Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ تفسير سورة الجاثية / الآيات: ٧ - ١١ قوله عز وجل : ٨ يَسْمَعُ ءَايَتِ اللَّهِ تُغْلَى عَلَيْهِ ثُمَ يُصِرُ مُسْتَكِْرًا كَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرَهُ بِعَذَابٍ أَلِيم وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاءٍ أَثِمٍ ـ مِّن وَرَآبِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِى عَنْهُمْ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُرُوَا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ أَهَذَا هُدَى وَالَّذِينَ كَفَرُوْنَايَتِ ١٠ مَّا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَ مَا آَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَّاً، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمُ( رَبِهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزِ أَلِيهُ الويل في كلام العرب: المصائب والحزن والشدة من هذه المعاني، وهي لفظة تستعمل في الدعاء على الإنسان. وروي في بعض الآثار أن في جهنم وادياً اسمه: ﴿ويل﴾، وذهب الطبري إلى أنه المراد بالآية، ومقتضى اللغة أنه الدعاء على أهل الإفك والإثم بالمعاني المتقدمة. والأفاك: الكذاب الذي يقع منه الإفك مراراً. والأثيم: بناء مبالغة، اسم فاعل من أثم يأثم. وروي أن سبب هذه الآية أبو جهل، وقيل النضر بن الحارث، والصواب أن سببها ما كان المذكوران وغيرهما يفعل، وأنها تعم كل من دخل تحت الأوصاف المذكورة إلى يوم القيامة: و: ﴿يصر﴾ معناه: يثبت على عقيدته من الكفر. وقوله: ﴿فبشره بعذاب﴾ حسن ذلك لما أفصح عن العذاب، ولو كانت البشارة غير مقيدة بشيء لما حصلت إلا على المحاب. وقرأ جمهور الناس: ((وإذا عَلِمَ)) بفتح العين وتخفيف اللام، والمعنى: وإذا أخبر بشيء ﴿من آياتنا﴾ فعلم نفس الخبر لا المعنى الذي تضمنه الخبر ولو علم المعاني التي تضمنها إخبار الشرع وعرف حقائقها لكان مؤمناً. وقرأ قتادة ومطر الوراق ((عُلَّم)) بضم العين وشد اللام. وقوله: ﴿أولئك﴾ رد على لفظ كل أفاك، لأنه اسم جنس له الصفات المذكورة بعد قوله: ﴿من ورائهم جهنم﴾ قال فيه بعض المفسرين معناه: من أمامهم، وهذا نحو الخلاف الذي في قوله تعالى: ﴿وكان وراءهم ملك﴾ [الكهف: ٧٩] ولحظ قائل هذه المقالة الأمر من حيث تأول أن الإنسان كأنه من عمره يسير إلى جنة أو نار، فهما أمامه، وليس لفظ الوراء في اللغة كذلك، وإنما هو ما يأتي خلف الإنسان، وإذا اعتبر الأمر بالتقدم أو التأخر في الوجود، على أن الزمان كالطريق للأشياء استقام الأمر، فما يأتي بعد الشيء في الزمان فهو وراءه، فكأن الملك وأخذه السفينة وراء ركوب أولئك إياها، وجهنم وإحراقها للكفرة يأتي بعد كفرهم وأفعالهم، وهذا كما تقول: افعل كذا وأنا من ورائك عضداً، وكما تقول ذلك على التهديد، أنا من وراء التقصي عليك، ونحو هذا. وقوله تعالى: ﴿ولا ما اتخذوا﴾ يعني بذلك الأوثان . . وقوله تعالى: ﴿هذا هدى﴾ إشارة إلى القرآن. ٨٢ تفسير سورة الجاثية / الآيات: ١٢ - ١٤ وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: ((أليمٌ)) على النعت لـ ﴿عذاب﴾ وهي قراءةٍ ابن محيصن وابن مصرف وأهل مكة. وقرأ الباقون: ((أليمٍ)) على النعت لـ ﴿رجز﴾ وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وشيبة وعيسى والأعمش. والرجز: أشد العذاب. وقوله: ﴿لهم عذاب﴾ بمنزلة قولك: لهم حظ، فمن هذه الجهة ومن جهة تغاير اللفظتين حسن قوله: ﴿عذاب من رجز﴾ إذ الرجز هو العذاب. قوله عز وجل : اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَخْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَلِنَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْتَشَّكُرُونَ (٣] وَسَخَرَلَكُمْمَّافِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ ١٤ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اَللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًا بِمَا كَانُوايَكْسِبُونَ هذه آية عبرة في جريان السفينة في البحر، وذلك أن الله تعالى سخر هذا المخلوق العظيم لهذا المخلوق الحقير الضعيف. وقوله: ﴿بأمره﴾ أقام القدرة والإذن مناب أن يأمر البحر والناس بذلك. والابتغاء من فضل الله: هو بالتجارة في الأغلب، وكذلك مقاصد البر من حج أو جهاد هي أيضاً ابتغاء فضل، والتصير فيه هو ابتغاء فضل. وتسخير ﴿ما في السماوات): هو تسخير الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والهواء والملائكة الموكلة بهذا كله، ويروى أن بعض الأحبار نزل به ضيف فقدم إليه رغيفاً، فكأن الضيف احتقره فقال له المضيف: لا تحتقره فإنه لم يستدر حتى تسخر فيه من المخلوقات والملائكة ثلاثمائة وستون بین ما ذكرنا من مخلوقات السماء وبين الملائكة وبين صناع بني آدم الموصلين إلى استدارة الرغيف، وتسخير ما في الأرض هو تسخير البهائم والمياه والأودية والجبال وغير ذلك. ومعنى قوله: ﴿جميعاً منه﴾ قال ابن عباس: كل إنعام فهو من الله تعالى . وقرأ جمهور الناس: ((منه)) وهو وقف جيد. وقرأ مسلمة بن محارب: ((مَنَّه)) بفتح الميم وشد النون المضمومة بتقدير: هو منه. وقرأ ابن عباس: بكسر الميم وفتح النون المشددة ونصب الناء على المصدر. قال أبو حاتم: سند هذه القراءة إلى ابن عباس مظلم، وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس وعبد الله بن عمر والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير. وقرأ مسلمة بن محارب أيضاً: ((مِنةٌ)) بكسر الميم وبالرفع في التاء. وقوله تعالى: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾ الآية، آية نزلت في صدر الإسلام، أمر الله المؤمنين فيها أن يتجاوزوا عن الكفار وأن لا يعاقبوهم بذنب، بل يأخذون أنفسهم بالصبر، قاله محمد بن كعب القرظي والسدي. قال أكثر الناس: وهذه آية منسوخة بآية القتال وقالت فرقة: الآية محكمة، والآية تتضمن الغفران عموماً، فينبغي أن يقال: إن الأمور العظام كالقتل والكفر مجاهرة ونحو ذلك قد نسخ غفرانه آية السيف ٨٣ تفسير سورة الجاثية / الآيات: ١٥ - ١٧ والجزية وما أحكمه الشرع لا محالة، وإن الأمور المحقرة كالجفاء في القول ونحو ذلك يحتمل أن يتقى محكمه، وأن يكون العفو عنها أقرب إلى التقوى. وقال ابن عباس لما نزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال فنحاص اليهودي. احتاج رب محمد، فأخذ عمر سيفه ومر ليقتله، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((إن ربك يقول: ﴿قل للذين آمنوا﴾)) الآية، فهذا احتجاج بها مع قدم نزولها. وقد ذكر مكي وغيره أنها نزلت بمكة في عمر رضي الله عنه لما أراد أن يبطش بمشرك شتمه . وأما الجزم في قوله: ﴿يغفروا﴾ فهو جواب شرط مقدر تقديره: قل اغفروا فإن يجيبوا يغفروا. وأخصر عندي من هذا أن ﴿قل﴾ هي بمثابة: أندب المؤمنين إلى الغفر. وقوله: ﴿أيام الله﴾ قالت فرقة معناه: أيام إنعامه ونصره وتنعيمه في الجنة وغير ذلك، فـ ﴿يرجون) على هذا هو من بابه. وقال مجاهد: ﴿أيام الله﴾ تعالى هي أيام نقمه وعذابه، فـ ﴿يرجون﴾ على هذا هي التي تتنزل منزلة يخافون، وإنما تنزلت منزلتها من حيث الرجاء والخوف متلازمان لا تجد أحدهما إلا والآخر معه مقترن، وقد تقدم شرح هذا غير مرة، وقرأ جمهور القراء ((ليجزي)) بالياء على معنى: ليجزي الله. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والأعمش وأبو عبد الرحمن وابن وثاب: ((لنجزي)) بالنون. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بخلاف عنه ((لُيُجزَى)) على بناء الفعل للمفعول ((قوماً))، وهذا على أن يكون التقدير: ليجزي الجزاء قوماً، وباقي الآية وعيد. قوله عز وجل : مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (9) وَلَقَدْءَانَيْنَابَنِىّ إِسْرَءِ يلَ اَلْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿ وَءَاتَيْنَهُمْ بَيِّنَاتٍ مِّنَ اُلْأَمْرِّ فَمَا اخْتَلَفُواْإِلَّا مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَالْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ١٧ لما تقرر في التي قبل هذه أن الله يجزي قوماً بكسبهم ويعاقبهم بذنوبهم واحترامهم، أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿من عمل صالحاً فلنفسه﴾. وقوله: ﴿فلنفسه﴾ هي لام الحظ، لأن الحظوظ والمحاب إنما يستعمل فيها اللام التي هي كلام الملك، تقول الأمور لزيد متأتية، وتستعمل في ضد ذلك على، فتقول: الأمور على فلان مستصعبة، وتقول: لزيد مال وعليه دين، وكذلك جاء العمل الصالح في هذه الآية باللام والإشارة بـ ((على)). وقوله تعالى: ﴿ثم إلى ربكم ترجعون﴾ معناه إلى قضائه وحكمه، و ﴿الكتاب﴾ في قوله: ﴿آتينا بني إسرائيل الكتاب﴾ هو التوراة. ﴿والحكم) هو السنة والفقه، فيقال إنه لم يتسع فقه الأحكام على لسان نبي ما اتسع على لسان موسى عليه السلام: ﴿والنبوءة﴾ هي ما تكرر فيهم من الأنبياء. وقوله تعالى: ﴿ورزقناهم من الطيبات﴾ يعني المستلذات الحلال، وبهذين تتم النعمة ويحسن ٨٤ تفسير سورة الجاثية / الآيات: ١٨ - ٢١ تعديدها، وهذه إشارة إلى المن والسلوى، وطيبات الشام بعد، إذ هي الأرض المباركة، وقد تقدم القول في معنى ﴿الطيبات﴾، وتلخيص قول مالك والشافعي في ذلك. وقوله تعالى: ﴿على العالمين) يريد على عالم زمانهم. والبينات من الأمر: هو الوحي الذي فصلت لهم به الأمور. ثم أوضح تعالى خطأهم وعظمه بقوله: ﴿فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم﴾ وذلك أنهم لو اختلفوا اجتهاداً في طلب صواب لكان لهم عذر في الاختلاف، وإنما اختلفوا بغياً وقد تبينوا الحقائق، ثم توعدهم تعالى بوقف أمرهم على قضائه بينهم يوم القيامة . قوله عز وجل : إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ ١٨ ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ اُلْأَمْرِ فَأَتَِّعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الَّلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّفِينَ ﴿هَذَا بَصَّبِرُ لِلنَّاسِ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ٢٠ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ ثُوقِنُونَ ٢١ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءَ ◌َّحْيَهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ المعنى: ﴿ثم جعلناك على شريعة﴾، فلا محالة أنه سيختلف عليك كما تقدم لبني إسرائيل فاتبع شريعتك، والشريعة في كلام العرب: الموضع الذي يرد فيه الناس في الأنهار والمياه ومنه قول الشاعر: [البسيط]. وفي الشرائع من جلان مقتنص رث الثياب خفيّ الشخص منسرب فشريعة الدين هي من ذلك، كأنها من حيث يرد الناس أمر الحدود ورحمته والقرب منه. وقال قتادة: الشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي . وقوله: ﴿من الأمر﴾ يحتمل أن يكون واحد الأمور أي من دون الله ونبواته التي بثها في سالف الزمان، ويحتمل أن يكون مصدراً من أمر يأمر، أي على شريعة من الأوامر والنواهي، فسمى جميع ذلك أمراً . و﴿الذين لا يعلمون﴾ هم الكفار الذين كانوا يريدون صرف محمد صلى الله عليه وسلم إلى إرادتهم. و: ﴿يغنوا﴾ من الغناء، أي لن يكون لهم عنك دفاع. ثم حقر تعالى شأن الظالمين مشيراً بذلك إلى كفار قريش، ووجه التحقير أنه قال: هؤلاء يتولى بعضهم بعضاً، والمتقون يتولاهم الله، فخرجوا عن ولاية الله وتبرأت منهم، ووكلهم الله بعضهم إلى بعض. وقوله تعالى: ﴿هذا بصائر﴾ يريد القرآن. والبصائر جمع بصيرة، وهي المعتقد الوثيق في الشيء، كأنه مصدر من إبصار القلب، فالقرآن فيه بيانات ينبغي أن تكون بصائر. والبصيرة في كلام العرب: الطريقة من الدم، ومنه قول الشاعر يصف جده في طلب الثأر وتواني غيره؛ [الكامل] ٨٥ تفسير سورة الجاثية / الآيات : ١٨ - ٢١ راحوا بصائرهم على أكتافهم وبصيرتي يعدو بها عند وأى وفسر الناس هذا البيت بطريقة الدم إذ كانت عادة طالب الدم عندهم أن يجعل طريقة من دم خلف ظهره ليعلم بذلك أنه لم يدرك ثأره وأنه يطلبه، ويظهر فيه أنه يريد بصيرة القلب، أي قد اطرح هؤلاء بصائرهم وراء ظهورهم. وقوله تعالى: ﴿أم حسب﴾ الآية قول يقتضي أنه نزل بسبب افتخار كان للكفار على المؤمنين قالوا لئن كانت آخرة كما تزعمون لنفضلن عليكم فيها كما فضلنا في الدنيا. و: ﴿أم﴾ هذه ليست بمعادلة، وهي بمعنى بل مع ألف الاستفهام. و: ﴿اجترحوا﴾ معناه: اكتسبوا، ومنه جوارح الإنسان، ومنه الجوارح في الصيد، وتقول العرب: فلان جارحة أهله، أي كاسبهم. وقرأ أكثر القراء: ((سواءً)) بالرفع ((محياهم ومماتُهم)) بالرفع، وهذا على أن ((سواءً)) رفع بالابتداء ((ومحياهم ومماتُهم)) خبره. و: ﴿كالذين﴾ في موضع المفعول الثاني لـ ((نجعل))، وهذا على أحد معنيين: إما أن يكون الضمير في ﴿محياهم﴾ يختص بالكفار المجترحين، فتكون الجملة خبراً عن أن حالهم في الزمنين حال سوء. والمعنى الثاني: أن يكون الضمير في ﴿محياهم﴾ يعم الفريقين، والمعنى: أن محيا هؤلاء ومماتهم سواء، وهو كريم، ومحيا الكفار ومماتهم سواء، وهو غير كريم، ويكون اللفظ قد لف هذا المعنى وذهن السامع يفرقه، إذ تقدم أبعاد أن يجعل الله هؤلاء كهؤلاء. قال مجاهد: المؤمن يموت مؤمناً ويبعث مؤمناً، والكافر يموت كافراً ويبعث كافراً. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: مقتضى هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر لي أن قوله: ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾ داخل في المحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال، والأول أيضاً جيد. وقرأ طلحة وعيسى بخلاف عنه: ((سواءً)) بالنصب، ((محياهم ومماتُهم)) بالرفع، وهذا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون قوله: ﴿كالذين﴾ في موضع المفعول الثاني لـ ((جعل)) كما هو في قراءة الرفع، وينصب قوله: ((سواءً)) على الحال من الضمير في: ﴿نجعلهم). والوجه الثاني أن يكون قوله: ﴿كالذين﴾ فيّ نية التأخير، ويكون قوله: ((سواءً)) مفعولاً ثانياً لـ ((جعل))، وعلى كلا الوجهين: «محياهم ومماتُهم)) مرتفع بـ ((سواء)) على أنه فاعل. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم والأعمش ((سواءً)) بالنصب ((محياهم ومماتَهم)) بالنصب وذلك على الظرف أو على أن يكون ((محياهم)) بدلاً من الضمير في: ﴿نجعلهم﴾ أي نجعل محياهم ومماتهم سواء، وهذه الآية متناولة بلفظها حال العصاة من حال أهل التقوى، وهي موقف للعارفين فيكون عنده فيه، وروي عن الربيع بن خيثم أنه كان يرددها ليلة جمعاء، وكذلك عن الفضيل بن عياض، وكان يقول لنفسه: ليت شعري من أي الفريقين أنت، وقال الثعلبي: كانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين . قال القاضي أبو محمد: وأما لفظها فيعطي أنه اجتراح الكفر بدليل معادلته بالإيمان، ويحتمل أن تكون المعادلة بين الاجتراح وعمل الصالحات، ويكون الإيمان في الفريقين، ولهذا ما بكى الخائفون رضوان الله عليهم، وإما مفعولاً ﴿حسب﴾ فقولهم ﴿أن نجعلهم﴾ يسد مسد المفعولين. وقوله: ﴿ساء ما ٨٦ تفسير سورة الجاثية / الآيات: ٢٢ - ٢٤ يحكمون﴾، ﴿ما﴾ مصدرية، والتقدير: ساء الحكم حكمهم. قوله عز وجل : وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ يِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ أَفَرَءَيْتَ مَنِ آَّخَذَا إِلَهَهُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلٍْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (٣) وَقَالُوْمَا هِىَ إِلَّ حَيَانُنَا الدُّنْيَانَمُوتُ وَتَخَيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّ الدَّهْرُوَّمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْرِإِنْ هُمْ إِلََّ يَظُنُونَ ﴿وخلق الله السماوات والأرض بالحق﴾ معناه: بأن خلقها حق واجب متأكد في نفسه لما فيه من فيض الخيرات ولتدل عليه ولتكون صنعة حاكمة لصانع وقيل لبعض الحكماء: لم خلق الله السماوات والأرض؟ قال ليظهر جوده. واللام في قوله: ﴿لتجزى﴾ يظهر أن تكون لام كي، فكأن الجزاء من أسباب خلق السماوات، ويحتمل أن تكون لام الصيرورة أي صار الأمر فيها من حيث اهتدى بها قوم وضل عنها آخرون لأن يجازى كل أحد بعلمه وبما اكتسب من خير أو شر. وقوله تعالى: ﴿أفرأيت﴾ سهل بعض القراء الهمزة وخففها قوم، وكذلك هي في مصحف ابن مسعود مخففة، وفي مصحف أبي بن كعب: ((أفرايت)) دون همز. وهذ الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم عن المعرضين عن الإيمان، أي لا تعجل بهم ولا تهتم بأمرهم، فليس فيهم حيلة لبشر، لأن الله تعالى أضلهم. وقال ابن جبير: قوله: ﴿إلهه هواه﴾ إشارة إلى الأصنام إذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة. وقال قتادة المعنى: لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله، وهذا كما يقال: الهوى إله معبود. وقرأ الأعرج وابن جبير: ((آلهة هواه)) على التأنيث في ((آلهة)). وهذه الآية وإن كانت نزلت في هوى الكفر فهي متناولة جميع هوى النفس الأمارة، قال ابن عباس: ما ذكر الله هوى إلا ذمة. وقال الشعبي: سمي هوى لهويه بصاحبه. وقال النبي عليه السلام: والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله وقال سهل التستري: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وقال سهل: إذا شككت في خير أمرين، فانظر أبعدهما من هواك فأته. ومن حكمة الشعر في هذا قول القائل: إذا أنت لم تعص الهوى قادك الـ ـهوى إلى كل ما فيه عليك مقال وقوله تعالى: ﴿على علم﴾ قال ابن عباس المعنى: على علم من اللّه تعالى سابق. وقالت فرقة : أي على علم من هذا الضال بأن الحق هو الذي يترك ويعرض عنه، فتكون الآية على هذا من آيات العناد من نحو قوله: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤] وعلى كلا التأويلين: فـ ﴿على علم﴾، حال. وقوله تعالى: ﴿وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾ استعارات كلها، إذ هو الضال لا ينفعه ما يسمع ولا ما يفهم ولا ما يرى، فكأنه بهذه الأوصاف المذكورة، وهذه الآية لا حجة للجبرية فيها، --- ٨٧ تفسير سورة الجاثية / الآيات: ٢٢ - ٢٤ لأن التكسب فيها منصوص عليه في قوله: ﴿اتخذ﴾ وفي قوله: ﴿على علم﴾ على التأويل الأخير فيه، ولو لم ينص على الاكتساب لكان مراداً في المعنى. وقرأ أكثر القراء ((غشاوة)) بكسر الغين. وقرأ عبد الله بن مسعود: ((غَشاوة)) بفتح الغين وهي لغة ربيعة، وحكي عن الحسن وعكرمة: ((غُشاوة)) بضم الغين وهي لغة عكل، وقرأ حمزة والكسائي: ((غَشْوة)) بفتح الغين وإسكان الشين. وقرأ الأعمش وابن مصرف بكسر الغين دون ألف. وقوله: ﴿من بعد الله﴾ فيه حذف مضاف تقديره: من بعد إضلال الله إياه. وقرأ عاصم وأراه الجحدري: ((تذكرون)) بتخفيف الذال. وقرأ جمهور الناس: ((تذكرون)) على الخطاب أيضاً بتشديد الذال. وقرأ الأعمش: ((تتذكرون))بتاءين. وقوله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا﴾ الآية حكاية مقالة بعض قريش، وهذه صنيفة دهرية من كفار العرب. ومعنى قولهم: ما في الوجود إلا هذه الحياة التي نحن فيها وليست ثم آخرة ولا بعث. واختلف المفسرون في معنى قولهم: ﴿نموت ونحيا﴾ فقالت فرقة المعنى: نحن موق قبل أن نوجد، ثم نحيا في وقت وجودنا. وقالت فرقة: المعنى: ﴿نموت﴾ حين نحن نطف ودم، ثم ﴿نحيا﴾ بالأرواح فينا، وهذا قول قريب من الأول، ويسقط على القولين ذكر الموت المعروف الذي هو خروج الروح من الجسد، وهو الأهم في الذكر. وقالت فرقة المعنى نحيا ونموت، فوقع في اللفظ تقديم وتأخير. وقالت فرقة: الغرض من اللفظ العبارة عن حال النوع، فكأن النوع بجملته يقول: إنما نحن تموت طائفة وتحيا طائفة دأباً . وقولهم: ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾ أي طول الزمان هو الملهك، لأن الآفات تستوي فيه كمالاتها، فنفى الله تعالى علمهم بهذا وأعلم أنها ظنون وتخرص تفضي بهم إلى الإشراك بالله تعالى. و﴿الدهر﴾ والزمان تستعمله الغرب بمعنى واحد. وفي قراءة ابن مسعود: ((وما يهلكنا إلا دهر يمر)). وقال مجاهد: ﴿الدهر﴾ هنا الزمان، وروى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، ويفارق هذا الاستعمال قول النبي عليه السلام: ((لا تسبوا الدهر، فإن الله تعالى هو الدهر)) وفي حديث آخر: ((قال الله تعالى يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر بيدي الليل والنهار))، ومعنى هذا الحديث: فإن الله تعالى يفعل ما تنسبونه إلى الدهر وتسبونه بسبه. وإذا تأملت مثالات هذا في الكلام ظهرت إن شاء الله تعالى . قوله عز وجل : وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُواْ أَثْتُواْ بِئَبَآَيِنَآ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ يُحِيَكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْتُمَ يَجْمَعُكْإلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَأَرَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَيَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَبِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ [٣] وَتَرَى كُلّ أُمَّةٍ جَائِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَّ إِلَى قُلِ اللَّهُ ٢٥ ٨٨ تفسير سورة الجاثية / الآيات: ٢٥ - ٢٩ هَذَا كِتَبُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقّ إِنَّاكُنَا نَسْتَنْسِخُ مَاكُمْ كِتَبِهَا الْيَوْمَتُجْزَوَنَ مَاكُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩ تَعْمَلُونَ الضمير في: ﴿عليهم﴾ عائد على كفار قريش. والآيات: هي آيات القرآن وحروفه بقرينة قوله: ﴿تتلى﴾ وعابت هذه الآية سوء مقاولتهم، وأنهم جعلوا بدل الحجة التمني المتشطط والطلب لما قد حتم الله أن لا يكون إلا إلى أجل مسمى . وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن عامر فيما روى عنه عبد الحميد، وعاصم فيما روى هارون وحسين عن أبي بكر عنه ((حجتهم)) بالرفع على اسم ﴿كان﴾ والخبر في ﴿أن﴾. وقرأ جمهور الناس ((حجتهم)) بالنصب على مقدم واسم ﴿كان﴾ في ﴿أن﴾ . وكان بعض قريش قد قال: أحي لنا قصياً فإنه كان شيخ صدق حتى نسأله، إلى غير ذلك من هذا النحو، فنزلت الآية في ذلك، وقالوا لمحمد عليه السلام: ﴿ائتوا﴾ من حيث المخاطبة له، والمراد هو وإلهه والملك الوسيط الذي ذكر هولهم، فجاء من ذلك جملة قيل لها ﴿ائتوا﴾ و﴿إن كنتم﴾. ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم بالحال السالفة في علم الله التي لا تبدل، وهي أنه يحيي الخلق ويميتهم بعد ذلك ويحشرهم بعد إماتتهم ﴿إلى يوم القيامة﴾. 1 وقوله: ﴿لا ريب فيه﴾ أي في نفسه وذاته. والأكثر الذي لا يعلم هم الكفار والأكثر هنا على بابه. وقوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ قالت فرقة: العامل في: ﴿يوم) قوله: ﴿يخسر) وجاء قوله: ﴿يومئذ﴾ بدلاً مؤكداً. وقالت فرقة: العامل في: ﴿يوم﴾ فعل يدل عليه الملك، وذلك أن يوم القيامة حال ثالثة ليست بالسماء ولا بالأرض، لأن ذلك يتبدل، فكأنه قال: ﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ والملك يوم القيامة، وينفرد ﴿يخسر﴾ بالعمل في قوله: ﴿يومئذ) و: ﴿المبطلون﴾ الداخلون في الباطل. وقوله تعالى: ﴿وترى كل أمة جاثية كل أمة﴾ وصف حال القيامة وهولها. والأمة: الجماعة العظيمة من الناس التي قد جمعها معنى أو وصف شامل لها. وقال مجاهد: الأمة: الواحد من الناس، وهذا قلق في اللغة، وإن قيل في إبراهيم عليه السلام أمة، وقالها النبي عليه السلام في قس بن ساعدة فذلك تجوز على جهة التشريف والتشبيه. و: ﴿جائية﴾ معناه على الركب، قاله مجاهد والضحاك، وهي هيئة المذنب الخائف المعظم، وفي الحديث: ((فجثا عمر على ركبتيه)). وقال سلمان: في القيامة ساعة قدر عشر سنين يخر الجميع فيها جثاة على الركب. وقرأ جمهور الناس: ((كلُّ أمة)) بالرفع على الابتداء. وقرأ يعقوب الحضرمي: ((كلَّ أمة تدعى)) بالنصب على البدل من ((كل)) الأولى، إذ في ((كل)) الثانية إيضاح موجب الجثو. وقرأ الأعمش: ((وترى كل أمة جائية تدعى)) بإسقاط ﴿كل أمة﴾ الثاني. واختلف المتأولون في قوله: ﴿إلى كتابها﴾ فقالت فرقة: أراد ﴿إلى كتابها﴾ المنزل عليها فتحاكم ٨٩ تفسير سورة الجاثية / الآيات: ٣٠ - ٣٣ إليه هل وافقته أو خالفته. وقالت فرقة: أراد ﴿إلى كتابها﴾ الذي كتبته الحفظة على كل واحد من الأمة، فباجتماع ذلك قيل له ﴿كتابها﴾، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر تقديره: يقال لهم اليوم تجزون. وقوله تعالى: ﴿هذا كتابنا﴾ يحتمل أن تكون الإشارة إلى الكتب المنزلة أو إلى اللوح المحفوظ، قال مجاهد ومقاتل: يشهد بما سبق فيه من سعادة أو شقاء، أو تكون الكتب الحفظة وقال ابن قتيبة: هي إلى القرآن . واختلف الناس في قوله تعالى: ﴿نستنسخ﴾ فقالت فرقة معناه: نكتب وحقيقة النسخ وإن كانت أن تنقل خط من أصل ينظر فيه، فإن أعمال العباد هي في هذا التأويل كالأصل، فالمعنى : إنا كنا نقيد كل ما عملتم. قال الحسن: هو كتب الحفظة على بني آدم. وروى ابن عباس وغيره حديثاً أن الله تعالى يأمر بعرض أعمال العباد كل يوم خميس فينقل من الصحف التي رفع الحفظة كل ما هو معد أن يكون عليه ثواب أو عقاب ويلغى الباقي. قالت هذه الفرقة: فهذا هو النسخ من أصل. وقال ابن عباس أيضاً: معنى الآية أن الله تعالى يجعل الحفظة تنسخ من اللوح المحفوظ كل ما يفعل العباد ثم يمسكونه عندهم، فتأتي أفعال العباد على نحو ذلك فتقيد أيضاً، فذلك هو الاستنساخ .. وكان ابن عباس يقول: ألستم عرباً؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل. قوله عز وجل : (جَ وَأَمَّا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُدْ خِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَ تُ وَكُنتُمْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ ﴿ وَإِذَاقِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَرَيْبَ فِيَهَا قُلْتُم مَّانَدْرِى مَالسَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلََّ ظَنَّاوَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣) وَبَدَالَهُمْ سَبِئَاتُ ٣٣ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِ يَسْتَهْزِءُ ونَ ذكر الله تعالى حال الطائفتين من المؤمنين والكافرين، وقرن بينهم في الذكر ليبين الأمر في نفس السامع، فإن الأشياء تتبين بذكر أضدادها، و﴿الفوز﴾: هو نيل البغية. وقوله تعالى: ﴿وأما الذين كفروا أفلم تكن﴾ فإن التقدير ﴿وأما الذين كفروا﴾ فيقال لهم ﴿أفلم تكن﴾، فحذف يقال اختصاراً وبقيت الفاء دالة على الجواب الذي تطلبه ﴿أما﴾، ثم قدم عليها ألف الاستفهام من حيث له صدر القول على كل حالة ووقف الله تعالى الكفار على الاستكبار لأنه من شر الخلال. وقرأ حمزة وحده: ((والساعةَ)) بالنصب عطفاً على قوله: ﴿وعد الله﴾ ورويت عن أبي عمرو وعيسى والأعمش. وقرأ ابن مسعود: ((حق وأن الساعة لا ريب فيها))، وكذلك قرأ أيضاً الأعمش. وقرأ الباقون: ((والساعةُ)) رفعاً، ولذلك وجهان: أحدهما الابتداء والاستئناف، والآخر العطف على موضع ﴿إن﴾ وما ٩٠ تفسير سورة الجاثية / الآيات : ٣٤ - ٣٧ عملت فيه، لأن التقدير: وعد الله حق، قاله أبو علي في الحجة. وقال بعض النحاة: لا يعطف على موضع ﴿إن﴾، إلا إذا كان العامل الذي عطلته ﴿إِن﴾ باقياً، وكذلك هي على موضع الباء في قوله: فلسنا بالجبال ولا الحديد، فلما كانت ليس باقية، جاز العطف على الموضع قبل دخول الباء، ويظهر نحو هذا النظر من كتاب سيبويه، ولكن قد ذكرنا ما حكى أبو علي وهو القدوة. وقولهم: ﴿إن نظن إلا ظناً﴾ معناه: ﴿إن نظن﴾ بعد قبول خبركم ﴿إلا ظناً﴾ وليس يعطينا خبرً. وقوله تعالى: ﴿وبدا لهم) الآية حكاية حال يوم القيامة. ﴿وحاق﴾ معناه: نزل وأحاط وهي مستعملة في المكروه، وفي قوله: ﴿ما كانوا﴾ حذف مضاف تقديره: جزاء ما كانوا، أي عقاب كونهم ﴿يستهزئون﴾ . قوله عز وجل : ◌َلِّكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْ تُمُ ٣٤ وَقِيلَ اَلْيَوْمَ نَفْسَنِكُمْكَ نَسِيْتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَ مَكُمُ النَّارُوَمَا لَكُمُِّن نَّصِرِينَ فَلَّهِاَلْحَمْدُرَبِّ ٣٥ ءَايَتِ اللَّهِهُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا فَالْيَّوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَاهُمْ يُسْتَعْنَبُونَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ ٣٦ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ٧' الْحَكِيمُ ﴿ننساكم﴾ معناه: نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا، فلم يقع منكم استعداد له ولا تأهب، فسميت العقوبة في هذه الآية باسم الذنب. والمأوى: الموضع الذي يسكنه الإنسان ويكون فيه عامة أوقاته أو كلها أجمع. و: ﴿آيات الله﴾ لفظ جامع لآيات القرآن والأدلة التي نصبها الله تعالى لينظر فيها العباد. وقرأ أكثر القراء: ((لا يُخرَجون)) بضم الياء المنقوطة من تحت وفتح الراء. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش والحسن: ((يَخرُجون)» بإسناد الفعل إليهم بفتح الياء وضم الراء. و: ﴿يستعتبون﴾ تطلب منهم مراجعة إلى عمل صالح . وقوله تعالى: ﴿فلله الحمد﴾ إلى آخر السورة، تحميد لله تعالى وتحقيق لألوهيته، وفي ذلك كسر الأمر الأصنام والأنصاب. وقراءة الناس: ((ربٍ)) بالخفض في الثلاثة على الصفة. وقرأ ابن محيصن: بالرفع فيها على معنى هو ربُّ. و: ﴿الكبرياء﴾ بناء مبالغة، وفي الحديث: يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني منهما شيئاً قصمته . هی ٩١ ! تفسير سورة الأحقاف / الآيات : ١ - ٦ بسمِ اللهِ الرَحمَن الرَّحِيةِ شُورَةُ الْأَحْقَقلِ هذه السورة مكية لم يختلف منها إلا في آيتين، وهي قوله: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم﴾ [الأحقاف: ١٠] وقوله: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥] الآية، فقال بعض المفسرين: هاتان آيتان مدنيتان وضعتا في سورة مكية . قوله عز وجل : حَمّ ◌َاتَنِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِالْحَكِيمِ ﴿٣ مَاخَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ قُلْ أَرَءَيْتُم مَّاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ وَأَجَلٍ مُسَقَّىّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ ﴿ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْلَهُمْ شِرْلٌ فِ السَّمَوَتِّ أَثْنُونِى بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمِ إِن وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُهُ إِلَى يَوْمِالْقِيَامَةِ كُتُ صَدِقِينَ وَهُمْ عَنْ دُعَابِهِمْ غَفِلُونَ (٢٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْلَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْبِعِبَادَ تِهِمْ كَفِرِينَ تقدم القول في الحروف المقطعة التي في أوائل السور. و﴿تنزيل﴾ رفع بالابتداء أو خبر ابتداء مضمر. و: ﴿الكتاب﴾ القرآن. والعزة والإحكام: صفتان مقتضيتان أن من هي له غالب كل من حادّه. وقوله: ﴿ما خلقنا السماوات﴾ الآية موعظة وزجر، أي فانتبهوا أيها الناس وانظروا ما يراد بكم ولم خلقتم. وقوله تعالى: ﴿إلا بالحق﴾ معناه بالواجب الحسن الذي قد حق أن يكون، وبـ ﴿أجل مسمى): وقتناه وجعلناه موعداً لفساد هذه البنية وذلك هو يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿عما أُنذورا﴾ ((ما)) مصدرية، والمعنى عن الإنذار، ويحتمل أن تكون ((ما)» بمعنى الذي، والتقدير: عن ذكر الذي أنذروا به والتحفظ منه أو نحو هذا. وقوله تعالى: ﴿قل أرأيتم﴾ يحتمل ﴿أرأيتم﴾ وجهين: أحدهما أن تكون متعدية، و﴿ما﴾ مفعولة بها، ويحتمل أن تكون منبهة لا تتعدى، وتكون ﴿ما﴾ استفهاماً على معنى التوبيخ. و﴿تدعون﴾ معناه: تعبدون. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله بن مسعود: ((قل أرأيتكم من تدعون)). وقوله: ﴿من الأرض﴾، ﴿من﴾، للتبعيض، لأن كل ما على وجه الأرض من حيوان ونحوه فهو من الأرض. ٩٢ تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ١ -٦ ثم وقفهم على السماوات هل لهم فيها شرك، ثم استدعى منهم كتاباً منزلاً قبل القرآن يتضمن عبادة صنم . وقوله: ﴿أو أثارة﴾ معناه: أو بقية قديمة من علم أحد العلماء يقتضي عبادة الأصنام. وقرأ جمهور الناس: ((أو أثارة)) على المصدر، كالشجاعة والسماحة، وهي البقية من الشيء كأنها أثره. وقال الحسن بن أبى الحسن: المعنى من علم تستخرجونه فتثيرونه. وقال مجاهد: المعنى هل من أحد يأثر علماً في ذلك. وقال القرظي: هو الإسناد، ومن هذا المعنى قول الأعشى: [السريع] بَيِّنْ للسامع والآثِر إن الذي فيه تماريتما آثراً أي للسند عن غيره، ومنه قول عمر رضي الله عنه: فما خلفنا بها ذاكراً ولا آثراً. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة: المعنى وخاصة من علم، فاشتقاقها من الأثرة، كأنها قد آثر الله بها من هي عنده، وقال عبد الله بن العباس: المراد بـ ((الأثارة)): الخط في التراب، وذلك شيء كانت العرب تفعله وتتكهن به وتزجر، وهذا من البقية والأثر، وروي أن النبي عليه السلام سئل عن ذلك فقال: ((كان نبي من الأنبياء يخطه، فمن وافق خطه فذاك))، وظاهر الحديث تقوية أمر الخط في التراب، وأنه شيء له وجه إذا وفق أحد إليه، وهكذا تأوله كثير من العلماء. وقالت فرقة: بل معناه الإنكار، أي أنه كان من فعل نبي قد ذهب، وذهب الوحي إليه والإلهام في ذلك، ثم قال: فمن وافق خطه على جهة الإبعاد، أي أن ذلك لا يمكن ممن ليس بنبي ميسر لذلك، وهذا كما يسألك أحد فيقول: أيطير الإنسان؟ فتقول: إنما يطير الطائر، فمن كان له من الناس جناحان طار، أي أن ذلك لا يكون. والأثارة تستعمل في بقية الشرف فيقال: لبني فلان أثارة من شرف، إذا كانت عندهم شواهد قديمة، وتستعمل في غير ذلك، ومنه قول الراعي : [الوافر] وذات أثارة أكلت عليه نباتاً في أكمتها قصارى يريد: الأثارة من الشحم، أي البقية وقرأ عبد الرحمن السلمي فيما حكى الطبري: ((أو أَثْرَة)) بفتح الهمزة والثاء والراء دون ألف، وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس وقتادة وعكرمة وعمرو بن ميمون والأعمش، وهي واحدة جمعها: أثر كفترة وقتر. وحكى الثعلبي أن عكرمة قرأ: ((أو ميراث من علم)). وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي فيما حكى أبو الفتح بسكون الثاء وهي الفعلة الواحدة مما يؤثر، أي قد قنعت لكم حجة بخبر واحد أو أثر واحد يشهد بصحة قولكم. وقرأت فرقة: ((أَثْرة)) بضم الهمزة وسكون الثاء، وهذه كلها بمعنى: هل عندكم شيء خصكم الله به من علم وآثرکم به. وقوله تعالى: ﴿ومن أضل﴾ الآية توبيخ لعبدة الأصنام، أي لا أحد أضل ممن هذه صبغته، وجاءت الكنايات في هذه الآية عن الأصنام كما تجيء عمن يعقل، وذلك أن الكفار قد أنزلوها منزلة الآلهة وبالمحل الذي دونه البشر، فخوطبوا على نحو معتقدهم فيها، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ((ما لا يستجيب)). والضمير في قوله: ﴿ومن هم عن دعائهم غافلون﴾ هو للأصنام في قول جماعة، ووصف الأصنام بالغفلة من حيث عاملهم معاملة من يعقل، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: ﴿وهم﴾ وفي: ٩٣ تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ٧ - ٩ ﴿غافلون﴾ للكفار، أي ضلالهم بأنهم يدعون من لا يستجيب فلا يتأملون ما عليهم في دعاء من هذه صفته. وقوله تعالى: ﴿كانوا لهم أعداء﴾ وصف لما يكون يوم القيامة بين الكفار وأصنامهم من التبري والمناكرة، وقد بين ذلك في غير هذه الآية. وذلك قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون﴾ [القصص: ٦٣]. قوله عز وجل : ٤َ أَمْ يَقُولُونَ آَفْتَرَنٌَّ ٧. وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَنُنَا بِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّاجَآءَ هُمْ هَذَا سِحْرٌمُّبِينٌ قُلْ إِنِ اُفْتَرَيْتُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ قُلْ مَاكُنْتُ بِدْ عَامِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ إِنْ أَنَبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىَّ إِلَىَّ وَمَآ أَنَاْ إِلََّ نَذِيْرٌ مُبِينٌ ۔۔ الآيات المذكورة هي آيات القرآن، بدليل قوله: ﴿تتلى﴾ وبقول الكفار: ﴿هذا سحر﴾ وإنما قالوا ذلك عن القرآن من حيث قالوا: هو يفرق بين المرء وبين ولده، وبينه وبين زوجه، إلى نحو هذا مما يوجد مثله للسحر بالوجه الأخس. وقوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه﴾، ﴿أم﴾ مقطوعة مقدرة بـ ﴿بل﴾ وألف الاستفهام. و: ﴿افتراه﴾ معناه: اشتقه واختلقه، فأمره اللّه تعالى أن يقول: ﴿إن افتريته﴾ فالله حسبي في ذلك، وهو كان يعاقبني ولا يمهلني. ثم رجع القول إلى الاستسلام إلى الله تعالى والاستنصار به عليهم وانتظار ما يقتضيه علمه ﴿بما يفيضون فيه﴾ من الباطل ومرادة الحق، وذلك يقتضي معاقبتهم، ففي اللفظة تهديد. والضمير في قوله: ﴿فيه﴾ يحتمل أن يعود على القرآن، ويحتمل العودة على ﴿بما﴾. والضمير في: ﴿به﴾ عائد على الله تعالى. و: ﴿به﴾ في موضع رفع، وأفاض الرجل في الحديث والسب ونحوه: إذا خاض فيه واستمر. وقوله: ﴿وهو الغفور الرحيم﴾ ترجية واستدعاء إلى التوبة، لأنه في خلال تهديده إياهم بالله تعالى جاءت هاتان الصفتان. ثم أمره تعالى أن يحتج عليهم بأنه لم يكن ﴿بدعاً من الرسل﴾، أي قد جاء غيري قبلي، قاله ابن عباس والحسن وقتادة. والبدع والبديع من الأشياء ما لم ير مثله، ومنه قول ترجمة عدي بن زيد : [الطويل] رجالاً عرت من بعد بؤسى وأسعد فما أنا بدع من حوادث تعتري وقرأ عكرمة وابن أبي عبلة وأبو حيوة: ((بدَعاً)) بفتح الدال. قال أبو الفتح، التقدير: ذا بدع فحذف المضاف كما قال [النابغة الجعدي]: [المقارب] خلالته كأبي مرحب وكيف تواصل من أصبحت i İ ٩٤ تفسير سورة الأحقاف / الآيتان: ١١،١٠ واختلف الناس في قوله: ﴿ما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾، فقال ابن عباس وأنس بن مالك والحسن وقتادة وعكرمة: معناه: في الآخرة، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم بعد ذلك عرفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبأن المؤمنین لهم من الله فضل كبير وهو الجنة، وبأن الکافرین في نار جهنم، والحديث الذي وقع في جنازة عثمان بن مظعون يؤيده هذا وهو قوله: ((فوالله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي))، وفي بعض الرواية: ((به))، ولا حجة في الحديث على رواية ((به))، والمعنى عندي في هذا القول أنه لم تكشف له الخاتمة فقال لا أدري؟ وأما ان من وافى على الإيمان فقد أعلم بنجاته من أول الرسالة وإلا فكان للكفار أن يقولوا: وكيف تدعونا إلى ما لا تدري له عاقبة، وقال الحسن أيضاً وجماعة. معنى الآية: ﴿ما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ في الدنيا من أن أنصر عليكم أو من أن تمكنوا مني، ونحو هذا من المعنى. وقالت فرقة: معنى الآية: ﴿ما يفعل بي ولا بكم﴾ من الأوامر والنواهي وما تلزم الشريعة من أعراضها. وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال: نزلت الآية في أمر كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظره من الله في غير الثواب والعقاب، وروي عن ابن عباس أنه لما تأخر خروج النبي عليه السلام من مكة حين رأى في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وسبخة، قلق المسلمون لتأخر ذلك، فنزلت هذه الآية. وقوله: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ﴾ معناه: الاستسلام والتبري من علم المغيبات والوقوف مع النذارة من عذاب الله عز وجل. قوله عز وجل : قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِنَ كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّهِ يَلَ عَلَى مِثْلِهِ فَتَامَنَ وَأَسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْكَانَ خَيْرًمَا سَبَقُونَ إِلَيْهٍ وَإِذْلَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا ◌ِفْكٌ قَدِيمٌ هذه الآية توقيف على الخطر العظيم الذي هم بسبيله في أن يكذبوا بأمر نافع لهم منج من العذاب دون حجة ولا دليل لهم على التكذيب، فالمعنى كيف حالكم مع الله، وماذا تنتظرون منه وأنتم قد كفرتم بما جاء من عنده، وجواب هذا التوقيف محذوف تقديره: أليس قد ظلمتم، ودل على هذا المقدر قوله تعالى: ﴿إن الله لا يهدي القوم الظالمين) و: ﴿أرأيتم﴾ في هذه الآية يحتمل أن تكون منبهة، فهي لفظ موضوع للسؤال لا يقتضي مفعولاً، ويحتمل أن تكون الجملة ﴿كان﴾ وما عملت فيه تسد مسد مفعوليها. واختلف الناس في المراد بـ ﴿الشاهد﴾ فقال الحسن ومجاهد وابن سيرين: هذه الآية مدنية، والشاهد عبد الله بن سلام. وقوله: ﴿على مثله﴾ الضمير فيه عائد على قول محمد عليه السلام في القرآن إنه من عند الله. وقال الشعبي : الشاهد رجل من بني إسرائيل غير عبد الله بن سلام كان بمكة، والآية مكية. وقال سعد بن أبي وقاص ومجاهد وفرقة: الآية مكية، والشاهد عبد الله بن سلام، وهي من الآيات التي تضمنت غيباً أبرزه الوجود، وقد روي عن عبد الله بن سلام أنه قال: فيَّ نزلت. وقال مسروق بن الأجدع والجمهور: الشاهد موسى بن عمران عليه السلام، والآية مكية، ورجحه الطبري . ٩٥ تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ١٢ - ١٥ وقوله: ﴿على مثله﴾ يريد بالمثل: التوراة، والضمير عائد في هذا التأويل على القرآن، أي جاء شاهد من بني إسرائيل بمثله وشهد أنه من عند الله تعالى . وقوله: ﴿فآمن﴾ على هذا التأويل، يعني به تصدیق موسی بأمر محمد وتبشیره به، فذلك إيمان به، وأما من قال: الشاهد عبد الله بن سلام، فإيمانه بين، وكذلك إيمان الإسرائيلي الذي كان بمكة في قول من قاله، وحكى بعضهم أن الفاعل بـ ((آمن))، هو محمد عليه السلام، وهذا من القائلين بأن الشاهد هو موسى بن عمران عليه السلام، وإنما اضطر إلى هذا لأنه لم ير وجه إيمان موسى عليه السلام، ثم قرر تعالى استكبارهم وكفرهم بإيمان هذا المذكور، فبان ذنبهم وخطؤهم. وقوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه﴾ قال قتادة: هي مقالة قريش، يريدون عماراً وصهيباً وبلالاً ونحوهم ممن أسلم وآمن بالنبي عليه السلام. وقال الزجاج والكلبي وغيره: هي مقالة كنانة وعامر وسائر قبائل العرب المجاورة، قالت ذلك حين أسلمت غفار ومزينة وجهينة. وقال الثعلبي: هي مقالة اليهود حين أسلم ابن سلام وغيره منهم. والإفك: الكذب، ووصفوه بالقدم، بمعنى أنه في أمور متقادمة، وهذا كما تقول لرجل حدثك عن أخبار كسرى وقيصر، هذا حديث قدیم، ويحتمل أن يريدوا أنه إفك قيل قديماً. قوله عز وجل : وَمِن قَبْلِهِ، كِثَبُ مُوسَىّ إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ يَحْزَنُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيهَا جَزَآءَ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١) وَوَصَّيْنَا اُلْإِنِسَنَ بَوَالِدَيْهِ ج إِحْسَنَا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ, وَفِصَلُهُ, ثَلَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَابَلَغَ أَسْدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ قَالَ رَبٍ أَوَزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَنِعْمَتَكَ الَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا ١٥ تَرْضَلُهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٌ إِِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الضمير في قوله: ﴿ومن قبله﴾ للقرآن، و: ﴿كتاب موسى﴾ هو التوراة. وقرأ الكلبي: ((كتابَ موسى)) بنصب الباء على إضمار أنزل الله أو نحو ذلك. والإمام: خيط البناء، وكل ما يهتدى ويقتدى به فهو إمام. ونصب ﴿إماماً﴾ على الحال، ﴿ورحمة﴾ عطف على إمام، والإشارة بقوله: ﴿وهذا كتاب﴾ إلى القرآن. و: ﴿مصدق﴾ معناه للتوراة التي تضمنت خبره وأمر محمد، فجاء هو مصدقاً لذلك الإخبار، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ((مصدق لما بين يديه لساناً))، واختلف الناس في نصب قوله: ﴿لساناً﴾ فقالت فرقة من النحاة، هو منصوب على الحال، وقالت فرقة: ﴿لساناً﴾ توطئة مؤكدة. و: ﴿عربياً﴾ حال، وقالت فرقة: ﴿لساناً﴾ مفعول بـ ﴿مصدق﴾، والمراد على هذا القول باللسان: محمد رسول الله ولسانه، 2 --- أ ٩٦ تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ١٢ - ١٥ فكان القرآن بإعجازه وأحواله البارعة يصدق الذي جاء به، وهذا قول صحيح المعنى جيد وغيره مما قدمناه متجه . وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير فيما روي عنه، وأبو جعفر والأعرج وشيبة وأبو رجاء والناس: ((لتنذر)) بالتاء، أي أنت يا محمد، ورجحها أبو حاتم، وقرأ الباقون والأعمش ((لينذر)) أي القرآن و: ﴿الذين ظلموا﴾ هم الكفار الذين جعلوا العبادة في غير موضعها في جهة الأصنام والأوثان. وقوله: ﴿وبشرى﴾ يجوز أن تكون في موضع رفع عطفاً على قوله: ﴿مصدق﴾، ويجوز أن تكون في موضع نصب، واقعة موقع فعل عطفاً على ﴿لتنذر﴾ أي وتبشر المحسنين، ولما عبر عن الكفار بـ ﴿الذين ظلموا﴾، عبر عن المؤمنين بـ ((المحسنين)) لتناسب لفظ الإحسان في مقابلة الظلم. ثم أخبر تعالى عن حسن حال المسلمين المستقيمين ورفع الظلم. ثم أخبر تعالى عن حسن حال المسلمين المستقيمين ورفع عنهم الخوف والحزن، وذهب كثير من الناس إلى أن معنى الآية: ﴿ثم استقاموا﴾ بالطاعات والأعمال الصالحات. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه المعنى: ﴿ثم استقاموا﴾ بالدوام على الإيمان وترك الانحراف عنه. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أعم رجاء وأوسع، وإن كان في الجملة المؤمنة من يعذب وينفذ عليه الوعيد، فهو ممن يخلد في الجنة وينتفي عنه الخوف والحزن الحال بالكفرة، والخوف هو الهم لما يستقبل، والحزن هو الهم بما مضى، وقد يستعمل فيما يستقبل استعارة، لأنه حزن لخوف أمر ما. وقرأ ابن السمیفع: ((فلا خوفُ)) دون تنوین. وقوله: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾، ((ما)) واقعة على الجزء الذي هو اكتساب العبد، وقد جعل الله الأعمال أمارات على صبور العبد، لا أنها توجب على الله شيئاً . وقوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ يريد النوع، أي هكذا مضت شرائعي وكتبي لأنبيائي، فهي وصية من الله في عباده. وقرأ جمهور القراء: ((حُسْنا)) بضم الحاء وسكون السين، ونصبه على تقدير وصيناه ليفعل أمراً ذا حسن، فكأن الفعل تسلط عليه مفعولاً ثانياً. وقرأ علي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن وعيسى: ((حَسَناً» بفتح الحاء والسين، وهذا كالأول ومحتمل كونهما مصدرين كالبخل والبخل، ومحتمل، أن يكون هذا الثاني اسماً لا مصدراً، أي ألزمناه بهما فعلاً حسناً. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ((إحسانا))، ونصب هذا على المصدر الصريح والمفعول الثاني في المجرور، والباء متعلقة بـ ﴿وصينا﴾ أو بقوله: ((إحسانا)). وبر الوالدين واجب بهذه الآية وغيرها، وعقوقهما كبيرة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كل شيء بينه وبين الله حجاب إلا شهادة أن لا إله إلا الله ودعوة الوالدين. قال القاضي أبو محمد: ولن يدعوا إلا إذا ظلمهما الولد، فهذا الحديث في عموم قوله عليه السلام: ((اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)). ٩٧ تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ١٢ - ١٥ ثم عدد تعالى على الأبناء منن الأمهات وذكر الأم في هذه الآيات في أربع مراتب، والأب في واحدة، جمعهما الذكر في قوله: ﴿بوالديه﴾، ثم ذكر الحمل للأم ثم الوضع لها ثم الرضاع الذي عبر عنه بالفصال، فهذا يناسب ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل للأم ثلاثة أرباع البر، والربع للأب، وذلك إذ قال له رجل: يا رسول اللّه من أبر؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: ثم أمك، قال ثم من؟ قال: ثم أمك، قال ثم من؟ قال: أباك وقوله: ﴿كرهاً﴾ معناه في ثاني استمرار الحمل حين تتوقع حوادثه، ويحتمل أن يريد في وقت الحمل، إذ لا تدبير لها في حمله ولا تركه، وقال مجاهد والحسن وقتادة: المعنى حملته مشقة ووضعته مشقة . وقرأ أكثر القراء: (كُرهاً)) بضم الكاف. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة والأعرج: ((كرهاً)) بفتح الكاف، وقرأ بهما معاً مجاهد وأبو رجاء وعيسى. قال أبو علي وغيره: هما بمعنى، الضم الاسم، والفتح المصدر. وقالت فرقة: الكره بالضم: المشقة، والكره بالفتح هو الغلبة والقهر، وضعفوا على هذا قراءة الفتح. قال بعضهم: لو كان ((كَرها)) لرمت به عن نفسها، إذ الكره القهر والغلبة، والقول الذي قدمناه أصوب . وقرأ جمهور الناس: ((وفصاله)) وذلك أنها مفاعلة من اثنين، كأنه فاصل أمه وفاصلته. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري: ((وفصله))، كأن الأم هي التي فصلته. وقوله: ﴿ثلاثون شهراً﴾ يقتضي أن مدة الحمل والرضاع هذه المدة، لأن في القول حذف مضاف تقديره: ومدة حمله وفصاله، وهذا لا يكون إلا بأن يكون أحد الطرفين ناقصاً، وذلك إما بأن تلد المرأة لستة أشهر وترضع عامين، وإما بأن تلد لتسعة على العرف وترضع عامين غير ربع العام، فإن زادت مدة الحمل نقصت مدة الرضاع، وبالعكس فيترتب من هذا أن أقل مدة الحمل ستة أشهر. وأقل ما يرضع الطفل عام وتسعة أشهر، وإكمال العامين هو لمن أراد أن يتم الرضاعة، وهذا في أمر الحمل هو مذهب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعة من الصحابة ومذهب مالك رحمه الله . واختلف الناس في الأشد: فقال الشعبي وزيد بن أسلم: البلوغ إذا كتبت عليه السيئات وله الحسنات. وقال ابن إسحاق: ثمانية عشر عاماً، وقيل عشرون عاماً، وقال ابن عباس وقتادة: ثلاثة وثلاثون عاماً، وقال الجمهور من النظار: ثلاثة وثلاثون. وقال هلال بن يساف وغيره: أربعون، وأقوى الأقوال ستة وثلاثون، ومن قال بالأربعين قال في الآية إنه أكد وفسر الأشد بقوله: ﴿وبلغ أربعين سنة﴾. قال القاضي أبو محمد: وإنما ذكر تعالى الأربعين، لأنها حد للإنسان في فلاحه ونجابته، وفي الحديث: ((إن الشيطان يجريده على وجه من زاد على الأربعين ولم يتب فيقول: بأبي وجه لا يفلح)) وقال أيمن بن خريم الأسدي : [الطويل] له دون ما يأتي حياء ولا ستر إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكنْ وإن جر أسباب الحياة له العمر فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى وفي مصحف ابن مسعود: ((حتى إذا استوى أشده وبلغ أربعين سنة)) وقوله: ﴿أوزعني﴾ معناه: ٩٨ تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ١٦ - ١٩ ادفعني عن الموانع وازجرني عن القواطع لأجل أن أشكر نعمتك، ويحتمل أن يكون ﴿أوزعني﴾ بمعنى اجعل حظي ونصيبي، وهذا من التوزيع والقوم الأوزاع، ومن قوله توزعوا المال، فـ ((أن)) على هذا مفعول صريح. وقال ابن عباس ﴿نعمتك﴾ في التوحيد. و: ﴿صالحاً ترضاه﴾ الصلوات. والإصلاح في الذرية كونهم أهل طاعة وخيرية، وهذه الآية معناها أن هكذا ينبغي للإنسان أن يفعل، وهذه وصية الله للإنسان في كل الشرائع . وقال الطبري: وذكر أن هذه الآية من أولها نزلت في شأن أبي بكر الصديق، ثم هي تتناول من بعده، وكان رضي الله عنه قد أسلم أبواه، فلذلك قال: ﴿وعلى والدي﴾، وفي هذا القول اعتراض بأن هذه الآية نزلت بمكة لا خلاف في ذلك، وأبو قحافة أسلم عام الفتح فإنما يتجه هذا التأويل على أن أبا بكر كان يطمع بإيمان أبويه ويرى مخايل ذلك فيهما، فكانت هذه نعمة عليهما أن ليسا ممن عسا في الكفر ولج وحتم عليه ثم ظهر إيمانهما بعد، والقول بأنها عامة في نوع الإنسان لم يقصد بها أبو بكر ولا غيره أصح، وباقي الآية بين إلى قوله: ﴿من المسلمين﴾. قوله عز وجل : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَشَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِىَ أَصْحَدٍ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ اُلَّذِى كَانُواْيُوعَدُونَ (3) وَالَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفِّ لَّكُمَا أَنِعِدَ انِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْفُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اَللَّهَ وَيَلَكَءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ وَلِكُلِّ (١٨ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِى أُمَرِقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ وَالْإِنِسِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ ١٩ دَرَحْتٌّ ◌ِمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ قوله تعالى: ﴿أولئك﴾ دليل على أن الإشارة بقوله: ﴿ووصينا الإنسان﴾ [الأحقاف: ١٥] إنما أراد الجنس . وقرأ جمهور القراء: ((يُتَقبَّل)) بالياء على بناء الفعل للمفعول وكذلك ((يُتجاوز)). وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم فيهما بالنون التي للعظمة ((نتقبل)) ((أحسن)) بالنصب ((ونتجاوز)) وهي قراءة طلحة وابن وثاب وابن جبير والأعمش بخلاف عنه. وقرأ الحسن ((يَتقبل)) بياء مفتوحة ((ويتجاوز)) كذلك، أي الله تعالى وقوله: ﴿في أصحاب الجنة﴾ يريد الذين سبقت لهم رحمة الله. وقوله: ﴿وُعدَ الصدق﴾ نصب على المصدر المؤكد لما قبله. وقوله تعالى: ﴿والذي قال لوالديه أف لكما﴾ الآية، ﴿الذي﴾ يعنى به الجنس على حد العموم الذي في الآية التي قبلها في قوله: ﴿ووصينا الإنسان﴾ [الأحقاف: ١٥] هذا قول الحسن وجماعة، ويشبه أن لها سبباً من رجل قال ذلك لأبويه. فلما فرغ من ذكر الموفق عقب بذكر هذا العاق. وقال ابن عباس في كتاب الطبري: هذه الآية نزلت في ابن لأبي بكر ولم يسمِّه. ٩٩ تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ١٦ - ١٩ وقال مروان بن الحكم: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقاله قتادة، وذلك أنه كان أكبر ولد أبي بكر وشهد بدراً وأحداً مع الكفار، وقال لأبيه في الحرب: لم يبق إلا شكة ويعبوب وصارم يقتل ضلال الشيب ودعاه إلى المبارزة فكان بمكة على نحو هذه الخلق، فقيل إن هذه الآية نزلت فيه. وروي أن مروان بن الحكم خطب وهو أمير المدينة فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: جعلتموها هرقلية، كلما مات هرقل ولي هرقل، وكلما مات قيصر ولي قيصر، فقال مروان بن الحكم: خذوه، فدخل عبد الرحمن بيت عائشة أخته أم المؤمنين، فقال مروان: إن هذا هو الذي قال الله فيه: ﴿والذي قال لوالديه أف لكما﴾ فسمعته عائشة، فأنكرت ذلك عليه، وسبت مروان، وقالت له: والله ما نزل في آل أبي بكر من القرآن غير براءتي، وإني لأعرف فيمن نزلت هذه الآية. وذكر ابن عبد البر أن الذي خطب هو معاوية، وذلك وهم، والأصوب أن تكون عامة في أهل هذه الصفات ولم يقصد بها عبد الرحمن ولا غيره من المؤمنين والدليل القاطع على ذلك قوله: ﴿أولئك الذين حق عليهم القول في أمم﴾ وكان : عبد الرحمن رحمه الله من أفضل الصحابة ومن الأبطال، وممن له في الإسلام غناء يوم اليمامة وغيره. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وطلحة بن مصرف: ((أنّ) بكسر الفاء بغير تنوين، وذلك فيها علامة تعريف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابن محيصن وشبل وعمرو بن عبيد: ((أَفَّ)) بالفتح، وهي لغة الكسر والفتح. وقرأ نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر وشيبة والحسن والأعرج: ((أفٍ)) بالكسر والتنوين، وذلك علامة تنكير، وهي كصه وغاق، وكما تستطعم رجلاً حديثاً غير معين فتقول ((إيه)) منونة، فإن كان حديثاً مشاراً إليه قلت ((إيهِ)) بغير تنوين. و﴿أف﴾: أصلها في الأقذار، كانت العرب إذا رأت قذراً قالت: ((أف)) ثم صيره الاستعمال يقال في كل ما يكره من الأفعال والأقوال. وقرأ هشام عن ابن عامر وعاصم وأبو عمرو: ((أتعداني))، وقرأ أبو عمرو ونافع وشيبة والأعرج والحسن وأبو جعفر وقتادة وجمهور القراء ((أتعدانني)) بنونين، والقراءة الأولى هي بإدغام النون في النون. وقرأ نافع أيضاً وجماعة: ((أتعدانىَ)) بنون واحدة وإظهار الياء. وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة وأبو رجاء وابن وثاب وجمهور الناس: (أن أُخرَج)) بضم الهمزة وفتح الراء. وقرأ الحسن وابن يعمر والأعمش وابن مصرف والضحاك. ((أن أُخرُج)) بفتح الهمزة وضم الراء. والمعنى أن أخرج من القبر للحشر والمعاد، وهذا القول منه استفهام بمعنى الهزء والاستبعاد. وقوله: ﴿وقد خلت القرون من قبلي﴾ معناه: هلكت ومضت ولم يخرج منهم أحد. وقوله: ﴿وهما﴾ يعني الوالدين، ويقال استغنت الله واستغثت بالله بمعنى واحد. و: ﴿ويلك) دعاء يقال هنا لمن يحفز ويحرك لأمر ما يستعجل إليه. وقرأ الأعرج ((أن وعد الله)) بفتح الهمزة، والناس على كسرها. وقوله: ﴿ما هذا إلا أساطير﴾ أي ما هذا القول الذي يتضمن البعث من القبور إلا شيء قد سطره ١٠٠ تفسير سورة الأحقاف / الآيات: ٢٠ - ٢٢ الأولون في كتبهم، يعني الشرائع، وظاهر ألفاظ هذه الآية أنها نزلت في مشار إليه قال وقيل له، فنعى الله أقواله تحذيراً من الوقوع في مثلها. وقوله: ﴿أولئك﴾ ظاهره أنها إشارة إلى جنس يتضمنه قوله: ﴿والذي قال﴾، ويحتمل إن كانت الآية في مشار إليه أن يكون قوله: ﴿أولئك﴾ بمعنى صنف هذا المذكور وجنسهم ﴿الذين حق عليهم القول﴾، أي قول الله إنه يعذبهم. وقوله: ﴿قد خلت من قبلهم من الجن والإنس﴾ يقتضي أن ﴿الجن﴾ يموتون كما يموت البشر قرناً بعد قرن، وقد جاء حديث يقتضي ذلك. وقال الحسن بن أبي الحسن في بعض مجالسه: إن الجن لا يموتون، فاعترضه قتادة بهذه الآية فسكت. وقوله تعالى: ﴿ولكل درجات﴾ يعني المحسنين والمسيئين. قال ابن زيد: ودرجات المحسنين تذهب علواً، ودرجات المسيئين تذهب سفلاً. وقرأ أبو عبد الرحمن: ((ولتوفيهم)) بالتاء من فوق، أي الدرجات. وقرأ جمهور الناس: ((وليوفيهم)) بالياء. وقرأ نافع بخلاف عنه، وأبو جعفر وشيبة والأعرج وطلحة والأعمش: ((ولنوفيهم)) بالنَون: قال اللؤلؤي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود: ((ولنوفيّهم)» بنون أولى ونون ثانية مشددة، وكل امرىء يجني ثمرة عمله من خير أو شر ولا يظلم في مجازاته، بل يوضع كل أمر موضعه من ثواب أو عقاب. قوله عز وجل : وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْ هَبْتُمْ طَيِّبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ وَأَذْ كُرْأَخَاعَادٍ إِذْ أَنَذَرَ قَوْمَهُ الْهُونِ بِمَا كُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِ اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كَنْتُمْنَفْسُقُونَ بِآلْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٨)قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْءَالِهِنَا فَأِْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ المعنى: واذكر يوم يعرض، وهذا العرض هو بالمباشرة، كما تقول عرضت العود على النار والجاني على السوط، والمعنى: يقال لهم ﴿أذهبتم طيباتكم﴾. وقرأ جمهور القراء: ((أذهبتم)) على الخبر، حسنت الفاء بعد ذلك. وقرأ ابن كثير والحسن والأعرج وأبو جعفر ومجاهد وابن وثاب. ((آذهبتم)) بهمزة مطولة على التوبيخ والتقرير الذي هو في لفظ الاستفهام. وقرأ ابن عامر ((أأذهبتم)) بهمزتين تقريراً. والتقرير والتوبيخ إخبار بالمعنى، ولذلك حسنت الفاء وإلا فهي لا تحسن في جواب على حد هذه مع الاستفهام المحض. والطيبات: الملاذ، وهذه الآية وإن كانت في الكفار فهي رادعة لأولي النهى من المؤمنين عن