Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
تفسير سورة سبأ / الآية : ٣٣
والإنجيل والزبور فكأنهم كذبوا بجميع كتب الله وإنما فعلوا هذا لما وقع الاحتجاج عليهم بما في التوراة من
أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقالت فرقة: ((الذي بين يديه)) هي الساعة والقيامة .
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا خطأ قائله لم يفهم أمر بين اليد في اللغة وأنه المتقدم في الزمان وقد
بيناه فيما تقدم، ثم أخبر اللّه تعالى نبيه عن حالة الظالمين في صيغة التعجيب من حالهم، وجواب ﴿لو﴾
محذوف، وقوله ﴿يرجع بعضهم إلى بعض القول﴾ أي يرد، أي يتحاورون ويتجادلون، ثم فسر ذلك الجدل
بأن الأتباع والضعفاء من الكفرة يقولون للكفار وللرؤوس على جهة التذنيب والتوبيخ ورد اللائمة عليهم
﴿لولا أنتم﴾ لآمنا نحن واهتدينا، أي أنتم أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر، فقال لهم الرؤساء على جهة التقرير
والتكذيب ﴿أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين﴾ أي دخلتم في الكفر ببصائركم،
وأجرمتم بنظر منكم، ودعوتنا لم تكن ضربة لازب عليكم لأنا دعوناكم بغير حجة ولا برهان .
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله يتضمنه اللفظ .
قوله عز وجل :
وَقَالَ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَاَلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ
وَنَجْعَلَ لَهُ: أَنَدَادًا وَأَسَرُواْالنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَعْلَلَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ
يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوْيَعْمَلُونَ
٣٣
هذه مراجعة من الأتباع للرؤساء حين قالوا لهم : إنما كفرتم ببصائر أنفسكم قال المستضعفون بل كفرنا
بمكركم بنا بالليل والنهار ((وأضاف المكر إلى الليل والنهار من حيث هو فيهما)» ولتدل هذه الإضافة على
الدؤوب والدوام، وهذه الإضافة كما قالوا ((ليل نائم ونهار صائم))، وأنشد سيبويه ((فنام ليلي وتجلى
همي))، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ قتادة بن دعامة ((بل مكرٌ الليلَ والنهارَ)) بتنوين ((مكرٌ)) ونصب ((الليلَ
والنهارَ)) على الظرف، وقرأ سعيد بن جبير ((بل مكَّرّ)) بفتح الكاف وشد الراء من كريكر وبالإضافة إلى
((الليل والنهار)) وذكر عن يحيى بن يعمر وكأن معنى هذه الآية الإحالة على طول الأمل والاغترار بالأيام مع
أمر هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله، و((الند)) المثيل والشبيه، والضمير في قوله ﴿أسروا﴾ عام جميع من تقدم
ذكره من المستضعفين والمستكبرين، ﴿أسروا﴾ معناه اعتقدوها في نفوسهم، ومعتقدات النفس كلها سر لا
يعقل غير ذلك، وإنما يظهر ما يصدر عنها من كلام أو قرينة، وقال بعض الناس ﴿أسروا﴾ معناه أظهروا
وهي من الأضداد.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كلام من لم يعتبر المعنى أما نفس الندامة فلا تكون إلا مستسرة
ضرورة، وأما الظاهر عنها فغيرها ولم يثبت قط في لغة أن أسر من الأضداد، وقوله تعالى: ﴿لما رأوا
العذاب﴾ أي وافوه وتيقنوا حصولهم فيه وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّ ◌ِمَا أُرْسِلْتُمِهِ، كَفِرُونَ (*) وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ

٤٢٢
تفسير سورة سبأ / الآيات: ٣٤ - ٣٧
أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا فَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَ كْثَرَالنَّاسِ
لَا يَعْلَمُونَ (٦)وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْ لَدُكُم بِالَّتِى تُقَرِّيَّكُمْعِندَنَا زُلْفَى إِلَّ مَنْءَامَّنَ وَعَمِلَ صَلِحًا
فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَُّ الضّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ
٣٧
هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن فعل قريش وقولها أي هذه يا محمد سيرة الأمم فلا يهمنك
أمر قومك، و((القرية)) المدينة، و((المترف» المنع البطال الغني القليل تعب النفس والجسم فعادتهم المبادرة
بالتكذيب، وقوله ﴿وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً﴾ یحتمل أن يعود الضمير على المترفین ویکون ذلك من
قولهم مع تكذيبهم، ثم لما كانت قريش مثلهم أمره الله تعالى بأن يقول ﴿إن ربي) الآية، ويحتمَّل أن يعود
الضمير في ﴿قالوا﴾ لقريش ويكون كلام المترفين قد تم، ثم تطرد الآية بعد، وقولهم ﴿نحن أكثر أموالاً
وأولاداً﴾ معناه الاحتجاج أي أن الله لم يعطنا هذا وقدره لنا إلا لرضاء عنا وعن طريقنا ونحن لا نعذب البتة
إذ الله الذي تزعم أنت علمه بجميع الأشياء وإحاطته قد قدر علينا النعم، فهو إذن راض عنا، وقال بعض
المفسرين معنى قولهم ﴿وما نحن بمعذبين﴾ أي بالفقر.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ليس كالأول في القوة فأمر الله تعالى نبيه أن يقول: إن الأمر ليس كما
ظنوا بل بسط الرزق وقدره معلق بالمشيئة في كافر ومؤمن وليس شيء من ذلك دليلاً على رضى الله تعالى
والقرب منه لأنه قد يعطي ذلك إملاء واستدراجاً، وكثير من الناس لا يعلم ذلك كأنتم أيها الكفار، وقرأت
فرقة ((ويقدر))، وقرأت فرقة ((ويُقَدّر)) بضم الباء وفتح القاف وشد الدال وهي راجعة إلى معنى التضييق الذي
هو ضد البسط، ثم أخبرهم بأن أموالهم وأولادهم ليست بمقربة من الله ﴿زلفى﴾، والزلفى مصدر بمعنى
القرب، وكأنه قال تقربكم عندنا تقريباً، وقرأ الضحاك ((زلَفىِ)) بفتح اللام وتنوين الفاء، وقوله تعالى: ﴿إِلا
من آمن﴾ استثناء منقطع، و﴿من﴾ في موضع نصب بالاستثناء، وقال الزجاج ﴿من﴾ بدل من الضمير في
﴿تقربكم﴾، وقال الفراء ﴿من﴾ في موضع رفع، وتقدير الكلام ما هو المقرب إلا من آمن، وقرأ الجمهور
(جزاءُ الضعفِ)) بالإضافة، وقرأ قتادة ((جزاءُ الضعفُ)) برفعها، وحكى عنه الدائي ((جزاءً» بالنصب
((الضعفَ)) بنصب الفاء، و ﴿الضعف﴾ هنا اسم جنس أي بالتضعيف إذ بعضهم يجازى إلى عشرة وبعضهم
أكثر إلى سبعمائة بحسب الأعمال. ومشيئة الله تعالى فيها، وقرأ جمهور القراء ((في الغرفات)) بالجمع، وقرأ
حمزة وحده ((في الغرفة)) على اسم الجنس يراد به الجمع، ورويت عن الأعمش وهما في القراءة حسنتان،
قال أبو علي: وقد يجيء هذا الجمع بالألف والتاء («الغرفات)) ونحوه للتكثير ومنه قول حسان بن ثابت:
وأسیافنا یقطرن من نجدة دما
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى
فلم يرد إلا كثرة جفان .
قال الفقيه الإمام القاضي: وتأمل نقد الأعشى في هذا البيت، وقرأ الأعمش والحسن وعاصم بخلاف
في ((الغرْفات)) بسكون الراء.
١

٤٢٣
تفسير سورة سبأ / الآيات: ٣٨ - ٤٣
قوله عز وجل :
وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
٣
لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُلَهُ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ, وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ
لما ذكر تعالى المؤمنين العاملين الصالحات وذكر ثوابهم عقب بذكر ضدهم وذكر جزائهم ليظهر تباين
المنازل، وقرأت فرقة ((معاجزين)) (وقرأت فرقة معجزين)، وقد تقدم تفسيرها في صدر السورة،
و﴿محضرون﴾ من الإحضار والإعداد، ثم كرر القول ببسط الرزق وقدره تأكيداً وتبييناً وقصد به ها هنا
رزق المؤمنين وليس سوقه على المعنى الأول الذي جلب للكافرين، بل هذا هنا على جهة الوعظ والتزهيد
في الدنيا والحض على النفقة في الطاعات، ثم وعد بالخلف في ذلك وهو بشرط الاقتصاد والنية في الطاعة
ودفع المضرات وعد منجز إما في الدنيا وإما في الآخرة، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((قال الله لي أنفق أنفق عليك)) وفي البخاري أن ملكاً ينادي كل يوم اللهم أعط منفقا خلفاً، ويقول
ملك آخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً، وقال مجاهد المعنى إن كان خلف فهو موليه وميسره، وقد لا يكون
الخلف، وأما قوله ﴿خير الرازقين) فمن حيث يقال في الإنسان إنه يرزق عياله، والأمير جنده، لكن ذلك
من مال يملك عليهم والله تعالى من خزائن لا تفنى ومن إخراج من عدم إلى وجود، وقرأ الأعمش ((ويُقدّر)»
بضم الياء وشد الدال.
قوله عز وجل :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ حَمِيعًا ثُمَ يَقُولُ لِلْمَلَتِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿قَالُواْسُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا
مِن دُونِهِمْ بَ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْحِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ ﴿٦) فَالْيَوْمَلَا يَعْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا
وَلَا ضَرَّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُمْ بِهَ تُكَذِّبُونَ (89) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمَْايَعْنَيِّنَاتٍ
قَالُواْ مَا هَذَا إِلََّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَبَاؤُكُمْ وَقَالُواْمَا هَذَآ إِلَّ إِنْكُ مُفْتَرَىَّ وَقَالَ
٤٣
الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَ هُمْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌمُّبِينٌ
هذه آية وعيد للكفار، والمعنى واذكر يوم نحشرهم، وقرأ جمهور القراء ((نحشرهم جميعاً ثم نقول))
بالنون فيهما، ورواها أبو بكر عن عاصم، وقرأ حفص عن عاصم ((ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول)» بالياء
فيهما، وذكرها أبو حاتم عن أبي عمرو، والقول للملائكة هو توقيف تقوم منه الحجة على الكفار عبدتهم
وهذا نحو قوله تعالى لعيسى عليه السلام ﴿أأنت قلت للناس﴾ [المائدة: ١١٦] وإذا قال الله تعالى
للملائكة هذه المقالة قالت الملائكة ﴿سبحانك﴾ أي تنزيهاً لك عما فعل هؤلاء الكفرة، ثم برؤوا أنفسهم
بقولهم ﴿أنت ولينا من دونهم﴾ يريدون البراءة من أن يكون لهم رضى أو علم أو مشاركة في أن يعبدهم
البشر، ثم قرروا أن البشر إنما عبدت الجن برضى الجن وبإغوائها للبشر فلم تنف الملائكة عبادة البشر
إ

٤٢٤
تفسير سورة سبأ / الآيات: ٤٤ - ٤٦
إياها وإنما قررت أنها لم تكن لها في ذلك مشاركة، ثم ذنبت الجن، وعبادة البشر للجن هي فيما نعرفه
نحن بطاعتهم إياهم وسماعهم من وسوستهم وإغوائهم، فهذا نوع من العبادة، وقد يجوز إن كان في الأمم
الكافرة من عبد الجن، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت في سورة الأنعام وغيرها، ثم قال
تعالى: ﴿فاليوم) وفي الكلام حذف تقديره فيقال لهم أي من عبد ومن عبد اليوم ﴿لا يملك بعضكم لبعض
نفعاً﴾، وقوله ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا﴾ ذكر الله تعالى في هذه الآية أقوال الكفرة وأنواع كلامهم عندما يقرأ
عليهم القرآن ويسمعون حكمته وبراهينه البينة، فقائل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يقدح في
الأوثان ودين الآباء، وقائل طعن عليه بأن هذا القرآن مفترى أي مصنوع من قبل محمد صلى الله عليه وسلم
ويدعي أنه من عند الله، وقائل طعن عليه بأن ما عنده من الرقة واستجلاب النفوس واستمالة الأسماع إنما
هو سحر به يخلب ويستدعى، تعالى الله عن أقوالهم وتقدست شريعته عن طعنهم.
قوله عز وجل :
وَمَآءَانَيْنَهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُ سُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِرِ (®وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَمَابَلَغُوْ مِعْشَارَ مَآءَ انَيْنَهُمْ فَكَذَّبُواْرُسُلِىٌّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَن
تَقُومُوْلِلِّ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّنَنَفَكَّرُ وَأْمَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلََّ نَذِيْرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ
٤٦
عَذَابٍ شَدِيدٍ
معنى هذه الآية أنهم يقولون بآرائهم في كتاب الله فيقول بعضهم سحر، وبعضهم افتراء، وذلك منهم
تسور لا يستندون فيه إلى إثارة علم ولا إلى خبر من يقبل خبره، فإنا ما آتيناهم کتباً يدرسونها ولا أرسلنا
إليهم نذيراً فيمكنهم أن يدعوا أن أقوالهم تستند إلى أمره، وقرأ جمهور الناس ((يدرسونها)) بسكون الدال،
وقرأ أبو حيوة ((يدَّرِسونها)) بفتح الدال وشدها وكسر الراء - والمعنى وما أرسلنا من نذير يشافههم بشيء ولا
يباشر أهل عصرهم ولا من قرب من آبائهم، وإلا فقد كانت النذارة في العالم وفي العرب مع شعيب
وصالح وهود ودعوة الله وتوحيده قائم لم تخل الأرض من داع إليه، فإنما معنى هذه الآية ﴿من نذير﴾
يختص بهؤلاء الذين بعثناك إليهم، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل، والله تعالى يقول: إنه كان
صادق الوعد وكان رسولاً نبيّاً ولكن لم يتجرد للنذارة وقاتل عليها إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم مثل
لهم بالأمم المكذبة قبلهم، وقوله ﴿وما بلغوا معشار ما آتيناهم﴾ يحتمل ثلاثة معان: أحدها أن يعود
الضمير في ﴿بلغوا﴾ على قريش، وفي ﴿آتيناهم﴾ على الأمم ﴿الذين من قبلهم﴾، والمعنى من القوة
والنعم والظهور في الدنيا، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، والثاني أن يعود الضمير في ﴿بلغوا﴾ على
الأمم المتقدمة وفي ﴿آتيناهم﴾ على قريش، والمعنى من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به، والثالث
أن يعود الضميران على الأمم المتقدمة، والمعنى من شكر النعمة وجزاء المنة و((المعشار))، ولم يأت هذا
البناء إلا في العشرة والأربعة فقالوا: مرباع ومعشار وقال قوم: المعشار عشر العشر.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ليس بشيء، والنكير مصدر كالإنكار في المعنى وكالعديد في الوزن

٤٢٥
تفسير سورة سبأ / الآيات: ٤٧ - ٥١
وسقطت الياء منه تخفيفاً لأنها آخر آية، و﴿كيف﴾ تعظيم للأمر وليست استفهاماً مجرداً، وفي هذا تهديد
لقريش أي أنّهم معرضون لنكير مثله، ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى عبادة الله
والنظر في حقيقة نبوته هو ويعظهم بأمر مقرب للأفهام فقوله ﴿بواحدة﴾ معناه بقضية واحدة إيجازاً لكم
وتقريباً عليكم، وقوله ﴿أن﴾ مفسرة، ويجوز أن تكون بدلاً من ﴿واحدة﴾، وقوله ﴿تقوموا الله مثنى
وفرادى﴾ يحتمل أن يريد بالطاعة والإخلاص والعبادة فتكون الواحدة التي وعظ بها هذه، ثم عطف عليها أن
يتفكروا في أمره هل هو به جنة أو هو بريء من ذلك والوقف عند أبي حاتم ﴿ثم تتفكر وا﴾ .
قال الفقيه الإمام القاضي: فيجيء ﴿ما بصاحبكم﴾ نفياً مستأنفاً وهو عند سيبويه جواب ما تنزل منزلة
القسم لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التحقيق كتبين وتكون الفكرة على هذا في آيات الله والإيمان به،
ويحتمل أن يريد بقيامهم أن يكون لوجه الله في معنى التفكر في محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الواحدة
التي وعظ بها أن يقوموا لمعنى الفكرة - في أمر صاحبهم، وكأن المعنى أن يفكر الواحد بينه وبين نفسه
ويتناظر الاثنان على جهة طلب التحقيق، هل بمحمد صلى الله عليه وسلم جنة أم لا؟ وعلى هذا لا يوقف
على ﴿تتفكروا﴾ وقدم المثنى لأن الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، فإذا انقدح
الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزيد بصيرة وقد قال الشاعر: [الطويل]
فيزداد بعض القوم من بعضهم علما
إذا اجتمعوا جاءوا بكل غريبة
وقرأ يعقوب ((ثم تفكروا)) بتاء واحدة، وقال مجاهد بواحدة معناه بلا إله إلا الله وقيل غير هذا مما لا
تعطيه الآية، وقوله ﴿بين يدي﴾ مرتب على أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء في الزمن من قبل العذاب
الشديد الذي توعدوا به .
قوله عز وجل :
قُلْإَِّرَبِيَقْذِفُ
εν
قُلْ مَاسَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرِفَهُوَلَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّهِوَهُوَى كُلِّ شَىْ ءٍ شَهِيدٌ
بِالْحِّ عَلَّمُ الْغُبِ ثْقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَايُعِدُ ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى
وَلَوْتَرَىّ إِذْ فَزِعُواْ فَلَا فَوْتَ
٥٠
نَفْسِىٌّ وَإِنِ آَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىّ إِلَّ رَبَِّّ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ
٥١
وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ
أمره الله تعالى في هذه الآية بالتبري من طلب الدنيا وطلب الأجر على الرسالة وتسليم كل دنيا إلى
أربابها والتوكل على الله في الأجر وجزاء الجد والإقرار بأنه شهيد على كل شيء من أفعال البشر وأقوالهم
وغير ذلك، وقوله ﴿يقذف بالحق﴾ يريد بالوحي وآيات القرآن واستعار له القذف من حيث كان الكفار
يرمون بآياته وحكمه، وقرأ جمهور القراء ((علّمُ)) بالرفع أي هو علام، وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق
((علّمَ)) بالنصب إما على البدل من اسم ﴿إن﴾ وإما على المدح، وقرأ الأعمش ((بالحق وهو علام
الغيوب))، وقرأ عاصم ((الغِيوب)) بكسر الغين، وقوله ﴿قل جاء الحق) يريد الشرع وأمر الله ونهيه، وقال قوم

٤٢٦
تفسير سورة سبأ / الآيات: ٥٢ - ٥٤
يعني السيف، وقوله ﴿وما يبدىء الباطل وما يعيد﴾، قالت فرقة: ﴿الباطل) هو غير ﴿الحق) من الكذب
والكفر ونحوه استعار له الإبداء والإعادة ونفاهما عنه، كأنه قال وما يصنع الباطل شيئاً، وقالت فرقة
﴿الباطل﴾ الشيطان، والمعنى ما يفعل الشيطان شيئاً مفيداً أي ليس يخلق ولا يرزق، وقالت فرقة ﴿ما﴾
استفهام كأنه قال وأي شيء يصنع الباطل؟ وقرأ جمهور الناس ((صلّلت)) بفتح اللام: ((فإنما أضِل)) بكسر
الضاد، وقرأ الحسن وابن وثاب ((ضللت)) بكسر اللام ((أضل)) بفتح الضاد وهي لغة بني تميم)) وقوله
﴿فيما﴾ يحتمل أن تكون ((ما)) بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون مصدرية، و﴿قريب﴾ معناه بإحاطته
وإجابته وقدرته، واختلف المتأولون في قوله تعالى: ﴿ولو ترى﴾ الآية، فقال ابن عباس والضجاك: هذا في
عذاب الدنيا، وروي أن ابن أبزى قال ذلك في جيش يغزو الكعبة فيخسف بهم في بيداء من الأرض ولا
ينجو إلا رجل من جهينة فيخبر الناس بما نال الجيش قالوا بسببه قيل ((وعند جهينة الخبر اليقين))، وهذا قول
سعيد، وروي في هذا المعنى حديث مطول عن حذيفة وذكر الطبري أنه ضعيف السند مكذوب فيه على
داود بن الجراح، وقال قتادة: ذلك في الكفار عند الموت، وقال ابن زيد: ذلك في الكفار في بدر ونحوها،
وقال الحسن بن أبي الحسن: ذلك في الكفار عند خروجهم من القبور في القيامة .
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا أرجح الأقوال عندي، وأما معنى الآية فهو التعجيب من حالهم إذا
فزعوا من أخذ الله إياهم ولم يتمكن لهم أن يفوت منهم أحد، وقوله ﴿من مكان قريب﴾ معناه أنهم للقدرة
قريب حيث كانوا قبل من تحت الأقدام، وهذا يتوجه على بعض الأقوال والذي يعم جميعها أن يقال إن
الأخذ يجيئهم من قرب في طمأنينتهم ويعقبها بينا الكافر يؤمل ويظن ويترجى إذ غشيه الأخذ، ومن غشيه
أخذ من قريب، فلا حيلة له ولا روية، وقرأ الجمهور ((وأخذوا))، وقرأ طلحة بن مصرف ((فلا فوت وأخذ))،
کأنه قال وجاء لهم أخذ من مكان قريب.
قوله عز وجل :
٥َ وَقَدْ كَفَرُواْبِهِ، مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ
وَقَالُوَاْءَامَنَّابِهِ، وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاؤُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (@)
بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَايَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاءِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ
٥٤
فِشَئِّ ◌ُرِيبٍ
الضمير في ﴿به﴾ عائد على الله تعالى، وقيل على محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه والقرآن، وقرأ
ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وعامة القراء ((التناوُش)) بضم الواو دون همز، وقرأ أبو عمرو وحمزة
والكسائي وعاصم أيضاً ((التناؤش)) بالهمز، والأولى معناها التناول من قولهم ناش ينوش إذا تناول وتناوش
القوم في الحرب إذا تناول بعضهم بعضاً بالسلاح، ومنه قول الراجز: [الرجز].
فهي تنوش الحوض نوشاً من علا نوشاً به تقطع أجواز الفلا
فكأنه قال وأنى لهم تناول مرادهم وقد بعدوا عن مكان إمكان ذلك، وأما التناؤش بالهمز فيحتمل أن

---
٤٢٧
تفسير سورة سبأ / الآيات: ٥٢ - ٥٤
يكون من التناؤش الذي تقدم تفسيره وهمزت الواو لما كانت مضمونة وكانت ضمتها لازمة، كما قالوا أقتت
وغير ذلك، ويحتمل أن يكون من الطلب، تقول اتناشت الشيء إذا طلبته من بعد، وقال ابن عباس تناؤش
الشيء رجوعه حكاه عنه ابن الأنباري وأنشد: [الوافر]
تمنى أن تؤوب إليك ميّ وليس إلى تناوشها سبيل
فكأنه قال في الآية: وأنى لهم طلب مرادهم وقد بعد، قال مجاهد المعنى من الآخرة إلى الدنيا، وقرأ
جمهور الناس ((ويَقذِفون)) بفتح الياء وكسر الذال على إسناد الفعل إليهم، أي يرجمون بظنونهم ويرمون بها
الرسل وكتاب الله، وذلك غيب عنهم في قولهم سحر وافتراء وغير ذلك، قاله مجاهد، وقال قتادة قذفهم
بالغيب هو قولهم لا بعث ولا جنة ولا نار، وقرأ مجاهد ((ويُقذَفون)) بضم الياء وفتح الذال على معنى
ويرجمهم الوحي بما يكرهون من السماء، وقوله ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ قال الحسن معناه من
الإيمان والتوبة والرجوع إلى الإتابة والعمل الصالح، وذلك أنهم اشتهوه في وقت لا تنفع فيه التوبة، وقاله
أيضاً قتادة، وقال مجاهد معناه وحيل بينهم وبين نعيم الدنيا ولذاتها، وقيل حيل بينهم وبين الجنة ونعيمها،
وهذا يتمكن جداً على القول بأن الأخذ والفزع المذكورين هو في يوم القيامة، وقوله ﴿كما فعل بأشياعهم
من قبل﴾ الأشياع الفرق المتشابهة، فأشياع هؤلاء هم الكفرة من كل أمة، وهو جمع شيعة، وشيع، وقوله
﴿من قبل﴾ يصلح على بعض الأقوال المتقدمة تعلقه بفعل، ويصلح على قول من قال إن الفزع هو في يوم
القيامة تعلقه ﴿بأشياعهم﴾ أي بمن اتصف بصفتهم من قبل في الزمن الأول، لأن ما يفعل بجميعهم إنما هو
في وقت واحد. لا يقال فيه ﴿من قبل﴾، و((الشك المريب)) أقوى ما يكون من الشك وأشده إظلاماً.
.....-

٤٢٨
ـــ تفسير سورة فاطر / الآيات: ١ - ٥
بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
سُورَا فَطِيْ
هذه السورة مكية .
قوله عز وجل :
اْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلّ أُوْلِ أَجْنِحَةٍ مَّتْنَ وَثُلَثَ وَرَُّعَ يَزِيدٌ فِ الْخَلْقِ
مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (١)مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَا مُرْسِلَ
لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦ََُّهَا النَّاسُ أَذْكُرُ وَأْنِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ
مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّلَآ إِلَهَ إِلَّ هُوْ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ
﴿ يَتُهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّتَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ
حوسوم جموع
وَإِلَى اللَّهِ تَرْجَعُ الأمُورُ
اُلْغَرُورُ !
٥
الألف واللام في ﴿الحمد﴾ لاستغراق الجنس على أتم عموم، لأن ﴿الحمد﴾ بالإطلاق على
الأفعال الشريفة والكمال هو الله تعالى والشكر مستغرق فيه لأنه فصل من فصوله، و﴿فاطر﴾ معناه خالق
لكن يزيد في المعنى الانفراد بالابتداء لخلقها، ومنه قول الأعرابي المتخاصم في البئر عند ابن عباس: أنا
فطرتها، أراد بدأت حفرها. قال ابن عباس ما كنت أفهم معنى ﴿فاطر﴾ حتى سمعت قول الأعرابي، وقرأ
الجمهور ((الحمد لله فطر))، وقرأ جمهور الناس ((جاعل)) بالخفض، وقرأت فرقة ((جاعلُ)) بالرفع على قطع
الصفة، وقرأ خليد بن نشيط ((جعل)) على صيغة الماضي ((الملائكة)) نصباً، فأما على هذه القراءة الأخيرة
فنصب قوله ﴿رسلاً﴾ على المفعول الثاني، وأما على القراءتين المتقدمتين فقيل أراد بـ ((جاعل)) الاستقبال
لأن القضاء في الأزل وحذف التنوين تخفيفاً وعمل عمل المستقبل في ﴿رسلاً﴾، وقالت فرقة ﴿جاعل﴾
بمعنى المضي و﴿رسلاً﴾ نصب بإضمار فعل، و﴿رسلاً﴾ معناه بالوحي وغير ذلك من أوامره، فجبريل
وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل رسل، والملائكة المتعاقبون رسل، والمسددون لحكام العدل رسل وغير ذلك،
وقرأ الحسن («رسلا)» بسکون السين، و ﴿أولي﴾ جمع واحده ذو، تقول ذو نهية والقوم أولو نهي، وروي عن
الحسن أنه قال في تفسير قول مريم ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً﴾ [مريم: ١٨] قال علمت مريم
أن التقي ذو نهية، وقوله ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ ألفاظ معدولة من اثنين وثلاثة وأربعة عدلت في حال التنكير
فتعرفت بالعدل، فهي لا تنصرف للعدل والتعريف، وقيل للعدل والصفة، وفائدة العدل الدلالة على التكرار

٤٢٩
تفسير سورة فاطر / الآيات : ١ - ٥
لأن ﴿مثنى﴾ بمنزلة قولك اثنين اثنين، وقال قتادة: إن أنواع الملائكة هي هكذا منها ما له جناحان، ومنها ما
له ثلاثة، ومنها ما له أربعة، ويشذ منها ما له أكثر من ذلك، وروي أن لجبريل ستمائة جناح منها اثنان تبلغ
من المشرق إلى المغرب، وقالت فرقة المعنى أن في كل جانب من الملك جناحين، ولبعضهم ثلاثة في
كل جانب، ولبعضهم أربعة، وإلا فلو كانت ثلاثة لكل واحد لما اعتدلت في معتاد ما رأيناه نحن من
الأجنحة، وقيل بل هي ثلاثة لكل واحد كالحوت والله أعلم بذلك، وقوله تعالى: ﴿يزيد في الخلق ما
يشاء﴾ تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب عند الخبر بالملائكة أولي الأجنحة، أي ليس
هذا ببدع في قدرة الله تعالى فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، وروي عن الحسن وابن شهاب أنهما قالا المزيد
هو حسن الصوت قال الهيثم الفارسي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي: أنت الهيثم الذي
تزين القرآن بصوتك جزاك الله خيراً، وقيل الزيادة الخط الحسن، وقال النبي عليه السلام: ((الخط الحسن
يزيد الحق وضوحاً))، وقال قتادة الزيادة ملاحة العينين.
قال القاضي أبو محمد: وقيل غير هذا وهذه الإشارة إنما ذكرها من ذكرها على جهة المثال لا أن
المقصود هي فقط، وإنما مثل بأشياء هي زيادات خارجة عن الغالب الموجود كثيراً وباقي الآية بين، وقوله
﴿ما يفتح الله﴾ ﴿ما﴾ شرط، و﴿يفتح﴾ جزم بالشرط، وقوله ﴿من رحمة﴾ عام في كل خير يعطيه الله
تعالى للعباد جماعتهم وأفذاذهم، وقوله ﴿من بعده﴾ فيه حذف مضاف أي من بعد إمساكه،
ومن هذه الآية سمت الصوفية ما تعطاه من الأموال والمطاعم وغير ذلك الفتوحات، ومنها كان أبو
هريرة يقول مطرنا بنوء الفتح، وقرأ الآية، وقوله ﴿يا أيها الناس﴾ خطاب لقريش وهو متجه لكل كافر، ولا
سيما لعباد غير الله، وذكرهم تعالى بنعمة الله عليهم في خلقهم وإيجادهم، ثم استفهمهم على جهة التقرير
والتوقيف بقوله ﴿هل من خالق غير الله﴾ أي فليس إله إلا الخالق لا ما تعبدون أنتم من الأصنام، وقرأ حمزة
والكسائي ((غيرِ)) بالخفض نعتاً على اللفظ وخبر الابتداء ﴿يرزقكم) وهي قراءة أبي جعفر وشقيق وابن
وثاب، وقرأ الباقون غير نافع بالرفع، وهي قراءة شيبة بن نصاح وعيسى والحسن بن أبي الحسن، وذلك
يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها النعت على المرضع والخبر مضمر تقديره في الوجود أو في العالم وأن يكون
((غيرُ)) خبر الابتداء الذي هو في المجرور والرفع على الاستثناء، كأنه قال هل خالق إلا الله، فجرت ((غير))
مجرى الفاعل بعد ﴿إلا﴾، وقوله ﴿من السماء﴾ يريد بالمطر ومن ﴿الأرض) يريد بالنبات، وقوله ﴿فأنى
تؤفكون﴾ معناه فلأي وجه تصرفون عن الحق، ثم سلی نبيه صلى الله عليه وسلم بما سلف من حال الرسل
مع الأمم، و﴿الأمور﴾ تعم جميع الموجودات المخلوقات إلى الله مصير جميع ذلك على اختلاف
أحوالها، وفي هذا وعيد للكفار ووعد للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم وعظ عز وجل جميع العالم وحذرهم
غرور الدنيا بنعيمها وزخرفها الشاغلة عن المعاد الذي له يقول الإنسان: ﴿يا ليتني قدمت لحياتي﴾
[الفجر: ٢٤] ولا ينفعه ليت يومئذ، وحذر غرور الشيطان، وقوله ﴿إن وعد الله﴾ عبارة عن جميع خبره عز
وجل في خير وتنعم أو عذاب أو عقاب، وقرأ جمهور الناس ((الغرور)) بفتح الغين وهو الشيطان قاله ابن
عباس، وقرأ سماك العبدي وأبو حيوة ((الغُرور)) بضم الغين وذلك يحتمل أن يكون جمع غار كجالس
وجلوس، ويحتمل أن يكون جمع غر وهو مصدر غره يغره غراً، ويحتمل أن يكون مصدراً وإن كان شاذاً

٤٣٠
تفسير سورة فاطر / الآيات: ٦-١٠
في الأفعال المتعدية أن يجيء مصدرها على فعول لكنه قد جاء لزمه لزوماً ونهكه المرض نهوكاً فهذا مثله
وكذلك هو مصدر في قوله ﴿فدلاهما بغرور﴾ [الأعراف: ٢٢].
قوله عز وجل :
قَالَّذِينَ كَفَرُواْ
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُرْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوَّا إِنَّمَا يَدْ عُوْحِزْ بَهُ لِيَكُونُوْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ (
لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَهُ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌّكَبِيُ ﴿ أَفَنَ زُمِنَ لَهُسُوَّهُ عَمَلِهِ
فَرَءَاهُ حَسَنَّاً فَإِنَّاللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ فَلَانَذْ هَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرِّتٍ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ
بِمَا يَصْنَعُونَ(
٨
قوله تعالى: ﴿إن الشيطان) الآية، يقوي قراءة من قرأ ((الغرور)) بفتح الغين، وقوله ﴿فاتخذوه
عدواً﴾ أي بالمباينة والمقاطعة والمخالفة له باتباع الشرع، و((الحزب)) الحاشية والصاغية، واللام في قوله
﴿ليكونوا﴾ لام الصيرورة لأنه لم يدعهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك،
و﴿السعير﴾ طبقة من طبقات جهنم وهي سبع طبقات، وقوله ﴿الذين كفروا﴾ في موضع رفع بالابتداء
وهذا هو الحسن لعطف ﴿الذين آمنوا﴾ عليه بعد ذلك فهي جملتان تعادلتا، وجوز بعض الناس في
﴿الذين﴾ أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿يكونوا﴾ وجوز غيره أن يكون ﴿الذين﴾ في موضع نصب بدلاً من
﴿حزبه﴾ وجوز بعضهم أن يكون في موضع خفض بدلاً من ﴿أصحاب﴾ وهذا كله محتمل، غير أن
الابتداء أرجح. وقوله تعالى: ﴿أُفمن زین له سوء عمله فرآه حسناً﴾ توقيف وجوابه محذوف تقديره عند
الكسائي تذهب نفسك حسرات عليهم، ويمكن أن يتقدر كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير، وأحسنها ما
دل اللفظ بعد عليه، وقرأ طلحة ((أمن زين)) بغير فاء، وهذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن كفر
قومه، ووجب التسليم لله تعالى في إضلال من شاء وهداية من شاء، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم
بالإعراض عن أمرهم وأن لا يبخع نفسه أسفاً عليهم، وقرأ جمهور الناس ((فلا تذهَبُ)) بفتح التاء والهاء
(نفسُك)) بالرفع، وقرأ أبو جعفر وقتادة وعيسى والأشهب ((تُذهِبَ)) بضم التاء وكسر الهاء نفسك بالنصب،
ورويت عن نافع، و((الحسرة)) هم النفس على فوات أمر، واستشهد ابن زيد لذلك بقوله تعالى: ﴿يا
حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦] ثم توعد تعالى الكفرة بقوله ﴿إن الله عليم بما
يصنعون﴾ .
قوله عز وجل :
وَاللهُالَّذِّ أَرْسَلَ الْرَّحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَدٍ مَّيْتٍ فَأَحْيَيْنَاِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ
مَن كَانَيُرِدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِالْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ
١٠
يَمْكُرُونَ السِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَكَ هُوَيُبُورُ
هذه آية احتجاج على الكفرة في إنكار البعث من القبور، فدلهم تعالى على المثال الذي يعاينونه وهو
٠٠.

٤٣١
تفسير سورة فاطر / الآيتان: ٩ - ١٠ -
سواء مع إحياء الموتى، و((البلد الميت)) هو الذي لا نبت فيه قد اغبر من القحط فإذا أصابه الماء من
السحاب اخضر وأنبت فتلك حياته، و﴿النشور﴾ مصدر نشر الميت إذا حيي، ومنه قول الأعشى:
يا عجبا الميت الناشر
وقوله تعالى: ﴿من كان يريد العزة﴾ يحتمل ثلاثة معان: أحدها أن يريد ﴿من كان يريد العزة﴾
بمغالبة ﴿فلله العزة﴾ أي ليست لغيره ولا تتم إلا له وهذا المغالب مغلوب ونحا إليه مجاهد، وقال ﴿من
كان يريد العزة﴾ بعبادة الأوثان .
قال القاضي أبو محمد: وهذا تمسك بقوله تعالى: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً﴾
[مريم: ٨١] والمعنى الثاني (من كان يريد العزة﴾ وطريقها القويم ويحب نيلها على وجهها ﴿فلله العزة﴾
أي به وعن أوامره لا تنال عزته إلا بطاعته، ونحا إليه قتادة. والمعنى الثالث وقاله الفراء ﴿من كان يريد﴾
علم ﴿العزة فلله العزة﴾ أي هو المتصف بها، و﴿جميعاً﴾ حال، وقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم
الطيب﴾ أي التوحيد والتمجيد وذكر الله ونحوه، وقرأ الضحاك ((إليه يُصعد)) بضم الياء، وقرأ جمهور الناس
((الكلم)) وهو جمع كلمة، وقرأ أبو عبد الرحمن ((الكلام))، و﴿الطيب﴾ الذي يستحسن سماعه الاستحسان
الشرعي، وقال كعب الأحبار: إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لدوياً حول العرش كدوي
النحل تذكر بصاحبها، وقوله تعالى: ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ اختلف الناس في الضمير في ﴿يرفعه﴾
على من يعود، فقالت فرقة يعود على ﴿العمل﴾، واختلفت هذه الفرقة فقال قوم الفاعل بـ ((يرفع)) هو
﴿الكلم﴾ أي والعمل يرفعه الكلم وهو قول لا إله إلا الله لأنه لا يرتفع عمل إلا بتوحيد، وقال بعضهم الفعل
مسند إلى الله تعالى أي ((والعمل الصالح يرفعه هو)).
قال القاضي أبو محمد: وهذا أرجح الأقوال، وقال ابن عباس وشهر بن حوشب ومجاهد وقتادة
الضمير في ﴿يرفعه﴾ عائد على ﴿الكلم﴾ أي أن العمل الصالح هو يرفع الكلم.
قال القاضي أبو محمد: واختلفت عبارات أهل هذه المقالة فقال بعضها وروي عن ابن عباس أن
العبد إذا ذكر الله وقال كلاماً طيباً وأدى فرائضه ارتفع قوله مع عمله، وإذا قال ولم يؤد فرائضه رد قوله على
عمله، وقیل عمله أولى به .
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يرده معتقد أهل الحق والسنة ولا يصح عن ابن عباس، والحق أن
العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله تعالى وقال كلاماً طيباً فإنه مكتوب له متقبل منه وله حسناته وعليه
سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك، وأيضاً فإن ﴿الكلم الطيب﴾ عمل صالح وإنما يستقيم
قول من يقول إن العمل هو الرافع ل ﴿الکلم﴾ بأن یتأول أنه یزید في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه،
كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك إذا تخلل أعماله كلم طيب وذكر الله كانت الأعمال
أشرف .
قال القاضي أبو محمد: فيكون قوله ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ موعظة وتذكرة وحضاً على الأعمال،
وذكر الثعلبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا عمل إلا بنية))، ومعناه قولاً

٤٣٢
تفسير سورة فاطر / الآية: ١١
يتضمن أن قائله عمل عملاً أو يعمله في الأنف، وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها كالتوحيد والتسبيح
فمقبولة على ما قدمناه، وقرأت فرقة ((والعملَ)) بالنصب (الصالحَ)) على النعت وعلى هذه القراءة
فـ ﴿يرفعه﴾ مستند إما إلى الله تعالى وإما إلى ﴿الكلم﴾، والضمير في ﴿يرفعه﴾ عائد على ﴿العمل) لا
غير، وقوله ﴿يمكرون السيئات﴾ إما أنه عدى ﴿يمكرون﴾ لما أحله محل يكسبون، وإما أنه حذف
المفعول وأقام صفته مقامه تقديره يمكرون المكرات السيئات، و﴿يمكرون﴾ معناه يتخابثون ويخدعون
وهم يظهرون أنهم لا يفعلون، و﴿يبور﴾ معناه يفسد ويبقى لا نفع فيه، وقال بعض المفسرين يدخل في
الآية أهل الربا.
قال القاضي أبو محمد: ونزول الآية أولاً في المشركين.
قوله عز وجل :
وَللَّهُ خَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْأَزْوَجَأْ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ، وَمَا
يُعَمَُّمِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِوٍ إِلََّ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ
هذه آية تذكير بصفات الله تعالى على نحو ما تقدم، وهذه المحاورة إنما هي في أمر الأصنام وفي
بعث الأجساد من القبور، وقال تعالى: ﴿خلقكم من تراب﴾ من حيث خلق آدم أبانا منه، وقوله ﴿ثم من
نطفة﴾ أي بالتناسل من مني الرجال، و﴿أزواجاً﴾ قيل معناه أنواعاً، وقيل أراد تزويج الرجال النساء، وقوله
تعالى: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره﴾ اختلف الناس في عود الضمير في قوله ﴿من عمره﴾،
فقال ابن عباس وغيره ما مقتضاه أنه عائد على ﴿معمر﴾ الذي هو اسم جنس والمراد غير الذي يعمر، أي
أن القول يتضمن شخصين يعمر أحدهما مائة سنة أو نحوها وينقص من عمر الآخر بأن يكون عاماً واحداً أو
نحوه، وهذا قول الضحاك وابن زيد لكنه أعاد ضميراً إيجازاً واختصاراً، والبيان التام أن تقول ولا ينقص من
عمر معمر لأن لفظة ﴿معمر﴾ هي بمنزلة ذي عمر.
قال القاضي أبو محمد: كأنه قال ((ولا يعمر من ذي عمر ولا ينقص من عمر ذي عمر))، وقال ابن
عباس أيضاً وأبو مالك وابن جبير المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير أي ما يعمر إنسان ولا ينقص من
عمره بأن يحصي ما مضى منه إذا مر حول كتب ذلك، ثم حول، ثم حول، فهذا هو النقص، قال ابن جبير
ما مضى من عمره فهو النقص وما يستقبل فهو الذي يعمر، وروي عن كعب الأحبار أنه قال المعنى ﴿ولا
ينقص من عمره﴾ أي لا يخرم بسبب قدرة الله، ولو شاء لأخر ذلك السبب.
قال القاضي أبو محمد: وروي أنه قال: حين طعن عمر لو دعا الله تعالى لزاد في أجله، فأنكر عليه
المسلمون ذلك وقالوا: إن الله تعالى يقول ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة﴾ [الأعراف: ٣٤،
النحل: ٦١] فاحتج بهذه الآية وهو قول ضعيف مردود يقتضي القول بالأجلين، وبنحوه تمسكت المعتزلة،
وقرأ الحسن والأعرج وابن سيرين ((ينقِضُ)) على بناء الفعل للفاعل أي ينقص الله، وقرأ(من عمره)) بسكون
الميم الحسن وداود، و ((الكتاب)) المذكور في الآية اللوح المحفوظ، وقوله ﴿إن ذلك﴾ إشارة إلى تحصيل
هذه الأعمال وإحصاء دقائقها وساعاتها .

٤٣٣
تفسير سورة فاطر / الآية : ١٢
قوله عز وجل :
وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَابِعٌ شَرَابَهُ وَهَذَا مِلْمُّ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا
طَرِيئًا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِنَّبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ
هذه آية أخرى يستدل بها كل عاقل ويقطع أنها مما لا مدخل لصنم فيه، و﴿البحران﴾ يريد بهما
جميع الماء الملح وجميع الماء العذب حيث كان، فهو يعني به جملة هذا وجملة هذا، و((الفرات)) الشديد
العذوبة، و((الأجاج)) الشديد الملوحة الذي يميل إلى المرارة من ملوحته، قال الرماني هو من أججت النار
كأنه يحرق من حرارته، وقرأ عيسى الثقفي ((سيّغ شرابه)) بغير ألف وبشد الياء، وقرأ طلحة ((مَلِح)) بفتح
الميم وكسر اللام، و((اللحم الطري)) الحوت وهو موجود في البحرين، وكذلك ﴿الفلك﴾ تجري في
البحرين، وبقيت ((الحلية)) وهي اللؤلؤ والمرجان، فقال الزجاج وغيره هذه عبارة تقتضي أن الحلية تخرج
منهما، وهي إنما تخرج من الملح وذلك تجوز كما قال في آية أخرى ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾
[الرحمن: ٢٢]، وكما قال ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ [الأنعام: ١٢٨]، والرسل إنما
هي من الإنس، وقال بعض الناس بل الحلية تخرج من البحرين، وذلك أن صدف اللؤلؤ إنما يلحقه فيما
يزعمون ماء النيسان، فمنه ما يخرج ويوجد الجوهر فيه، ومنه ما ينشق في البحر عند موته وتقطعه، فيخرج
جوهره بالعطش وغير ذلك من الحيل، فهذا هو من الماء الفرات، فنسب إليه الإخراج لما كان من الحلية
بسبب، وأيضاً فإن المرجان يزعم طلابه في البحر أنه إنما يوجد وينبت في موضع بإزائها انصباب ماء أنهار
في البحر وأيضاً فإن البحر الفرات كله ينصب في البحر الأجاج فيجيء الإخراج منهما جميعاً.
قال القاضي أبو محمد: وقد خطىء أبو ذؤيب في قوله في صفة الجوهر: [الطويل]
وجهها ماء الفرات يموج
فجاء بها ما شئت من لطمية
وليس ذلك بخطإٍ على ما ذكرنا من تأويل هذه الفرقة، و﴿الفلك﴾ في هذا الموضع جمع بدليل صفته
بجمع، و﴿مواخر﴾ جمع ماخرة وهي التي تمخر الماء أي تشقه، وقيل الماخرة التي تشق الريح، وحينئذ
يحدث الصوت، والمخر الصوت الذي يحدث من جري السفينة بالريح، وعبر المفسرون عن هذا بعبارات
لا تختص باللفظة، فقال بعضهم ((المواخر)) التي تجيء وتذهب بريح واحدة، وقال مجاهد الريح تمخر
السفن ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام .
قال القاضي أبو محمد: هكذا وقع لفظه في البخاري، والصواب أن تكون ﴿الفلك﴾ هي الماخرة لا
الممخورة وقوله تعالى: ﴿لتبتغوا﴾ يريد بالتجارات والحج والغزو وكل سفر له وجه شرعي.
قوله عز وجل :
يُولِيُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَبُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَخْرِى لِأَجَلٍ
1

٤٣٤
تفسير سورة فاطر / الآيات: ١٣ - ١٨
تُسَتَّىَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن
تِطْمِيرِ®
إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْدُعَاءَ كُمْ وَلَوْ سَمِعُوْ مَا اسْتَجَابُوْلَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ
بِشِرْحِكُمْ وَلَا يُنَِّتُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
﴿يولج﴾ معناه يدخل، وهذه عبارة عن أن ما نقص من ﴿الليل) زاد ﴿في النهار﴾، فكأنه دخل فيه،
وكذلك ما نقص من ﴿النهار﴾ يدخل ﴿في الليل) والألف واللام في ﴿الشمس والقمر﴾ هي للعهد، وقيل
هي زائدة لا معنى لها ولا تعريف وهذا أصوب، و((الأجل المسمى)) هو قيام الساعة، وقيل آماد الليل وآماد
النهار، فـ ((أجل)) على هذا اسم جنس، وقرأ جمهور الناس ((تدعون)) بالتاء، وقرأ الحسن ويعقوب ((يدعون))
بالياء من تحت، و((القطمير)) القشرة الرقيقة التى على نوى التمرة هذا قول الناس الحجة، وقال جوبير عن
رجاله ((القطمير)) القمع الذي في رأس التمرة، وقاله الضحاك والأول أشهر، وأصوب، ثم بين تعالى أمر
الأصنام بثلاثة أشياء كلها تعطي بطلانها: أولها أنها لا تسمع إن دعيت، والثاني أنها لا تجيب أن لو سمعت
وإنما جاء بهذه لأن لقائل متعسف أن يقول عساها تسمع، والثالث أنها تتبرأ يوم القيامة من الكفار،
ويكفرون بشركهم أي بأن جعلوهم شركاء لله فأضاف الشرك إليهم من حيث هم قرروه، فهو مصدر مضاف
إلى الفاعل، وقوله ﴿يكفرون﴾ يحتمل أن يكون بكلام، وعبارة يقدر الله الأصنام عليها ويخلق لها إدراكا
يقتضيها، ويحتمل أن يكون بما يظهر هناك من جمودها وبطولها عند حركة كل ناطق ومدافعة كل محتج
فيجيء هذا على طريق التجوز كما قال ذو الرمة: [الطويل]
يخاطبنى آثاره وأخاطبه ..
وقفت على ربع لمية ناطق
تكلمنى أحجاره وملاعبه.
وأسقيه حتى كاد مما أبثه
وهذا كثير، وقوله ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾ قال المفسرون قتادة وغيره ((الخبير)» هنا أراد به تعالى نفسه
فهو الخبير الصادق الخبر نبأ بهذا فلا شك في وقوعه، ويحتمل أن يكون قوله ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾ من
تمام ذكر الأصنام، كأنه قال: ولا يخبرك مثل من يخبر عن نفسه أي لا أصدق في تبريها من شرككم منها
فيريد بالخبير على هذا المثل له، كأنه قال ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾ عن نفسه وهي قد أخبرت عن نفسها
بالكفر بهؤلاء.
قوله عز وجل :
يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴿ إِن يَشَأَيُذْ هِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ
جَدِيدٍ ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزِ ﴾ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَإِن تَدْعُ مْقَلَةُ إِلَ حْلِهَا لَا
يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِىُّ إِنَّمَا نُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَهُم بِالْغَيْبِ وَقَامُوا الصَّلَوَةً وَمَن
تَزََّى فَإِنَّمَا بَتَزََّّ لِنَفْسِهِ، وَ إِلَى اللَّهِالْمَصِيرُ
١٨
هذه آية موعظة وتذكير، والإنسان فقير إلى الله تعالى في دقائق الأمور وجلائلها لا يستغني عنه طرفة
٠٠ ....

٤٣٥
تفسير سورة فاطر / الآيات: ١٩ - ٢٦
عين، وهو به مستغن عن كل واحد، والله تعالى غني عن الناس وعن كل شيء من مخلوقاته غني على
الإطلاق، و﴿الحميد﴾ المحمود بالإطلاق، وقوله تعالى ﴿بعزيز﴾ أي بممتنع، و﴿تزر﴾ معناه تحمل،
والوزر الثقل، وهذه الآية في الذنوب والآثام والجرائم، قاله قتادة وابن عباس ومجاهد، وسببها أن الوليد بن
المغيرة قال لقوم من المؤمنين اكفروا بمحمد وعلي وزركم، فحكم الله تعالى بأنه لا يحملها أحد عن أحد،
ومن تطرق من الحكام إلى أخذ قريب بقريبه في جريمة كفعل زيادة ونحوه فإنما ذلك لأن المأخوذ ربما أعان
المجرم بمؤازرة ومواصلة أو اطلاع على حاله وتقرير لها، فهو قد أخذ من الجرم بنصيب، وهذا هو المعنى
في قوله تعالى ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣] لأنهم أغووهم، وهو معنى قوله
صلى الله عليه وسلم ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة
بعده، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده))، وأنثت ﴿وازرة﴾ لأنه ذهب
بها مذهب النفس وعلى ذلك أجريت ﴿مثقلة﴾، و((الحمل)) ما كان على الظهر في الأجرام، ويستعار
للمعاني كالذنوب ونحوها، فيجعل كل محمول متصلاً بالظهر، كما يجعل كل اكتساب منسوباً إلى اليد،
واسم ﴿كان﴾ مضمر تقديره ولو كان الداعي، ثم أخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه إنما ينذر أهل
الخشية وهم الذين يمنحون العلم، أي إنما ينتفع بالإنذار هم وإلا فلنذارة جميع العالم بعثه، وقوله
﴿بالغيب﴾ أي وهو بحال غيبة عنهم إنما هي رسالة، ثم خصص من الأعمال إقامة الصلاة تنبيهاً عليها
وتشريفاً لها، ثم حض على التزكي بأن رجى عليه غاية الترجية، وقرأ طلحة ((ومن أزكى فإنما يزكي))، ثم
توعد بعد ذلك بقوله ﴿وإلى الله المصير﴾ .
قال القاضي أبو محمد: وكل عبارة مقصرة عن تبيين فصاحة هذه الآية، وكذلك كتاب الله كله،
ولكن يظهر الأمر لنا نحن في مواضع أكثر منه في مواضع بحسب تقصيرنا .
قوله عز وجل :
وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴿ وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ (٢) وَلَ الِظِلُّ وَلَ الْحُرُورُ ﴾ وَمَا
يَسْتَوِى الْأَحَْةُ وَالْأَمْوَتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعِ مَّن فِىِ الْقُبُورِ (٦) إِنْ أَنْتَ إِلََّنَذِيرٌ
إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلََّ خَلَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْكَذَّبَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتَهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ وَبِالزُّبْرِ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ هَا ثُمَّأَخَذْتُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرٍ ﴾ّ
مضمن هذه الآية طعن على الكفرة وتمثيل لهم بالعمى والظلمات وتمثيل المؤمنين بآرائهم بالبصراء
والأنوار، وقوله ﴿ولا النور﴾ ودخول ﴿لا﴾ فيها وفيما بعدها إنما هو على نبة التكرار كأنه قال ﴿ولا
الظلمات﴾ والنور، ﴿ولا النور﴾ ولا الظلمات، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني ودل مذكور الآية على
متروكه، و﴿الحرور﴾ شدة حر الشمس، وقال رؤبة بن العجاج ﴿الحرور﴾ بالليل والسموم بالنهار، وليس
١

٤٣٦
تفسير سورة فاطر / الآيتان: ٢٨،٢٧
كما قال وإنما الأمر كما حكى الفراء وغيره أن السموم يختص بالنهار و﴿الحرور﴾ يقال في حر الليل وفي
حر النهار، وتأول قوم ﴿الظل﴾ في هذه الآية الجنة، و﴿الحرور﴾ جهنم، وشبه المؤمنين بـ ﴿الأحياء)
والكفرة بـ ﴿الأموات﴾ من حيث لا يفهمون الذكر ولا يقبلون عليه، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله تعالى بقوله
﴿إن الله يسمع من يشاء﴾، وقوله ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ تمثيل بما يحسه البشر. ويعهده جميعنا
من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول إنها في القبر بل تتضمن الأحاديث أن أرواح
المؤمنين في شجر عند العرش وفي قناديل وغير ذلك، وأن أرواح الكفرة في سجين ويجوز في بعض
الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور فربما سمعت وكذلك أهل قليب بدر إنما سمعت أرواحهم، وكذلك
سماع الميت خفق النعال إنما هو برد روحه عليه عند لقاء الملكين.
٤٠
قال القاضي أبو محمد: فهذه الآية لا تعارض حديث القليب لأن الله تعالى رد على أولئك أرواحهم
في القليب ليوبخهم، وهذا على قول عمر وابنه عبد الله وهو الصحيح إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ((ما أنتم بأسمع منهم))، وأما عائشة فمذهبها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمعهم وأنه إنما
قصد توبيخ الأحياء من الكفرة، وجعلت هذه الآية أصلاً واحتجت بها، فمثل الله تعالى في هذه الآية الكفرة
بالأشخاص التي في القبور، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((بمسمع من)) على الإضافة، ثم سلاه بقوله ﴿إن
أنت إلا نذير﴾ أي ليس عليك غير ذلك، والهداية والإضلال إلى الله تعالى، و﴿بشيراً﴾ معناه بالنعيم
الدائم لمن آمن، ﴿ونذيراً﴾ معناه بالعذاب الأليم لمن كفر، وقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها
نذير﴾ معناه أن دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة فهو ممن بلغته
لأن آدم بعث إلى بنيه ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم، والآيات التي تتضمن أن
قريشاً لم يأتهم نذير، معناه نذير مباشر، وما ذكره المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم فإنما
ذلك بالفرض لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله، ثم سلی نبيه بما سلف من الأمم
لأنبيائهم، و﴿البينات والزبر والكتاب المنير﴾ شيء واحد، لكنه أكد أوصافه بعضها ببعض وذكره بجهاته
و ﴿الزبر﴾ من زبرت الكتاب إذا كتبته، ثم توعد قريشاً بذكره أخذ الأمم الكافرة.
قوله عز وجل :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَابِهِ ثَمَرَتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَ مِنَ الْجِبَالِ حُدَدٌ بِيِضٌ وَحُمْرٌ
تُخْتَلِفُ أَلْوَتُهَا وَغَرَبِيبُ سُودٌ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَابِ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ
كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَثَوْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ
٢٨
الرؤية في قوله ﴿ألم تر﴾ رؤية القلب، وكل توقيف في القرآن على رؤية فهي رؤية القلب، لأن
الحجة بها تقوم، لكن رؤية القلب لا تتركب البتة إلا على حاسة، فأحياناً تكون الحاسة البصر وقد تكون
غيره، وهذا يعرف بحسب الشيء المتكلم فيه، و﴿أن﴾ سادت مسد المفعولين الذين للرؤية، هذا مذهب
سيبويه لأن ﴿أن﴾ جملة مع ما دخلت عليه، ولا يلزم ذلك في قولك رأيت وظننت ذلك، لأن قولك ذلك
:

٤٣٧
تفسير سورة فاطر / الآيتان: ٢٧، ٢٨ -
ليس بجملة كما هي ﴿أن﴾ ومذهب الزجاج أن المفعول الثاني محذوف تقديره (ألم تر أن الله أنزل من
السماء ماء﴾ حقاً، ورجع من خطاب بذكر الغائب إلى المتكلم بنون العظمة لأنها أهيب في العبارة، وقوله
﴿ألوانها﴾ يحتمل أن يريد الحمرة والصفرة والبياض والسواد وغير ذلك، ويؤيد هذا اطراد ذكر هذه الألوان
فيما بعد، ويحتمل أن يريد بالألوان الأنواع، والمعتبر فيه على هذا التأويل أكثر عدداً، و﴿جدد﴾ جمع
جدة، وهي الطريقة تكون من الأرض والجبل كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً، ومنه قول امرىء القيس:
[الطويل]
كأنّ سراته وحدَّة متنه كنائن يحوي فوقهن دليص
وحكى أبو عبيدة في بعض كتبه أنه يقال ﴿جدد﴾ في جمع جديد، ولا مدخل لمعنى الجديد في هذه
الآية، وقرأ الزهري ((جدد)) بفتح الجيم، وقوله ﴿وغرابيب سود﴾ لفظان لمعنى واحد، وقال النبي صلى الله
عليه وسلم: ((إن الله يبغض الشيخ الغربيب)»، يعني الذي يخضب بالسواد، وقدم الوصف الأبلغ، وكان حقه
أن يتأخر وكذلك هو في المعنى، لكن كلام العرب الفصيح يأتي كثيراً على هذا النحو، وقوله ﴿مختلف
ألوانه﴾ قبله محذوف إليه يعود الضمير تقديره ﴿والأنعام) خلق ﴿مختلف ألوانه﴾، ﴿والدواب﴾ يعم
الناس والأنعام لكن ذكرا تنبيهاً منهما، وقوله ﴿كذلك﴾ يحتمل أن يكون من الكلام الأول فيجيء الوقف
عليه حسناً، وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين، ويحتمل أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب
كأنه قال كما جاءت القدرة في هذا كله، ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ أي المحصلون لهذه العبرة
الناظرون فيها .
قال القاضي أبو محمد: وقال بعض المفسرين الخشية رأس العلم، وهذه عبارة وعظية لا تثبت عند
النقد، بل الصحيح المطرد أن يقال العلم رأس الخشية، وسببها والذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال ((خشية الله رأس كل حكمة))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((رأس الحكمة مخافة الله))، فهذا هو الكلام
المنير، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية كفى بالزهد علماً، وقال مسروق وكفى بالمرء علماً أن يخشى
الله، وقال تعالى: ﴿سيذكر من يخشى﴾ [الأعلى: ١] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعلمكم بالله
أشدكم له خشية))، وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم، ويقال إن فاتحة الزبور رأس
الحكمة خشية الله. وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علماً وبالاغترار، به جهلاً، وقال مجاهد والشعبي :
إنما العالم من يخشى الله، وإنما في هذه الآية تخصيص ﴿العلماء﴾ لا للحصر، وهي لفظة تصلح للحصر
وتأتي أيضاً دونه، وإنما يعلم ذلك بحسب المعنى الذي جاءت فيه، فإذا قلت إنما الشجاع عنترة، وإذا
قلت إنما الله إله واحد، بان لك الفرق فتأمله، وهذه الآية بجملتها دليل على الوحدانية والقدرة والقصد بها
إقامة الحجة على كفار قريش.
قوله عز وجل :
إِنَّالَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ وَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّارَزَقْنَهُمْ سِرَّا وَ عَلَانِيَّةٌ يَرْجُونَ
:

٤٣٨
تفسير سورة فاطر / الآيات: ٢٩ - ٣٤
تِجَرَةَ لَّنْ تَبُّورَ ﴿ لِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِّ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورُ
وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَالْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيٍَّ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ، لَخَبِيرٌ
٣٠
٣١
بَصِيرٌ
قال مطرف بن عبد الله بن الشخير هذه آية القراء وهذا على أن ﴿ يتلون ﴾ بمعنى يقرؤون وإن جعلناها
بمعنى يتبعون صح معنى الآية، وكانت في القراء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، و﴿كتاب الله﴾ هو القرآن،
وإقامة الصلاة إقامتها بجميع شروطها، والنفقة هي في الصدقات ووجوه البر، فالسر من ذلك هو التطوع والعلانية
هو المفروض، و﴿يرجون﴾ جملة في موضع خبر ﴿إن﴾، و﴿تبور﴾ معناه تكسد ويتعذر ربحها، ويقال
تعوذوا بالله من بوار الأيم، واللام في قوله ﴿ليوفيهم﴾ متعلقة بفعل مضمر يقتضيه لفظ الآية تقديره وعدهم
بأن لا تبور، أو فعلوا ذلك كله، أو أطاعوه ونحو هذا من التقديرات، وقوله ﴿ويزيدهم من فضله﴾ قالت
فرقة: هو تضعيف الحسنات من العشر إلى السبعمائة، وتوفية الأجور على هذا هي المجازاة مقابلة، وقالت
فرقة: إن التضعيف داخل في توفية الأجور، وأما الزيادة من فضله إما النظر إلى وجهه تعالى، وإما أن
يجعلهم شافعين في غيرهم، كما قال تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] و﴿غفور﴾
معناه متجاوز عن الذنوب ساتر لها، و﴿شكور﴾ معناه مجاز عن اليسير من الطاعات مقرب لعبده، ثم ثبت
تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿والذي أوحينا إليك من الكتاب﴾ الآية، و﴿مصدقاً﴾ حال
مؤكدة، والذي بين يدي القرآن هو التوراة والإنجيل، وقوله تعالى: ﴿إن الله بعباده لخبير بصير﴾، وعيد.
قوله عز وجل :
ثُمَّأَوَْثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمْ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ
جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْ خُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ
٣٢
سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(
وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا
فِيَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ لَا
٣٤
اَلْحَزَنَّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ
﴿أورثنا﴾ معناه أعطيناه فرقة بعد موت فرق، والميراث حقيقة أو مجازاً إنما يقال فيما صار لإنسان
بعد موت آخر، و﴿الكتاب﴾ هنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، فكأن الله تعالى لما
أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن وهو قد تضمن لمعاني الكتب المنزلة، قبله، فكأنه ورث أمة
محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها، و﴿الذين اصطفينا﴾ يريد بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قاله
ابن عباس وغيره، وكأن اللفظ يحتمل أن يريد به جميع المؤمنين من كل أمة إلا أن عبارة توريث الكتاب لم
تكن إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والأول لم يورثوه، و﴿اصطفينا﴾ معناه اخترنا وفضلنا،
و((العباد)» عام في جميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، واختلف الناس في عود الضمير من قوله ﴿فمنهم﴾ فقال
:
:

٤٣٩
تفسير سورة فاطر / الآيات: ٢٩ - ٣٤ -
ابن عباس وابن مسعود ما مقتضاه إن الضمير عائد على ﴿الذين﴾ والأصناف الثلاثة هي كلها في أمة محمد
صلى الله عليه وسلم، فـ((الظالم لنفسه)) العاصي المسرف، و((المقتصد)) متقي الكبائر والجمهور من
الأمة، و((السابق)) المتقي على الإطلاق، وقالت هذه الفرقة والأصناف الثلاثة في الجنة وقاله أبو سعيد
الخدري، والضمير في ﴿يدخلونها﴾ عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة: دخلوا الجنة كلهم، وقال
كعب الأحبار: استوت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم، وفي رواية تحاكت مناكبهم، وقال أبو
إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت مذ ستين سنة فكلهم ناج، وقال عبد الله بن مسعود: هذه الأمة يوم
القيامة أثلاث، ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ثم يدخلون الجنة، وثلث
يجيئون بذنوب عظام فيقول الله ما هؤلاء وهو أعلم بهم فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا
فيقول الله عز وجل: أدخلوهم في سعة رحمتي، وقالت عائشة في كتاب الثعلبي: ((السابق)) من أسلم قبل
الهجرة، و((المقتصد)) من أسلم بعدها، و((الظالم)) نحن، وقال الحسن: ((السابق)) من رجحت حسناته،
و((المقتصد)) من استوت سيئاته، و((الظالم)) من خفت موازينه، وقال سهل بن عبد الله: ((السابق)) العالم،
و((المقتصد))، المتعلم، و((الظالم)) الجاهل، وقال ذو النون المصري: ((الظالم)) الذاكر لله بلسانه فقط
و((المقتصد)) الذاكر بقلبه و((السابق)) الذي لا ينساه، وقال الأنطاكي: ((الظالم)) صاحب الأقوال،
و((المقتصد)) صاحب الأفعال، و((السابق)) صاحب الأحوال، وروى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه
وسلم قرأ هذه الآية وقال: كلهم في الجنة، وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له))، وقال صلى الله عليه وسلم: أنا سابق العرب
وسلمان سابق فارس وصهيب سابق الروم وبلال سابق الحبشة)).
قال القاضي أبو محمد: أراد صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء رؤوس السابقين، وقال عثمان بن عفان:
سابقنا أهل جهادنا ومقتصدنا أهل حضرنا وظالمنا أهل بدونا، لا يشهدون جماعة ولا جمعة، وقال عكرمة
والحسن وقتادة ما مقتضاه أن الضمير في (منهم﴾ عائد على العباد و((الظالم لنفسه)) الكافر والمنافق
و((المقتصد)) المؤمن العاصي و((السابق)) التقي على الإطلاق، وقالوا وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة
الواقعة ﴿وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة
والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ [الواقعة: ١٢] والضمير في قوله ﴿يدخلونها)
على هذا القول خاص على الفريقين المقتصد والسابق والفرقة الظالمة في النار قالوا وبعيد أن يكون ممن
يصطفى ظالم كما يقتضي التأويل الأول، وروي هذا القول عن ابن عباس، وقال بعض العلماء قدم الظالم
لأنه لا يتكل إلا على رحمة الله والمقتصد هو المعتدل في أموره لا يسرف في جهة من الجهات بل يلزم
الوسط، وقال صلى الله عليه وسلم: ((خير الأمور أوساطها))، وقالت فرقة لا معنى لقولها إن قوله تعالى:
﴿الذين اصطفيناهم﴾ الأنبياء والظالم منهم لنفسه من وقع في صغيرة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود من غير ما وجه، وقرأ جمهور الناس ((سابق بالخيرات))،
وقرأ أبو عمرو الجوني ((سباق بالخيرات))، و﴿بإذن الله﴾ معناه بأمره ومشيئته فيمن أحب من عباده،
وقوله تعالى: ﴿ذلك هو الفضل الكبير﴾ إشارة إلى الاصطفاء وما يكون عنه من الرحمة، وقال الطبري:
-. -
---

٤٤٠
تفسير سورة فاطر / الآيات: ٣٥ -٣٧
السبق بالخيرات هو ﴿الفضل الكبير﴾، قال في كتاب الثعلبي جمعهم في دخول الجنة لأنه ميراث، والبار
والعاق سواء في الميراث مع صحة النسب، فكذلك هؤلاء مع صحة الإيمان، وقرأ جمهور الناس ((جناتُ))
بالرفع على البدل من ﴿الفضل﴾ وقرأ الجحدري ((جناتٍ)) بالنصب بفعل مضمر يفسره ﴿يدخلونها﴾ وقرأ
زر بن حبيش ((جنة عدن)) على الإفراد، وقرأ أبو عمرو وحده ((يُدخَلونها)) بضم الياء وفتح الخاء، ورویت عن
ابن كثير، وقرأ الباقون ((يَدخُلونها)) بفتح الياء وضم الخاء، و﴿أساور﴾ جمع أسورة، وأسورة جمع سوار،
ويقال سُوار بضم السين، وفي حرف أبي أساوير، وهو جمع أسوار وقد يقال ذلك في الحلي، ومشهور
أسوار أنه الجيد الرمي من جند الفرس، ويحلون معناه رجالاً ونساء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ونافع
((ولؤلؤا)) بالنصب عطفاً على ﴿أساور﴾، وكان عاصم في رواية أبي بكر يقرأ و((لؤلؤا)) بسكون الواو
الأولى دون همز، وبهمز الثانية، وروي عنه ضد هذا همز الأولى، ولا يهمز الثانية، وقرأ الباقون ((لؤلؤٍ))
بالهمز وبالخفض عطفاً على ﴿أساور﴾، و﴿الحزن﴾ في هذه الآية عام في جميع أنواع الأحزان،
وخصص المفسرون في هذا الموضع فقال أبو الدرداء: حزن أهوال القيامة وما يصيب هناك من ظلم نفسه من
الغم والحزن، وقال ابن عباس: حزن جهنم، وقال عطية: حزن الموت، وقال شهر: حزن معيشة الدنيا
الخبز ونحوه، وقال قتادة: حزن الدنيا في الخوف أن تتقبل أعمالهم، وقيل غير هذا مما هو جزء من
الحزن .
قال القاضي أبو محمد: ولا معنى لتخصيص شيء من هذه الأحزان، لأن الحزن أجمع قد ذهب
عنهم، وقولهم ﴿لغفور شكور﴾ وصفوه تعالى بأنه يغفر الذنوب ويجازي على القليل من الأعمال الصالحة
بالكثير من الثواب، وهذا هو شكره لا رب سواه.
قوله عز وجل :
الَّذِىّ أَحَنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيَهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَافِيهَا لُغُوبٌ ﴿ وَالَّذِينَ كَفُرُواْ
لَهُمْ نَارُجَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمِ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّكَفُورٍ
(٢) وَهُمْ يَصْطَرِثُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوْلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَّا
يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَ كُمُ النَّذِيِّ فَذُ وقُواْفَمَا لِلَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ
٣٧
﴿المقامة﴾ الإقامة، وهو من أقام، و((المقامة)) بفتح الميم القيام وهو من قام، وإدار المقامة﴾
الجنة، و((النصب)) تعب البدن، و((اللغوب)) تعب النفس اللازم عن تعب البدن، وقال قتادة ((اللغوب))
الوجع، وقرأ الجمهور ((لُغوب)) بضم اللام، وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي ((لَغوب)) بفتح اللام أي شيء
يعيينا، ويحتمل أن يكون مصدراً كالولوع والوضوء، ثم أخبر عن حال ﴿الذين كفروا﴾ معادلاً بذلك
الإخبار قبل عن الذين اصطفى، وهذا يؤيد تأويل من قال إن الأصناف الثلاثة هي كلها في الجنة لأن ذكر
الكافرين إنما جاء ها هنا، وقوله ﴿لا يقضى﴾ معناه لا يجهز لأنهم لو ماتوا لبطلت حواسهم فاستراحوا، وقرأ
الحسن البصري والثقفي ((فيموتون)) ووجهها العطف على ﴿يقضى﴾ وهي قراءة ضعيفة، وقوله ﴿لا يخفف
: