Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ تفسير سورة الهمزة الآيات: ١ - ٩ : بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الزَعِيَّةِ سُورَةُ الْهُمَرَّة وهي مكية بلا خلاف. قوله عز وجل : وَيْلٌ لَكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ جيد يَحْسَبُ أَنَّ مَا لَهُ: أَخْلَدَهُ كَلَّا ٣ ٢ الَّذِى جَمَعَ مَا لَا وَعَدَّدَهُ ١ لَيْبَذَنَّ فِ اْخُطَمَةِ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْخُطَمَةُ (٢ْ نَارُ اللَّهِالْمُوقَدَةُ الَّتِتَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ كِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (®َا فِ عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ٧ ﴿ويل﴾ لفظ يجمع الشر والحزن، وقيل (ويل): واد في جهنم، و((الهمزة)) الذي يهمز الناس بلسانه أي يعيبهم، ويغتابهم، وقال ابن عباس: هو المشاء بالنميم. قال القاضي أبو محمد: ليس به لكنهما صفتان تتلازم، قال الله تعالى: ﴿هماز مشاء بنميم) [القلم: ١١]، وقال مجاهد: ((الهمزة)) الذي يأكل لحوم الناس، وقيل لأعرابي: أتهمز إسرائيل فقال: إني إذاً لرجل سوء، حسب أنه يقال له أتقع في سبه، و((اللمزة)) قريب من المعنى في الهمزة، قال الله تعالى : ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ [الحجرات: ١١]، وقرأ ابن مسعود والأعمش والحسن: ((ويل الهمزة اللمزة))، وهذا البناء الذي هو فعلة يقتضي المبالغة في معناه، قال أبو العالية والحسن: الهمز بالحضور واللمز بالمغيب، وقال مقاتل ضد هذا، وقال مرة: هما سواء، وقال ابن أبي نجيح: الهمز باليد والعين، واللمز باللسان، وقال تعالى: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ [التوبة: ٥٨] وقيل نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق وقيل في جميل بن عامر الجمحي ثم هي تتناول كل من اتصف بهذه الصفات ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والحسن وأبو جعفر: ((جمّع)) بشدة الميم، والباقون بالتخفيف، وقوله ﴿وعدده﴾ معناه: أحصاه وحافظ على عدده وأن لا ينتقص، فمنعه من الخيرات ونفقة البر، وقال مقاتل: المعنى استعده وذخره وقرأ الحسن: ((وعدَدَه)) بتخفيف الدالين، فقيل المعنى جمع مالاً وعدداً من عشرة ، وقيل أراد عدداً مشدداً فحل التضعيف، وهذا قلق، وقوله: ﴿يحسب أن ماله أخلده﴾ معناه: يحسب أن ماله هو معنى حياته وقوامها، وأنه حفظه مدة عمره ويحفظه، ثم رد على هذه الحسبة وأخبر إخباراً مؤكداً أنه ينبذ ﴿في الحطمة﴾ أي التي 1 1 تفسير سورة الهمزة الآيات: ١ -. ٩ ٥٢٢٠ تحطم ما فيها وتلتهبه، وقرأ: ((يحسّب)) بفتح السين الأعرج وأبو جعفر وشيبة، وقرأ ابن محيصن والحسن بخلاف عنه: ((لينبذان)) بنون مكسورة مشددة قبله ألك، يعني هو ماله، وروي عنه ضم الذال على نبذ جماعة هو ماله وعدده، أو يريد جماعة الهمزات ثم عظم شأنها وأخبر أنها ﴿نار الله الموقدة﴾ التي يبلغ إحراقها القلوب ولا يخمد، والفؤاد القلب، ويحتمل أن يكون المعنى أنها لا يتجاوزها أحد حتى تأخذه بواجب عقيدة قلبه ونيته فكأنها متطلعة على القَلَوُّب باطلاع الله تعالى إياها، ثم أخبر بأنها عليهم موصدة ومعناه مطبقة أو مغلقة، قال علي بن أبي طالب: أبواب النار بعضها فوق بعض، وقوله تعالى: ﴿في عمد﴾ هو جمع عمود كأديم وأدم، وهي عند سيبويه أسماء جمع لا جموع جارية على الفعل، وقرأ ابن مسعود: ((موصدة بعمد ممدّدة))، وقال ابن زيد: المعنى في عمد حديد مغلولين بها والكل من نار، وقال أبو صالح: هذه النار هي في قبورهم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي: ((عُمُد)) بضم العين والميم، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بفتحهما، وقرأ الجمهور: ((ممددةٍ)) بالخفض على نعت العمد، وقرأ عاصم: «ممددة» بالرفع على اتباع ﴿موصدة﴾. نجز تفسيرها بحمد الله. ٠٠ ٠٠ ، i ! .. تفسير سورة الفيل الآيات: ١ - ٥ ٥٢٣ بِسْمِ اللَّهِ الزَّحْمَنِ الرَّحِيةِ شُورَةُ القِيْلِ وهي مكية بإجماع الرواة. أَلَمْتَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ ١ أَبَابِيلَ (® تَرْمِيهِم بِحِجَارَوِمِن سِجِيلٍ قوله عز وجل : أَلَمْ بَجْعَلُكَيْدَهُمْ فِ تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًّا ٢ ◌َعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ٤ ﴿كيف﴾ نصب بفعل والجمهور على أنه فيل واحد، وقال الضحاك: ثمانية، فهو اسم الجنس وقوله مردود، وحكى النقاش: ثلاثة عشر، وهذه السورة تنبيه على الاعتبار في أخذ الله تعالى لأبرهة ملك الحبشة ولجيشه حين أم به الكعبة ليهدمها، وكان صاحب فيل يركبه، وقصته مشروحة في السير الطويلة، واختصاره أنه بنى في اليمن بيتاً وأراد أن يرد إليه حج العرب، فذهب أعرابي فأحدث في البيت الذي بنى أبرهة فغضب لذلك واحتفل في جموعه وركب الفيل وقصد مكة، وغلب من تعرضه في طريقه من قبائل العرب، فلما وصل ظاهر مكة وفر عبد المطلب وقريش إلى الجبال والشعاب، وأسلموا له البلد، وغلب طغيانه، ولم يكن للبيت من البشر من يعصمه ويقوم دونه، جاءت قدرة الواحد القهار وأخذ العزيز المقتدر، فأصبح أبرهة ليدخل مكة ويهدم الكعبة فبرك فيله بذي الغميس ولم يتوجه قبل مكة فبضعوه بالحديد فلم يمش إلى ناحية مكة وكان إذا وجهوه إلى غيرها هرول، فبينا هم كذلك في أمر الفيل بعث الله ﴿عليهم طيراً﴾ جماعات جماعات سوداً من البحر وقيل خضراً، عند كل طائر ثلاثة أحجار في منقاره ورجليه وكل حجر فوق العدسة ودون الحمصة فرمتهم بتلك الحجارة، فكان الحجر منها يقتل المرمي وتتهرى لحومهم جذرياً، وأسقاماً، فانصرف أبرهة بمن معه يريد اليمن فماتوا في طريقهم متفرقين في كل مرحلة، وتقطع أبرهة أنملة أنملة حتى مات وحمى الله بيته المرفع، فنزلت الآية منبهة على الاعتبار بهذه القصة، ليعلم الكل أن الأمر كله لله، ويستسلموا للإله الذي ظهرت في ذلك قدرته، حين لم تغن الأصنام شيئاً فـ ﴿أصحاب الفيل﴾: أبرهة الملك ورجاله، وقرأ أبو عبد الرحمن: ((ألم ترْ)) بسكون الراء، و((التضليل)) الخسار والتلف، و((الأبابيل)»: جماعات تجيء شيئاً بعد شيء، قال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه وهذا هو الصحيح لا ما تكلفه بعض النحاة وقال [معبد بن أبي معبد الخزاعي]: [البسيط] إذا سارت الأرض بالجرد الأبابيل كادت تهد من الأصوات راحلتي ٠ ٥٢٤ تفسير سورة الفيل الآيات: ١-٥ وقد تقدم تفسير ((حجارة السجيل)) غير مرة، وهي من سنج وكل أي ماء وطين، كأنها الآجر ونحوه مما طبخ، وهي المسومة عند الله تعالى للكفرة: الظالمين، و((العصف)): ورق الحنطة وتبنه ومنه قول علقمة بن عبدة: [البسيط] تسقى مذانب قد مالت عصيفتِهَا حدورها من أتيّ النساء مطموم 1 والمعنى صاروا طيناً ذاهباً كورق حنطة أكلته الدواب وراثته فجمع المهانة والخسة وأتلف، وقرأ أبو الخليج الهذلي ((فتركتهم كعصف))، قال أبو حاتم، وقرأ بعضهم: ((فجعلتهم)) يعنون الطير بفتح اللام وتاء ساكنة، وقال عكرمة: العصف حب البر إذا أكل فصار أجوف، وقال الفراء: هو أطراف الزرع قبل أن يسنبل، وهذه السورة متصلة في مصحف أبي بن كعب بسورة ﴿لإيلاف قريش﴾ لا فصل بينهما، وقال سفيان بن عيينة: كان لنا إمام يقرأ بهما متصلة سورة واحدة. ٠٠٥٠ ٥٢٥ تفسير سورة قريش الآيات : ١ - ٤ بسم اللهِ الرَّحْضَ الزَحِيةِ ◌ُورَةُ قِرْشِ وهي مكية بلا خلاف. قوله عز وجل : لايلَفِقُرَیْشِ ٣ إِلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّنَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿﴿ فَلْيَعْبُدُ وارَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ١ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ٤ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي: ﴿لإيلاف قريش إيلافهم﴾ على إفعال والهمزة الثانية ياء، وقرأ ابن عامر ((لألاف)) على فعال ﴿إيلافهم﴾ على أفعال بياء في الثانية، وقرأ أبو بكر عن عاصم: بهمزتين فيهما الثانية ساكنة، قال أبو علي: وتحقيق عاصم هاتين الهمزتين لا وجه له، وقرأ أبو جعفر: ((إلْفهم)) بلام ساكنة، و﴿قريش﴾ ولد النضر بن كنانة، والتقرش: التكسب، وتقول ألف الرجل الأمر وآلفه غيره، فالله عز وجل آلف قريشاً أي جعلهم يألفون رحلتين في العام، رحلة في الشتاء وأخرى في الصيف. ويقال أيضاً ألف بمعنى آلف، وأنشد أبو زيد: [الطويل] شعاع الضحى في جيدها يتوضح من المؤلفات الرمل أدماء حرة فألف وإلاف مصدر ألف، و((إيلاف)) مصدر آلف، قال بعض الناس: كانت الرحلتان إلى الشام في التجارة، وقيل الأرباح، ومنه قول الشاعر: [الكامل] سفرين بينهما له ولغيره سفر الشتاء ورحلة الأصياف وقال ابن عباس: كانت ﴿رحلة الشتاء﴾ إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى بصرى من أرض الشام. قال أبو صالح: كانتا جميعاً إلى الشام، وقال ابن عباس أيضاً: كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل، ويرحلون في الشتاء إلى مكة للتجارة وسائر أغراضهم، فهاتان رحلتا الشتاء والصيف، قال الخليل بن أحمد فمعنى الآية: لأن فعل اللّه بقريش هذا ومكنهم من الفهم هذه النعمة ﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾ . قال القاضي أبو محمد: وذكر البيت هنا متمكن لتقدم حمد الله في السورة التي قبل، وقال الأخفش، وغيره: ﴿لإيلاف﴾، متعلقة بقوله: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ [الفيل: ٥]، أي ليفعل بقريش هذه ٥٢٦ تفسير سورة قريش الآيات: ١-٤ - - الأفاعيل الجميلة، وقال بعض المفسرين معنى الآية: أعجبوا ﴿لإيلاف قريش﴾، هذه الأسفار وإعراضهم عن عبادة الله، ثم أمرهم بالعبادة بعد وأعلمهم أن الله تعالى هو الذي ﴿أطعمهم) وآمنهم﴾ لا سفرهم، المعنى: فليعبدوا الذي أطعمهم بدعوة إبراهيم حيث قال: وارزقهم من الثمرات، وآمنهم بدعوته حيث قال: ﴿رب اجعل هذا البلد آمناً﴾ [إبراهيم: ٣٥] ولا يشتغلوا بالأسفار التي إنما هي طلب كسب وعرض دنيا، وقال النقاش: كانت لهم أربع رحل، وهذا قول مردود، وقال عكرمة: معنى الآية كما ألفوا هاتين الرحلتين لدنياهم ﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾ لآخرتهم، وقال قتادة: إنما عددت عليهم الرحلتان لأنهم كانوا يأمنون الناس في سفرتهم، والناس يغير بعضهم على بعض، ولا يمكن قبيلاً من العرب أن يرحل آمناً، كما تفعل قريش، فالمعنى فليعبدوا الذي خصهم بهذه الحال فأطعمهم وآمنهم، وقوله تعالى: ﴿من جوع﴾ معناه أن أهل مكة قاطنون بواد غير ذي زرع عرضة للجوع والجدب لولا لطف الله تعالى، وأن جعلها بدعوة إبراهيم تجبى إليها ثمرات كل شيء، وقوله تعالى: ﴿من خوف﴾ أي جعلهم لحرمة البيت مفضلين عند العرب يأمنون والناس خائفون، ولولا فضل الله تعالى في ذلك لكانوا بمدارج المخاوف. وقال ابن عباس والضحاك: ﴿من خوف﴾ معناه من الجذام فلا ترى بمكة مجذوماً. ٠٠٠ : ٦٫٫٠٠ ٥٢٧ تفسير سورة الماعون الآيات: ١ - ٧ بِسْمِ اللّهِ الزَحَمَنِ الزَكمية شُورَةُ الَاعُونِ وهي مكية بلا خلاف علمته، وقال الثعلبي: هي مدنية. قوله عز وجل : فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ الْبَنِيِمَ ﴿ وَلَا يَحُضُّ عَلَى ١ أَرَءَ يْتَ اُلَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ؟ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنِ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ هذا توقيف وتنبيه لتتذكر نفس السامع كل من يعرفه بهذه الصفة، وهمز أبو عمرو: ((أرأيت)) بخلاف عنه ولم يهمزها نافع وغيره، و﴿الدين﴾ الجزاء ثواباً وعقاباً، والحساب هنا قريب من الجزاء ثم قال تعالى: ﴿فذلك الذي يدعُّ اليتيم﴾ أي ارقب فيه هذه الخلال السيئة تجدها، ودع اليتيم: دفعه بعنف، وذلك إما أن يكون المعنى عن إطعامه والإحسان إليه، وإما أن يكون عن حقه وماله، فهذا أشد، وقرأ أبو رجاء: (دَع))، بفتح الدال خفيف بمعنى لا يحسن إليه، وقوله تعالى: ﴿ولا يحِضِ على طعام المسكين﴾ أي لا يأمر بصدقة ولا يرى ذلك صواباً، ويروى أن هذه السورة نزلت في بعض المضطرين في الإسلام بمكة الذين لم يحققوا فيه وفتنوا فافتتنوا، وكانوا على هذه الخلق من الغشم وغلظ العشرة والفظاظة على المسلمين، وربما كان بعضهم يصلي أحياناً مع المسلمين مدافعة وحيرة فقال تعالى فيهم: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾. قال ابن جريج: كان أبو سفيان ينحر كل أسبوع جزوراً فجاءه يتيم، فقرعه بعصا فنزلت السورة فيه، قال سعد بن أبي وقاص: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾، فقال: هم الذين يؤخرونها عن وقتها، يريد والله أعلم تأخير ترك وإهمال، وإلى هذا نحا مجاهد، وقال قتادة ﴿ساهون﴾، هو الترك لها وهم الغافلون الذين لا يبالي أحدهم صلى أو لم يصل، وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال ﴿عن صلاتهم) ولم يقل في صلاتهم، وفي قراءة ابن مسعود: ((لاهون)) بدل ﴿ساهون﴾، وقوله تعالى: ﴿الذين هم يراؤون﴾ بيان أن صلاة هؤلاء ليست لله تعالى بينة إيمان، وإنما هي رياء للبشر فلا قبول لها، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو الأشهب: ((يرؤن)) مهموزة مقصورة مشددة الهمزة، وروي عن ابن أبي إسحاق: ((يرؤون)) بغير شد في الهمزة، وقوله تعالى : ٥٢٨ تفسير سورة المامون الآيات: ١ - ٧ ﴿ويمنعون الماعون﴾ وصف لهم بقلة النفع لعباد الله، وتلك شرخلة، وقال علي بن أبي طالب وابن عمر: ﴿الماعون﴾، الزكاة، وقال الراعي: [الكامل] ماعونهم ويضيعوا التهليلا قوم على الإسلام لما يمنعوا وقال ابن مسعود: هو ما يتعاطاه الناس بينهم كالفأس والدلو والآنية والمقص ونحوه، وقاله الحسن وقتادة وابن الحنفية وابن زيد والضحاك وابن عباس، وقال ابن المسيب: ﴿الماعون﴾ بلغة قريش: المال، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: ((الماء والنار والملح))، روته عائشة رضي الله عنها، وفي بعض الطرق زيادة الإبرة والخمير، وحكى الفراء عن بعض العرب أن ﴿الماعون﴾ : الماء: وقال ابن مسعود: كنا نعد ﴿الماعون﴾ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية القدر والدلو ونحوها . 1.0 ٥٢٩ تفسير سورة الكوثر الآيات: ١ - ٣ بِسْمِ الّهِ الزَّحْضَنِ الزَّحِيةِ سُورَةُ الكوثرَ وهي مكية قوله عز وجل : فَصَلِ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴿ إِنَّ شَانِثَكَ هُوَ الْأَبْتَ ١ إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ [ ٣ قرأ الحسن: ((إنا أنطيناك))، وهي لغة في أعطى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((واليد المنطية خير من السفلى))، وقال الأعشى: [المتقارب] جيادك خير جياد الملوك تصان الجلال وتنطى الشعير قال أنس وابن عمر وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين: ﴿الكوثر﴾: نهر في الجنة، حافتاه قباب من در مجوف وطينه مسك وحصباؤه ياقوت، ونحو هذا من صفاته، وإن اختلفت ألفاظ الرواة، وقال ابن عباس أيضاً: ﴿الكوثر﴾: الخير الكثير. قال القاضي أبو محمد: كوثر: بناء مبالغة من الكثرة، ولا مجال أن الذي أعطى الله محمداً عليه السلام من النبوة والحكمة والعلم بربه والفوز برضوانه والشرف على عباده هو أكثر الأشياء وأعظمها كأنه يقول في هذه الآية: ﴿إنا أعطيناك﴾ الحظ الأعظم، قال سعيد بن جبير: النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه، فنعم ما ذهب إليه ابن عباس، ونعم ما تمم ابن جبير رضي الله عنهم، وأمر النهر ثابت في الآثار في حديث الإسراء وغيره صلى الله على محمد ونفعنا بما منحنا من الهداية. قال الحسن: ﴿الكوثر﴾، القرآن، وقال أبو بكر بن عياش: هو كثرة الأصحاب والأتباع، وقال جعفر الصادق: نور في قلبه دله عليه وقطعه عما سواه، وقال أيضاً: هو الشفاعة، وقال هلال بن يساف: هو التوحيد، وقوله تعالى: ﴿فصلّ لربك وانحر﴾ أمر بالصلاة على العموم، ففيه المكتوبات بشروطها والنوافل على ندبها، والنحر: نحر البدن والنسك في الضحايا في قول جمهور الناس، فكأنه قال: ليكن شغلك هذين، ولم يكن في ذلك الوقت جهاد، وقال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة، فأمر أن يصلي وينحر وقاله قتادة، والقرطبي وغيره في الآية طعن على كفار مكة، أي إنهم يصلون لغير الله مكاء وتصدية، وينحرون للأصنام ونحوه، فافعل أنت هذين لربك تكن على صراط مستقيم، وقال ابن جبير: نزلت هذه الآية يوم الحديبية وقت صلح قريش قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: صل وانحر الهدي، i ٥٣٠ تفسير سورة الكوثر الآيات: ٣٫٣١ وعلى هذا تكون الآية من المدني، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: معنى الآية: صل لربك وضع يمينك على شمالك عند نحرك في الصلاة، فالنحر على هذين ليس بمصدر نحر بل هو الصدر، وقال آخرون المعنى: ارفع يدك في استفتاح صلاتك عند نحرك، وقوله تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ رد على مقالة كان كثير من سفهاء قريش يقولها لما لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولد فكانوا يقولون: هو أبتر يموت فنستريح منه ويموت أمره بموته، فقال الله تعالى وقوله الحق: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾، أي المقطوع المبتور من رحمة الله تعالى ولو كان له بنون فهم غير نافعيه، ((والشانىء)): المبغض، وقال قتادة ﴿الأبتر﴾ هنا يراد به الحقير الذليل، وقال عكرمة: مات ابن للنبي صلى الله عليه وسلم فخرج أبو جهل يقول: بتر محمد، فنزلت السورة. وقال ابن عباس: نزلت في العاصي بن وائل سمى النبي صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه عبد الله أبتر. ١.٠٠ ٤٠ .: ٥٣١ تفسير سورة الكافرون الآيات: ١ -٦ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْضَ الزَحِيِةِ ◌ُورَةُ الْكَافِرُنَ وهي مكية إجماعاً . قوله عز وجل : ٢ قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴿ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ٥ أَنَاْعَاِدٌ مَّا عَبَدَّمْ وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ جَا وَلَآ وَلَآ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ لَكُمْدِيْئُكُمْ وَلِىَ دِينِ ٦ قرأ أبي بن كعب وابن مسعود: ((قل للذين كفروا))، وروي في سبب نزول هذه السورة عن ابن عباس وغيره أن جماعة من عتاة قريش ورجالاتها قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: دع ما أنت فيه ونحن نمولك ونزوجك من شئت من كرائمنا ونملكك علينا، وإن لم تفعل هذا فلتعبد آلهتنا ولنعبد إلهك حتى نشترك، فحيث كان الخير نلناه جميعاً، هذا معنى قولهم ولفظهم، لكن للرواة زيادة ونقص، وروي أن هذه الجماعة المذكورة الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف وأبو جهل وابنا الحجاج ونظراؤهم ممن لم يسلم بعد، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم معهم في هذه المعاني مقامات نزلت السورة في إحداها بسبب قولهم هلم نشترك في عبادة إلهك وآلهتنا، وروي أنهم قالوا: اعبد آلهتنا عاماً، ونعبد إلهك عاماً، فأخبرهم عن أمره عز وجل أن لا يعبد ما يعبدون وأنهم غير عابدين ما يعبد، فلما كان قوله: ﴿لا أعبد﴾ محتملاً أن يراد به الآن ويبقى المستأنف منتظراً ما يكون فيه من عبادته جاء البيان بقوله: ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾، أي أبداً وما حييت، ثم جاء قوله: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ الثاني حتماً عليهم أنهم لا يؤمنون به أبداً كالذي كشف الغيب، فهذا كما قيل لنوح صلى الله عليه وسلم: إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وأما أن هذا في معنيين وقوم نوح عمموا بذلك، فهذا، معنى الترديد الذي في السورة وهو بارع الفصاحة وليس بتكرار فقط، بل فيه ما ذكرته مع التأكيد والإبلاغ، وزاد الأمر بياناً وتبرياً منهم، وقوله: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ وفي هذا المعنى الذي عرضت قريش نزل أيضاً: ﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون﴾ [الزمر: ٦٤] وقرأ أبو عمر: ((ولي ديني: ساكنة الياء، من لي ونصبها الباقون بخلاف كل واحد منهم، والقراءتان حسنتان، وقرأ أبو عمرو: ((عابد)) و((عابدون))، والباقون: بفتح العين وهاتان حسنتان أيضاً، ولم تختلف السبعة في حذف الياء من دين، وقرأ سلام ويعقوب: ((ديني)) بياء في الوصل والوقف، وقال بعض العلماء في هذه الألفاظ مهادنة ما وهي منسوخة بآية القتال. : ٥٣٢ - تفسير سورة النصر) الآيات: ١ -٣ بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الزَّحمية سُورَةُ النَّصْرِ وهي مدنية بإجماع . قوله عز وجل : وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِي دِيْنِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ١ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَسَبِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ٣ قرأ ابن عباس: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمعاً من الصحابة الأشياخ وبالحضرة لابن عباس عن معنى هذه السورة وسببها، فقالوا كلهم بمقتضى ظاهر ألفاظها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عند الفتوح التي فتحت عليه مكة وغيرها بأن يسبح ربه ويحمده ويستغفره، فقال لابن عباس: ما تقول أنت يا عبد الله؟ فقال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله بقربه إذا رأى هذه الأشياء، فقال عمر ما أعلم منها إلا ما ذكرت، وهذا المنزع الذي ذكره ابن عباس ذكره ابن مسعود وأصحابه ومجاهد وقتادة والضحاك، وروت معناه عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه عليه السلام لما فتحت مكة وأسلمت العرب جعل يكثر أن يقول ((سبحان الله وبحمده، اللهم إني أستغفرك)) يتأول القرآن في هذه السورة، وقال لها مرة: ((ما أراه إلا حضور أجلي))، وتأوله عمر والعباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصدقهما. و((النصر)) الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو غلبته لقريش ولهوازن وغير ذلك، ﴿والفتح﴾: هو فتح مكة والطائف ومدن الحجاز وكثير مهن اليمن ودخول الناس في الإسلام ﴿أفواجاً﴾، كان بين فتح مكة إلى موته صلى الله عليه وسلم، قال أبو عمر بن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب الاستيعاب في الصحابة في باب أبي خراش الهذلي: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر، بل دخل الكل في الإسلام يعد حنين والطائف، منهم من قدم ومنهم من قدم وفده، ثم کان بعده من الردة ما کان ورجعوا کلهم إلى الدين . : قال القاضي أبو محمد: والمراد والله أعلم عرب عبدة الأوثان، وأما نصارى بني تغلب فما أواهم أسلموا قط في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن أعطوا الجزية، والأفواج: الجماعة إثر الجماعة، كما قال تعالى: ﴿ألقي فيها فوج﴾ [الملك: ٨] وقال مقاتل: المواد بالناس أهل اليمن وفد منهم سبعمائة رجل، وقاله عكرمة، وقال الجمهور: المراد جميع وفود العرب لأنهم قالوا: إذا فتح الحرم محمد عليه ٥٣٣ تفسير سورة النصر الآيات: ١ - ٣ السلام وقد حماه الله من الحبشة وغيرهم فليس لكم به يدان، وذكر جابر بن عبد الله فرقة الصحابة فبكى وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((دخل الناس في الدين أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً)) وقوله: ﴿إنه كان تواباً﴾ يعقب ترجية عظيمة للمستغفرين، جعلنا الله منهم، وحكى النقاش عن ابن عباس أن ((النصر)) صلح الحديبية، وأن ﴿الفتح) فتح مكة، وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق في حجة الوداع وعاش بعدها ثمانين يوماً أو نحوها صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم. ٥٣٤٠ تفسير سورة المسد الآيات: ٥٠١ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِية شُورَةُ المَسَدْ د .، وهي مكية بإجماع. قوله عز وجل : سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ ٢ مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ١ تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ لَهَبٍ ﴿ وَآَمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْخَطَبِ ﴿ فِىِ جِيدِ هَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدِ ٥ روي في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: ((يا صفية بنت عبد المطلب، ويا فاطمة بنت محمد لا أملك لكما من الله شيئاً سلاني من مالي ما شئتما))، ثم صعد الصفا فنادى بطون قريش: ((يا بني فلان، يا بني فلان))، وروي أنه صاح بأعلى صوته: ((يا صباحاه)) فاجتمعوا إليه من كل وجه، فقال لهم: ((أرأيتم لو قلت لكم إني أنذركم خیلا بسفح هذا الجبل أکنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذیر بین یدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا، جمعتنا))؟ فافترقوا عنه ونزلت السورة، و﴿تبت﴾ معناه: خسرت، والتباب: الخسار والدمار، وأسند ذلك إلى اليدين من حيث اليد موضع الكسب والربح وضم ما يملك، ثم أوجب عليه أنه قد تب أي حتم ذلك عليه، ففي قراءة عبد الله بن مسعود: ((تبت يدا أبي لهب وقد تب))، و((أبو لهب)): هو عبد العزى بن عبد المطلب، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن سبقت له الشقاوة، وقرأ ابن كثير وابن محيصن: ((أبي لهْب)) بسكون الهاء، وقرأ الباقون: بتحريك الهاء، ولم يختلفوا في فتحها في ﴿ذات لهب﴾، وقوله تعالى: ﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ يحتمل أن تكون ﴿ما﴾ نافية، ويكون الكلام خبراً عن أن جميع أحواله الدنياوية لم تغن عنه شيئاً حين حتم عذابه بعد موته، ويحتمل أن تكون ﴿ما﴾ استفهاماً على وجه التقرير أي أين الغناء الذي لماله ولکسبه؟ ﴿وما کسب﴾: يراد به عرض الدنيا من عقار ونحوه، أو ليكون الكلام دالاً على أنه أتعب فيه نفسه لم يجئه عفوا لا بميراث وهبة ونحوه، وقال كثير من المفسرين: المراد بـ ﴿ما كسب﴾ بنوه، فكأنه قال: ﴿ما أغنى عنه ماله﴾ وولده، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خير ما كسب الرجل من عمل يده وإن ولد الرجل من كسبه))، وروي أن أولاد أبي لهب اختصموا عند ابن عباس فتنازعوا وتدافعوا، فقام ابن عباس ليحجز بينهم، فدفعه أحدهم، فوقع على فراشه، وكان قد كف بصره فغضب وصاح: أخرجوا عني الكسب الخبيث، وقرأ الأعمش وأبي بن كعب: ((وما اكتسب)) وقوله: ﴿سيصلى ناراً ذات لهب﴾ حتم عليه بالنار وإعلام بأنه يوافي على ٥٣٥ تفسير سورة الإخلاص الآيات: ١ - ٥ كفره، وانتزع أهل الأصول من هذه الآية تكليف ما لا يطاق، وأنه موجود في قصة أبي لهب، وذلك أنه مخاطب مكلف أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومكلف أن يؤمن بهذه السورة وصحتها، فكأنه قد كلف أن يؤمن، وأن يؤمن أنه لا يؤمن، قال الأصوليون ومتى ورد تكليف ما لا يطاق فهي أمارة من الله تعالى أنه قد حتم عذاب ذلك المكلف كقصة ﴿أبي لهب﴾، وقرأ الجمهور ((سيصلى)) بفتح الياء، وقرأ ابن كثير والحسن وابن مسعود بضمها، وقوله تعالى: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ هي أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية بن أبي سفيان، وعطف قوله ﴿وامرأته﴾ على المضمر المرفوع دون أن يؤكد الضمير بسبب الحائل الذي ناب مناب التأكيد، وكانت أم جميل هذه مؤذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بلسانها وغاية قدرتها، وقال ابن عباس: كانت تجيء بالشوك فتطرحه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وطريق أصحابه ليعقرهم، فلذلك سميت ﴿حمالة الحطب﴾، وعلى هذا التأويل، فـ ﴿حمالة﴾ معرفة يراد به الماضي، وقيل إن قوله ﴿حمالة الحطب﴾ استعارة لذنوبها التي تحطبها على نفسها لآخرتها، فـ ﴿حمالة﴾ على هذا نكرة، يراد بها الاستقبال، وقيل هي استعارة لسعيها على الدين والمؤمنين، كما تقول: فلان يحطب على فلان وفي حبل فلان، فكانت هي تحطب على المؤمنين وفي حبل المشركين، وقال الشاعر: [الرجز] إن بني الأدرم حمالو الحطب هم الوشاة في الرضى وفي الغضب وقرأ ابن مسعود: ((ومرياته))، وقرأ الجمهور: ((حمالةٌ)) بالرفع، وقرأ عاصم: ((حمالةَ)) بالنصب على الذم، وهي قراءة الحسن والأعرج وابن محيصن، وقرأ ابن مسعود: ((حمالةٌ للحطب)) بالرفع ولام الجير، وقرأ أبو قلابة: ((حاملة)) الميم بعد الألف، وقوله: ﴿في جيدها حبل من مسد﴾، قال ابن عباس والضحاك والسدي وابن زيد: الإشارة إلى الحبل حقيقة الذي ربطت به الشوك وحطبه، قال السدي: ((المسد)» الليف، وقيل: ليف المقل ذكره أبو الفتح وغيره، وقال ابن زيد: هو شجر باليمن يسمى المسد، تصنع منه الحبال، وقال النابغة: [البسيط] له صريف صريف القعو بالمسد مقذوفة بدخيس النحض بازلها القعو: البكرة، والمسد: الحبل، وقال عروة بن الزبير وسفيان ومجاهد وغيرهم: هذا الكلام استعارة والمراد سلسلة من حديد في جهنم ذرعها سبعون ذراعاً، ونحو هذا من العبارات، وقال قتادة: ﴿حبل من مسد﴾، قلادة من ودع، قال ابن المسيب: كان لها قلادة فاخرة فقالت: لأنفقنها على عداوة محمد. قال القاضي أبو محمد: فإنما عبر عن قلادتها بـ ﴿حبل من مسد﴾ على جهة التفاؤل لها، وذكر تبرجها في هذا السعي الخبيث، وروي في هذا الحديث أن هذه السورة لما نزلت وقرئت، بلغت أم جميل فجاءت أبا بكر وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقالت: يا أبا بكر: بلغني أن صاحبك هجاني ولأفعلن وأفعلن وإني شاعرة وقد قلت فيه: [الرجز] مذمماً قلينا ودينه أبينا فسكت أبو بكر ومضت هي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد حجبني عنها ملائكة فما رأتني وكفى الله شرها)). ٥٣٦ تفسير سورة الإخلاص الآيات: ٤٠٠ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الزَحية 1 شُورَةُ الإِخْلَاصِ .أ. هذه السورة مكية، قاله مجاهد بخلاف عنه وعطاء وقتادة، وقال ابن عباس والقرظي وأبو العالية هي 1 ... مدنية . م قوله عز وجل : وَلَمْ يَكُنْ لَّمُ كُفُوَّا قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ◌َ اللَّهُ الصَّمَدُ جَّلَمْ يَلِّدْ وَلَمْ يُولَدْ (؟) وم أَحَدا ٤ قرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود والربيع بن خيثم: ((قل هو الله أحد الواحد الصمد))، وروى أبي بن كعب أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسب ربه تعالى عما يقول الجاهلون فنزلت هذه السورة، وروى ابن عباس أن اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمّد صف لنا ربك وانسبه فإنه وصف نفسه في التوراة ونسبها، فارتعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خر مغشياً عليه ونزل عليه جبريل بهذه السورة، وقال أبو العالية قال قتادة: الأحزاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأتاه الوحي بهذه السورة، و﴿أحد﴾ معناه؛ فرد من جميع جهات الوحدانية، ليس كمثله شيء، وهو ابتداء و﴿الله﴾ ابتداء ثان و﴿أحد﴾ خبره، والجملة خبر الأول، وقيل: ﴿هو﴾ ابتداء و﴿الله﴾ خبره و﴿أحد﴾ بدل منه، وحذف أبو عمرو التنوين من ﴿أحد﴾ لالتقاء الساكنين: ((أحدُّ الله)) وأثبتها الباقون مكسورة للالتقاء، وأما وفقهم كلهم فبسكون الدال، وقد روي عن أبي عمرو: الوصل بسكون الدال، وروي عنه أيضاً تنوينها، و﴿الصمد﴾ في كلام العرب السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويستقل بها، وأنشدوا: [الطويل] ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وبهذا تفسر هذه الآية لأن الله جلت قدرته هو موجود الموجودات، وإليه تصمد به قوامها، ولا غني بنفسه إلا هو تبارك وتعالى، وقال كثير من المفسرين: ﴿الصمد﴾ الذي لا جوف له، كأنه بمعنى المصمت، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، وفي هذا التفسير كله نظر، لأن الجسم في غاية البعد عن صفات الله تعالى. فما الذي تعطينا هذه العبارات، و﴿الله الصمد﴾ ابتداء وخبر، وقيل: ﴿الصمد﴾ نعت، والخبر فيما بعد، وقوله تعالى: ﴿لم يلد ولم يولد﴾ رد على إشارة الكفار في النسب ٥٣٧ تفسير سورة الإخلاص الآيات: ١ - ٤ الذي سألوه، وقال ابن عباس: تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في ذات الله تعالى. قال القاضي أبو محمد: لأن الأفهام تقف دون ذلك حسيرة، والمؤمنون يعرفون الله تعالى بواجب وجوده وافتقار كل شيء إليه واستغنائه عن كل شيء وينفي العقل عنه كل ما لا يليق به تبارك وتعالى، وأن ليس كمثله شيء، وكل ما ذكرته فهو في ضمن هذه السورة الوجيزة البليغة، وقوله تعالى: ﴿ولم يكن له كفؤاً أحد﴾ معناه: ليس له ضد ولا ند ولا شبيه، والكفأ والكفؤ والكفاء النظير، وقرأ: ((كفؤاً)) بضم الكاف وهمز مسهل نافع والأعرج وأبو جعفر وشيبة، وقرأ بالهمز عاصم وأبو عمرو بخلاف عنه، وقرأ حمزة: ((كفواً)) بالهمز وإسكان الفاء وروي عن نافع ((كفا)» بفتح الفاء وبغير همز. وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس: ((ولم يكن له كِفاء أحد))، بكسر الكاف وفتح الفاء، والمد، و﴿كفؤاً﴾: خبر كان واسمها ﴿أحد﴾، والظرف ملغى، وسيبويه رحمه الله يستحسن أن يكون الظرف إذا تقدم خبراً، ولكن قد يجيء ملغى في أماكن يقتضيها المعنى كهذه الآية، وكما قال الشاعر: ما دام فیھن فصیل حیا ويحتمل أن يكون: ﴿كفؤاً﴾، حالاً لما قدم من كونه وصفاً للنكرة، كما قال: لعزة موحشاً طلل، قال سيبويه: وهذا يقل في الكلام، وبابه الشعر، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن». قال القاضي أبو محمد: بما فيها من التوحيد. ٥٣٨ تفسير سورة الفلق الآيات: ١-٥ بسْمِ اللهِ الرَّحْمَن ◌َالزَحمية سُورَةُ الفَلِق ١٠٠ هذه السورة قال ابن عباس هي مدنية، وقال قتادة: هي مكية. قوله عز وجل: مِن شَرِّمَاخَلَقَ (﴾ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ التَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ ◌ْ وَمِن شَرّ خَاسِدٍ إِذَا حَسَدُ ٥ وَمِن شَرِّ ٣ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو آحاد أمته، وقال ابن عباس وابن جبير والحسن والقرظي وقتادة ومجاهد وابن زيد: ﴿الفلق﴾: الصبح، كقوله تعالى: ﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] وقال ابن عباس أيضاً وجماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم: ﴿الفلق﴾: جب في جهنم ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: ﴿من شر ما خلق﴾ يعم كل موجود له شر؛ وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة القائلين: بأن الله لم يخلق الشر ((من شرّ ما خلق)) على النفي وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، الله خالق كل شيء، واختلف الناس في: ((الغاسق إذا وقب)) فقال ابن عباس ومجاهد والحسن: ((الغاسق)): الليل و﴿وقب﴾ معناه: أظلم ودخل على الناس، وقال الشاعر [ابن قيس الرقيات]: [المديد] واشتكيت الهم والأرقا إن هذا الليل قد غسقا وقال محمد بن كعب: ((الغاسق إذا وقب))، النهار دخل في الليل، وقال ابن زيد عن العرب، ((الغاسق)) سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطاعون تهيج عنده، وقال عليه السلام: النجم هو الغاسق فيحتمل أن يريد الثريا، وقال لعائشة وقد نظر إلى القمر: ((تعوذي بالله ﴿من شر غاسق إذا وقب﴾، فهذا هو))، وقال القتبي وغيره: هو البدر إذا دخل في ساهوره فخسف، قال الزهري في ((الغاسق إذا وقب)): الشمس إذا غربت، و﴿وقب﴾ في كلام العرب: دخل، وقد قال ابن عباس في كتاب النقاش: ((الغاسق إذا وقب)): ذكر الرجل، فهذا التعوذ في هذا التأويل نحو قوله عليه السلام وهو يعلم السائل التعوذ: ((قل أعوذ بالله من شر سمعي وشر قلبي وشر بصري وشر لساني وشر منيي))، ذكر الحديث جماعة و﴿النفاثات في العقد﴾ السواحر، ويقال إن الإشارة أولاً إلى بنات لبيد بن الأعصم اليهودي كن ساحرات وهن اللواتي سحرن مع أبيهم النبي صلى الله عليه وسلم وعقدن له إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله تعالى إحدى عشرة آية ٥٣٩ تفسير سورة الفلق الآيات: ١ - ٥ بعد العقد، هي المعوذتان، فشفى الله النبي صلى الله عليه وسلم، والنفث شبه النفخ دون تفل ريق، وهذا النفث هو على عقد تعقد في خيوط ونحوها على اسم المسحور فيؤذى بذلك، وهذا الشأن في زمننا موجود شائع في صحراء المغرب، وحدثني ثقة أنه رأى عند بعضهم خيطاً أحمر قد عقد فيه عقد على فصلان فمنعت بذلك رضاع أمهاتها، فكان إذا حل جرى ذلك الفصيل إلى أمه في الحين فرضع أعاذنا الله من شر السحر والسحرة بقدرته، وقرأ عبد الله بن القاسم والحسن وابن عمر: ((النافثات في العقد))، وقوله تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ قال قتادة: من شر عينه ونفسه، يريد بالنفس السعي الخبيث والإذاية كيف قدر لأنه عدو مجد ممتحن، وقال الشاعر: كل عداوة قد ترجى إفاقتها إلا عداوة من عاداك من حسد وعين الحاسد في الأغلب لاقعة نعوذ بالله من شرها ولا أعدمنا الله حسدة. [الكامل] طويت أتاح لها لسان حسود وإذا إراد الله نشر فضيلة والحسد: في الاثنتين اللتين قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: ((حسد مستحسن غير ضار))، وإنما هو باعث على خير، وهذه السورة خمس آيات فقال بعض الحذاق: وهي مراد الناس بقولهم للحاسد إذا نظر إليهم: الخمس على عينيك، وقد غلطت العامة في هذا فيشيرون في ذلك بالأصابع لكونها خمسة، وأمال أبو عمرو ﴿حاسد﴾، والباقون بفتح الحاء وقال الحسن بن الفضل: ذكر الله تعالى الشر في هذه السورة ثم ختمها بالحسد ليظهر أنه أخس طبع. ٥ تفسير سورة الناس الآيات: ١-٦ بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الزَحِيِةِ ◌ُورَةُ النَّاسِ قال ابن عباس وغيره: هي مدنية، وقال قتادة: هي مكية. قوله عز وجل : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ جَ إِلَهِ النَّاسِ جَ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ٤ : ١١٠٠٠ ﴿الوسواس﴾ اسم من أسماء الشيطان، وهو أيضاً ما توسوس به شهوات النفس وتسوله، وذلك هو الهواء الذي نهي المرء عن اتباعه وأمر بمعصيته والغضب الذي وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرحه وتركه حين قال له رجل أوصني، فقال: لا تغضب، قال زدني! قال: لا تغضب، وقوله: ﴿الخناس﴾ معناه: على عقبه المستتر أحياناً وذلك في الشيطان متمكن إذا ذكر العبد وتعوذ وتذكر فأبصر كما قال تعالى: ﴿إن الذين إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وإذا فرضنا ذلك في الشهوات والغضب ونحوه فهو يخنس بتذكير النفس اللوامة بلمة الملك وبأن الحياء يردع والإيمان يردع بقوة فتخنس تلك العوارض المتحركة وتنقمع عند من أعين بتوفيق. وقد اندرج هذان المعنيان من الوسواس في قوله تعالى: ﴿من الجنة والناس﴾ أي من الشياطين ونفس الإنسان، ويظهر أيضاً أن يكون قوله: ﴿والناس﴾، يراد به من يوسوس بخدعه من البشر، ويدعو إلى الباطل، فهو في ذلك كالشيطان، وكلهم قرأ ﴿الناس﴾ غير ممالة، وروى الدوري عن الكسائي أنه أمال النون من ﴿الناس﴾ في حال الخفض ولا يميل في الرفع والنصب، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث فيهما وقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] والمعوذتين، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، فيبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده، ففعل ذلك ثلاثاً، وقال قتادة رحمه الله: إن من الناس شياطين ومن الجن شياطين، فتعوذوا بالله من شياطين الإنس والجن.