Indexed OCR Text

Pages 21-40

مقدمة
بسمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيِ
الحمد لله الذي هدانا لدينه القويم ومنَّ علينا بكتابه المبين ، وخصَّهُ بِمُعْجِزٍ
دلَّ على تنزيله ، ومنع من تبديله ، وبيَّن به صِدْقَ رسوله ، وجعل ما استودعه على
نوعين: ظاهراً جَلِيّاً وغامضاً خفيّاً يشترك الناس في علم جليِّهِ ويختص العلماء
بتأويل خفيِّهِ حتى يَعُمَّ الإِعجاز ، ثم يحصل التفاضل والإِمتياز .
ولمَّا كان ظاهرُ الجليِّ مفهوماً بالتلاوة ، وكان الغامضُ الخَفِيُّ لا يُعلم إلا من
وجهين : نقلٍ واجتهادٍ ، جعلت كتابي هذا مقصوراً على تأويل ما خفي علمه ،
وتفسير ما غمض تصوُّرُهُ وفهمه ، وجعلته جامعاً بين أقاويل السلف والخلف ،
وموضحاً عن المؤتلف والمختلف ، وذاكراً ما سنح به الخاطر من معنىً يحتمل ،
عبّرت عنه بأنه محتمل ، ليتميّزَ ما قيل مما قلته ويُعْلَمَ ما استُخْرِجَ ممَّا استخرَجْتُهُ .
وعَدَلت عمَّا ظهر معناهُ من فَحْواهُ اكتفاءً بفهم قارئه وتصُّر تَالِیهِ ، ليكون
أقربَ مأخذاً وأسهلَ مطلباً .
وقَدَّمتُ لتفسيره فصولاً، تكون لعمله أصولاً، يُسْتَوْضَحُ منها ما اشتبه
تأويله ، وخَفِيَ دليلُه، وأنا أستمدَّ اللهَ حسن معونته ، وأسأله الصلاة على محمد
وآله وصحابته .
٢١

أسماء القرآن
أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ
سمى اللهُ القرآنَ في كتابه بأربعة أسماء :
أحدها : القرآن، قال الله عز وجل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا الْقُرْآنَ ﴾.
والثاني : الفُرقان قال الله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْقُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ﴾.
والثالث: الكتاب قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ
الْكِتَابَ ﴾ .
والرابع: الذكر قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ .
فأمَّا تسميته بالقرآن ففيه تأويلان :
أحدهما : وهو قول عبد الله بن عباس(١)، مصدر من قولك قَرَأْتُ أي
بَيْنْتُ، استشهاداً بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يعني إذا بيِّنَّهُ فاعمل
به .
(١) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو العباس ابن عم رسول الله والإير قرأ
القرآن على أبي ، عمر ، عثمان ، علي وأبي ذر وغيرهم ، ومن تلاميذه : مجاهد ، سعيد بن جبير ،
والأعرج وغيرهم، دعا النبي ﴿ له فقال: ((اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين)) ومناقبه رضي الله
عنه كثيرة . توفي بالطائف سنة ثمان وستين ، وصلى عليه محمد بن الحنفية وقال : اليوم مات رباني
الأمة وقد كف بصره في أواخر عمره رضي الله عنه . أنظر : -
طبقات ابن سعد (٣٦٥/٢)، تاريخ البخاري الكبير (٣/٥)، حلية الأولياء (٣١٤/١) الاستيعاب
(٣٥٠/٢)، البداية والنهاية (٢٩٥/٨)، الاصابة (٣٣٠/٢) وغيرها كثير.
٢٣

أسماء القرآن
والتأويل الثاني : وهو قول قتادة(٢)، أنه مصدر من قولك قرأت الشيء ، إذا
جمعته وضممت بعضه إلى بعض ، لأنه آي مجموعة ، مأخوذ من قولهم : ما قرأت
هذه الناقة سَلَىَّ قط ، أي لم ينضم رَحِمُها على ولد ، كما قال عمرو بن كلثوم(٣):
وَقَدْ أَمِنَتْ عُيُونَ الْكَاشِِينَا
تُرِيكَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى خَلَاءٍ
هجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأُ جَنِينًا
ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أَدْماءَ بِكْرٍ
أي لم تضم رحماً على ولد، ولذلك سُمِّ قرء العدة قرءاً لاجتماع دم
الحيض في الرحم .
فأما تسميته بالفرقان ، فلأن الله عز وجل فرَّق فيه بين الحق والباطل ، وهو
قول الجماعة ، لأن أصل الفرقان هو الفرقُ بين شيئين .
وأمّا تسميته بالكتاب ، فلأنه مصدر من قولك كتبْتُ كتاباً ، والكتاب هو خط
الكاتب حروف المعجم مجموعة ومتفرقة ، وسمي كتاباً وإن كان مكتوباً ، كما قال
الشاعر (٤):
تُؤْمِّلُ رَجْعَةً مِنِّي وَفِيهَا كِتَابٌ مِثْلَ مَا لُصِقَ الْغِرَاءُ
يعني مكتوباً، والكتابة مأخوذة من الجمع من قولهم : كتبت السقاء ، إذا
جمعته بالخرز قال الشاعر (٥):
لَا تَأْمَنْنَّ فِزَارِيّاً خَلَوْتَ بِهِ
عَلَى قَلُوصِكَ وَأَكْتُبْهَا بَأَسْيَادِ
وأما تسميته بالذكر ، ففيه تأويلان :
أحدهما : أنه ذكر من الله تعالى ذكَّر به عبادَه ، وعرفهم فيه فرائضَه وحدوده .
والثاني : أنّه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به ، وصدق بما جاء فيه ، كما قال
تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ يعني أنه شرف له ولقومه(٦).
(٢) هو قتادة بن دعامة بن عرنين بن عمرو بن ربيعة السدوسي ، أبو الخطاب . عالم أهل البصرة كان آية
في الحفط وذا باع في اللغة وأيام العرب توفي رحمه الله سنة ١١٧ . أنظر : -
شذرات الذهب (١٥٣/١)، معجم المؤلفين (١٢٧/٨)، صفة الصفوة (١٨٣/١).
(٣) هذان البيتان من معلقة عمرو المشهورة . أنظر شرح المعلقات لأبي بكر الأنباري ص ٣٧٧، ٣٧٩ .
(٤) بيت من الشعر لشاعر أرسله إلى امرأته في مكتوب أعلمها فيه بطلاقها. تفسير الطبري (١٧/١).
(٥) بيت من قصيدة هجاء لسالم بن دارة هجا فيها ثابت بن رافع الفزاري فقتله الشعر والشعراء ( ٣٦٣).
(٦) معظم هذا الفصل إن لم يكن كله مأخوذ من تفسير الطبري (٩٤/١) وأزيد هنا أن للقرآن أسماء =
٢٤

أسماء القرآن
أما التوراة ، فإن الفرَّاءَ(٧) يجعلها مشتقة من قولهم : وَرِيَ الزند إذا خرج
ناره ، يريد أنّها ضياء .
وأما الزبور ، فإنه مشتق من قولهم : زَبَرَ الكتاب يزبره إذا كتبه ، ومنه قول
الشاعر(٨):
عَرَفْتُ الدِّيَارَ كَرَقْمِ الْكِتَا بِ يَزْبُرُهُ الْكَاتِبُ الْحِمْيَرِيُّ
وأما الإِنجيل ، فهو مأخوذ من نجلت الشيء ، إذا أخرجته ، ومنه قيل لنسل
الرجل نجله ، كأنه هو استخرجهم ، قال الشاعر :
أَنْجَبُ أَيَّامِ وَالِدَيْهِ مَعاً إِذْ نَجَلَهُ فَنِعْمَ مَا نَجْلاً
فصل
روى أبو بردة ، عن أبي المليح ، عن واثلة بن الأسقع ، عن النبي صل* أنه
قال : ((أَعْطَانِي رَبِّي مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ الطَّول، ومَكَانَ الإِنْجِيلِ المِثَانِيَ، وَمَكَانَ
الزّبُورِ المِئِينَ، وَفَضَّلَنِي رَبِّي بالمُفَصَّل))(٩).
فأما السبع الطول ، فالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف
= أخرى غير هذه تربو على المائة ذكرت في (١٦٩/١) دقائق التفسير.
(٧) هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي أبو زكريا العلامة صاحب التصانيف النحوي ،
صاحب الكسائي . مات رحمه الله بطريق الحج سنة سبع ومئتين . أنظر طبقات الزبيدي (١٤٣)،
البداية والنهاية (٢٦١/١٠)، معجم الأدباء (٩/٢٠).
(٨) الشاعر هو أبو ذؤيب الهذلي والبيت من قصيدة له ديوان الهذليين (٦٤/١).
(٩) رواه الطبري (١٠١/١) من الطريق التي ذكرها المؤلف من حديث ليث بن أبي سليم عن أبي بردة
عن أبي المليح به وليث أكثر الجمهور على تضعيفه لكن للحديث متابعة من حديث سعيد بن بشير
عن قتادة عن أبي المليح به رواها الطبري (١٠٠/١) والطريق التي ذكرها المؤلف رواها أحمد أبضاً
(١٠٧/٤) والطيالسي برقم (١٩٧) والطبراني في الكبير (٧٥/٢٢) والطحاوي في مشكل الآثار
(١٥٤/٢) وحسنها الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٦٩/٣) ثم صحح الحديث بعد ذلك في
المصدر المشار إليه وللحدیث شاهد من مرسل أبي قلابة بسند صحيح رواه الطبري (١٠٠/١) وقد
حسن الإمام السيوطي الحديث في الجامع (٥٦٥/١) ولعله لشاهده وللمتابع وإلا فهو ضعيف من
طريق واحد .
تنبيه: فات العلامة الألباني نسبة الحديث للمسند في السلسلة وهو فيه كما رأيت.
٢٥

أسماء القرآن
ويونس ، في قول سعيد بن جبير(١٠) ونحوه، عن ابن عباس(١١)، وهو الصحيح ،
وإنما سُمِّيت السبعَ الطولَ لطولها على سائر القرآن .
أما ( المئون ) فهي ما كان من سور القرآن عدد آيه مائة آية أو تزيد عليها شيئاً
أو تنقص عنها شيئاً . وأما المثاني، ففيها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها السّور التي عَنِيَ الله فيها القصص والأمثال والفرائض
والحدود ، وهذا قول عبد الله بن عباس وسعيد بن جبير .
والثاني : أنها فاتحة الكتاب ، وهو قول الحسن البصري(١٢)، قال الراجز:
أُمَّ الكِتَّابِ السّبعِ مِنْ مَثَانِي
نَشَدْتُكُم بِمَنْزِلِ القُرآنِ
والسَّبعِ سَبْعِ الطَّوّل الدّوَانِي
ثَنّينَ مِنْ آيٍ مِنَ القرآنِ
والثالث : أنّ المثاني ما ثنيت المائة فيها من السور، فَبَلَغَ عددُها مائتي آيَةٍ
أو ما قاربها ، فكأن المائتين لها أوائل ، والثاني ثواني ، وقال بعض الشعراء (١٣):
وَمَاتَتَّيْنِ بَعْدَهَا قَدْ أمنت
حَلَفْتُ بالسَّبعِ اللَّواتِي طُوَّلَتْ
وبالطواسين التي قد ثلثت
وَبِمَثَانِي ثُنِيِّتْ وَكُرّرت
وَبَالَّفَاصِيلِ التي قَدْ فُصِّلَتْ
وبالحواميم التي قَدْ سَبَقَت
وأما المفصل ، فإنما سمي مُفَصَّلاً لكثرة الفصول التي بين سُوَرِهِ ، وهو بسم
الله الرحمن الرحيم ، وسمي المفصلُ محكماً ، لما قيل إنه لم ينسخ شيء منه .
واختلفوا في أول المفصل على ثلاثة أقوال :
أحدها: وهو قول الأكثرين : أنه سورة محمد ◌َّي إلى سورة الناس.
(١٠) هو سعيد بن جبير بن هشام الإِمام العلم، أبو عبد الله، الأسدي . كان من سادة التابعين علماً
وفضلاً وصدقاً وعبادة أجل تلاميذ ابن عباس استشهد رحمه الله بواسط سنة خمس وتسعين: أنظر : -
طبقات ابن سعد (٢٥٦/٦)، سير أعلام النبلاء (٣٢١/٤)، ثقات ابن حبان (٢٧٥/٤ ).
(١١) أفاد الحافظ في الفتح أن النسائي رواه عنه بسند صحيح (١٥٨/٨ فتح).
(١٢) هو الحسن بن أبي الحسن البصري ، أبو سعيد، سيد أهل زمانه علماً وعملاً . كان إمام أهل
البصرة . أخباره ومناقبه يطول شرحها توفي سنة عشر ومئة . أنظر : -
سير أعلام النبلاء (٥٦٣/٤)، حلية الأولياء (١٣١/٢)، الأعلام للزركلي (٢٢٧/٢).
(١٣) هذه الأبيات في كتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة ص ٧.
٢٦

أسماء القرآن
والثاني : من سورة قّ إلى الناس ، حكاه عيسى بن عمر (١٤)، عن كثير من
الصحابة .
والثالث : وهو قول ابن عباس : من سورة الضحى إلى الناس ، وكان يفصل
في الضحى بين كل سورتين بالتكبير ، وهو رأي قراء مكة .
فصل
وأما السورة من سورة القرآن ، وتجمع سُوَراً ففيها لغتان :
إحداهما : بهمز .
والأخرى : بغير همز .
فأما السورة بغير همز ، فهي المنزلة من منازل الارتفاع ، ومن ذلك سُمِّيَ
سُورُ المدينة لارتفاعه على ما يحويه ، ومنه قولُ نابغةٍ بني ذبيان :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكِ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ (١٥)
يعني منزلة من منازل الشرف ، التي قصرت عنها منازل الملوك ، فسُميت
السورة لارتفاعها وعلو قدرها .
وأما السُّؤْرَةُ بالهمزة ، فهي القطعة ، التي قد فُضِّلَتُ من القرآن على سواها
وَأَبْقِيَتْ منه، لأن سُؤْرَ كلّ شيءٍ بَقِيَّتُه بَعْدَمَا يُؤْخَذُ منه ولذلك سُمِّيَ ما فَضَل في
الإِناء بعد الشرب منه سُؤْراً، وقال النبيُّ ◌َهُ: ((إِذَا شَرِبْتُمْ فَأَسْئِرُوا))(١٦) يعني
(١٤) هو عيسى بن عمر الكوفي ، أبو عمر، قرأ على عاصم وطلحة بن مصرف والأعمش وغيرهم وقرأ
عليه الكسائي وعبد الرحمن بن أبي حماد وغيرهما . توفي سنة ست وخمسين ومئة . أنظر : -
التاريخ الكبير (٣٩٧/٧)، سير أعلام النبلاء (١٩٩/٧)، معرفة القراء (١١٩/١).
(١٥) بيت من قصيدة مدح وإعتذار مدح فيها النابغة الذبياني النعمان بن المنذر ملك الحيرة . أنظر
ديوانه : ٥٧ .
(١٦) وفي نسخة أخرى إذا أكلتم وهذا الحديث وذاك ذكرا بدون إسناد فقد نقلهما القاري عن القاضي
عياض كما في كشف الخفا (٨٣/١) بدون عزو لأحد وقال النجم عن حديث إذا أكلتم فأفضلوا لم
أجده حديثاً بل في الحديث ما يعارضه كحديث مسلم عن جابر أن رسول الله صل# أمر بلعق الأصابع
والصحفة وقال: ((إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)). وقد تعرّض الوزير ابن هبيرة لتأويل
حديث إذا شربتم فاسئروا كما نقله ابن رجب في ذيل الطبقات (٢٧٢/١) عن ابن الجوزي عنه.
ولم ینسب الحدیث لأحد .
٢٧

أسماء القرآن
فأبقوا فضلةً في الإِناءِ ، ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة يصف امرأةً فارقته ، فأبقت
في قلبه بقية من حبها :
فَبَانَتْ وَقَدْ أَسْأَرَتْ فِي الْقُؤَا دِ صَدْعاً عَلَى نَأْيِهَا مُسْتَطِيْرًا(١٧)
والأول من القولين أصحُ .
وأما الآية من القرآن ، ففيها تأويلان :
أحدهما : إنما سميت آية لأنها علامة يعرف بها تمام ما قبلها ، لأن الآية
العلامة، ومنه قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً
لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ﴾ يعني علامة منك لإِجابتك دعاءنا. وقال الشاعر، وهو عبد
بني الحسحاس :
أَلِكْنِي إِلَيْهَا - عَمْرُكَ آللَّهُ - يَا فَتَى بِآيَةٍ مَا جَاءَتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا (١٨)
والتأويل الثاني : أن الآية في كلامهم ، القصة والرسالة ، كما قال كعب بن
زهير :
أَلَا أَبْلِغَا هِذَا الْمُعَرِّضَ آيَةً أَيُقْظَانُ قَالَ الْقَوْلَ أَوْ قَالَ ذُو حِلْمِ
فيكون معنى الآية القصة ، التي تتلو قصة بفصول ورسول وأصول . .
وروى أبو حازم(١٩)، عن أبي سلمة(٢٠)، عن أبي هريرة(٢١)، أن رسول
اللَّهِ وَهِ قال: ((نَزَلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ، والمِرَاءُ فِي القُرْآنِ كُفْرٌ ( ثلاث
(١٧) ديوان الأعشى : ٦٧.
(١٨) بيتاً من قصيدة لكعب في ديوانه : ٦٤ .
(١٩) هو أبو حازم الأشجعي صاحب أبي هريرة محدث ثقة اسمه سلمان الكوفي ، حدث عن أبي هريرة
فأكثر وعن ابن عمر مات في خلافة عمر بن عبد العزيز قريباً من سنة مئة: أنظر : طبقات ابن سعد
(٢٩٤/٦)، تاريخ الإسلام (٧٣/٤)، سير أعلام النبلاء (٧/٥).
(٢٠) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف وقيل اسمه اسماعيل كان ثقة فقيهاً. كثير الحديث من الطبقة
الثانية من التابعين توفي رحمه الله في المدينة سنة أربع وتسعين في خلافة الوليد . أنظر :
طبقات ابن سعد (١٥٥/٥)، تاريخ ابن عساكر(١٤٩/٩)، تاريخ الاسلام (٧٦/٤).
(٢١) هو عبد الرحمن بن صخر السدوسي رضي الله عنه من أكثر الصحابة رواية عن النبي وَّر كان إماماً
صالحاً حسن الأخلاق ، اختلف في سنة وفاته فقيل سنة سبع وخمسين وقيل سنة ثمان . أنظر :
طبقات ابن سعد (٣٦٢/٢)، (٣٢٥/٤)، الإستيعاب (١٧٦٨/٤)، حلية الأولياء (٣٧٦/١)،
الإصابة (٦٣/٤)، سير أعلام النبلاء (٥٧٨/٢) وغيرها .
٢٨

أسماء القرآن
مرات )، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ فَرُدُّوهُ إِلى عَالِمِهِ))(٢٢).
وروى محمد بن عمر ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله
وَ﴿: ((أُنْزِلَ القُرآنُ عَلَى سبعةِ أَحْرُفٍ، عليمٌ حكيمٌ غفورٌ رَحِيمٌ))(٢٣).
اختلف المفسرون في تأويل السبعة الأحرف ، التي نزل القرآن بها على أربعة
أقاويل :
أحدها : معناه على سبعة معانٍ ، وهي أمر ونھي ووعد ووعید وجدل وقصص
ومثل .
روى عون (٢٤)، عن أبي قلابة (٢٥) قال: بلغني أن النبي وَ قال: ((أَنْزِلَ
القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ : أمر ، ونهي ، وترغيب ، وترهيب ، وجدل ، ومثل ،
وقصص )»(٢٦).
والثاني : يعني سَبْعَ لغات مختلفة ، لا مما يغير حكماً في تحليل ولا
(٢٢) رواه ابن حبان (١٤٦/١) وأحمد (٣٠٠/٢) وابن جرير (٢٢/١) والبزار مختصراً (٩٠/٣) وأبو
يعلى والنسائي كما أفاده ابن كثير في التفسير (٢: ١٠٢) وزاد السيوطي نسبته في الدر (١٥٤/٢)
لأبي داود ونصر المقدسي في كتاب الحجة وقال الهيثمي في المجمع (١٥٦/٧ ) رواه البزار وفيه
محمد بن عمر وهو حسن الحديث وبقية رجاله رجال الصحيح .
تنبيه: نسبة الحديث للنسائي إنما هو له في كتاب فضائل القرآن.
(٢٣) رواه أحمد (٣٣٢/٢)، (٤٠٠) وابن حبان (٦٢/٢) وابن جرير في التفسير (٢٢/١) وقال
الهيثمي في المجمع (١٥١/٧ ) رواه كله أحمد باسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح ورواه البزار
بنحوه .
(٢٤) هو عوف بن عبد الله بن مسعود كان من آدب أهل المدينة وأفقههم، حدث عن ابن المسيب وابن
عباس ،وعبد الله بن عمرو وغيرهم. توفي سنة بضع عشرة ومئة . أنظر : -
طبقات ابن سعد (٣١٣/٦)، تاريخ البخاري الكبير (١٣٠/٧)، تاريخ الإسلام (٢٨٧/٤) حلية
الأولياء ( ٤ /٢٤٠).
(٢٥) هو عبد الله بن زيد بن مالك، أبو قلابة كان محباً للسنة، قامعاً للبدعة. ترك من الكتب حمل
بغل ، وكان كثير الحديث . حدث عن أنس ، مالك بن الحويرث ، عبد الله بن عباس ، وأبي هريرة
وغيرهم وأدرك خلافة عمر بن عبد العزيز ثم توفي في الشام سنة أربع ومئة . أنظر :
طبقات ابن سعد (١٨٣/٧)، البداية والنهاية (٢٣١/٩)، تاريخ البخاري (٩٢/٥) تذكرة الحفاظ
(٨٨/١)، النجوم الزاهرة (٢٥٤/١).
(٢٦) رواه ابن جرير (٦٩/١) قال الشيخ أحمد شاكر هذا حديث مرسل لا تقوم به حجة .
٢٩

أسماء القرآن
تحريم ، مثل هلم وتعال وأقبل ، هي مختلفة ومعانيها مؤتلفة ، فكانوا في صدر
الإِسلام مخيّرين فيها ثم اجتمعت الصحابة(٢٧)، عند جمع القرآن على أحدها ،
فصار ما أجمعوا عليه مانعاً مما أعرضوا عنه .
والثالث : يريد على سبع لغات من اللغات الفصيحة ، لأن بعض قبائل
العرب أفصح من بعض لبعدهم من بلاد العجم ، فَكَانَ من نزل القرآن بلغتهم من
فصحاء العرب سبعَ قبائل .
والرابع : يريد على سبع لغاتٍ للعرب في صيغة الألفاظ ، وإن وافقه في
معناه ، كالذي اختلف القراء فيه من القراءات والله أعلم .
فصل
فأما إعجاز القرآن الذي عجزت به العرب عن الإِتيان بمثله ، فقد اختلف
العلماء فيه على ثمانية أوجه :
أحدها : أن وجه إعجازه ، هو الإِعجاز والبلاغة ، حتى يشتمل يسير لفظِهِ
على كثير المعاني ، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فجمع في
كلمتين ، عدد حروفهما عشرة أحرف ، معاني كلام كثير .
والثاني : أن وجه إعجازه ، هو البيان والفصاحة ، التي عجز عنها الفصحاء ،
وقصّر فيها البلغاء ، كالذي حكاه أبو عبيد(٢٨)، أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ :
فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فسجد، وقال سجدت الفصاحة هذا الكلام ، وسمع آخرُ
رجلاً يقرأ: ﴿فَلَمَّا أَسْتَيّْأْسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ فقال: أشهد أن مخلوقاً لا يقدر
على مثل هذا الكلام .
(٢٧) وذلك في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه لما بلغه أن الناس قد اختلفوا في قراءته
فخشي تفرق الأمة واختلافهم في الكتاب كما اختلفت اليهود والنصارى فجمعهم على قراءة واحدة .
(٢٨) هو أبو عبيد القاسم بن سلام ، محدث ، مقرىء، فقيه . أخذ عن أبي زيد الأنصاري ومعمر بن
المثنى، والفراء ، والأصمعي وغيرهم. توفي سنة [٢٢٢ هـ]. أنظر : -
المنهج الأحمد (٣٦/١)، تاريخ بغداد (٤٠٣/١٢)، معجم الأدباء (٢٥٤/١٦)، طبقات القراء
لابن الجوزي (١٧/٢ ).
٣٠

أسماء القرآن
وحكى الأصمعي (٢٩) قال: رأيت بالبادية جارية خماسية أو سداسية وهي
تقول :
قَتَلْتُ إِنْسَاناً لَغَيْرِ حِلِّهِ
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِذَنْبِي كُلِّهِ
فَأَنْتَصَفَ اللَّيْلُ وَلَمْ أُصَلِّهِ
مِثْلَ غَزَالٍ نَاعِمٍ فِي دَلِّهِ
فقلت لها : قاتلك الله ما أفصحك ، فقالت : أتعدُّ فصاحةً بعد قول الله عزَّ
وجلَّ: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتٍ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي أَلْيَمِّ وَلَاَ
تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فجمع في آيةٍ واحدةٍ ،
بین أمرین ، ونھیین ، وخبرین ، وإنشاءین .
والثالث : أن وجه إعجازه ، هو الوصف الذي تنقضي به العادة ، حتى صار
خارجاً عن جنس كلام العرب ، من النظم ، والنثر ، والخطب ، والشعر ،
والرجز ، والسجع، والمزدوج، فلا يدخل في شيءٍ منها ولا يختلط بها ، مع كون
ألفاظه وحروفه في كلامهم ، ومستعمله في نظمهم ونثرهم .
حُكِي أن ابن المقفع (٣٠) طلب أن يعارض القرآن، فَنَظَمَ كلاماً، وجعله
مفصلاً، وسماه سوراً، فاجتاز يوماً بصبي يقرأ في مكتب: ﴿وَقِيلَ
يَا أَرْضُ أَبْلَعِي مَآءَكِ وَيَا سَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِيَ آلْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى
الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدَاً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فرجع، ومحا ما عمل، وقال: أشهد أن
هذا لا يُعَارَضُ أبداً، وما هو من كلام البشر، وكان فصيح أهلِ عصرِه .
والرابع : أن وجه إعجازه ، هو أن قارئه لا يكل ، وسامعه لا يمل ، وإكثار
(٢٩) هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي ، أبو سعيد . أديب ، لغوي ، أصولي من أهل
البصرة . قدم بغداد في أيام هارون ، توفي بالبصرة سنة ٢١٦ هـ. له تصانيف كثيرة منها : المذكر
والمؤنث ، نوادر الأعراب . أنظر : -
التاريخ الكبير (٢٧٧/٢)، تهذيب الأسماء واللغات (٢٧٣/٢)، وفيات الأعيان (٣٦٢/١) النجوم
الزاهرة (١٩٠/٢ ).
(٣٠) هو عبد الله بن المقفع. كاتب ، شاعر، وأحد النقلة من اللسان الفارسي إلى العربي وهو فارسي
الأصل نشأ بالبصرة وأتُهِمَ بالزندقة فقتله أمير البصرة سفيان بن معاوية. من آثاره : الأدب الصغير ،
الدرة اليتيمة ، والجوهرة الثمينة في طاعة السلطان . أنظر : -
سير أعلام النبلاء (٢٢٢/٥)، لسان الميزان (٣٦٦/٣)، البداية والنهاية (٩٦/١٠) معجم
المؤلفين (١٥٦/٦ ).
٣١

أسماء القرآن
تلاوته تزيده حلاوةً في النفوس ، وميلًا إلى القلوب ، وغيره من الكلام ، وإن كان
مستحسن النظم ، مستعذب النثر ، يمل إذا أُعِيد ويُسْتَثْقَل إذا رُدِّد .
والخامس : أنَّ وجه إعجازه ، هو ما فيه من الإِخبار بما كان مما علموه ، أو
لم يعلموه ، فإذا سألوا عنه ، عرفوا صحته ، وتحققوا صدقه ، كالذي حكاه من
قصة أهل الكهف ، وشأن موسى والخضر ، وحال ذي القرنين ، وقصص الأنبياء مع
أممها ، والقرون الماضية في دهرها .
والسادس : أن وجه إعجازه ، هو ما فيه من علم الغيب ، والإِخبار بما
يكون، فيوجد صدقه وصحته، مثل قوله لليهود: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ
الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ثم قال :
﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدأَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ ﴾ فما تمناه واحد منهم ، ومثل قوله تعالى
لقريش: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ فقطع بأنهم لا يفعلون، فلم يفعلوا .
والسابع : أن وجه إعجازه ، هو كونه جامعاً لعلوم لم تكن فيهم آلاتها ، ولا
تتعاطى العرب الكلام فيها ، ولا يحيط بها من علماء الأمم واحد ، ولا يشتمل
عليها كتاب وقال تعالى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال: ﴿تِبْياناً لِكُلِّ
شَيْءٍ﴾ وقال النبيِنَّهِ: (( فِيْهِ خَبْرُ مَا قَبْلَكُم وَنَبَّأْ مَا بَعْدَكُمْ هَوَ الحَقُّ لَيْسَ بِالهَزْلِ
مَنْ طَلَبَ الهُدَىْ مِنْ غَيْرِهِ ضَلَّ))(٣١) وهذا لا يكون إلا عند الله الذي أحاط بكل
شيءٍ علماً.
(٣١) جزء من حديث طويل رواه الترمذي (٣٠٧٠) والدارمي (٤٣٥/٢) وابن جرير الطبري في التفسير
(١٧١/١) وابن أبي حاتم كما نقله ابن كثير (٢٧/١) وابن أبي شيبة وابن الأنباري في المصاحف
والبيهقي في شعب الإِيمان كما في الدر المنثور (١٥/١) وضعفه الترمذي بقوله : هذا حديث
إسناده مجهول لجهالة أبي المختار الطائي . أهـ .
وفي سنده أيضاً ابن أخي الحارث الأعور وهو مجهول أيضاً .
وأشار الحافظ الذهبي في الميزان (٣٨٠/٣) في ترجمة أبي المختار الطائي إلى ضعف الحديث
فقال: ((وحديثه في فضائل القرآن منكر)). وقال الحافظ ابن كثير في كتابه فضائل القرآن
ص ١٤، ١٥ بعد أن نقل عن الترمذي تضعيفه للحديث : لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات بل
قد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث الأعور فبرىء حمزة من عهدته
على أنه وإن كان ضعيف الحديث فإنه إمام في القراءة والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور وقد
تكلموا فيه بل كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده أما أنه تعمد الكذب في الحديث فلا وقصارى هذا=
٣٢

أسماء القرآن
والثامن : أن إعجازه هو الصرفة(٣٢)، وهو أن الله تعالى صرف هممهم عن
معارضته مع تحديهم أن يأتوا بسورة من مثله ، فلم تحركهم أنّفَةُ التحدي ، فصبروا
على نقص العجز ، فلم يعارضوه ، وهم فصحاء العرب مع توفر دواعيهم على
إبطاله ، وبذل نفوسهم في قتاله ، فصار بذلك معجزاً لخروجه العادة كخروج سائر
المعجزات عنها .
واختلف من قال بهذه الصرفة على وجهين :
أحدهما : أنهم صرفوا عن القدرة عليه ، ولو تعرضوا لعجزوا عنه .
والثاني : أنهم صرفوا عن التعرض له ، مع كونه في قدرتهم ولو تعرضوا له
لجاز أن يقدروا عليه .
فهذه ثمانية أوجه ، يصح أن يكون كل واحدٍ منها إعجازاً ، فإذا جمعها
القرآن وليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزاً بأولى من غيره ، صار إعجازه من
الأوجه الثمانية ، فكان أبلغ في الإِعجاز ، وأبدع في الفصاحة والإِيجاز .
فصل
وإذا كان القرآن بهذه المنزلة من الإعجاز في نظمه ومعانيه ، احتاجت ألفاظه
= الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وقد وهم بعضهم في رفعه وهو كلام
حسن صحيح اهـ .
قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله : ورواية ابن اسحق التي أشار إليها ابن كثير هي حديث أخرجه
أحمد في المسند برقم ( ٥٦٥ ) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحق وقد ضعفنا
إسناده هناك بالحارث الأعور وبانقطاعه بين ابن إسحق ومحمد بن كعب اهـ . تخريج الطبري
(١٧٢/١ ).
أقول : ومما يؤيد الاحتمال الذي ذكره الحافظ ابن كثير أن الإمام الطبري قد رواه موقوفاً عن علي بن
أبي طالب من طريق أبي المختار الطائي عن الحارث الأعور عن علي (١٧٣/١) وقد ضعف
الحديث كل من الشيخ الألباني في المشكاة (٦٦٠/١) والشيخ أحمد شاكر بقوله إسناده ضعيف
جداً تخريج الطبري (١٧٢/١ ).
فائدة : استوفى الإِمام الدارقطني رحمه الله جمع طرق الحديث والكلام على علله في كتابه القيم
العلل فانظره هناك (١٤٠/٣). وما بعدها .
(٣٢) وهذا الوجه ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ووصفه بأنه أضعف الأقوال وهو قول أهل
الكلام وقد رد هذا الوجه أيضاً الإمام الخطابي .
راجع الدقائق (١٥٥/١)، ثلاث رسائل في إعجاز القرآن للخطابي ص ٢١ ..
٣٣

أسماء القرآن
في استخراج معانيها إلى زيادة التأمل لها وفضل الرويَّة فيها ، ولا يقتصر فيها على
أوائل البديهة ، ولا يقنع فيها بمبادىء الفكرة ، ليصل بمبالغة الإِجتهاد وإمعان النظر
إلى جميع ما تضمنته ألفاظه من المعاني واحتملته من التأويل ، لأن الكلام الجامع
وجوهاً ، قد تظهر تارة ، وتغمض أخرى ، وإن كان كلام الله منزهاً من الآفتين :
الفكر والروية ، ليعمل فيما احتملته ألفاظه من المعاني المختلفة ، غير ما سَنَصِفُهُ
من الأصل المعتبر في اختلاف التأويل عند احتمال وجوده .
وقد روى سهل بن مهران الضبعي ، عن أبي عمران الجوني(٣٣)، عن
جندب بن عبد الله (٣٤) قال: قال رسول الله وَله: ((مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ برأيه
فأصاب فقد أخطأ))(٣٥) فتمسك فيه بعض المتورعة ممن قلّت في العلم طبقته ،
وضعفت فيه خبرته ، واستعمل هذا الحديث على ظاهره ، وامتنع أن يستنبط معاني
القرآن باجتهاده ، عند وضوح شواهده ، إلا أن يرد بها نقل صحيح ، ويدلَّ عليها
(٣٣) هو عبد الملك بن حبيب الأزدي البصري ، أحد التابعين ، كان الغالب عليه الكلام في الحكم ،
وثقه يحيى بن معين وغيره . روى عن جندب البجلي ، أنس بن مالك وعبد الله بن الصامت
وغيرهم . توفي رحمه الله سنة ثلاث وعشرين ومئة وقيل سنة ثمان وعشرين ومئة عن سن عالية .
أنظر : -
الجرح والتعديل (٣٤٦/٥)، التاريخ الكبير (٤٥٠/٥)، حلية الأولياء (٣٠٩/٢) تهذيب الكمال
(٨٥٣)، سير أعلام النبلاء (٢٥٥/٥).
(٣٤) هو جندب بن عبد الله بن سفيان، أبو عبد الله صاحب النبي # نزل الكوفة والبصرة وله عدة
أحاديث وبقي رضي الله عنه إلى حدود سنه سبعين قاله الذهبي . أنظر : -
طبقات ابن سعد (٣٥/٦)، التاريخ الكبير (٢٢١/٢)، الإستيعاب (٢٥٦) أسد الغابة
(٣٠٤/١) وغيرها .
(٣٥) رواه أبو داود (٣٦٥٢) والترمذي (٦٥/٤) والنائي في فضائل القرآن ص (١١٤) والطبري
(٣٥/١) والبغوي في شرح السنة (٢٥٩/١) وضعفه الترمذي بقوله حديث غريب وقد تكلم بعض
أهل العلم في سهيل بن أبي حزم اهـ.
قال الحافظ في التقريب (٣٣٨/١) ضعيف، والحديث ضعفه الألباني في المشكاة (٧٩/١)
وضعيف الجامع (٢٨/٥) والأرناؤوط في تخريج شرح السنة (٢٥٩/١) ومن هذا تعلم أن رمز
صاحب الجامع للحديث بعلامة الحسن (١٩٠/٦) غير حسن لما عرفت من أن مدار الحديث على
سهيل وهو ضعيف عندهم .
وقد أحسن المؤلف صنعاً بقوله: ((ولهذا الحديث - إن صح - تأويل)) فهذا يدل على أنه لم يثبت
عنده .
٣٤

أسماء القرآن
نص صريح ، وهذا عدول عما تعبّد الله تعالى به خلقه في خطابهم بلسان عربي
مبين ، قد نبه على معانيه ما صرح من اللغز والتعمية ، التي لا يوقف عليها إلا
بالمواضعة إلى كلام حكيم ، أَبَان عن مراده ، وقطع أعذار عباده ، وجعل لهم سبلاً
إلى استنباط أحكامه ، كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ولو كان
ما قالوه صحيحاً ، لكان كلام الله غير مفهوم ، ومراده بخطابه غير معلوم ، ولصار
كاللغز المعمَّى ، فبطل الاحتجاج به ، وكان ورود النص على تأويله ، مغنياً عن
الاحتجاج بتنزيله ، وأعوذ بالله من قول في القرآن يؤدي إلى التوقف عنه ، ويؤول
إلى ترك الاحتجاج به .
ولهذا الحديث - إن صح - تأويل ، معناه : أنّ مَنْ حمل القرآن على رأيه ،
ولم يعمل على شواهد ألفاظه ، فأصاب الحق ، فقد أخطأ الدليل .
وقد روى محمد بن عثمان ، عن عمرو بن دينار(٣٦)، عن ابن عباس قال:
قال رسول الله وَّه: ((القُرْآنُ ذَلُولٌ ذُو وُجُوهٍ فَاحْمِلُوهُ عَلَىْ أَحْسَنِ وُجُوهِهِ)) (٣٧).
وفي قوله: ((ذَلُولٌ)) تأويلان :
أحدهما : أنه مُطيع لحامليه ، حتى تنطلق فيه جميع الألسنة .
والثاني : أنه موضّح لمعانيه ، حتى لا تقصر [ عنه ] أفهام المجتهدين فيه .
وفي قوله : )) ذُو ◌ُجُوهٍ)) تأويلان :
أحدهما : أن ألفاظه تَحمِل من التأويل وجوهاً لإِعجازه .
الثاني : أنه قد جمع مِنَ الأوامر ، والنواهي ، والترغيب ، والتحليل ،
والتحريم .
وفي قوله: ((فَاحْمِلُوهُ عَلَىْ أَحْسَنٍ وُجُوهِهِ)) تأويلان:
(٣٦) هو عمرو بن دينار أبو محمد الجمعي كان رحمه الله ذا فضل وجلالة ، قال الذهبي : مات في حدود
الثلاثين ومائة له ترجمة في :
التاريخ الكبير (١٢٢/٤)، التاريخ الصغير (١٦٩)، طبقات ابن سعد (٤٧٩/٥)، تاريخ الإسلام
(١١٤/٥)، العقد الثمين (٣٧٤/٦).
(٣٧) رواه الدارقطني في السنن (١٤٥/٤) وفي إسناده زكريا بن عطية قال أبو حاتم منكر الحديث كذا
في الميزان . أنظر: التعليق المغني على الدارقطني (١٤٥/٤).
٣٥

أسماء القرآن
أحدهما : أن تحمِل تأويلَهُ على أحسن معانيه .
والثاني : أن يعمل بأحسنَ ما فيه ، من العزائم دون الرخص، والعفو دون
الانتقام ، وهذا دليل على أن تأويل القرآن مستنبط منه .
فصل
فإذا صح جواز الاجتهاد في إستخراج معاني القرآن من فحوى ألفاظه ،
وشواهد خطابه ، فقد قسم عبد الله بن عباس رضي الله عنه وجوه التفسير على
أربعة أقسام : فروى سفيان، عن أبي الزناد(٣٨) قال ابن عباس: ((التفسير على
أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب بكلامها وتفسير لا يُعذَر أحد بجهالته ، وتفسير
يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل))(٣٩) وهذا صحيح .
أما الذي تعرفه العرب بكلامها ، فهو حقائق اللغة وموضوع كلامهم .
وأما الذي لا يعذر أحد بجهالته ، فهو ما يلزم الكافّة في القرآن من الشرائع
وجملة دلائل التوحيد .
وأما الذي يعلمه العلماء ، فهو وجوه تأويل المتشابه وفروع الأحكام .
وأما الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فهو ما يجري مجرى الغيوب وقيام
الساعة .
وهذا التقسيم الذي ذكره ابن عباس صحيح ، غير أن ما لا يعذر أحد بجهالته
(٣٨) هو عبد الله بن ذكوان ولد في حياة ابن عباس ، قال أبو حاتم: ثقة ، فقيه، محدث صاحب سنة
وهو ممن تقوم به الحجة إذا روى عن الثقات . اهـ ..
توفي رحمه الله سنة ثلاثين ومئة . أنظر:
تاريخ الإسلام (٢٦٥/٥)، التاريخ الكبير (٨٣/٥)، الجرح والتعديل (٤٩/٥) تهذيب الكمال
( ٦٧٩ ).
(٣٩) رواه ابن جرير مرفوعاً من حديث ابن عباس (٧٦/١) وسنده ضعيف جداً لأنه من طريق الكلبي .
أيضاً عن أبي صالح عن ابن عباس موقوفاً وسنده كالذي قبله .
الدر المنثور (١٥١/٢) وقد رواه ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس موقوفاً برواية المؤلف هنا
(٧٥/١) وقد ضعف المرفوع ابن جرير رحمه الله حيث قال: في إسناده نظر . قال الحافظ ابن
كثير : والنظر الذي أشار إليه في إسناده هو من جهة محمد بن السائب الكلبي فإنه متروك الحديث
لكن قد يكون إنما وهم ولعله من كلام ابن عباس كما تقدم والله أعلم اهـ.
٣٦

أسماء القرآن
داخل في جملة ما يعلمه العلماء من الرجوع إليهم في تأويله ، وإنما يختلف
القسمان في فرض العلم به ، فما لا يعذر أحد بجهله يكون فرض العلم به على
الأعيان ، وما يختص بالعلماء يكون فرض العلم به على الكفاية ، فصار التفسير
منقسماً على ثلاثة أقسام :
أحدها : ما اختص الله تعالى بِعلمه ، كالغيوب فلا مساغ للإِجتهاد في تفسيره
ولا يجوز أن يؤخذ [ إلا ] عن توقيف ، من أحد ثلاثة أوجه:
إما من نصٍّ في سياق التنزيل .
وإما عن بيانٍ من جهة الرسول .
وإما عن إجماع الأمة على ما اتفقوا عليه من تأويل .
فإن لم يرد فيه توقيف ، علمنا أن الله تعالى أراد لمصلحةٍ استأثر بها ، ألاَّ
يُطْلِع عباده على غيبه .
والقسم الثاني : ما يرجع فيه إلى لسان العرب ، وذلك شيئان ، اللغة
والإِعراب :
فأما اللغة ، فيكون العلم بها في حق المفسر دون القارىء ، فإن كان مما
[ لا ] يوجب العمل ، جاز أن يعمل فيه على خبر الواحد والإِثنين ، وأن يستشهد
فيه من الشعر بالبيت والبيتين ، وإن كان مما يوجب العمل ، لم يعمل فيه على خبر
الواحد والإِثنين ، ولا يستشهد فيه بالبيت والبيتين ، حتى يكون نقلُهُ مستفيضاً ،
وشواهد الشعر فيه متناصرة .
وقد روى أبو حاضر(٤٠)، عن ابن عباس: أن رجلاً سأل النبي وَّر، أيُّ
علم القرآن أفضل؟ قال: ((غَرِيبُهُ، فالتَمِسُوهُ في الشّعْرِ))(٤١). وإنما خص
الغريب لاختصاصه بإعجاز القرآن ، وأحال على الشعر لأنه ديوان كلامهم ،
(٤٠) هو عثمان بن حاضر الحميري ويقال الأزدي ، أبو حاضر . قال الحاكم : شيخ من أهل اليمن
صدوق ، وذكره ابن حبان في الثقات روى عن ابن عباس ، ابن الزبير ، ابن عمر ، جابر ، أنس
وغيرهم وروى عنه عمرو بن ميمون ، زمعة بن صالح ، وزياد بن سعد وغيرهم أنظر : تهذيب
التهذيب (١٠٩/٧)، الكنى والأسماء للدولابي (٢٥/١).
(٤١) لم أهتد إلى تخريجه .
٣٧

أسماء القرآن
وشواهدُ معانيهم، وقد قال ابن عباس: ((إذا أُشَكَلَ عَلَيْكُم الشيءُ من كتاب الله ،
فالتمسوه في الشعر ، فإن الشعر ديوان العرب .
وأما الإِعراب ، فإن كان اختلافه موجباً لاختلاف حُكمِهِ وتغيير تأويله ، لزم
العلم به في حق المفسر وحق القارىء ، ليتوصل المفسر إلى معرفة حكمه ،
ويَسْلَمَ القارىء من لَحْنِهِ، ورُوي عن النبيِ وََّ، أنه قال: ((أَعربُوا القرآنَ
والتمسُوا غرائِّه))(٤٢).
وإن كان اختلاف إعرابه لا يوجب اختلاف حكمه ، ولا يقتضي تغيير تأويله ،
كان العلم بإعرابه لازماً في حق القارىء لِيَسْلَمَ مِنَ اللَّحْنِ في تلاوته ، ولم يلزم في
حق المفسر لوصوله مع الجهل بإعرابه إلى معرفة حكمه ، وإن كان الجهل بإعراب
القرآن نقصاً عاماً .
والقسم الثالث : ما يرجع فيه إلى اجتهاد العلماء ، وهو تأويل المتشابه ،
واستنباط الأحكام ، وبيان المجمل ، وتخصيص العموم ، والمجتهدون من علماء
الشرع أخص بتفسيره من غيرهم حملاً لمعاني الألفاظ على الأصول الشرعية ، حتى
لا يتنافى الجمع بين معانيها وأصول الشرع ، فيعتبر فيه حال اللفظ ، فإنه ينقسم
قسمين :
أحدهما : أن يكون مشتملاً على معنى واحد لا يتعداه ، ومقصوراً عليه ولا
يحتمل ما سواه ، فيكون من المعاني [ الجلية ] والنصوص الظاهرة ، التي يُعلَمُ
مُراد الله تعالى بها قطعاً من صريح كلامه ، وهذا قسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس
تأويله .
والقسم الثاني : أن يكون اللفظ محتملاً لمعنيين أو أكثر، وهذا على
ضربين :
(٤٢) رواه الحاكم في المستدرك (٢٩٣/٢) وأحمد بن منيع كما في المطالب العالية (٣٩٨/٣) وأبو
يعلى وابن أبي شيبة كما نقله صاحب التعليق على المطالب (٣٩٨/٣) والبيهقي في شعب
الايمان ، كما نقله الخطيب التبريزي في المشكاة (٦٦٦/١) من حديث أبي هريرة وقال البوصيري
مداره على عبد الله بن سعيد وهو ضعيف وكذا ضعفه الهيثمي في المجمع (١٦٣/٧) والألباني في
المشكاة (٦٦٦/١ ).
٣٨

أسماء القرآن
أحدهما : أن يكون أحد المعنيين ظاهراً جلّاً، والآخر باطناً خفيّاً، فيكون
محمولاً على الظاهر الجلي دون الباطن الخفي ، إلا أن يقوم الدليل على أن الجليَّ
غيرُ مُرَادٍ ، فيحمل على الخفي .
والضرب الثاني : أن يكون المعنيان [ جليّين، واللفظ مستعملاً فيهما
حقيقةً ، وهذا على ضربين :
أحدهما : أن يختلف أصل الحقيقة فيهما ، فهذا ينقسم على ثلاثة أقسام :
أحدها : أن يكون أحد المعنيين مستعملاً في اللغة ، والآخر مستعملًا في
الشرع ، فيكون حمله على المعنى الشرعيِّ أولى من حملِهِ على المعنى اللُّغَويِّ،
لأن الشرع ناقل(٤٣).
والقسم الثاني : أن يكون أحد المعنيين مستعملاً في اللغة ، والآخر مستعملاً
في العُرْفِ ، فيكون حمله على المعنى العُرفي أولى من حمله على معنى اللُّغةِ ،
لأنه أقرب معهود .
والقسم الثالث : أن يكون أحد المعنيين مستعملاً في الشرع ، والآخر
مستعملاً في العرف ، فيكون حمله على معنى الشرع أولى من حمله على معنى
العرف لأن الشرع ألزم .
والضرب الثاني : أن يتفق أصل الحقيقة فيهما فيكونا مستعملَيْن في اللغة
على سواء ، أو في الشرع ، أو في العُرف فهذا على ضربين :
أحدهما : أن يتنافى اجتماعُهما ولا يُمْكِن استعمالهما كالأحكام الشرعية مثل
القُرْء الذي هو حقيقة في الطهر ، وحقيقة في الحيض ، ولا يجوز للمجتهد أن
يجمع بينهما ، لتنافيهما ، وعليه أن يجتهد رأيَهُ في المراد فيهما بالأمارات الدالَّةِ
عليه ، فإذا وصل إليه ، كان هو الذي أراده الله تعالى منه ، وإن أدى اجتهاد غيره
إلى الحكم الآخر، كان هو المرادَ منه فيكون مُرادُ اللَّهِ تعالى من كل واحدٍ منهما ،
ما أداه اجتهاده إليه .
(٤٣) انظر: كتاب الايمان ص ٨١، ٨٢، ٩٩، ١٠٠.
٣٩

أسماء القرآن
ولو لم يترجَّحْ للمجتهد أحدُ الحكمين ، ولا غَلَبَ في نفسه أحد المعنيين
التكافؤِ الأماراتِ عنده ، ففيه للعلماء مذهبان :
أحدهما : أن يكون مخيراً ، للعمل في العمل على أيهما شاء .
والمذهب الثاني : أن يأخذ بأغلظ المذهبين حُكماً .
والضرب الثاني من اختلاف المعنيين : ألا يتنافيا ويُمْكِنَ الجمعُ بينهما فهذا
على ضربين :
أحدهما : أن يتساويا ، ولا يترجَّحَ أحدهما على الآخرِ بدلِيلٍ ، فيكون
المعنيان معاً مرادين ، لأن الله تعالى لو أراد أحدهما النصب على مرادِهِ منهما
دليلاً، وإن جاز أن يريد كل واحدٍ من المعنيين بلفظين متغايرين لعدم التنافي
بينهما ، جاز أن يريدهما بلف واحدٍ ، يشتمل عليهما، ويكون ذلك أبلّغَ في
الإعجاز والفصاحة .
والضرب الثاني : أن يترجَّحَ أحدهما على الآخر بدليلٍ ، وهو على ضربين :
أحدهما : أن يكون دليلاً على بطلان أحد المعنيين ، فيسقط حكمه ، ويصير
المعنى الآخر هو المراد ، وحكمه هو الثابت .
والضرب الثاني : أن يكون دليلاً على صحة أحد المعنيين فيثبت حكمه
ويكون مراداً ، ولا يقتضي سقوط المعنى الآخر ، ويجوز أن يكون مراداً ، وإن لم
يكن عليه دليل ، لأن موجب لفظه دليل ، فاستويا في حكم اللفظ ، وإن ترجَّحَ
أحدهما بدليل ، فصارا مرادين معاً .
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المعنى الذي يرجح بدليل أَثْبَتُ حكماً من
المعنى الذي تجرد عنه ولقوته بالدليل الذي ترجح به ، فهذا أصلٌ يعتبر [ من ]
وجود التفسير ، ليكون ما أحتملته ألفاظ القرآن من اختلاف المعاني محمولاً عليه ،
فیعلم ما يؤخذ به ويعدل عنه .
فإن قيل : فقد ورد الخبر بما يخالف هذا الأصلَ المقرَّرَ، وهو ما روي عن
النبيِّي ◌ََّ، أنه قال: ((مَا نَزَلَ من القرآنِ من آيةٍ إِلَّ لَهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَرْفٍ
٤٠