الشيطان إلا قليلاً مع الاتباع .
فَقَئِلْ فِ سَبِيلِ اللَّهِلَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَّ وَحَرِّضِ الْمِنَّعَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ
بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلا ◌ََّمَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً
حَسَنَةً يَكُنْ لَُّ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ سِيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا
وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا (٥) وَإِذَا حُبِّيْتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ
رُدُّوهَا إِنَّاللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ﴾ اللّهُلَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيَةٍ وَمَنْ أَصْدَفُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا
٨٧
قوله تعالى: ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةٌ حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً
سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾ في الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة قولان :
أحدهما : أنه مسألة الإِنسان في صاحبه أن يناله خير بمسألته أو شر بمسألته ،
وهذا قول الحسن ، ومجاهد ، وابن زيد .
والثاني : أن الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين ، والشفاعة السيئة الدعاء
عليهم ، لأن اليهود كانت تفعل ذلك فتوعَّدَهُم الله عليه .
وفي الكِفْلِ تأويلان :
أحدهما : أنه الوزر والإِثم ، وهو قول الحسن ، وقتادة .
والثاني: أنه النصيب ، كما قال تعالى: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾
[الحديد: ٢٨] وهو قول السدي، والربيع، وابن زيد.
وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴾ فيه خمسة تأويلات :
أحدها : يعني مقتدراً ، وهو قول السدي ، وابن زيد .
والثاني : حفيظاً ، وهو قول ابن عباس ، والزجاج .
٥١٢
سورة النساء الآية - ٨٤ - ٨٧
والثالث : شهيداً ، وهو قول مجاهد .
والرابع : حسيباً ، وهو قول ابن الحجاج ، ويحكى عن مجاهد أيضاً .
والخامس : مجازياً، وأصل المقيت القوت ، فَسُمِّي به المقتدر لأنه قادر على
إعطاء القوت ، ثم صار اسماً في كل مقتدر على كل شيءٍ من قوت وغيره ، كما
قال الزبير بن عبد المطلب :
وكنتُ على مَسَاءَتِهِ مُقِيتاً
وذي ضَغَنٍ كَففْتُ النّفْسَ عنه
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُِّّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ في المراد
بالتحية ها هنا قولان :
أحدهما : أنه الدعاء بطول الحياة .
والثاني : السلام تطوع مستحب ، ورده فرض ، وفيه قولان :
أحدهما : أن فرض رَدِّهِ عَامٌّ في المسلم والكافر ، وهذا قول ابن عباس ،
وقتادة ، وابن زيد .
والثاني : أنه خاص في المسلمين دون الكافر ، وهذا قول عطاء .
وقوله تعالى : ﴿ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ يعني الزيادة في الدعاء .
﴿ أُوْ رُدُّوهَا﴾ يعني بمثلها، وروى الحسن أن رجلًا سلّم على رسول الله
وَ* فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله وَلهر: ((وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ))،
ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي ◌ََّ: ((وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ
وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ)) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال
النبي وَّرَ: ((وَعَلَيْكُم)) فقيل: يا رسول الله رددت على الأول والثاني وقلت للثالث
وعليكم ، فقال: ((إِنَّ الأوَّلَ سَلّمَ وَأَبْقَى مِنَ التَّحِيَّةِ شَيئاً، فَرَدَدْتُ عَلَيِهِ بِأَحْسَنَ مِمَّا
جَاءَ بِهِ، كَذَلِكَ الثَّانِي، وإِنَّ الثَّالِثَ جَاءَ بِالتَّحِيَّةِ كُلُّهَا، فَرَدَدْتُ عَلَيهِ مِثْلَ
ذَلِكَ)) (٤٦١).
(٤٦١) مرسل وقد رواه ابن جرير (٥٨٩/٨) من حديث سلمان بنحوه . وزاد السيوطي في الدر
(١٨٨/٢) نسبته لأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وقال السيوطي
((بسند حسن)) لكن قال الهيثمي في المجمع (٣٣/٨) رواه الطبراني وفيه هشام بن لاحق قواه
النسائي وترك أحمد حديثه وبقية رجاله رجال الصحيح .
٥١٣
سورة النساء الآية - ٨٨ - ٩١
وقد قال ابن عباس : ترد بأحسن منها على أهل الإِسلام ، أو مثلها على أهل
الكفر، وروي عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لَا تَبْدَأُواْ الْيَهُودَ بِالسَّلَامِ فَإِنْ بَدَأُوكُم
فَقُولُواْ: عَلَيْكُم))(٤٦٢).
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾ فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني حفيظاً ، وهو قول مجاهد .
والثاني : محاسباً على العمل للجزاء عليه ، وهو قول بعض المتكلمين .
والثالث : كافياً ، وهو قول البلخي .
قوله تعالى: ﴿اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ وفي تسمية
القيامة قولان :
أحدهما : لأن الناس يقومون فيه من قبورهم .
والثاني : لأنهم يقومون فيه للحساب .
فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَفِقِينَ فِئَتَبْنِ وَاَللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْأَتْرِيدُ ونَ أَنْ تَهْدُ واْمَنْ
أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨) وَدُوْلَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ
فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَا نَتَّخِذُوْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِ سَبِيلِ الَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ
فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدَ ثُمُوهُمٍّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًا وَلَا نَصِيرًا
٨٩
◌َ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَّكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقُّ أَوْجَاءُ وَكُمْ حَصِرَتْ
صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَائِلُوكُمْ أَوْ يُقَئِلُواْ قَوَمَهُمّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ
فَلَقَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَ يُقَدِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْإِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَاجَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ
أَسَتَجِدُونَءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ
عَلَيْهِمْ سَبِيلًا
(٤٦٢) فمن حديث أبي هريرة رواه مسلم برقم (٢١٦٧) ولفظه (( لا تبدأو اليهود ولا النصارى بالسلام
وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)) ومن حديث أنس بلفظ ((إذا سلم عليكم أهل
الكتاب فقولوا وعليكم)) رواه البخاري (٣٦/١١) ومسلم رقم (٢١٦٣) وأبو داود رقم (٥٢٠٧)
والترمذي برقم ( ٣٢٩٦).
٥١٤
سورة النساء الآية - ٩١
مَارُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُوْكِسُواْ فِيهَا فَإِنِ لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُواْ
أَيْدِ يَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْذُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ
عَلَيْهِمْ سُلْطَانًّا مُبِينًا
٩١
قوله تعالى: ﴿ فَمَا لَكُم فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَينٍ ﴾ اختلف فيمن نزلت هذه الآية
بسببه على خمسة أقاويل :
أحدها: أنها نزلت في الذين تخلَّقُواْ عن رسول الله وَله يوم أحد، وقالوا:
لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ، وهذا قول زيد بن ثابت .
والثاني : أنها نزلت في قوم قَدِمُواْ المدينة فأظهروا الإِسلام ، ثم رجعوا إلى
مكة فأظهروا الشرك ، وهذا قول الحسن ، ومجاهد .
والثالث : أنها نزلت في قوم أظهروا الإِسلام بمكة وكانوا يعينون المشركين
على المسلمين ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة .
والرابع : أنها نزلت في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها نفاقاً ، وهذا
قول السدي .
والخامس : أنها نزلت في قوم من أهل الإِفك ، وهذا قول ابن زيد .
وفي قوله تعالى : ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ خمسة تأويلات:
أحدها : معناه ردهم ، وهذا قول ابن عباس .
والثاني : أوقعهم ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً .
والثالث : أهلكهم ، وهذا قول قتادة .
والرابع : أَضَلَّهم ، وهذا قول السدي .
والخامس : نكسهم ، وهذا قول الزجاج .
أَتْرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن تُسَمُّوهم بالهُدى وقد سمّاهم الله بالضلال عقوبة لهم .
والثاني : تهدوهم إلى الثواب بمدحهم والله قد أَضَلَّهم بذمهم .
٥١٥
سورة النساء الآية - ٩١
﴿ .... إِلَّا الّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾ أي يدخلون في
قوم بينكم وبينهم أمان فلهم منه مثل ما لكم .
قال عكرمة : نزلت في الهلال بن عويمر الأسلمي ، وسراقة بن مالك بن
جُعْثَم ، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف .
قال الحسن : هؤلاء بنو مُدْلِج كان بينهم وبين قريش عهد ، وبين رسول الله
وَ* [وقريش ](*) عهد، فحرم الله من بني مُذْلِج ما حرّم من قريش .
﴿ أَوْ جَاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ معنى
حصرت أي ضاقت ، ومنه حُصِرَ العدو وهو الضيق ، ومنه حصر العداة لأنهم قد
ضاقت عليهم مذاهبهم .
ثم فيه قولان :
أحدهما : أنه إخبارٌ من الله عنهم بأن صدورهم حَصِرتْ .
والثاني : أنه دعاء من الله عليهم بأن تُحصَرَ صدورهم ، وهذا قول أبي
العباس .
﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ﴾ وفي تسليطهم قولان :
أحدهما : بتقوية قلوبهم .
والثاني : بالإِذن في القتال ليدافعوا عن أنفسهم .
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : الصلح ، وهو قول الربيع .
والثاني : الإِسلام ، وهو قول الحسن .
﴿ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ قال الحسن ، وقتادة ، وعكرمة : هي
منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
قوله تعالى: ﴿ سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ هم
زيادة للإيضاح من تفسير القرطبي .
٥١٦
سورة النساء الآية - ٩٢، ٩٣
قوم يُظْهِرُونَ لقومهم الموافقة ليأمنوهم ، وللمسلمين الإِسلام ليأمنوهم ، وفيهم
أربعة أقاويل :
أحدها : أنهم أهل مكة ، وهذا قول مجاهد .
والثاني : أنهم من أهل تهامة ، وهذا قول قتادة .
والثالث : قوم من المنافقين ، وهذا قول الحسن .
والرابع : أنه نعيم بن مسعود الأشجعي ، وهذا قول السدي .
◌ِكُلَّ مَا رِدُوُّأْ إِلَى الْفِتْنَةِ أَرْكِسُواْ فِيهَا ﴾ أي كلما رُدُّوا إلى المحنة في إظهار
الكفر رجعوا فيه .
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا
فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَّةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّ أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِنِ
كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوِّلَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن
كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌّ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ،
وَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُجَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ.
وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا
٩٣
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّ خَطَأْ ﴾ اختلف فيمن نزلت
فيه هذه الآية على قولين :
أحدهما : أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل
لأمه قتل الحارث بن زيد من بني عامر بن لؤي، لأنه كان يعذب عياشاً مع أبي
جهل واختلف أين قتله ، فقال عكرمة ومجاهد : قتله بالحرّة بعد هجرته إلى المدينة
وهو لا يعلم بإسلامه ، وقال السدي : قتله يوم الفتح وقد خرج من مكة وهو لا يعلم
بإسلامه .
٥١٧
سورة النساء الآية - ٩٢، ٩٣
والقول الثاني : أنها نزلت في أبي الدرداء حين قتل رجلاً بالشعب فحمل
عليه بالسيف(٤٦٣)، فقال: لا إله إلا الله ، فبدر فضربه ثم وجد في نفسه فأتى
رسول الله ﴿ فذكر له، فقال رسول الله وَثِ: ((أَلَا شَقّقْتَ عَنْ قَلْبِهِ)) وهذا قول
ابن زيد . فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّ خَطَأْ ﴾ يعني وما
أَذِنَ الله لمؤمن أن يقتل مؤمناً .
ثم قال : ﴿إِلَّ خَطَأْ﴾ يعني أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس مما جعله
الله له ، وهذا من الاستثناء الذي يسميه أهل العربية : الاستثناء المنقطع ، ومنه
قول جرير :
من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ على الأرض إلّ رَيْط بُردٍ مرحّل (٤٦٤)
يعني ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد وليس البرد من الأرض .
﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنَاً خَطَأَّ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ وفيها قولان :
أحدهما : أنها لا يجزىء عتقها في الكفارة إلا أن تكون مؤمنة بالغة قد صلت
وصامت ، وهذا قول ابن عباس ، والشعبي ، والحسن ، وقتادة ، وإبراهيم .
والقول الثاني : أن الصغيرة المولودة من أبوين مسلمين تكون مؤمنة تجزىء
في الكفارة ، وهذا قول عطاء ، والشافعي .
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴾ في الدية وجهان :
أحدهما : أنها مجملة أخذ بيانها من رسول الله وله .
والثاني : أنها معهودة تقدم العمل بها ثم توجه الخطاب إليها فجعل الله الرقبة
تكفيراً للقاتل في ماله والدية بدلاً من نفس المقتول على عاقلته .
فَإِنْ كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٌّلَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أي إن كان قومه كفاراً وهو مؤمن ففي قتله تحرير رقبة مؤمنة وليس
فيه ديةُ ، وهو قول ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وابن زيد . قال ابن زيد : لا
تؤدى إليهم لأنهم يَتَقَوُّونَ بها.
(٤٦٣) رواه ابن جرير مطولاً (٣٤/٩) وهو كما ترى مرسل.
(٤٦٤) ديوانه (٤٥٧) ومجاز القرآن لأبي عبيدة (١٣٧/١)
٥١٨
سورة النساء الآية - ٩٢، ٩٣
والثاني : معناه فإن كان من قومٍ عدو لكم يعني أهل حرب إذا كان فيهم
مؤمن فَقُتِلَ من غير علم بإيمانه ففيه الكفارة دون الدية سواء كان وارثه مسلماً أو
كافراً وهذا قول الشافعي ، ويكون معنى قوله : ﴿ من قوم إلى قوم﴾، وعلى القول
الأول هي مستعملة على حقيقتها .
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىْ أَهْلِهِ
وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ فيهم ثلاثة أقاويل :
أحدها : هم أهل الذمة من أهل الكتاب ، وهو قول ابن عباس ، يجب في
قتلهم الدية والكفارة .
والثاني: هم أهل عهد رسول الله وَله من العرب خاصة، وهذا قول
الحسن .
والثالث : هم كل من له أمان بذمة أو عهد فيجب في قتله الدية والكفارة ،
وهو قول الشافعي .
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن الصوم بدل من الرقبة وحدها إذا عدمها دون الدية ، وهذا قول
الجمهور .
والثاني : أنه بدل من الرقبة والدية جميعاً عند عدمها ، وهذا قول مسروقٍ .
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَاً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ﴾ قال ابن
جريج : نزلت في مقيس بن صبابة(*)، وقد كان رجل من بني فهر قتل أخاه ،
فأعطاه النبي وَ ي الدية وضربها على بني النجار، فقبلها، ثم بعث رسول الله قوله
مقيس بن صبابة ومعه الفهري في حاجة فاحتمل مقيس الفهريٍّ وكان أيِّدا(*) فضرب
به الأرض ورضخ رأسه بین حجرين ثم ألقى يغني :
قتلت به فِهراً وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع
(*) وفي الطبري (
(*) يعني قوياً .
) ضبابة.
٥١٩
سورة النساء الآية - ٩٤
فقال رسول الله وَله: ((أَظُنُّهُ أَحْدَثَ حَدَثاً، أَمَا وَاللَّهِ لَئِن كَانَ فَعَلَ لَ أُؤَمِّنْهُ
فِي حِلٍ وَلاَ حَرَمٍ فَقُتِلَ عَامَ الفَتْحِ))(٤٦٥).
وروى سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس عن رسول الله وَله: ((وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِناً مُتَعمِدّاً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ... )) الآية، فقيل له: وإن تاب وآمن وعمل صالحاً .
قال وأنّى له التوبة(٤٦٦). قال زيد بن ثابت . فنزلت الشديدة بعد الهدنة بستة
أشهر ، يعني قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَاً مُّتَعَمّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ﴾
بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ
إِلاَّ بِالْحَقِّ ﴾ [الفرقان: ٦٨].
يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيِّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ
إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا
فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ
ج
عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
٩٤
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَّنُواْ
الآية . قيل إنها نزلت في رجل كانت معه غُنَيْمَاتٌ لقيته سريّة لرسول الله
وَية ، فقال لهم: السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فبدر إليه بعضهم
فقتله، فلما أتى رسول الله وَّر قال له: ((لِمَ قَتَلْتَهُ وَقَدْ أُسْلَمَ)) قال إنما قالها
تعوذاً، قال: ((هَلَّ شَقّقْتَ عَن قَلْبِهِ)) ثم حمل رسول الله وَّ ديته إلى أهله وردّ
عليهم غنمه (٤٦٣).
(٤٦٥) رواه الطبري عنه عن عكرمة (٦١/٩) في التفسير وفي التاريخ (٦٦/٣) والمرفوع منه فيه زيادة
لم يذكرها المؤلف هنا وهي لا أؤمنه في حل ولا حرم ولا سلم ولا حرب ، ونسبه السيوطي في الدر
(٦٢٣/٢) لابن أبي حاتم من قول سعيد بن جبير.
(٤٦٦) رواه الطبري (٦٤/٩) مختصراً برواية المؤلف ومطولاً (٦٣/٩) ونسب السيوطي الرواية المطولة
في الدر (٦٢٣/٢) لسعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن ماجه وعبد بن حميد وابن المنذر وابن
أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني من طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس .
(٤٦٧) رواه الطبري عن السدي (٧٨/٩) وبنحوه عن قتادة (٧٩/٩) وهناك رواية عن سعيد بن جبير
قال : خرج المقداد بن الأسود في سرية ... الحديث رواه الطبري (٨٠/٩ ).
٥٢٠