Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
تفسير سورة الواقعة / الآيات : ١٣ - ٢٦
١٩
-----------------
لَايُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ
١٨
(٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيِقَ وَأْسِ مِّن مَّعِينٍ
لا
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلّدُونَ
٢٣
كَأَمْثَلِ اللَّؤْلُوِ الْمَكْتُونِ
وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَّرُونَ ﴿ وَخْمِ طَيْرٍ مِمَا يَشْتَهُونَ ج وَ حُورُ عِينٌ﴾
٢٠
لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَ لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًافِ﴿ إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمًا
جَزَآءَ إِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (®)
الثلة: الجماعة والفرقة، وهو يقع القليل والكثير، واللفظ في هذا الموضوع يعطي أن الجملة ﴿من
الأولين﴾ أكثر من الجملة ﴿من الآخرين﴾، وهي التي عبر عنها بالقليل.
واختلف المتأولون في معنى ذلك، فقال قوم حكى قولهم مكي: المراد بذلك الأنبياء، لأنهم كانوا
في صدر الدنيا أكثر عدداً، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: المراد السابقون من الأمم والسابقون من
الأمة، وذلك إما أن يقترن أصحاب الأنبياء بجموعهم إلى أصحاب محمد، فأولئك أكثر لا محالة، وإما أن
يقترن أصحاب الأنبياء ومن سبق في أثناء الأمم إلى السابقين من جميع هذه الأمة فأولئك أكثر. وروي أن
الصحابة حزنوا لقلة سابق هذه الأمة على هذا التأويل فنزلت: ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾
[الواقعة: ٣٩ - ٤٠] فرضوا. وروي عن عائشة أنها تأولت أن الفرقتين في أمة كل نبي وهي في الصدر
﴿ثلة﴾ وفي آخر الأمة ﴿قليل). وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: ((الفرقتان في أمتي فسابق
أول الأمة ﴿ثلة﴾ وسابق سائرها إلى يوم القيامة ﴿قليل))).
وقرأ الجمهور: ((سُرُر)) بضم الراء. وقرأ أبو السمال: ((سرَر)) بفتح الراء.
والموضونة: المنسوجة بتركيب بعض أجزائها على بعض كحلف الدرع، فإن الدرع موضونة، ومنه
قول الأعشى : [المتقارب]
تسير مع الحي عيراً فعيرا
ومن نسج داود موضونة
وكذلك سفيفة الخوص ونحوه ﴿موضونة﴾، ومنه وضين الناقة وهو حزامها، لأنه موضون، فهو كقتيل
وجريح، ومنه قول الشاعر: [الرجز]
معترضاً في بطنها جنينها
إليك تعدو قلقاً وضينها
مخالفاً دین النصاری دینها
قال ابن عباس: هذه السرر الموضونة هي المرمولة بالذهب، وقال عكرمة: هي مشبكة بالدر
والياقوت. و: ﴿متكئين) و: ﴿متقابلين) حالان فيهما ضمير مرفوع، وفي مصحف عبد الله بن مسعود:
(متكئين عليها ناعمين)). والولدان: صغار الخدم، عبارة عن أنهم صغار الأسنان، ووصفهم بالخلد وإن
كان جميع ما في الجنة كذلك إشارة إلى أنهم في حال الولدان ﴿مخلدون﴾ لا تكبر بهم سن. وقال
مجاهد: لا يموتون. قال الفراء: ﴿مخلدون﴾ معناه مقرطون بالخلدات، وهي ضرب من الأقراط، والأول
أصوب، لأن العرب تقول للذي كبر ولم يشب: إنه لمخلد. والأكواب: ما كان من أواني الشرب لا أذن له
ولا خرطوم، قال ابن عباس: هي جرار من فضة. وقال أبو صالح: مستديرة أفواهها. وقال قتادة والضحاك:
٢٤٢
تفسير سورة الواقعة /الآيات: ١٣٠ -٢٦
ليست لها عرى، والإبريق ما له خرطوم، وقال مجاهد وأذن، وهو من أواني الخمر عند العرب، ومنه قول
عدي بن زيد: [الخفيف]
قينة في يمينها إبريق
وتداعوا إلى الصبوح فقامت
والكأس: الآنية المعدة للشرب بها بشريطة أن يكون فيها خمر أو نبيذ أو ما هو سبيل ذلك، ومتى كان
فارغاً فينسب إلى جنسه زجاجاً كان أو غيره، ولا يقال الآنية فيها ماء ولبن كأس.
وقوله: ﴿من معين) قال ابن عباس معناه: من خمر سائلة جارية معينة. ولفظة ﴿معين﴾ يحتمل أن
يكون من معن الماء إذا غزر، فوزنها فعيل ويحتمل أن تكون من العين الجارية أو من الباصرة، فوزنها
مفعول أصلها معيون، وهذا تأويل قتادة.
وقوله: ﴿لا يصدعون عنها﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المعنى: لا يلحق رؤوسهم الصداع الذي
يلحق من خمر الدنيا، وقال قوم معناه: لا يفرقون عنها، بمعنى لا تقطع عنهم لذتهم بسبب من الأسباب
كما يفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق، وهذا كما قال: ((فتصدع السحاب عن المدينة) الحديث.
وقوله: ﴿ولا ينزفون﴾ قال مجاهد وقتادة وابن جبير والضحاك معناه: لا تذهب عقولهم سكراً،
والنزيف: السكران، ومنه قول الشاعر: [الكامل]
شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
وقرأ ابن أبي إسحاق: ((ولا يَنزِفون)) بكسر الزاي وفتح الياء، من نزف البئر إذا استقى ماءها، فهي
بمعنى تم خمرهم ونفدت، هكذا قال أبو الفتح. وحكى أبو حاتم عن ابن أبي إسحاق والجحدري
والأعمش وطلحة وابن مسعود وأبي عبد الرحمن وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي. قال معناه: لا يفني
شرابهم، والعرب تقول: أنزف الرجل عبرته، وتقول أيضاً، أنزف: إذا سكر، ومنه قول الأبيرد: [الطويل]
لبيس الندامى أنتمُ آل أبجرا
لعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ
وعطف الفاكهة على الكأس والأباريق .
وقوله: ﴿مما يشتهون﴾ روي فيه أن العبد يرى الطائر يطير فيشتهيه فينزل له كما اشتهاه، وربما أكل
منه ألواناً بحسب تصرف شهوته، إلى كثير مما روي في هذا المعنى .
وقرأ حمزة والكسائي والمفضل عن عاصم: ((وحورٍ عينٍ)) بالخفض، وهي قراءة الحسن وأبي
عبد الرحمن والأعمش وأبي القعقاع وعمرو بن عبيد. وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود: ((وحوراً عيناً»
بالنصب. وقرأ الباقون من السبعة: ((وحور عينٌ)) بالرفع، وكل هذه القراءات محمولة الإعراب على المعنى
لا على اللفظ. كأن المعنى قبل ينعمون بهذا كله وبـ ((حورٍ عينٍ))، وهذا المعنى في قراءة النصب ويعطون
هذا كله ((وحوراً عيناً))، وكان المعنى في الرفع: لهم هذا كله ((وحورٌ عينٌ))، ويجوز أن يعطف: ﴿وحور﴾
على الضمير في: ﴿متكئين﴾. قال أبو علي: ولم يؤكد لكون الكلام بدلاً من التأكيد، ويجوز أن يعطف
٢٤٣
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٢٧ - ٤٠
على الولدان وإن كان طواف الحور يقلق، ويجوز أن يعطف على الضمير المقدر في قوله: ﴿على سرر﴾
وفي هذا كله نظر، وقد تقدم معنى: ﴿حور عين﴾.
وقرأ إبراهيم النخعي: ((وحير عين)).
وخص ﴿المكنون﴾ من ﴿اللؤلؤ﴾ لأنه أصفى لوناً وأبعد عن الغير، وسألت أم سلمة رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن هذا التشبيه فقال: ((صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي)).
و: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ أي هذه الرتب والنعم هي لهم بحسب أعمالهم، لأنه روي أن المنازل
والقسم في الجنة، هي مقتسمة على قدر الأعمال، ونفس دخول الجنة هو برحمة الله وفضله لا بعمل
عامل، فأما هذا الفضل الأخير أن دخولها ليس بعمل عامل، ففيه حديث صحيح، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((لا يدخل أحد الجنة بعمله))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله
بفضل منه ورحمة)).
واللغو: سقط القول من فحش وغيره. والتأثيم: مصدر، بمعنى: لا يؤثم أحد هناك غيره ولا نفسه
بقول. فكان يسمع ويتألم بسماعه. و: ﴿قليلاً﴾ مستثنى، والاستثناء متصل، وقال قوم: هو منقطع.
و: ﴿سلاماً﴾ نعت للقيل، كأنه قال: إلا ﴿قيلاً﴾ سالماً من هذه العيوب وغيرها. وقال أبو إسحاق الزجاج
أيضاً: ﴿سلاماً﴾ مصدر، وناصبه ﴿قيلاً﴾ كأنه يذكر أنهم يقول بعضهم لبعض ﴿سلاماً سلاماً﴾. وقال
بعض النحاة ﴿سلاماً﴾ منتصب بفعل مضمر تقديره: أسلموا سلاماً.
قوله عز وجل :
! وَظِلِ تَمْدُودٍ (﴿ وَمَآءِ
وَأَصْحَبُ اُلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ الْيَمِينِ (٦ فِ سِدْرِ مَخْضُودٍ ٨ وَطَلْحِ مَّنْصُورٍ ـ
إِنَّا أَنشَأَتَهُنَّ إِنِشَآءَ
(٣٤)
مَّسْكُوبٍ ﴿٨ّا وَفَكِهَِ كَثِيرَةِ﴿قَالََّ مَقْطُوْعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ [٣] وَفُرْشِ مَّرْفُوعَةٍ
اِفَجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَرًا أَثْ عُرُبًا أَتْرَابًا (٨) لِّأَصْحَبِ اَلْيَمِينِ (
٣٥
﴿ وَقُلَّةٌ مِّنَ
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ
٣٨
اُلْآَخِینَ
٤٠
السدر: شجر معروف، وهو الذي يقال له شجر أم غيلان، وهو من العضاه، له شوك، وفي الجنة
شجر على خلقته، له ثمر كقلال هجر، طيب الطعم والريح، وصفه تعالى بأنه ﴿مخضود﴾، أي مقطوع
الشوك، لا أذى فيه، وقال أمية بن أبي الصلت:
إن الحدائق في الجنان ظليلة
فيها الكواعب سدرها مخضود
وعبر بعض المفسرين عن ﴿مخضود﴾ بأنه الموقر حملاً، وقال بعضهم: هو قطع الشوك، وهو
الصواب، أما إن وقره هو كرمه، وروي عن الضحاك أن بعض الصحابة أعجبهم سدروج فقالوا: ليتنا في
الآخرة في مثل هذا، فنزلت الآية.
قال القاضي أبو محمد: ولأهل تحرير النظر هنا إشارة في أن هذا الخضد بإزاء أعمالهم التي سلموا
٢٤٤
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٢٧ - ٤٠
منها، إذ أهل اليمين توابون لهم سلام وليسوا بسابقين. والطلح كذلك من العضاه شجر عظام كثير الشوك
وشبهه في الجنة على صفات مباينة لحال الدنيا. و: ﴿منضود﴾ معناه مركب ثمره، بعضه على بعض من
أرضه إلى أعلاه.
وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجعفر بن محمد وغيره: ((طلع منضود)»، فقيل لعلي إنما هو:
﴿طلح﴾. فقال: ما للطلح وللجنة؟ فقيل له أنصلحها في المصحف فقال: إن المصحف اليوم لا يهاج ولا
يغير. وقال علي بن أبي طالب وابن عباس: الطلح: الموز، وقاله مجاهدٍ وعطاء. وقال الحسن: ليس
بالموز، ولكنه شجر ظله بارد رطب. والظل الممدود، معناه: الذي لا تنسخه شمس، وتفسير ذلك في قول
النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مائة سنة لا
يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وظل ممدود﴾)) إلى غير هذا من الأحاديث في هذا المعنى. وقال مجاهد: هذا
الظل هو من طلحها وسدرها.
وقوله تعالى: ﴿وماء مسكوب﴾ أي جار في غير أخاديد، قاله سفيان وغيره، وقيل المعنى: يناسب.
لا تعب فيه بسانية ولا رشاء.
وقوله تعالى: ﴿لا مقطوعة﴾ أي بزوال الإبان، كحال فاكهة الدنيا، ﴿ولا ممنوعة﴾ ببعد التناول ولا
بشوك يؤذي في شجراتها ولا بوجه من الوجوه التي تمتنع بها فاكهة الدنيا . . .
وقرأ جمهور الناس: ((وفرُش)) بضم الراء. وقرأ أبو حيوة: ((وفرْش)) بسكونها، والفرش: الأسرة،
وروي من طريف أبي سعيد الخدري: أن في ارتفاع السرير منها خمسمائة سنة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا والله أعلم لا يثبت، وإن قدر فمتأولاً خارجاً عن ظاهره. وقال أبو عبيدة
وغيره: أراد بالفرش النساء.
١
و: ﴿مرفوعة﴾ معناه: في الأقدار والمنازل، ومن هذا المعنى قول الشاعر [عمرو بن الأهتم
التميمي]: [البسيط]
عند الرسول فلم تصدقْ ولم تصب
ظللت مفترش الهلباء تشتمني
ومنه قول الآخر في تعدید علی صهره:
وأفرشتك كريمتي
وقوله تعالى: ﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ قال قتادة: الضمير عائد على الحور العين المذكورات قبل وهذا
فيه بعد، لأن تلك القصة قد انقضت جملة. وقال أبو عبيدة معمر: قد ذكرهن فى قوله: ﴿فرش﴾ فلذلك
رد الضمير وإن لم يتقدم ذكر لدلالة المعنى على المقصد، وهذا كقوله تعالى: ﴿حتی توارت بالحجاب﴾
[ص: ٣٢] ونحوه: و: ﴿أنشأناهن﴾ معناه: خلقناهن شيئاً بعد شيء. وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم في تفسير هذه الآية: ((عجائزكن في الدنيا عمشاً رمصاً))، وقال العجوز: (إن الجنة لا يدخلها العجز))،
فحزنت، فقال: ((إنك إذا دخلت الجنة أنشئت خلقاً آخر)).
!
٢٤٥
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٤١ - ٥٠
وقوله تعالى: ﴿فجعلناهن أبكاراً﴾ قيل معناه: دائمات البكارة متى عاود الواطىء وجدها بكراً.
والعرب جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها بإظهار محبته، قاله ابن عباس والحسن، وعبر عنهم ابن
عباس أيضاً بالعواشق، ومنه قول لبيد:
وفي الحدوج عروب غير فاحشة ريا الروادف يعشى دونها البصر
وقال ابن زيد العروب: الحسنة الكلام، وقد تجيء العروب صفة ذم على غير هذا المعنى وهي
الفاسدة الأخلاق كأنها عربت ومنه قول الشاعر [ابن الأعرابي]: [الطويل]
وما بدل من أم عثمان سلفع
من السود ورهاء العنان عروب
وقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي: ((عُرُبا)) بضم الراء. وقرأ حمزة والحسن والأعمش: ((عرْباً))
بسكونها وهي لغة بني تميم، واختلف عن نافع وأبي عمرو وعاصم.
وقوله: ﴿أتراباً﴾ معناه في الشكل والقد حتى يقول الرائي هم أتراب، والترب هو الذي مس التراب
مع تربه في وقت واحد. قال قتادة: ﴿أتراباً﴾ يعني سناً واحدة، ويروى أن أهل الجنة على قد ابن أربعة
عشر عاماً في الشباب والنضرة، وقيل على مثال أبناء ثلاث وثلاثين سنة مرداً بيضاً مكحلين.
واختلف الناس في قوله: ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾ فقال الحسن بن أبي الحسن وغيره،
الأولون: سالف الأمم، منهم جماعة عظيمة أصحاب يمين، والآخرون: هم هذه الأمة، منهم جماعة
عظيمة أهل یمین.
قال القاضي أبو محمد: بل جميعهم إلا من كان من السابقين. وقال قوم من المتأولين: هاتان الفرقتان
في أمة محمد، وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الثلثان من أمتي)) فعلى هذا
التابعون بإحسان ومن جرى مجراهم ثلة أولى، وسائر الأمة ثلة أخرى في آخر الزمان.
وقوله عز وجل :
وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ ﴿ فِ سَمُومٍ وَحَمِيمٍ [٣] وَظِلٍ مِّنْ يَحْمُومِ ﴿ لََّ بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ
٤٤
!
وَكَانُو ◌ْيُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ اُلْعَظِيمِ ﴿ وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَبِذَا مِتْنَا
٤٥
إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ
قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَّ
٤٨
أَوَءَابَآؤُنَاٌلْأَوَّلُونَ
٤٧
وَكُتَّا تُرَابًا وَيِظَامًا أَمِنَا لَمَبْعُونُونَ
٤٩
لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَوْمِ مَعْلُوم
٥٠
إعراب قوله: ﴿وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال﴾ قد تقدم نظيره. وفي الكلام هنا معنى
الإنحاء عليهم وتعظيم مصابهم. والسموم: أشد ما يكون من الحر اليابس الذي لا بلل معه. والحميم:
السخن جداً من المائع الذي في جهنم، والعرب تقول للماء السخن حميماً. واليحموم: الأسود وهو بناء
مبالغة .
1
٢٤٦
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٤١ ٥٠٥
واختلف الناس في هذا الشيء الأسود الذي يظل أهل النار ما هو فقال ابن عباس ومجاهد وأبو مالك
وابن زيد هو الدخان، وهذا قول الجمهور. وقال ابن عباس أيضاً: هو سرادق النار المحيط بأهلها، فإنه
يرتفع من كل ناحية حتى يظلهم، وحكى النقاش، أن اليحموم: اسم من أسماء جهنم، وقاله ابن كيسان،
وقال ابن بريدة وابن زيد أيضاً في كتاب الثعلبي: هو جبل من نار أسود يفزع أهل النار إلى ذراه فيجدونه
أشد شيء وأمره.
٤
وقوله: ﴿ولا كريم﴾ قال الطبري وغيره معناه: ليس له صفة مدح في الظلال، وهذا كما تقول :. ثوب
کریم ونسب کریم، يعني بذلك أن له صفات مدح.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يصفه بعدم الكرم على معنى: ألا كرامة لهم، وذلك أن المرء
في الدنيا قد يصبر على سوء الموضوع لقرينة إكرام يناله فيه من أحد، فجمع هذا الظل في النار أنه سبىء
الصفة وهم فيه مهانون. والمترف: المنعم في سرف وتخوض.
1
و﴿يصرون﴾ معناه: يعتقدون اعتقاداً لا ينوون عنه إقلاعاً، قال ابن زيد: لا يثوبون ولا يستغفرون.
و﴿الحنث﴾: الإثم ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من مات له ثلاث من الولد لم يبلغوا الحنث)).
الحديث، أراد: لم يبلغوا الحلم فتتعلق بهم الآثام. وقال الخطابي: ﴿الحنث﴾ في كلام العرب العدل
الثقیل، شبه الإثم به .
واختلف المفسرون في المراد بهذا الإثم هنا، فقال قتادة والضحاك وابن زيد: هو الشرك، وهذا هو
الظاهر. وقال قوم في ما ذكر مكي: هو الحنث في قسمهم الذي يتضمنه قوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد
أيمانهم﴾ [الأنعام: ١٠٩، النحل: ٣٨، النور: ٥٣، فاطر: ٤٢] الآية في التكذيب بالبعث، وهذا أيضاً
يتضمن الكفر، فالقول به على عمومه أولى. وقال الشعبي: ﴿الحنث العظيم﴾: اليمين الغموس.
وقد تقدم ذكر اختلاف القراء في قوله: ﴿أئذا﴾، و﴿إنا﴾، ويختص من ذلك بهذا الموضع أن ابن
عامر يخالف فيه أصله فيقرأ هذا: ((أئذا)). ((أئنا)) بتحقيق الهمزتين فيهما على الاستفهام، ورواه أبو بكر عن
عاصم في قوله: ﴿إنا لمبعوثون﴾ والعامل في قوله: ﴿أئذا﴾ فعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿المبعوثون﴾
تقديره: أنبعث أو نحشر، ولا يعمل فيه ما بعده لأنه مضاف إليه.
وقرأ عيسى الثقفي: ((مُتنا)) بضم الميم، وقرأ جمهور الناس: ((مِتنا)) بكسرها وهذا على لغة من يقول:
مت أموت على وزن فعل بكسر العين يفعل بضمها، ولم يحك منها عن العرب إلا هذه اللفظة وأخرى هو
فضل يفضل .
وقرأ بعض القراء: ((أوْ)) بسكون الواو ومعنى الآية استبعاد أن يبعثوا هم وآباؤهم على حد واحد من
الاستبعاد وقرأ الجمهور: ((أوَ آباؤنا)) بتحريك الواو على أنها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام،
ومعناها: شدة الاستبعاد في الآباء، كأنهم استبعدوا أن يبعثوا، ثم أتوا بذكر من البعث فيهم أبعد وهذا بين
لأهل العلم بلسان العرب.
٢٤٧
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٥١ - ٦٢
ثم أمر الله تعالى نبيه أن يعلمهم بأن العالم محشور مبعوث لـ ﴿يوم معلوم﴾ موقت و﴿ميقات﴾:
مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد.
وقوله عز وجل :
فَالِثُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴿ فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ
ثُمَِّنَّكُمْأَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ شَالَكُونَ مِنْ شَجَرِ مِّن ◌َقُومٍ ◌َ
الْحَمِيم فيه
فَشَرِبُونَ شُرْبَ الهِمِ@
هَذَا نُّهُمْ يَوْمَ الدِّينِ
٥٦
نَحْنُ خَلَقْنَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ
٥٧
أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ
٥٨
ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ
09
نَحْنُ قَدَرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ
عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ أَمْثَلَكُمْ وَنُنْشِتَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى
بِمَسْبُوقِينَ
فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ
٦٢
وقوله: ﴿ثم إنكم﴾ مخاطبة لكفار قريش ومن كان في حالهم، و﴿من﴾ في قوله: ﴿من شجر﴾
يحتمل أن تكون للتبعيض ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، و﴿من﴾ في قوله: ﴿من زقوم﴾ لبيان الجنس،
والضمير في: ﴿منها﴾ عائد على الشجر، و((من)) للتبعيض أو لابتداء الغاية، والضمير في: ﴿عليه﴾ عائد
على المأكول أو على الأكل. وفي قراءة ابن مسعود ((لأكلون من شجر)) على الإفراد.
و: ﴿الهيم﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك: هو جمع أهيم، وهو الجمل الذي أصابه
الهيام، بضم الهاء، وهو داء معطش يشرب معه الجمل حتى يموت أو يسقهم سقماً شديداً، والأنثى :
هيماء. وقال بعضهم: هو جمع هيماء كبيض وعين، وقال قوم آخرون: هو جمع هائم وهائمة، وهذا أيضاً
من هذا المعنى، لأن الجمل إذا أصابه ذلك الداء هام على وجهه وذهب، وقال سفيان الثوري وابن عباس:
﴿الهيم﴾ هنا الرمال التي لا تروى من الماء، وذلك أن الهيام بفتح الهاء هو الرمل الدق الغمر المتراكم،
وقال ثعلب. الهُيام: بضم الهاء: الرمل الذي لا يتماسك.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والكسائي: ((شَرب)) بفتح الشين، وهي قراءة الأعرج وابن
المسيب وشعيب بن الحبحاب ومالك بن دينار وابن جريج، ولا خلاف أنه مصدر، وقرأ مجاهد: ((شرب)»
بكسر الشين، ولا خلاف أنه اسم، وقرأ أهل المدينة وباقي السبعة: ((شرب))، بضم الشين، واختلف فيه،
فقال قوم وهو مصدر، وقال آخرون هم اسم لما يشرب.
والنزل: أول ما يأكل الضيف. وقرأ عمرو في رواية عباس: ((نزْلهم)) ساكنة الزاي، وقرأ الباقون
واليزيدي عن أبي عمرو بضم الزاي وهما لمعنى كالشغل والشغل. و: ﴿الدين﴾ الجزاء.
ثم أخبر تعالى أنه الخالق، وحضض على التصديق على وجه التقريع ثم ساق الحجة الموجبة
للتصديق، كان معترضاً من الكفار قال: ولم أصدق؟ فقيل له: أفرأيت كذا وكذا الآيات، وليس يوجد
مفطور يخفى عنه أن المني الذي يخرج منه ليس له فيه عمل ولا إرادة ولا قدرة. و﴿أم﴾ في قوله: ﴿أم
نحن﴾ ليست المعادلة عند سيبويه، لأن الفعل قد تكرر، وإنما المعادلة عنده: أقام زيد أم عمرو، وهذه
i
٢٤٨
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٦٣ - ٧٤
التي في هذه الآية معادلة عند قوم من النحاة، وأما إذا تغاير الفعلان فليست بمعادلة إجماعاً ..
وقرأ الجمهور: (تُمنون)) بضم التاء، وقرأ ابن عباس وأبو السمال (تَمنون)) بفتح التاء، ويقال أمنى
الرجل ومنى بمعنى واحد.
وقرأ جمهور القراء: ((قدّرنا)) بشد الدال. وقرأ كثير وحده: ((قدَرنا)) بتخفيفها. والمعنى فيها يحتمل أن
يكون بمعنى قضينا وأثبتنا، ويحتمل أن يكون بمعنى سوينا، وعدلنا التقدم والتأخر، أي جعلنا الموت رتباً،
لیس یموت العالم دفعة واحدة، بل بترتيب لا يعدوه أحد.
وقال الطبري معنى الآية: ((قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم» أي تموت طائفة ونبدلها
بطائفة، هكذا قرناً بعد قرن.
وقوله: ﴿وما نحن بمسبوقين) على تبديلكم إن أردناه وإن ننشئكم بأوصاف لا يصلها عملكم ولا
يحيط بها کفرکم. قال الحسن: من کونكم قردة وخنازير.
قال القاضي أبو محمد: تأول الحسن هذا، لأن الآية تنحو إلى الوعيد، وجاءت لفظة ((السبق)) هنا
على نحو قوله عليه السلام: ((فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمسٍ وصلاة قبل غروبها
فافعلوا لا تفوتنكم)».
وقرأ جمهور الناس: النشْأة) بسكون الشين. وقرأ قتادة وأبو الأشهب وأبو عمرو بخلاف ((النشأة)) بفتح
الشين والمد. وقال أكثر المفسرين: أشار إلى خلق آدم ووقف عليه، لأنه لا تجد أحداً ينكر أنه من ولد آدم
وأنه من طين. وقال بعضهم: أراد بـ ﴿النشأة الأولى﴾ نشأة إنسان إنسان في طفوليته فيعلم المرء نشأته كيف
كانت بما يرى من نشأة غيره، ثم حضض على التذكر والنظر المؤدي إلى الإيمان.
وقرأ الجمهور: ((تذكرون)) مشددة الذال. وقرأ طلحة: ((تذْكُّرون)) بسكون الذال وضم الكاف،
وهذه الآية نص في استعمال القياس والحض عليه.
قوله عز وجل :
لَوْنَشَاءُ لَجَعَلْنَهُ خُطَمَا فَظَلْتُمْ
٦٤
ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ { أَمْ تَحْنُ الزَّرِعُونَ
أَفَرَهَيْتُم مَّا تَخُرُونَ
تَفَكَّهُونَ (٥ّ ◌ِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٨٦ ◌َبَلْ نَحْنُ مَحْرُوُمُونَ ﴿ أَفَرَءَ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ (١٨)٤ أَنْتُمْ أَنزَ لْتُوهُ مِنَ
﴿ أَفَرَّ يْتُمُ النَّارَ اُلَّتِى تُورُونَ
اُلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴿ لَوْنَشَاءُ جَعَلْتَهُ أُحَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ
٧٣
﴿ نَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَتَعًا لِلْمُقْوِينَ
ءَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِعُونَ
٧١
فَسَبِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [٧
٠٫٠٠
وقف تعالى الكفار على أمر الزرع الذي هو قوام العيش، وبين لكل مفطور أن الحراث الذي يثير
الأرض ويفرق الحب ليس يفعل في نبات الزرع شيء، وقد يسمى الإنسان زارعاً، ومنه قوله عز وجل:
٢٤٩
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٦٣ - ٧٤
﴿يعجب الزراع﴾ [الفتح: ٢٩] لكن معنى هذه الآية: ﴿أأنتم تزرعونه﴾ زرعاً يتم ﴿أم نحن). وروى أبو
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تقولن زرعت، ولكن قل حرثت))، ثم تلا أبو هريرة هذه
الآية .
والحطام: اليابس المتفتت من النبات الصائر إلى ذهاب، وبه شبه حطام الدنيا. وقيل المعنى: نبتاً
لا قمح فيه و: ﴿تفكهون﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة معناه: تعجبون، وقال عكرمة: تلامون. وقال
الحسن معناه: تندمون وقال ابن زيد: تتفجهون، وهذا كله تفسير لا يخص اللفظة، والذي يخص اللفظ،
هو: تطرحون الفاكهة عن أنفسكم وهي المسرة والجدل، ورجل فكه إذا كان منبسط النفس غير مكترث
بالشيء، وتفكه من أخوات تحرج وتحوب.
وقرأ الجمهور: ((فظَلتم)) بفتح الظاء، وروى سفيان الثوري في قراءة عبد الله كسر الظاء. قال أبو
حاتم: طرحت عليها حركة اللام المجزومة، وذلك رديء في القياس، وهي قراءة أبو حيوة. وروى
أحمد بن موسى: ((فظلَلتم)) بلامين، الأولى مفتوحة عن الجحدري، ورويت عن ابن مسعود، بكسر اللام
الأولى .
وقوله: ﴿إنا لمغرمون﴾ قبله حذف تقديره: يقولون.
وقرأ الأعمش وعاصم الجحدري: ((أإنا لمغرمون)) بهمزتين على الاستفهام، والمعنى يحتمل أن
يكون إنا لمعذبون من الغرام وهو أشد العذاب ومنه قوله تعالى: ﴿إن عذابها كان غراماً﴾ [الفرقان: ٦٥]
ومنه قول الأعشى: [الخفيف]
إن يعذّب يكنْ غراماً وإنْ يُعْـطِ جزيلاً فإنه لا يبالي
ويحتمل أن يكون: إنا لمحملون الغرم أي غرمنا في النفقة وذهب زرعنا، تقول: غرم الرجل وأغرمته
فهو مغرم. وقد تقدم تفسير المحروم وأنه المحدود والمحارب. و: ﴿المزن﴾ السحاب بلا خلاف، ومنه
قول الشاعر [السموأل بن عاديا اليهودي]: [الطويل]
!
كهام ولا فينا يعد بخيل
ونحن كماء المزن ما في نصابنا
والأجاج: أشد المياه ملوحة، وهو ماء البحر الأخضر. و: ﴿تورون﴾ معناه: تقتدحون من الأزند،
تقول أوريت النار من الزناد. وروى الزناد نفسه، والزناد قد يكون من حجرين ومن حجر وحديدة ومن
شجر، لا سيما في بلاد العرب، ولا سيما في الشجر الرخو كالمرخ والعفار والكلح وما أشبهه، ولعادة
العرب في أزنادهم من شجر، قال تعالى: ﴿أأنتم أنشأتم شجرتها﴾ وقال بعض أهل النظر: أراد بالشجرة
نفس النار، وكأنه يقول نوعها أو جنسها فاستعار الشجرة لذلك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول فيه تكلف.
وقرأ الجمهور: ((آنتم)) بالمد، وروي عن أبي عمرو وعيسى: (أنتم)) بغير مد، وضعفها أبو حاتم.
و: ﴿تذكرة﴾ معناه: تذكر نار جهنم، قاله مجاهد وقتادة. والمتاع: ما ينتفع به. والمقوي في هذه
1
٢٥٠
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٧٥ -٨٧
الآية: الكائن في الأرض القواء وهي الفيافي، وعبو الناس في تفسير ﴿المقوين﴾ بأشياء ضعيفة، كقول ابن
زید للجائعین ونحوه.
ولا يقوى منها ما ذكرناه، ومن قال معناه: للمسافرين، فهو نحو ما قلناه، وهي عبارة ابن عباس رضي
الله عنه تقول: أصبح الرجل، دخل في الصباح. وأصحر دخل في الصحراء، وأقوى دخل في الأرض
القواء، ومنه أقوت الدار، وأقوى الطلل: أي صار قواء، ومنه قول النابغة: [البسيط]
أقوتْ وطال عليها سالفُ الأبدِ
وقول الآخر: [الكامل]
:٩
أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم
شور -
والفقير والغني إذا أقوى سواء في الحاجة إلى النار، ولا شيء يغني غناءها في الصرد، ومن قال: إن
أقوى من الأضداد من حيث يقال: أقوى الرجل إذا قويت دابته فقد أخطأ وذلك فعل آخر كأترب إذا أترب،
ثم أمر نبيه بتنزيه ربه تعالى وتبرئة أسمائه العلى عما يقوله الكفرة الذين حجوا في هذه الآيات.
قوله عز وجل :
لا
فِی
إِنَُّ لَقُرْءَانٌّ كَرِيمٌ
٧٩
أَوَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْتَعْلَمُونَ عَظِيمُ
٧٥
أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ
٨٠
تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَّلَمِينَ
٧٩
لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(
کِنَبٍ مَگنُونٍ
وَأَنْتُمْحِينَئِذٍ
٨٣
فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ!
أَنْتُ مُدْهِنُونَ ﴿١٨) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٤) فَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ
◌َ فَلَوْلَا إِنَ كُمُ غَيْرَ مَّدِينِنَّ(٦) تَرْجِعُونَهَا
٨٥
نَنْظُرُونَ ﴿هَ وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ!
إِن كُمُ صَدِقِينَ
٨٧
اختلف الناس في: ((لا))، من قوله: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ فقال بعض النحويين: هي زائدة
والمعنى فأقسم، وزيادتها في بعض المواضع معروف كقوله تعالى:" ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾
[الحديد: ٢٩] وغير ذلك، وقال سعيد بن جبير وبعض النحويين: هي نافية، كأنه قال: ﴿فلا﴾ صحة لما
يقوله الكفار، ثم ابتدأ ﴿أقسم بمواقع النجوم﴾. وقال بعض المتأولين هي مؤكدة تعطي في القسم مبالغة
ما، وهي كاستفتاح كلام مشبه في القسم ألا في شائع الكلام القسم وغيره، ومن هذا قول الشاعر:
[الطويل]
..:
((فلا وأبي أعدائها لا أخونها)»
والمعنى: فوأبي اعدائها، ولهذا نظائر.
وقرأ الحسن والثقفي: ((فلأقسم)) بغير ألف، قال أبو الفتح، التقدير: فلأنا أقسم.
وقرأ الجمهور من القراء ((بمواقع)) على الجمع، وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود وأهل
٢٥١
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٧٥ - ٨٧
الكوفة وحمزة والكسائي: ((بموقع)) على الإفراد، وهو مراد به الجمع، ونظير هذا كثير، ومنه قوله تعالى:
﴿إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ [لقمان: ١٩] جمع من حيث لكل حمار صوت مختص وأفرد من
حيث الأصوات كلها نوع.
واختلف الناس في: ﴿النجوم﴾ هنا، فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم: هي نجوم القرآن
التي نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه روي أن القرآن نزل من عند الله في ليلة القدر إلى
السماء الدنيا، وقيل إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك على محمد نجوماً مقطعة في مدة
من عشرين سنة .
قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا القول عود الضمير على القرآن في قوله: ﴿إنه لقرآن كريم﴾،
وذلك أن ذكره لم يتقدم إلا على هذا التأويل، ومن لا يتأول بهذا التأويل يقول: إن الضمير يعود على القرآن
وإن لم يتقدم ذكر لشهرة الأمر ووضوح المعنى كقوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢]، و﴿كل
من عليها فان﴾ [الرحمن: ٢٦] وغير ذلك. وقال جمهور كثير من المفسرين: ﴿النجوم﴾ هنا: الكواكب
المعروفة. واختلف في موقعها، فقال مجاهد وأبو عبيدة هي: مواقعها عند غروبها وطلوعها، وقال قتادة:
مواقعها مواضعها من السماء، وقيل: مواقعها عند الانقضاض إثر العفاريت، وقال الحسن: مواقعها عند
الانكدار يوم القيامة .
وقوله تعالى: ﴿وإنه لقسم﴾ تأكيد للأمر وتنبيه من المقسم به، وليس هذا باعتراض بين الكلامين،
بل هذا معنى قصد التهمم به، وإنما الاعتراض قوله: ﴿لو تعلمون﴾ وقد قال قوم: إن قوله: ﴿وإنه لقسم﴾
اعتراض، وإن ﴿لو تعلمون﴾ اعتراض في اعتراض، والتحرير هو الذي ذكرناه .
وقوله: ﴿إنه لقرآن﴾ هو الذي وقع القسم عليه، ووصفه بالكرم على معنى إثبات صفات المدح له
ودفع صفات الحطيطة عنه.
واختلف المتأولون في قوله تعالى: ﴿في كتاب مكنون﴾ بعد اتفاقهم على أن المكنون: المصون،
فقال ابن عباس ومجاهد: أراد الكتاب الذي في السماء. وقال عكرمة: أراد التوراة والإنجيل، كأنه قال:
إنه لكتاب كريم، ذكر كرمه وشرفه ﴿في كتاب مكنون﴾.
قال القاضي أبو محمد: فمعنى الآية على هذا الاستشهاد بالكتب المنزلة، وهذا كقوله عز وجل :
﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله﴾ [التوبة: ٣٦]. وقال بعض المتأولين: أراد
مصاحف المسلمين، وكانت يوم نزلت الآية لم تكن، فهي على هذا إخبار بغيب، وكذلك هو في كتاب
مصون إلى يوم القيامة، ويؤيد هذا لفظة المس، فإنها تشير إلى المصاحف أو هي استعارة في مس
الملائكة .
واختلف الناس في معنى قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ وفي حكمه فقال من قال: إن الكتاب
المكنون هو الذي في السماء. ﴿المطهرون﴾ هنا الملائكة قال قتادة: فأما عندكم فيمسه المشرك المنجس
والمنافق قال الطبري: ﴿المطهرون﴾: الملائكة والأنبياء ومن لا ذنب له، وليس فى الآية على هذا القول
٢٥٢
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٧٥ =٨٧
حكم مس المصحف لسائر بني آدم، ومن قال بأنها مصاحف المسلمين، قال إن قوله: ﴿لا يمسه﴾ إخبار
مضمنه النهي، وضمة السين على هذا ضمة إعراب، وقال بعض هذه الفرقة: بل الكلام نهي، وضمة
السين ضمة بناء، قال جميعهم: فلا يمس المصحف من جميع بني آدم إلا الطاهر من الكفر والجنابة
والحدث الأصغر. قال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلاقته ولا على وسادة. وفي كتاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم لعمرو بن حزم: ((ولا يمس المصحف إلا الطاهر»، وقد رخص أبو حنيفة وقوم بأن يمسه الجنب
والحائض على حائل غلاف ونحوه، ورخص بعض العلماء في مسه بالحدث الأصغر، وفي قراءته عن ظهر
قلب، منهم ابن عباس وعامر الشعبي، ولا سيما للمعلم والصبيان، وقد رخص بعضهم للجنب في قراءته،
وهذا الترخيص كله مبني على القول الذي ذكرناه من أن المطهرين هم الملائكة أو على مراعاة لفظ اللمس
فقد قال سليمان: لا أمس المصحف ولكن أقرأ القرآن.
وقرأ جمهور الناس: ((المطهّرون)) بفتح الطاء والهاء المشددة. وقرأ نافع وأبو عمرو بخلاف عنهما
((المطْهَرون)) بسكون الطاء وفتح الهاء خفيفة، وهي قراءة عيسى الثقفي. وقرأ سلمان الفارسي:
((المطَهِّرون)) بفتح الطاء خفيفة وكسر الهاء وشدها على معنى الذين يطهرون أنفسهم، ورويت عنه بشد
الطاء والهاء. وقرأ الحسن وعبد الله بن عون وسلمان الفارسي بخلاف عنه: المطهرون بشد الطاء بمعنى
المتطهرون .
قال القاضي أبو محمد: والقول بأن ﴿لا يمسه﴾ نهي قول فيه ضعف وذلك أنه إذا كان خبزاً فهو في
موضع الصفة، وقوله بعد ذلك: ﴿تنزيل﴾: صفة أيضاً، فإذا جعلناه نهياً جاء معنى أجنبياً معترضاً بين
الصفات، وذلك لا يحسن في رصف الكلام فتدبره. وفي حرف ابن مسعود: «ما يمسه)) وهذا يقوي ما
رجحته من الخبر الذي معناه: حقه وقدره أن لا يمسه إلا طاهر.
وقوله عز وجل: ﴿أَفبهذا الحديث أنتم مدهنون﴾ مخاطبة للكفار، و﴿الحديث﴾ المشار إليه هو
القرآن المتضمن البعث، وإن الله تعالى خالق الكل وإن ابن آدم مصرف بقدره وقضائه وغير ذلك
و: ﴿مدهنون﴾ معناه: يلاين بعضكم بعضاً ويتبعه في الكفر، مأخوذ من الدهن للينه وإملاسه. وقال أبو
قيس بن الأسلت: الحزم والقوة خير من الإدهان والفهة والهاع وقال ابن عباس: هو المهاودة فيما لا يحل.
والمداراة هي المهاودة فيما يحل، وقال ابن عباس: ﴿مدهنون﴾ مكذبون.
وقوله عز وجل: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في
المطر الذي ينزله الله للعباد هذا بنوء كذا وكذا وهذا بـ ((عثانين)) الأسد، وهذا بنوء الجوزاء وغير ذلك. والمعنى:
وتجعلون شكر رزقكم، كما تقول لرجل: جعلت يا فلان إحساني إليك أن تشتمني المعنى: جعلت شكر
إحساني. وحكى الهيثم بن عدي أن من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان؟ بمعنى ما شكره. وكان علي بن أبي
طالب رضي الله عنه يقرؤها: ((وتجعلون شكركم إنكم تكذبون)»، وكذلك قرأ ابن عباس، ورويت عن النبي
صلى الله عليه وسلم، إلا أن ابن عباس ضم التاء وفتح الكاف، وعلي رضي الله عنه: فتح التاء وسكن
الكاف وخفف الذال، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [السريع]
٢٥٣
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٧٥ - ٨٧
وكان شكر القوم عند المنى كي الصحيحات وفقء الأعين
وقد أخبر الله تعالى أنه أنزل من السماء ماء مباركاً فأنبت به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها
طلع نضيد رزقاً للعباد فهذا معنى قوله: ﴿إنكم تكذبون﴾، أي بهذا الخبر.
وقرأ عاصم في رواية المفضل عنه: ((تَكْذبون)) بفتح التاء وسكون الكاف وتخفيف الدال كقراءة
علي بن أبي طالب. وكذبهم في مقالتهم بين، لأنهم يقولون هذا بنوء كذا وذلك كذب منهم وتخرص،
وذكر الطبري أن النبي عليه السلام سمع رجلاً يقول: مطرنا ببعض عثانين الأسد، فقال له: ((كذبت، بل
هو رزق الله)).
قال القاضي أبو محمد: والنهي عنه المكروه هو أن يعتقد أن الطالع من النجوم تأثيراً في المطر، وأما
مراعاة بعض الطوالع على مقتضى العادة، فقد قال عمر للعباس وهما في الاستسقاء: يا عباس، يا عم النبي
عليه السلام كم بقي من نوء الثريا، فقال العباس: العلماء يقولون إنها تتعرض في الأفق بعد سقوطها سبعاً .
قال ابن المسيب: فما مضت سبع حتى مطروا.
وقوله تعالى: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾ توقيف على موضع عجز يقتضي النظر فيه أن الله تعالى
ملك كل شيء، والضمير في: ﴿بلغت﴾ لنفس الإنسان والمعنى يقتضيها وإن لم يتقدم لها ذكر.
و: ﴿الحلقوم﴾ مجرى الطعام، وهذه الحال هي نزاع المرء للموت.
وقوله: ﴿وأنتم﴾ إشارة إلى جميع البشر، وهذا من الاقتضاب كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم)
[النساء: ٢٩].
:
وقرأ عيسى بن عمر: ((حينئذ)) بكسر النون. و: ﴿تنظرون﴾ معناه إلى المنازع في الموت.
وقوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه منكم) يحتمل أن يريد ملائكته ورسله، ويحتمل أن یرید بقدرتنا
وغلبتنا، فعلى الاحتمال الأول يجيء قوله: ﴿ولكن لا تبصرون﴾ من البصر بالعين، وعلى التأويل الثاني
يجيء من البصر بالقلب. وقال عامر بن عبد قيس: ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله أقرب إليه مني، ثم عاد
التوقيف والتقرير ثانية بلفظ التحضيض، والمدين: المملوك هذا أصح ما يقال في معنى اللفظة هنا، ومن
عبر عنها بمجازي أو بمحاسب فذلك هنا قلق والمملوك يقلب كيف يشاء المالك، ومن هذا الملك قول
الأخطل : [الطويل]
تراه على مسحاته يتركّلُ
ربت وربا في حجرها ابن مدينة
أراد ابن أمة مملوكة وهو عبد يخدم الكرم، وقد قيل في معنى هذا البيت: أراد أكاراً حضرياً لأن
الأعراب في البادية لا يعرفون الفلاحة وعمل الكرم، فنسبه إلى المدينة لما كان من أهلها، فبمعنى الآية فلولا
ترجعون النفس البالغة الحلقوم إن كنتم غير مملوكين مقهورين ودین الملك حكمه وسلطانه، وقد نحا إلى
هذا المعنى الفراء، وذكره مستوعباً النقاش.
وقوله: ﴿ترجعونها﴾ سدت مسد الأجوبة والبيانات التي يقتضيها التحضيضات، و﴿إذا﴾ من قوله:
٢٥٤
تفسير سورة الواقعة /: الآيات: ٩٦٠٨٨
﴿فلولا إذا﴾ و﴿إن﴾ المتكررة وحمل بعض القول بعضاً إيجازاً واقتضاباً.
1
قوله عز وجل :
وَأَمَّ إِنْ كَانَّ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ
٨٩
فَرَوْعٌ وَرَتْجَانٌ وُحَنَّتُ نَعِيمٍ!
٨٨
فَأَمَّ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَّ
فَنْزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ
٩٢
] وَأَمَّا إِنْ كَانَّ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِيْنُ
٩١
فَسَلَهٌلَّكَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ
وَتَصْلِيَةُ ◌َِيمٍ ﴿﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ أَلْيَقِينِ (١٥) فَسَبِحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ
٩٣
ذكر الله تعالى في هذه الآية حال الأزواج الثلاثة المذكورين في أول السورة وحال كل امرىء منهم،
فأما المرء من السابقين المقربين فيلقى عند موته روحاً وريحاناً، والروح: الرحمة والسعة والفرح، ومنه
﴿روح الله﴾ [يوسف: ٨٧] والريحان وهو دليل النعيم، وقال مجاهد، الريحان: الرزق. وقال أبو العالية
وقتادة والحسن، الريحان: هذا الشجر المعروف في الدنيا يلقى المقربين ريخاناً من الجنة.
وقرأ الحسن وابن عباس وجماعة كثيرة ((فُرُوح)) بضم الراء. وقال الحسن ومعناه: روحه يخرج في
ريحانه وقال الضحاك، الريحان: الاستراحة.
قال القاضي أبو محمد: الريحان، ما تنبسط إليه النفوس. وقال الخليل: هو طرف كل بقلة طيبة فيها
أوائل النور، وقد قال عليه السلام في الحسن والحسين: ((هما ريحانتاي من الدنيا))، وقال النمر بن تولب؛
:
[المتقارب]
ورحمته وسماء درر
سلام الإله وريحانه
وقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: ((فُرُوح)) بضم الراء.
وقوله تعالى: ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ عبارة تقتضي جملة مدح وصفة تخلص وحصول في
عال من المراتب ليس في أمرهم إلا السلام والنجاة من العذاب، وهذا كما تقول في مدح رجل: أما فلان
فناهيك به، أو فحسبك أمره، فهذا يقتضي جملة غير مفصلة من مدحه، وقد اضطربت عبارات المتأولين
في قوله تعالى: ﴿فسلام لك﴾ فقال قوم: المعنى: فيقال له مسلم لك إنك من أصحاب اليمين، وقال
الطبري المعنى: ﴿فسلام لك﴾ أنت ﴿من أصحاب اليمين﴾، وقيل المعنى ﴿فسلام لك﴾ يا محمد، أي
لا ترى فيهم إلا المسالمة من العذاب، فهذه الكاف في ذلك إما أن تكون للنبي عليه السلام وهو الأظهر،
ثم لكل معشر فيها من أمته وإما أن تكون لمن يخاطب من أصحاب اليمين، وغير هذا مما قيل تكلف.
و((المكذبون الضالون)): هم الكفار أصحاب الشمال والمشأمة، و((النزل)»: أول شىء يقدم للضيف،
والتصلية: أن يباشر بهم النار وحيث تراكمها، ولما كمل تقسيم أحوالهم وانقضى الخبر بذلك، أكد تعالى
الاخبار بأن قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مخاطبة تدخل معه أمته فيها، إن هذا الذي أخبرنا به الهو
حق اليقين﴾. وإضافة الحق إلى ﴿اليقين) عبارة فيها مبالغة، لأنهما بمعنى واحد، فذهب بعض الناس
إلى أنه من باب دار الآخرة ومسجد الجامع، وذهبت فرقة من الحذاق إلى أنه كما تقول في أمر تؤكده: هذا
٠
:
٢٥٥
تفسير سورة الواقعة / الآيات: ٨٨ - ٩٦
يقين اليقين أو صواب الصواب، بمعنى أنه نهاية الصواب، وهذا أحسن ما قيل فيه، وذلك لأن دار الآخرة
وما أشبهها يحتمل أن تقدر شيئاً أضفت الدار إليه وصفته بالآخرة ثم حذفت وأقمت الصفة مقامه، كأنك
قلت: دار الرجعة أو النشأة أو الخلقة، وهنا لا يتجه هذا، وإنما هي عبارة مبالغة وتأكيد معناه أن هذا الخبر
هو نفس الیقین وحقيقته .
وقوله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ عبارة تقتضي الأمر بالإعراض عن أقوال الكفار وسائر أمور
الدنيا المختصة بها وبالإقبال على أمور الآخرة وعبادة الله تعالى والدعاء إليه. وروى عقبة بن عامر أنه لما
نزل ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سبح
اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] قال: اجعلوها في سجودكم. ويحتمل أن يكون المعنى: سبح لله بذكر
أسمائه العلى، والاسم هنا بمعنى الجنس، أي بأسماء ربك. و: ﴿العظيم) صفة للرب، وقد يحتمل أن
يكون الاسم هنا واحداً مقصوداً، ويكون ﴿العظيم﴾ صفة له، فكأنه أمره أن يسبحه باسمه الأعظم وإن كان
لم ينص عليه، ويؤيد هذا ويشير إليه إيصال سورة الحديد أولها ففيه التسبيح وجملة من أسماء الله تعالى،
وقد قال ابن عباس: اسم الله الأعظم موجود في ست آيات من أول سورة الحديد، فتأمل هذا فإنه من دقيق
النظر، ولله تعالى في كتابه العزيز غوامض لا تكاد الأذهان تدركها .
كمل تفسير سورة الواقعة والحمد لله رب العالمين.
٢٥٦
1
- تفسير سورة الحديد / الآيات: ١ - ٤
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَ الرَّحِية
شُورَةُ لِّدِد
الجرالجديد الـ
وهي مدنية فيما قال النقاش وغيره بإجماع من المفسرين، وقال غيره مكية .
قال القاضي أبو محمد: ولا خلاف أن فيها قرآناً مدنياً، لكن يشبه صدرها أن يكون مكياً والله أعلم،
وقد ذكرنا قول ابن عباس إن اسم الله الأعظم هو في ست آيات من أول سورة الحديد، وروي أن الدعاء
مستجاب بعد قراءتها .
قوله عز وجل :
سَبَّحَ لِلّهِمَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُحِى، وَيُمِيثٌ وَهُوَ
هُوَالْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ جَ هُوَ الَّذِى خَلَقَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ (
٢
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّأَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ يَعْلَؤُ مَا يَلُِ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا
يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَايَعْرُجُ فِيَهَا وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ مَاكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
٤
قال أكثر المفسرين: التسبيح هنا هو التنزيه المعروف في قولهم: سبحان الله، وهذا عندهم إخبار بصيغة
الماضي مضمنه الدوام أن التسبيح مما ذكر دائم مستمر، واختلفوا هل هذا التسبيح حقيقة أو مجاز على
معنى أن أثر الصنعة فيها تنبه الرائي على التسبيح، فقال الزجاج وغيره: والقول بالحقيقة أحسن، وقد تقدم
القول فيه غير مرة، وهذا كله في الجمادات، وأما ما يمكن التسبيح منه فقول واحد إن تسبيحهم حقيقة،
وقال قوم من المفسرين: التسبيح في هذه السورة: الصلاة، وهذا قول متكلف، فأما فيمن يمكن منه ذلك
فسائغ، وأما سجود ظلال الكفار هي صلاتهم، وأما في الجمادات فيقلق، وذلك أن خضوعها وخشوع
هيئاتها قد يسمى في اللغة سجوداً أو استعارة كما قال الشاعر [زيد الخيل]: [الطويل]
ترى الأكم فيها سُجَّداً للحوافر
ويبعد أن تسمى تلك صلاة الأعلى تحامل.
وقوله: ﴿ما في السماوات والأرض﴾ عام في جميع المخلوقات، وقال بعض النحاة، التقدير: ما في
السماوات وما في الأرض، فـ ((ما)) نكرة موصوفة حذفها وأقام الصفة مقامها، ﴿وهو العزيز﴾ بقدرته
وسلطانه، ﴿الحكيم﴾ بلطفه وتدبيره وحكمته. و﴿ملك السماوات والأرض﴾ هو سلطانها الحقيقي الدائم،
لأن ملك البشر مجاز فان.
٢٥٧
تفسير سورة الحديد / الآيات : ٥ - ٩
وقوله تعالى: ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ أي على كل شيء مقدور، ﴿هو الأول﴾ الذي ليس
لوجوده بداية مفتتحة. ﴿والآخر﴾ الدائم الذي ليس له نهاية منقضية. قال أبو بكر الوراق ﴿هو الأول﴾
بالأزلية، ﴿والآخر﴾ بالأبدية، و﴿هو الأول﴾ بالوجود، إذ كل موجود فبعده وبه. ﴿والآخر﴾ إذا ترقى
العقل في الموجودات حتى يكون إليه منتهاها، قال عز وجل: ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢].
﴿والظاهر﴾ معناه بالأدلة ونظر العقول في صنعته. ﴿والباطن) بلطفه وغوامض حكمته وباهر صفاته التي لا
يصل إلى معرفتها على ما هي عليه الأوهام.
ويحتمل أن يريد بقوله: ﴿الظاهر والباطن﴾ أي الذي بهر وملك فيما ظهر للعقول وفيما خفي عنها
فليس في الظاهر غيره حسب قيام الأدلة، وليس في باطن الأمر وفيما خفي عن النظرة مما عسى أن يتوهم
غيره.
وقوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ عام في الأشياء عموماً تاماً. وقد تقدم القول في خلق
السماوات والأرض. وأكثر الناس على أن بدأة الخلق هي في يوم الأحد، ووقع في مسلم: أن البدأة في
يوم السبت، وقال بعض المفسرين: الأيام الستة من أيام القيامة. وقال الجمهور: بل من أيام الدنيا.
قال القاضي أبو محمد: وهو الأصوب.
والاستواء على العرش هو بالغلبة والقهر المستمرين بالقدرة، وليس في ذلك ما في قهر العباد من
المحاولة والتعب. وقد تقدم القول في مسألة الاستواء مستوعباً في: ((طه)) وغيرها .
و: ﴿ما يلج في الأرض﴾ هو المطر والأموات وغير ذلك، ﴿وما يخرج منها﴾ النبات والمعادن وغير
ذلك. ﴿وما ينزل من السماء﴾ الملائكة والرحمة والعذاب وغير ذلك. ﴿وما يعرج﴾ الأعمال صالحها
وسيئها والملائكة وغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ معناه بقدرته وعلمه وإحاطته. وهذه آية أجمعت الأمة على
هذا التأويل فيها، وأنها مخرجة عن معنى لفظها المعهود، ودخل في الإجماع من يقول بأن المشتبه كله
ينبغي أن يمر ويؤمن به ولا يفسر فقد أجمعوا على تأويل هذه لبيان وجوب إخراجها عن ظاهرها. قال سفيان
الثوري معناه: علمه معكم، وتأولهم هذه حجة عليهم في غيرها.
وقوله عز وجل :
لَمُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرُّجَعُ الْأُمُورُ !
يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِيُ النَّهَارَ فِ الَِّلِ وَهُوَ
٥
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ { ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَّ فِيَّهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوْلَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوَكُمْ لِنُؤْمِنُواْ بِرَبَّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ
هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ: ءَايَتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى
٨
مِشَقَكُمْ إِنَ كُ مُؤْمِنِينَ
٩
النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ
قوله تعالى: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ خبر يعم جميع الموجودات، و﴿الأمور﴾ هنا ليست جمع
٢٥٨
تفسير سورة الحديد / الآيات : ٥-٩
المصدر بل هي جميع الموجودات، لأن الأمر والشيء والوجود أسماء شائعة في جميع الموجودات أعراضها
وجوهرها.
:
وقرأ الجمهور: (تُرجع)) بضم التاء، وقرأ الأعرج والحسن وابن أبي إسحاق: ((ترجع)) بفتح التاء .
وقوله تعالى: ﴿يولج الليل في النهار) الآية تنبيه على العبرة فيما يتجاذبه الليل والنهار من الطول والقصر،
وذلك متشعب مختلف حسب اختلاف الأقطار والأزمان الأربعة، وذلك بحر من بحار الفكرة لمن تأمله.
﴿ويولج﴾ معناه: يدخل. و: ﴿ذات الصدور﴾ ما فيها من الأسرار والمعتقدات، وذلك أغمض ما يكون.
وهذا كما قالوا: الذئب مغبوط بذي بطنه، وكما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنما هو ذو بطن بنت
خارجة .
قوله تعالى: ﴿آمنوا بالله ورسوله) الآية أمر للمؤمنين بالثبوت على الإيمان والنفقة في سبيل الله،
ويروى أن هذه الآية نزلت في غزوة العسرة وهي غزوة تبوك، قاله الضحاك، وقال: الإشارة بقوله: ﴿فالذين
آمنوا وأنفقوا﴾ إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وحكمها باق يندب إلى هذه الأفعال بقية الدهر.
وقوله: ﴿مما جعلكم مستخلفين﴾ تزهيد وتنبيه على أن الأموال إنما تصير إلى الإنسان من غيره
ويتركها لغيره، وليس له من ذلك إلا ما تضمنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يقول ابن آدم مالي
مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» ویروی أن رجلاً مر
بأعرابي له إبل، فقال له: يا أعرابي، لمن هذه الإبل؟ فقال: هي الله عندي. فهذا موقف مصيب إن كان ممن
صحب قوله عمله.
وقوله تعالى: ﴿وما لكم لا يؤمنون بالله﴾ الآية توطئة لدعائهم وإيجاب لأنهم أهل هذه الرتب الرفيعة
فإذا تقرر ذلك فلا مانع من الإيمان، وهذا كما تريد أن تندب رجلاً إلى عطاء فتقول له: أنت يا فلان من قوم
أجواد فينبغي أن تكرم، وهذا مطرد في جميع الأمور إذا أردت من أحد فعلاً خلقته بخلق أهل ذلك الفعل
وجعلت له رتبتهم، فإذا تقرر في هؤلاء أن الرسول يدعو وأنهم ممن أخذ الله ميثاقهم فكيف يمتنعون من
الإيمان .
وقرأ جمهور القراء: ((وقد أخذ)) على بناء الفعل للفاعل. وقرأ أبو عمرو: ((قد أخذ)) على بناء الفعل
للمفعول والآخذ على كل قول هو الله تعالى، وهو الآخذ حين الإخراج من ظهر آدم على ما مضى في غير
هذه السورة، والمخاطبة ببناء الفعل للمفعول أشد غلظة على المخاطب، ونحوه قوله تعالى: ﴿فاستقم كما
أمرت﴾ [هود: ١١٢] وكما تقول لامرىء: افعل كما قيل لك، فهو أبلغ من قولك: افعل ما قلت لك.
وقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ قال الطبري المعنى: إن كنتم مؤمنين في حال من الأحوال فالآن.
قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى ليس في ألفاظ الآية وفيه إضمار كثير، وإنما المعنى عندي أن
قوله: وإن الرسول ﴿يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين﴾، يقتضي أن يقدر بأثره:
فأنتم في رتب شريفة وأقدار رفيعة إن كنتم مؤمنين، أي إن دمتم على ما بدأتم به.
٢٥٩
تفسير سورة الحديد / الآيتان: ١١،١٠
وقرأ بعض السبعة: ((ينزّل)) مثقلة. وقرأ بعضهم: ((ينزِل)) مخففة. وقرأ الحسن وعيسى بالوجهين.
وقرأ الأعمش: ((أنزل)). والعبد في قوله: ﴿على عبده﴾ محمد رسوله. والآيات: آيات القرآن.
و﴿الظلمات﴾: الكفر و﴿النور﴾: الإيمان، وباقي الآية وعد وتأنیس مؤكد.
قوله عز وجل :
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَّهِ مِيَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا يَسْتَوِى مِنكُمَّنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ اَلْفَتْحِ
وَقَتَلَ أُوْلَتِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ (® مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُوَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ()
والمعنى: ﴿وما لكم لا تنفقوا في سبيل الله﴾ وأنتم تموتون وتتركون أموالكم، فناب مناب هذا القول
قوله: ﴿ولله ميراث السماوات والأرض﴾، وفيه زيادة تذكير بالله وعبرة، وعنه يلزم القول الذي قدرناه.
وقوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم) الآية، روي أنها نزلت بسبب أن جماعة من الصحابة أنفقت نفقات
كثيرة حتى قال ناس: هؤلاء أعظم أجراً من كل من أنفق قديماً، فنزلت الآية مبينة أن النفقة قبل الفتح أعظم
أجراً .
وهذا التأويل على أن الآية نزلت بعد الفتح، وقد قيل إنها نزلت قبل الفتح تحريضاً على الإنفاق،
والأول أشهر وحكى الثعلبي أنها نزلت في أبي بكر الصديق ونفقاته، وفي معناه قول النبي عليه السلام
لخالد بن الوليد: ((اتركوا لي أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)».
واختلف الناس في ﴿الفتح﴾ المشار إليه في هذه الآية. فقال أبو سعيد الخدري والشعبي: هو فتح
الحديبية. وقد تقدم في سورة ((الفتح)) تقرير كونه فتحاً، ورفعه أبو سعيد الخدري إلى النبي عليه السلام أن
أفضل ما بين الهجرتين فتح الحديبية. وقال قتادة ومجاهد وزيد بن أسلم: هو فتح مكة الذي أزال الهجرة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو المشهور الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد
الفتح ولكن جهاد ونية. وقال له رجل بعد فتح مكة: أبايعك على الهجرة، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((الهجرة قد ذهبت بما فيها)). وإن الهجرة شأنها شديد، ولكن أبايعك على الجهاد وحكم الآية باق
غابر الدهر من أنفق في وقت حاجة السبيل أعظم أجراً ممن أنفق مع استغناء السبيل.
وأكثر المفسرين على أن قوله: ﴿يستوي﴾ مسند إلى ﴿من﴾، وترك ذكر المعادل الذي لا يستوي
معه، لأن قوله تعالى: ﴿من الذين أنفقوا من بعد﴾ قد فسره وبينه. ويحتمل أن يكون فاعل ﴿يستوي﴾
محذوفاً تقديره: لا يستوي منكم الإنفاق، ويؤيد ذلك أن ذكره قد تقدم في قوله: ﴿وما لكم ألا تنفقوا﴾
ويكون قوله: ﴿من﴾ ابتداء وخبره الجملة الآتية بعد.
وقرأ جمهور السبعة: ((وكلّا وعد الله الحسنى)). وهي الوجه، لأن وعد الله ليس يعوقه عائق على أن
ينصب المفعول المقدم. وقرأ ابن عامر: ((وكل وعد الله الحسنى))، فأما سيبويه رحمه الله فقدر الفعل خبر
٢٦٠
تفسير سورة الحديد / الآيتان: ١١،١٠
الابتداء، وفيه ضمير عائد وحذفه عنده قبيح لا يجري إلا في شعر ونحوه، ومنه قول الشاعر [جرير بن
عطية]: [الرجز]
عليّ ذنباً كله لم أصنع
قد أصبحت أم الخيار تدعي
قال: ولكن حملوا الخبر على الصفات كقول جرير: [الوافر]
وما شيء حميت بمستباح
وعلى الصلات كقوله تعالى: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولاً﴾ [الفرقان: ٤١] وذهب غير سيبويه إلى
أن ﴿وعد﴾ في موضع الصفة، كأنه قال: ((أولئك كل وعد الله الحسنى))، وصاحب هذا المذهب حصل في
هذا التعسف في المعنى فراراً من حذف الضمير في خبر المبتدأ. و: ﴿الحسنى﴾ الجنة، قاله مجاهد
وقتادة، والوعد يتضمن ما قبل الجنة من نصر وغنيمة.
وقوله تعالى : ﴿والله بما تعملون خبير﴾ قول فيه وعد ووعید.
وقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ الآية، قال بعض النحويين: ﴿من﴾ ابتداء
و: ﴿ذا﴾ خبر، و﴿الذي﴾ صفة، وقال آخرون منهم: ﴿من﴾ ابتداء و: ﴿ذا﴾ زائد مع الذي، و﴿الذي ﴾
خبر الابتداء، وقال الحسن: نزلت هذه الآية في التطوع في جميع أمر الذين. والقرض: السلف ونحوه أن
يعطي الإنسان شيئاً وينتظر جزاءه، والتضعيف من الله هو في الحسنات، يضاعف الله لمن يشاء من عشرة
إلى سبعمائة، وقد ورد أن التضعيف يربى على سبعمائة، وقد مر ذكر ذلك في سورة البقرة بوجوهه من
التأويل.
وقرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي: ((فيضاعفُه)) بالرفع على العطف أو على القطع والاستئناف.
وقرأ عاصم: ((فيضاعفَه)) بالنصب في الفاء في جواب الاستفهام، وفي ذلك قلق. قال أبو علي: لأن السؤال
لم يقع عن القرض، وإنما يقع السؤال عن فاعل القرض، وإنما تنصب الفاء فعلاً مردوداً على فعل مستفهم
عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على المعنى، كأن قوله: ﴿من ذا الذي يقرض﴾ بمنزلة أن لو قال:
أيقرض الله أحداً فيضاعفه؟ وقرأ ابن كثير ((فيضعّفُه)) مشددة العين مضمومة الفاء. وقرأ ذلك ابن عامر، إلا
أنه فتح الفاء.
والأجر الكريم الذي يقرض به رضى وإقبال، وهذا معنى الدعاء: يا كريم العفو، أي أن مع عفوه
رضى وتنعيماً وعفو البشر ليس كذلك.
وقوله عز وجل :
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَنِهِ بُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا
◌َ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا
١٢
اُلْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيَهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (
نَقْنَيِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ أَرْجِعُواْ وَرَّكُمْ فَالْتَمِسُواْنُورً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍلَّهُم بَابٌ بَاِنْهُ فِهِ الرَّحْمَةُ وَظَِهِرُهُ