Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ تفسير سورة ق / الآيات: ١٦ - ٢١ القيامة: ﴿إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ [الإسراء: ١٤] عدل والله عليه من جعله حسيب نفسه. والرقيب: المراقب. والعتيد: الحاضر وقوله: ﴿وجاءت﴾ عطف عندي على قوله: ﴿إذ يتلقى﴾ فالتقدير: وإذ تجيء سكرة الموت، وجعل الماضي في موضع المستقبل تحقيقاً وتثبيتاً للأمر، وهذا أحث على الاستعداد واستشعار القرب، وهذه طريقة العرب في ذلك، ويبين هذا في قوله: ﴿ونفخ في الصور﴾ ﴿وجاءت كل نفس﴾ فإنها ضرورة بمعنى الاستقبال. وقرأ أبو عمرو: ﴿وجاءت سكرة﴾ بإدغام التاء في السين. و﴿سكرة الموت﴾: ما يعتري الإنسان عند نزاعه والناس فيها مختلفة أحوالهم، لكن لكل واحد سكرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزاعه يقول: ((إن للموت لسكرات)). وقوله: ﴿بالحق﴾ معناه: بلقاء الله وفقد الحياة الدنيا. وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ((وجاءت سكرة الحق بالموت)). وقرأها ابن جبير وطلحة، ويروى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قالها كذلك لابنته عائشة وذلك أنها قعدت عند رأسه وهو ينازع فقالت: [الطويل] لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر ففتح أبو بكر رضي الله عنه عينه فقال: لا تقولي هكذا، وقولي: ((وجاءت سكرة الحق بالموت» ﴿ذلك ما كنت منه تحيد﴾. وقد روي هذا الحديث على مشهور القراءة ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق) فقال أبو الفتح: إن شئت علقت الباء بـ ﴿جاءت﴾، كما تقول: جئت بزيد، وإن شئت كانت بتقدير: ومعها الموت . واختلف المتأولون في معنى: ((وجاءت سكرة الحق بالموت)) فقال الطبري وحكاه الثعلبي: ((الحق)) الله تعالى ، وفي إضافة السكرة إلى اسم الله تعالى بعد وإن كان ذلك سائغاً من حيث هي خلق له، ولكن فصاحة القرآن ورصفه لا يأتي فيه هذا. وقال بعض المتأولين المعنى: وجاءت سكرة فراق الحياة بالموت وفراق الحياة حق يعرفه الإنسان ويحيد منه بأمله. ومعنى هذا الحيد: أنه يقول: أعيش كذا وكذا، فمتى فكر في قرب الموت حاد بذهنه وأمله إلى مسافة بعيدة من الزمن، وأيضاً فحذر الموت وتحرزاته ونحو هذا حيد كله. وقد تقدم القول في النفخ في الصور مراراً. و: ﴿يوم الوعيد﴾ هو يوم القيامة وأضافه إلى الوعيد تخويفاً . وقوله تعالى: ﴿وجاءت كل نفس معها﴾ وقرأ طلحة بن مصرف: ((محّها)) بالحاء المثقلة. والسائق: الحاث على السير. واختلف الناس في السائق والشهيد، فقال عثمان بن عفان ومجاهد وغيره: ملكان موكلان بكل إنسان أحدهما يسوقه والآخر من حفظته يشهد عليه. وقال أبو هريرة: السائق ملك، والشهيد: العمل وقال منذر بن سعيد: السائق: الملك والشهيد: النبي صلى الله عليه وسلم، قال وقيل: الشهيد: الكتاب الذي يلقاه منشوراً. وقال بعض النظار: ﴿سائق﴾، اسم جنس، و﴿شهيد﴾ كذلك، فالساقة للناس ملائكة يوكلون بذلك، والشهداء: الحفظة في الدنيا وكل ما يشهد. ١٦٢ تفسير سورة ق / الآيات: ٢٨٠٢٢ وقال ابن عباس والضحاك: السائق ملك، والشهيد: جوارح الإنسان، وهذا يبعد علی ابن عباس، لأن الجوارح إنما تشهد بالمعاصي . وقوله تعالى: ﴿كل نفس﴾ يعم الصالحين، فإنما معناه: وشهيد بخيره، وشره، ويقوى في: ﴿شهيد﴾ اسم الجنس، فتشهد بالخير الملائكة والبقاع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)). وكذلك يشهد بالشر الملائكة والبقاع والجوارح. وقال أبو هريرة: السائق: ملك، والشهيد: العمل. وقال ابن مسلم: السائق: شيطان. حكاه عنه الثعلبي والقول في كتاب منذر بن سعيد وهو ضعيف. قوله عز وجل : وَقَالَ قَرِثُ هَذَا مَا لَدَىَّ عَنِيدُ لَقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَ لَ فَصَرَكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴿ أَلْفِيَا فِ جَهَّ كُلَّ كَفَّارٍ عَنْدٍ ﴿أَمَنَّاعِ لِلْخَيِّ مُعْنَدٍ مُّرِيبٍ ﴿ الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِإِلَهَا ءَاخَرَفَاَلْفِيَاهُ فِ اَلْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴾ قَالَ قَرُِرَبَنَمَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِ ضَلَلِ بَعِيدٍ ﴿﴿قَالَ لَا تَخْصِمُوْلَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ٢٨ قرأ الجحدري: ((لقد كنتِ)) على مخاطبة النفس وكذلك كسر الكافات بعد. وقال صالح بن كيسان والضحاك وابن عباس معنى قوله: ﴿لقد كنت﴾ أي يقال للكافر الغافل من ذوي النفس التي معها السائق والشهيد إذا حصل بين يدي الرحمن وعاين الحقائق التي كان لا يصدق بها في الدنيا ويتغافل عن النظر فيها، ﴿لقد كنت في غفلة من هذا﴾، فلما كشف الغطاء عنك الآن احتد بصرك أي بصيرتك وهذا كما تقول: فلان حديد الذهن والفؤاد ونحوه، وقال مجاهد: هو بصر العين إذا احتد التفاته إلى ميزانه وغير ذلك من أهوال القيامة. وقال زيد بن أسلم قوله تعالى: ﴿ذلك ما كنت منه تحيد﴾ [ق: ١٩] وقوله تعالى: ﴿لقد كنت﴾ الآية، مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنه خوطب بهذا في الدنيا، أي لقد كنت يا محمد في غفلة من معرفة هذا القصص والغيب حتى أرسلناك وأنعمنا عليك وعلمناك، ﴿فبصرك اليوم حديد﴾، وهذا التأويل يضعف من وجوه، أحدها أن الغفلة إنما تنسب أبداً إلى مقصر، ومحمد صلى الله عليه وسلم لا تقصير له قبل بعثه ولا بعده وثان: أن قوله: بعد هذا: ﴿وقال قرينه﴾ يقتضي أن الضمير إنما يعود على أقرب مذكور، وهو الذي يقال له ﴿فبصرك اليوم حديد﴾ وإن جعلناه عائداً على ذي النفس في الآية المتقدمة جاء هذا الاعتراض لمحمد صلى الله عليه وسلم بين الكلامين غير متمكن فتأمله! وثالث: أن معنى توقيف الكافر وتوبيخه على حاله في الدنيا يسقط، وهو أحرى بالآية وأولى بالرصف، والوجه عندي ما قاله الحسن وسالم بن عبد الله إنها مخاطبة للإنسان ذي النفس المذكورة من مؤمن وكافر. و: ﴿فكشفنا عنك غطاءك﴾، قال ابن عباس: هي الحياة بعد الموت، وينظر إلى معنى كشف ١٦٣ تفسير سورة ق / الآيات: ٢٢ - ٢٨ الغطاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)). وقوله تعالى: ﴿وقال قرينه هذا ما لدي عتيد)، قال جماعة من المفسرين: ﴿قرينه﴾ من زبانية جهنم، أي قال هذا العذاب الذي لدي لهذا الإنسان الكافر حاضر عتيد، ففي هذا تحريض على الكافر واستعجال به. وقال قتادة وابن زيد: ﴿قرينه﴾ الملك الموكل بسوقه، فكأنه قال: هذا الكافر الذي جعل إلى سوقه، فهو لدي حاضر. وقال الزهراوي وقيل: ﴿قرينه﴾ شيطانه. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما أوقع فيه أن القرين في قوله: ﴿قال قريته ربنا ما أطغيته﴾ هو شيطانه في الدنيا ومغویه بلا خلاف. ولفظ القرين: اسم جنس، فسائقه قرين، وصاحبه من الزبانية قرين، وكاتب سيئاته في الدنيا قرين وتحتمله هذه الآية، أي هذا الذي أحصيته عليه عتيد لدي، وهو موجب عذابه، ومماشي الإنسان في طريقه قرين، وقال الشاعر [عدي بن زيد العبادي]: [الطويل] عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي والقرين الذي في هذه الآية، غير القرين الذي في قوله: ﴿قال قرينه ربنا ما أطفيته﴾ إذ المقارنة تكون على أنواع، وقال بعض العلماء: ﴿قرينه﴾ في هذه الآية: عمله قلباً وجازحاً، وقوله عز وجل: ﴿ألقيا في جهنم) معناه: يقال ﴿ألقيا في جهنم). واختلف الناس لم يقال ذلك؟ فقال جماعة من المفسرين: هو قول الملكين من ملائكة العذاب. وقال عبد الرحمن بن زيد في كتاب الزهراوي: هو قول للسائق والشهيد، وحكى الزهراوي أن المأمور بإلقاء الكافر في النار اثنان، وعلى هذين القولين لا نظر في قوله: ﴿ألقيا﴾. وقال مجاهد وجماعة من المتأولين: هو قول للقرين: إما السائق، وإما الذي هو من الزبانية حسبما تقدم واختلف أهل هذه المقالة في معنى قوله: ﴿ألقيا﴾ وهو مخاطبة لواحد، فقال المبرد معناه: الق الق، فإنما أراد تثنية الأمر مبالغة وتأكيداً، فرد التثنية إلى الضمير اختصاراً كما قال [امرؤ القیس]: لفتك الأمين على نابل يريد ارم ارم. وقال بعض المتأولين: ((ألقين)) فعوض من النون ألف كما تعوض من التنوين. وقال جماعة من أهل العلم بكلام العرب: هذا جرى على عادة العرب، وذلك أنها كان الغالب عندها أن تترافق في الأسفار ونحوها ثلاثة، فكل واحد منهم يخاطب اثنين، فكثر ذلك في أشعارها وكلامها حتى صار عرفاً في المخاطبة، فاستعمل في الواحد، ومن هذا قولهم في الأشعار: خليلي، وصاحبي، وقفا نبك ونحوه، وقد جرى المحدثون على هذا الرسم، فيقول الواحد: حدثنا، وإن كان سمع وحده، ونظير هذه الآية في هذا القول قول الزجاج: يا حارسي اضربا عنقه، وهو دليل على عادة العرب، ومنه قول الشاعر [سويد بن كراع العكلي]: [الطويل] فإن تزجراني بابن عفان أنزجر وإن تدعاني أحم عرضاً ممنعا ١٦٤ "تفسير سورة ق / الآيات: ٢٩ - ٣٥ وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((ألقين)) بتنوين الياء و: ﴿كفار﴾ مبالغة. و: ﴿عنيد﴾ معناه: عاند عن الحق أي منحرف عنه . وقوله تعالى: ﴿مناع للخير﴾ لفظ عام للمال والكلام الحسن والمعاون على الأشياء. وقال قتادة ومجاهد وعكرمة، معناه: الزكاة المفروضة، وهذا التخصيص ضعيف، و: ﴿معتد﴾ معناه: بلسانه ويده. و: ﴿مريب﴾ معناه: متلبس بما يرتاب به، أراب الرجل: إذا أتى بريبة ودخل فيها. قال الثعلبي قيل نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال الحسن: ﴿مريب﴾ شاك في الله تعالى ودينه. وقوله تعالى: ﴿الذي جعل﴾ الآية يحتمل أن يكون ﴿الذي﴾ بدلاً من ﴿كفار﴾ ويحتمل أن يكون صفة له من حيث تخصص ﴿كفار﴾ بالأوصاف المذكورة فجاز وصفه بهذه المعرفة، ويحتمل أن يكون ﴿الذي﴾ ابتداء وخبره قوله: ﴿فألقياه﴾ ودخلت الفاء في قوله: ﴿فألقياه﴾ للإبهام الذي في ﴿الذي﴾، فحصل الشبه بالشرط وفي هذا نظر. قال القاضي أبو محمد: ويقوى عندي أن يكون ﴿الذي﴾ ابتداء، ويتضمن القول حينئذ بني آدم والشياطين المغوين لهم في الدنيا، ولذلك تحرك القرين الشيطان المغوي في الدنيا، فرام أن يبرىء نفسه ويخلصها بقوله: ﴿ربنا ما أطغيته﴾ لأنه كذب من نفي الإطغاء عن نفس جملة، والحقيقة أنه أطغاه بالوسوسة والتزين، وأطغاه الله بالخلق، والاختراع حسب سابق قضائه الذي هو عدل منه، لا رب غيره، وبوصف الضلال بالبعيد مبالغة، أي لتعذر رجوعه إلى الهدى. وقوله تعالى: ﴿لا تختصموا لدي﴾ معناه: قال اللّه ﴿ لا تختصموا لدي﴾ بهذا النوع من المقاولة التي لا تفيد شيئاً إذ قد استوجب جميعكم النار، وقد أخبر بأنه تقع الخصومة لديه في الظلامات ونحوها مما فيه اختصاص. واقتضاء فائدة بقوله تعالى: ﴿ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ [الزمر: ٣١]، وجمع الضمير في قوله: ﴿لا تختصموا﴾ يريد بذلك مخاطبة جميع القرناء، إذ هو أمر شائع لا يقف على اثنين فقط، وهذا كما يقول الحاكم لخصمين: لا تغلطوا علي، يريد الخصمين ومن هو في حكمهما. وتقدمته إلى الناس بالوعيد هو ما جاءت به الرسل والكتب من تعظيم الكفرة. قوله عز وجل : ٤ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأَتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ شَّا وَأَزْلِفَتِ ٢٩ مَايُبَدَّلُ اَلْقَوَّلُ لَدَنَّ وَمَا أَنَاْبِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ! الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴿َ مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴿®آدْ خُلُوهَا بِسَمِ نَالِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ﴿ لَهُ مَّايَشَآءُ ونَ فِيَها وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ٣٥ المعنى: قدمت بالوعيد أني أعذب الكفار في ناري، فلا يبدل قولي ولا ينقص ما أبرمه كلامي، ثم أزال عز وجل موضع الاعتراض بقوله: ﴿وما أنا بظلام للعبيد﴾ أي هذا عدل فيهم، لأني أعذرت وأمهلت : ١٦٥ تفسير سورة ق / الآيات: ٢٩ - ٣٥ وأنعمت بالإدراكات وهديت السبيل والنجدين وبعثت الرسل وقال الفراء معنى قوله: ﴿ما يبدل القول لدي﴾ ما يكذب لدي، لعلمي بجميع الأمور. قال القاضي أبو محمد: فتكون الإشارة على هذا إلى كذب الذي قال: ﴿ما أطغيته﴾ [ق: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿يوم يقول﴾ يجوز أن يعمل في الظرف قوله: ﴿بظلام) ويجوز أن يعمل فيه فعل مضمر. وقرأ جمهور من القراء وحفص عن عاصم: ((نقول)) بالنون، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر والأعمش ورجحها أبو علي بما تقدم من قوله: ((قدمت وما أنا)) وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: ((يقول)) على معنى يقول الله، وهي قراءة الأعرج وشيبة وأهل المدينة، وقرأ ابن مسعود والحسن والأعمش أيضاً: ((يقال)) على بناء الفعل للمفعول. وقوله: ﴿هل امتلأت﴾ تقرير وتوقيف، واختلف الناس هل وقع هذا التقرير؟ وهي قد امتلأت أو هي لم تمتلىء فقال بكل وجه جماعة من المتأولين وبحسب ذلك تأولوا قولها: ﴿هل من مزيد﴾. فمن قال إنها كانت ملأى جعل قولها: ﴿هل من مزيد﴾ على معنى التقرير ونفي المزيد، أي هل عندي موضع يزاد فيه شيء ونحو هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وهل ترك لنا عقيل منزلاً))، وهو تأويل الحسن وعمرو وواصل، ومن قال: إنها كانت غير ملأى جعل قولها ﴿هل من مزيد﴾ على معنى السؤال والرغبة في الزيادة. قال الرماني وقيل المعنى: وتقول خزنتها، والقول إنها القائلة أظهر. واختلف الناس أيضاً في قول جهنم هل هو حقيقة أو مجاز؟ أي حالها حال من لو نطق لقال كذا وكذا فيجري هذا مجرى: شكا إلي جملي طول السرى، ومجرى قول ذي الرمة: تكلمني أحجاره وملاعبه. والذي يترجح في قول جهنم: ﴿هل من مزيد﴾ أنها حقيقة وأنها قالت ذلك وهي غير ملأى وهو قول أنس بن مالك، وبين ذلك الحديث الصحيح المتواتر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله لجهنم هل امتلأت؟ وتقول: ﴿هل من مزيد﴾ حتى يضع الجبار فيها قدمه، فتقول قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض)) واضطرب الناس في معنى هذا الحديث، وذهبت جماعة من المتكلمين، إلى أن الجبار اسم جنس، وأنه يريد المتجبرين من بني آدم، وروي أن الله تعالى يعد من الجبابرة طائفة يملأ بهم جهنم آخراً. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن جلدة الكافر يصير في غلظها أربعون ذراعاً)) ويعظم بدنه على هذه النسبة، وهذا كله من ملء جهنم وذهب الجمهور إلى أن الجبار اسم الله تعالى، وهذا هو الصحيح، فإن في الحديث الصحيح: ((فيضع رب العالمين فيها قدمه)) وتأويل هذا: ان القدم لها من خلقه وجعلهم في علمه ساكنيها، ومنه قول الله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ [يونس: ٢] فالقدم هنا ما قدم من شيء ومنه قول الشاعر [الوضاح الخصي]: [المنسرح] ينجيك يوم العثار والزلل صل لربك واتخذ قدماً ومنه قول العجاج: [الرمل] وسنى الملك لملك ذي قدم ۔۔۔ ١٦٦ تفسير سورة ق / الآيات: ٢٩ - ٣٥ أي ذي شرف متقدم، وهذا التأويل مروي عن ابن المبارك وعن النضر بن شميل، وهو قول الأصوليين. وفي كتاب مسلم بن الحجاج: فيضع الجبار فيها رجله، ومعناه: الجمع الذي أعد لها يقال للجمع الكثير من الناس: رجل تشبيهاً برجل الجراد، قال الشاعر: ت:٠ فمر بها رجل من الناس وانزوى إليها من الحي اليمانين أرجل. وملاك النظر في هذا الحديث: أن الجارحة والتشبيه وما جرى مجراه منتف كل ذلك فلم يبق إلا إخراج ألفاظ على هذه الوجوه السابقة في كلام العرب. و: ﴿أزلفت﴾ معناه: قربت، و: ﴿غير بعيد﴾ تأكيد وبيان أن هذا التقدير هو في المسافة، لأن قربت كان يحتمل أن معناه: بالوعد والإخبار، فرفع الاحتمال بقوله: ﴿غير بعيد﴾. وقوله تعالى: ﴿هذا ما توعدون﴾ الآية، يحتمل أن يكون معناه: يقال لهم في الآخرة عند إزلاف الجنة هذا هو الذي كنتم توعدون في الدنيا، ويحتمل أن يكون المعنى خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، أي هذا الذي توعدون به أيها الناس ﴿لكل أواب حفيظ﴾. والأواب: الرجاع إلى الطاعة وإلى مراشد نفسه. وقال ابن عباس وعطاء: الأواب: المسبح لقوله: ﴿يا جبال أوبي معه﴾ [سبأ: ١٠]. وقال الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه فيستغفر. وقال المحاسبي: هو الراجح بقلبه إلى ربه. وقال عبيد بن عمير: كنا نحدث أنه الذي إذا قام من مجلسه استغفر الله مما جرى في ذلك المجلس وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. والحفيظ معناه: بأوامر الله فيمثلها، أو لنواهيه فيتركها. وقال ابن عباس: ﴿حفيظ﴾ لذنوبه حتى يرجع عنها. وقوله تعالى: ﴿من خشي﴾ يحتمل أن يكون ﴿من﴾ نعت الأواب أو بدلاً. ويحتمل أن يكون رفعاً بالابتداء والخبر يقال لهم ﴿ادخلوها﴾، ويحتمل أن تكون شرطية فيكون الجواب يقال لهم ادخلوها. وقوله: ﴿بالغيب﴾ أي غير مشاهد له إنما يصدق رسوله ويسمع كلامه وجاء معناه يوم القيامة. والمنيب الراجع إلى الخير المائل إليه. وقوله تعالى: ﴿ادخلوها﴾ تقديره يقال لهم على ما تقدم. و﴿بسلام﴾ معناه بأمن وسلامة من جميع الآفات. وقوله تعالى: ﴿ذلك يوم الخلود﴾ معادل لقوله قبل في الكفار ﴿ذلك يوم الوعيد﴾ [ق: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد﴾ خبر بأنهم يعطون آمالهم أجمع. ثم أبهم تعالى الزيادة التي عنده للمؤمنين المنعمين، وكذلك هي مبهمة في قوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة: ١٧] وقد فسر ذلك الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بل ما أطلعتهم عليه». وقد ذكر الطبري وغيره في تعيين هذا المزيد أحاديث مطولة وأشياء ضعيفة، لأن الله تعالى يقول: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم﴾ [السجدة: ١٧] وهم يعينونها تكلفاً وتعسفاً. وروي عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن المزيد: النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف. ١٦٧ تفسير سورة ق / الآيات: ٣٦ - ٤٠ قوله عز وجل : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَتَقَّبُواْ فِى الْبِلَدِ هَلْ مِن تَحِيصِ ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ جَ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْأَلْقَى السَمْعَ وَهُوَ سَهِيدٌ وَمَابَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لَّغُوبِ ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بَحَمْدِ رَبِّكَ ٤٠ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴿ وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحُهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ! ﴿كم) للتكثير وهي خبرية، المعنى كثيراً ﴿أهلكنا قبلهم). والقرن: الأمة من الناس الذين يمر عليهم قدر من الزمن. واختلف الناس في ذلك القدر، فقال الجمهور: مائة سنة، وقيل غير هذا، وقد تقدم القول فيه غير مرة. وشدة البطش: هي كثرة القوة والأموال والملك والصحة والأدهان إلى غير ذلك. وقرأ جمهور من الناس: ((فنقَّبوا)) بشد القاف المفتوحة على إسناد الفعل إلى القرون الماضية، والمعنى: ولجوا البلاد من أنقابها؛ وفي الحديث: ((أن على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال)). والمراد تطوفوا ومشوا طماعين في النجاة من الهلكة ومنه قول الشاعر [امرؤ القيس]: [الوافر] رضيت من الغنيمة بالإياب وقد نقبت في الآفاق حتى ومنه قول الحارث بن حلزة: [الخفيف] نقبوا في البلاد من حذر الموت وجالوا في الأرض كل مجال وقرأ ابن يعمر وابن عباس ونصر بن سيار وأبو العالية: ((فنقِّبوا)) بشد القاف المكسورة على الأمر لهؤلاء الحاضرين. ----- و: ﴿هل من محيص﴾ توقيف وتقرير، أي لا محيص، والمحيص: المعدل موضع الحيص وهو الروغان والحياد، قال قتادة: حاص الكفرة فوجدوا أمر الله منيعاً مدركاً، وفي صدر البخاري فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب. وقال ابن عبد شمس في وصف ناقته: [الوافر] إذا حاص الدليل رأيت منها جنوحاً للطريق على اتساق وقرأ أبو عمرو في رواية عبيد عنه: ((فنقَبوا)) بفتح القاف وتخفيفها هي بمعنى التشديد، واللفظة أيضاً قد تقال بمعنى البحث والطلب، تقول: نقب عن كذا أي استقصى عنه، ومنه نقيب القوم لأنه الذي يبحث عن أمورهم ويباحث عنها، وهذا عندي تشبيه بالدخول من الأنقاب. وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك﴾ يعني إهلاك من مضى، والذكرى: التذكرة، والقلب: عبارة عن العقل إذ هو محله. والمعنى: ﴿لمن كان له قلب﴾ واع ينتفع به. وقال الشبلي معناه: قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين. ١٦٨ تفسير سورة ق / الآيات: ٣٦ - ٤٠ وقوله تعالى: ﴿أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ معناه: صرف سمعه إلى هذه الأنباء الواعظة وأثبته في سماعها، فذلك إلقاء له عليها، ومنه قوله تعالى: ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ [طه: ٣٩] أي أثبتها عليك، وقال بعض الناس قوله تعالى: ﴿ألقى السمع﴾، وقوله: ﴿ضربنا على آذانهم﴾ [الكهف: ١١] وقوله: ﴿سقط في أيديهم﴾ [الأعراف: ١٤٩] هي كلها مما قل استعمالها الآن وبعدت معانيها. قال القاضي أبو محمد: وقول هذا القائل ضعيف، بل هي بينة المعاني، وقد تقدمت في موضعها. وقوله تعالى: ﴿وهو شهيد﴾ قال بعض المتأولين: معناه: وهو مشاهد مقبل على الأمر غير معرض ولا منكر في غير ما يسمع. وقال قتادة: هي إشارة إلى أهل الكتاب، فكأنه قال: إن هذه العبرة التذكرة لمن له فهم فيتدبر الأمر أو لمن سمعها من أهل الكتاب فيشهد بصحتها لعلمه بها من كتابه التوراة وسائر كتب بني إسرائيل: فـ ﴿شهيد﴾ على التأويل الأول من المشاهدة، وعلى التأويل الثاني من الشهادة. وقرأ السدي: ((ألقى السمع)) قال ابن جني ألقى السمع منه حكى أبو عمرو الداني أن قراءة السدي ذكرت لعاصم فمقت السدي وقال: أليس الله يقول: ﴿يلقون السمع﴾ [الشعراء: ٢٢٣]. وقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض) الآية خبر مضمنه الرد على اليهود الذين قالوا إن الله خلق الأشياء كلها في ستة أيام ثم استراح يوم السبت فنزلت: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ واللغوب: الإعياء والنصب والسأم، يقال لغب الرجل يلغب إذا أعيى . وقرأ السلمي وطلحة: ((لَغوب)) بفتح اللام. وتظاهرت الأحاديث بأن خلق الأشياء كان يوم الأحد وفي كتاب مسلم وفي الدلائل لثابت حديث مضمنه: أن ذلك كان يوم السبت وعلى كل قول فأجمعوا على أن آدم خلق يوم الجمعة. فمن قال إن البداءة يوم السبت جعل خلق آدم كخلق بنيه لا يعد مع الجملة الأولى وجعل اليوم الذي كملت المخلوقات عنده يوم الجمعة . وقوله تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون﴾ قال بعض المفسرين: أراد أهل الكتاب لقولهم، ثم استراح يوم السبت . قال القاضي أبو محمد: وهذه المقالات من أهل الكتاب كانت بمكة قبل الهجرة. ٤ وقال النظار من المفسرين قوله تعالى: ﴿فاصبر على ما يقولون﴾ يراد به أهل الكتاب وغيرهم من الكفرة، وعم بذلك جميع الأقوال الزائغة من قريش وغيرهم، وعلى هذا التأويل يجيء قول من قال: الآية منسوخة بآية السيف. ﴿وسبح﴾ معناه: صل بإجماع من المتأولين وقوله: ﴿بحمد ربك﴾ الباء للاقتران أي سبح سبحة يكون معها حمد ومثله ((تنبت بالدهن)) على بعض الأقوال فيها و: ﴿قبل طلوع الشمس﴾ هي الصبح ﴿وقبل الغروب﴾ هي العصر قاله قتادة وابن زيد والناس، وقال ابن عباس: ﴿قبل الغروب﴾ هي العصر والظهر ﴿ومن الليل﴾ هي صلاة العشاءين وقال ابن زيد هي العشاء فقط. وقال مجاهد: هي صلاة الليل وقوله: ﴿وإدبار السجود﴾ قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وأبو هريرة والحسن والشعبي وإبراهيم، ومجاهد والأوزاعي: هي الركعتان بعد المغرب : ١٦٩ تفسير سورة ق / الآيات: ٤١ - ٤٥ وأسنده الطبري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه روعي إدبار صلاة النهار كما روعي إدبار النجوم في صلاة الليل، فقيل هي الركعتان مع الفجر. وروي عن ابن عباس أن ﴿إدبار السجود﴾: الوتر، حكاه الثعلبي وقال ابن زيد وابن عباس أيضاً ومجاهد: هي النوافل إثر الصلوات وهذا جار مع لفظ الآية، وقال بعض العلماء العارفين: هي صلاة الليل، قال الثعلبي: وقال بعض العلماء في قوله: ﴿قبل طلوع الشمس﴾ هي ركعتا الفجر ﴿وقبل الغروب﴾ الركعتان قبل المغرب وقال بعض التابعين: رأيت أصحاب محمد يهبون إليها كما يهبون إلى المكتوبة، وقال قتادة: ما أدركت أحداً يصلي الركعتين قبل المغرب إلا أنساً وأبا برزة. وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة وابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعيسى وشبل وطلحة والأعمش ((وإدبار)) بكسر الألف وهي مصدر أضيف إليه وقت، ثم حذف الوقت، كما قالوا: جئتك مقدم الحاج وخفوق النجم ونحوه، وقرأ الباقون والحسن والأعرج، ((وأدبار)) بفتح الهمزة وهو جمع دبر كطنب وأطناب، أي وفي ((أدبار السجود)) أي في أعقابه وقال أوس بن حجر: [الطويل] على دبر الشهر الحرام بأرضنا وما حولها جدب سنون تلمع وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْفُرُوجِ (٨) إِنَا ج قوله عز وجل : نَحْنُ تُحِ، وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (® يَوْمَ تَشَقَقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعَا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ! ٤٤ ◌َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِحَبَّارٍ فَذَكِرْ بِآلْقُرْءَانِ مَنيَخَافُ وَعِيدٍ ٤٥ قوله تعالى: ﴿واستمع﴾ بمنزلة، وانتظر، وذلك أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء، لأن كل من فيه يستمع وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار، وقيل لمحمد تحسس وتسمع هذا اليوم وارتقبه، وهذا كما تقول لمن تعده بورود فتح استمع كذا وكذا، أي كن منتظراً له مستمعاً، وعلى هذا فنصب ﴿يوم﴾ إنما هو على المفعول الصريح. وقرأ ابن كثير: ((المنادي)) بالياء في الوصل والوقف على الأصل الذي هو ثبوتها، إذ الكلام غير تام وإنما الحذف أبداً في الفواصل، والكلام التام تشبيهاً بالفواصل. وقرأ أبو عمرو ونافع، بالوقف بغير ياء لأن الوقف موضع تغيير، ألا ترى أنها تبدل من التاء فيه الهاء في نحو طلحة وحمزة، ويبدل من التنوين الألف ويضعف فيه الحرف كقولك هذا فرج، ويحذف فيه الحرف في القوافي، وقرأ الباقون وطلحة والأعمش وعيسى بحذف الياء في الوصل والوقف جميعاً وذلك اتباع لخط المصحف، وأيضاً فإن الياء تحذف مع التنوين فوجب أن تحذف مع معاقب التنوين وهي الألف واللام. وقوله تعالى: ﴿من مكان قريب﴾ قيل وصفه بالقرب من حيث يسمع جميع الخلق. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن ملكاً ينادي من السماء: أيتها الأجسام الهامدة والعظام البالية والرمم الذاهبة، هلم إلى الحساب الوقوف بين يدي الله)). وقال كعب الأحبار وقتادة وغيرهما: المكان صخرة بيت المقدس 1 ١٧٠ تفسير سورة ق / الآيات: ٤١ - ٤٥ واختلفوا في معنى صفته بالقرب فقال قوم: وصفها بذلك لقربها من النبي صلى الله عليه وسلم أي من مكة. وقال كعب الأحبار: وصفه بالقرب من السماء، وروي أنها أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً، وهذا الخبر إن كان بوحي، وألا سبيل للوقوف على صحته. و: ﴿الصيحة﴾ هي صيحة المنادي و: ﴿الخروج﴾ هو من القبور، و: ((يومه)) هو يوم القيامة، و﴿يوم الخروج﴾ في الدنيا هو يوم العيد قال حسان بن ثابت: [الكامل] يوم الخروج بساحة القصر. ولأنت أحسن إذ برزت لنا مما تربَّب حائر البحر من درة أغلى الملوك بها وقوله تعالى: ﴿يوم تشقق﴾ العامل في ﴿يوم﴾، ﴿المصير). وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: (تشقق)) بتشديد الشين. وقرأ الباقون: ((تشقق)) بتخفيف الشين و: ﴿سراعاً﴾ حال قال بعض النحويين وهي من الضمير في قوله: ﴿عنهم﴾ والعامل في الحال ﴿تشقق﴾ وقال بعضهم التقدير: ﴿يوم تشقق الأرض عنهم﴾ يخرجون ﴿سراعاً﴾ فالحال من الضمير في: ((يخرجون))، والعامل ((يخرجون)). . وقوله تعالى: ﴿ذلك حشر علينا يسير﴾ كلام معادل لقول الكفرة: ﴿ذلك رجع بعيد﴾ [ق: ٣]. وقوله تعالى: ﴿نحن أعلم بما يقولون﴾ وعيد محض للكفرة. واختلف الناس في معنى قوله: ﴿وما أنت عليهم بجبار﴾. فقال قتادة: نهى الله عن التجبر وتقدم فيه، فمعناه: وما أنت عليهم بمتعظم من الجبروت. وقال الطبري وغيره معناه: وما أنت عليهم بمسلط تجبرهم على الإيمان، ويقال جبرته على كذا، أي قسرته فـ ((جبار)) بناء مبالغة من جبر وأنشد المفضل: [الوافر] صحبنا الخوف إلفاً معتلميبنا عصينا عزمة الجبار حتى قال: أراد بـ ((الجبار)) النعمان بن المنذر لولايته، ويحتمل أن نصب عزمة على المصدر وأراد عصينا مقدمين عزمة جبار، فمدح نفسه وقومه بالعتو والاستعلاء أخلاق الجاهلية والحياة الدنيا، وروى ابن عباس أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت: ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾. قال القاضي أبو محمد: ولو لم يكن هذا سبباً فإنه لما أعلمه أنه ليس بمسلط على جبرهم، أمره بالاقتصار على تذكير الخائفين من الناس. : تفسير سورة الذاريات / الآيات: ١ - ١٦ ١٧١ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ شُورَةُ الزَّارِيَاتِ وهي مكية بإجماع من المفسرين . قوله عز وجل : وَالذَّارِيَتِ ذَرْوًا ﴿ فَالْحَمِلَتِ وِقْرًا ﴿ فَالْحَرِيَتِ يُسْرًا ﴿﴿ فَالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًا (٣) إِنََّ تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ يُؤْفَثُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ جَ قُئِلَ ٨ ﴿ وَإِنَّالِّينَ لَوَفِّعٌ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ اْحُبُكِ ﴿ إِنَّكُمْلَفِىِ قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ اُلْخَّصُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ غَمْرَ وِسَاهُونَ [َيَسْتَلُونَ أَيَانَ يَوْمُ اَلِدِينِ (١) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُقْنَنُونَ ذُوقُواْ فِنْتَتَكُمْ هَذَا الَّذِى كُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ءَاخِذِينَ مَآءَانَنْهُمْ ١٥ إِنَّالْمُتَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ رَبُهُمْ إَِهُمْ كَانُوْقَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ( أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات تنبيهاً عليها وتشريفاً لها ودلالة على الاعتبار فيها حتى يصير الناظر فيها إلى توحيد الله تعالى . ﴿والذاريات﴾ الرياح بإجماع من المتأولين، يقال: ذرت الريح وأذرت بمعنى: وفي الرياح معتبر من شدتها حيناً، ولينها حيناً وكونها مرة رحمة ومرة عذاباً إلى غير ذلك. و﴿ذرواً﴾ نصب على المصدر. و: ﴿الحاملات وقرأ﴾ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي السحاب الموقرة بالماء. وقال ابن عباس وغيره هي السفن الموقرة بالناس وأمتاعهم. وقال جماعة من العلماء هي أيضاً مع هذا جميع الحيوان الحامل، وفي جميع ذلك معتبر. و: ﴿وقرأ﴾ مفعول صريح، و: ﴿الجاريات يسرا﴾ قال علي بن أبي طالب وغيره: هي السفن في البحر وقال آخرون: هي السحاب بالريح وقال آخرون: هي الجواري من الكواكب، واللفظ يقتضي جميع هذا. و﴿يسراً﴾ نعت لمصدر محذوف وصفات المصادر المحذوفة تعود أحوالاً، و: ﴿يسراً﴾ معناه: بسهولة وقلة تكلف، و: ﴿المقسمات أمراً﴾ الملائكة والأمر هنا اسم الجنس، فكأنه قال: والجماعات التي تقسم أمور الملكوت من الأرزاق والآجال والخلق في الأرحام وأمر الرياح والجبال وغير ذلك، لأن كل هذا إنما هو بملائكة تخدمه، فالآية تتضمن جميع الملائكة لأنهم كلهم في أمور مختلفة، وأنث ﴿المقسمات﴾ من حیث أراد الجماعات. - -. ١٧٢ تفسير سورة الذاريات / الآيات: ١ -١٦ وقال أبو طفيل عامر بن واثلة كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنبر فقال: لا تسألوني عن آية من كتاب الله أو سنة ماضية إلا قلت، فقام إليه ابن الكواء فسأله عن هذه، فقال: ﴿الذاريات﴾ الرياح. و ﴿الحاملات﴾ السحاب، و﴿الجاريات﴾ السفن، و﴿المقسمات﴾ الملائكة. ثم قال له سل سؤال تعلم ولا تسأل سؤال تعنت وهذا القسم واقع على قوله: ﴿إنما توعدون لصادق﴾، و﴿توعدون﴾ يحتمل أن يكون من الإيعاد، ويحتمل أن يكون من الوعد، وأيها كان فالوصف له بالصدق صحيح و: ﴿صادق﴾ هنا موضوع بدل صدق، ووضع الاسم موضع المصدر. و: ﴿الدين﴾ الجزاء. وقال مجاهد الحساب، والأظهر في الآية أنها للكفار وأنها وعيد محض بيوم القيامة . ثم أقسم تعالى بمخلوق آخر فقال: ﴿والسماء ذات الحبك﴾ فظاهر لفظة ﴿السماء﴾ أنها لجميع السماوات، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: هي السماء السابعة. و: ﴿الحُبُك﴾ بضم الحاء والباء: الطرائق التي هي على نظام في الأجرام، فحبك الرمان والماء: الطرائق التي تصنع فيها البريح الهابة عليها، ومنه قول زهير: ریح خریف لضاحی مائه حبك مكلل بعميم النبت تنسجه وحبك الدرع: الطرائق المتصلة في موضع اتصال الحلق بعضها ببعض، وفي بعض أجنحة الطير حبك على نحو هذا، ويقال لتكسر الشعر حبك، وفي الحديث: ((أن من ورائكم الكذاب المضل، وأن من ورائه حبكاً حبكاً)) يعني جعودة شعره فهو يكسره، ويظهر في المنسوجات من الأكسية وغيرها طرائق في موضع تداخل الخيوط هي حبك، ويقال نسج الثوب فأجاد حبكه، فهذه هي الحبك في اللغة. وقال منذر بن سعيد: إن في السماء في تألق جرمها هي هكذا لها حبك، وذلك لجودة خلقتها وإتقان صنعتها، ولذلك عبر ابن عباس في تفسير قوله ﴿والسماء ذات الحبك﴾ بأن قال: حبكها حسن خلقتها، وقال ابن جبير: ﴿الحبك﴾: الزينة. وقال الحسن: حبكها كواكبها، وقال ابن زيد: ﴿الحبك﴾: الشدة، وحبكت شدت، وقرأ ﴿سبعاً شداداً﴾ [النبأ: ١٢] وقال ابن جني: ﴿الحبك) طرائق الغيم ونحو هذا، وواحد ﴿الحبك﴾: حباك، ويقال للظفيرة التي يشد بها حظار القصب ونحوه، وهي مستطيلة تمنع في ترجيب الغرسات المصطفة حباك وقد يكون واحد ﴿الحبك﴾ حبيكة، وقال الراجز: [الوافر] طنفسة في وشيها حباك كأنما جللها الحواك، وقرأ جمهور الناس: ((الحُبُك)) بضم الحاء والباء. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو مالك الغفاري بضم الحاء وسكون الباء تخفيفاً، وهي لغة بني تميم كرسل في رسل، وهي قراءة أبي حيوة وأبي السمال. وقرأ الحسن أيضاً وأبو مالك الغفاري: ((الحِبِك)) بكسر الحاء والباء على أنها لغة كابل وإطل. وقرأ الحسن أيضاً فيما روي عنه: ((الحِبْك)) بكسر الحاء وسكون الباء كما قالوا على جهةً التخفيف: إبل وإطل بسكون الباء والطاء. وقرأ ابن عباس: ((الحَبَك)) بفتح الحاء والباء. وقرأ الحسن أيضاً فيما روي عنه ((الحِبُك)) بكسر الحاء وضم الباء وهي لغة شاذة غير متوجهة، وكأنه أراد كسرهما ثم توهم ((الحِبُك)) قراءة الضم بعد أن كسر الحاء فضم الباء، وهذا على تداخل اللغات وليس في كلام العرب هذا البناء. وقرأ . ١٧٣ تفسير سورة الذاريات / الآيات: ١ - ١٦ عكرمة ((الحُبَك)) بضم الحاء وفتح الباء جمع حبكة، وهذه كلها لغات والمعنى ما ذكرناه. والفرس المحبوك الشديد الخلقة الذي له حبك في مواضع من منابت شعره، وذلك دليل على حسن بنيته . وقوله تعالى ﴿إنكم لفي قول مختلف﴾، يحتمل أن يكون خطاباً لجميع الناس مؤمن وكافر، أي اختلفتم بأن قال فريق منكم: آمنا بمحمد وكتابه، وقال فريق آخر: كفرنا، وهذا قول قتادة. ويحتمل أن يكون خطاباً للكفرة فقط، أي: أنتم في جنس من الأقوال مختلف في نفسه، قوم منكم يقولون: ساحر، وقوم: كاهن، وقوم: شاعر، وقوم: مجنون إلى غير ذلك، وهذا قول ابن زيد والضمير في: ﴿عنه﴾ قال الحسن وقتادة: هو عائد على محمد أو كتابه وشرعه. و: ﴿يؤفك﴾ معناه: يصرف، فالمعنى: يصرف عن كتاب اللّه من صرف ممن غلبت شقاوته، وكان قتادة يقول: المأفوك منا اليوم عن كتاب الله كثيراً، ويحتمل أن يعود الضمير على القول، أي: يصرف بسببه من أراد الإسلام، بأن يقال له هو سحر، هو كهانة؛ وهذا حكاه الزهراوي . ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿عنه﴾ على القول، أي يصرف عنه بتوفيق الله إلى الإسلام من غلبت سعادته، وهذا على أن يكون قوله: ﴿إنكم لفي قول مختلف﴾ للكفار فقط. قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه حسن لا يُخِلُّ به، إلا أن عُرْفَ الاستعمال في ((أَفَكَ))، إنما هو في الصرف من خير إلى شر، وتأمل ذلك تجدها أبداً في المصروفين المذمومين، وحكى أبو عمرو عن قتادة أنه قرأ ((من أَفَكَ)) بفتح الهمزة والفاء. وقوله تعالى: ﴿قتل الخراصون﴾ دعاء عليهم، كما تقول: قاتلك الله وقتلك الله، وعقرى حلقى ونحوه، وقال بعض المفسرين معناه: لعن الخراصون، وهذا تفسير لا تعطيه اللفظة. والخراص: المخمن القائل بظنه فتحته الكاهن والمرتاب وغيره ممن لا يقين له، والإشارة إلى مكذبي محمد على كل جهة من طروقهم. والغمرة: ما يغشى الإنسان ويغطيه كغمرة الماء، والمعنى في غمرة من الجهالة. و: ﴿ساهون﴾ معناه عن أنهم ﴿في غمرة﴾ وعن غير ذلك من وجوه النظر. وقوله تعالى: ﴿يسألون أيان يوم الدين﴾ معناه: يقولون متى يوم الدين؟ على معنى التكذيب، وجائز أن يقترن بذلك من بعضهم هزء وأن لا يقترن . وقرأ السلمي والأعمش: ((إيَان)) بكسر الهمزة وفتح الياء المخففة . وقوله تعالى: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ قال الزجاج: نصبوا ﴿يوم﴾ على الظرف من مقدر تقديره: هو كائن ﴿يوم هم على النار﴾ ونحو هذا، وقال الخليل وسيبويه: نصبه على البناء لما أضيف إلى غير متمكن. قال بعض النحاة: وهو في موضع رفع على البدل من ﴿يوم الدين﴾. و: ﴿يفتنون﴾ معناه: يحرقون ويعذبون في النار، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والجميع، ومنه قيل للحرة: فتين، كأن الشمس أحرقت حجارتها . ومنه قول كعب بن مالك : معاطي تهوى إليها الحقو ق يحسبها من وراءها الفتينا 1 ١٧٤ تفسير سورة الذاريات / الآيات: ١٧ - ٢٦ وفتنت الذهب أحرقته، ولما كان لا يحرق إلا لمعنى الاختبار قيل لكل اختبار فتنة، واستعملوا: فتن، بمعنى اختبر، وعلى هنا موصلة إلى معنى في، وفي قوله تعالى: ﴿ذوقوا فتتكم﴾ معناه: يقال لهم ذوقوا حرقكم وعذابكم، قاله قتادة وغيره، والذوق: هنا استعارة، وهذا إشارة إلى حرقهم واستعجالهم: هو قولهم: ﴿أيان يوم الدين﴾ وغير ذلك من الآيات التي تقتضي استعجالهم علي جهة التكذيب منهم. ولما ذكر تعالى حالة الكفرة وما يلقون من عذاب الله، عقب ذلك بذكر المتقين وما يلقون من النعيم ليبين الفرق ويتبع الناس طريق الهدى، والجنات والعيون معروف. والمتقي في الآية مطلق في اتقاء الكفر والمعاصي . وقوله تعالى: ﴿آخذين﴾ نصب على الحال. وقرأ ابن أبي عبلة: ((آخذون)) بواو. وقال ابن عباس المعنى: ﴿آخذين﴾ في دنياهم ﴿ما آتاهم ربهم﴾ من أوامره ونواهيه وفرائضه وشرعه، فالحال على هذا محكية وهي متقدمة في الزمان على كذبهم في جنات وعيون. وقال جماعة من المفسرين معنى قوله: ﴿آخذين ما آتاهم ربهم﴾ أي محصلين لنعم الله التي أعطاهم من جنته ورضوانه، وهذه حال متصلة في المعنى بكونهم في الجنات. وهذا التأويل أرجح عندي لاستقامة الكلام به. وقوله: ﴿قبل ذلك﴾ يريد في الدنيا محسنين بالطاعة والعمل الصالح. قوله عز وجل : وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌ لِّلِسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْمَارِهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ() وَفِ اُلْأَرْضِ ءَايٌَلِّلْمُوقِنِينَ ﴿ وَفِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (®] وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُّكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٤) فَوَرَبِّ ﴿ هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ الْمُّْرَمِينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ ( ٢٤ إِذْدَ خَلُواْعَلَيْهِ فَقَالُواْسَلَمَا قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُّنْكُرُونَ (٢٥ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ معنى قوله عز وجل: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون﴾ أن نومهم كان قليلاً لاشتغالهم بالصلاة والعبادة، فالمراد من كل ليلة، والهجوع: النوم. وقال الأحنف بن قيس: لست من أهل هذه الآية، وهذا إنصاف منه. وقيل لبعض التابعين مدح الله قوماً ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون﴾، ونحن قليل من الليل ما نقوم، فقال رحم الله عبداً رقد، إذا نعس، وأطاع ربه إذا استيقظ. وفسر أنس بن مالك هذه الآية بأنهم كانوا ينتفلون بين المغرب والعشاء، وقال الربيع بن خيثم، المعنى: كانوا يصيبون من الليل حظاً. وقال مطرف بن عبد الله، المعنى: قل ليلة أتت عليهم هجوعها كله، وقاله ابن أبي نجيح ومجاهد، فالمراد عند هؤلاء بقوله: ﴿من الليل﴾ أي من الليالي. وظاهر الآية عندي أنهم كانوا يقومون الأكثر من ليلهم، أي من كل ليلة وقد قال الحسن في تفسير هذه الآية: كابدوا قيام الليل لا ينامون منه إلا قليلاً. وأما إعراب الآية: فقال الضحاك في كتاب الطبري ما يقتضي أن المعنى ﴿كانوا قليلاً﴾ في عددهم -- ١٧٥ تفسير سورة الذاريات / الآيات: ١٧ - ٢٦ وتم خبر كان، ثم ابتدأ ﴿من الليل ما يهجعون﴾ فـ ﴿ما﴾: نافية. و﴿قليلاً﴾ وقف حسن. وقال بعض النحاة: (ما) زائدة، و﴿قليلا﴾ مفعول مقدم بـ ﴿يهجعون﴾. وقال جمهور النحويين ﴿ما﴾ مصدرية و ﴿قليلاً﴾ خبر ((كان))، والمعنى كانوا قليلاً من الليل هجوعهم. والهجوع مرتفع بـ ((قليل)) على أنه فاعل، وعلى هذا الإعراب يجيء قول الحسن وغيره، وهو الظاهر عندي أن المراد كان هجوعهم من الليل قليلاً. وفسر ابن عمر والضحاك ﴿يستغفرون﴾ بـ ((يصلون)). وقال الحسن معناه: يدعون في طلب المغفرة، و((الأسحار)) مظنة الاستغفار. ويروى أن أبواب الجنة تفتح سحر كل يوم. وفي قصة يعقوب عليه السلام في قوله: ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ [يوسف: ٩٨] قال أخر الاستغفار لهم إلى السحر. قال ابن زيد في كتاب الطبري: السحر: السدس الآخر من الليل. وقوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق﴾ الصحيح أنها محكمة، وأن هذا الحق هو على وجه الندب، لا على وجه الفرض، و: ﴿معلوم﴾ يراد به متعارف، وكذلك قيام الليل الذي مدح به ليس من الفرائض، وأكثر ما تقع الفريضة بفعل المندوبات، وقال منذر بن سعيد: هي الزكاة المفروضة وهذا ضعيف، لأن السورة مكية وفرض الزكاة بالمدينة. وقال قوم من المتأولين: كان هذا ثم نسخ بالزكاة، وهذا غير قوي وما شرع الله عز وجل بمكة قبل الهجرة شيئاً من أخذ الأموال. واختلف الناس في ﴿المحروم﴾ اختلافاً، هو عندي تخليط من المتأخرين، إذ المعنى واحد، وإنما عبر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات فجعلها المتأخرون أقوالاً وحصرها مكي ثمانية . و: ﴿المحروم﴾ هو الذي تبعد عنه ممكنات الرزق بعد قربها منه فيناله حرمان وفاقة، وهو مع ذلك لا يسأل، فهذا هو الذي له حق في أموال الأغنياء كما للسائل حق، قال الشعبي: أعياني أن أعلم ما ﴿المحروم﴾؟ وقال ابن عباس: ﴿المحروم﴾: المعارف الذي ليس له في الإسلام سهم مال، فهو ذو الحرفة المحدود. وقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هذا ﴿المحروم﴾. وقال زيد بن أسلم: هو الذي أجيحت ثمرته من المحرومين، والمعنى الجامع لهذه الأقوال أنه الذي لا مال له لحرمان أصابه، وإلا فالذي أجيحت ثمرته وله مال كثير غيرها فليس في هذه الآية بإجماع، وبعد هذا مقدر من الكلام تقديره: فكونوا مثلهم أيها الناس وعلى طريقتهم فإن النظر المؤدي إلى ذلك متوجه، فـ ﴿في الأرض آيات﴾ لمن اعتبر وأيقن. قال القاضي أبو محمد: وهذه إشارة إلى لطائف الحكمة وعجائب الخلقة التي في الأرضين والجبال والمعادن والعيون وغير ذلك. وقرأ قتادة: ((آية)) على الإفراد. وقوله تعالى: ﴿وفي أنفسكم﴾ إحالة على النظر في شخص الإنسان فإنه أكثر المخلوقات التي لدينا عبرة لما جعل الله فيه مع كونه من تراب من لطائف الحواس ومن أمر النفس وجهاتها ونطقها، واتصال هذا الجزء منها بالعقل، ومن هيئة الأعضاء واستعدادها لتنفع أو تجمل أو تعين. قال ابن زيد: إنما القلب مضغة في جوف ابن آدم جعل الله فيه العقل، أفيدري أحد ما ذاك العقل؟ وما صفته؟ وكيف هو؟ وقال الرماني : النفس خاصة: الشيء التي لو بطل ما سواها مما ليست مضمنة به لم تبطل، وهذا تعمق لا أحمده. وقوله: ﴿أفلا تبصرون﴾ توقيف وتوبيخ . ١٧٦ تفسير سورة الذاريات / الآيات: ١٧ - ٢٦ وقوله تعالى: ﴿وفي السماء رزقكم﴾. قال الضحاك وابن جبير: أراد المطر والثلج. وقال واصل الأحدب ومجاهد: أراد القضاء والقدر، أي الرزق عند الله يأتي به كيف يشاء، لا رب غيره. وقرأ ابن محيصن (وفي السماء رزقكم)). و: ﴿توعدون﴾ يحتمل أن يكون من الوعد، ويحتمل أن يكون من الوعيد، والكل في السماء. قال الضحاك المراد: من الجنة والنار. وقال مجاهد المراد: الخير والشر. وقال ابن سيرين المراد: الساعة. ثم أقسم تعالى بنفسه على صحة هذا القول والخبر وشبهه في اليقين به بالنطق من الإنسان، وهو عنده في غاية الوضوح، ولا يمكن أن يقع فيه من اللبس ما يقع في الرؤية والسمع، بل النطق أشد تخلصاً من هذه واختلف القراء في قوله: ﴿مثل ما﴾، فقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ((مثلُ)) بالرفع، ورویت عن الحسن وابن أبي إسحاق والأعمش بخلاف عنهم. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر وأهل المدينة وجل الناس: ((مثلَ)) بالنصب، فوجه الأولى الرفْع على النعت، وجاز نعت النكرة بهذا الذي قد أضيف إلى المعرفة من حيث كان لفظ مثل شائعاً عاماً لوجوه كثيرة، فهو لا تعرفه الإضافة إلى معرفة، لأنك إذا قلت: رأيت مثل زيد فلم تعرف شيئاً، لأن وجوه المماثلة كثيرة، فلما بقي الشياع جرى عليه حكم النكرة فنعتت به النكرة. و﴿ما﴾ زائدة تعطي تأكيداً، وإضافة ((مثل)) هي إلى قوله: ﴿إنكم﴾. ووجه قراءة النصب أحد ثلاثة وجوه: إما أن يكون مثل قد بني لما أضيف إلى غير متمكن وهو في موضع رفع على الصفة ﴿لحق﴾ ولحقه البناء، لأن المضاف إليه قد يكسب المضاف بعض صفته كالتأنيث في قوله: شرقت صدر القناة. ونحوه، وکالتعريف في غلام زید إلى غير ذلك، ویجري «مثل» حينئذ مجرى ﴿عذاب يومئذ﴾ [المعارج: ١١] على قراءة من فتح الميم، ومنه قول الشاعر [النابغة الذبياني]: [الطويل] على حين عاتبت المشيب على الصبا ومنه قول الآخر: [البسيط] لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت فـ ((غير)) فاعلة ولكنه فتحها. والوجه الثاني وهو قول المازني إن ((مثلَ)) بني لكونه مع ﴿ما﴾ شيئاً واحداً، وتجيء على هذا في مضمار ويحما وأينما، ومنه قول حميد بن ثور: [الطويل] ألا هيما مما لقيت وهيما وويهاً لمن لم يدر ما هن ويحما فلولا البناء وجب أن يكون منوناً، وكذلك قول الشاعر [حسان بن ثابت]: [الطويل] فأكرم بنا أماً وأكرم بنا ابن ما والوجه الثالث: أن تنصب ((مثل)) على الحال من قوله: ﴿لحق﴾ وهي حال من نكرة وفيه خلاف لكن جوز ذلك الجرمي، وأما غيره فيراه حالاً من الذكر المرفوع في قوله ﴿لحق﴾ لأن التقدير ﴿لحق﴾ هو، وفي هذا نظر. والنطق في هذه الآية: الكلام بالحروف والأصوات في ترتيب المعاني. وروي أن بعض الأعراب الفصحاء سمع هذه الآية فقال: من أحوج الكريم إلى أن يحلف؟ والحكاية وقعت في كتاب الثعلبي وسبل ٠ ١٧٧ تفسير سورة الذاريات / الآيات: ٢٧ - ٣٦ الخيرات متممة عن الأصمعي، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قاتل الله قوماً أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدقوه))، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو فر أحدكم من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت))، وأحاديث الرزق والأشعار فيه كثيرة. وقوله: ﴿هل أتاك﴾ تقرير لتجتمع نفس المخاطب، وهذا كما تبدأ المرء إذا أردت أن تحدثه بعجيب فتقرره هل سمع منك أم لا؟ فكأنه تقتضي منه أن يقول لا ويستطعمك الحديث. و: ﴿ضيف﴾ اسم جنس يقع للجميع والواحد. وروي أن أضياف إبراهيم هؤلاء: جبريل ومكائيل وإسرافيل وأتباع لهم من الملائكة. وجعلهم تعالى ((مكرمين)) إما لأنهم عنده كذلك، وهذا قول الحسن. وإما من حيث أكرمهم إبراهيم وخدمهم هو وسارة. وذبح لهم العجل. وقيل من حيث رفع مجالسهم و: ﴿سلاماً﴾ منصوب على المصدر كأنهم قالوا: تسلم سلاماً: أو سلمت سلاماً، ويتجه فيه أن يعمل فيه ﴿قالوا﴾ على أن نجعل ﴿سلاماً﴾ بمنزلة قولاً. ويكون المعنى حينئذ أنهم قالوا تحية وقولاً معناه: ﴿سلاماً﴾، وهذا قول مجاهد. وقوله: ﴿سلام﴾ مرتفع على خبر ابتداء. أي أمر ﴿سلام﴾. أو واجب لكم ﴿سلام﴾، أو على الابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: سلام عليكم وإبراهيم عليه السلام قد حيا بأحسن لأن قولهم دعاء وقوله واجب قد تحصل لهم. وقرأ ابن وثاب والنخعي وحمزة والكسائي وطلحة وابن جبير قال: ((سِلْم)) بكسر السين وسكون اللام. والمعنى نحن سلم وأنتم سلم. وقوله: ﴿قوم منكرون﴾ معناه: لا نميزهم ولا عهد لنا بهم. وهذا أيضاً على تقدير: أنتم ﴿قوم منكرون﴾ وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في تلك الأرض وفي ذلك الزمن و: ((راغ)) معناه مضى إثر حديثه مخفياً زواله مستعجلاً. كأنه لم يرد أن يفارقهم فمضى إلى ناحية من داره مستعجلاً ورجع من حينه. وهذا تشبيه بالروغان المعروف، لأن الرائغ يوهم أنه لم يزل. والعجل: هو الذي حنذه، والقصة قد مضت مستوعبة في غير هذه السورة، وروي عن قتادة أن أكثر مال إبراهيم كان البقر وكان مضيافاً. وحسبك أنه أوقف للضيافة أوقافاً تمضيها الأمم على اختلاف أديانها وأجناسها . قوله عز وجل: فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُونَ * فَأَوْحَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ (٢٨ قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ إِنَّهُهُوَ فَأَقْلَتِ أَمْرَأَتُ فِى صَرَّةِ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُورٌ عَقِيمٌ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ لـ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿ قَالُواْإِنَّا أَرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ (َالِتُرْسِلَ ٣٠ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ (٣٦) مُسَوَّمَةً عِندَرَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴿ فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٣٥ وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) المعنى ﴿فقربه إليهم) فأمسكوا عنه فقال: ﴿ألا تأكلون) فيروى في الحديث أنهم قالوا: لا ١٧٨ تفسير سورة الذاريات / الآيات: ٢٧ - ٣٦ نأكل إلا ما أدينا ثمنه. فقال إبراهيم وأنا لا أبيحه لكم إلا بثمن. قالوا: وما هو؟ قال: أن تسموا الله تعالى عند الابتداء وتحمدوه عند الفراغ من الأكل. فقال بعضهم لبعض: بحق اتخذه الله خليلاً. فلما استمروا على ترك الأكل ﴿أوجس منهم خيفة﴾. والوجيس تحسيس النفس وخواطرها في الحذر. وذلك أن أكل الضيف أمنة ودليل على انبساط نفسه والطعام حرمة وذمام. والامتناع منه وحشة. فخشي إبراهيم عليه السلام أن امتناعهم من أكل طعامه إنما هو لشر يريدونه، فقالوا له: ﴿لا تخف﴾ وعرفوه أنهم ملائكة، ﴿وبشروه﴾ وبشروا سارة معه ﴿بغلام عليم). أي عالم في حال تكليفه وتحصيله، أي سيكون عليماً و: ﴿عليم﴾ بناء مبالغة. وجمهور الناس على أن الغلام هنا إسحاق ابن سارة الذي ذكرت البشارة به في غير موضع. وقال مجاهد، هذا الغلام هو إسماعيل. والأول أرجح، وهذا وهم. ويروى أنه إنما عرف كونهم ملائكة استدلالاً من بشارتهم إياه بغيب. وقوله تعالى: ﴿فأقبلت امرأته﴾ يحتمل أن يكون قربت إليهم من ناحية من نواحي المنزل، ويحتمل أن يكون هذا الإقبال كما تقول: أقبل فلان يشتمني، أو يفعل كذا إذا جد في ذلك وتلبس به، والصرة: الصيحة، كذا فسره ابن عباس ومجاهد وسفيان والضحاك، والمصطر الدي يصيح وقال قتادة معناه: في رقة. وقال الطبري قال بعضهم أوه بصياح وتعجب. قال النحاس: وقيل: ﴿في صرة﴾ في جماعة نسوة يتبادرن نظراً إلى الملائكة. وقوله: ﴿فصكت وجهها﴾، معناه: ضربت وجهها، قال ابن عباس: لطمت، وهذا مما يفعله الذي يرد عليه أمر يستهوله. وقال سفيان والسدي ومجاهد معناه: ضربت بكفها جبهتها وهذا مستعمل في الناس حتى الآن. وقولها: ﴿عجوز عقيم﴾، إما أن يكون تقديره: أنا ﴿عجوز عقيم﴾ فكيف ألد؟ وإما أن يكون التقدير: ﴿عجوز عقيم﴾ تكون منها ولادة، وقدره الطبري: أتلد ﴿عجوز عقيم﴾. ويروى أنها كانت لم تلد قط. والعقيم من النساء التي لا تلد، ومن الرياح التي لا تلقح شجراً، فهي لا بركة فيها، وقولهم: ﴿كذلك قال ربك﴾ أي كقولنا الذي أخبرناك قال ربك أن يكون. و: ﴿الحكيم) ذو الحكمة. و: ﴿العليم) معناه بالمصالح وغير ذلك من العلومات ثم قال إبراهيم عليه السلام للملائكة: ﴿فما خطبكم﴾ والخطب: الأمر المهم، وقل ما يعبر به إلا عن الشدائد والمكاره حتى قالوا: خطوب الزمان ونحو هذا، فكأنه يقول لهم: ما هذه الطامة التي جئتم لها؟ فأخبروه حينئذ أنهم أرسلوا إلى سدوم قرية لوط بإهلاك أهلها الكفرة العاصين المجرمين. والمجرم: فاعل الجرائم، وهي صعاب المعاصي : كفر ونحوه واحدتها جريمة. وقولهم: (لنرسل عليهم﴾ أي لنهلكهم بهذه الحجارة. ومتى اتصلت (أرسل)) بـ ((على)): فهي بمعنى المبالغة في المباشرة والعذاب. ومتى اتصلت بـ ((إلى))، فهي أخف. وانظر ذلك تجده مطرداً . وقوله تعالى: ﴿حجارة من طين﴾ بيان يخرج عن معتاد حجارة البرد التي هي من ماء. ويروى أنه طين طبخ في نار جهنم حتى صار حجارة كالآجر. و: ﴿مسومة﴾ نعت لـ ﴿حجارة﴾، وقيل معناه متروكة وسومها من الإهلاك والانصباب. وقيل معناه: معلمة بعلامتها من السيما والسومى وهي العلامة، أي إنها ليست من حجارة الدنيا، وقال الزهراوي والرماني، وقيل معناه: على كل حجر اسم المضروب به. وقال ١٧٩ تفسير سورة الذاريات / الآيات: ٣٧ - ٤٤ الرماني وقيل كان عليها أمثال الخواتم. وقال ابن عباس: تسويمها إن كان في الحجارة السود نقط بيض وفي البيض سود. ويحتمل أن يكون المعنى: أنها بجملتها معلومة عند ربك لهذا المعنى معلمة له. لا أن كل واحد منها له علامة خاصة به. والمسرف: الذي يتعدى الطور، فإذا جاء مطابقاً فهو لأبعد الغايات الكفر فما دونه . ثم أخبر تعالى أنه أخرج بأمره من كان في قرية لوط ﴿من المؤمنين) منجياً لهم. وأعاد الضمير على القرية. ولم يصرح لها قبل ذلك بذكر لشهرة أمرها. ولأن القوم المجرمين معلوم أنهم في قرية ولا بد. قال المفسرون: ولا فرق بين تقدم ذكر المؤمنين وتأخره ، وإنما هما وصفان ذكرهم أولاً بأحدهما ثم آخر بالثاني. قال الرماني: الآية دالة على أن الإيمان هو الإسلام. قال القاضي أبو محمد: ويظهر إليّ أن في المعنى زيادة تحسن التقديم للإيمان، وذلك أنه ذكره مع الإخراج من القرية، كأنه يقول: نفذ أمرنا بإخراج كل مؤمن، ولا يشترط فيه أن يكون عاملاً بالطاعات. بل التصديق بالله فقط . ثم لما ذكر حال الموحدين ذكرهم بالصفة التي كانوا عليها، وهي الكاملة التصديق والأعمال، والبيت من المسلمين: هو بيت لوط، وكان هو وابنتاه، وقيل وبنته. وفي كتاب الثعلبي: وقيل لوط وأهل بيته ثلاثة عشر، وهلكت امرأته فيمن هلك، وهذه القصة بجملتها ذكرت على جهة المثال لقريش. أي أنهم إذا كفروا وأصابهم مثل ما أصاب هؤلاء المذكورين. قوله عز وجل : وَتَرَكْنَا فِيهَاَ ءَايَةٌ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿وَفِى مُوسَىَّ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ٣٨ فَتَوَّ بِرَّكْتِهِ مَوَقَالَ سَحِّأَوْ مَجْنُونٌ ﴿ فَأَخَذْنَهُ وَحُرَهُ فَنَبَذْتَهُمْ فِ آلْيَمِ وَهُوَ مُّلِيمٌ ﴿ وَ فِ عَادِ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ اَلْعَقِيمَ ﴿ مَانَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ()] وَفِي ثَمُودَ إِذْقِلَ لَهُمْ تَمَنَّعُواْ LE حَتَّى حِينٍ ﴿ فَعَتَوْ عَنْ أَمْرِرَتِهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ المعنى: ﴿وتركنا﴾ في القرية المذكورة، وهي سدوم أثراً من العذاب باقياً مؤرخاً لا يفنى ذكره فهو: ﴿آية﴾ أي علامة على قدرة الله وانتقامه من الكفرة. ويحتمل أن يكون. والمعنى: ﴿وتركنا﴾ في أمرها كما قال: ﴿لقد كان في يوسف﴾ [يوسف: ٧] وقال ابن جريج: ترك فيها حجراً منضوداً كثيراً جداً. و: ﴿الذين يخافون العذاب﴾ هم العارفون بالله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وفي موسى﴾ يحتمل أن يكون عطفاً على قوله ﴿فيها﴾ أي وتركنا في موسى وقصته أثراً أيضاً هو آية. ويحتمل أن يكون عطفاً على قوله قيل: ﴿وفي الأرض آيات﴾ [الذاريات: ٢٠]، ﴿وفي موسى﴾. و: ﴿فرعون) هو صاحب مصر. والسلطان في هذه الآية الحجة و: ﴿تولى﴾ معناه: فأعرض وأدبر عن أمر الله و: ﴿بركنه﴾ بسلطانه وجنده وشدة أمره. وهو الأمر الذي يركن فرعون إليه ويسند في ١٨٠ تفسير سورة الذاريات / الآيات: ٣٧ - ٤٤ شدائده. قال ابن زيد: ﴿بركنه﴾ بجموعه قال قتادة: بقومه. وقول فرعون في موسى ﴿ساحر أو مجنون﴾ هو تقسيم ظن أن موسى لا بد أن يكون أحد هذين. وقال أبو عبيدة: ﴿أو﴾ هنا بمعنى الواو. واستشهد ببيت جرير: [الوافر] أثعلبة الفوارس أو رياحاً عدلت بهم طهية والخشابا والخشاب: بيوت في بني تميم، وقول أبي عبيدة ضعيف لا داعية إليه في هذا الموضع. و: ﴿نبذناهم﴾ معناه: طرحناهم و: ﴿اليم﴾ البحر. وفي مصحف ابن مسعود: ((فنبذناه))، و((المليم)): الذي أتى من المعاصي ونحوها ما يلام عليه وقال أمية بن أبي الصلت: [الوافر] ومن يخذل أخاه فقد ألاما وقوله: ﴿وفي عاد﴾ عطف على قوله: ﴿وفي موسى﴾، و﴿عاد﴾ هي قبيلة هود النبي عليه السلام. و﴿العقيم﴾ التي لا بركة فيها ولا تلقح شجراً ولا تسوق مطراً. وقال سعيد بن المسيب: كانت ريح الجنوب. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: كانت نكباء. وهذا عندي لا يصح عن علي رضي الله عنه لأنه مردود بقوله صلى الله عليه وسلم: ((نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور)) و: ﴿تذر﴾ معناه: تدع. وقوله تعالى: ﴿من شيء أتت عليه﴾ يعني مما أذن لها في إهلاكه. و: ﴿الرميم﴾ الفاني المتقطع ببساً أو قدماً من الأشجار والورق والحبال والعظام، ومنه قوله تعالى ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨] أي في قوام الرمال وروي أن تلك الريح كانت تهب على الناس فيهم العادي وغيره، فتنتزع العادي من بین الناس وتذهب به. وقوله تعالى: ﴿وفي ثمود إذا قيل لهم تمتعوا حتى حين﴾ يحتمل أن يريد إذ قيل لهم في أول بعث صالح آمنوا وأطيعوا فتمتعوا متاعاً حسناً إلى آجالكم، وهو الجين على هذا التأويل وهو قول الحسن حكاه عن الرماني، ويجيء قوله تعالى: ﴿فعتوا﴾ مرتباً لفظاً في الآية ومعنى في الوجود متأخراً عن القول لهم ﴿تمتعوا﴾، ويحتمل أن يريد: إذا قيل لهم بعد عقر الناقة: ﴿تمتعوا﴾ في داركم ثلاثة، وهي الحين على هذا التأويل وهو قول الفراء، ويجيء قوله: ﴿فعتوا﴾ غير مرتب المعنى في وجوده، لأن عتوهم: كان قبل أن يقال لهم ﴿تمتعوا﴾ وكأن المعنى فكان من أمرهم قبل هذه المقالة أن عتوا وهو السبب في أن قيل لهم ذلك وعذبوا . وقرأ جمهور القراء: ((الصاعقة)) وقرأ الكسائي وهي قراءة عمر وعثمان ((الصعقة))، وهي على القراءتين الصيحة العظيمة، ومنه يقال للوقعة الشديدة من الرعد: صاعقة. وهي التي تكون معها النار التي يروى في الحديث أنها من المخراق الذي بيد ملك يسوق السحاب. وقوله: ﴿وهم ينظرون﴾ يحتمل أن يريد فجأة وهم يبصرون بعيونهم حالهم، وهذا قول الطبري ويحتمل أن يريد: ﴿وهم ينظرون﴾ ذلك في تلك الأيام الثلاثة التي أعلموا به فيها ورأوا علاماته في تلونه، وهذا قول مجاهد حسبما تقدم تفسيره، وانتظارهم العذاب هو أشد من العذاب. ٠ :