Indexed OCR Text
Pages 261-280
سورة البقرة الآية - ١٩٩ واختلفوا في تسمية المكان عرفة على أربعة أقاويل : أحدها : أن آدم عرف فيه حواء بعد أن أُهْبِطَا من الجنة . والثاني : أن إبراهيم عرف المكان عند الرؤية ، لما تقدم له في الصفة . والثالث : أن جبريل عرَّف فيه الأنبياء مناسكهم . والرابع : أنه سُمَِّ بذلك لعلو الناس فيه ، والعرب تسمي ما علا (عرفة ) و(عرفات )، ومنه سُمِّيَ عُرف الديك لعلوه . فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ والمَشْعَرُ المَعْلَمُ، سُمِّيَ بذلك، لأن الدعاء عنده ، والمقام فيه من معالم الحج ، وحد المشعر ما بين منى ومزدلفة مِنْ حَد مفضي مَأزمَي عرفة إلى محسر ، وليس مأزماً عرفة من المشعر . ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْاللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ فيه قولان : أحدهما : أنها نزلت في قريش ، وكانوا يسمون الحمس ، لا يخرجون من الحرم في حجهم ، ويقفون بمزدلفة ، ويقولون نحن من أهل الله ، فلا نخرج من حرم الله ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات ، وهي موقف إبراهيم عليه السلام ، فأنزل الله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ يعني جميع العرب ، وهذا قول عائشة ، وعروة ، ومجاهد ، وقتادة . والقول الثاني : أنها أمر لجميع الخلق من قريش وغيرهم ، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس ، يعني بالناس إبراهيم ، وقد يعبر عن الواحد باسم الناس ، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وكان القائل واحداً، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول الضحاك. وفي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ تأويلان: أحدهما : استغفروه من ذنوبكم . والثاني : استغفروه مما كان من مخالفتكم في الوقت والإِفاضة . ٢٦١ سورة البقرة الآية - ٢٠٠ - ٢٠٢ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْاللَّهَ كَذِّكْرِ كُمْ ءَبَاءَ كُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرَأْ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآءَإِنَا فِىِ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ. وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَآءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ (٢٠١ حَسَنَةً وَفِى الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ! ٢٠٢ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُم ﴾ أما المناسك، فهي المتعبدات ، وفيها ها هنا تأويلان : أحدهما : أنها الذبائح ، وهذا قول مجاهد . والثاني : ما أمروا بفعله في الحج ، وهذا قول الحسن البصري . وفي قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ تأويلان: أحدهما : أن هذا الذكر هو التكبير في أيام مِنى . والثاني : أنه جميع ما سُنَّ من الأدعية في مواطن الحج كلها . وفي قوله تعالى : ﴿ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَو أَشَدَّ ذِكْراً﴾ ثلاثة تأويلات: أحدها : أنهم كانوا إذا فرغوا من حجهم في الجاهلية جلسوا في منى حَلَقاً وافتخروا بمناقب آبائهم ، فأنزل الله تعالى ذكره ﴿فَاذْكُرُ وا اللَّهَ كَذِكْرِ كُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذكراً ﴾، وهذا قول مجاهد ، وقتادة . والثاني : أن معناه ، فاذكروا الله كذكركم الأبناء الصغار للآباء ، إذا قالوا : أبَهْ أُمَّه ، وهذا قول عطاء ، والضحاك . والثالث : أنهم كانوا يدعون ، فيقول الواحد منهم : اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة ، عظيم القّة ، كثير المال ، فاعطني مثل ما أعطيته ، فلا يذكر غير أبيه ، فَأُمِرُوا بذكر الله ، كذكرهم آباءهم ، أو أشد ذكراً، وهو قول السدي . قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مِّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ فيها أربعة تأويلات : ٢٦٢ سورة البقرة الآية - ٢٠٣ أحدها : أنه الحسنة العافية في الدنيا والآخرة ، وهو قول قتادة . والثاني : أنها نِعَمُ الدنيا ونِعَمُ الآخرة(٢٩٦)، وهو قول أكثر أهل العلم . والثالث : أن الحسنة في الدنيا العلمُ ، والعبادة ، وفي الآخرة الجنة ، وهو قول الحسن ، والثوري . والرابع : أن الحسنة في الدنيا المال ، وفي الآخرة الجنة ، وهو قول ابن زيد ، والسدي . وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَعْدُ ودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِىِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاَّ إِثْمَ عَلَيَّةٌ لِمَنِ اتَّقَىَّ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُخْشَرُونَ ٢٠٣ قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُ وا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ هي أيام منى قول جميع المفسرين ، وإن خالف بعض الفقهاء في أن أشرك بين بعضها وبين الأيام المعلومات . ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ يعني تعجل النّفْر الأول في اليوم الثاني من أيام منى . ﴿ وَمَنْ تَأْخَّرَ ﴾ يعني إلى النّفْر الثاني ، وهو الثالث من أيام منى . فَلَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ وفي الإِثم ها هنا ، خمسة تأويلات : أحدها : أن من تعجل فلا إثم عليه في تعجله ، ومن تأخر فلا إثم عليه في تأخره ، وهذا قول عطاء . (٦-٢٩) قال الحافظ ابن كثير (٢٤٣/١، ٢٤٤) : - جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجه حسنة ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هين وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين ولا منافاة بينها فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام . ٢٦٣ سورة البقرة الآية - ٢٠٤ - ٢٠٦ والثاني : أن من تعجل في يومين ، فمغفور له ، لا إثم عليه ، ومن تأخر فمغفور له ، لا إثم عليه ، وهذا قول ابن مسعود . والثالث : فلا إثم عليه ، إن اتّقى فيما بقي من عمره ، وهذا قول أبي العالية ، والسدي . والرابع : فلا إثم عليه ، إن اتقى في قتل الصيد في اليوم الثالث ، حتى يحلّوا أيام التشريق ، وهذا قول ابن عباس . والخامس : فلا إثم عليه ، إن اتقى إصابة ما نُهِي عنه ، فيغفر له ما سلف من ذنبه ، وهذا قول قتادة . فأما المراد بذكر الله تعالى في الأيام المعدودات ، فهو التكبير فيها عقب الصلوات المفروضات ، وَاخْتُلِفَ فيه على أربعة مذاهب : أحدها : أنه تكبير من بعد صلاة الصبح ، يوم عرفة ، إلى بعد صلاة العصر ، من آخر أيام التشريق ، وهذا قول علي رضي الله عنه ، وبه قال من الفقهاء أبو يوسف ، ومحمد . والثاني : أنه تكبير من صلاة الفجر ، من يوم عرفة ، إلى صلاة العصر ، من يوم النحر ، وهذا قول ابن مسعود ، وبه قال من الفقهاء أبو حنيفة . والثالث : أنه يكبر بعد صلاة الظهر، من يوم النحر ، إلى بعد صلاة العصر ، من آخر أيام التشريق ، وهذا قول زيد بن ثابت . والرابع : أنه يكبر من بعد صلاة الظهر، من يوم النحر ، إلى آخر صلاة الصبح ، من آخر التشريق ، وهذا قول عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وبه قال من الفقهاء الشافعي . وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُّهْلِكَ وَهُوَ أَلَدُّاُلْخِصَامِ ٢٠٤ اُلْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (®] وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ ٢٦٤ سورة البقرة الآية - ٢٠٦ - ٢٠٧ ٢٠٦ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى بِالْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَتٌَّ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ٢٠٧ نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ فيه قولان: أحدهما : يعني من الجميل والخير . والثاني: من حب رسول الله وَلاير، والرغبة في دينه . ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىْ مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها : أن يقول : اللهم اشهد عليّ فيه ، وضميره بخلافه . والثاني : معناه : وفي قلبه ما يشهد الله أنه بخلافه . والثالث : معناه : ويستشهد الله على صحة ما في قلبه ، ويعلم أنه بخلافه . وهي في قراءة ابن مسعود ﴿ وَيَسْتَشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ . وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ والألد من الرجال الشديد الخصومة ، وفي الخصام قولان : أحدهما : أنه مصدر ، وهو قول الخليل . والثاني : أنه جمع خصيم ، وهو قول الزجاج . وفي تأويل ﴿ أَلَّدُّ الْخِصَامِ ﴾ هنا أربعة أوجه : أحدها : أنه ذو جدال ، وهو قول ابن عباس . والثاني : يعني أنه غير مستقيم الخصومة ، لكنه معوجها، وهذا قول مجاهد ، والسدي . والثالث : يعني أنه كاذب ، في قول الحسن البصري . والرابع : أنه شديد القسوة في معصية الله ، وهو قول قتادة . وقد روى ابن أبي مليكة، عن عائشة، أن النبي ◌َّه قال: ((أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الأَلَدُّ الْخَصَمُ))(٢٩٧). (٢٩٧) رواه البخاري (١٠٦/٥) ومسلم (٢٥٤/٤) وأحمد (٥٥/٦) والبيهقي في السنن (١٠٨/١٠) = ٢٦٥ سورة البقرة الآية - ٢٠٦، ٢٠٧ وفيمن قصد بهذه الآية وما بعدها قولان : أحدهما : أنه صفة للمنافق ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن . والثاني : أنها نزلت في الأخنس بن شريق ، وهو قول السدي . قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ ﴾ في قوله تولى تأويلان : أحدهما : يعني غضب ، حكاه النقاش . والثاني : انصرف ، وهو ظاهر قول الحسن . وفي قوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدُوا فِيهَا ﴾ تأويلان: أحدهما : يفسد فيها بالصد . والثاني : بالكفر . وَيَهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : بالسبي والقتل . والثاني : بالضلال الذي يؤول إلى السبي والقتل . وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ معناه لا يحب أهل الفساد. وقال بعضهم لا يمدح الفساد ، ولا يثني عليه ، وقيل أنه لا يحب كونه ديناً وشرعاً، ويحتمل : لا يحب العمل بالفساد . قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أُخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمِ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : معناه دعته العزة إلى فعل الإِثم . والثاني : معناه إذا قيل له اتق الله ، عزت نفسه أن يقبلها ، للإِثم الذي منعه منها . قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾ يشري نفسه أي يبيع، كما قال تعالى: ﴿وَشَرَوَهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾، [يوسف: ٢٠] أي باعوه، قال والترمذي (٩/٣) وزاد السيوطي في الدر (٥٧٣/١) نسبته للنسائي ووكيع وابن مردويه والبيهقي = في السنن والبيهقي في الشعب من حديث عائشة رضي الله عنها وقال الترمذي رحمه الله وقد نسبه صاحب تحفة الأشراف (٤٥٦/١١) للنسائي في الكبرى. تنبيه : - وهم الامام السيوطي في الدر حين نسبه الحديث لأبي داود فإنه ليس فيه سننه وهي المرادة عند الاطلاق . ٢٦٦ سورة البقرة الآية - ٢٠٩،٢٠٨ الحسن البصري: العمل الذي باع به نفسه الجهاد في سبيل الله. واخْتُلِفَ فيمن نزلت فيه هذه الآية ، على قولين : أحدهما : نزلت في رجل ، أمر بمعروف ونهى عن منكر ، وقتل ، وهذا قول علي ، وعمر ، وابن عباس . والثاني : أنها نزلت في صُهيب بن سنان اشترى نفسه من المشركين بماله كله ، ولحق بالمسلمين ، وهذا قول عكرمة . يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْ خُلُواْ فِى الْسِلْمِ كَافَةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ فَإِن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا ٢٠٨ الشَّيْطَانِ إِنَُّ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ ( جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَتُّ فَأَعْلَمُواْأَنَّاللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ ٢٠٩ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ قرأ ابن كثير، ونافع ، والكسائي بفتح السين ، والباقون بكسرها ، واختلف أهل اللغة في الفتح والكسر ، على وجهين : أحدهما : أنهما لغتان تستعمل كل واحدة منهما في موضع الأخرى . والثاني : معناهما مختلف ، والفرق بينهما أن السِّلم بالكسر الإِسلام ، والسَّلم بالفتح المسالمة ، من قوله تعالى: ﴿ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْتَحْ لَهَا﴾. [الأنفال: ٦١] وفي المراد بالدخول في السلم ، تأويلان : أحدهما : الدخول في الإِسلام ، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك . والثاني : معناه ادخلوا في الطاعة ، وهو قول الربيع ، وقتادة . وفي قوله : ﴿ كَافَّةً ﴾ تأويلان : أحدهما : عائد إلى الذين آمنوا ، أن يدخلوا جميعاً في السلم . والثاني : عائد إلى السلم أن يدخلوا في جميعه . ﴿ وَلَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ يعني آثاره . ٢٦٧ سورة البقرة الآية - ٢٠٩ ﴿ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُِّينٌ ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : مبين لنفسه . والآخر : مبين بعدوانه . واختلفوا فيمن(*) أبان به عدوانه على قولين : أحدهما : بامتناعه من السجود لآدم . والثاني: بقوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَتَهُ إِلَّا قَلِيلاً ﴾ [الإسراء: ٦٢]. واختلفوا فيمن أمر بالدخول في السلم كافة ، على ثلاثة أقاويل : أحدها : أن المأمور بها المسلمون ، والدخول في السلم العمل بشرائع الإِسلام كلها ، وهو قول مجاهد ، وقتادة . والثاني : أنها نزلت في أهل الكتاب ، آمنوا بمن سلف من الأنبياء ، فأُمِروا بالدخول في الإِسلام ، وهو قول ابن عباس ، والضحاك . والثالث : أنها نزلت في ثعلبة ، وعبد الله بن سلام ، وابن يامين ، وأسد ، وأسيد ابني كعب ، وسعيد بن عمرو ، وقيس بن زيد ، كلهم من يهود قالوا لرسول اللّهِ وَلَّ : يوم السبت كنا نعظمه ونَسْبِتُ فيه، وإن التوراة كتاب الله تعالى، فدعنا فلنصم نهارنا بالليل (٢٩٨)، فنزلت هذه الآية ، وهو قول عكرمة . قوله تعالى : ﴿ فَإِنِ زَلَلْتُم ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : معناه عصيتم . والثاني : معناه كفرتم . والثالث : إن ضللتم وهذا قول السدي . مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ فيه أربعة تأويلات : أحدها : أنها حجج الله ودلائله . (*) ولعل الأصح فيما لأن من للعاقل . (٢٩٨) رواه ابن جرير (٥٥/٤) عن عكرمة مرسلاً وفي سنده الحسن بن داود الملقب بسنيد وهو ضعيف . وقال الحافظ في تخريج الكشاف ( ص ٧) مرسل وابن جريج لم يسمع من عكرمة. ٠ ٢٦٨ سورة البقرة الآية - ٢١٠ - ٢١٢ والثاني : محمد ، وهو قول السدي . والثالث : القرآن ، وهو قول ابن جريج . والرابع : الإِسلام . فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ يعني عزيز في نفسه ، حكيم في فعله . هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَتَّبِكَةُ وَقُضِىَ اُلْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُّجَعُ الأُمُورُ ٢١٠ ٠ قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ ﴾، قرأ قتادة ﴿فِي ظِلَالٍ الغَمَامِ ﴾ وفيه تأويلان : أحدهما : أن معناه إلا أن يأتيهم (٢٩٩) الله بظلل من الغمام ، وبالملائكة . والثاني : إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام . سَلْ بَنِيَّ إِسْرَءِ يَلَ كُمْءَاتَيْنَهُم مِّنْ ءَايَةٍ بَيْنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتُهُ فَإِنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ازٌِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ اُلَّذِينَ اتَّقَوْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٢١٢ قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَاهُم مِّن ءَايَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ ليس السؤال على وجه الاستخبار ، ولكنه على وجه التوبيخ . وفي المراد بسؤاله بني إسرائيل ، ثلاثة أقاويل : أحدها : أنبياؤهم . والثاني : علماؤهم . والثالث : جميعهم . والآيات البينات : فَلْقُ البحر ، والظلل من الغمام ، وغير ذلك . (٢٩٨) إن هذه الآية من الآيات المتشابهة التي نعتقد فيها الله سبحانه وتعالى بما يليق له تعالى من غير تجسيم ولا تكيف قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ((آمنت بما جاء عن الله بمراد الله وآمنت بما جاء عن رسول الله بمراد رسول الله (چڑ)) . i ٢٦٩ سورة البقرة الآية - ٢١٢ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةُ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ يعني بنعمة الله برسوله ◌َّه. قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلْذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ في الدنيا وتزيينها لهم ، ثلاثة أقاويل : أحدها : زينها لهم الشيطان ، وهو قول الحسن . والثاني: زينها لهم الذين أغووهم من الإنس والجن، وهو قول بعض المتكلمين. والثالث : أن الله تعالى زينها لهم بالشهوات التي خلقها لهم . وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَآمَنُوا﴾ لأنهم توهموا أنهم على حق ، فهذه سخريتهم بضعفة المسلمين . وفي الذي يفعل ذلك قولان : أحدهما : أنهم علماء اليهود . والثاني : مشركو العرب . وَالَّذِينَ اتَّقَوا فَوقَهُمْ يَومَ الْقِيَامَةِ ﴾ يعني أنهم فوق الكفار في الدنيا . وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ . فإن قيل: كيف يرزق من يشاء بغير حساب وقد قال تعالى: ﴿عَطَاءً حِسَاباً ﴾ [النبأ: ٣٦]؟ ففي هذا ستة أجوبة: أحدها : أن النقصان بغير حساب ، والجزاء بالحساب . والثاني : بغير حساب لسعة ملكه الذي لا يفنى بالعطاء ، لا يقدر بالحساب . والثالث : إن كفايتهم بغير حساب ولا تضييق . والرابع : دائم لا يتناهى فيصير محسوباً ، وهذا قول الحسن . والخامس : أن الرزق في الدنيا بغير حساب ، لأنه يعم به المؤمن والكافر فلا يرزق المؤمن على قدر إيمانه ولا الكافر على قدر كفره . والسادس : أنه يرزق المؤمنين في الآخرة وأنه لا يحاسبهم عليه ولا يَمُنُ عليهم به . ٢٧٠ سورة البقرة الآية - ٢١٣ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَهُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيْهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمَّ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْفِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ، وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم (٢١٣ قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ في قوله: ﴿أَمَّةً وَاحِدَةً ﴾ خمسة أقاويل : أحدها : أنهم كانوا على الكفر ، وهذا قول ابن عباس والحسن . والثاني : أنهم كانوا على الحق ، وهو قول قتادة والضحاك . والثالث : أنه آدم كان على الحق إماماً لذريته فبعث الله النبيين في ولده ، وهذا قول مجاهد . والرابع : أنهم عشر فرق كانوا بين آدم ونوح على شريعة من الحق فاختلفوا ، وهذا قول عكرمة . والخامس : أنه أراد جميع الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد يوم استخرج الله ذرية آدم من صلبه ، فعرضهم على آدم ، فأقروا بالعبودية والإِسلام ، ثم اختلفوا بعد ذلك . وكان أبيّ بن كعب يقرأ: ﴿كَانَ الْبَشَرُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴾ . وهذا قول الربيع وابن زيد . وفي قوله تعالى : ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾ قولان : أحدهما : في الحق . والثاني: في الكتاب وهو التوراة . ﴿إِلَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ يعني اليهود. ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ يعني الحجج والدلائل ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ مصدر من قول القائل : بغى فلان على فلان ، إذا اعتدى عليه . فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَآمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾ فيه ثلاثة أقاويل : ٢٧١ سورة البقرة الآية - ٢١٤ - ٢١٦ أحدها : أراد الجمعة ، لأن أهل الكتاب اختلفوا فيها فضلوا عنها ، فجعلها اليهود السبت ، وجعلها النصارى الأحد ، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق بإذنه ، فهدى الله الذين آمنوا إليها ، وهذا قول أبي هريرة . والثاني : أنهم اختلفوا في الصلاة ، فمنهم من يصلي إلى الشرق ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس ، فهدانا الله للقبلة ، وهذا قول ابن زيد . والثالث : أنهم اختلفوا في الكتب المنزلة ، فكفر بعضهم بكتاب بعض فهدانا الله للتصديق بجميعها . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتَهُمُ اُلْبَأْسَاءُ وَالضَّرَآءُ وَزُلْزِلُواْحَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهِ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌّ قُلْ مَآ أَنفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ ٢١٤ أَلَا إِنَّنَصْرَ اللَّهِ قَرِبُ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَاُلْيَى وَالْسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّاللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ، قُلْ: مَا أَنْفَقْتُم مِّن خَيرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ فيها قولان : أحدهما : أنها نزلت قبل آية الزكاة في إيجاب النفقة على الأهل والصدقة ثم نسختها آية الزكاة ، وهذا قول السدي . والثاني: أن أصحاب رسول الله والر سألوه عن أموالهم أين يضعونها ، فأنزل الله هذه الآية ، وهذا قول ابن زيد . كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَّكُزُهُ لَّكُمْ وَعَسَىَّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًاوَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّلَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ١٦ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ بمعنى فرض. وفي فرضه ثلاثة - أقاويل : ٢٧٢ سورة البقرة الآية - ٢١٧ أحدها : أنه على أصحاب رسول الله وَله . والثاني : أنه خطاب لكل أحد من الناس كلهم أبداً حتى يقوم به من فيه كفاية ، وهذا قول الفقهاء والعلماء . والثالث : أنه فرض على كل مسلم في عينه أبداً، وهذا قول سعيد بن المسيب . ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهَ لَّكُمْ﴾ والكرْهُ بالضم إدخال المشقة على النفس من غير إكراه أحد . والكرَه بالفتح إدخال المشقة على النفس بإكراه غيره له . ثم فيه قولان : أحدهما : أنه فيه حذفاً وتقديره : وهو ذو كره لكم وهذا قول الزجاج . والثاني : معناه وهو مكروه لكم ، فأقام المقدّر مُقامه . ثم في كونه كرهاً تأويلان : أحدهما : وهو كره لكم قبل التعبد وأما بعده فلا . الثاني : وهو كره لكم في الطباع قبل الفرض وبعده . وإنما يحتمل بالتعبد . ثم قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرِّ لَّكُم﴾ وفي عسى ها هنا قولان : أحدهما : أنه طمع المشفق مع دخول الشك . والثاني : أنها بمعنى قد . وقال الأصم: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيئاً﴾ من القتال ﴿ وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُم﴾ يعني في الدنيا بالظفر والغنيمة ، وفي الآخرة بالأجر والثواب، ﴿وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيئاً﴾ يعني من المتاركة والكف ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، يعني في الدنيا بالظهور عليكم وفي الآخرة بنقصان أجوركم . وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه مصلحتكم ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْخَرَامِ قِتَالِ فِيَّةٍ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرَّبِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ ٢٧٣ سورة البقرة الآية - ٢١٧، ٢١٨ أَكْبُرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَّ يَرُدُوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ٢١٧ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَنَِّكَ يَرَّجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٢١٨ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ، قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ والسبب في نزول هذه الآية أن عبد الله بن جحش خرج بأمر رسول الله وكير في سبعة نفر من أصحابه وهم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وعكاشة بن محصن ، وعتبة بن غزوان ، وسهيل بن البيضاء ، وخالد بن البكير ، وسعد بن أبي وقاص ، وواقد بن عبد الله ، وعبدُ الله بن جحش كان أميرهم ، فتأخر عن القوم سعد وعتبة ليطلبا بعيراً لهما ضَلَّ، فلقوا عمرو بن الحضرمي( ** ) فرماه واقد بن عبد الله التميمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، وغُنِمت العير، وكان ذلك في آخر ليلة من جمادى الآخرة أو أول ليلة من رجب ، فعيرت قريش رسول الله صل# بذلك وقدم عبد الله بن جحش فلامه رسول الله وص لته ولامه المسلمون حتى أنزل الله فيه هذه الآية . واختلفوا فيمن سأل عن ذلك على قولين : أحدهما: أنهم المشركون ليعيّروا بذلك رسول الله وَ له، واستحلوا قتاله فيه ، وهو قول الأكثر . والثاني : أنهم المسلمون سألوا عن القتال في الشهر الحرام ليعلموا حكم ذلك . فأخبرهم الله تعالى : أن الصد عن سبيل الله وإخراج أهل الحرم منه والفتنة أكبر من القتل في الشهر الحرام وفي الحرم ، وهذا قول قتادة . واختلفوا في تحريم القتال في الأشهر الحرم هل نسخ أم لا ؟ فقال الزهري : هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾. وقال عطاء : هو ثابت الحكم ، وتحريم القتال فيه باقٍ غير منسوخ ، والأول أصح لما ٢٧٤ سورة البقرة الآية - ٢١٩ تظاهرت به الأخبار عن رسول الله وَالر أنه غزا هوازن بحنين، وثقيفاً بالطائف ، وأرسل أبا العاص إلى أوطاس لحرب مَنْ بها من المشركين في بعض الأشهر الحرم ، وكانت بيعة الرضوان على قتال قريش في ذي القعدة . وقوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ أي يرجع ، كما قال تعالى : ﴿فَارْتَدًّا عَلَىْ آثَارِ هِمَا قَصَصاً ﴾ [الكهف: ٦٤] أيرجعا، ومن ذلك قيل: استرد فلان حقه . فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي بطلت ، وأصل الحبوط الفساد ، فقيل في الأعمال إذا بطلت حبطت لفسادها . قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ الآية. وسبب نزولها أن قوماً من المسلمين قالوا في عبد الله بن جحش ومن معه : إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم وزْراً فليس فيه أجر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يعني بالله ورسوله ، ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ يعني عن مساكنة المشركين في أمصارهم ، وبذلك. سمي المهاجرون من أصحاب رسول الله وَلّ مهاجرين لهجرهم دورهم ومنازلهم كراهة الذل من المشركين وسلطانهم ، ﴿وَجَاهَدُوا﴾ يعني قاتلوا، وأصل المجاهدة المفاعلة من قولهم جهد كذا إذا أكدّه وشق عليه ، فإن كان الفعل من اثنين كل واحد منهما يكابد من صاحبه شدة ومشقة قيل فلان يجاهد فلاناً . وأما فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فطريق الله ، وطريقه : دينه . فإن قيل: فكيف قال: ﴿أُوْلَئِكَ يَرِجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ﴾ ورحمة الله للمؤمنين مستحقة ؟ ففيه جوابان : أحدهما : أنهم لما لم يعلموا حالهم في المستقبل جاز أن يرجوا الرحمة خوفاً أن يحدث من مستقبل أمورهم ما لا يستوجبونها معه . والجواب الثاني : أنهم إنما رجوا الرحمة لأنهم لم يتيقنوها بتأدية كل ما أوجبه الله تعالى عليهم . يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ ٢٧٥ سورة البقرة الآية - ٢١٩، ٢٢٠ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَّ ◌َ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَيَسْلُونَكَ عَنِ الْبَتَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِيَحْ وَلَوْشَآءَ الَّهُلََّعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٢٠ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ الآية: يعني يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر والميسر وشربها ، وهذه أول آية نزلت فيها . والخمر كل ما خامر العقل فستره وغطى عليه ، من قولهم خَمَّرتُ الإِناء إذا غطيته ، ويقال هو في خُمار الناس وغمارهم يراد به دخل في عُرضهم فاستتر بهم ، ومن ذلك أخذ خمار المرأة لأنه يسترها ، ومنه قيل هو يمشي لك الخمر أي مستخفياً ، قال العجاج : في لامع العِقْبان لا يأتي الخَمَرْ يُوجّهُ الأرضَ ويستاق الشّجَرْ (٣٠٠) يعني بقوله لا يأتي الخمر أي لا يأتي مستخفياً لكن ظاهراً برايات وجيوش . فأما الميسر فهو القمار من قول القائل يَسر لي هذا الشيء يَسْرَأَ ومَيْسِراً ، فالياسر اللاعب بالقداح ثم قيل للمقامر ياسر ويَسَر كما قال الشاعر : فبت كأنني يَسَرُ غبينٌ يقلب بعدما اختلع القداحا(٣٠١) ﴿ قُلْ: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ﴾ قرأ حمزة والكسائي ﴿ ..... كَثِيرٌ﴾ بالثاء . وفي إثمهما تأويلان : أحدهما : أن شارب الخمر يسكر فيؤذي الناس ، وإثم الميسر : ان يقامر الرجل فيمنع الحق ويظلم ، وهذا قول السدي . والثاني : أن إثم الخمر زوال عقل شاربها إذا سكر حتى يغْرُب عنه معرفة (٢٩٩) ديوانه ( ص ١٧ ). (٣٠١) قال صاحب تخريج الطبري في معنى هذا البيت من الشعر يقول أنه بات ليلته حزيناً كاسفاً مطرقاً إطراق المغامر الذي خسر كل شيء فأخذ يقلب في كفيه قداحه مطرقاً متحسراً على ما أصابه ونكبه (٣٢١/٤). ٢٧٦ سورة البقرة الآية - ٢٢٠،٢١٩ خالقه . وإثم الميسر : ما فيه من الشغل عن ذكر الله وعن الصلاة ، ووقوع العداوة والبغضاء كما وصف الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخمر والْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ ﴾ [المائدة: ٩٠] وهذا قول ابن عباس . وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فمنافع الخمر أثمانها وربح تجارتها ، وما ينالونه من اللذة بشربها ، كما قال حسان بن ثابت : ونشربها فتتركنا ملوكاً وأُسْداً ما ينهنهنا اللقاءُ (٣٠٢) وكما قال آخر : رَبُّ الخَوَرْنق والسدير (٣٠٣) فإذا شربت فإنني وإذا صحوتُ فإنني ربُّ الشويهة والبعير ٠ وأما منافع الميسر ففيه قولان : أحدهما : اكتساب المال من غير كدّ . والثاني : ما يصيبون من أنصباء الجزور ، وذلك أنهم كانوا يتياسرون على الجزور فإذا أفلح الرجل منهم على أصحابه نحروه ثم اقتسموه أعشاراً على عدة القداح ، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة : وجزور أيسار دعوت إلى الندى أوساط مقفرة أخف طلالها (٣٠٤) وهذا قول ابن عباس ومجاهد والسدي . ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعْهِمَا ﴾ فيه تأويلان: أحدهما : أن إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما بعد التحريم ، وهو قول ابن عباس . (٣٠٢) ديوان حسان (ص ٤) وفيه ((فنشربها)) بدلاً من ((ونشربها)) وكذا نقله الطبري في التفسير فنشربها ... الخ (٣٢٧/٤). (٣٠٣) الشاعر هو المنخل اليشكري شاعر جاهلي قتله عمرو بن هند . (٣٠٤) ديوانه ( ص ٢٣ ) وفيه : ونياط مقفرة أخاف ضلالها . وكذا نقله الطبري ( ٣٢٧/٤). ٢٧٧ سورة البقرة الآية - ٢١٩، ٢٢٠ والثاني: أن كلاهما قبل التحريم يعني الإِثم الذي يحدث من أسبابهما أكبر من نفعهما ، وهو قول سعيد بن جبير . وفي قوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَقْوَ﴾ ستة تأويلات: أحدها : بما فضل عن الأهل ، وهو قول ابن عباس . والثاني : أنه الوسط في النفقة ما لم يكن إسرافاً أو إقتاراً، وهو قول الحسن(*) . والرابع : إن العفو أن یؤخذ منهم ما أتوا به من قليل أو كثير ، وهو قول مروي عن ابن عباس أيضاً . والخامس : أنه الصدقة عن ظهر غِنى ، وهو قول مجاهد . والسادس : أنه الصدقة المفروضة ، وهو مروي عن مجاهد أيضاً . واختلفوا في هذه النفقة التي هي العفو هل نسخت ؟ فقال ابن عباس نسخت بالزكاة . وقال مجاهد هي ثابتة . واختلفوا في هذه الآية هل كان تحريم الخمر بها أو بغيرها ؟ فقال قوم من أهل النظر : حرمت الخمر بهذه الآية . وقال قتادة وعليه أكثر العلماء : أنها حرمت بآية المائدة . وروى عبد الوهاب عن عوف عن أبي القُلوص (٣٠٥) زيد بن علي قال: أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاث آيات فأول ما أنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ (*) لاحظ أن التأويل الثالث لم يذكر . (٣٠٥) وفي الطبري (٣٣٢/٤) عن أبي القموص وهذا الأثر رواه الطبري (٣٣٢/٤) وهو حديث مرسل ضعفه الحافظ ابن حجر في الفتح (٢٠١/٧) وما وقع في المخطوطة خطأ في اسمه صححناه من الطبري . وهذا الشعر منسوب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولكن هذه القصة لم تثبت وقد ردها الإِمام الحافظ ابن حجر بما رواه الفاكهي بسند صحيح كما قال الحافظ عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((والله ما قال أبو بكر بيت شعر في الجاهلية ولا الإِسلام ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية)) ثم قال الحافظ : وهي أعلم بشأن أبيها من غيرها وأبو القموص لم يدرك أبا بكر فالعهدة على الواسطة فلعله كان من الروافض (٢٠١/٧ فتح ). ٢٧٨ سورة البقرة الآية - ٢١٩، ٢٢٠ وَالْمَيْسِرٍ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾، فشربها قوم من المسلمين أو من شاء الله منهم حتى شربها رجلان ودخلا في الصلاة وجعلا يقولان كلاماً لا يدري عوف ما هو، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَ تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ فشربها من شربها منهم وجعلوا يتوقّونها عند الصلاة ، حتى شربها - فيما زعم أبو القلوص - رجل فجعل ينوح على قتلى بدر ، وجعل يقول : وهل لي بعد قومي من سلام تحيي بالسلامة أم بكرٍ رأیت الموت نبّث عن هشام ذريني اصطبح بكراً فإني بألف من رجال أو سوام ووديني المغيرة لو فدوه من الشيزي تُكَلّلُ بالسنامَ وکائن بالطويِّ طويٍّ بدٍ من الفتيان والحلل الکرام. وکائن بالطويِّ طويٍّ بدر قال: فبلغ ذلك رسول الله وَله فجاء فزعاً يجر رداءه من الفزع حتى انتهى إليه ، فلما عاينه الرجل ورفع رسول الله وَ ليل شيئاً كان بيده ليضربه ، فقال : أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله ، لا أطعمها أبداً، فأنزل الله في تحريمها ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَمُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠ -٩١] فقالوا: انتهينا. وروى موسى عن عمرو عن أسباط عن السدي قال : نزلت هذه الآية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ فلم يزالوا يشربونها حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً ودعا ناساً من أصحاب رسول الله وَّر، منهم علي بن أبي طالب وعمر رضي الله عنهما، فشربوا حتى سكروا، فحضرت الصلاة فأمهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقرأ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فلم يُقِمْها، فأنزل الله تعالى يشدد في الخمر ﴿يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا تَقُولُونَ﴾ فكانت لهم حلالاً يشربونها من صلاة الغداة حتى يرتفع النهار أو ينتصف فيقومون إلى صلاة الظهر وهم صاحون ، ثم لا يشربونها حتى يصلوا العتمة ، ثم يشربونها حتى ينتصف الليل، وينامون ويقومون إلى صلاة الفجر وقد أصبحوا ، فلم يزالوا كذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعاماً ودعا ٢٧٩ سورة البقرة الآية - ٢٢١ ناس من أصحاب رسول الله وَ ر فيهم رجل من الأنصار، فسوى لهم رأس بعير ثم دعاهم إليه ، فلما أكلوا وشربوا من الخمر سكروا وأخذوا في الحديث فتكلم سعد بشيء فغضب الأنصاري فرفع لحى البعير وكسر أنف سعد ، فأنزل الله تعالى نسخ الخمر وتحريمها، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَاَلْأَنصَابُ وَالأَزْلَمُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ﴾ . قوله تعالى: ﴿ ... وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ: إِصْلَاحٌ لَهُم خَيرٌ ﴾ قال المفسرون : لمّا نزلت سورة بني إسرائيل، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وفي سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِم نَاراً﴾، تحرج المسلمون أن يخلطوا طعامهم بطعام من يكون عندهم من الأيتام ، وكانوا يعزلون طعامهم عن طعامهم ، وشرابهم عن شرابهم ، حتى ربما فسد طعامهم ، فشق ذلك عليهم ، فشكوا ذلك إلى رسول الله وَلِ*، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانَكُم﴾، يعني في الطعام ، والشراب ، والمساكنة ، وركوب الدابة ، واستخدام العبد قال الشعبي : فمن خالط يتيماً ، فليوسع عليه ، ومن خالط بأكل فلا يفعل . ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ قال ابن زيد: الله يعلم حين تخلط مالك بماله، أتريد أن تصلح ماله أو تفسد ماله بغير حق . وَلَو شَاءَ اللهُ لأَعْتَنكُم ﴾ فيه تأويلان : أحدهما : لَشدّد عليكم ، وهو قول السدي . والثاني : لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً ، وهو قول ابن عباس . ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ يعني عزيز في سلطانه وقدرته على الإِعنات ، حكيم فيما صنع من تدبيره وتركه الإِعنات . وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌمِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْأَعْجَبَكُمْ أُوْلَتِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِوَاَللَّهُ يَدْعُوْ إلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنُِّ ٢٨٠