Indexed OCR Text

Pages 281-300

سورة البقرة الآية - ٢٢١
(٢٢١)
وَيُبَيِّنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَرُونَ
قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِّنَّ﴾ اختلفوا فيها على ثلاثة
أقاويل :
أحدها : أنها في جميع المشركات الكتابيات وغير الكتابیات ، وأن حكمها
غير منسوخ ، فلا يجوز لمسلم أن ينكح مشركة أبداً، وذكر أن طلحة بن عبيد الله
نكح يهودية ، ونكح حذيفة نصرانية ، فغضب عمر بن الخطاب غضباً شديداً ،
حتى كاد يبطش بهما ، فقالا نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب ، فقال : لئن
حل طلاقهن لقد حل نكاحهن، ولكن ينزعن منكم صغرَةً قمأةً .
والثاني : أنها نزلت مراداً بها مشركات العرب ، ومن دان دين أهل الكتاب ،
وأنها ثابتة لم ينسخ شيء منها ، وهذا قول قتادة ، وسعيد بن جبير .
والثالث : أنها عامة في جميع المشركات ، وقد نسخ منهن الكتابيات ، بقوله
تعالى في المائدة : ﴿وَالْمُحْصَنَاتِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم﴾.
وقد روى الصلت بن بهرام ، عن سفيان قال : تزوج حذيفة بن اليمان
يهودية ، فكتب إليه عمر بن الخطاب : خلِّ سبيلها ، فكتب إليه أتزعم أنها حرام
فأخلى سبيلها ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام ، ولكني أخاف أن تقاطعوا المؤمنات
منهن ، والمراد بالنكاح التزويج ، وهو حقيقة في اللغة ، وإن كان مجازاً في
الوطء ، قال الأعشى :
ولا تقربن جارةً إنّ سِرّها عليك حرام فانكحن أو تأبدا
أي فتزوج أو تعفف .
قوله تعالى: ﴿وَلِأُمَّةٌ مُؤْمِنَةً خَيرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ ﴾ يعني ولنكاح أمة مؤمنة ، خير
من نكاح حرة مشركة من غير أهل الكتاب وإنْ شَرُف نسبها وكَرُم أصلها ، قال
السدي : نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة ، كانت له أمة سوداء ، فلطمها في
غضب، ثم ندم، فأتى النبي وَ الر فأخبره، فقال: ((ما هي يا عبد الله)) قال:
تصوم ، وتصلَّي، وتحسن الوضوء، وتشهد الشهادتين ، فقال رسول الله: ((هَذِه
٢٨١

سورة البقرة الآية - ٢٢٢، ٢٢٣
مُؤْمِنَةٌ ))(٣٠٦). فقال ابن رواحة : لأعتقنها ولأتزوجنها ، ففعل فطعن عليه ناس من
المسلمين ، فأنزل الله تعالى هذا .
وَلَو أَعْجَبَتْكُمْ﴾ يعني جمال المشركة وحسبها ومالها.
وَلَ تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ هذا على عمومه إجماعاً، لا يجوز
المسلمة أن تنكح مشركاً أبداً. روى الحسن عن جابر قال: قال رسول الله الطيار:
((تَتَزَوَّجُ نِسَاءَ أهْلِ الكِتَابِ وَلَ يَتَزَوَّجُونَ نِسَاءَنَا))(٣٠٧).، وفي هذا دليل على أن
أولياء المرأة أحق بتزويجها من المرأة .
وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَاعْتَزِلُواْالنِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِّ وَلَا
نَقْرَبُوهُنَّ حَّ يَطْهُرْنٌّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ لْمُتَطَهِّرِينَ انِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوْ حَرَتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
وَقَدِّمُوْ لِأَنْفُسِكُ وَأَثَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُم مُّلَقُوهُ وَبَشِِّ الْمُؤْمِنِينَ
٢٣
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى﴾ قال السدي: السائل
كان ثابت بن الدحداح الأنصاري ، وكانت العرب ومن في صدر الإِسلام من
المسلمين يجتنبون مُساكنة الحُيَّض ومؤاكلتهن ومشاربتهن، فسألوا رسول الله الصادر ،
فنزلت هذه الآية ، وهذا قول قتادة . وقال مجاهد : كانوا يعتزلون الحُيّض في
الفرج ، ويأتونهن في أدبارهن مدة حيضهن ، فأنزلت هذه الآية ، والأذى هو ما
يؤذي من نتن ريحه ووزره ونجاسته .
(٣٠٦) رواه الطبري (٣٦٨/٤) بسنده عن السدي فالحديث معضل.
(٣٠٧) رواه الطبري (٣٦٧/٤) برقم (٤٢٢٤) وهو حديث سنده ضعيف ففي سنده شريك بن عبد الله
وهو صدوق له أغلاط وأشعث بن سوار ضعفه غير واحد من أهل العلم .
والحسن عن جابر . وقيل لم يسمع الحسن من جابر كما في المراسيل لابن أبي حاتم وعلى فرض
سماعه من جابر فقد عنعن الحسن الحديث ولم يصرح بالتحديث وهو مدلس هذا وقد ورد الحديث
موقوفاً على جابر وهو أصح رواه الشافعي في الأم (٦/٥) والبيهقي من طريق الشافعي (١٧٢/٧)
فالحديث صح موقوفاً عن جابر ولم يصح مرفوعاً .
٢٨٢

سورة البقرة الآية - ٢٢٢، ٢٢٣
فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾ اختلفوا في المراد بالاعتزال على ثلاثة
أقاويل :
أحدها : اعتزل جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه ، وهذا قول عبيدة
السلماني .
والثاني : ما بين السرة والركبة ، وهذا قول شريح .
والثالث : الفَرْج ، وهذا قول عائشة وميمونة وحفصة وجمهور المفسرين .
ثم قال تعالى: ﴿وَلَ تَقْرَ بُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنَ﴾ فيه قراءتان :
إحداهما : التخفيف وضم الهاء ، وهي قراءة الجمهور ، ومعناه بانقطاع
الدم ، وهو قول مجاهد وعكرمة .
والثانية : بالتشديد وفتح الهاء ، قرأ بها حمزة ، والكسائي ، وعاصم ، وفي
رواية أبي بكر عنه ، ومعناها حتى تغتسل .
ثم قال تعالى : ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ يعني بالماء ، فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : معناه إذا اغتسلن وهو قول ابن عباس وعكرمة والحسن .
والثاني : الوضوء ، وهو قول مجاهد ، وطاوس .
والثالث : غسل الفرج .
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ أربعة تأويلات:
أحدها : القُبُل الذي نهى عنه في حال الحيض ، وهو قول ابن عباس .
الثاني : فأتوهن من قِبَل طهرهن ، لا من قِبَل حيضهن ، وهذا قول عكرمة ،
وقتادة .
والثالث : فأتوا النساء من قِبَل النكاح ، لا من قِبَل الفجور، وهذا قول محمد
ابن الحنفية .
والرابع : من حيث أحل لكم ، فلا تقربوهن محرمات ، ولا صائمات ولا
معتكفات ، وهذا قول الأصم .
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهَّرِينَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
٢٨٣

سورة البقرة الآية - ٢٢٢، ٢٢٣
أحدها : المتطهرين بالماء ، وهذا قول عطاء .
والثاني : يحب المتطهرين من أدبار النساء أن يأتوها ، وهذا قول مجاهد .
والثالث : يحب المتطهرين من الذنوب ، أن لا يعودوا فيها بعد التوبة منها ،
وهو محكيّ عن مجاهد أيضاً .
قوله تعالى : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ أي مزدرع أولادكم ومحترث نسلكم ،
وفي الحرث كناية عن النكاح ، ﴿ فَأَتُواْ حَرْثَكُمْ ﴾ فانكحوا مزدرع أولادكم .
أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ فيه خمسة تأويلات :
أحدها : يعني كيف شئتم في الأحوال ، روى عبد الله بن عليّ أن أناساً من
أصحاب رسول الله وَّير، جلسوا يوماً ويهوديّ قريب منهم ، فجعل بعضهم يقول :
إني لآتي امرأتي وهي مضطجعة ، ويقول الآخر إني لأتيها وهي قائمة ، ويقول
الآخر : إني لآتيها وهي على جنبها ، ويقول الآخر إني لآتيها وهي باركة ، فقال
اليهودي : ما أنتم إلا أمثال البهائم ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة ، فأنزل الله
تعالى هذه الآية وهذا قول عكرمة .
والثاني : يعني من أي وجه أحببتم في قُبُلِها ، أو من دُبْرِها في قُبلها.
روى جابر أن اليهود قالوا : إن العرب يأتون النساء من أعجازهن ، فإذا فعلوا
ذلك جاء الولد أحول، فَأَكْذَبَ الله حديثهم (٣٠٨)، وقال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ
فَأُتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾، وهذا قول ابن عباس ، والربيع .
والثالث : يعني من أين شئتم ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وغيره .
والرابع : كيف شئتم أن تعزلوا أو لا تعزلوا ، وهذا قول سعيد بن المسيب .
والخامس : حيث شئتم من قُبُلٍ ، أو من دُبُرٍ ، رواه نافع ، عن ابن عمر ،
وروی عن غيره .
(٣٠٨) رواه البخاري (١٤١/٨ - ١٤٣) ومسلم (١٠٥٨/٢) والترمذي (رقم ٢٩٧٨) وأبو داود برقم
(٢١٦٣) والنسائي في الكبرى كما في التحفة (٣٧٧/٢) والبيهقي (١٩٥/٧) وزاد السيوطي
نسبته في الدر (٩٢٦/١) لوكيع وابن أبي شيبة وابن ماجه وأبي نعيم بن حميد ونقل ابن كثير
(٢٦٠/١) رواية ابن أبي حاتم ورجالها رجال الشيخين غير يونس بن عبد الأعلى فمن رجال
مسلم .
٢٨٤

سورة البقرة الآية - ٢٢٤، ٢٢٥
وروى حبيش بن عبد الله الصنعاني ، عن ابن عباس أن ناساً من حِمْير أتوا
النبي وَلّ يسألونه عن أشياء، فقال رجل منهم : يا رسول الله ، إني رجل أحب
النساء ، فكيف ترى في ذلك ؟ فأنزل الله تعالى في سورة البقرة بيان ما سألوا عنه ،
فأنزل فيما سأل عنه الرجل: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأُتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾، فقال
رسول الله وَّهُ: ((مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً إِذَا كَانَ فِ الفَرْجِ))(٣٠٩).
وَقَدِّمُواْ لِإِنْفُسِكُمْ ﴾ الخير ، وهو قول السدي .
والثاني : وقدموا لأنفسكم ذكر الله عز وجل عند الجماع ، وهو قول ابن
عباس .
وَلَا تَجْعَلُواْاللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْبَيْ
اُلنَّاسُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(﴿ لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِفِ أَيْمَنِّكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ
٢٢٥
بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمُ
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ أما العرضة في كلام
العرب ، فهي القوة والشدة ، وفيها ها هنا تأويلان :
أحدهما : أن تحلف بالله تعالى في كل حق وباطل ، فتتبذل اسمه ، وتجعله
عُرضة .
والثاني : أن معنى عُرضة ، أي علة يتعلل بها في بِرّه، وفيها وجهان :
أحدهما : أن يمتنع من فعل الخير والإصلاح بين الناس إذا سئل ، فيقول
عليّ يمين أن لا أفعل ذلك ، أو يحلف بالله في الحال فيعتلّ في ترك الخير
بالیمین ، وهذا قول طاووس، وقتادة، والضحاك، وسعيد بن جبير .
والثاني : أن يحلف بالله ليفعلن الخير والبر، فيقصد في فعله البر في
يمينه ، لا الرغبة في فعله .
(٣٠٩) رواه الإمام أحمد في مسنده (
) وابن أبي حاتم كما نقله ابن كثير في التفسير
(٢٦٠/١) ورجال ابن أبي حاتم رجال الصحيح غير ابن لهيعة ورواه عنه ابن وهب وهي رواية
مستقيمة أضف إلى ذلك أن ابن لهيعة لم ينفرد بالرواية بل توبع عليها كما عند أحمد .
٢٨٥

سورة البقرة الآية - ٢٢٤، ٢٢٥
وفي قوله : ﴿ أَن تَبَرُّواْ ﴾ قولان:
أحدهما : أن تبروا في أيمانكم .
والثاني : أن تبروا في أرحامكم .
﴿ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ هو الإِصلاح المعروف ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ ﴾ سميع لأيمانكم، عليم باعتقادكم .
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيمَانِكُمْ﴾ أما اللغو في كلام
العرب ، فهو كل كلام كان مذموماً، وفضلاً لا معنى له ، فهو مأخوذ من قولهم
لغا فلان في كلامه إذا قال قبحاً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ
عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥].
فأما لغو اليمين التي لا يؤاخذ الله تعالى بها ، ففيها سبعة تأويلات :
أحدها : ما يسبق به اللسان من غير قصد كقوله : لا والله ، وبلى والله ، وهو
قول عائشة ، وابن عباس ، وإليه ذهب الشافعي ، روى عبد الله بن ميمون ، عن
عوف الأعرابي ، عن الحسن بن أبي الحسن قال: مر رسول اللّه وَلقر بقوم ينضلون
يعني يرمون، ومع النبي وَله رجل من أصحابه ، فرمى رجل من القوم ، فقال
أصاب والله، أخطأت والله، فقال الذي مع النبي وَله: حنث الرجل يا رسول الله ،
فقال: ((كَلَّ أَيْمَانُ الرُّمَاةِ لَغْوٌ وَلَ كَفَّارَةَ وَلَ عُقُوبَةَ)) (٣١٠).
والثاني : أن لغو اليمين ، أن يحلف على الشيء يظن أنه كما حلف عليه ،
ثم يتبين أنه بخلافه ، وهو قول أبي هريرة .
والثالث : أن لغو اليمين أن يحلف بها صاحبها في حال الغضب على غير
عقد قلب ولا عزم ، ولكن صلة للكلام ، وهو قول طاوس .
(٣١٠) رواه ابن جرير في التفسير (٤٤٤/٤) وفي سنده عبيد الله بن ميمون المرادي وقال الشيخ شاكر :
لا أعرف من هو ولم أجد له ترجمة ونقله الحافظ ابن كثير وقال هذا مرسل حسن عن الحسن فتعقبه
الشيخ مقبل قائلاً : بل ضعيف لأن المرسل من قسم الضعيف ومراسيل الحسن عن بعضهم كالريح
كما في تدريب الراوي وأيضاً عبد الله بن ميمون لا أدري من هو إلا أن يكون القداح فهو تالف
(٤٧٤/١) تخريج ابن كثير للشيخ مقبل بن هادي الوادعي .
٢٨٦

سورة البقرة الآية - ٢٢٤، ٢٢٥
وقد روى يحيى بن أبي كثير عن طاووس عن ابن عباس قال: قال رسول الله
مَلٌ: ((لَا يَمِينَ فِي غَضَبٍ))(٣١١).
والرابع : أن لغو اليمين أن يحلف بها في المعصية ، فلا يكفر عنها ، وهو
قول سعيد بن جبير ، ومسروق ، والشعبي ، وقد روى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ،
عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله وَّ قال: ((مَنْ نَذَرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ فَلَا نَذْرَ
لَهُ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلاَ يَمِينَ
لَهُ))(٣١٢).
والخامس : أن اللغو في اليمين ، إذا دعا الحالف على نفسه ، كأن يقول :
إن لم أفعل كذا فأعمى الله بصري ، أو قلل من مالي ، أو أنا كافر بالله ، وهو قول
زيد بن أسلم .
والسادس : أن لغو اليمين هو ما حنث فيه الحالف ناسياً، وهذا قول
النخعي .
ثم قوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ فيه ثلاثة
تأويلات :
أحدها : أن يحلف كاذباً أو على باطل ، وهذا قول إبراهيم النخعي .
والثاني : أن يحلف عمداً ، وهذا قول مجاهد .
والثالث : أنه اعتقاد الشرك بالله والكفر ، وهذا قول ابن زيد .
﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ غفور لعباده، فيما لغوا من أيمانهم ، حليم في تركه
مقابلة أهل حسنته بالعقوبة على معاصيهم .
(٣١١) رواه ابن جرير في التفسير (٤٣٩/٤) وفي سنده سليمان بن أبي سليمان الزهري ذكره ابن حبان
في الثقات وقال ربما خالف وقال أبو حاتم فيه شيخ ضعيف (١٢٢/١/٢) الجرح والتعديل وترجم
له البخاري في التاريخ الكبير ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً وشيخه يحيى بن أبي كثير مدلس . وقد
عنعنه ونسبه الحافظ في الفتح (١١ / ٤٩٠) للطبراني في الأوسط وقال سنده ضعيف .
(٣١٢) رواه ابن جرير بلفظ المؤلف (٤٤٢/٤) والحاكم (٣٠/٤) وقال صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي
فقال عبد الرحمن متروك، والبيهقي (٣٣/١٠) وأحمد (٦٧٣٢) وأبو داود ( ٢٢٧٣، ٣٢٧٤)
وحسن اسناد ابن داود الأرناؤوط في جامع الأصول (٥٥١/١١).
٢٨٧

سورة البقرة الآية - ٢٢٦، ٢٢٧
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن ذِسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُ و فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ
٧
(٢٢٦
قوله تعالى: ﴿لَّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نَّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ معنى قوله
تعالى: ﴿ يُؤْلُونَ﴾ أي يقسمون ، والآلية : اليمين ، قال الشاعر :
وأحلَلْنا إليه مُقسِمينا(٣١٣)
کُفِینا مَنْ تعنّت من نِزَار.
وفي الكلام حذف ، تقديره : للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم لكنه إنما
دل عليه ظاهر الكلام .
واختلفوا في اليمن التي يصير بها مولياً على قولين :
أحدهما : هي اليمين بالله وحده .
والثاني : هل كل عين لزم الحلف في الحنث بها ما لم يكن لازماً له وكلا
القولين عن الشافعي .
واختلفوا في الذي إذا حلف عليه صار مُولياً على ثلاثة أقاويل :
أحدها : هو أن يحلف على امرأته في حال الغضب على وجه الإضرار بها ،
أن لا يجامعها في فرجها ، وأما إن حلف على غير وجه الإِضرار ، وعلى غير
الغضب فليس بمولٍ ، وهو قول عليّ ، وابن عباس وعطاء .
والثاني : هو أن يحلف أن لا يجامعها في فرجها ، سواء كان في غضب أو
غير غضب ، وهو قول الحسن ، وابن سيرين ، والنخعي ، والشافعي .
والثالث : هو كل يمين حلف بها في مساءة امرأته على جماع أو غيره ، كقوله
والله لأسوءنك أو لأغيظنك ، وهو قول ابن المسيب ، والشعبي ، والحكم .
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن فَاؤُوا﴾ يعني رجعوا، والفيء والرجوع من حال إلى حال،
لقوله تعالى: ﴿حَتَّ تَفِيءَ إِلَى أُمْرِ الله﴾ [الحجرات: ٩] أي ترجع، ومنه قول الشاعر:
ومِنْ حاجةِ الإنسانِ ما ليْسَ قاضیا
ففاءتْ ولم تَقْضِ الذي أقبلت له
(٣١٣) وفي الطبري (٤٥٦/٤ ).
كفينا من تغيب في التراب
واخشانا أليَّه مقسمينا
٢٨٨

سورة البقرة الآية - ٢٢٦، ٢٢٧
وفي الفيء ثلاثة تأويلات :
أحدها : الجماع لا غير، وهو قول ابن عباس ، ومن قال إن المُوِليَ هو
الحالف على الجماع دون غيره .
والثاني : الجماع لغير المعذور ، والنية بالقلب وهو قول الحسن وعكرمة .
والثالث : هو المراجعة باللسان بكل غالب أنه الرضا ، قاله ابن مسعود ،
ومن قال إن المُولي هو الحالف على مساءة زوجته .
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وفيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أراد غفران الإِثم وعليه الكفارة ، قاله عليّ وابن عباس وسعيد بن
المسيب .
والثاني : غفور بتخفيف الكفارة إسقاطها، وهذا قول من زعم أن الكفارة لا
تلزم فيما كان الحنث براً ، قاله الحسن ، وإبراهيم .
والثالث : غفور لمأثم اليمين ، رحيم في ترخيص المخرج منها بالتفكير ،
قاله ابن زید .
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ) الآية. قرأ ابن عباس وإن عزموا
السّراح ، وفيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : أن عزيمة الذي لا يفيء حتى تمضي أربعة أشهر فتطلق بذلك .
واختلف من قال بهذا في الطلاق الذي يلحقها على قولين :
أحدهما : طلقة بائنة ، وهو قول عثمان ، وعليّ ، وابن زيد ، وزيد بن
ثابت ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن عباس .
والثاني : طلقة رجعية ، وهو قول ابن المسيب ، وأبي بكر بن عبد الرحمن ،
وابن شبرمة .
الثاني : أن تمضي الأربعة الأشهر، يستحق عليها أن يفيء ، أو يطلّق ، وهو
قول عمر ، وعلي في رواية عمرو بن سلمة ، وابن أبي ليلى عنه ، وعثمان في رواية
طاووس عنه ، وأبي الدرداء وعائشة وابن عمر في رواية نافع عنه .
روىْ سُهَيْلُ بن أبي صالح عن أبيه قال: ((سألت اثني عشر رجلاً من
٢٨٩

سورة البقرة الآية - ٢٢٨
أصحاب النبي وَّر عن الرجل يُولي من امرأته فكلهم يقول : ليس عليه شيء حتى
تمضي أربعة أشهر فيوقف ، فإن فاء وإلّ طلق)) وهو قول الشافعي ، وأهل
المدينة .
والثالث : ليس الإِيلاء بشيء ، وهو قول سعيد بن المسيب ، في رواية عمرو
ابن دينار عنه .
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ تأويلان:
أحدهما : يسمع إيلاءه .
والثاني : يسمع طلاقه . وفي ﴿ عَلِيمٌ ﴾ تأويلان:
أحدهما : يعلم نيته .
والثاني : يعلم صبره .
وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوْءٍ وَلَا يَحِلُّ ◌َهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَاخَلَقَ
اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّإِن ◌َكُنَّ يُؤْ مِنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِالْآَخْرِ وَبُعُولَئُهُنَّ أَحَقُّبِرَدِّهِنَ فِ ذَلِكَ إِنْ
أَرَادُوَاْ إِصْلَاحًا وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعُرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمُ
٢٢
قوله عز وجل : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةً قُرُوْءٍ ﴾ يعني
المخليات ، والطلاق : التخلية كما يقال للنعجة المهملة بغير راع : طالق ،
فسميت المرأة المَخْلي سبيلها بما سميت به النعجة المهمل أمرها ، وقيل إنه مأخوذ
من طلق الفرس ، وهو ذهابه شوطاً لا يمنع ، فسميت المرأة المُخْلَةُ طالقاً لأنها لا
تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة ، ولذلك قيل لذات الزوج إنها في حباله لأنها
كالمعقولة بشيء ، وأما قولهم طَلَقَتْ المرأة فمعناه غير هذا، إنما يقال طَلَقَتْ
المرأة إذا نَفَسَتْ ، هذا من الطلْق وهو وجع الولادة ، والأول من الطَّلاَقِ .
ثم قال تعالى: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ أي مدة ثلاثة قروء ،
واختلفوا في الأقراء على قولين .
أحدهما : هي الحِيَضُ ، وهو قول عمر، وعليّ ، وابن مسعود ، وأبي
٢٩٠

سورة البقرة الآية - ٢٢٨
موسى ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، وعكرمة ، والسدي ، ومالك ، وأبي
حنيفة ، وأهل العراق ، استشهاداً بقول الشاعر :
يا رُبَّ ذي صغن عليّ فارض له قروءٌ كقروءِ الحائض (٣١٤)
والثاني : هي الأطهار ، وهو قول عائشة ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ،
والزهري ، وأبان بن عثمان ، والشافعي ، وأهل الحجاز ، استشهاداً بقول
الأعشى :
أفي كلِّ عامِ أنتَ جَاشِمُ غزوةً تَشُدُّ لأقصاها عزِيمَ عزائِكًا (٣١٥)
لِمَا ضاعَ فيها من قروءِ نِسائكا
مُوَرَثَةً مالاً وفي الحيِّ رِفِعَةً
واختلفوا في اشتقاق القرء على قولين :
أحدهما : أن القرء الاجتماع ، ومنه أخذ اسم القرآن لاجتماع حروفه ،
وقيل : قد قرأ الطعام في شدقه وقرأ الماء في حوضه إذا جمعه ، وقيل : ما قرأت
الناقة سَلَى قط ، أي لم يجتمع رحمها على ولد قط ، قال عمرو بن كلثوم :
وقد أمنَتْ عُيونُ الكَاشِحِينا(٣١٦)
تُرِيكَ إذا دَخَلْتَ على خَلاءٍ
هَجَانَ اللون لم تقرَأْ جَنِينًا
ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بکرِ
وهذا قول الأصمعي ، والأخفش ، والكسائي ، والشافعي ، فمن جعل
القروء اسماً للحيض سمّاه بذلك ، لاجتماع الدم في الرحم ، ومن جعله اسماً
للطهر فلاجتماعه في البدن .
والقول الثاني : أن القرءَ الوقت ، لمجيء الشيء المعتاد مجيؤه لوقت
معلوم ، ولإِدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم ، وكذلك قالت العرب : أَقْرأَتْ
حاجة فلان عندي ، أي دنا وقتها وحان قضاؤها . وأَقْرَأ النجم إذا جاء وقت أُفوله ،
وقرأ إذا جاء وقت طلوعه ، قال الشاعر :
إذا ما الثُّرَيًّا وقد أقَرْأَتْ (٣١٧)
(٣١٤) تقدم عند قوله تعالى ﴿ لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ فارجع إليه ص
(٣١٥) ديوانه ( ص ٦٧ ).
(٣١٦) تقدم تخريج البيتين برقم ٣.
(٣١٧) بيت من الشعر تكملته: ((أحس السما كان منها أفولاً)).
كما في الطبري (٥١١/٤).
٣٩١

سورة البقرة الآية - ٢٢٨
وقيل : أقرأت الريح ، إذا هبت لوقتها ، قال الهذلي :
كَرِمتُ العَقْرَ عَقْرَ بني شليل إذا لِقَارِئِهَا الرِّياح(٣١٨)
يعني هبت لوقتها ، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء.
فمن جعل القرء اسماً للحيض ، فلأنه وقت خروج الدم المعتاد ، ومن جعله
اسماً للطهر ، فلأنه وقت احتباس الدم المعتاد .
ثم قال تعالى : ﴿ وَلَ يَجِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ فيه
ثلاثة تأويلات :
أحدها : أنه الحيض ، وهو قول عكرمة ، والزهري ، والنخعي .
والثاني : أنه الحمل ، قاله عمر وابن عباس .
والثالث : أنه الحمل والحيض قاله عمر ومجاهد .
﴿ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ وعيد من الله لهن ، واختلف في سبب
الوعيد على قولين :
أحدهما : لما يستحقه الزوج من الرجعة ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : لإِلحاق نسب الوليد بغيره كفعل الجاهلية ، وهو قول قتادة .
ثم قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِك﴾ البعل: الزوجِ، سُمِّيَ
بذلك، لعلوه على الزوجة بما قد ملكه عن زوجيتها ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَّدْعُونَ .
بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] أي رَبّاً لعلوه بالربوبية، ﴿أُحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي
برجعتهن، وهذا مخصوص في الطلاق الرجعي دون البائن.
﴿ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً﴾ يعني إصلاح ما بينهما من الطلاق .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ وفيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن ، مثل
الذي عليهن من الطاعة ، فيما أوجبه الله تعالى عليهن لأزواجهن ، وهو قول
الضحاك .
(٣١٨) والبيت في ديوان الهذليين (٨٣/٣) وشطره الأول:
شنئت العقر عقر بني شليل ... كذا نقله الطبري ( ٥١١/٤).
٢٩٢

سورة البقرة الآية - ٢٢٩، ٢٣٠
والثاني : ولهن على أزواجهن من التصنع والتزين ، مثل ما لأزواجهن ، وهو
قول ابن عباس .
والثالث : أن الذي لهن على أزواجهن ، ترك مضارتهن ، كما كان ذلك
لأزواجهن ، وهو قول أبي جعفر .
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وفيه خمسة تأويلات :
أحدها : فضل الميراث والجهاد ، وهو قول مجاهد .
والثاني : أنه الإِمْرَةُ والطاعة ، وهو قول زيد بن أسلم ، وابنه عبد الرحمن .
والثالث : أنه إعطاء الصداق ، وأنه إذا قذفها لاعنها، وإن قذفته حُدَّتْ ،
وهو قول الشعبي .
والرابع : أفضاله عليها ، وأداء حقها إليها ، والصفح عما يجب له من
الحقوق عليها ، وهو قول ابن عباس وقتادة .
والخامس : أن جعل له لحية ، وهو قول حميد .
اُلْطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْنَسْرِجٌ بِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ
تَأْخُذُ واْمِمَّآءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَاحُدُ ودَاللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّأَيُقِيَ
حُدُودَاللَّهِ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بُِّ تِلْكَ حُدُودُاللّهِ فَلَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَدَّ
حُدُ وَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٨) فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ
زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا ◌ُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اْللَّهِ
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
(٢٣٠)
قوله تعالى : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أنه بيان لعدد الطلاق وتقديره بالثلاث ، وأنه يملك في الاثنين
الرجعة ولا يملكها في الثالثة ، وهو قول عروة وقتادة ، وروى هشام بن عروة عن
أبيه قال : كان الرجل يطلق ناسياً ، إنْ راجع امرأته قبيل أن تنقضي عدتها كانت
٢٩٣

سورة البقرة الآية - ٢٢٩، ٢٣٠
امرأته ، فغضب رجل من الأنصار على امرأته ، فقال لها : لا أقربك ولا تختلين
مني ، قالت له كيف ؟ أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك ، فشكت زوجها إلى النبي
وََّ، فأنزل الله تعالى: ﴿الطَّلَاَقُ مَرَّتَانِ ﴾ الآية .
والتأويل الثاني : أنه بيان لسنة الطلاق أن يوقع في كل قول طلقة واحدة ،
وهو قول عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، ومجاهد .
قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ فيه تأويلان :
الأول : هذا في الطلقة الثالثة ، روى سفيان (٣١٩)، عن إسماعيل بن سميع ،
عن أبي رزين قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّ# فقال : الطلاق مرتان فأين الثالثة ؟
قال: ﴿إِمْسَاكِ بِمَعْرُوفٍ أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهذا قول عطاء ، ومجاهد .
والثاني: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ ﴾ الرجعة بعد الثانية ﴿ أَو تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ ﴾
والإِمساك عن رجعتها حتى تنقضي العدة ، وهو قول السدي ، والضحاك .
الإِحسان هو تأدية حقها ، والكف عن أذاها .
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ يعني من
الصداق ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَا ◌َلَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ قرأ حمزة بضم الياء من يخافا، وقرأ
الباقون بفتحها ، والخوف ها هنا بمعنى الظن ، ومنه قول الشاعر :
وما خِفْتُ بالإِسلامِ أنك عائبي (٣٢٠)
أتاني کلامٌ عن نصیب یقوله
يعني وما ظننت .
وفي ﴿ أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ أربعة تأويلات :
أحدها : أن يظهر من المرأة النُّشُوز وسوء الخُلُق ، وهو قول ابن عباس .
(٣١٩) هذا حديث مرسل ضعيف رواه الطبري (٥٤٥/٤) وعبد الرزاق في المصنف (٣٠١/٣) وذكره
ابن كثير (٢٧٢/١ ) من رواية ابن أبي حاتم وعبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن مردويه بأسانيدهم
إلى أبي رزين ورواه البيهقي (٧/ ٣٤٠) من طريق سعيد بن منصور وزاد السيوطي في الدر
(٦٦٤/١) نسبته لوكيع وأبي داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس.
(٣٢٠) هو أبو القول الطهوي والبيت في نوادر ابن زيد (٤٦) ومعاني القرآن للفراء (١٤٦/١) والشطر
الثاني في هذين المصدرين :
وما خفت يا سلام أنك عائبي
٢٩٤

سورة البقرة الآية - ٢٢٩، ٢٣٠
والثاني : أن لا تطيع له أمراً، ولا تبرّ له قَسَماً، وهو قول الحسن ،
والشعبي .
والثالث : هو أن يبدي لسانها أنها له كارهة ، وهو قول عطاء .
والرابع : أن يكره كل واحد منهما صاحبه ، فلا يقيم كل واحد منهما ما
أوجب الله عليه من حق صاحبه ، وهو قول طاووس، وسعيد بن المسيب ،
والقاسم بن محمد ، روى ثابت بن يزيد ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله
وَّهُ: ((المُخْتِلعَاتُ والمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ))(٣٢١). يعني التي تخالع زوجها
لميلها إلى غيره .
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَليهِمَا فِيمَا اقْتَدَتْ
فيه قولان :
أحدهما : افتدت به نفسها من الصداق وحده من غير زيادة ، وهو قول
عليّ ، وعطاء ، والزهري ، وابن المسيب ، والشعبي ، والحكم ، والحسن .
والقول الثاني : يجوز أن تُخَالِعَ زوجها بالصداق وبأكثر منه ، وهذا قول
عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي ، والشافعي . رَوَىْ
عبد الله بن محمد بن عقيل : أن الرُّبِيِّعَ بنت مُعَوّذ بن عفراء حدثته قالت : كان لي
زوج يُقِلُّ عليّ الخبز إذا حضر ، ويحرمني إذا غاب ، قالت : وكانت مني زَلَّةٌ يوماً
فقلت : أنْخَلِعُ منك بكل شيء أملكه ، قال : نعم ، قالت ففعلت ، قالت :
فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان ، فأجاز الخلع ، وأمره أن يأخذ ما
دون عقاص الرأس .
واختلفوا في نسخها ، فَحُكِيَ عن بكر بن عبد الله أن الخلع منسوخ بقوله
تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا
مِنْهُ شَيئاً﴾ [النساء: ٢٠] وذهب الجمهور إلى أن حكمها ثابت في جواز الخلع.
(٣٢١) رواه ابن جرير (٥٦٩/٤) وفي سنده أشعث بن سوار وهو ضعيف وفي سنده أيضاً الحسن
البصري وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث فيه . أيضاً قيس بن الربيع وهو مختلف فيه ولهذا قال
الحافظ ابن كثير (٤٨٥/١) غريب من هذا الوجه ضعيف .
لكن للحديث شاهد من حديث أبي هريرة رواه أحمد ( ٩٣٤٧) وصححه الشيخ أحمد شاكر.
٢٩٥

سورة البقرة الآية - ٢٣١
وقد روى أيوب ، عن كثير مولى سَمُرة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتِيَ
بامرأة ناشزة ، فأمر بها إلى بيت كثير ، فحبسها ثلاثاً، ثم دعاها فقال : كيف
وجدت مكانك ؟ قالت : ما وجدتُ راحة منذ كنت إلا هذه الليالي التي حبستني ،
فقال لزوجها : اخلعها ولو من قرطها(٣٢٢).
وقوله تعالى : ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ فيه قولان:
أحدهما : أنها الطلقة الثالثة وهو قول السدي .
والثاني: أن ذلك تخيير لقوله تعالى: ﴿أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهو قول
مجاهد .
فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوجاً غَيْرَهُ﴾ يعني أنها لا تحل للزوج
المطلق ثلاثاً حتى تنكح زوجاً آخر ، وفيه قولان :
أحدهما : أن نكاح الثاني إذا طلقها منه أحلها للأول سواء دخل بها أو لم
يدخل ، وهو قول سعيد بن المسيب .
والثاني : أنها لا تحل للأول بنكاح الثاني ، حتى يدخل بها فتذوق عسيلته
ويذوق عسيلتها ، للسنّة المروية(٣٢٣) فيه ، وهو قول الجمهور .
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرُِّوهُنَّ بِعْرُوفٍ
وَلَا تُسِكُوُ هُنَّ ضِرَارًا لِتَعْنَدُ وَأْوَ مَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسٌَ وَلَا تَتَّخِذُوْاْ
ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا وَأَذَكُو ◌ْنِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِنَبِ
وَاُلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِ مَوَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْأَنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
٢٣
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ أي قاربْن انقضاء
(٣٢٢) رواه الطبري (٥٧٦/٤) برقم (٤٨٦٠) ومختصراً برقم ( ٤٨٦١ ).
(٣٢٣) وهي ما رواه مسلم (٤٠٧/١)، أحمد (٢٢٦/٦) والطبري برقم (٤٨٩٣) وغيرهم من حديث
عائشة رضي الله عنها قالت أن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها فتزوجها بعده عبد الرحمن بن
الزبير ... الحديث. وفيه أن النبي ◌َّي قال لها لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا؛ حتى تذوقي
عسيلته ويذوق عسيلتك ... الخ .
٢٩٦

سورة البقرة الآية - ٢٣٢
عِدَدهن ، كما يقول المسافر : بلغت بلد كذا إذا قاربه .
فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ هو المراجعة قبل انقضاء العدة ﴿أُو سَرِّحُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ ﴾ وهو تركها حتى تنقضي العدة .
﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾ هو أن يراجع كلما طلّق حتى تطول عدتها
إضراراً بها .
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذُلك فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ يعني في قصد الإِضرار، وإن صحت
الرجعة ، والطلاق .
رَوَىْ حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي موسى الأشعري (٣٢٤): أن رسول الله
وَ ثير غضب على الأشعريين، قالوا: يقول أحدهم قد طلقت ، قد راجعت ، ليس
هذا بطلاق المسلمين ، طلقوا المرأة في قبل عدتها ولا تتخذوا آيات الله هزواً .
وروى سليمان بن أرقم : أن الحسن حدثهم : أن الناس كانوا على عهد
رسول اللّه وَل﴿ يُطَلّق أو يعتق، فيقال: ما صنعت؟ فيقول: كنت لاعباً، قال
رسول الله ◌َّ: ((مَنْ طَلَّقَ لَعِباً أَو أعْتَقَ لَعِباً جَازَ عَليهِ))(٣٢٥).
قال الحسن : وفيه نزلت: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوا ءَايَاتِ اللَّهِ هُزُواً﴾.
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ
(٣٢٤) رواه ابن جرير برقم (٤٩٢٥، ٤٩٢٦) وصحح سندها الشيخ أحمد شاكر ورواه ابن ماجه بمعناه
(٦٥٠/١) من طريق أخرى عنه وحسنها البوصيري في الزوائد ورواه البيهقي (٣٢٢/٧) وفيه
زيادة .
وهذه الطرق كلها عن أبي موسى تكسب الحديث قوة .
(٣٢٥) رواه ابن جرير (١٣/٥) وقال ابن كثير (٢٨١/١) مرسل زد على ذلك أن الحديث في إسناده
سليمان بن أرقم وهو متروك كما قال أبو داود والدارقطني . وفي سنده أيضاً المبارك بن فضالة وهو
مدلس وقد عنعن وعصام بن رواد وقد ليّنه الحاكم . كما نقله الذهبي في الميزان والحديث زاد
السيوطي نسبته في الدر (٦٨٣/١) لابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم وقد رواه ابن مردويه
من طريق عمرو بن عبيد عن الحسن عن أبي الدرداء موقوفاً عليه (٤٩٩/١ ) نقله ابن كثير وعمرو بن
عبيد هو المبتدع الضال كان يكذب على الحسن وزاد السيوطي نسبته في الدر (٦٨٣/١)
للطبراني .
٢٩٧

سورة البقرة الآية - ٢٣٢
بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِاَلْآَخِرِّ ذَلِكُمْ
٢٣٢
أَزْكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُوُ اللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَّهُنَّ ﴾ بلوغ الأجل ها هنا
[ تناهيه ](*)، بخلاف بلوغ الأجل في الآية التي قبلها ، لأنه لا يجوز لها أن تنكح
غيره قبل انقضاء عدتها ، قال الشافعي : فدخل اختلاف المعنيين على افتراق
البلوغين .
ثم قال تعالى : ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ وفي العضل قولان:
أحدهما : أنه المنع ، ومنه قولهم : داء عضال إذا امتنع من أن يُداوَى ،
وفلان عُضَلَةٌ أي داهية ، لأنه امتنع بدهائه .
والقول الثاني: أن العضل الضيق، ومنه قولهم: قد أعضل بالجيش الفضاء،
إذا ضاق بهم. وقال عمر بن الخطاب: قد أعضل بي أهل العراق، لا يرضون عن
والٍ، ولا يرضى عنهم والٍ، وقال أوس بن حجر.
يذُمُّك إن ولَّى وَيُرْضِيك مُقبِلًا (٣٢)
وليس أخُوكَ الذَّائِمُ العَهْدِ بالَّذِي .
وصاحِبُكَ الأدْنَى إذا الأمْرُ أَعْضَلَا
ولكنه النَّائي إذا كُنتَ آمِناً
فنهى الله عز وجل أولياء المرأة عن عضلها ومنعها من نكاح مَنْ رضيته من
الأزواج .
وفي قوله عز وجل : ﴿ إِذَا تَرَاضَوا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾ تأويلان :
أحدهما : إذا تراضى الزوجان .
والثاني : إذا رضيت المرأة بالزوج الكافي(*). قال الشافعي: وهذا بيّن في
كتاب الله تعالى يدل على أن ليس للمرأة أن تنكح بغير وليّ .
واختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية على ثلاثة أقاويل :
(*) ما بين المعكوفين زيادة يقتضيها السياق .
(٣٢٦) ديوانه من قصيدة له برقم (٣١).
(*) لعله المكافىء والله أعلم .
٢٩٨

سورة البقرة الآية - ٢٣٣
٠
أحدها : أنها نزلت في معقل بن يسار زوّج أخته ، ثم طلقها زوجها وتراضيا
بعد العدة أن يتزوجها ، فَعَضَلَهَا معقل ، وهذا قول الحسن ، وقتادة ، ومجاهد .
والثاني : أنها نزلت في جابر بن عبد الله مع بنت عم له ، وقد طلقها
زوجها ، ثم خطبها فأبى أن يزوجه بها ، وهذا قول السدي .
والثالث : أنها نزلت عموماً في نهي كل ولي عن مضارة وليّته من النساء أن
يعضلها عن النكاح ، وهذا قول ابن عباس ، والضحاك ، والزهري .
وَالْوَ لِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَ هُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ وَعَلَى
المؤَلُودِلَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَةُهُنَّ بِالْعْرُوفِّ لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ
وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكُ فَإِنْ أَرَادَافِصَالَّا عَن
تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍفَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَُّوَإِنْ أَرَدْ تُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْأَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ
(٢٣٣
عَلَيْكُمْإِذَا سَلَّمْتُمْ مَّآءَانَيْتُم بِالْمَغَرُوفِّ وَأَنَّقُوا اللَّهَوَأَعْلَمُوا أَنَّاللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ!
قوله تعالى: ﴿ وَأَلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أُولَادَهُنَّ حَولَينٍ كَامِلَيْنِ ﴾ والحول
السنة ، وفي أصله قولان :
أحدهما : أنه مأخوذ من قولهم : حال الشيء إذا انقلب عن الوقت الأول ،
ومنه استحالة الكلام لانقلابه عن الصواب .
والثاني : أنه مأخوذ من التحول عن المكان ، وهو الانتقال منه إلى المكان
الأول .
وإنما قال حولين كاملين ، لأن العرب تقول : أقام فلان بمكان كذا حولين
وإنما أقام حولاً وبعض آخر، وأقام يومين وإنما أقام يوماً وبعض آخر ، قال الله
تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَومَينٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾
[البقرة: ٢٠٣] ومعلوم أن التعجل في يوم وبعض يوم.
واختلف أهل التفسير فيما دلت عليه هذه الآية من رضاع حولين كاملين ،
على تأويلين :
٢٩٩

سورة البقرة الآية - ٢٣٣
أحدهما : أن ذلك في التي تضع لستة أشهر فإن وضعت لتسعة أشهر
أرضعت واحداً وعشرين شهراً، استكمالاً لثلاثين شهراً، لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ
وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ﴾ [الأحقاف: ١٥] وهذا قول ابن عباس.
والثاني : أن ذلك أمر برضاع كل مولود اختلف والداه في رضاعه أن يرضع
حولين كاملين ، وهذا قول عطاء والثوري .
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ يريد
بالمولود له الأب عليه في ولده للمرضعة له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وفيه قولان :
أحدهما : أن ذلك في الأم المطلقة إذا أرضعت ولدها فلها رزقها من
الغذاء ، وكسوتها من اللباس . ومعنى بالمعروف أجرة المثل ، وهذا قول
الضحاك .
والثاني : أنه يعني به الأم ذات النكاح ، لها نفقتها وكسوتها بالمعروف في
مثلها ، على مثله من يسار ، وإعسار .
ثم قال تعالى : ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أي لا تمتنع الأم من إرضاعه
إضراراً بالأب ، وهو قول جمهور المفسرين .
وقال عكرمة : هي الظئر المرضعة دون الأم .
ثم قال تعالى : ﴿ وَلاَ مَولُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ﴾ وهو الأب في قول جمیعھم ، لا
ينزع الولد من أمه إضراراً بها .
ثم قال تعالى : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذُلِكَ ﴾ فيه أربعة أقاويل :
أحدها : أن الوارث هو المولود نفسه ، وهذا قول قبيصة بن ذؤيب .
والثاني : أنه الباقي من والدي الولد بعد وفاة الآخر منهما ، وهو قول
سفيان .
والثالث : أنه وارث الولد ، وهذا قول الحسن ، والسدي .
والرابع : أنه وارث الولد ، وفيه أربعة أقاويل :
أحدها : وارثه من عصبته إذا كان أبوه ميتاً سواء كان عماً أو أخاً أو ابن أخ أو
٣٠٠