Indexed OCR Text

Pages 201-220

سورة البقرة الآية - ١٤٤
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ فيه ثلاثة
تأويلات :
أحدها : معناه وإن التولية عن بيت المقدس إلى الكعبة والتحويل إليها
لكبيرةٌ ، وهذا هو قول ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة .
والثاني : إن الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان رسول الله وَله يتوجه إليها من
بيت المقدس قبل التحويل ، وهذا قول أبي العالية الرياحي .
والثالث : أن الكبيرة هي الصلاة ، التي كانوا صَلَّوْهَا إلى القبلة الأولى ،
وهذا قول عبد الرحمن بن زيد .
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم ﴾ يعني صلاتكم إلى بيت
المقدس ، فسمى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نية وقول وعمل ، وسبب ذلك أن
المسلمين لما حُوِّلُوا عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة ، قالوا لرسول الله
وَ﴾(٢٥٩): كيف من مات من إخواننا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضيعَ
إِيمَانَكُم ﴾.
فإن قيل : هم سألوه عن صلاةٍ غيرهم ، فأجابهم بحال صلاتهم ؟ قيل : لأن
القوم أشفقوا ، أن تكون صلاتهم إلى بيت المقدس مُحْبَطةً لمنْ مات ومن بقي ،
فأجابهم بما دَلَّ على الأمرين ، على أنه قد روى قوم أنهم قالوا : كيف تضيع
صلاتنا إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى ذلك . ﴿ إِنَّ اللّه بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
الرأفة : أشد من الرحمة ، وقال أبو عمر عمرو بن العلاء : الرأفة أكثر من الرحمة .
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَلَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ
(٢٥٩) تقدم في رواية البراء بن عازب رضي الله عنه ونزيد هنا أن الموضع الذي ذكر فيه سبب نزول هذه
الآية في البخاري (١٧١/٨١) وقال الحافظ ابن كثير (٣٣٣/١) رواه الترمذي عن ابن عباس
وصححه ا هـ.
أقول : ورواه أحمد في مسنده برقم ( ٣٢٤٩) وابن جرير بإسنادين عن ابن عباس (١٦٧/٤) برقم
(٢٢١٩) صحح أحدهما الشيخ أحمد شاكر في تخريج الطبري وزاد السيوطي نسبته في الدر
(٣٤٣/١) لوكيع والفريابي والطيالسي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن حبان والطبراني والحاكم
وصححه .
٢٠١

سورة البقرة الآية - ١٤٤
شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ
331
الْكِتَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمٌ وَمَا ◌َللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقُلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ ﴾ هذه الآية متقدمة في
النزول على قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِن النَّاسِ ﴾ .
وفي قوله : ﴿تَقَلَّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ تأويلان:
أحدهما : معناه : تحول وجهك نحو السماء ، وهذا قول الطبري ..
والثاني : معناه : تقلب عينيك في النظر إلى السماء ، وهذا قول الزجاج .
فَلَنُوَلِِّنَّكَ قِلةً تَرضاها﴾ يعني الكعبة كان رسول الله بَّهُو يرضاها ويختارها
ويسأل [ ربه ](*) أن يُحَوَّل إليها .
واختُلِفَ في سبب اختياره لذلك على قولين :
أحدهما : مخالفة اليهود وكراهة لموافقتهم ، لأنهم قالوا : تتبع قبلتنا وتخالفنا .....
في ديننا ؟ وبه قال مجاهد ، وابن زيد .
والثاني : أنه اختارها ، لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم ، وبه قال ابن عباس .
فإن قيل: أكان رسول الله وَ ل غير راض ببيت المقدس أن يكون له قبلة ،
حتى قال تعالى له في الكعبة ﴿ فَلَنُوَلَّيَنَّكْ قِيْلَةً تَرْضَاهَا﴾ ؟ قيل : لا يجوز أن يكون
رسول الله غير راض ببيت المقدس ، لَمَّا أمره الله تعالى به ، لأن الأنبياء يجب
عليهم الرضا بأوامر الله تعالى ، لكن معنى ترضاها : أي تحبها وتهواها ، وإنما
أحبها مع ما ذكرنا من القولين الأولين ، لما فيها من تآلف قومه وإسراعهم إلى
إجابته ، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿تَرْضَاهَا﴾ محمولاً على الحقيقة بمعنى :
ترضى ما يحدث عنها من التأليف ، وسرعة الإِجابة ، ثم قال تعالى مجيباً لرغبته
وآمراً بطَلِبَتِه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي حَوِّلْ وجهك في
الصلاة ، شطر المسجد الحرام أي : نحو المسجد الحرام ، كما قال الهذلي .
(*) زيادة يقتضيها السياق .
٠
٢٠٢

سورة البقرة الآية - ١٤٥
إنَّ العسير بها دَاءٌ يُخَامِرُها فشطرُهَا نظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ (٢٦٠)
أي نحوها ، والشطر من الأضداد ، يقال : شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه ،
وشطر عن كذا إذا بَعُدَ منه وأعرض عنه ، وشِطْرُ الشيء : نصفه ، فأما الشاطر من
الرجال فلأنه قد أخذ في نحوٍ غير الإِستواء .
قوله تعالى: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني به الكعبة ، لأنها فيه فعبر به عنها .
واختلف أهل العلم في المكان ، الذي أمر رسول الله وَير أن يولي وجهه إليه :
فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ﴿فَلَتُوَلَِّنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ قال : حيال
ميزاب الكعبة .
وقال عبد الله بن عباس : البيت كله ، وقبلة البيت الباب .
ثم قال تعالى: ﴿وَحَيْثُمَا كَنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يعني نحو المسجد
الحرام أيضاً تأكيداً للأمر الأول لأن عمومه يقتضيه ، لكن أراد بالتأكيد احتمال
التخصيص، ثم جعل الأمر الأول مواجهاً به النبي وَله، والثاني مواجهاً به جميع
الناس، فكلا الأمرين عام في النبي ◌َّير وجميع أمته ، لكن غاير بين الأمرين ليمنع
من تغيير الأمر في المأمور به ، وليكون كل واحد منهما جارياً على عمومه .
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ يعني اليهود والنصارى .
لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ يعني تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى
الكعبة .
وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ من الخوض في إِفْتَانِ المسلمين عن دينهم
بذلك .
وَلَيِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَّ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعِ
قِبْلَنَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعِ قِبْلَةَ بَعْضِ وَلَبِنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم مِّنْ بَعْدِ
مَاجَآءَ كَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ
١٤٥)
(٢٦٠) ديوان في أشعار الهذليين للسكري (ص ٢٦١) ومجاز القرآن لأبي عبيدة (ص ٦٠).
٢٠٣

سورة البقرة الآية - ١٤٦، ١٤٧
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِيْلَتَكَ
يعني استقبال الكعبة .
﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ يعني استقبال بيت المقدس، بعد أن حُوِّلَتْ
قِبْلَتُك إلى الكعبة .
﴿ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِيْلَةَ بَعْضٍ ﴾ يعني أن اليهود لا تتبع النصارى في
القبلة ، فهم فيها مختلفون ، وإن كانوا على معاندة النبي بَّ متفقين.
وَلَيْنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ يعني في القبلة .
﴿مَن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يعني في تحويلها عن بيت المقدس إلى
الكعبة .
﴿ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وليس يجوز أن يفعل النبي ما يصير به ظالماً .
وفي هذا الخطاب وجهان :
أحدهما : أن هذه صفة تنتفي عن النبي ، وإنما أراد بذلك بيان حكمها لو
كانت .
والوجه الثاني : أن هذا خطاب للنبي والمراد به أمته .
الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ
اُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
١٤٧
١٤٦٦
الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى، أوتوا
التوراة ، والإِنجيل .
﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : يعرفون أن تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة حق كما
يعرفون أبناءهم .
والثاني : يعرفون الرسول وصدق رسالته كما يعرفون أبناءهم .
وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ ﴾ يعني علماءَهم وخواصَّهم .
٢٠٤

سورة البقرة الآية - ١٤٨
لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن الحق هو استقبال الكعبة .
والثاني: أن الحق محمد وَلّ، وهذا قول مجاهد وقتادة .
: وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : يعلمون أنه حق متبوع .
والثاني : يعلمون ما عليه من العقاب المستحق .
﴿ أَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني استقبال الكعبة ، لا ما أخبرتك به شهود من
قبلتهم .
فَلَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ أي من الشاكِّين، يقال : امترى فلان في كذا
إذا اعترضه اليقين مَرَّةً، والشك أخرى ، فدافع أحدهما بالآخر .
فإن قيل: أفكان شاكّاً حين نهى عنه؟ قيل: هذا وإن كان خطاباً للنبي وَلّ
فالمراد به غيره من أمته .
وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعَاً
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
١٤٨
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيْهَا ﴾ يعني ولكل أهل ملة من سائر
الملل وجهة هو مولِّيها . وفيه قولان :
أحدهما : قبلة يستقبلونها ، وهو قول ابن عباس وعطاء والسدي .
والثاني : يعني صلاة يصلونها ، وهو قول قتادة .
وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ مُوَلِيها﴾ قولان :
أحدهما : أن أهل كل وجهة هم الذين يَتَوَّلُّونَهَا ويستقبلونها .
والثاني : أن أهل كل وجهةٍ الله تعالى هو الذي يوليهم إليها ويأمرهم
٢٠٥

سورة البقرة الآية - ١٤٩، ١٥٠
باستقبالها، وقد قرىء (٢٦١) ﴿هُوَ مَوْلاها) وهذا حسن يدل على الثاني من
القولين .
فَأَسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ فیه تأويلان :
أحدهما : معناه فسارعوا إلى الأعمال الصالحة ، وهو قول عبد الرحمن بن
زيد .
والثاني : معناه : لا تُغلَبوا على قبلتكم بما تقول اليهود من أنكم إذا اتبعتم
قبلتهم اتبعوكم ، وهذا قول قتادة .
يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾ إلى الله مرجعكم جميعاً ، يعني يوم القيامة .
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني على إعادتكم إليه أحياء بعد الموت
والبلى .
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٍ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكْ
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٍ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ
وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَْ
اُلْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٍ لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ
حُجَّةُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ
١٥٠
وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
ثم أكد الله أمره في استقبال الكعبة ، لما جرى من خوض المشركين
ومساعدة المنافقين ، بإعادته فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٍّ وَجْهَكَ شَطْرَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَإِنَّهُ لَلْحَقُ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ تبيِيناً لِنَبِّهِ
وصرفاً له عن الاغترار بقول اليهود : أنهم يتبعونه إن عاد .
وَمَا آللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يقول ذلك ترغيباً لهم في الخير(*).
(٢٦١) وهي بفتح اللام قراءة ابن عامر وحده [ السبعة في القراءات لابن مجاهد ١٧٢ ].
(*) وفي نسخة أخرى للمخطوطة ((الجزاء)) بدلاً من الخير ومعناهما واحد .
٢٠٦
.

سورة البقرة الآية - ١٥٠،١٤٩
والثاني : تحذيراً من المخالفة .
ثم أعاد الله تعالى تأكيد أمره ، ليخرج من قلوبهم ما استعظموه من تحويلهم
إلى غير ما أَلِفُوه، فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلَّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فأفاد كل واحد من الأوامر الثلاثة مع استوائها
في التزام الحكم فائدة مستجده :
أما الأمر الأول فمفيد لنسخ غيره ، وأما الأمر الثاني فمفيد لأجل قوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ أنه لا يتعقبه نسخ .
وأما الأمر الثالث فمفيد أن لا حجة عليهم فيه ، لقوله: ﴿لِئَلَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ﴾.
ثم قال تعالى : ﴿إِلَّ الَّذِينَ ظَلَّمُوا مِنْهُمْ﴾ ليس يريد أن لهم عليكم حجة .
وفيه قولان :
أحدهما : أن المعنى ، ولكن الذين ظلموا قد يحتجون عليكم بأباطيل
الحجج ، وقد ينطلق اسم الحجة على ما بطل منها ، لإِقامتها في التعلق بها مقام
الصحيح حتى يظهر فسادها لمن علم ، مع خفائها على من جهل ، كما قال
تعالى: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فَسَمَّاهَا حجة ، وجعلها عند الله دَاخِضَة .
والقول الثاني : أن المعنى لِئَلَّ يكون للناس عليكم حُجَّةٌ بعد الذين ظلموا ،
فتكون ( إلّا) بمعنى (بعد)، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكُجُوا مَا نَكَحَ
ءَابَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أي بعدما قد سلف. وكما قيل في قوله
تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوتَ إِلَّ المَوتَةَ الأولَى﴾ [الدخان: ٥٦] أي بعد الموتة
الأولى. وأراد بالذين ظلموا قريشاً واليهود، لقول قريش حين استقبل الكعبة: قد علم
أننا على هُدِّى، ولقول اليهود: إن رَجَعَ عنها تابعناه.
فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَونِي﴾ في المخالفة ﴿وَلَاتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ﴾ يحتمل
وجهين :
أحدهما : فيما هديناكم إليه من القبلة .
والثاني : ما أعددته لكم من ثواب الطاعة .
٢٠٧

سورة البقرة الآية - ١٥١، ١٥٤
كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيككُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَئِنَا وَيُزَكِّيِكُمْ
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (٦) فَاذْكُرُونِيّ
أَذْكُرْكُمْ وَأَشْكُرُ واْلِى وَلَا تَكْفُرُونِ
١٥٢
قوله تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ ﴾ يعني من العرب ﴿رَسُولاً مِنْكُمْ﴾ يعني
محمداً ◌َِّ ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْءَآيَاتِنَا﴾ يعني القرآن.
﴿ وَيُزَكِّيْكُمْ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : يعني يطهركم من الشرك .
والثاني : أن يأمركم بما تصيرون به عند الله أزكياء .
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : القرآن .
والثاني : الإخبار بما في الكتب السالفة من أخبار القرون الخالية .
وَالْحِكْمَةَ ﴾ فيها تأويلان :
أحدهما : السنّة .
والثاني : مواعظ القرآن .
وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ يعني من أحكام الدين وأمور الدنيا.
فَاذْكُرُ ونِي أُذْكُرْكُمْ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : اذكروني بالشكر أذكركم بالنعمة .
والثاني : اذكروني بالقبول أذكركم بالجزاء .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ إِنَّاللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ
و
١٥٣
نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُّ بَلْ أَحْيَةٌ وَلَكِنْ لَّا تَشْعُرُونَ
١٥٤
قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُواْ أَسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ أما الصبر
ها هنا ففيه قولان :
٢٠٨

سورة البقرة الآية - ١٥٥ - ١٥٧
أحدهما : الثبات على أوامر الله تعالى .
والثاني : الصيام المقصود به وجه الله تعالى .
وأما الاستعانة بالصلاة فتحتمل وجهين :
أحدهما : الاستعانة بثوابها .
والثاني : الاستعانة بما يُتلى في الصلاة ليعرف به فضل الطاعة فيكون عوناً
على امتثال الأوامر .
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلْكِن لاَّ
تَشْعُرُونَ﴾ وسبب ذلك أنهم كانوا يقولون لقتلى بدر وأحد : مات فلان ، ومات
فلان ، فنزلت الآية وفيها تأويلان :
أحدهما : أنهم ليسوا أمواتاً وإن كانت أجسامهم أجسام الموتى بل هم عند
الله أحياء النفوس منعّمو الأجسام .
والثاني : أنهم ليسوا بالضلال أمواتاً بل هم بالطاعة والهدى أحياء ، كما قال
تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي
الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾[الأنعام: ١٢٢] فجعل الضالَّ ميتاً، والمُهْتَدِيَ حياً.
ويحتمل تأويلاً ثالثاً : أنهم ليسوا أمواتاً بانقطاع الذكر عند الله وثبوت الأجر .
وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَتِّ
وَبَشِّرِ الصَّبِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّ لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ
◌ْ أُوْلََّكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
١٥٧
قوله تعالى: ﴿وَلَبْلُوَنَّكُمْ﴾ يعني أهل مكة، لما تقدم من دعاء النبي وَّ
أن يجعلها عليهم سنين كسني يوسفَ حين قحطوا سبع سنين ، فقال الله تعالى
مجيباً لدعاء نبيه : ﴿وَلَيْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ ﴾ الخوف يعني الفزع
في القتال ، والجوع يعني المجاعة بالجدب .
﴿ وَتَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ ﴾ يحتمل وجهين :
٢٠٩

سورة البقرة الآية - ١٥٥ - ١٥٧
أحدهما : نقصها بالجوائح المتلفة .
والثاني : زيادة النفقة في الجدب .
٠
وَالأُنفُسِ ﴾ يعني ونقص الأنفس بالقتل والموت. ﴿وَالثُّمَرَاتِ ﴾ قلة
النبات وارتفاع البركات .
﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : وبشر الصابرين على الجهاد بالنصر .
والثاني : وبشر الصابرين على الطاعة بالجزاء .
والثالث : وبشر الصابرين على المصائب بالثواب ، وهو أشبه لقوله من بعد :
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ يعني: إذا
أصابتهم مصيبة في نفس أو أهل أو مال قالوا : إنا لله : أي نفوسنا وأهلونا وأموالنا
لله، لا يظلمنا فيما يصنعه بنا ﴿ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يعني بالبعث في ثواب
المحسن ومعاقبة المسيء .
ثم قال تعالى في هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَّبِّهِم وَرَحْمَةٌ
وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ ﴾ الصلاة اسم مشترك المعنى فهي من الله تعالى الرحمة ،
ومن الملائكة الاستغفار، ومن الناس الدعاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأْيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً﴾. وقال
الشاعر :
صلّى على يحبى وأشياعه رَبُّ كريمٌ وشفيع مطاع
قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَّبِّهِمْ﴾ أي رحمة ، وذكر ذلك
بلفظ الجمع لأن بعضها يتلو بعضاً .
ثم قال: ﴿وَرَحْمَةٌ ﴾ فأعادها مع اختلافها للفظين لأنه أوكد وأبلغ كما قال :
مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ﴾ .
وفي قوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ وجهان محتملان :
أحدهما : المهتدون إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن .
والثاني : المهتدون إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر .
٢١٠

سورة البقرة الآية - ١٥٨
إِنَّالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِاللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَاَ جُنَاحَ
(١٥٨)
عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَأْ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّاللَّهَ شَاكِرْ عَلِيهُ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ أما الصفا والمروة فهما
مبتدأ السعي ومنتهاه . وفيه قولان :
أحدهما : أن الصفا : الحجارة البيض ، والمروة الحجارة السود . واشتقاق
الصفا من قولهم صفا يصفو إذا خَلَص ، وهو جمع واحده صفاة .
والثاني : أن الصفا : الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً ، والمروة الحجارة
الرخوة ، وهذا أظهر القولين في اللغة . يدل على الصفا قول الطرماح :
أبت لي قوتي والطول إلّ
يؤيس حافراً أبداً صفاتي (٢٦٢)
ويدل على المروة قول الكميت :
ويُوَلِّي الأرضَ خفاً ذابلا
فإذا ما صادف المَرْوَ رضخ (٢٦٣)
وحُكِيَ عن جعفر بن محمد قال : نزل آدم على الصفا، وحواء على
المروة ، فَسُمِّي الصفا باسم آدم المصطفى وسميت المروة باسم المرأة .
وقيل إن اسم الصفا ذكّر بإساف وهو صنم كان عليه مذكر الاسم ، وانثت
المروة بنائلة وهو صنم كان عليه مؤنث الاسم .
وفي قوله : ﴿ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ وجهان :
أحدهما : يعني من معالم الله التي جعلها لعباده معلماً ، ومنه قول الكميت :
نقتّلهم جيلاً فجيلا تراهُمُ شعائر قربان بها يُتَقَرَّبُ (٢٦٤)
(٢٦٢) ديوان الطرماح (١٣٤ ) وفيه :
أبى لي ذو القوى والطول ألا يؤبِّس حافز أبداً صفاتي
وقد نقله الطبري (٢٢٤/٣) هكذا ومنه تعلم أن الشطر الأول من البيت مخالف تماماً لما فى
الديوان .
(٢٦٣) ديوانه (١٦١) وفيه :
تولى الأرض خفاً مجمراً بدلاً من : يولي الأرض خفاً ذابلاً.
(٢٦٤) الهاشميات (٢١) واللسان مادة شَعَرَ
٢١١

سورة البقرة الآية - ١٥٨
والثاني : إن الشعائر جمع شعيرة وهو الخبر الذي أخبر الله تعالى عنه ، وهي
من إشعار الله عباده أمر الصفا والمروة وما عليهم من الطواف بهما ، وهذا قول
مجاهد .
ثم قال تعالى : ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ﴾ أما الحج ففيه قولان :
أحدهما : أنه القصد ، سمي به النسك لأن البيت مقصود فيه ، ومنه قول
الشاعر :
وأشهد من عوف حلولاً كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا(٢٦٥)
يعني بقوله يحجون أي يكثرون التردد إليه لسؤدده ورياسته ، فسمي الحج
حجاً لأن الحاج يأتي قِبَلَ البيت ثم يعود إليه لطواف الإفاضة ، ثم ينصرف إلى منى
ويعود إليه لطواف الصدر ، فلتكرر العَوْد إليه مرة بعد أخرى قيل له : حاجّ .
وأما العمرة ففيها قولان :
أحدهما : أنها القصد أيضاً ، وكل قاصد لشيء فهو معتمر ، قال العجاج :
لقد غزا ابن معمر حين اعتمر مَغْزِئً بعيداً من بعيد وصَبَرِ (٢٦٦)
يعني بقوله حين اعتمر أي حين قصد .
والقول الثاني : أنها الزيارة ومنه قول الشاعر :
وراكب جاءً من ( تثليث ) معتمرا(٢٦٧)
وجاشت النفسُ لمَّا جاءَ فَلُّهم
أي زائراً .
ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ ورفع الجناح من أحكام
المباحث دون الواجبات
(٢٦٥) إصلاح المنطق (٤١١)، البيان والتبيين (٩٧/٣)، الاشتقاق لابن دريد (٧٧، ١٥٦) واللسان
مادة [ سَبَبَ - حَجَجَ - قَهَرَ - زَبْرَقَ ].
(٢٦٦) ديوانه (١٩) وفيه :
لقد سما ابن معمر حين اعتمر فغزى بعيداً من بعيد وخبر
وهكذا أورده الطبري في التفسير (٢٢٩/٣).
(٢٦٧) البيت للأعشى ، انظر اللسان مادة ( عَمَر ).
٢١٢

سورة البقرة الآية - ١٥٨
فذهب أبو حنيفة إلى أنّ السعي بين الصفا والمروة غير واجب في الحج
والعمرة منسكاً بأمرين :
أحدهما : قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ورفع الجناح من
أحكام المباحات دون الواجبات .
والثاني : أن ابن عباس وابن مسعود قَرَء: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لَّ يَطَّوَّفَ
بِهِمَا ﴾.
وذهب الشافعي ، ومالك ، وفقهاء الحرمين ، إلى وجوب السعي في
النسكين تمسكاً بفحوى الخطاب ونص السنة ، وليس في قوله : ﴿ فَلاَ جُنَاحَ ﴾
دليل على إباحته دون وجوبه ، لخروجه على سبب ، وهو أن الصفا كان عليه في
الجاهلية صنم اسمه إساف ، وعلى المروة صنم اسمه نائلة ، فكانت الجاهلية إذا
سعت بين الصفا والمروة طافوا حول الصفا والمروة تعظيماً لإِساف ونائلة ، فلما جاء
الإِسلام وألغيت الأصنام تَكَرَّهَ المسلمون أن يُوَافِقُوا الجاهلية في الطواف حول الصفا
والمروة ، مجانبةً لما كانوا عليه من تعظيم إساف ونائلة ، فأباح الله تعالى ذلك لهم
في الإِسلام لاختلاف القصد فقال: ﴿ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ .
وأما قراءة ابن مسعود، وابن عباس : ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لَّ يَطّوَّفَ
بِهِمَا﴾، فلا حجة فيها على سقوط فرض السعي بينهما لأن (لا) صلة في الكلام
إذا تقدمها جَحْد، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن لَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]
بمعنى ما منعك أن تسجد، وكما قال الشاعر (٢٦٨):
ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عُمَرُ
وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ﴾ فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : ومن تطوع بالسعي بين الصفا والمروة ، وهذا قول مَنْ أسقط وجوب
السعي .
والثاني : ومن تطوع بالزيادة على الواجب ، وهذا قول من أوجب السعي .
والثالث : ومن تطوع بالحج والعمرة بعد أداء فرضهما .
(٢٦٨) الشاعر هو جرير والبيت في ديوانه ( ص :
٢١٣

سورة البقرة الآية - ١٥٩ - ١٦٢
فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ يحتمل تأويلين :
أحدهما : شاكر للعمل عليم بالقصد .
والثاني : شاكر للقليل عليم بالثواب .
إِنَّالَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَِّنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِى
اُلْكِتَبِّ أُوْلَكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَُّهُمُ الَّعِنُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ
وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَمَاتُواْوَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَغَنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَبِّكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١٦١
خَلِينَ فِيهَا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْيُظَرُونَ
١٦٢
قوله عز وجل : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا﴾ قيل: هم رؤساء اليهود ،
كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، وابن صوريا ، وزيد بن التابوت ، هم الذين
كتموا ما أنزل الله .
﴿ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن البينات هي الحجج الدالة على نبوة محمد رَلير ، والهدى :
الأمر باتباعه .
والثاني : أن البينات والهدى واحد ، والجمع بينهما تأكيد ، وذلك ما أبان
عن نبوته وهدی إلی اتباعه(٢٦٩).
مِنْ بَعْدِ مَا بَيِنَّهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ﴾ يعني القرآن .
﴿ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ﴾ فيهم أربعة أقوال:
أحدها : أنهم كل شيء في الأرض من حيوان وجماد إلا الثقلين الإِنس
والجن ، وهذا قول ابن عباس والبراء بن عازب .
(٢٦٩) قال الإمام ابن جرير رحمه الله : وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاص من الناس فإنها معني بها
كل كاتمٍ علماً فرض الله تعالى بيانه للناس (٢٥١/٣).
٢١٤

سورة البقرة الآية - ١٥٩ - ١٦٢
والثاني : اللاعنون : الإِثنان إذا تلاعنا لحقت اللعنة مستحقها منهما ، فإن لم
يستحقها واحد منهما رجعت اللعنة على اليهود ، وهذا قول ابن مسعود .
والثالث : أنهم البهائم ، إذا يبست الأرض قالت البهائم هذا من أجل عُصاةٍ
بني آدم ، وهذا قول مجاهد وعكرمة .
والرابع : أنهم المؤمنون من الإِنس والجن ، والملائكة يَلعنون مَنْ كَفَر بالله
واليوم الآخر ، وهذا قول الربيع بن أنس .
﴿ إِلَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ يعني بالإِسلام من كفرهم ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ يحتمل
وجهين :
أحدهما : إصلاح سرائرهم وأعمالهم .
والثاني : أصلحوا قومهم بإرشادهم إلى الإِسلام ﴿وَبَيِّنُوا ﴾ يعني ما في
التوراة من نبوة محمد بَله ووجوب اتّباعه ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِم ﴾ والتوبة من
العباد : الرجوع عن الذنب ، والتوبة من الله تعالى : قبولها من عباده .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ وإنما شرط الموت على
الكفر لأن حُكْمَهُ يستقر بالموت عليه ويرتفع بالتوبة منه. ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ
اللَّهِ﴾ واللعنة من العباد: الطرد، ومن الله تعالى: العذاب. ﴿وَالْمَلَائِكَةٍ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وقرأ الحسن البصري: ﴿وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعُونَ ﴾
بالرفع ، وتأويلها : أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله وتلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس
أجمعون .
فإن قيل : فليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم ، قيل : عن
هذا جوابان :
أحدهما : أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة جميع الناس ، فغلب
حكم الأكثر على الأقل .
والثاني : أن المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس كما قال
تعالى: ﴿يَوَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥].
ثم قال تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ﴾ فيه تأويلان :
٢١٥

سورة البقرة الآية - ١٦٣، ١٦٤
أحدهما : لا يخفف بالتقليل والاستراحة .
والثاني : لا يخفف بالصبر عليه والاحتمال له .
وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يؤخرون عنه ولا يمهلون .
والثاني : لا ينظر الله عز وجل إليهم فيرحمهم .
وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
١٦٣
قوله تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ أراد بذلك أمرين :
أحدهما : أن إلّه جميع الخلق واحد ، لا كما ذهبت إليه عبدة الأصنام من
العرب وغيرهم أن لكل قوم إلّهاً غير إله من سواهم .
والثاني : أن الإله وإنْ كان إلهاً لجميع الخلق فهو واحد لا ثاني له ولا مثل
له . ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾، ثم وصف فقال: ﴿الرَّحْمَنُ
الرَّحِيمُ ﴾ ترغيباً في عبادته وحثاً على طاعته .
إِنَّفِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَّخْرِى
فِى الْبَحْرِبِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َآءٍ فَأَحْيَابِهِ اْأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ وَتَصْرِيفِ الرَِّحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ
الشَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
(١٦٤)
ثم دل على ما ذكرهم من وحدانيته وقدرته ، بقوله تعالى : ﴿إِنَّ فِي خَلْقٍ
السَّمُواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ :
فآية السماء : ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها ، ثم ما فيها
من الشمس والقمر والنجوم السائرة .
وآية الأرض: بحارها، وأنهارها ، ومعادنها ، وشجرها ، وسهلها ، وجبلها .
وآية الليل والنهار : اختلافهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر ، فيقبل الليل من
٢١٦

سورة البقرة الآية - ١٦٣، ١٦٤
حيث لا يعلم ، ويدبر النهار إلى حيث لا يعلم ، فهذا اختلافهما .
ثم قال : ﴿والْقُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ الفلك: السفن،
الوَاحِدُ والجمع بلفظ واحد ، وقد يذكر ويؤنث . والآية فيها : من وجهين :
أحدهما : استقلالها بحملها .
والثاني : بلوغها إلى مقصدها .
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ ﴾ يعني به المطر المنزل
منها ، يأتي غالباً عند الحاجة ، وينقطع عند الاستغناء عنه ، وذلك من آياته . ثم
قال تعالى : ﴿ فَأُحْيَا الأرْضَ بَعْدَ موتِهَا ﴾ وإحياؤها بذلك قد یکون من وجهين :
أحدهما : ما تجري به أنهارها وعيونها .
والثاني : ما ينبت به من أشجارها وزروعها ، وكلا هذين سبب لحياة الخلق
من ناطق وبُهْم .
ثم قال تعالى : ﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ ﴾ يعني جميع الحيوان الذي أنشأه
فيها ، سماه ( دابة ) لدبيبه عليها ، والآية فيها مع ظهور القدرة على إنشائها من
ثلاثة أوجه :
أحدها : تباين خلقها .
والثاني : اختلاف معانيها .
والثالث : إلهامها وجوه مصالحها .
ثم قال تعالى : ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ﴾ والآية فيها من وجهين:
أحدهما: اختلاف هبوبها في انتقال الشمال جنوبها، والصبا دبوراً، فلا يعلم
لانتقالها سبب، ولا لانصرافها جهة.
والثاني: ما جعله في اختلافها من إنعام ينفع، وانتقام يؤذي.
وقد روى سعيد بن جبير عن شريح قال: ما هاجت ريح قط إلا لسُقْمٍ صحيح
أو لشفاء سقيم والرياح جمع ريح وأصلها أرواح. وحكى أبو معاذ أنه كان في مصحف
حفصة: ﴿وَتَصْرِيفِ الأَرْوَاحِ﴾.
وقال ابن عباس : سميت الريح لأنها تريح ساعة بعد ساعة . قال ذو الرمة :
٢١٧

سورة البقرة الآية - ١٦٥، ١٦٧
إذا هبت الأرواح من نحو جانب به آل مَيٍّ هاج شوقي هبوبها
ثم قال تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾ المسخر :
المذلل ، والآية فيه من ثلاثة أوجه :
أحدها : ابتداء نشوئه وانتهاء تلاشيه .
والثاني : ثبوته بين السماء والأرض من غير عَمَد ولا علائق .
والثالث : تسخيره وإرساله إلى حيث يشاء الله عز وجل .
وهذه الآية قد جمعت من آياته الدالة على وحدانيته وقدرته ما صار لذوي
العقول مرشداً وإلى الحق قائداً . فلم يقتصر الله بنا على مجرد الإخبار حتى قرنه
بالنظر والاعتبار .
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَبْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اَللَّهِّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُوَأْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ اْإِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَلِلَّهِ جَمِيعًا
﴿ إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ
وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ
١٦٥
وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْأَنَّ لَنَاكَرَّةً
(١٦٦
الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
فَتَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُ وأمِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ
وَمَاهُمْ بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ
١٦٧
ثم أخبر أن مع هذه الآيات الباهرة لذوي العقول ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن
دُونِ اللَّهِ أَندَاداً ﴾ والأنداد الأمثال ، واحدها ند ، والمراد به الأصنام التي كانوا
يتخذونها آلهة يعبدونها كعبادة الله تعالى مع عجزها عن قدرة الله في آياته الدالة
على وحدانيته .
ثم قال تعالى: ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ يعني أنهم مع عجز الأصنام
يحبونهم كحب الله مع قدرته .
﴿ وَالَّذِينَ ءَآمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِّلَّهِ ﴾ يعني من حب أهل الأوثان لأوثانهم ، ومعناه
أن المخلصين لله تعالى هم المحبون حقاً .
٢١٨

سورة البقرة الآية - ١٦٥، ١٦٧
قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ فيهم قولان:
أحدهما : أن الذين اتبعوا هم السادة والرؤساء تبرؤوا ممن اتبعهم على
الكفر ، وهذا قول عطاء .
والثاني : أنهم الشياطين تبرؤوا من الإِنس ، وهذا قول السدي .
﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ ﴾ يعني به المتبوعين والتابعين. وفي رؤيتهم للعذاب
وجهان محتملان :
أحدهما : تيقنهم له عند المعاينة في الدنيا .
والثاني : أن الأمر بعذابهم عند العرض والمساءلة في الآخرة .
وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ فيه خمسة تأويلات :
أحدها : أن الأسباب تواصلهم في الدنيا ، وهو قول مجاهد وقتادة .
والثاني : المنازل التي كانت لهم في الدنيا ، وهو قول ابن عباس .
والثالث : أنها الأرحام ، وهو رواية ابن جريج عن ابن عباس .
والرابع : أنها الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا ، وهو قول السدي .
والخامس : أنها العهود والحلف الذي كان بينهم في الدنيا .
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّ ﴾ يريد بذلك أن
الأتباع قالوا للمتبوعين لو أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا فنتبرأ منكم فيها كما تبرأتم
منا في الآخرة .
كَذَلِكَ يُرِيهُمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يريد المتبوعين والأتباع ،
والحسرة شدة الندامة على محزون فائت .
وفي ﴿ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ وجهان :
أحدهما : برهم الذي حبط بكفرهم ، لأن الكافر لا يثاب مع كفره .
والثاني : ما نقصت به أعمارهم في أعمال المعاصي أن لا تكون مصروفة
إلى طاعة الله .
﴿ وَمَا هُم بِخَارِ جِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ يريد به أمرين :
أحدهما : فوات الرجعة .
٢١٩

سورة البقرة الآية - ١٦٨، ١٦٩
والثاني : خلودهم في النار .
يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِقَا فِى الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ
﴿ إِنَّمَايَأْمُرُّكُمْ بِلِسُوْءٍ وَالْفَحْشَآءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ
إِنَُّ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِيرٌ
١٦٩
مَا لَانَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَاَلاً طَيِّياً﴾ قيل إنها
نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الأنعام والزرع ،
فأباح لهم الله تعالى أكله وجعله لهم حلالاً طيباً .
﴿ وَلَا تَتَبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ وهي جمع خطوة ، واختلف أهل التفسير
في المراد بها على أربعة أقاويل :
أحدها : أن خطوات الشيطان أعماله ، وهو قول ابن عباس .
والثاني : أنها خطاياه وهو قول مجاهد .
والثالث : أنها طاعته ، وهو قول السدي .
والرابع : أنها النذور في المعاصي .
إِنَّه لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ ﴾ أي ظاهر العداوة .
إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ ﴾ قال السدي : السوء في هذا الموضع
معاصي الله ، سميت سوءاً لأنها تسوء صاحبها بسوء عواقبها .
وفي الفحشاء ها هنا ثلاثة أقاويل :
أحدها : الزنى .
والثاني : المعاصي .
والثالث : كل ما فيه الحد ، سمي بذلك لفحش فعله وقبح مسموعه .
وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أن تحرموا على أنفسكم ما لم يحرمه الله عليكم .
والثاني : أن تجعلوا له شريكاً .
٢٢٠