Indexed OCR Text
Pages 41-60
أسماء القرآن حَدٌّ وَلَكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ))(٤٤) قيل ليس هذا الحديث - مع كونه من أخبار الآحاد - منافياً لما قررناه من الأصول المستمرة ، لما فيه من التأويلات المختلفة . أما قوله : ((مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ آيَةٍ إِلَّ لَهَا ظَهْرٌ وبَطْنٌ)) ففيه أربعة تأويلات : أحدها : معناه أنك إذا فتشت عن باطنها وقسته على ظاهرها ، وقفت على معناها ، وهو قول الحسن . والثاني : يعني أن القِصَصَ ظاهِرُها الإِخبار بهلاك الأولين ، وباطنها عظة للآخِرِين ، وهذا قول أبي عبيد . والثالث : معناه ما من آية إلا وقد عمل بها قوم ، ولها قوم سَيَعْملون بها ، وهذا قول ابن مسعود (٤٥). والرابع : يعني أن ظاهرها لفظها ، وباطنها تأويلها ، وهذا قول الجاحظ . وأما قوله : ((وَلَكُلِّ حرفٍ حدٌّ )) ففيه تأويلان : أحدهما : معناه أن لكل لفظٍ مُنْتَهى ، فيما أراده الله تعالى من عباده . . والثاني : أن لكلِّ حكمٍ مقداراً مِنَ الثواب والعقابِ . (٤٤) رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٧٤) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وقال الأرناؤوط إسناده قوي تخريج شرح السنة للبغوي (٢٢٣/١) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٥٢/٧) ونسبه للبزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وقال رجال أحدهما ثقات وللحديث طريقين ضعيفين آخرين عن ابن مسعود رواهما الطبري (٢٢/١) في الأول مجهول وفي الثاني ابراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف وقد رواه الإمام البغوي عن الحسن البصري مرسلاً (٢٦٢/١) وفي إسناده أيضاً علي ابن زيد بن جدعان وهو ضعيف. وقد استغل هذا الحديث وفهمه على غير وجهته طائفتان من الناس هما الباطنية وغلاة الصوفية وكلاهما مخطىء ومنحرف عن جادة السبيل ، وقد نقل صاحب تحفة الأحوذي (٢٨٠/٨) كلاماً جيداً للحافظ ابن حجر حول هذا الموضوع فراجعه فإنه مهم . فائدة : نسب هذا الحديث لأبي نصر السجزي الإِمام السيوطي في الجامع الكبير . (٤٥) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب ، أبو عبد الرحمن كان من السابقين الأولين ومن مهاجرة الحبشة ، شهد بدراً وله مناقب كثيرة . توفي رضي الله عنه بالمدينة في آخر سنة اثنتين وثلاثين. أنظر : طبقات ابن سعد (١٠٦/١/٣)، التاريخ الكبير (٢/٥)، الإستيعاب (٣١٦/٢)، تاريخ بغداد (١٤٧/١)، أسد الغابة (٣٨٤/٣)، سير أعلام النبلاء (٤٦١/١)، تذكرة الحفاظ (١٣/١). ٤١ أسماء القرآن وأما قوله: ((وَلِكُلِّ حدٍّ مَطْلَعٌ )) ففيه تأويلان : أحدهما : معناه ولكل غامِضٍ من الأحكام مطلع يوصل منه إلى معرفتِهِ ، ويوقف منه على المراد به . والثاني : معناه أن كل ما استحقَّه من الثواب والعقاب سيطلع عليه في الآخرةِ ويراه عند المجازاة . فصل الإِسْتِعاذَةُ ثبت بالكتاب والسنة ، أن يستعيذ القارىءُ لقراءة القرآن ، فيقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وهو نص الكتاب . وروى أبو سعيدٍ الْخُدْرِيُّ (٤٦) عن النبيِّي ◌ََّ أنه قال: ((أَعُوذُ باللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ نَفْخِهِ ونَفْئِهِ وهَمْزِهِ))(٤٧). وفي الاستعاذة وجهان : أحدهما : أنها الاستجارة بذي منعة . والثاني : أنها الاستعانةُ عن خضوع . (٤٦) هو سعد بن مالك بن سفيان بن ثعلبة ، أبو سعيد الخدري رضي الله عنه . صحابي جليل شهد أبو سعيد الخندق وبيعة الرضوان ، وكان رضي الله عنه أحد الفقهاء المجتهدين حدث عن النبي # فأكثر وأطاب توفي رضي الله عنه سنة أربع وسبعين وقيل سنة ثلاث وسبعين . أنظر : - الإصابة (٣٥/٢)، أسد الغابة (٢٨٩/٢، ٢١١/٥)، الإستيعاب (٥٦٣/٣)، تذكرة الحفاظ ( ٤١/١ ). (٤٧) رواه أبو داود (٧٧٥)، والنسائي (١٤٣/١) مطولاً ومختصراً والترمذي (٩/٢) والدارمي (٢٨٣/١) وابن ماجه (٨٠٤) والطحاوي (١١٦/١) والدارقطني (١١٢) والبيهقي في السنة (٣٤/٢، ٣٥) وأحمد (٥٠/٣) كلهم من طرق عن جعفر بن سليمان الضبعي عن علي بن علي الرفاعي عن ابن المتوكل الناجي عن أبي سعيد مرفوعاً . قال الترمذي وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد وكان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي وقال أحمد : لا یصح هذا الحديث اهـ. وقد صحح الحديث الشيخ أحمد شاكر في تخريج الترمذي (١١/٢) ولم يعتمد تضعيف علي بن علي الرفاعي . والحديث حسنه الشيخ الألباني في الإرواء (٥١/٢) وأورد له شواهد كثيرة فراجعه هناك . ٤٢ أسماء القرآن وفي موضعها وجهان : أحدهما : أنها خبر يُخْبِر به المرءُ عن نفسه ، بأنه مستعيذ بالله . والثاني : أنها في معنى الدعاء ، وإن كانت بلفظ الخبر ، كأنه يقول : أُعِذْنِي يا سميعُ ، يا عليمُ من الشيطان الرجيم ، يعني أنه سميع الدعاء ، عليم بالإِجابة . وفي قوله: (( من الشيطان )) وجهان : أحدهما : من وسوسته . والثاني : من أعوانه . وفي (( الرجيم )) وجهان : أحدهما : يعني الراجم ، لأنه يرجمُ بالدواهي والبلايا . والثاني : أنه بمعنى المرجوم ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه مرجوم بالنجوم . والثاني : أنه المرجوم بمعنى المشئوم . وفيه وجه ثالث : أن المرجوم الملعون والملعون المطرود . وقوله : ((مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْئِهِ وهَمْزِهِ)) يعني بالنفخ : الكبر ، وبالنفث : السحر ، وبالهمز : الجنون ، والله أعلم . ٤٣ ١ سورة الفاتحة الآية شُورَةُ الْفَائِحَّة قال قتادة : هي مكية (٤٨)، وقال مجاهدٌ (٤٩): هي مدنية . ولها ثلاثة أسماء : فاتحة الكتاب ، وأم القرآن ، والسبع المثاني . روى ابن أبي ذئب(٥٠)، عن سعيد المقبري(٥١)، عن أبي هريرة ، عن رسول الله ◌َ ي قال: ((هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب ، وهي السبعُ المثاني ))(٥٢). فأما تسميتها بفاتحة الكتاب فلأنه يستفتح الكتاب بإثباتها خطاً وبتلاوتها لفظاً . (٤٨) قال الحافظ في الفتح : وهو قول الجمهور خلافاً لمجاهد إلى أن قال : قال الحسين بن الفضل هذه هفوة ابن مجاهد لأن العلماء على خلاف قوله ( ١٥٩/٨ ). (٤٩) هو مجاهد بن جبر مولى السائب بن أبي السائب ، أبو الحجاج . من كبار التابعين قال عن نفسه : عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقفه عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف نزلت ؟ أنظر : - التاريخ الكبير (٣٩٠/٦)، مشاهير علماء الأمصار (١٦٥) الكاشف (٣٦٨/٢)، تهذيب التهذيب (٢١٩/٨)، سير أعلام النبلاء (٤٤٩/٤) وغيرها . (٥٠) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب ، ولد سنة ثمانية وكان من أورع الناس وأفضلهم وكان من أوعية العلم . سمع من عكرمة ، محمد بن سعيد المقبري وغيرهما توفي رحمه الله سنة تسع وخمسين ومئة . أنظر : - تذكرة الحفاظ (١٩١/١)، شذرات الذهب (٢٤٥/١)، الحلية (١٩١/١) وغيرها. (٥١) هو أبو سعد سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري ، ثقة ، جليل . حدث عن عائشة ، أبي هريرة وابن عمر وغيرهم . توفي سنة خمس وعشرين ومئة وقيل سنة ثلاث وعشرين وقيل سنة ست وعشرين . أنظر : - التاريخ الكبير (٤٧٤/٣)، الجرح والتعديل (٥٧/٤)، تهذيب التهذيب (١/٢٠/٢) وغيرها. (٥٢) رواه البخاري (٨: ٢٢٩ الفتح)، أبو داود (١٤٥٧)، الترمذي (٣٣٢٠)، الدارمي = ٤٥ سورة الفاتحة الآية فأما تسميتها بأم القرآن ، فلتقدُّمِها وتأخر ما سواها تبعاً لها ، صارت أُمّاً لأنه أُمَّتْهُ أي تقدمَّته ، وكذلك قيل لراية الحرب : أَمَّ لتقدُّمها واتباع الجيش لها ، قال الشاعر : عَلَى رَأْسِهِ أُمَّ لَهَا يُقْتَدَىْ بِهَا جِمَاعُ أُمُورٍ لَا يُعَاصَىْ لَهَا أَمْرُ وقيل لما مضى على الإِنسان من سِنِي عُمُرُه ، أَمِّ لتقدمها. قال الشاعر : لِرَأْيِكَ إِلَّ أَنْ يَمُوتَ طَبِيبُ إِذَا كَانَتِ الْخَمْسُونَ أُمَّكَ لَمْيَكُنْ وأختُلِف في تسميتها بأمِّ الكتاب ، فجوَّزَهُ الأكثرون ، لأن الكتاب هو القرآن ، ومنع منه الحسن، وابن سيرين(٥٣)، وزعما أن أمَّ الكتاب ، أسم اللوح المحفوظ ، فلا يسمى به غيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيُّ حَكِيمٌ ﴾. [الزخرف: ٤]. وأما [ تسمية ] مكة بأم القرى ، ففيه قولان : أحدهما : أنها سُمِّيت أمَّ القرى ، لتقدمها على سائر القرى . والثاني : أنها سُمِّيت بذلك، لأن الأرض منها دُحِيَتْ(٥٤) وعنها حَدَثَتْ ، فصارت أمّاً لها لحدوثها عنها ، كحدوث الولد عن أمه . وأما تسميتها بالسبع المثاني ، فلأنها سبع آيات في قول الجميع . وأما الثاني ، فلأنها تُثَنى في كل صلاة من فرض وتَطَّوع ، وليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من [ تسميتِهِ ] غَيْرَها به قال أعشىْ هَمْدَانَ : وَأَدْرُسُوا هَذِي الْمَثَانِ وَالطَّوَلْ فَلِجُوا الْمَسْجِدَ وَادْعُوا رَبَّكُمْ = (٢٤٦/٢)، أحمد برقم (٢٩٧٨٧)، الطبري (١٠٧/١)، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح . وزاد السيوطي في الدر المنثور (١٤/١ ) نسبته لابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه . (٥٣) هو محمد بن سيرين الأنصاري ، أبو بكر . من التابعين ، من علماء الحديث والفقه وعبر الرؤيا سمع من ابن عمر ، جندب بن عبد الله البجلي وأبي هريرة وغيرهم . واتفقوا على أنه توفي بالبصرة سنة عشر ومئة . أنظر : - سير أعلام النبلاء (٦٠٦/٤)، تاريخ البخاري (٩٠/١)، تاريخ ابن عساكر (٢١٠/١٥)، شذرات الذهب (١٣٨/١) وغيرها . (٥٤) دليله في ذلك حدیث سیأتی تخريجه قريباً ٤٦ سورة الفاتحة الآية - ١ بِسْمِلّهِ الرَّحْمِنِ الرَّحِيمِ ١ قوله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾ أجمعوا أنها من القرآن في سورة النمل ، وإنما اختلفوا في إثباتها في فاتحة الكتاب ، وفي أول كل سورة ، فأثبتها الشافعي في طائفة ، ونفاها أبو حنيفة في آخرين . وأختُلِفَ في قوله : ﴿ بِسْمِ ﴾ : فذهب أبو عبيدة وطائفة إلى أنها صلة زائدة ، وإنما هو اللهُ الرحمنُ الرحيمُ ، واستشهدوا بقول لبيد : إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ (٥٥) فذكر اسم السلام زيادة ، وإنما أراد : ثم السلام عليكما . وآختلف من قال بهذا في معنی زیادته علی قولین: أحدهما: لإجلال ذكره وتعظيمه، ليقع الفرق به بين ذكره وذكر غيره من المخلوقين، وهذا قول قطرب(٥٦). والثاني : ليخرج به من حكم القسم إلى قصد التبرُّك ، وهذا قول الأخفش (٥٧) وذهب الجمهور إلى أن ((بسم)) أصل مقصود، واختلفوا في معنى دخول الباء عليه، - فهل دخلت على معنى الأمر أو على معنى الخبر - على قولين: (٥٥) ديوان لبيد قصيدة رقم ٢١ . (٥٦) هو محمد بن المستنير بن أحمد البصري ، أبو علي . لغوي ، نحوي . أخذ النحو عن سيبويه وغيره من علماء البصرة ، أخذ عن النظام علم الكلام توفي ببغداد سنة ٢٠٦ هـ ومن تصانيفه معاني القرآن ، العلل في النحو، الاشتقاق وغيرها . أنظر : - تاريخ بغداد (٢٩٨/٣)، وفيات الأعيان (٦٢٥/١)، الكامل في التاريخ (١٢٩/٦) شذرات الذهب (١٥/٢). (٥٧) هو علي بن سليمان بن الفضل البغدادي ، أبو الحسن . العلامة النحوي لازم ثعلباً والمبرد وبرع في العربية . توفي رحمه الله سنة خمس عشرة وثلاث مئة وقيل غير ذلك . أنظر : - طبقات النحويين واللغويين (١١٥)، النجوم الزاهرة (٢١٩/٣)، بغية الوعاة (١٦٧/٢) معجم الأدباء (٢٤٦/١٣)، إنباه الرواة (٢٧٦/٢). ٤٧ سورة الفاتحة الآية - ١ أحدهما: دخلت على معنى الأمر وتقديره: ابدؤوا بسم الله الرحمن الرحيم وهذا قول الفراء. والثاني: على معنى الإخبار وتقديره: بدأت بسم الله الرحمن الرحيم وهذا قولُ الزجَّاج(٥٨). وحُذِفت ألف الوصل، بالإلصاق في اللفظ والخط، لكثرة الاستعمال كما حذفت من الرحمن، ولم تحذف من الخط في قوله: ﴿إِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذَّي خَلَقَ﴾ [العلق: آية ١] لقلَّة استعماله. الاسم: كلمة تدل على المسمى دلالة إشارةٍ، والصفة كلمة تدل على الموصُوف دلالة إفادة، فإن جعلت الصفة اسماً، دلَّت على الأمرين: على الإشارة والإفادة. وزعم قوم أن الاسم(٥٩) ذاتُ المسمى، واللفظ هو التسمية دون الاسم، وهذا فاسد، لأنه لو كان أسماءُ الذواتِ هي الذواتُ، لكان أسماءُ الأفعال هي الأفعال، وهذا ممتنع في الأفعال فامتنع في الذوات. واختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين : أحدهما : أنه مشتق من السمة ، وهي العلامة ، لما في الاسم من تمييز المسمى ، وهذا قول الفرَّاء . والثاني : أنه مشتق من السمو، وهي الرفعة لأن الاسم يسمو بالمسمى (٥٨) هو إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج ، أبو إسحاق . النحوي ، اللغوي ، المفسر أقدم أصحاب المبرد قراءة عليه . من تصانيفه : - معاني القرآن ، مختصر النحو، الاشتقاق ، وغيرها . توفي سنة ٣١١ هـ وقيل غير ذلك. أنظر : - بغية الوعاة ( ١٧٩)، أنباه الرواة (١٥٩/١)، البداية والنهاية (١٤٨/١١) النجوم الزاهرة (٢٨/٣)، شذرات الذهب (٥٩/٢ ). (٥٩) قال الحافظ اللالكائي بسنده إلى محمد بن جرير الطبري أنه قال: ((وأما القول في الاسم أهو المسمى أو غير المسمى فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع ولا قول من امام فيستمع . والخوض فيه شين والصمت عنه زين وحسب امرىء من العلم به والقول فيه أن ينتهي إلى قول الصادق عز وجل وهو قوله : ﴿ قل ادع الله أو آدع الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ وقوله: · ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ اهـ. أصول أهل السنة والجماعة ص ١٨٣. ٤٨ سورة الفاتحة الآية - ١ فيرفعه من غيره ، وهذا قول الخليل(٦٠) والزجَّاج. وأنشد قول عمرو بن معدي كرب : وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَمْراً فَدَعْهُ سَمَا لَكَ أَوْ سَمَوْتَ لَهُ وُلُوعُ وَصِلْهُ بِالدُّعَاءِ فَكُلُّ أَمْرٍ وتكلف من رَاعَى معاني الحروف ببسم الله تأويلاً ، أجرى عليه أحكام الحروف المعنوية ، حتى صار مقصوداً عند ذكر الله في كل تسمية ، ولهم فيه ثلاثة أقاويل : أحدها : أن الباء بهاؤه وبركته ، وبره وبصيرته ، والسين سناؤه وسموُّه وسيادته ، والميم مجده ومملكته ومَنْه (٦١)، وهذا قول الكلبي(٦٢). (٦٠) هو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي ، أبو عبد الرحمن . نحوي ، لغوي أول من استخرج العروض توفي بالبصرة في سنة ١٧٠ هـ رحمه الله من تصانيفه : - العواض الشواهد، النقط والشكل ، الجمل وغيرها . أنظر : - سير أعلام النبلاء (١٣٧/٦)، تهذيب التهذيب (١٦٣/٣)، البداية والنهاية (١١١/١٠) بغية الوعاة (٢٤٣ ). (٦١) قول الكلبي هذا دلیله حديث موضوع لا أصل له : رواه الطبري (٢٢١/١، ١٤٥، ١٤٧)، ابن حبان في المجروحين مطولاً ص وابن مردويه كما نقله ابن كثير (١: ٣٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢٥١/٧) والديلمي في مسند الفردوس برقم (٨٧٤) وابن عدى وابن عساكر في تاريخ دمشق والثعلبي كما نسبه إليهم السيوطي في الدر (٨/١) من رواية أبي سعيد الخدري مرفوعاً. وفي سنده إسماعيل بن يحيى وهو كذاب كذبه غير واحد من الأئمة وفي سنده أيضاً عطية العوفي وهو ضعيف مدلس . وفي سنده أيضاً مجهول وقال ابن عراق في تنزيه الشريعة (١٣١/١) رواه ابن عدي من حديث أبي سعيد الخدري وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي والبلاء منه ولا يضع مثل هذا إلا ملحد أو جاهل والحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢٠٤/١) وحكم عليه العلامة أحمد شاكر بالوضع في تخريج الطبري (٢٢١/١ ). تنبيه: إذا عرفت هذا فاكتفاء الإِمام السيوطي في الدر المنثور بقوله: ((ضعيف جداً)) ذهول عن العلة الحقيقية . وقد أحسن المؤلف صنعاً بالتعليق على هذه الأقوال . (٦٢) هو محمد بن السائب بن بشر بن عمرو الكلبي ، أبو النضر . مفسر، إخباري ، نسابة ولد بالكوفة وتوفي بها سنة ١٤٦ ومن تصانيفه تفسير القرآن . أنظر : - ميزان الاعتدال (٥٥٦/٣)، وفيات الأعيان (٦٢٤)، الفهرست (٩٥/١)، كشف الظنون (٤٥٧)، الاعلام للزركلي (٧/٣). ٤٩ سورة الفاتحة الآية - ١ والثاني : أن الباء بريء من الأولاد ، والسين سميع الأصوات والميم مجيب الدعوات ، وهذا قول سليمان بن يسار . والثالث : أن الباء بارىء الخلق ، والسين ساتر العيوب ، والميم المنان ، وهذا قول أبي روق . ولو أن هذا الاستنباط يحكي عمَّن يُقْتدى به في علم التفسير لرغب عن ذكره ، لخروجه عما اختص الله تعالى به من أسمائه ، لكن قاله متبوع فذكرتُهُ مَعَ بُعْدِهِ حاكياً ، لا محققاً ليكون الكتاب جامعاً لما قيل . ويقال لمن قال (( بسم الله)) بَسْمَلَ على لُغَةٍ مُوَلَّدَةٍ ، وقد جاءت في الشعر ، قال عمر بن أبي ربيعة : لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلَى غَدَاةَ لَقِيتُهَا فَيَا حَبَّذَا ذَاكَ الْحَبِيبُ الْمُبَسْمِلُ فأما قوله: ((الله))، فهو أخص أسمائه به ، لأنه لم يتسَمَّ باسمه الذي هو ((الله)) غيره . والتأويل الثاني : أن معناه هل تعلم له شبيهاً ، وهذا أعمُّ التأويلين ، لأنه يتناول الإِسم والفعل . وحُكي عن أبي حنيفة أنه الاسم الأعظم من أسمائه تعالى ، لأن غيره لا يشاركه فيه . واختلفوا في هذا الاسم هل هو اسم عَلَمٍ للذات أو اسم مُشْتَقٍّ من صفةٍ ، على قولين : أحدهما : أنه اسم علم لذاته ، غير مشتق من صفاته ، لأن أسماء الصفات تكون تابعة لأسماء الذات ، فلم يكن بُدُّ من أن يختص باسم ذاتٍ ، يكون علماً لتكون أسماء الصفات والنعوت تبعاً . والقول الثاني : أنه مشتق من ألَّهَ ، صار باشتقاقه عند حذف همزٍهٍ ، وتفخيم لفظه الله . واختلفوا فيما اشْتُقَ منه إله على قولين : أحدهما : أنه مشتق من الوَلَه ، لأن العباد يألهون إليه ، أي يفزعون إليه في ٥٠ سورة الفاتحة الآية - ١ أمورهم ، فقيل للمألوه إليه إله ، كما قيل للمؤتمُّ به إمام . والقول الثاني : أنه مشتق من الألوهية ، وهي العبادة ، من قولهم فلان يتألَّه ، أي يتعبد ، قال رؤيةُ بن العجاج(٦٣): لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ المُدَّهِ لَمَّا رَأَيْنَ خَلِقَ الْمُمْوَّهِ سَبَّحْنَ فَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلَّهِ أي من تعبد، وقد رُوي عن ابن عباس (٦٤) أنه قرأ: ﴿وَيَذَرََكَ وَالِهَتَكَ﴾ أي وعبادتك . ثم اختلفوا ، هل اشتق اسم الإِلَّه من فعل العبادة ، أو من استحقاقها ، على قولين : أحدهما : أنه مشتق من فعل العبادة ، فعلى هذا ، لا يكون ذلك صفة لازمة قديمة لذاته ، لحدوث عبادته بعد خلق خلقه ، ومن قال بهذا ، منع من أن يكون الله تعالى إلّها لم يزل ، لأنه قد كان قبل خلقه غير معبود . والقول الثاني : أنه مشتق من استحقاق العبادة ، فعلى هذا يكون ذلك صفة لازمة لذاته ، لأنه لم يزل مستحقّاً للعبادة ، فلم يزل إلَّهاً ، وهذا أصح القولين ، لأنه لو كان مشتقّاً من فعل العبادة لا من استحقاقها ، للزم تسمية عيسى عليه السلام إلَها، لعبادة النصارى له ، وتسمية الأصنام آلهة ، لعبادة أهلها لها ، وفي بطلان هذا دَليل، على اشتقاقه من استحقاق العبادة، لا من فعلها، فصار قولنا ((إلّه)) على هذا القول صفة من صفات الذات ، وعلى القول الأول من صفات الفعل(٦٥). (٦٣) ديوانه ص ١٦٥ . (٦٤) وهذه قراءة شاذة والإسناد إلى ابن عباس فيها ضعيف . رواه الطبري برقم (١٤٢، ١٤٣) وقد نقل هذه القراءة الشاذة ابن خالويه في كتاب القراءات الشاذة ص ٤٥ عن علي وابن مسعود وابن عباس . (٦٥) اعلم أن السلف رحمهم الله يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل: أما صفات الذات فهي التي لا تنفك عنها الذات بل هي لازمة لها أزلاً وأبداً ولا تتعلق بها مشيئة الله وقدرته وذلك كصفات الحياة والعلم والقدرة والقوة والعزة والملك والعظمة والكبرياء والمجد والجلال [ شرح العقيدة الواسطية ص ١٠٥] وجاء في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢١٧/٦) تعريف الصفات الفعلية . قال : وهي الأمور التي يتصف بها الرب عز وجل فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته مثل كلامه ومحبته = ٥١ سورة الفاتحة الآية - ١ وأما ((الرحمن الرحيم))، فهما آسمان من أسماء الله تعالى، والرحيم فيها اسم مشتق من صفته . وأما الرحمن ففيه قولان : أحدهما : أنه اسم عبراني معرب ، وليس بعربي ، كالفسطاط رومي معرب ، والإِستبرق فارسي معرب ، لأن قريشاً وهم فَطَنَةُ العرب وفُصَحَاؤهم ، لم يعرفوهُ حتى ذكر لهم ، وقالوا ما حكاه الله تعالى عنهم: ﴿ ... وَمَا الرَّحْمْنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ تُفُوراً﴾ [الفرقان: ٦٠]، وهذا قول ثعلب(٦٦) واستشهد بقول جریر : أو تترکون إلی القسّین هجرتکم ومسحکم صلبھم رحمن قربانا قال : ولذلك جمع بين الرحمن والرحيم ، ليزول الالتباس ، فعلى هذا يكون الأصل فيه تقديم الرحيم على الرحمن لعربيته ، لكن قدَّم الرحمن لمبالغته . . والقول الثاني : أن الرحمن آسم عربي كالرحيم لامتزاج حروفهما ، وقد ظهر ذلك في كلام العرب ، وجاءت به أشعارهم ، قال الشنفرى : أَ ضَرَبَتْ تِلْكَ الْفَتَّةُ هَجِينَهَا أَ ضَرَبَ الرَّحْمُنُ رَبِّي يَمِينَهَا(٦٧) فإذا كانا اسمين عربيين فهما مشتقان من الرحمة ، والرحمة هي النعمة على المحتاج، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، يعني نعمةً عليهم، وإنما سميت النعمةُ رحمةً لحدوثها عن الرحمة. والرحمن أشدُّ مبالغةً من الرحيم ، لأن الرحمن يتعدى لفظه ومعناه ، والرحيم = ورضاه ورحمته وغضبه وسخطه ومثل خلقه وإحسانه وعدله ومثل استوائه ومجيئه وإتيانه ونزوله ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة. اهـ. (٦٦) هو أحمد بن يحيى الشيباني مولاهم الكوفي ، أبو العباس . نحوي ، لغوي . توفي ببغداد سنة ٢٩١ هـ رحمه الله . من تصانيفه: المصون في النحو، اختلاف النحويين ومعاني القرآن وغيرها . أنظر : - سير أعلام النبلاء (١٣٩/٩)، تاريخ بغداد (٢٠٤/٥)، معجم الأدباء (١٠٢/٥) تهذيب الأسماء واللغات (٢٧٥/٢)، البداية والنهاية (٩٨/١١). .. (٦٧) أنظر المخصص لابن سيده (١٧ : ١٥٢ ) لکن فيه . وقد نقله الطبري (١٣١/١) لكن لم يصرح باسم الشاعر بل قال وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء . ٥٢ سورة الفاتحة الآية - ٣،٢ لا يتعدى لفظه، وإنما يتعدى معناه ، ولذلك سمي قوم بالرحيم ، ولم يتسِّمَّ أحدٌ بالرحمن ، وكانت الجاهليةُ تُسمِّي الله تعالى به وعليه بيت الشنفرى ، ثم إن مسيلمة الكذاب تسمَّى بالرحمن ، واقتطعه من أسماء الله تعالى ، قال عطاء : فلذلك قرنه الله تعالى بالرحيم ، لأن أحداً لم يتسمَّ بالرحمن الرحيم ليفصل اسمه عن اسم غيره ، فيكون الفرق في المبالغة ، وفرَّق أبو عبيدة بينهما ، فقال بأن الرحمن ذو الرحمة ، والرحيم الراحم . واختلفوا في اشتقاق الرحمن والرحيم على قولين : أحدهما : أنهما مشتقان من رحمة واحدةٍ ، جُعِل لفظ الرحمن أشدَّ مبالغة من الرحيم . والقول الثاني : أنهما مشتقان من رحمتين ، والرحمة التي اشتق منها الرحمن ، غير الرحمة التي اشتق منها الرحيم ، ليصح امتياز الاسمين ، وتغاير الصفتين ، ومن قال بهذا القول اختلفوا في الرحمتين على ثلاثة أقوال : أحدها: أن الرحمن مشتق من رحمة الله لجميع خلقه، والرحيم مشتق من رحمة الله لأهل طاعته . والقول الثاني : أن الرحمن مشتق من رحمة الله تعالى لأهل الدنيا والآخرة ، والرحيم مشتق من رحمتِهِ لأهل الدنيا دُون الآخرة . والقول الثالث : أن الرحمن مشتق من الرحمة التي يختص الله تعالى بها دون عباده ، والرحيم مشتق من الرحمة التي يوجد في العباد مثلُها . الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعُسْلَمِينَ جَالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٣ قوله عز وجل: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أما ﴿ الحمد لله﴾ فهو الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله، والشكرُ الثناء عليه بإنعامه ، فكلُّ شكرِ حمدٌ ، وليسَ كلُّ حمدٍ شكراً ، فهذا فرقُ ما بين الحمد والشكر ، ولذلك جاز أن يَحْمِدَ الله تعالى نفسه ، ولم يَجُزْ أن يشكرها . فأما الفرق بين الحمد والمدح ، فهو أن الحمد لا يستحق إلا على فعلٍ ٥٣ سورة الفاتحة الآية - ٣،٢ حسن ، والمدح قد يكون على فعل وغير فعل ، فكلُّ حمدٍ مدحٌ وليْسَ كل مدحٍ حمداً ، ولهذا جاز أن يمدح الله تعالى على صفته ، بأنه عالم قادر ، ولم يجز أن يحمد به ، لأن العلم والقدرة من صفات ذاته ، لا من صفات أفعاله ، ويجوز أن يمدح ويحمد على صفته ، بأنه خالق رازق لأن الخلق والرزق من صفات فعله لا من صفات ذاته . وأما قوله : ﴿رب﴾ فقد اختلف في اشتقاقه على أربعة أقاويل : أحدها : أنه مشتق من المالك ، كما يقال رب الدار أي مالكها . والثاني : أنه مشتق من السيد ، لأن السيد يسمى ربّأَ قال تعالى: ﴿ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ [يوسف: ٤١] يعني سيده. والقول الثالث: أن الرب المدَبِّر، ومنه قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالرَّبَّانُّونَ وَآلْأَحْبَارُ﴾ وهم العلماء ، سموا ربَّانِيِّين، لقيامهم بتدبير الناس بعلمهم ، وقيل: ربَّةُ البيت ، لأنها تدبره . والقول الرابع: الرب مشتق من التربية، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَرَبَآئُكُمُ اللَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، [النساء: ٢٣] فسمى ولد الزوجة ربيبة ، لتربية الزوج لها . فعلى هذا ، أن صفة الله تعالى بأنه رب ، لأنه مالك أو سيد ، فذلك صفة من صفات ذاته ، وإن قيل لأنه مدبِّر لخلقه ، ومُربِّيهم ، فذلك صفة من صفات فعله ، ومتى أدْخَلت عليه الألف واللام. اختص الله تعالى به ، دون عباده ، وإن حذفتا منه ، صار مشتركاً بين الله وبين عباده . وأما قوله : ﴿العالمين﴾ فهو جمع عَالَم، لا واحد له من لفظه ، مثل: رهط وقوم ، وأهلُ كلِّ زمانٍ عَالَمٌ قال العجاج : فَخِنْدِفْ هَامَةُ هَذَا الْعَالَمِ (٦٨) واختُلِف في العالم ، على ثلاثة أقاويل : أحدها : أنّه ما يعقِل : من الملائكة ، والإِنس ، والجنِّ ، وهذا قول ابن عباس . (٦٨) شطر من بيت في ديوانه ٦٠. ٥٤ سورة الفاتحة الآية - ٤ والثاني : أن العالَم الدنيا وما فيها. والثالث : أن العالَم كل ما خلقه الله تعالى في الدنيا والآخرة ، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج. واختلفوا في اشتقاقه على وجهين : أحدهما : أنه مشتق من العلم ، وهذا تأويل مَنْ جعل العالم اسماً لما يعقل . والثاني : أنه مشتق من العلامة ، لأنه دلالة على خالقه ، وهذا تأويل مَنْ جعل العالم اسماً لكُلِّ مخلوقٍ . ٤ مَلِكِ يَوْمِ الدّين قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قرأ عاصم(٦٩) والكسائي(٧٠) ﴿مالِكِ﴾ وقرأ الباقون (٧١) ﴿ مَلِك﴾ وفيما اشتقا جميعاً منه وجهان: أحدهما : أن اشتقاقهما من الشدة ، من قولهم ملكت العجين ، إذا عجنته بشدة . (٦٩) هو عاصم بن أبي النجود الأسدي . مولاهم . الكوفي ، القارىء ، أبو بكر . أحد القراء السبعة ، قرأ القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي ، زربن حبيش وغيرهما وهو معدود في التابعين إليه انتهت الإمامة في القراءة بالكوفة ، وكان أحسن الناس بالقرآن توفي رحمه الله في آخر سنة سبع وعشرين ومائة وقيل في سنة ثمان وعشرين والله أعلم . أنظر : - التاريخ الكبير (٤٨٧/٦)، ميزان الاعتدال (٣٥٧/٢)، لسان الميزان (٥٨٣/٦) سير أعلام النبلاء (٢٥٦/٥) الجرح والتعديل (٣٤٠/٦). (٧٠) هو علي بن حمزة الكسائي ، أبو الحسن الأسدي ، مولاهم . الكوفي ، المقرىء ، النحوي أحد الأعلام . توفي رحمه الله سنة تسع وثمانين ومئة . من تصانيفه : - معاني القرآن ، القراءات ، النواد الكبير وغيرهم . أنظر : - التاريخ الكبير (٢٦٨/٦)، الجرح والتعديل (١٨٢/٦)، بغية الوعاة (١٦٢/٢)، إرشاد الأديب (١٦٧/١٣)، البداية والنهاية (٢٠١/١١)، تهذيب التهذيب (٣١٣/٧). (٧١) قال ابن مجاهد في كتاب السبعة في القراءات ص ١٠٤ . حجة من قرأ ((مُلك)) قوله ﴿مُلك الملك﴾ [ آل عمران ٢٦]. وحجة من قرأ ((ملك)) قوله ﴿ملك الناس﴾ [الناس ٢] وقوله ﴿الملك القدوس﴾ [الحشر ٢٢ ] وقد رويا جميعاً عن النبي ◌َادٍ . ٥٥ سورة الفاتحة الآية - ٤ والثاني : أن اشتقاقهما من القدرة ، قال الشاعر : مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا يَرَىْ قَائِمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وَرَاءَهَا (٧٢) والفرق بين المالك والملك من وجهين : أحدهما : أن المالك مَنْ كان خاصَّ المُلكِ، والملِك مَنْ كان عَامَّ المُلْك . والثاني : أن المالك من اختص بملك الملوك ، والملك من اختص بنفوذ الأمر . واختلفوا أيهما أبلغ في المدح ، على ثلاثة أقاويل : أحدها : أن المَلِك أبلغ في المدح من المالك ، لأنَّ كلَّ مَلِكٍ مالِكُ ، وليسَ كلُّ مالِكٍ ملِكاً ، ولأن أمر الملِكِ نافذ على المالِكِ . والثاني : أن مالك أبلغ في المدح(٧٣) من مَلِك، لأنه قد يكون ملكاً على من لا يملك ، كما يقال ملك العرب ، وملك الروم ، وإن كان لا يملكهم ، ولا يكون مالكاً إلا على من يملك ، ولأن المَلِك يكون على الناس وغيرهم . والثالث : وهو قول أبي حاتم ، أن مَالِك أبلغ في مدح الخالق من مَلِك ، ومَلِك أبلغ من مدح المخلوق من مالك . والفرق بينهما ، أن المالك من المخلوقين ، قد يكون غير ملك ، وإن كان الله تعالى مالكاً كان ملكاً، فإن وُصف الله تعالى بأنه ملك، كان ذلك من صفات ذاته ، وإن وصف بأنه مالك ، كان من صفات أفعاله . وأما قوله تعالى : ﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ففيه تأويلان : أحدهما : أنه الجزاء . والثاني : أنه الحساب . وفي أصل الدين (٧٤) في اللغة قولان : (٧٢) الشاعر هو قيس بن الخطيم . (٧٣) لأنه يجمع الاسم والفعل . [ كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد ص ١٠٤ ]. (٧٤) قال الحافظ رحمه الله (١٥٦/٨ فتح): وللدين معان أخرى منها : العادة والعمل والحكم والحال والخلق والطاعة والقهر والملة والشريعة والورع والسياسة وشواهد ذلك يطول ذكرها . ٥٦ سورة الفاتحة الآية - ٥ أحدهما : العادة ، ومنه قول المثقَّب العَبْدِي : تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي أَهْذَا دِيْنُهُ أَبَداً وَدِينِي أي عادته وعادتي . والثاني : أنَّ أصل الدين الطاعة ، ومنه قول زهير بن أبي سُلمی : فِي دِينِ عَمْرٍو ◌َمَالَتْ بَيْنَا فَدَهُ لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوِّ فِي بَنِي أَسَدٍ أي في طاعة عمرو . وفي هذا اليوم قولان : أحدهما : أنه يوم ، ابتداؤه طلوع الفجر ، وانتهاؤه غروب الشمس . والثاني : أنه ضياء ، يستديم إلى أن يحاسب الله تعالى جميع خلقه ، فيستقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار . وفي آختصاصه بملك يوم الدين تأويلان : أحدهما : أنه يوم ليس فيه ملك سواه ، فكان أعظم من مُلك الدنيا التي تملكها الملوك ، وهذا قول الأصم . والثاني: أنه لما قال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يريد به ملك الدنيا، قال بعده : ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يريد به ملك الآخرة، ليجمع بين ملك الدنيا والآخرة . إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ قوله عز وجل: ﴿ إِيََّ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قوله : ﴿ إِيَّكَ ﴾ هو كناية عن اسم الله تعالى، وفيه قولان: أحدهما : أن اسم الله تعالى مضاف إلى الكاف ، وهذا قول الخليل . والثاني : أنها كلمة واحدة كُنِّيَ بها عن اسم الله تعالى ، وليس فيها إضافة لأن المضمر لا يضاف ، وهذا قول الأخفش . وقوله : ﴿ نَعْبُدُ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات : أحدها : أن العبادة الخضوع ، ولا يستحقها إلا الله تعالى ، لأنها أعلى ٥٧ سورة الفاتحة الآية - ٧،٦ مراتب الخضوع ، فلا يستحقها إلا المنعم بأعظم النعم ، كالحياة والعقل والسمع والبصر . والثاني : أن العبادة الطاعة . والثالث : أنها التقرب بالطاعة . والأول أظهرها ، لأن النصارى عبدت عيسى عليه السلام ، ولم تطعه بالعبادة، والنبي ◌َّهِ مطاع، وليس بمعبودٍ بالطاعة. أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْنَقِمَ أَصِرَطَ الَّذِينَ أَنْمُتَ عَلَيْهِمْ غَيْرٍ اْمُغْضُوبِ عَلَيْ هِمْ وَلَا الضََّآلِّينَ ٧ قوله عز وجل: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم) إلى آخرها . أما قوله : ﴿أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ ففيه تأويلان : أحدهما : معناه أرْشُدْنا ودُلَّنَا . والثاني : معناه وفقنا ، وهذا قول ابن عباس . وأما الصراط ففيه تأويلان : أحدهما : أنه السبيل المستقيم ، ومنه قول جرير : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ إِذَا أَعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمٍ (٧٥) والثاني : أنه الطريق الواضح ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلُّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾، [الأعراف: ٨٦] وقال الشاعر: فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ الْقَاصِدِ وهو مشتق من مُسْتَرَطِ الطعام ، وهو ممره في الحلق . وفي الدعاء بهذه الهداية ، ثلاثة تأويلات : أحدها : أنهم دعوا باستدامة الهداية ، وإن كانوا قد هُدُوا . والثاني : معناه زدنا هدايةً . (٧٥) ديوانه : ٥٠٧. ٥٨ سورة الفاتحة الآية - ٧،٦ والثالث : أنهم دعوا بها إخلاصاً للرغبة ، ورجاءً لثواب الدعاء . واختلفوا في المراد بالصراط المستقيم ، على أربعة أقاويل : أحدها : أنه کتاب الله تعالی ، وهو قول علي وعبد الله ، ویُرْوی نحوه عن النبي ◌َّلية (٧٦). والثاني : أنه الإِسلام ، وهو قول جابر بن عبد الله، ومحمد بن الحنفية (٧٧). والثالث : أنه الطريق الهادي إلى دين الله تعالى ، الذي لا عوج فيه ، وهو قول ابن عباس . والرابع: هو رسول الله مح له وأخيار أهل بيته وأصحابه(٧٨)، وهو قول الحسن البصري وأبي العالية الرياحي (٧٩). وفي قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمُ ﴾ خمسة أقاويل: أحدها : أنهم الملائكة . والثاني : أنهم الأنبياء . (٧٦) تقدم تخريجه موسعاً ص (٧٧) هو محمد بن علي بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب . من كبراء التابعين ولد في العام الذي توفي فيه أبو بكر ورأى عمر وروى عنه وعن أبيه وأبي هريرة وعثمان وغيرهم ووفد على معاوية وكان الشيعة في زمانه تتغالى فيه وتدعي إمامته ولقبوه بالمهدي . توفي رحمه الله سنة إحدى وثمانين وقيل سنة ثلاث وثمانين والله أعلم . أنظر : - وفيات الأعيان (١٦٩/٤)، تاريخ الإسلام (٢٩٤/٣)، البداية والنهاية (٣٨/٩)، تهذيب التهذيب (٣٥٤/٩)، شذرات الذهب (٨٨/١) (٧٨) قال الحافظ ابن كثير (٢٨/١) وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة. فإنه من اتبع النبي ◌َلذ واقتدى بالذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق ومن اتبع الحق فقد اتبع الاسلام ومن اتبع الاسلام فقد اتبع القرآن وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضاً ولله الحمد. (٧٩) هو رفيع بن مهران الرياحي، أبو العالية الإِمام المقرىء الحافظ المفسر أدرك زمان النبي وَ ار وهو شاب وأسلم في خلافة أبي بكر سمع من عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم . وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . اختلف في موته فقيل سنة ٩٠ وقيل ٩٣، ١٠٦ والله أعلم . أنظر : - طبقات ابن سعد (١١٢/٧)، تهذيب التهذيب (٢٨٤/٣)، تاريخ البخاري (٣٢٦/٣) شذرات الذهب (١٠٢/١)، تذكرة الحفاظ (٥٨/١ ). ٥٩ سورة الفاتحة الآية - ٧،٦ والثالث : أنهم المؤمنون بالكتب السالفة . والرابع : أنهم المسلمون وهو قول وكيع(٨٠). والخامس: هم النبي وَّهِ، ومَنْ معه مِنْ أصحابه، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد(٨١). وقرأ عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير(٨٢): (صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) وأما قوله: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ ﴾ فقد روى عن عديٍّ بن حاتم (٨٣) قال: سألتُ رسول الله وَّر، عن المغضوب عليهم، فقال: ((هُمُ اليَهُود))، وعن الضالين فقال: ((هُمُ النَّصارَى))(٨٤). (٨٠) هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان فقيه ، محدث ، حافظ ولد بالكوفة وتفقه وحفظ الحديث . أراد الرشيد أن يوليه القضاء فامتنع. توفي رحمه الله منصرفاً من الحج سنة (١٩٧ هـ) من آثاره: السنن، تفسير القرآن ، الزهد وغيرها. أنظر : - طبقات الحنابلة (٢٥٧)، الفهرست (٢٢٦/١)، الاعلام للزركلي (١٣٥/٩)، وغيرها. (٨١) هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم . فقيه ، محدث ، مفسر . توفي في أول خلافة هارون الرشيد سنة ١٧٠ هـ. له من الكتب: الناسخ والمنسوخ، التفسير. أنظر : - الفهرست (٢٢٥/١)، معجم المؤلفین (١٣٨/٥ ). (٨٢) هو عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي ، أبو بكر صحابي جليل . أول مولود في المدينة بعد الهجرة ، بويع بالخلافة له سنة ٦٤ هـ وكان من خطباء قريش المعدودين استشهد رضي الله عنه في سنة ٧٣ هـ . أنظر : - تهذيب التهذيب (٢١٣/٥)، الإصابة (٣٠٩/٢)، البداية والنهاية (٣٣٢/٨) أسد الغابة (٢٤٢/٣). (٨٣) هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي. أبو وهب ، أبو طريف أسير، صحابي . من الأجواد والعقلاء. وهو ابن حاتم الطائي الذي يضرب بجوده المثل . مات رضي الله عنه سنة ٦٨ بالكوفة . أنظر : - الإصابة (٤٦٨/٢)، تهذيب التهذيب (١٦٦/٧)، التاريخ الكبير (٤٣/٧)، طبقات ابن سعد (٢٢/٦ ). (٨٤) رواه الطبري في التفسير (١٨٥/١، ١٩٣) وصححه الشيخ أحمد شاكر وزاد السيوطي نسبته في الدر (١٦/١) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن حبان في صحيحه والحديث أصله قصة إسلام عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه . وقد جاء بروايات متعددة كثيرة كما قال الحافظ ابن كثير في تفسيره. وقد رواه الإمام أحمد في مسنده (١٩٤/٤، ٣٧٨، ٣٧٩) أنظر تخريج القصة في الدر المنثور (١٧٤/٤) وكذا تخريج تفسير الطبري للشيخ أحمد شاكر وحسن القصة الترمذي وحسنها الشيخ الألباني في غاية المرام ( ص ٦) وفات السيوطي نسبتها لأحمد في مسنده. تنبيه : - وأما قول = ٦٠