Indexed OCR Text
Pages 361-380
سورة البقرة الآية - ٢٨٤، ٢٨٥ ويكون ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ محمولاً على المسلمين، ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ محمولاً على الكافرين والمنافقين . والثالث : أنها ثابتة الحكم على العموم في مؤاخذته المسلمين بما حدث لهم في الدنيا من المصائب والأمور التي يحزنون لها ، ومؤاخذة الكافرين والمنافقين بعذاب الآخرة ، وهذا قول عائشة رضي الله عنها . والقول الثاني : أن حكم الآية في المؤاخذة بما أضمره الإِنسان وحدث به نفسه وإن لم يفعله منسوخ . واختلف من قال بنسخها فيما نسخت به على قولين : أحدهما : بما رواه العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال : أنزل الله ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ فاشتد ذلك على القوم فقالوا : يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نُحَدِّثُ به أنفسنا ، هلكنا ، فأنزل الله تعالى (٣٦٥): ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وهو أيضاً قول ابن مسعود . والثاني : أنها نسخت بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال(٣٦٦): لما نزلت هذه الآية ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء، فقال النبي ◌َّهُ: ((قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا)). قال: فألقى الله الإِيمان في قلوبهم، قال: فأنزل الله: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ) الآية. فقرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. فقال تعالى: قد فعلت. ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرَأَ كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾. قال: قد فعلت ﴿رَبِّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. قال: قد فعلت. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَىْ أَلْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال: قد فعلت. (٣٦٥) رواه الطبري (١٠٣/٦) مطولاً عما هنا ومسلم مطولاً أيضاً (٤٦/١ - ٤٧) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣٩) وأحمد برقم (٩٣٣٣) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وزاد السيوطي نسبته في الدر (١٢٧/٢) لأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم . (٣٦٦) رواه مسلم (٤٧/١) وأحمد في المسند برقم (٢٠٧٠) والحاكم في المستدرك (٢٨٦/٢) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والترمذي ( برقم ٢٩٩٢) والطبري (١٠٥/٦) برقم (٦٤٥٧) وزاد السيوطي في الدر (١٢٧/٢) نسبته للنسائي وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات . ٣٦١ سورة البقرة الآية - ٢٨٤، ٢٨٥ والذي أقوله فيما أضمره وحدّث به نفسه ولم يفعله إنه مُؤَاخَذ بمأثم الاعتقاد دون الفعل ، إلا أن يكون كَفَّه عن الفعل ندماً ، فالندم توبة تمحص عنه مأثم الاعتقاد . قوله عز وجل: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ ﴾ أما إيمان الرسول فيكون بأمرين : تَحمُّل الرسالة ، وإِبْلَاغ الأمة ، وأما إيمان المؤمنين فيكون بالتصديق والعمل . ﴿كُلِّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ . والإِيمان بالله يكون بأمرين : بتوحيده ، وقبول ما أنزل على رسوله . وفي الإِيمان بالملائكة وجهان : أحدهما : الإِيمان بأنهم رسل الله إلى أنبيائه . والثاني : الإِيمان بأن کل نفس منهم رقيب وشهيد . ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ قراءة الجمهور وقرأ حمزة : ﴿ وَكِتَابِهِ ﴾ فمن قرأ ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ فالمراد به جميع ما أنزل الله منها على أنبيائه . ومن قرأ: ﴿وَكِتَابِهِ﴾ ففيه وجهان : أحدهما : أنه عنى القرآن خاصة . والثاني : أنه أراد الجنس ، فيكون معناه بمعنى الأول وأنه أراد جميع الكتب والإِيمان بها والاعتراف بنزولها من الله على أنبيائه . وفي لزوم العمل بما فيها ما لم يرد نسخ قولان (٣٦٧): ثم فيما تقدم ذكره من إيمان الرسول والمؤمنين - وإن خرج مخرج الخبر - قولان : أحدهما : أن المراد به مدحهم بما أخبر من إيمانهم . والثاني : أن المراد به أنه يقتدي بهم مَنْ سواهم . ثم قال تعالى : ﴿لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ يعني في أن يؤمن ببعضهم (٣٦٧) يعني بالقولين أي قول بلزوم العمل بما فيها وقول بعدم اللزوم . ٣٦٢ سورة البقرة الآية - ٢٨٦ دون بعض ، كما فعل أهل الكتاب ، فيلزم التسوية بينهم في التصديق ، وفي لزوم التسوية في التزام شرائعهم ما قدمناه من القولين ، وجعل هذا حكاية عن قولهم وما تقدمه خبراً عن حالهم ليجمع لهم بين قول وعمل وماض ومستقبل . ﴿ وَقَالُواْ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي سمعنا قوله وأطعنا أمره . ويحتمل وجهاً ثانياً : أن يراد بالسماع القبول ، وبالطاعة العمل . غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ معناه نسألك غفرانك ، فلذلك جاء به منصوباً . وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ يعني إلى جزائك . ويحتمل وجهاً ثانياً : يريد به إلى لقائك لتقدم اللقاء على الجزاء . لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتُّ رَبَّنَالَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَابِهٌٍ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِين ٢٨ قوله عز وجل : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ يعني طاقتها، وفيه وجهان : أحدهما : وعدٌ من الله لرسوله وللمؤمنين بالتفضل على عباده ألاَّ يكلف نفساً إلا وسعها . والثاني : أنه إخبار من النبي و 98 ومن المؤمنين عن الله، على وجه الثناء عليه ، بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها . ثم قال : ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ يعني لها ما كسبت من الحسنات ، وعليها ما اكتسبت يعني من المعاصي . وفي كسبت واكتسبت وجهان : أحدهما : أن لفظهما مختلف ومعناهما واحد . والثاني : أن كسبت مستعمل في الخير خاصة ، واكتسبت مستعمل في الشر خاصّة . ٣٦٣ سورة البقرة الآية - ٢٨٦ ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نُّسِينَآً﴾ قال الحسن : معناه: قولوا ربنا لا تؤاخذنا . ﴿ إِن نُسِينَا ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يعني إن تناسينا أمرك . والثاني: تركنا، والنسيان: بمعنى الترك كقوله تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَتَسِيَهُمْ ﴾ [التوبة: ٦٧]، قاله قطرب. ﴿ أَوْ أَخْطَأُنَا ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : ما تأولوه من المعاصي بالشبهات . والثاني : ما عمدوه من المعاصي التي هي خطأ تخالف الصواب . وقد فَرَّقَ أهل اللسان بين ((أخطأ)) وخطيء، فقالوا: ((أخطأ)) يكون على جهة الإِثم وغير الإِثم، وخطىء : لا يكون إلا على جهة الإِثم ، ومنه قول الشاعر : والناس يَلْحُون الأميرَ إذا هُمُ خطئوا الصوابَ ولا يُلام المرْشدُ (٣٦٨) ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرَأَ﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها : إصراً أي عهداً نعجز عن القيام به ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة . الثاني : أي لا تمسخنا قردة وخنازير ، وهذا قول عطاء . الثالث : أنه الذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة ، قاله ابن زيد . الرابع : الإِصر : الثقل العظيم ، قاله مالك ، والربيع، قال النابغة: يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإِصر عنهم بعدما عرضوا(*) ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ﴾ يعني بني إسرائيل فيما حملوه مِن قتل أنفسهم . (٣٦٨) هو عبيد الله بن الأبرص الأسدي والبيت في ديوانه (٥٤) والبيت فيه والناس يلحون الأمير إذا غوى ... خطب الصواب ... (*) ديوان النابغة : ٣٦٤ سورة البقرة الآية - ٢٨٦ .. وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ فيه قولان : أحدهما : ما لا طاقة لنا به مماكُلُّفَهُ بنو إسرائيل . الثاني : ما لا طاقة لنا به من العذاب . وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا﴾ فيه وجهان : أحدهما : مالكنا . الثاني : وَلِيُّنا وناصرنا . فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ روى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ قال الله تعالى : قد غفرت لكم ، فلما قرأ : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله تعالى: لا أؤاخذكم . فلما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرَأْ كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال الله تعالى: لا أحمل عليكم. فلما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لَ طَاقَةً لَنَا بِهِ ﴾ قال الله تعالى: لا أحملكم. فلما قرأ: ﴿وَأَعْفُ عَنَّا﴾ قال الله تعالى : قد عفوت عنكم . فلما قرأ : ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا﴾ قال الله تعالى: قد غفرت لكم . فلما قرأ: وأَرْحَمْنَا﴾ قال الله تعالى: قد رحمتكم. فلما قرأ: ﴿فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ قال الله تعالى : قد نصرتكم . وروى مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر الجهني (٣٦٩) قال: سمعت رسول اللهِ وَ يقول: ((اقْرَؤُوا هَاتَّيْنِ الآيَتَيْنِ مِنْ خَاتِمَةِ البَقَرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَىْ أَعْطَانِيهَا مِن تَحتِ العَرْشِ )». وروى أبو سعيد الخدري(٣٧٠) قال: قال رسول الله وَّةِ: ((السُّورةُ الَّتِي (٣٦٩) رواه الإمام أحمد في مسنده (١٥٨/٤) وحَسَّنَ إسنادَه ابن كثير في التفسير (٦٠٥/١) وفي سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث لكن للحديث شواهد يرتقي بها إلى الحسن ذكرها الحافظ ابن كثير في التفسير فراجعها هناك . (٣٧٠) رواه الديلمي في مسند الفردوس برقم (٣٣٧٦) وفي سنده إسماعيل بن زياد الشامي ويقال ابن أبي زياد نقل الذهبي في الميزان (٢٣١/١) عن الدارقطني أنه قال: متروك يضع الحديث. وذكره صاحب الجامع الصغير ورمز له بالضعف (١٤٩/٤) وقال ابن عدي: منكر الحديث وقال ابن = ٣٦٥ سورة البقرة الآية - ٢٨٦ تُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرةُ فُسْطَاطُ القُرْآنِ ، فَتَعَلَّمُوهَا فَإِنَّ تَعلِيمَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ، وَلَ يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ قِيلَ : وَمَنِ الْبَطَلَةُ؟ قَالَ: السّحَرَةُ )). = حبان: شيخ دجال لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه . والحديث رواه الدارمي (٤٤٦/٢) موقوفاً على خالد بن معدان وقال فيه: حدثنا أبو المغيرة عن عبدة عن خالد قال : .... فذكر مثله . لكن الحديث صح من رواية أبي أمامة مرفوعاً بلفظ ((اقرأوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة )). وقال معاوية أحد رواته: البطلة: السحرة رواه مسلم ( برقم ٨٠٤ ) ضمن حديث طويل. ٣٦٦ سورة آل عمران الآية - ١ - ٤ ـريبها ٣ ◌ُورَةُ الِ عِشْرَانَ آياتها بِسْمِ اللهِ الرَّحَضَنِ الزَّحِيمِ صلى نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا ٢ اُللَّهُلَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ ١ الْمـ مِن قَبْلُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَأَنْزَ الْفُرُقَانُّ إِنَّ الَّذِينَ ٣ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنِيلُ! كَفَرُواْ ◌ِئَايَتِ الَّهِلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزٌِ ذُواْ نِقَامٍ ٤ ﴿ الَّ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقد ذكرنا تفسير ذلك من قبل . فإن قيل: ﴿الَّ﴾ اسم من أسماء الله تعالى كان قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾ نعتاً للمسمى به، وتفسيره أن ﴿ الَمَ﴾ هو الله لا إله إلا هو . وإن قيل : إنه قسم كان واقعاً على أنه سبحانه لا إله إلا هو الحي القيوم ، إثباتاً لكونه إلهاً ونفياً أن يكون غيره إلهاً . وإن قيل بما سواهما من التأويلات كان ما بعده مبتدأ موصوفاً ، وأن الله هو الذي لا إله إلا هو الحي القيوم . ونزلت هذه الآية إلى نيف وثمانين آية من السورة في وفد نجران من النصارى لما جاؤوا يحاجّون النبي وَ ﴿ وكانوا أربعة عشر رجلاً من أشرافهم. ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : بالعدل مما استحقه عليك من أثقال النبوة . ٣٦٧ سورة آل عمران الآية - ٦،٥ والثاني : بالعدل فيما اختصك به من شرف الرسالة . وإن قيل بأنه الصدق ففيه وجهان : أحدهما : بالصدق فيما تضمنه من أخبار القرون الخالية والأمم السالفة . والثاني : بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على طاعته ، والوعيد بالعقاب على معصيته . ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي لما قبله من كتاب ورسول ، وإنما قيل لما قبله بَيْنَ یَدَيْهِ ﴾ لأنه ظاهر له کظهور ما بین یدیه . وفي قوله: ﴿ مُصَدِّقاً لُّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ قولان: أحدهما : معناه مخبراً بما بين يديه إخبار صدق دل على إعجازه . والثاني : معناه أنه يخبر بصدق الأنبياء فيما أتوا به على خلاف من يؤمن ببعض ویکفر ببعض . قوله عز وجل: ﴿ ... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ فيه وجهان: أحدهما : بدلائله وحججه . والثاني : بآيات القرآن ، قال ابن عباس يريد وفد نجران حين قَدِموا على رسول الله وَ# لمحاجّته . ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ يعني عذاب جهنم. وَآللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : في امتناعه . الثاني : في قدرته . ﴿ ذُو انتِقَامِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : ذو سطوة . والثاني : ذو اقتضاء . هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ ۵ إِنَّ اللَّهَ لَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَآءِ لى هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ ٦ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٣٦٨ سورة آل عمران الآية - ٧ - ٩ اُلْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ مُحْكَمَكُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتْ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَةُ: إِلَّا اللَّهُ وَالزَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَا بِهِ، كُلِّمِنْ عِنْدِ رَيْنَاً وَمَا يَذَّكٍَّ إِلَّ رَبَّنَا لَا تُزِعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَ يْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ ٧ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ أَنْتَ الْوَهَّابُ جَرَبَّا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لََّ رَيْبَ فِيَةٍ إِنَّ اللَّهَلَا يُخْلِفُ ٩ اٌلْمِيعَادَ قوله عز وجل : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن . ﴿مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأَخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ اختلف المفسرون في تأويله على سبعة أقاويل : أحدها : أن المحكم الناسخ ، والمتشابه المنسوخ ، قاله ابن عباس ، وابن مسعود . والثاني : أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه ، قاله مجاهد . والثالث : أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً ، والمتشابه ما احتمل أوجهاً ، قاله الشافعي ومحمد بن جعفر بن الزبير . والرابع : أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه ، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه ، قاله ابن زید . والخامس : أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد ، والمتشابه القصص والأمثال . والسادس : أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره ، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه ، كقيام الساعة ، وطلوع الشمس من مغربها ، وخروج عيسى ونحوه ، وهذا قول جابر بن عبد الله . والسابع : أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال . ٣٦٩ سورة آل عمران الآية - ٧ - ٩ ويحتمل ثامناً : أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة ، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة ، كأعداد الصلوات ، واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان . وإنما جعله محكماً ومتشابهاً استدعاء للنظر من غير اتكال على الخبر ، وقد روى معاذ بن جبل عن النبي و # أنه قال: ((القرآن على ثلاثة أجزاء : حلال فاتبعه ، وحرام فاجتنبه ، ومتشابه يشكل عليك فَكِلْه إلى عالمه))(٣٧١). وأما قوله تعالى: ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. ففيه وجهان : أحدهما : أصل الكتاب . والثاني : معلوم الكتاب . وفيه تأويلان : أحدهما : أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود ، قاله يحيى بن يعمر . والثاني : أنه أراد فواتح السُّوّر التي يستخرج منها القرآن ، وهو قول أبي فاختة . ويحتمل ثالثاً : أن يريد به أنه معقول المعاني لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه ، فيصير الأصل لفروعه كالأم لحدوثها عنه ، فلذلك سماه أم الكتاب . فَأُمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَنْغٌ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : ميل عن الحق . والثاني : شك ، قاله مجاهد . فَتَِّعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أنه الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من الحروف المقطعة من حساب الجُمّل في انقضاء مدة النبي ◌َّر. والثاني : أنه معرفة عواقب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته . (٣٧١) لم أهتدٍ إلى تخريجه لكن ورد معناه من أحاديث أخرى انظرها في الدر المنثور. (١٤٩/٢، ١٥٠ وما بعدهما ). ٣٧٠ سورة آل عمران الآية - ٧ - ٩ والثالث: أن ذلك نزل في وفد نجران (٣٧٢) لَمَّا حاجّوا النبي (وَ لّ في المسيح، فقالوا: أليس كلمة الله وروحه؟ قال: ((بلى))، فقالوا: حسبنا ، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ وهو قول الربيع . وفي قوله تعالى: ﴿ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أربعة تأويلات: أحدها : الشرك ، قاله السدي . والثاني : اللّبْس (٣٧٣)، قاله مجاهد . الثالث : الشبهات التي حاجّ بها وفد نجران . والرابع : إفساد ذات البَيْن . : وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ في التأويل وجهان : أحدهما : أنه التفسير . والثاني : أنه العاقبة المنتظرة . وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّ اللَّهُ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : أحدها: تأويل جميع المتشابه، لأن فيه ما يعلمه الناس، وفيه ما لا يعلمه إلا الله، قاله الحسن. والثاني : أن تأويله يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد ، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّ تَأْوِيلَهُ يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] يعني يوم القيامة، قاله ابن عباس. (٣٧٢) حديث الربيع : أخرجه ابن جرير (١٨٦/٦) ونسبه السيوطي في الدر (١٥٠/٢ ) لابن أبي حاتم وهو حديث معضل . (٣٧٣) قال الإِمام أبو جعفر الطبري (١٩٨/٦) رحمه الله ((هذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك فإنه معنيّ بها كل مبتدع في دين الله بدعة)) فمال قلبه إليها ، تأويلاً منه لبعض متشابه آي القرآن ثم حاج به أهل الحق وعدل عن الواضح من أدلة آيه المحكمات ، ارادةً منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين ، وطلب لعلم تأويل ، ماتشابه عليه من ذلك ، كائناً من كان ، وأي أصناف المبتدعة كان من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية أو كان سبئياً أو حرورياً أو قدرياً، أو جهمياً . اهـ)). ٣٧١ سورة آل عمران الآية - ١٠، ١١ والثالث : تأويله وقت حلوله ، قاله بعض المتأخرين . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : يعني الثابتين فيه ، العاملين به . والثاني : يعني المستنبطين للعلم والعاملين ، وفيهم وجهان : أحدهما : أنهم داخلون في الاستثناء ، وتقديره : أن الذي يعلم تأويله الله والراسخون في العلم جميعاً . روى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال : أنا ممن يعلم تأويله . الثاني : أنهم خارجون من الاستثناء ، ويكون معنى الكلام : ما يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم استأنف فقال: ﴿وَالرَّاسَخِونَ فِي الْعِلْمِ ﴾. ﴿ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٍّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : علم ذلك عند ربنا . والثاني : ما فصله من المحكم والمتشابه ، فنزل من عند ربنا . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِى عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [ كَدَأْبِءَالٍ فِْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ ١٠ ◌ِثَايَتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ قوله عز وجل : ﴿ كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : أن الدأب : العادة ، ( أي ) كعادة آل فرعون والذين من قبلهم . والثاني : أن الدأب هنا الاجتهاد ، مأخوذ من قولهم : دأبت في الأمر ، إذا اجتهدت فيه . فإذا قيل إنه العادة ففيما أشار إليه من عادتهم وجهان : أحدهما : كعادتهم في التكذيب بالحق . والثاني : كعادتهم من عقابهم على ذنوبهم . ٣٧٢ سورة آل عمران الآبة - ١٢، ١٣ وإذا قيل إنه الاجتهاد ، احتمل ما أشار إليه من اجتهادهم وجهين : أحدهما : كاجتهادهم في نصرة الكفر على الإِيمان . والثاني : كاجتهادهم في الجحود والبهتان . وفيمن أشار إليهم أنهم كدأب آل فرعون قولان: أحدهما : أنهم مشركو قريش يوم بدر ، كانوا في انتقام الله منهم لرسله والمؤمنين ، كآل فرعون في انتقامه منهم لموسى وبني إسرائيل ، فيكون هذا على القول الأول تذكيراً للرسول والمؤمنين بنعمة سبقت ، لأن هذه الآية نزلت بعد بدر استدعاء لشكرهم عليها ، وعلى القول الثاني وعداً بنعمة مستقبلة لأنها نزلت قبل قتل يهود بني قينقاع ، فحقق وعده وجعله معجزاً لرسوله . قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمُ وَبِفْسَ الْمِهَادُ ١٢ صى قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ اُلْتَقَتَافِئَةُ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَّـ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ قوله عز وجل: ﴿ قُل لَّلَّذِينَ كَفَرُ واْ سَتُغْلَبُونَ ﴾ الآية . في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال : أحدها : أنها نزلت في قريش قبل بدر بسنة ، فحقق الله قوله ، وصدق رسوله ، وأنجز وعده بمن قتل منهم يوم بدر ، قاله ابن عباس ، والضحاك . والثاني : أنها نزلت في بني قينقاع لمَّا هلكت قريش يوم بدر ، فدعاهم النبي وَل* إلى الإِسلام، وحذرهم مثل ما نزل بقريش، فأبوا وقالوا : لسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون الناس ، فأنزل الله فيهم هذه الآية ، قاله قتادة ، وابن إسحاق . والثالث : أنها نزلت في عامة الكفار . وفي الغلبة هنا قولان : أحدهما : بالقهر والاستيلاء ، إن قيل إنها خاصة . ٣٧٣ سورة آل عمران الآية - ١٢، ١٣ والثاني : بظهور الحجة ، إن قيل إنها عامة . وفي ﴿ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ قولان : أحدهما : بئس ما مهدوا لأنفسهم ، قاله مجاهد . والثاني : معناه بئس القرار ، قاله الحسن . وفي بئس وجهان : أحدهما : أنه مأخوذ من البأس ، وهو الشدة . والثاني : أنه مأخوذ من البأساء وهو الشر . قوله عز وجل : ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فَِيْنِ الْتَقْنَافِئَةُ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يعني المؤمنين من أهل بدر . ◌ٍ وَأُخْرَىْ كَافِرَةٌ ﴾ يعني مشركي قريش . ﴿يَرَونَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأَيَ الْعَيْنِ ﴾ وفي مثلیھم قولان : أحدهما : أنهم مثلان زائدان على العدد المُتَحَقّق ، فيصير العدد ثلاثة أمثال ، قاله الفراء . والثاني : هو المزيد في الرؤية ، قاله الزجاج. اختلفوا في المخاطب بهذه الرؤية على قولين : أحدهما : أنها الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله ، بأن أراهم الله مشركي قريش يوم بدر مثلي عدد أنفسهم ، لأن عدة المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وعدة المشركين في رواية عليٍّ وابن مسعود ألف ، وفي رواية عروة ، وقتادة ، والربيع ما بين تسعمائة إلى ألف ، فقلّلهم الله في أعينهم تقوية لنفوسهم ، قاله ابن مسعود ، والحسن . والثاني : أن الفئة التي أراها الله ذلك هي الفئة الكافرة ، أراهم الله المسلمين مثلي عددهم مكثراً لهم ، لتضعف به قلوبهم . والآية في الفئتين هي تقليل الكثير في أعين المسلمين ، وتكثير القليل في أعين المشركين ، وما تقدم من الوعد بالغلبة ، فتحقق ، قتلاً، وأسراً ، وسبياً . ٣٧٤ سورة آل عمران الآية - ١٤، ١٥ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ﴾ يعني من أهل طاعته . وفي التأييد وجهان : أحدهما : أنه المعونة . والثاني : القوة . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : أن في نصرة الله لرسوله يوم بدر مع قلة أصحابه عبرة لذوي البصائر والعقول . والثاني : أن فيما أبصره المشركون من كثرة المسلمين مع قلتهم عبرة لذوي الأعين والبصائر . زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَاُلْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَاُلْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ قُلْ أَؤُنَّبِّئُكُمْ ١٤ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسُْ الْمَئَابِ ج بِخَيْرٍ مِّنِ ذَالِكُمْ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنٌَّ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَرٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ ١٥ بِالْعِبَادِ قوله عز وجل: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ معنى زين: أي حُسِّن حب الشهوات ، والشهوة من خَلْق الله في الإِنسان ، لأنها ضرورة لا يقدر على دفعها . وفي المُزَيِّن لحب الشهوات ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه الشيطان ، لأنه لا أحد أشد ذَمًّا لها من الله تعالى الذي خَلَقَها ، قاله الحسن . الثاني : تأويل أن الله زين حب الشهوات لِمَا جعله في الطبائع من المنازعة كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا ﴾ [الكهف: ٧]، قاله الزجاج. والثالث : أن الله زين من حبها ما حَسُن ، وزين الشيطان من حبها ما قَبْح . ٣٧٥ سورة آل عمران الآية - ١٤، ١٥ وَالْقَنَّاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ ﴾ اختلفوا في مقدار القنطار على سبعة أقاويل: أحدها : أنه ألف ومائتا أوقية ، وهو قول معاذ بن جبل ، وأبي هريرة ورواه زر بن حبيش عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله وَلَ: ((القِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوْقِيَّةٍ)» (٣٧٤). والثاني : أنه ألف ومائتا دينار ، وهو قول الضحاك ، والحسن ، وقد رواه الحسن عن النبي وقال :(٣٧٥). والثالث : أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار ، وهو قول ابن عباس . والرابع : أنه ثمانون ألفاً من الدراهم ، أو مائة رطل من الذهب ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وقتادة . والخامس : أنه سبعون ألفاً ، قاله ابن عمر ، ومجاهد . والسادس : أنه ملء مسك ثور ذهباً ، قاله أبو نضرة . والسابع : أنه المال الكثير ، وهو قول الربيع . وفي ﴿ المُقَنْطَرَةِ ﴾ خمسة أقاويل : أحدها : أنها المضاعفة ، وهو قول قتادة . والثاني : أنها الكاملة المجتمعة . والثالث : هي تسعة قناطير ، قاله الفراء . والرابع : هي المضروبة دراهم أو دنانير ، وهو قول السدي . والخامس : أنها المجعولة كذلك ، كقولهم دراهم مدرهمة . ويحتمل وجهاً سادساً : أن القناطير المذكورة مأخوذة من قنطرة الوادي ، إما لأنها بتركها مُعَدَّة كالقناطر المعبورة ، وإما لأنها معدة لوقت الحاجة ، والقناطير (٣٧٤) رواه الطبري في التفسير (٢٤٥/٦) وسنده ضعيف ففيه مخلد بن عبد الواحد قال فيه ابن حبان: منكر الحديث جداً وقال أبو حاتم: ضعيف (٣٤٨/١/٤) الجرح والتعديل وفيه أيضاً علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف وعطاء بن أبي ميمونة وَتَّقَهُ أبو زرعة والنسائي وقال أبو حاتم فيه: لا يحتج بحديثه وكان قدرياً وقال ابن عدي : في أحاديثه بعض ما ينكر عليه وقال ابن كثير (٣٥١/١ ) وهذا حدیث منکر . أ. هـ. (٣٧٥) ولکنه حدیث مرسل رواه ابن جرير (٢٤٥/٦) والمرسل من قسم الضعيف ٣٧٦ سورة آل عمران الآية - ١٦، ١٧ مأخوذة من عقد الشيء وإحكامه كالقنطرة . وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ ﴾ فيها خمسة تأويلات : أحدها : أنها الراعية ، قاله سعيد بن جبير ، والربيع ، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَفِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أي ترعون. والثاني : أن المسومة الحسنة ، قاله مجاهد ، وعكرمة ، والسدي . والثالث : أنها المعلَّمة ، قاله ابن عباس ، وقتادة . والرابع : أنها المعدة للجهاد ، قاله ابن زيد . والخامس : أنها من السيما مقصور وممدود ، قاله الحسن ، قال الشاعر(٣٧٦): غلامٌ رماه اللّهُ بالحُسْن يافعاً له سيمياء لا تَشُقُّ على البصر والأنْعَامِ ﴾ هي الإِبل، والبقر، والغنم من الضأن والمعز، ولا يقال النعم لجنس منها على الإنفراد إلا للإِبل خاصة . وَالْحَرْثِ ﴾ هو الزرع . ويحتمل وجهاً ثانياً : أن يريد أرض الحرث لأنها أصل ، ويكون الحرث بمعنى المحروث . الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبََّآ إِنَّنَاَءَ امَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ١٦ الصَّبِينَ وَالصَّدِّقِينَ وَاُلْقَنِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَاَلْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ قوله عز وجل : ﴿الصَّابِرِينَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها : الصابرين عما نهوا عنه من المعاصي . والثاني : يعني في المصائب . (٣٧٦) هو أسيد بن عنقاء الفزاري . انظر : اللسان مادة [ سام ]. ٣٧٧ سورة آل عمران الآية - ١٨ - ٢٠ والثالث : الصائمين . ويحتمل رابعاً : الصابرين عما زُيِّن للناس من حب الشهوات . وَالصَّادِقِينَ ﴾ فيه وجهان : أحدهما : في قولهم . والثاني في القول والفعل والنيَّة، والصدق في القول: الإخبار بالحق ، والصدق في الفعل : إتمام العمل ، والصدق في النية : إمضاء العزم . وَالْقَانِتِينَ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : يعني المطيعين ، قاله قتادة . والثاني : معناه القائمون على العبادة ، قاله الزجاج . وَالْمُنفِقِينَ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : في الجهاد . والثاني : في جميع البِّ. وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : يعني المصلّين بالأسحار ، قاله قتادة . والثاني : أنهم المستغفرون قولاً بالأسحار يسألون الله تعالى المغفرة ، قاله ابن عمر ، وابن مسعود وأنس بن مالك . والثالث : أنهم يشهدون الصبح في جماعة ، قاله زيد بن أسلم . والسحر من الليل هو قبيل الفجر . شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَإِلَّ هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَبِمًا بِالْقِسْطَّ لَا إِلَهَإِلَا ج إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ وَمَا أُخْتَلَفَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فِّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَّا بَيْنَهُمْ وَمَنْ فَإِنْ حَجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ يَكْفُرْ بَايَتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ اللَّه وَجْهِىَ لَّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِّ وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِِّنَ ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ ٣٧٨ سورة آل عمران الآية - ٢٠ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَ وَأَوَ إِنْ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَاللَّهُ بَصِيرً بِالْعِبَادِ ٢٠ قوله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾ في هذه الشهادة من الله ثلاثة أقاويل : أحدها : بمعنى قضى الله أنه لا إله إلا هو . والثاني : يعني بَيَّنَ الله أنه لا إله إلا هو . والثالث : أنها الشهادة من الله بأنه لا إله إلا هو . ويحتمل أمرين : أحدهما : أن يكون معناها الإِخبار بذلك ، تأكيداً للخبر بالمشاهدة ، كإخبار الشاهد بما شاهد ، لأنه أوكد للخبر . والثاني : أنه أحدث من أفعاله المشاهدة ما قامت مقام الشهادة بأن لا إله إلا هو ، فأما شهادة الملائكة وأولي العلم ، فهي اعترافهم بما شاهدوه من دلائل وحدانيته . قَائِماً بِالْقِسْطِ ﴾ أي بالعدل . ويحتمل قيامه بالعدل وجهین : أحدهما : أن يتكفل لهم بالعدل فيهم ، من قولهم قد قام فلان بهذا الأمر إذا تكفل به ، فيكون القيام بمعنى الكفالة . والثاني : معناه أن قيام ما خلق وقضى بالعدل أي ثباته ، فيكون قيامه بمعنى الثبات . قوله عز وجل : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ فيه وجهان : أحدهما : أن المتدين عند الله بالإِسلام من سلم من النواهي . والثاني : أن الدين هنا الطاعة ، فصار كأنه قال : إن الطاعة لله هي الإِسلام . وفي أصل الإِسلام قولان : ٣٧٩ سورة آل عمران الآية - ٢٠ أحدهما : أن أصله مأخوذ من السلام وهو السلامة ، لأنه يعود إلى السلامة . والثاني : أن أصله التسليم لأمر الله في العمل بطاعته . وَمَا أَخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ في أهل الكتاب الذين اختلفوا ثلاثة أقاويل : أحدها : أنهم أهل التوراة من اليهود ، قاله الربيع . والثاني : أنهم أهل الإِنجيل من النصارى ، قاله محمد بن جعفر بن الزبير . والثالث : أنهم أهل الكتب كلها ، والمراد بالكتاب الجنس من غير تخصیص ، وهو قول بعض المتأخرين. وفيما اختلفوا فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : في أديانهم بعد العلم بصحتها . والثاني : في عيسى وما قالوه فيه من غلو وإسراف . والثالث : في دين الإِسلام . وفي قوله تعالى : ﴿بَغْياً بَيْتَهُمْ ﴾ وجهان : أحدهما : طلبهم الرياسة . والثاني : عدولهم عن طريق الحق . قوله عز وجل: ﴿فَإِنْ حَاجٌوَكَ فَقُلْ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ الآية. فيه وجهان : أحدهما : أي أسلمت نفسي ، ومعنى أسلمت : انقدت لأمره في إخلاص التوحيد له . والثاني : أن معنى أسلمت وجهي : أخلصت قصدي إلى الله في العبادة ، مأخوذ من قول الرجل إذا قصد رجلاً فرآه في الطريق هذا وجهي إليك ، أي قصدي . ﴿ وَآلْأَمِّيِّينَ ﴾ هم الذين لا كتاب لهم ، مأخوذ من الأمي الذي لا يكتب ، قال ابن عباس : هم مشركو العرب . ءَأَسْلَمْتُمْ﴾ هو أمر بالإِسلام على صورة الاستفهام. ٣٨٠