Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
تفسیر سورة النجم / الآيات: ١٩ - ٢٦
كانت العرب تعبدها وتعظمها، قاله سعيد بن جبير وقال ابن مجاهد: كانت شجيرات تعبد ثم ببلاها انتقل
أمرها إلى صخرة. و((عزى)) مؤنثة عزيز ككبرى وعظمى، وكانت هذه الأوثان تعظم الوثن منها قبيلة
وتعبدها، ويجيء كل من عز من العرب فيعظمها بتعظيم حاضرها. وقال أبو عبيدة معمر: كانت ﴿العزى﴾
﴿ومناة﴾ في الكعبة، وقال ابن زيد: وكانت ﴿العزى﴾ بالطائف، وقال قتادة: كانت بنخلة وأما ﴿مناة﴾
فكانت بالمشلل من قديد، وذلك بين مكة والمدينة، وكانت أعظم هذه الأوثان قدراً وأكثرها عابدً، وكانت
الأوس والخزرج تهل لها، ولذلك قال تعالى: ﴿الثالثة الأخرى﴾ فأكدها بهاتين الصفتين، كما تقول رأيت
فلاناً وفلاناً ثم تذكر ثالثاً أجل منهما، فتقول وفلاناً الآخر الذي من أمره وشأنه .
ولفظة آخر وأخرى يوصف به الثالث من المعدودات، وذلك نص في الآية، ومنه قول ربيعة بن
مكدم : [الكامل]
ولقد شفعتهما بآخر ثالث
وهو التأويل الصحيح في قول الشاعر [عبيد بن الأبرص]: [مجزوء الكامل]
جعلت لها عودين من نشم وآخر من ثمامه
وقرأ ابن كثير وحده: ((ومناءة)» بالهمز والمد وهي لغة فيها، والأول أشهر وهي قراءة الناس، ومنها قول
جرير: [الوافر]
أزيد مناة توعد بابن تيم تأمل أين تاه بك الوعيد
ووقف تعالى الكفار على هذه الأوثان وعلى قولهم فيها، لأنهم كانوا يقولون: هي بنات الله، فكأنه
قال: أرأيتم هذه الأوثان وقولكم هي بنات الله ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾، أي النوع المستحسن المحبوب
هو لكم وموجود فيكم؟ والمذموم المستثقل عندكم هو له بزعمكم، ثم قال تعالى على جهة الإنكار: ﴿تلك
إذاً قسمة ضيزى﴾ أي عوجاء، قاله مجاهد، وقيل ﴿ضيزى﴾ معناه: جائرة، قاله ابن عباس وقتادة، وقال
سفيان معناه: منقوصة، وقال ابن زيد معناه: مخالفة، والعرب تقول: ضرته حقه أضيزه، بمعنى: منعته منه
وظلمته فيه، و: ﴿ضيزى﴾ من هذا التصريف وأصلها فُعلى بضم الفاء ضوزى لأنه القياس، إذ لا يوجد في
الصفات فِعلى بكسر الفاء، كذا قال سيبويه وغيره، فإذا كان هذا فهي ضوزى: كسر أولها كما كسر أول
عين وبيض طلباً للتخفيف، إذ الكسرة والياء أخف من الضمة والواو كما قالوا بيوت وعصى هي في الأصل
فعول بضم الفاء، وتقول العرب: ضرته أضوزه فكان يلزم على هذا التصريف أن يكون ضوزى فعلى، وفي
جميع هذا نظر. وقرأ ابن كثير: ((ضئيزى)) بالهمز على أنه مصدر كذكرى، وقرأ الجمهور بغير همز.
ثم قال تعالى: ﴿إن هي إلا أسماء﴾ يعني أن هذه الأوصاف من أنها إناث وأنها تعبد آلهة ونحو هذا
إلا أسماء، أي تسميات اخترعتموها (أنتم وآباؤكم﴾ لا حقيقة لها ولا أنزل الله تعالى بها برهاناً ولا حجة،
وقرأ عيسى بن عمر: ((سلطان)) بضم اللام، وقرأ هو وابن مسعود وابن عباس وابن وثاب وطلحة والأعمش
(إن تتبعون)) بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وعاصم ونافع والأعمش أيضاً والجمهور: ((يتبعون)) بالياء
٢٠٢
تفسير سورة النجم / الآيات: ٢٧ - ٣١
على الحكاية عن الغائب و﴿الظن﴾: ميل النفس إلى أحد معتقدين متخالفين دون أن يكون ميلها بحجة
ولا برهان وهوى الأنفس: هو إرادتها الملذة لها وإنما تجد هوى النفس أبداً فيترك الأفضل، لأنها مجبولة
بطبعها على حب الملذ، وإنما يردعها ويسوقها إلى حسن العاقبة العقل والشرع.
وقوله تعالى: ﴿ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ اعتراض بين الكلام فيه توبيخ لهم، لأن سرد القول
إنما هو يتبعون ولا ﴿الظن وما تهوى الأنفس﴾، ﴿أم للإنسان ما تمنى﴾، وقف على جهة التوبيخ والإنكار
لحالهم ورأيهم، ثم اعترض بعد قوله: ﴿وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) جملة في
موضع الحال، والهدى المشار إليه، محمد وشرعه.
وقرأ ابن مسعود وابن عباس: ((ولقد جاءكم من ربكم)) بالكاف فيهما، وقال الضحاك إنهما قرآ ((ولقد
جاءك من ربك)).
و((الإنسان)) في قوله: ﴿أم للإنسان﴾، اسم الجنس، كأنه يقول ليست الأشياء بالتمني والشهوات،
إنما الأمر كله لله والأعمال جارية على قانون أمره ونهيه فليس لكم، أيها الكفرة مرادكم في قولكم هذه
آلهتنا وهي تنفعنا وتقربنا زلفى ونحو هذا. وقال ابن زيد والطبري: ((الإنسان)) هنا: محمد، بمعنى أنه لم ينل
كرامتنا بتأميل، بل بفضل الله أو بمعنى بل إنه تمنى كرامتنا فنالها، إذ الكل لله يهب ما شاء، وهذا لا
تقتضيه الآيات، وإن كان اللفظ يعمه. و: ﴿الآخرة والأولى﴾ الداران، أي له كل أمرهما ملكاً ومقدوراً
وتحت سلطانه .
وقوله تعالى: ﴿وكم من ملك﴾ الآية، رد على قريش في قولهم: الأوثان شفعاؤنا، كأنه يقول: هذه
حال الملائكة الكرام، فكيف بأوثانكم، و﴿كم﴾ للتكثير وهي في موضع رفع بالابتداء والخبر: ﴿لا
تغني﴾ والغناء جلب النفع ودفع الضر بحسب الأمر الذي يكون فيه الغناء وجمع الضمير في ﴿شفاعتهم﴾
على معنى: ﴿كم﴾ ومعنى الآية: ﴿أن يأذن الله﴾ في أن يشفع لشخص ما ويرضى عنه كما أذن في قوله:
﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾ [غافر: ٧].
قوله عز وجل :
وَمَالَهُ بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الْفَكِنِّ
إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنَى ◌َّ
وَإِنَّالظَّنَّ لَأَ يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْكَاَلْ فَأَعْرِضِ عَن مَّن قَوَلَّى عَن ذِكْرِنَاوَلَ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ﴿ ذَلِكَ
مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمَّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَأَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنِ سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ آَهْتَدَى ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ
٣١
وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَعُواْبِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْمُسْنَى
﴿الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ هم كفار العرب، وقوله: ﴿ليسمون الملائكة﴾ معناه: ليصفون
الملائكة بأوصاف الأنوثة وأخبر تعالى عنهم أنهم لا علم لهم بذلك، وإنما هي ظنون منهم لا حجة لهم
عليها وقرأ ابن مسعود: ((من علم إلا اتباع الظن)).
٢٠٣
تفسير سورة النجم / الآيات: ٣٢ - ٣٨
وقوله: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ أي في المعتقدات المواضع التي يريد الإنسان أن يحرر
ما يعقل ويعتقد فإنها مواضع حقائق لا تنفع الظنون فيها، وأما في الأحكام وظواهرها فيجتزى فيها
بالظنونات، ثم سلى تعالى نبيه وأمره بالإعراض عن هؤلاء الكفرة، وما في الآية من موادعتهم منسوخ بآية
السيف.
وقوله: ﴿ولم يرد إلا الحياة الدنيا﴾ معناه لا يصدق بغيرها، فسعيه كله وعمله إنما هو لدنياه.
وقوله تعالى: ﴿ذلك مبلغهم من العلم﴾ معناه هنا انتهى تحصيلهم من المعلومات، وذلك أن
المعلومات منها ما هي معقولات نافعة في الآخرة، ومنها ما هي أمور فانية وأشخاص بادية كالفلاحة وكثير
من الصنائع وطلب الرئاسة على الناس بالمخرقة، فكلها معلومات ولها علم ومبلغ الكفرة إنما هو في هذه
الدنیاویات.
وقوله تعالى: ﴿إن ربك هو أعلم) الآية تصل بمعنى التسلية في قوله: ﴿فأعرض عمن تولى عن
ذكرنا﴾، وقوله: ﴿إن ربك هو أعلم) الآية، ووعيد للكفار ووعد للمؤمنين، وأسند الضلالة والهدى إليهم
بكسبهم وإن كان الجميع خلقاً له واختراعاً، واللام في قوله: ﴿ليجزي﴾ متعلقة بقوله: ﴿ضل﴾ وبقوله:
﴿اهتذى﴾ فكأنه قال: ليصير أمرهم جميعاً إلى أن يجزى.
وقوله: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ اعتراض بين الكلام بليغ، وقال بعض النحويين اللام
متعلقة بما في المعنى من التقدير، لأن تقديره: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ يضل من يشاء ويهدي
من يشاء ﴿ليجزي﴾ والنظر الأول أقل تكلفاً من هذا الإضمار. وقال قوم: اللام متعلقة في أول السورة:
﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٤] وهذا بعيد، و: ﴿الحسنى﴾ هي الجنة ولا حسنى دونها.
وقوله عز وجل :
اُلَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَِّرَالْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللََّمَ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَ كُوُمِنَ
اُلْأَرْضِ وَإِذْأَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ فَلَا تُزَّكُواْأَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ أَتَّقَىَ ﴿ أَفَرَيْتَ الَّذِى
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْبِمَا فِصُحُفِ مُوسَى
٣٥
تَوَلَّى ﴿ وَأَعْطَى قَلِيلًاً وَأَكْدَىَ ﴿ أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَيَرَىّ
٣٨
أَوَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَفَّ ◌َ أَلَّافَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
٣٦
قوله: ﴿الذين﴾ نعت ل ﴿الذين﴾ [النجم: ٣١] المتقدم قبله، و: ﴿يجتنبون﴾ معناه: يدعون
جانباً. وقرأ جمهور القراء والناس: ((كبائر الإثم)) وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى وحمزة
والكسائي: ((كبير الإثم)) على الإفراد الذي يراد به الجمع وهذا كقوله: ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق
حميم﴾ [الشعراء: ١٠٠]، وكقوله: ﴿وحسن أولئك رفيقاً﴾ [النساء: ٦٩] ونحو هذا.
واختلف الناس في الكبائر ما هي؟ فذهب الجمهور إلى أنها السبع الموبقات التي وردت في
٢٠٤
تفسير سورة النجم / الآيات: ٣٢ - ٣٨
الأحاديث وقد مضى القول في ذكرها واختلاف الأحاديث فيها في سورة النساء. وتحرير القول في الكبائر
أنها كل معصية يوجد فيها حد في الدنيا، أو توعد بنار في الآخرة، أو لعنة ونجو هذا خاصاً بها فهي كثيرة
العدد، ولهذا قال ابن عباس حين قيل له أسبع هي؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وقال
زيد بن أسلم: ((كبير الإثم)) هنا يراد به: الكفر. و﴿الفواحش﴾ هي المعاصي المذكورة.
وقوله: ﴿إلا اللمم﴾ هو استثناء يصح أن يكون متصلاً، وإن قدرته منقطعاً ساغ ذلك، واختلف في
معنى ﴿اللمم) فقال ابن عباس وابن زيد معناه: ما ألموا به من الشرك والمعاصي في الجاهلية قبل
الإسلام. قال الثعلبي عن ابن عباس وزيد بن ثابت وزيد بن أسلم وابنه: إن سبب الآية أن الكفار قالوا
للمسلمين: قد كنتم بالأمس تعملون أعمالنا، فنزلت الآية وهي مثل قوله تعالى : ﴿وأن تجمعوا بين الأختين
إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] وقال ابن عباس وغيره: ما ألموا من المعاصي الفلتة والسقطة دون دوام ثم
يتوبون منه، ذكر الطبري عن الحسن أنه قال في اللمة: من الزنا والسرقة والخمر ثم لا يعود.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كالذي قبله، فكأن هذا التأويل يقتضي الرفق بالناس في إدخالهم في
الوعد بالحسنى، إذ الغالب في المؤمنين مواقعة المعاصي، وعلى هذا أنشدوا وقد تمثل به النبي صلى الله
عليه وسلم: [الرجز]
وأي عبد لك لا ألما
إن تغفر اللهم تغفر جما
وقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي وغيرهم: ﴿اللمم﴾ صغار الذنوب التي بين الحدين الدنيا
والآخرة وهي ما لا حد فيه ولا وعيد مختصاً بها مذكوراً لها، وإنما يقال صغار بالإضافة إلى غيرها، وإلا
فهي بالإضافة إلى الناهي عنها كبائر كلها، ويعضد هذا القول، قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله
كتب على ابن آدم حظه من الزنا لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والفرج يصدق
ذلك أو يكذبه فإن تقدم فرجه فهو زان، وإلا فهو اللمم)). وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار فالناس
لا يتخلصون من مواقعة هذه الصغائر ولهم مع ذلك الحسنى إذا اجتنبوا التي هي في نفسها كبائر. وتظاهر
العلماء في هذا القول، وكثر المائل إليه. وذكر الطبري عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال:
﴿اللمم﴾ ما دون الشرك، وهذا عندي لا يصح عن عبد الله بن عمرو. وذكر المهدوي عن ابن عباس
والشعبي: ﴿اللمم﴾ ما دون الزنا. وقال نفطويه: ﴿اللمم﴾ ما ليس بمعتاد. وقال الرماني: ﴿اللمم﴾ الهم
بالذنب وحديث النفس به دون أن يواقع. وحكى الثعلبي عن سعيد بن المسيب: أنه ما خطر على القلب،
وذلك هو لمة الشيطان. قال الزهراوي وقيل: ﴿اللمم﴾ نظرة الفجأة، وقاله الحسين بن الفضل. ثم أنس
تعالى بعد هذا بقوله: ﴿إن ربك واسع المغفرة﴾.
وقوله تعالى: ﴿هو أعلم بكم﴾ الآية، روي عن عائشة أنها نزلت بسبب قوم من اليهود كانوا يعظمون
أنفسهم ويقولون للطفل إذا مات لهم هذا صديق عند الله، ونحو هذا من الأقاويل المتوهمة، فنزلت الآية
فيهم، ثم هي بالمعنى عامة جميع البشر، وحكى الثعلبي عن الكلبي ومقاتل أنها نزلت في قوم من المؤمنين
فخروا بأعمالهم، وقوله: ﴿أعلم بكم﴾ قال مكي بن أبي طالب في المشكل معناه: هو عالم بكم. وقال
٢٠٥
تفسير سورة النجم / الآيات: ٣٢ - ٣٨
جمهور أهل المعاني: بل هو التفضيل بالإطلاق، أي هو أعلم من الموجودين جملة، والعامل في ﴿إِذ﴾
﴿أعلم)، وقال بعض النحاة العامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكروا إذ، والمعنى الأول أبين، لأن تقديره:
فإذا كان علمه قد أحاط بكم وأنتم في هذه الأحوال فأحرى أن يقع بكم وأنتم تعقلون وتجترحون، والإنشاء
من الأرض: يراد به خلق آدم عليه السلام، ويحتمل أن يراد به إنشاء الغذاء. و: ﴿أجنة﴾ جمع جنين.
وقوله: ﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾ ظاهره النهي عن أن يزكي نفسه، ويحتمل أن يكون نهياً عن أن يزكي
بعض الناس بعضاً وإذا كان هذا فإنما ينهى عن تزكية السمعة والمدح للدنيا والقطع بالتزكية، ومن ذلك
الحديث في عثمان بن مظعون عند موته. وأما تزكية الإمام والقدرة أحداً ليؤتم به أوليتهم الناس بالخير
فجائز، وقد زكى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أبا بكر وغيره، وكذلك تزكية الشهود في
الحقوق جائزة للضرورة إليها، وأصل التزكية إنما هو التقوى، والله تعالى هو أعلم بتقوى الناس منكم.
وقوله تعالى: ﴿أفرأيت الذي تولى) الآية، قال مجاهد وابن زيد وغيرهما نزلت في الوليد بن المغيرة
المخزومي وذلك أنه سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وجلس إليه ووعظه رسول الله، فقرب من
الإسلام، وطمع النبي عليه السلام فيه، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجع
إلى دينك واثبت عليه وأنا أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من
المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما هم به من الإسلام وضل ضلالاً بعيداً، وأعطى بعض ذلك
المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح، فنزلت الآية فيه. وذكر الثعلبي عن قوم أنها نزلت في عثمان بن
عفان في قصة جرت له مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح وذلك كله عندي باطل، وعثمان رضي الله عنه
منزه عن مثله، وقال السدي: نزلت في العاصي بن وائل، فقوله: ﴿وأعطى قليلاً وأكدى﴾، وعلى هذا
القول في المال، وقال مقاتل بن حيان في كتاب الثعلبي المعنى: وأعطى من نفسه قليلاً من قربه من
الإيمان ثم ﴿أكدى﴾ أي انقطع ما أعطى، وهذا بين من اللفظ، والآخر يحتاج إلى رواية. و: ﴿تولى﴾
معناه: أدبر وأعرض ومعناه عن أمر الله. ﴿وأكدى﴾ معناه: انقطع عطاؤه وهو مشبه بالحافر في الأرض، فإذا
انتهى إلى كدية، وهي ما صلب من الأرض وقف وانقطع حفره، وكذلك أجبل الحافر إذ انتهى إلى جبل،
ثم قيل لمن انقطع عمله: أكدى وأجبل.
وقوله تعالى: ﴿أعنده علم الغيب فهو يرى﴾ معناه: أعلم من الغيب أن من تحمل ذنوب آخر فإن
المتحمل عنه ينتفع بذلك، فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وهو له فيه بصيرة أم هو جاهل لم ينبأ أي يعلم
ما في صحف موسى وهي التوراة وفي صحف إبراهيم وهي كتب نزلت عليه من السماء من أنه لا تزر وازرة
وزر أخرى، أي لا تحمل حاملة حمل أخرى، وإنما يؤخذ كل واحد بذنوب نفسه، أي فلما كان جاهلاً بهذا
وقع في عطاء ماله للذي قال له: إني أتحمل عنك درك الآخرة.
واختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وفى﴾ ما هو الموفى؟ فقال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم
يأخذون الولي بالولي في القتل ونحوه فوفى إبراهيم وبلغ هذا الحكم من أنه ﴿لا تزر وازرة وزر أخرى﴾،
وقال ابن عباس أيضاً والربيع: وفى طاعة الله في أمر ذبح ابنه. وقال الحسن وابن جبير وقتادة وغيره، وفى
٢٠٦
. .---
تفسیر سورة النجم / الآيات : ٣٩-٥١
تبليغ رسالته والظاهر في ذات ربه، وقال عكرمة، وفي هذه العشر الآيات، ﴿ألا تزر﴾ وما بعدها، وقال ابن
عباس وقتادة وغيره ﴿وفى﴾ ما افترض عليه من الطاعات على وجهها وتكلمت له شعب الإيمان والإسلام
فأعطاه الله براءته من النار. قال ابن عباس: وفي شرائع الإسلام ثلاثين سهماً. وقال أبو أمامة ورفعه إلى
النبي عليه السلام ﴿وفى﴾ أربع صلوات في كل يوم، والأقوى من هذه الأقوال كلها القول العام لجميع
الطاعات المستوفية لدين الإسلام، فروي أنها لم تفرض على أحد مكملة فوفاها الأعلى وإبراهيم ومحمد
عليهما السلام ومن الحجة لذلك قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤].
وقرأ ابن جبير وأبو مالك وابن السميفع: ((وفى)) مخففة الفاء، والخلافي، فيما وفى به كالخلاف فيما
وفاه على القراءة الأولى التي فسرنا، ورويت القراءة عن النبي عليه السلام، وقرأها أبو أمامة . .
والوزر: الثقل، وأنث الوازرة إما لأنه أراد النفس وإما أراد المبالغة كعلامة ونسابة وما جرى مجراها
و((أن) في قوله: ﴿ألا تزر﴾ مخففة من الثقيلة، وتقديرها أنه لا تزر، وحسن الحائل بينها وبين الفعل ان
بقي الفعل مرتفعاً، فهي كقوله: ﴿أن سيكون منكم مرضى﴾ [المزمل: ٢٠] ونحوه، و ((أن)) في موضع رفع
أو خفض، كلاهما مرتب.
قوله عز وجل :
وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَاسَعَى {﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى لِلْكَثُمَّ يُجْزَفَهُ اُلْجَزَآءَ اُلْأَوْنَ () وَأَنَّ
وَأَنَّهُ خَلَقَ الْزَّوْجَيْنِ
٤٤
إِلَى رَبِّكَ الْمُنْنَهَمْ ﴾ وَأَنَُّ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبَّكَى (3) وَأَنَُّ هُوَ أَمَاتَ وَأَخْيَا
وَأَُّهُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ◌ْ وَأَنَّهُ هُوَ
٤٥َ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى [® وَ أَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى
الذَّكَرَ وَالْأُنثَى فِ
٥١
رَبُّ الشِّعْرَىِ ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًّا الْأُوْلَى ﴾﴾ وَثَمُودَأَفَمَا أَبْقَى
١٠٠٠
قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان﴾ وقوله بعد ذلك ﴿وأنه﴾، ﴿وأنه﴾ معطوف كل ذلك على أن
المقدرة أولاً في قوله: ((أنه لا تزر)) وهي كلها بفتح الألف في قراءة الجمهور .. وقرأ أبو السيمال قعنب ((وإن
إلى ربك)) بكسر الهمزة فيهما وفيما بعدها وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوله: ﴿وأن ليس للإنسان
إلا ما سعى﴾ منسوخ بقوله: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ [الطور: ٢١]
وهذا لا يصح عندي على ابن عباس، لأنه خبر لا ينسخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا، اللهم إلا أن
يتجوز في لفظة النسخ ليفهم سائلاً، وقال عكرمة: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة
فلها سعي غيرها، والدليل حديث سعد بن عبادة قال: يا رسول الله هل لأمي إن تطوعت عنها؟ قال: نعم.
وقال الربيع بن أنس: ((الإنسان)) الذي في هذه الآية هو الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره.
وسأل عبد الله بن طاهر بن الحسين والي خراسان الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله: ﴿والله
يضاعف لمن يشاء﴾ [البقرة: ٢٦١] فقال ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بفضل الله ما شاء الله، فقبل
عبد الله رأس الحسين. وقال الجمهور: الآية محكمة. والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو
٢٠٧
تفسير سورة النجم / الآيات : ٣٩ - ٥١
في اللام من قوله: ﴿للإنسان) فإذا حققت الشيء الذي هو حق الإنسان يقول فيه لي كذا لم يجده إلا
سعيه، وما بعد من رحمة ثم شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمد بفضل
ورحمة دون هذا كله فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة.
واحتج بهذه الآية من يرى أنه لا يعمل أحد عن أحد بعد موته ببدن ولا مال. وفرق بعض العلماء بين البدن
والمال، وهي عندي كلها فضائل للعامل وحسنات تذكر للمعمول عنه، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم سعداً بالصدقة عن أمه، والسعي: التكسب.
وقوله: ﴿يرى) فاعله حاضر والقيامة، أي يراه الله ومن شاهد الأمر، وفي عرض الأعمال على
الجميع تشريف للمحسنين وتوبيخ للمسيئين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سمع بأخيه فيما
يكره سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة)). وفي قوله: ﴿ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ وعيد للكافرين ووعد
للمؤمنين. و: ﴿المنتهى﴾ يحتمل أن يريد به الحشر، والمصير بعد الموت فهو منتهى بالإضافة إلى الدنيا
وإن كان بعده منتهى آخر وهو الجنة أو النار، ويحتمل أن يريد بـ ﴿المنتهى): الجنة أو النار، فهو منتهى
على الإطلاق، لكن في الكلام حذف مضاف إلى عذاب ربك أو رحمته. وقال أبي بن كعب قال النبي عليه
السلام في قوله تعالى: ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ لا فكرة في الرب. وروى أنس أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((إذا ذكر الرب فانتهوا)). وقال أبو هريرة: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى أصحابه
فقال: ((فيم أنتم))؟ قالوا: نتفكر في الخالق، فقال: ((تفكروا في الخلق، لا تتفكروا في الخالق، فإنه لا
تحيط به الفكرة)) الحديث، وذكر الضحك والبكاء لأنهما صفتان تجمعان أصنافاً كثيرة من الناس، إذ
الواحدة دليل السرور، والأخرى دليل الحزن في الدنيا والآخرة، فنبه تعالى على هاتين الخاصتين اللتين
هما للإنسان وحده، وقال مجاهد المعنى: ﴿أضحك﴾ الله أهل الجنة ﴿وأبكى﴾ أهل النار. وحكى
الثعلبي في هذا أقوالاً استعارية كمن قال ﴿أضحك﴾ الأرض بالنبات، ﴿وأبكى﴾ السماء بالمطر، ونحوه:
و﴿أمات وأحيا﴾. وحكى الثعلبي قولاً إنه أحيا بالإيمان وأمات بالكفر. و﴿الزوجين﴾ في هذه الآية يريد
به المصطحبين من الناس من الرجل والمرأة وما ضارع من الحيوان، والخنثى متميز ولا بد لأحد الجهتين.
والنطفة في اللغة: القطعة من الماء كانت يسيرة أو كثيرة. ويراد بها هاهنا ماء الذكران.
وقوله: ﴿تمنى﴾ يحتمل أن يكون من قولك: أمني الرجل: إذا خرج منه المني، ويحتمل أن يكون
من قولك منى الله الشيء: إذا خلقه، فكأنه قال: إذا تخلق وتقدر، و: ﴿النشأة الأخرى﴾ هي إعادة
الأجسام إلى الحشر بعد البلي في التراب. وقرأ الناس: ((النشْأة)) بسكون الشين والهمز والقصر، وقرأ أبو
عمرو والأعرج: ((النشآة)) ممدودة.
﴿وأقنى﴾ معناه: أكسب، يقال: قنبت المال، أي كسبته، ثم يعدى بعد ذلك بالهمزة، وقد يعدى
بالتضعيف، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
كم من غني أصاب الدهر ثروته ومن فقير يقنّى بعد إقلالٍ
وعبر المفسرون عن ﴿أقنى﴾ بعبارات مختلفة. وقال بعضهم: ﴿أقنى﴾ معناه: أكسب ما يقتني،
٢٠٨
تفسير سورة النجم / الآيات : ٣٩ - ٥١
وقال مجاهد معناه: أغنى وأرضى. وقال حضرمي معناه: أغنى عن نفسه ﴿وأقنى﴾ أفقر عباده إليه. وقال
الأخفش: ﴿أقنى﴾ أفقر، وهذه عبارات لا تقتضيها اللفظة، والوجه فيها بحسب اللغة أكسب ما يقتني.
وقال ابن عباس: ﴿أقنى﴾ قنع. والقناعة خير قنية، والغنى عرض زائل، فلله در ابن عباس.
و: ﴿الشعرى﴾ نجم في السماء، قال مجاهد وابن زيد: هو من زمر الجوزاء وهما شعريان، إحداهما:
الغميصاء، والأخرى العبور، لأنها عبرت المجرة، وكانت خزاعة ممن يعبد هذه ﴿الشعرى﴾، ومنهم أبو
كبشة، ذكره الزهراوي واسمه عبد العزى، فلذلك خصت بالذكر، أي وهو رب هذا المعبود الذي لكم.
وعاد: هم قوم هود، واختلف في معنى وصفها بـ ﴿الأولى﴾، فقال ابن زيد والجمهور: ذلك لأنها
في وجه الدهر وقديمه، فهي أولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرة، وقال الطبري: سميت أولى، لأن ثم عاداً
أخيرة وهي قبيلة كانت بمكة مع العماليق وهم بنو لقيم بن هزال.
قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أبين، لأن هذا الأخير لم يصح. وقال المبرد عاداً الأخيرة هي
ثمود، والدليل قول زهير: [الطويل]
كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
ذكره الزهراوي، وقيل الأخيرة: الجبارون.
وقرأ ابن كثير وعاصم، وابن عامر وحمزة، والكسائي ((عاد الأولى)) منونة وبهمز. وقرأ نافع فيما روي
عنه: ((عادا الأولى)) بإزالة التنوين والهمز. وهذا كقراءة من قرأ ((أحد اللّه)) وكقول الشاعر [أبو الأسود
الدؤلي]: [المتقارب]
ولا ذاكر الله إلا قليلا
وقرأ قوم: ﴿عاداً الأولى﴾ والنطق بها ((عادن الأولى)). واجتمع سكون نون التنوين وسكون لام
التعريف فكسرت النون للالتقاء، ولا فرق بينهما وبين قراءة الجمهور ولا ترك الهمز. وقرأ نافع أيضاً وأبو
عمرو بالوصل والإدغام ((عاد الولى)) بإدغام النون في اللام ونقل حركة الهمزة إلى اللام. وعاب أبو عثمان
المازني والمبرد هذه القراءة، وقال: إن هذا النقل لا يخرج اللام عن حد السكون وحذف ألف الوصل أن
تبقى كما تقول العرب إذا نقلت الهمزة من قولهم الأحمر فإنهم يقولون الحمر جاء فكذلك يقال هاهنا ((عاداً
الولى))، قال أبو علي: والقراءة سائغة، وأيضاً فمن العرب من يقول: لحمر جاء فيحذف الألف مع النقل
ويعتد بحركة اللام ولا يراها في حكم السكون، وقرأ نافع فيما روي عنه ((عاداً الأولى)) بهمز الواو، ووجه ذلك
أنه لما لم يكن بين الواو والضمة حائل تخيل الضمة عليها فهمزها كما تهمز الواو المضمومة، وكذلك فعل
من قرأ: ((على سؤقه))، وكما قال الشاعر [جرير]: [الوافر]
لحَبّ المؤقدان إلي موسی
وهي لغة. وقرأ الجمهور: ((وثمودً)) بالنصب عطفاً على عاد. وقرأ عاصم وحمزة والحسن وعصمة
((وثمود)) بغير صرف، وهي في مصحف ابن مسعود بغير ألف بعد الدال. ٠ ١ }
:
٢٠٩
تفسیر سورة النجم / الآيات: ٥٢ - ٦٢
وقوله: ﴿فما أبقى﴾ ظاهره: ﴿فما أبقى﴾ عليهم، وتأول ذلك بعضهم ﴿فما أبقى﴾ منهم عيناً
تطرف، وقد قال ذلك الحجاج حين سمع قول من يقول إن ثقيفاً من ثمود فأنكر ذلك وقال: إن الله تعالى
قال: ﴿وثموداً فما أبقى﴾. وهؤلاء يقولون بقي منهم باقية.
قوله عز وجل :
وَقَوْمَ نُوجِ مِّن قَبْلٌ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (9) وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى (َ﴾
بَجَدَ: مَا مَا غشى
فقـ
فَبِأَيّ
٥٤
ءَالَآءِ رَبِّكَ نَتَمَارَى ◌ْ هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَىَّ ﴿ أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ ® ◌َلَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ
٥٨
أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ
٥٩
وَتَضْحَكُونَ وَلَا نَبْكُونَ ®
وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ
فَاسْجُدُ واْللَّهِ
٦٢
وَأَعْبُدُوا ها
نصب ﴿قوم نوح﴾ عطفاً على ((ثمود)) وقوله: ﴿من قبل﴾ لأنهم كانوا أول أمة كذبت من أهل
الأرض، و﴿نوح﴾ أول الرسل، وجعلهم ﴿أظلم وأطغى﴾: لأنهم سبقوا إلى التكذيب دون اقتداء بأحد
قبلهم، وأيضاً فإنهم كانوا في غاية من العتو، وكان عمر نوح قد طال في دعائهم، فكان الرجل يأتي إليه مع
ابنه فيقول: أحذرك من هذا الرجل فإنه كذاب، ولقد حذرني منه أبي وأخبرني أن جدي حذره منه، فمشت
على ذلك أخلافهم ألفاً إلا خمسين عاماً .
و﴿المؤتفكة﴾ قرية قوم لوط بإجماع من المفسرين، ومعنى ﴿المؤتفكة﴾: المنقلبة لأنها أفكت
فائتفكت ، ومنه الإفك، لأنه قلب الحق كذباً، وقرأ الحسن بن أبى الحسن: ((والمؤتفكات أهوى)) على
الجمع. و﴿أهوى﴾ معناه: طرحها من هواء عال إلى أسفل، هذا ما روي من أن جبريل عليه السلام
اقتلعها بجناحه حتى بلغ بها قرب السماء ثم حولها قلبها فهبط الجميع واتبعوا حجارة وهي التي غشاها الله
تعالی .
وقوله: ﴿فبأي آلاء ربك تتمارى﴾ مخاطبة للإنسان الكافر، كأنه قيل له: هذا هو الله الذي له هذه
الأفاعيل، وهو خالقك المنعم عليك بكل النعم، ففي أيها تشك. و: ﴿تتمارى﴾ معناه: تتشكك. وقرأ
يعقوب ((ربك تّمارى)) بتاء واحدة مشددة. وقال أبو مالك الغفاري إن قوله: ﴿ألا تزر﴾ [النجم: ٣٨] إلى
قوله: ﴿تتمارى﴾ هو في صحف إبراهيم وموسى.
وقوله: ﴿هذا نذير﴾ يحتمل أن يشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول قتادة وأبي جعفر
ومحمد بن كعب القرظي، ويحتمل أن يشير إلى القرآن، وهو تأويل قوم، وقال أبو مالك: الإشارة بهذا
النذير إلى ما سلف من الأخبار عن الأمم. و: ﴿نذير﴾ يحتمل أن يكون بناء اسم فاعل، ويحتمل أن يكون
مصدراً، ونذر جمع نذير. وقال ﴿الأولى﴾ بمعنى أنه في الرتبة والمنزلة والأوصاف من تلك المتقدمة،
والأشبه أن تكون الإشارة إلى محمد.
وقوله: ﴿أزفت﴾ معناه: قربت القريبة. و: ﴿الآزفة﴾ عبارة عن القيامة بإجماع من المفسرين.
:
٢١٠
تفسير سورة النجم / الآيات : ٥٢ -٦٢
وأزف معناه: قرب جداً، قال كعب بن زهير: [البسيط]
بان الشباب وأمسى الشيب قد أزفا ولا أرى لشباب ذاهب خلفا
وقوله: ﴿كاشفة﴾ يحتمل أن يكون صفة لمؤنث، التقدير: حالة ﴿كاشفة﴾، أو منة ﴿كاشفة﴾. قال
الرماني أو جماعة، ويحتمل أن يكون مصدراً كالعاقبة و﴿خائنة الأعين﴾ [غافر: ١٩]. ويحتمل أن يكون
بمعنى كاشف، والهاء للمبالغة، كما قال: ﴿فهل ترى لهم من باقية﴾ [الحاقة: ٨] وأما معنى ﴿كاشفة﴾
فقال الطبري والزجاج: هو من كشف السر، أي ليس من دون الله من يكشف وقتها ويعلمه. وقال الزهراوي
عن منذر بن سعيد: هو من كشف الضر ودفعه، أي ليس من يكشف خطبها وهولها.
وقرأ طلحة: ﴿ليس لها﴾ مما تدعون ﴿من دون الله كاشفة﴾ وهي على الظالمين سوءات الغاشية،
وهذا الحديث هو القرآن .
وقوله: ﴿أفمن﴾ توقيف وتوبيخ. وفي حرف أبيّ وابن مسعود: ((تعجبون)) ((تضحكون)) بغير واو
العطف، وفي قوله عز وجل: ﴿ولا تبكون﴾ حض على البكاء عند سماع القرآن. وروى سعد بن أبي
وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن هذا القرآن أنزل يخوف، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم
تبكوا فتباكوا)) ذكره الثعلبي، والسامد: اللاعب اللاهي، وبهذا فسر ابن عباس وغيره من المفسرين. وقال
الشاعر [هذيلة بنت بكر]: [مجزوء الكامل]
قيل قم فانظر إليهم ثم دع عنك السمود :. .. .
وسمد بلغة حمير غنى، وهو معنى كله قريب من بعض، وأسند الطبري عن أبي خالد الوالي قال:
خرج علينا عليّ ونحن قيام ننتظر الصلاة فقال: ما لي أراكم سامدين.
قال القاضي أبو محمد: يشبه أنه رآهم في أحاديث ونحوه مما يظن أنه غفلة ما. وقد قال إبراهيم كانوا
يكرهون أن ينتظروا خروج الإمام قياماً، وفي الحديث: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)).
ثم أمر تعالى بالسجود وعبادة الله تحذيراً وتخويفاً، وهاهنا سجدة في قول كثير من أهل العلم، منهم
عمر بن الخطاب رضي الله عنه وردت بها أحاديث صحاح، وليس يراها مالك رحمه الله، وقال زيد بن
وثاب إنه قرأ بها عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسجد.
:
٢١١
تفسير سورة القمر / الآيات: ١ - ٨
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
سُورَةُ القَّيْرُ
وهي مكية بإجماع إلا آية واحدة اختلف فيها، فقال جمهور الناس هي مكية، وقال قوم هي مما نزل
ببدر، وقيل بالمدينة وهي: ﴿سيهزم الجمع﴾ [القمر: ٤٥] الآية وسيأتي القول في ذلك.
قوله عز وجل :
أَقْتَّرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ ﴿ وَإِن يَرَوْاْءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْسِحْرٌ مُسْتَعِرٌ ﴿ وَكَذَّبُواْ
وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَآءَ هُذَّ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ®ٍ وَلَقَدْ جَآءَ هُم مِّنَ الْأَنْبَاءِ مَافِيهِ مُزْدَجُرُ
وَ فَتَوَلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ !
حِكْمَةٌ بَلِغَةٌ فَمَاتُغْنِ النَّذُرُ
٦
خُشَّعَا أَبْصَرُ هُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأنَّهُمْ جَاءٌ مُنَشِرٌ
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ اَلْكَفِرُونَ هَذَا
٧
يَوْمُ عَسِرٌجا
﴿اقتربت﴾ معناه: قربت إلا أنه أبلغ، كما أن اقتدر أبلغ من قدر. و: ﴿الساعة﴾ القيامة وأمرها
مجهول التحديد لم يعلم، إلا أنها قربت دون تحديد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بعثت أنا والساعة
كهاتين))، وأشار بالسبابة والوسطى. وقال أنس: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كادت الشمس
تغيب فقال: ((ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقي من هذا اليوم)).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم))، وهذا منه على جهة
الرجاء والظن لم يجزم به خبراً، فأناب الله به على أمله وأخر أمته أكثر من رجائه، وكل ما يروى عن عمر
الدنيا من التحديد فضعيف واهن.
وقوله: ﴿انشق القمر﴾ إخبار عما وقع في ذلك، وذكر الثعلبي أنه قيل إن المعنى ينشق القمر يوم
القيامة، وهذا ضعيف الأمة على خلافه، وذلك أن قريشاً سألت رسول الله آية فقيل مجملة، وهذا قول
الجمهور، وقيل بل عاينوا شق القمر، ذكره الثعلبي عن ابن عباس فأراهم الله انشقاق القمر، فرآه رسول الله
وجماعة من المسلمين والكفار، فقال رسول الله ((اشهدوا))، وممن قال من الصحابة رأيته: عبد الله بن
مسعود وجبير بن مطعم وأخبر به عبد الله بن عمر وأنس وابن عباس وحذيفة بن اليمان، وقال المشركون عند
ذلك: سحرنا محمد. وقال بعضهم: سحر القمر وقالت قريش استخبروا المسافرين القادمين عليكم، فما
٢١٢
تفسير سورة القمر / الآيات: ١ - ٨
ورد أحد إلا أخبر بانشقاقه وقال ابن مسعود: رأيته انشق فذهبت فرقة وراء جبل حراء، وقال ابن زيد: كان
يرى نصفه على قعيقعان والآخر على أبي قبيس. وقرأ حذيفة: ((اقتربت الساعة وقد انشق القمر))، وذكر
الثعلبي عنه أن قراءته: ((اقتربت الساعة انشق القمر» دون واو.
وقوله: ﴿وإن يروا﴾ جاء اللفظ مستقبلاً لينتظم ما مضى وما يأتي، فهو إخبار بأن حالهم هكذا،
واختلفت الناس في معنى: ﴿مستمر﴾ فقال الزجاج قيل معناه: دائم متماد. وقال قتادة ومجاهد والكسائي
والفراء معناه: مار ذاهب عن قريب يزول. وقال أبو العالية والضحاك معناه: مشدود من مرائير الحبل كأنه
سحر قد أمر، أي أحكم. ومنه قول الشاعر [لقيط بن زرارة]: [البسيط]
صدق العزيمة لا رتّاً ولا ضرعا
حتى استمرت على شزر مريرته
ثم أخبر تعالى بأنهم كذبوا واتبعوا شهواتهم وما يهوون من الأمور لا بدليل ولا بتثبت، ثم قال على
جهة الخبر الجزم، ﴿وكل أمر مستقر﴾ يقول: وكل شيء إلى غاية فالحق يستقر ظاهراً ثابتاً، والباطل
يستقر زاهقاً ذاهباً .
3.
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ((وكل مستقرٍ)) بجر ((مستقر))، يعني بذلك أشراطها. والجمهور على كسر
القاف من ((مستقر)) وقرأ نافع وابن نصاح بفتحها، قال أبو حاتم: لا وجه لفتح القاف.
و: ﴿الأنباء﴾ جمع نبأ، ويدخل في هذا جميع ما جاء به القرآن من المواعظ والقصص ومثلات
الأمم الكافرة، و: ﴿مزدجر﴾ معناه: موضع زجر وانتهاء، وأصله: مزتجر، قلبت التاء دالاً ليناسب مخرجها
مخرج الزاي، وكذلك تبدل تاء افتعل من كل فعل أوله زاي کازدلف وازداد ونحوه.
وقوله: ﴿حكمة﴾ مرتفع إما على البدل من ﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما فيه﴾، وإما على خبر ابتداء تقديره:
هذه حكمة و: ﴿بالغة﴾ معناه: يبلغ المقصد بها من وعظ النفوس والبيان لمن له عقل. وقوله: ﴿فما تغني
النذر﴾، يحتمل أن تكون ﴿ما) نافية، أي ليس تغني مع عتو هؤلاء الناس، ويحتمل أن تكون ﴿ما﴾
استفهاماً بمعنى التقرير، أي فما غناء النذر مع هؤلاء الكفرة، ثم سلى نبيه بقوله: ﴿فتول عنهم﴾ أي لا
تذهب نفسك عليهم حسرات، وتم القول في قوله: ﴿عنهم﴾ ثم ابتدأ وعيدهم، والعامل في ﴿يوم) قوله:
﴿يخرجون﴾، و: ﴿خشعاً﴾ حال من الضمير في ﴿يخرجون﴾ وتصرف الفعل يقتضي تقدم الحال، قال
المهدوي: ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿عنهم﴾. قال الرماني المعنى: ﴿فتول عنهم﴾ واذكر
﴿يوم﴾. وقال الحسن المعنى: ﴿فتول عنهم) إلى ﴿يوم﴾، وانحذفت الواو من ﴿يدع﴾ لأن كتبة
المصحف اتبعوا اللفظ لا ما يقتضيه الهجاء، وأما حذف الياء من: ﴿الداع﴾ ونحوه، فقال سيبويه: حذفوه
تخفيفاً. وقال أبو علي: حذفت مع الألف واللام إذ هي تحذف مع معاقبهما وهو التنوين.
وقرأ جمهور الناس: ((نكُر)) بضم الكاف. وقرأ ابن كثير وشبل والحسن: ((نكِر)) بكسر الكاف، وقرأ مجاهد
والجحدري وأبو قلابة: ((نُكِرَ)) بكسر الكاف وفتح الراء على أنه فعل مبني للمفعول، والمعنى في ذلك كله
٢١٣
تفسير سورة القمر / الآيات : ٩ - ١٧
أنه منكور غير معروف ولا مرئي مثله. قال الخليل: النكر: نعت للأمر الشديد والرجل الداهية. وقال
مالك بن عوف النصري : [الرجز]
أقدم محاج إنه يوم نكر مثلي على مثلك يحمى ويكر
ونكر فعل وهو صفة، وذلك قليل في الصفات، ومنه مشية سجح وقال الشاعر [حسان بن ثابت
الأنصاري]: [البسيط]
إن الرجال ذوو عصب وتذكير
دعوا التخاجؤ وامشوا مشية سجحاً
ومنه رجل شلل وناقة أجد.
وقرأ جمهور القراء: ((خشعاً)) وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة والحسن وقتادة. وقرأ أبو عمرو
وحمزة والكسائي: ((خاشعاً))، وهي قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري، وهو إفراد بمعنى
الجمع، ونظيره قول الشاعر [الحارث بن أوس الإيادي]: [الرمل]
وشباب حسن أوجههم
من إياد بن نزاربن معد
ورجح أبو حاتم هذه القراءة وذكر أن رجلاً من المتطوعة قال قبل أن يستشهد: رأيت النبي صلى الله
عليه وسلم في النوم فسألته عن ((خشعاً وخاشعاً)) فقال: ((خاشعاً)) بالألف، وفي مصحف أبيّ بن كعب
وعبد الله: ((خاشعة)).
وخص الأبصار بالخشوع لأنه فيها أظهر منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من
حياء أو صلف أو خوف ونحوه إنما يظهر في البصر. و: ﴿الأحداث﴾ جمع حدث وهو القبر، وشبههم
بالجراد المنتشر، وقد شبههم في أخرى بـ ﴿الفراش المبثوث﴾ [القارعة: ٤]، وفيهم من كل هذا شبه،
وذهب بعض المفسرين إلى أنهم أولاً كالفراش حين يموجون بعض في بعض ثم في رتبة أخرى كالجراد إذا
توجهوا نحو المحشر والداعي، وفي الحديث: إن مريم بنت عمران دعت للجراد فقالت: اللهم اعشها بغير
رضاع وتابع بينها بغير شباع.
والمهطع: المسرع في مشيه نحو الشيء مع هز ورهق ومد بصر نحو المقصد، إما لخوف أو طمع أو
نحوه، و﴿يقول الكافرون هذا يوم عسر﴾ لما يرون من مخايل هوله وعلامات مشقته.
قوله عز وجل :
١٠
! فَدَعَا رَبَّهُ, أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنتَصِرْ
٩
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَآَزْدُجِرَ
وَحملته
فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآءِبِمَاءٍ مُّنْهَمٍِ ﴿ وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْنَقَى الْمَآءُ عَلَى أَمْرِقَدْقُدِرَ
عَلَى ذَاتِ أَلَّوَِعٍ وَدُسُرِ ﴿٣َ تَجْرِى بِأَعْيُذِنَا جَزَآءَ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴿ وَلَقَد تَرَّكْتَهَاَءَايَةٌ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ
١٥
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرٍ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكِرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ
سوق هذه القصة وعيد لقريش وضرب مثل لهم، وقوله: ﴿وازدجر﴾ إخبار من الله أنهم زجروا نوحاً
أ
أ
٢١٤
تفسير سورة القمر / الآيات : ٩ - ١٧
بالسب والنجه والتخويف، قاله ابن زيد وقرأ: ﴿لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين﴾
[الشعراء: ١١٦]، وذهب مجاهد إلى أن ﴿وازدجر﴾ من كلام ﴿قوم نوح﴾، كأنهم قالوا ﴿مجنون
وازدجر﴾، والمعنى: استطير جنوناً واستعر جنوناً، وهذا قول فيه تعسف وتحكم.
وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم والأعرج والحسن ((أني)) بفتح الألف، أي ((بأنه)) كأن دعاءه كان هذا
المعنى. وقرأ عاصم أيضاً وابن أبي إسحاق وعيسى ((إني)) بكسر الألف كأن دعاءه كان هذا اللفظ، قال
سيبويه: المعنى قال إني .
وذهب جمهور المفسرين إلى أن المعنى أني قد غلبني الكفار بتكذيبهم وتخويفهم، انتصر لي منهم
بأن تهلكهم، ويحتمل أن يريد: فانتصر لنفسك إذ كذبوا رسولك. ويؤيده قول ابن عباس إن المراد بقوله:
لمن كان كفر الله تعالى، فوقعت الإجابة على نحو ما دعا نوح عليه السلام، وذهبت المتصوفة إلى أن
المعنى: إني قد غلبتني نفسي في إفراطي في الدعاء على قومي فانتصر مني يا رب بمعاقبة إن شئت.
والقول الأول هو الحق إن شاء الله يدل على ذلك اتصال قوله: ﴿ففتحنا﴾ الآية، وذلك هو الانتصار من
الكفار.
وقرأ جمهور القراء: ((ففتحنا)) بتخفيف التاء. وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج: ((ففتّحنا)) بشدها
على المبالغة ورجحها أبو حاتم لقوله تعالى: ﴿مفتحة لهم الأبواب﴾ [ص: ٥٠]، قال النقاش: يعني
بالأبواب المجرة وهي شرج السماء كشرج العبية، وقال قوم من أهل التأويل: الأبواب حقيقة فتحت في
السماء أبواب جرى منها الماء. وقال جمهور المفسرين: بل هو مجاز وتشبيه، لأن المطر كثر كأنه من
أبواب. والمنهمر الشديد الوقوع الغزير. قال امرؤ القيس: [الرمل]
فيه شؤبوب جنوب منهمر
راح تمريه الصبا ثم انتحى
وقرأ الجمهور: ((وفجّرنا)) بشد الجيم. وقرأ ابن مسعود وأصحابه وأبو حيوة عن عاصم: ((وفجّرنا))
بتخفيفها. وقرأ الجمهور: ((فالتقى الماء)» على اسم الجنس الذي يعم ماء السماء وماء العيون. وقرأ الحسن
وعلي بن أبي طالب وعاصم الجحدري. ((فالتقى الماءان)) ويروى عن الحسن: ((فالتقى الماوان)).
وقوله: ﴿على أمر قد قدر﴾ قال فيه الجمهور على رتبة وحالة قد قدرت في الأزل وقضيت. وقال
جمهور من المتأولين المعنى: على مقادير قد قدرت ورتبت وقت التقائه، ورووا أن ماء الأرض علا سبعة
عشر ذراعاً وكان ماء السماء ينزل عليه بقية أربعين ذراعاً أو نحو هذا لأنه مما اختلفت فيه الروايات ولا خبر
يقطع العذر في شيء من هذا التحرير. وقرأ أبو حيوة: ((قدّر)) بشد الدال. وذات الألواح والدسر: هي
السفينة قيل كانت ألواحها وخشبها من ساج، والدسر: المسامير، واحدها: دسار، وهذا هو قول الجمهور،
وهو عندي من الدفع المتتابع، لأن المسمار يدفع أبداً حتى يستوي. وقال الحسن وابن عباس أيضاً:
الدسر: مقادم السفينة، لأنها تدسر الماء أي تدفعه. والدسر: الدفع. وقال مجاهد وغيره: نطق السفينة.
وقال أيضاً: هو أرض السفينة. وقال أيضاً: أضلاع السفينة، وقد تقدم القول في شرح قصة السفينة
مستوعباً، وجمهور الناس على أنها كانت على هيئة السفن اليوم كجؤجؤ الطائر، وورد في بعض الكتب أنها
٠
٢١٥
تفسير سورة القمر / الآيات: ٩ - ١٧
كانت مربعة، طويلة في السماء، واسعة السفل، ضيقة العلو، وكان أعلاها مفتوحاً للهواء والتنفس، قال:
لأن الغرض منها إنما كانت السلامة حتى ينزل الماء، ولم يكن طلب الجري وقصد المواضع المعينة، ومع
هذه الهيئة فلها مجرى ومرسى، والله أعلم كيف كانت، والكل محتمل.
وقوله: ﴿بأعيننا﴾ قال الجمهور معناه: بحفظنا وحفايتنا وتحت نظرنا لأهلها، فسمى هذه الأشياء
أعيناً تشبيهاً، إذ الحافظ المتحفي من البشر إنما يكون ذلك الأمر نصب عينه، وقيل المراد من حفظها من
الملائكة سماهم عيوناً، وقال الرماني وقيل إن قوله: ﴿بأعيننا﴾ يريد العيون المفجرة من الأرض.
قال القاضى أبو محمد: وهذا ضعيف.
وقرأ أبو السمال: ((بأعينا)) مدغمة. وقرأ جمهور الناس: ((كُفِر)) بضم الكاف وكسر الفاء، واختلفوا في
المعنى فقال ابن عباس ومجاهد: ((من))، يراد بها الله تعالى كأنه قال: غضباً وانتصاراً لله، أي انتصر لنفسه
فأنجى المؤمنين وأغرق الكافرين. وقال مكي وقيل ((من))، يراد بها نوح والمؤمنين، لأنهم كفروا من حيث
كفر بهم فجازاهم الله بالنجاة. وقرأ يزيد بن رومان وعيسى وقتادة: ((كَفَر)) بفتح الكاف والفاء، والضمير
في: ﴿تركناها﴾ قال مكي بن أبي طالب هو عائد على هذه الفعلة والقصة. وقال قتادة والنقاش وغيره: هو
عائد على هذه السفينة، قالوا وإن الله تعالى أرسلها على الجودي حين تطاولت الجبال وتواضع وهو جبيل
بالجزيرة بموضع يقال له باقردى، وأبقى خشبها هنالك حتى رأت بعضه أوائل هذه الأمة. وقال قتادة: وكم
من سفينة كانت بعدها صارت رصودا و: ﴿مدكر﴾ أصله: مذتكر، أبدلوا من التاء ذالاً ليناسب الدال في
النطق، ثم أدغموا الدال في الدال، وهي قراءة الناس، قال أبو حاتم: رويت عن النبي صلى الله عليه
وسلم بإسناد صحيح وقرأ قتادة: ((مذكر)) بالذال على إدغام الثاني في الأول، قال أبو حاتم: وذلك رديء
ويلزمه أن يقرأ واذكر بعد أمة وتذخرون في بيوتكم.
وقوله تعالى: ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ توقيف لقريش وتوبيخ، والنذر: هنا جمع نذير، المصدر
بمعنى كان عاقبة إنذاري لمن لم يجعل به كأنتم أيها القوم. و: ﴿يسرنا القرآن﴾ معناه: سهلناه وقربناه
و ((الذكر)): الحفظ عن ظهر قلب، قال ابن جبير: لم يستظهر من كتب الله سوى القرآن.
قال القاضي أبو محمد: يسر بما فيه من حسن النظم وشرف المعاني فله لوطة بالقلوب، وامتزاج
بالعقول السليمة .
وقوله: ﴿فهل من مذكر﴾ استدعاء وحض على ذكره وحفظه لتكون زواجره وعلومه وهداياته حاضرة
في النفس. قال مطرف في قوله تعالى: ﴿فهل من مدكر﴾ هل من طالب علم فيعان عليه.
قال القاضي أبو محمد: الآية تعدید نعمة في أن الله یسر الهدی ولا بخل من قبله، فلله در من قبل
وهدى. وقد تقدم تعليل: ﴿مدكر﴾.
قوله عز وجل :
®َ تَزِعُ
إِنَّا أَزْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيِحَا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَخْسِ مُسْتَمٍِ
كَذَّبَتْ عَادُ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ هـ
٢١٦
٠٠
تفسير سورة القمر / الآيات: ١٨ - ٢٦
النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ مُنْقَعِ ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ
﴿ كَذَّبَتْ تَمُودُ بِالنُّدُرِ ﴿ فَقَالُواْ أَشَرًا مِنَّا وَحِدًا تََّّعُهُ إِنَّ إِذَا لَّفِى ضَلَلٍ وَسُعُرٍ (٦) أَ لْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ
مِنْ بَيْنِنَابَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ جَسَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ◌ّ
﴿عاد﴾ قبيلة وقد تقدم قصصها. وقوله تعالى: ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾، ((كيف)) نصب إما على
خبر ﴿كان﴾ وإما على الحال. و: ﴿كان﴾ بمعنى وجد ووقع في هذا الوجه. ﴿ونذر﴾ جمع نذير وهو
المصدر. وقرأ ورش وحده: ((ونذري)) بالياء، وقرأ الباقون ((ونذر)) بغير ياء على خط المصحف.
و: ((الصرصر)) قال ابن عباس وقتادة معناه الباردة وهو الصر. وقال جماعة من المفسرين معناه: المصوتة
نحو هذين الحرفين مأخوذ من صوت الريح إذا هبت دفعاً، كأنها تنطق بهذين الحرفين، الصاد والراء،
وضوعف الفعل كما قالوا: كبكب وكفكف من كب وكب، وهذا كثير، ولم يختلف القراء في سكون الحاء
من ((نحْس)) وإضافة اليوم إليه إلا ما روي عن الحسن أنه قرأ: ((في يومٍ )) بالتنوين و: ((نحس)) بكسر الحاء.
و﴿مستمر﴾ معناه: متتابع، قال قتادة: استمر بهم ذلك النحس حتى بلغهم جهنم. قال الضحاك في
كتاب الثعلبي المعنى كان مراً عليهم، وذكره النقاش عن الحسن، وروي أن ذلك اليوم الذي كان لهم فيه
﴿نحس مستمر﴾ كان يوم أربعاء، وورد في بعض الأحاديث في تفسير هذه الآية: ﴿يوم نحس مستمر﴾:
يوم الأربعاء، قتأول في ذلك بعض الناس أنه يصحب في الزمن كله، وهذا عندي ضعيف وإن كان
الدولابي أبو بشر قد ذكر حديثاً رواه أبو جعفر المنصور عن أبيه محمد عن أبيه علي عن أبيه عبد الله بن
عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر))، ويوجد نحو هذا
في كلام الفرس والأعاجم، وقد وجد ذكر الأربعاء التي لا تدور في شعر لبعض الخراسانيين المولدین،
وذكر الثعلبي عن زربن حبيش في تفسير هذا اليوم لعاد أنه كل يوم أربعاء لا تدور، وذكره النقاش عن
جعفر بن محمد وقال: كان القمر منحوساً بزحل وهذه نزعة سوء عياذاً بالله أن تصح عن جعفر بن محمد.
وقوله: ﴿تنزع الناس﴾ معناه: تنقلهم من مواضعهم نزعاً فتطرحهم. وروي عن مجاهد: أنها كانت
تلقي الرجل على رأسه فيتفتت رأسه وعنقه وما يلي ذلك من بدنه فلذلك حسن التشبيه بـ ((أعجاز)) النخل
وذلك أن المنقعر هو الذي ينقلب من قعره. فذلك التشعث والشعب التي لأعجاز النخل، كان يشبهها ما
تقطع وتشعث من شخص الإنسان، وقال قوم: إنما شبههم بـ ((أعجاز النخل)) لأنهم كانوا يحفرون حفراً
ليمتنعوا فيها من الريح، فكأنه شبه تلك الحفر بعد النزع بحفر أعجاز النخل، والنخل يذكّر ويؤنث فلذلك
قال هنا: ﴿منقعر﴾ وفي غير هذه السورة: ﴿خاوية﴾ [الحاقة: ٧] والكاف في قوله: ﴿كأنهم أعجاز﴾ في
موضع الحال، قاله الزجاج، وما روي من خبر الخلجان وغيره وقوتهم ضعيف كله، وفائدة تكرار قوله:
﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ التخويف وهز الأنفس قال الرماني: لما كان الإنذار أنواعاً، كرر التذكير
والتنبيه، وفائدة تكرار قوله: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ التأكيد والتحريض وتنبيه الأنفس.
وهذا موجود في تكرار الكلام، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا هل بلغت، ألا هل بلغت)). ومثل
٠
٢١٧
تفسير سورة القمر / الآيات: ١٨ - ٢٦
قوله: ((ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول الزور)). وكان صلى الله عليه وسلم إذا سلم على قوم سلم
عليهم ثلاثاً، فهذا كله نحو واحد وإن تنوع، و: ﴿ثمود﴾ قبيلة صالح عليه السلام وهم أهل الحجر.
وقرأ الجمهور: ((أبشراً منا واحدً)) ونصب قوله ((بشراً)) بإضمار ((فهل)) يدل عليه قوله: ﴿نتبعه﴾،
و: ((واحداً)) نعت لـ ((بشر)). وقرأ أبو السمال: ((أبشرٌ منا واحداً نتبعه)) ورفعه إما على إضمار فعل مبني
للمفعول، التقدير: أينبأ بشر، وإما على الابتداء والخبر في قوله ﴿نتبعه﴾ و: ((واحداً)) على هذه القراءة إما
من الضمير في: ﴿نتبعه﴾ وإما عن المقدر مع: ﴿منا﴾ كأنه يقول: أبشر كائن منا واحداً، وفي هذا نظر.
وحكى أبو عمر والداني قراءة أبي السمال: ((أبشر منا واحد)) بالرفع فيهما.
وهذه المقالة من ثمود حسد منهم واستبعاد منهم أن يكون نوع المبشر يفضل بعضه بعضاً هذا الفضل
فقالوا: أنكون جمعاً ونتبع واحداً، ولم يعلموا أن الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء، ويفيض نور الهدى من
رضیه .
وقوله: ﴿في ضلال﴾ معناه: في أمر متلف مهلك بالإتلاف، ﴿وسعر﴾ معناه: في احتراق أنفس
واستعارها حنقاً وهماً باتباعه، وقيل في السعر: العناء، وقاله قتادة. وقيل الجنون، ومنه قولهم ناقة بمعنى
مسعورة، إذا كانت تفرط في سيرها، ثم زادوا في التوقي بقولهم: ﴿أألقي الذكر عليه من بيننا﴾، و ﴿ألقي﴾
بمعنى أنزل، وكأنه يتضمن عجلة في الفعل، والعرب تستعمل هذا الفعل، ومنه قوله تعالى: ﴿وألقيت
عليك محبة مني﴾ [طه: ٣٩] ومنه قوله: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ [المزمل: ٥]، و﴿الذكر﴾ هنا:
الرسالة وما يمكن أن جاءهم به من الحكمة والموعظة، ثم قالوا: ﴿بل هو كذاب أشر﴾ أي ليس الأمر كما
يزعم، والأشر: البطر والمرح، فكأنهم رموه بأنه ﴿أُشر﴾، فأراد العلو عليهم وأن يقتادهم ويتملك طاعتهم
فقال الله تعالى لصالح: ﴿سيعلمون غداً﴾ وهذه بالياء من تحت قراءة علي بن أبي طالب وجمهور الناس.
وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم وابن وثاب وطلحة والأعمش ((ستعلمون)) بالتاء على معنى قل لهم
یا صالح .
وقوله: ﴿غداً﴾ تقريب يريد به الزمان المستقبل، لا يوماً بعينه، ونحو المثل: مع اليوم غد.
وقرأ جمهور الناس: ((الأشِر)) بكسر السين كحذر بكسر الذال. وقرأ مجاهد فيما ذكر عنه الكسائي:
(الأشْر)) بضم الشين كحذُر بضم الذال، وهما بناءان من اسم الفاعل. وقرأ أبو حيوة: ((الأشَر)) بفتح الشين،
كأنه وصف بالمصدر. وقرأ أبو قلابة: ((الأشَرّ)) بفتح الشين وشد الراء، وهو الأفعل، ولا يستعمل بالألف
واللام وهو كان الأصل لكنه رفض تخفيفاً وكثرة استعمال.
قوله عز وجل :
٢٧
٢٨
٢) وَنَبِتْهُمْ أَنَّالْمَآءَ قِسْمَةٌ بَهُمْ كُلُ شِرْبٍ تُخْتَضَرٌ
إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَأَصْطَبْ
إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَحِدَةٌ فَكَانُواْ
٣٠
فَكَيْفَكَانَعَذَابِ وَنُذُرِ
٢٩
فَنَادَوَأْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (
:
٢١٨
تفسير سورة القمر / الآيات :- ٢٧ - ٣٥
كَهَشِيرِ الْمُخْتَظِ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِّرِ ﴿٣َ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ﴿٣) إِنَّآَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ تَّخَيْنَهُمْ بِسَحَرِ (٦َ نَّعْمَةٌ مِّنْ عِندِنَاْ كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ
هذه ﴿الناقة﴾ التي اقترحوها أن تخرج لهم من صخرة صماء من الجبل، وقد تقدم قصصها، فأخبر
الله تعالى صالحاً على جهة التأنيس أنه يخرج لهم الناقة ابتلاء واختباراً، ثم أمره بارتقاب الفرج وبالصبر.
﴿واصطبر﴾ أصله: أصتبر. افتعل، أبدلت التاء طاء لتناسب الصاد. ثم أمره بأن يتخبر ثمود ﴿أن الماء
قسمة بينهم﴾ و﴿الماء): هو ماء البئر التي كانت لهم، واختلف المتأولون في معنى هذه القسمة، فقال
جمهور منهم ﴿قسمة بينهم﴾: يتواسونه في اليوم الذي لا ترده الناقة وذلك فيما روي أن الناقة كانت ترد
البثرغباً، وتحتاج جميع مائه يومها، فنهاهم الله عن أن يستأثر أهل اليوم الذي لا ترد الناقة فيه بيومهم،
وأمرهم بالتواسي مع الذين ترد الناقة في يومهم. وقال آخرون معناه: الماء بين جميعهم وبين الناقة قسمة.
و: ﴿محتضر﴾ معناه: محضور مشهود متواسىٍّ فيه، وقال مجاهد المعنى: ﴿كل شرب﴾ أي من الماء يوماً
ومن لبن الناقة يوماً ﴿محتضر﴾ لهم، فكأنه أنبأهم الله عليهم في ذلك. و: ﴿صاحبهم﴾ هو قدار بن
سالف، وبسببه سمي الجزار القدار لشبه في الفعل، قال الشاعر [عدي بن ربيعة]: [الكامل]
ضرب القدار نقيعة القدام
إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم
وقد تقدم شرح أمر قدار بن سالف. و: ((تعاطى)) مطاوع عاطى، فكأن هذه الفعلة تدافعها الناس
وأعطاها بعضهم بعضاً، فتعاطاها هو وتناول العقر بيده، قاله ابن عباس، ويقال للرجل الذي يدخل نفسه
في تحمل الأمور الثقال متعاط على الوجه الذي ذكرناه، والأصل عطا يعطو، إذا تناول، ثم يقال: عاطى،
وهو كما تقول: جرى وجارى وتجارى وهذا كثير، ويروى أنه كان مع شرب وهم التسعة الرهط، فاحتاجوا
ماء فلم يجدوه بسبب ورد الناقة، فحمله أصحابه على عقرها. ويروى أن ملأ القبيل اجتمع على أن
یعقرها، ورویت أسباب غير هذين، وقد تقدم ذلك.
والصيحة: يروى أن جبريل عليه السلام صاحها في طرف من منازلهم فتفتتوا وهمدوا ﴿فكانوا
كهشيم المحتظر﴾. والهشيم: ما تفتت وتهشم من الأشياء.
وقرأ جمهور الناس: ((كهشيم المحتظِر)) بكسر الظاء، ومعناه: الذي يصنع حظيرة من الرعاء ونحوهم
قاله أبو إسحاق السبيعي والضحاك وابن زيد، وهي مأخوذة من الحظر وهو المنع، والعرب وأهل البوادي
يصنعونها للمواشي وللسكنى أيضاً من الأغصان والشجر المورق والقصب ونحوه، وهذا كله هشيم يتفتت
إما في أول الصنعة، وإما عند بلى الحظيرة وتساقط أجزائها. وحكى الطبري عن ابن عباس وقتادة أن
((المحتظِر)) معناه: المحترق. قال قتادة: كهشيم محرق. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء: ((المحتظَر))
بفتح الظاء، ومعناه: الموضع الذي احتظر، فهو مفعل من الحظر، أو الشيء الذي احتظر په. وقد روي
عن سعيد بن جبير أنه فسر: ﴿كهشيم المحتظر﴾ بأن قال: هو التراب الذي سقط من الحائط البالي، وهذا
متوجه، لأن الحائط حظيرة، والساقط هشيم. وقال أيضاً هو وغيره: ﴿المحتظر﴾، معناه: المحرق بالنار،
٢١٩
تفسير سورة القمر / الآيات: ٣٦ - ٤٤
كأنه ما في الموضع المحتظر بالنار، وما ذكرناه عن ابن عباس وقتادة هو على قراءة كسر الظاء، وفي هذا
التأويل بعض البعد. وقال قوم: ((المحتظَر)) بالفتح الهشيم نفسه وهو مفتعل، وهو كمسجد الجامع وشبهه.
۔ ---
وقد تقدم قصص قوم لوط. والحاصب: السحاب الرامي بالبرد وغيره، وشبه تلك الحجارة التي رمى
بها قوم لوط به بالكثرة والتوالي، وهو مأخوذ من الحصباء ، كان السحاب يحصب مقصده، ومنه قول
الفرزدق: [البسيط]
مستقبلين شمال الشام تخصبهم
بحاصب كنديف القطن منثور
وقال ابن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأهل المدينة: مصروف، لأنه نكرة لم يرد به يوم
بعينه. وقوله: ﴿نعمة﴾ نصب على المصدر، أي فعلنا ذلك إنعاماً على القوم الذين نجيناهم، وهذا هو
جزاؤنا لمن شكر نعمنا وآمن وأطاع .
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِالنَّذُرِ ﴿ وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُمَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِی
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ
٣٩
وَنُذُرِ جَا وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بَكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌ ﴿ فَذُوقُواْعَذَابِ وَنَذُرِ
﴿ كَذَّبُواْبِشَايَقِنَاكِهَا فَأَخَذْنَهُ أَخْذَعَزِزٍمُّقْنَدٍِ
) وَلَقَدْجَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ
٤٠
لِلذَّكْرِفَهَلْ مِنْ مُتَّكِرٍ
٤٤
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مَنْنَصِرٌ
٤٣
﴿ أَكُفَارُ كُمْ خَرٌ مِنْ أُوْلَبِكُمْأَوْ لَكُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبُ
المعنى: ولقد أنذر لوط قومه أخذنا إياهم، و: ﴿بطشتنا﴾ بهم، أي عذابنا لهم. و: ﴿تماروا﴾
معناه: تشككوا وأهدى بعضهم الشك إلى بعض بتعاطيهم الشبه والضلال. و: ﴿النذر﴾ جمع نذير. وهو
المصدر، ويحتمل أن يراد ﴿بالنذر﴾ هنا وفي قوله: ﴿كذبت قوم لوط بالنذر﴾ [القمر: ٣٣] جمع نذير،
الذي هو اسم الفاعل والضيف: يقع الواحد والجميع، وقد تقدم ذكر أضيافه وقصصهم مستوعباً .
وقوله: ﴿فطمسنا أعينهم﴾ قال قتادة: هي حقيقة، جر جبريل شيئاً من جناحه على أعينهم فاستوت
مع وجوههم. قال أبو عبيدة: مطموسة بجلد كالوجه. وقال ابن عباس والضحاك: هي استعارة وإنما حجب
إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئاً، فجعل ذلك كالطمس.
وقوله تعالى: ﴿بكرة﴾ قيل: كان ذلك عند طلوع الفجر، وأدغم ابن محيصن الدال في الصاد من
قوله: ﴿ولقد صبحهم﴾ والجمهور على غير الإدغام. ﴿بكرة) نكرة، فلذلك صرفت. وقوله: ﴿فذوقوا
عذابي﴾ يحتمل أن يكون من قول الله تعالى لهم، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة، ﴿ونذر﴾ جمع
المصدر، أي وعاقبة نذري التي كذبتم بها، وقوله: ﴿مستقر﴾ في صفة العذاب، لأنه لم يكشف عنهم
كاشف، بل اتصل ذلك بموتهم، وهم مدة موتهم تحت الأرض معذبون بانتظار جهنم، ثم يتصل ذلك
بعذاب النار، فهو أمر متصل مستقر، وكرر ﴿فذوقوا عذابي ونذر﴾ تأكيداً وتوبیخاً، وروی ورش عن
نافع: «نذري)» بياء .
۔۔۔
٢٢٠
تفسير سورة القمر / الآيات: ٤٥ - ٥٥
و﴿آل فرعون﴾: قومه وأتباعه ومنه قول الشاعر [أراكة الثقفي]: [الطويل]
فلا تبك ميتاً بعد ميت أجنه
علي وعباس وآل أبي بكر
يريد: المسلمين في مواراة النبي عليه السلام، ويحتمل أن يريد بـ ﴿آل فرعون﴾: قرابته على عرف
الآن، وخصصهم بالذكر، لأنهم عمدة القوم وكبراؤهم.
وقوله: ﴿كذبوا بآياتنا﴾ يحتمل أن يريد ﴿آل فرعون﴾ المذكورين. و: ﴿أخذناهم﴾ كذلك يريدهم
بالضمير، لأن ذلك الإغراق الذي كان في البحر، كان بالعزة والقدرة، ويكون قوله: ﴿بآياتنا﴾ يريد بها:
التسع، ثم أكد بكلها، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ولقد جاء آل فرعون النذر﴾ كلاماً تاماً، ثم يكون قوله:
﴿كذبوا بآياتنا كلها﴾ يعود الضمير في ﴿كلها﴾ على جميع من ذكر من الأمم المذكورة.
وقوله تعالى: ﴿أكفاركم) الآية خطاب لقريش، وفهم على جهة التوبيخ. أثم خصلة من المال أو
قوة أبدان وبسطة أو عقول أو غير ذلك ممنا يقتضي أنكم خير من هؤلاء المعذبين لما كذبوا، فيرجى لكم
بذلك الفضل النجاء من العذاب حين كذبتم رسولكم؟ ﴿أم لكم﴾ في كتب الله المنزلة ﴿براءة﴾ من
العذاب؟ قاله الضحاك وابن زيد وعكرمة، ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿أم يقولون﴾ نحن
واثقون بجماعتنا منتصرون بقوتنا على جهة الإعجاب والتعاطي؟ سيهزمون، فلا ينفع جمعهم. وقرأ أبو
حيوة ((أم تقولون)) بالتاء من فوق.
قوله عز وجل :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُولُونَ الذُّبْرَ
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُ
٤٥
ضَلَالٍ وَسُعٍُ (٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّاكُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ ﴾
وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ
٥٠
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ !
٥١
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرُّ هَا إِنَّالْمُنَّقِينَ فِي جَنَّتٍ وَهَرٍ أَ!
٥٢
وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ لـ
٥٤
فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَمَلِيٍمُقْنَدِرٍ
٥٥
هذه عدة من الله تعالى لرسوله أن جمع قريش سيهزم نصرة له، والجمهور على أن الآية مكية،
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: كنت أقول في نفسي أي جمع یهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يثبت في الدرع ويقول ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾.
قال القاضي أبو محمد: فإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر مستشهداً بالايه. وقال
قوم: إن الآية نزلت يوم بدر.
وقال أبو حاتم: وقرأ بعض القراء: ((سيهزِم)) بفتح الياء وكسر الزاي ((الجمعَ)) نصباً، قال أبو عمرو
الداني قرأ أبو حيوة: ((سنهزم)) بالنون وكسر الزاي ((الجمعَ)) نصباً. ((وتولون)) بالتاء من فوق، ثم تركت هذه