Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ تفسير سورة السجدة / الآيات: ١٢ - ١٥ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَآ إِنَّا نَسِينَكُمٌ وَذُوقُوْ عَذَابَ الْخُذْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّدًا وَسَبَّعُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَايَسْتَكْبِرُونَ ١٥ قوله تعالى: ﴿لو ترى﴾ تعجيب لمحمد وأمته من حال الكفرة وما حل بهم، وجواب ﴿لو﴾ محذوف لأن حذفه أهول إذ يترك الإنسان فيه مع أقصى تخيله، و﴿المجرمون﴾ هم الكافرون بدليل التوعد بالنار وبدليل قولهم ﴿إنا موقنون﴾ أي أنهم كانوا في الدنيا غير موقنين، وتنكيس الرؤوس هو من الذل واليأس والهم بحلول العذاب وتعلق نفوسهم بالرجعة إلى الدنيا، وفي القول محذوف تقديره يقولون ﴿ربنا﴾ وقولهم ﴿أبصرنا وسمعنا﴾ أي ما كنا نخبر به في الدنيا فكنا مكذبين به، ثم طلبوا الرجعة حين لا ينفع ذلك، ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه لو شاء لهدى الناس أجمعين بأن يلطف بهم لطفاً يؤمنون به ويخترع الإيمان في نفوسهم، هذا مذهب أهل السنة، وقال بعض المفسرين تعرض عليهم آية يضطرهم بها إلى الإيمان . قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول بعض المعتزلة، إلا أن من أشرنا إليه من المفسرين لم يقدر قدر القول ولا مغزاه ولذلك حكاه، والذي يقود المعتزلة إلى هذه المقالة أنهم يرون أن من يقدر على اللطف بإنسان حتى يؤمن ولا يفعل فإن ذلك ليس من الحكمة ولا من الأمر المستقيم، والكلام على هذه المسألة يطول وله تواليفه، و﴿الجنة﴾ الشياطين، وقوله ﴿فذوقوا﴾ بمعنى يقال لهم ذوقوا، و﴿نسيتم﴾ معناه تركتم، قاله ابن عباس وغيره، وفي الكلام حذف مضاف تقديره عمل أو عدة ونحوه، وقوله ﴿إنا نسيناكم﴾ سمى العقوبة باسم الذنب، وقوله ﴿بما كنتم تعملون﴾ أي بتكسبكم الآثام، ثم أثنى عز وجل على القوم الذين يؤمنون بآياته ووصفهم بالصفة الحسنى بسجودهم عند التذكير وتسبيحهم وعدم استكبارهم بخلاف ما يصنع الكفر من الإعراض عند التذكير وقول الهجر وإظهار التكبر. وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، وقال ابن عباس: السجود هنا بمعنى الركوع، وقد روي عن ابن جريج ومجاهد أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من المنافقين كانوا إذا أقيمت الصلاة خرجوا من المسجد فكان الركوع يقصد من هذا، ويلزم على هذا أن تكون الآية مدنية، وأيضاً فمن مذهب ابن عباس أن القارىء للسجدة يركع واستدل بقوله ﴿وخر راكعاً وثاب﴾ [ص: ٢٤]. قوله عز وجل : نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَمَعًا وَمِمَارَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ فَلَا تَعْلَمُ ﴿﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنَّا كَمَن كَانَ فَاسِقًا نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَّةٌ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أَمَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ فَلَهُمْ جَنَّتُ الْمَأْوَى نُزُلَا بِمَا كَانُواْ لَّا يَسْتَوُنَ ٣٦٢ تفسير سورة السجدة / الآيات: ١٦ - ٢٠ وَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَنَّهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْمِنْهَا أُعِيِدُ وافِيهَا وَقِيلَلَهُمْ يَعْمَلُونَ ٢٠ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنْتُمِيِهِ، تُكَّذِّبُونَ جفا الرجل الموضع إذا تركه، و((تجافى الجنب)» عن مضجعه إذا تركه وجافى الرجل جنبه عن مضجعه، ومنه في الحديث ((ويجافي بضبعيه)) أي يبعدهما عن الأرض وعن يديه، فقوله ﴿تتجافى جنوبهم﴾ أي تبعد وتزول، ومنه قول عبد الله بن رواحة: [الطويل] نَبِيِّ تجافى جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع ویروی یبيت يجافي، قال الزجاج والرماني: التجافي التنحي إلى جهة فوق. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول حسن، وكذلك في الصفح عن المخطي في سب ونحوه، و((الجنوب)) جمع جنب، و﴿المضجع﴾ موضع الاضطجاع للنوم، وقال أنس بن مالك: أراد بهذه الآية الصلاة بين المغرب والعشاء، وقال عطاء وأبو سلمة أراد صلاة العشاء الآخرة، وقال أبو محمد: وكانت الجاهلية ينامون من أول المغرب ومن أي وقت شاء الإنسان فجاء انتظار وقت العشاء الآخرة غريباً شاقاً، وقال أنس بن مالك أيضاً: أراد انتظار العشاء الآخرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل وفي ذلك أحاديث كثيرة، وقال الضحاك: ((تجافي الجنب)) هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة وهذا قول حسن يساعده لفظ الآية، وقال الجمهور من المفسرين: أراد بهذا التجافي صلاة النوافل بالليل. قال الفقيه الإمام القاضي: وعلى هذا التأويل أكثر الناس، وهو الذي فيه المدح، وفيه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر قيام الليل ثم يستشهد بالآية، ذكره الطبري عن معاذ بن جبل، ورجح الزجاج هذا القول بأنهم جزوا بإخفاء فدل ذلك على أن العمل إخفاء أيضاً وهو قيام الليل، وقوله ﴿يدعون﴾ يحتمل أن يكون في موضع الحال من الموصوفين، أي في وقت التجافي، ويحتمل أن يكون صفة مستأنفة، أي ﴿تتجافى جنوبهم﴾ وهم أيضاً في كل أحوالهم ﴿يدعون﴾ ليلهم ونهارهم. و((الخوف)) من عذاب الله، و((الطمع)) في ثواب الله. و﴿ينفقون﴾ قيل معناه الزكاة المفروضة وقيل النوافل والصدقات غير المفروضة وهذا القول أمدح، ثم ذكر تعالى وعدهم من النعيم بما لم تعلمه نفس ولا بشر ولا ملك، وقرأ حمزة وحده ((أخفي)) بسكون الياء كأنه قال أخفي أنا وهي قراءة الأعمش، وروي عنه ((ما أخفيت لهم من قرة أعين))، وقرأ عبد الله ((ما نُخفي لهم)) بالنون مضمومة، وروى المفضل عن الأعمش ((ما يُخفَى لهم)) بالياء المضمومة وفتح الفاء، وقرأ محمد بن كعب ((ما أخفى)) بفتح الهمزة، أي ما أخفى الله، وقرأ جمهور الناس ((أخفيَ)) بفتح الياء على بناء الفعل للمفعول، و﴿ما﴾ يحتمل أن تكون بمعنى الذي، فعنى القراءة الأولى فثم ضمير محذوف تقديره أخفيه، وعلى قراءة الجمهور فالضمير الذي لم يسم فاعله يجري في العودة على الذي، ويحتمل أن تكون استفهاماً، فعلى القراءة الأولى فهي في موضع نصب بـ ((أخفي)) وعلى القراءة الثانية هي في موضع رفع بالابتداء، و﴿قرة أعين﴾ ما تلذه وتشتهيه وهي مأخوذة من القر كما ٣٦٣ تفسير سورة السجدة / الآيتان: ٢٢،٢١ أن سخنة العين مأخوذة من السخانة، وأصل هذا فيما يزعمون أن دمع الفرح بارد ودمع الحزن سخن، وفي معنى هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. واقرؤوا إن شئتم: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾. وقال ابن مسعود: ((في التوراة مكتوب على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة وأبو الدرداء، ((قرات)» على الجمع، وقوله ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ أي بتكسبهم، وقوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً﴾ الآية، روي عن عطاء بن يسار أنها نزلت في علي بن أبي طالب: والوليد بن عقبة بن أبي معيط وذلك أنهما تلاحيا فقال له الوليد: أنا أبسط منك لساناً وأحد سناناً وأرد للكتيبة، فقال له علي بن أبي طالب : اسكت فإنك فاسق، فنزلت الآية . وذكر الزجاج والنحاس وغيرهما أنها نزلت في علي وعقبة بن أبي معيط، وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية، لأن عقبة لم يكن بالمدينة وإنما قتل في طريق مكة منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، ويعترض القول الآخر بإطلاق اسم الفسق على الوليد وذلك يحتمل أن يكون في صدر إسلام الوليد لشيء كان فيه أو لما روي من نقله عن بني المصطلق ما لم يكن حتى نزلت فيه ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ [الحجرات: ٦] ويحتمل أيضاً أن تطلق الشريعة ذلك عليه لأنه كان على طرف مما يبغي وهو الذي شرب الخمر في خلافة عثمان وصلى الصبح بالناس أربعاً ثم التفت وقال: أتريدون أن أزيدكم ونحو هذا مما يطول ذكره. ثم قسم الله تعالى المؤمنين والفاسقين الذين فسقهم بالكفر لأن التكذيب الذي في آخر الآية يقتضي ذلك، وقرأ طلحة ((جنة)) بالإفراد، وقرأ أبو حيوة ((نزْلاً)) بإسكان الزاي، والجمهور على ضمها وسائر باقي الآ ية بین. قوله عز وجل : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَبِشَايَتِ رَبِّهِ ، ثُمَّأَ عْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ الضمير في قوله ﴿لنذيقنهم﴾ لكفار قريش، أعلم الله تعالى أنه يصيبهم بعذاب دون عذاب الآخرة، واختلف المتأولون في تعيين ﴿العذاب الأدنى﴾، فقال إبراهيم النخعي ومقاتل: هم السنون التي أجاعهم الله تعالى فيها، وقال ابن عباس وأبي بن كعب: هو مصائب الدنيا من الأمراض ونحوها وقاله ابن زيد، وقال ابن مسعود والحسن بن علي هو القتل بالسيف كبدر وغيرها. قال الفقيه الإمام القاضي: فيكون على هذا التأويل الراجع غير الذي يذوق بل الذي يبقى بعده وتختلف رتبتا ضمير الذوق مع ضمير ((لعل))، وقال أبيّ بن كعب أيضاً هي البطشة، واللزام، والدخان. وقال ابن عباس أيضاً عنى بذلك الحدود. قال الفقيه الإمام القاضي: ويتجه على هذا التأويل أن تكون في فسقة المؤمنين، وقال مجاهد: عنى ٣٦٤ تفسير سورة السّجدة / الآيات: ٢٣ - ٢٥. بذلك عذاب القبر، ثم قال تعالى: ﴿ومن أظلم﴾ على جهة التعجب، والتقدير أي لا أحد أظلم ممن هذه صفته، وهي بخلاف ما تقدم في صفة المؤمنين من أنهم إذا ذكروا بآيات الله خروا سجداً، ثم توعد تعالى ﴿المجرمين﴾ وهم المتجاسرون على ركوب الكفر والمعاصي بالنقمة، وظاهر الإجرام هنا أنه الكفر، وحكى الطبري عن يزيد بن رفيع أنه قال: إن قول الله تعالى في القرآن ﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾ إنما هو في أهل القدر. قال الفقيه الإمام القاضي: يريد القائلين بأن الأمر أنف، وأن أفعال العبد من قبله، قال ثم قرأ يزيد بن رفيع ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. [القمر ٤٧ - ٤٩]. قال الفقيه الإمام القاضي: في هذا المنزع من البعد ما لا خفاء به، وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثلاث من فعلهن فقد أجرم، من عقد لواء في غير حق، ومن عق والديه، ومن نصر ظالماً)). قوله عز وجل : وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِ مِرِيَةٍ مِّن لِقَابِهِ، وَجَعَلْنَهُ هُدَّى لِبَنِىّ إِسْرَّهِ يِلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِعَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَالَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْبِكَايَتِنَا يُوقِنُونَ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٢٥ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْفِيهِ يَخْتَلِفُونَ قرأ الناس ((في مِرية)) بكسر الميم، وقرأ الحسن بضمها، واختلف المتأولون في الضمير الذي في ﴿لقائه﴾ على من يعود؛ فقال أبو العالية الرياحي وقتادة: يعود على موسى، والمعنى لا تكن في شك من أن تلقى موسى، أي في ليلة الإسراء، وهذا قول جماعة من السلف، وقاله المبرد حين امتحن أبا إسحاق الزجاج بهذه المسألة، وقالت فرقة الضمير عائد على ﴿الكتاب﴾ أي أنه لقي موسى حين لقيه موسى، والمصدر في هذا التأويل يصح أن يكون مضافً للفاعل بمعنى لقي الكتاب موسى، ويصح أن يكون مضافاً إلى المفعول بمعنى لقي الكتابَ - بالنصب - موسى، وقال الحسن الضمير عائد على ما يتضمنه القول من الشدة والمحنة التي لقي موسى، وذلك أن إخباره بأنه آتى موسى الكتاب كأنه قال ﴿ولقد آتينا موسى﴾ هذا العبء الذي أنت بسبيله فلا تمتر أنك تلقى ما لقي هو من المحنة بالناس، وكأن الآية تسلية لمحمد صلى اللّه عليه وسلم، وقالت فرقة معناه فلا تكن في شك من لقائه في الآخرة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة الضمير عائد على (ملك " ـوت﴾ [السجدة: ١١] الذي تقدم ذكره، وقوله ﴿فلا تكن في مرية من لقائه﴾ اعتراض بين الكلامين. قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضاً ضعيف، و((المرية)) الشك، والضمير في ﴿جعلناه﴾ يحتمل أن يعود على موسى، وهو قول قتادة، ويحتمل أن يعود على ﴿الكتاب﴾ و﴿أئمة﴾ جمع إمام وهو الذي يقتدى ٣٦٥ تفسير سورة السّجدة / الآيات: ٢٦ - ٣٠ به وأصله خيط البناء وجمهور النحويين على ((أئمة)» بياء وتخفيف الهمزة، إلا ابن أبي إسحاق فإنه جوز اجتماع الهمزتين وقرأ ((أئمة))، وقرأ جمهور القراء ((لَّمَّا صبروا)) بفتح اللام وشد الميم، وقرأ حمزة والكسائي ((ما)) بكسر اللام وتخفيف الميم وهي قراءة ابن مسعود وطلحة والأعمش، فالأولى في معنى الظرف والثانية كأنه قال لأجل صبرهم، فـ ((ما)) مصدرية، وفي القراءتين معنى المجازاة أي جعلهم أئمة جزاء على صبرهم عن الدنيا وكونهم موقنين بآيات الله وأوامره وجميع ما تورده الشريعة، وقرأ ابن مسعود ((بما صبروا)). وقوله تعالى: ﴿إن ربك) الآية، حكم يعم جميع الخلق، وذهب بعض المتأولين إلى تخصيص الضمير وذلك ضعيف. قوله عز وجل : أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ اُلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍّ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّانَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُرِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعَا تَأْ كُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴿ وَيَقُولُونَ مَنَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَيَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِيمَانُهُـمْ وَلَ هٌُ يُنْظَرُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَأَنْتَظِرْ إِنَّهُم ٣٠ مُنْتَظِرُونَ ﴿يهد﴾ معناه يبين قاله ابن عباس، وقرأ جمهور الناس ((يهد)) بالياء فالفاعل الله تعالى في قول فرقة، والرسول في قول فرقة، كأنه قال ((أو لم يبين لهم الهدى))، وجوز الكوفيون أن يكون الفاعل ﴿كم﴾، ولا يجوز ذلك عند البصريين لأنها في الخبر على حكمها في الاستفهام في أنها لا يعمل فيها ما قبلها، وقرأ أبو عبد الرحمن (نهد)) بالنون وهي قراءة الحسن وقتادة، فالفاعل الله تعالى، و﴿كم﴾ في موضع نصب، فعند الكوفيين بـ ((نهد)) وعند البصريين بـ (أهلكنا﴾، على القراءتين جميعاً، وقرأ جمهور الناس ((يَمشون)) بفتح الياء وتخفيف الشين، وقرأ ابن السميفع اليماني ((يُمَشّون)) بضم الياء وفتح الميم وشد الشين، وقرأ عيسى بن عمر ((يُمْشُون)) بضم الياء وسكون الميم وشين مضمومة مخففة، والضمير في ﴿يمشون﴾ يحتمل أن يكون للمخاطبين بالتنبيه المحتج عليهم، ويحتمل أن يكون للمهلكين، فـ ﴿يمشون﴾ في موضع الحال، أي أهلكوا وهم ماشون في مساكنهم، والضمير في ﴿يسمعون﴾ للمنبهين، ومعنى هذه الآية إقامة الحجة على الكفرة بالأمم السالفة الذين كفروا فأهلكوا، ثم أقام عز وجل الحجة عليهم في معنى الإيمان بالقدرة وبالبعث بأن نبههم على إحياء الأرض الموات بالماء والنبات، و((السوق)) هو بالسحاب، وإن كان سوق بنهر فأصله من السحاب و﴿الجرز﴾ الأرض العاطشة التي قد أكلت نباتها من العطش والغيظ، ومنه قيل للأكول جروز. قالة الشاعر: خب جروز وإذا جاع بكى ومن عبر عنها بأنها الأرض التي لا تنبت فإنها عبارة غير مخلصة، وعم تعالى كل أرض هي بهذه ٣٦٦ تفسير سورة السجدة / الآيات: ٢٦ - ٣٠ الصفة لأن الآية فيها والعبرة بينة، وقال ابن عباس أيضاً وغيره ﴿الأرض الجرز﴾ أرض أبين من اليمن، وهي أرض تشرب بسيول لا بمطر، وجمهور الناس على ضم الراء، وقال الزجاج وتقرأ ((الجرْز) بسكون الراء، ثم خص تعالى ((الزرع)) بالذكر تشريفاً ولأنه عظم ما يقصد من النبات، وإلا فعرف أكل الأنعام إنما هو من غير الزرع، لكنه أوقع الزرع موقع النبات على العموم، ثم فصل ذلك بأكل الأنعام وبني آدم، وقرأ أبو بكر بن عياش وأبو حيوة ((يأكل)) بالياء من تحت، وقرأ ابن مسعود ((يبصرون))، وقرأ جمهور الناس ((تبصرون)) بالتاء من فوق، ثم حكي عن الكفرة أنهم يستفتحون ويستعجلون فصل القضاء بينهم وبين الرسول على معنى الهزء والتكذيب، و﴿الفتح﴾ الحكم هذا قول جماعة من المفسرين، وهذا أقوى الأقوال، وقالت فرقة الإشارة إلى فتح مكة . قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف يرده الإخبار بأن الكفرة لا ينفعهم الإيمان، فلم يبق إلا أن يكون ﴿الفتح﴾ إلا إما حكم الآخرة، وهذا قول مجاهد، وإما فصل في الدنيا كبدر ونحوها. وقوله تعالى: ﴿قل يوم الفتح﴾ إشارة إلى (الفتح) الأول حسب محتملاته، فالألف واللام في ﴿الفتح﴾ الثاني للعهد، و﴿يوم﴾ ظرف، والعامل فيه ﴿ينفع﴾، و﴿ينظرون﴾ معناه يؤخرون، ثم أمره تعالى بالإعراض عن الكفار وانتظار الفرج، وهذا مما نسخته آية السيف. وقوله تعالى: ﴿إنهم منتظرون﴾ أي العذاب، بمعنى هذا حكمهم وإن كانوا لا يشعرون، وقرأ محمد بن السميفع ((منتظرون)) بفتح الظاء أي للعذاب النازل بهم. ٣٦٧ تفسير سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٤ بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِية سُورَةُ الأَخْزَابِ هذه السورة مدنية بإجماع فيما علمت وكذلك قال المهدوي وغيره. يَأَيُّهَا النَِّىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ذَا وَأَتَّبِعْ مَا قوله عز وجل : ٣ يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا () وَتَوَ كَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا قوله: ﴿اتق﴾ معناه دم على التقوى، ومتى أمر أحد بشيء هو به متلبس فإنما معناه الدوام في المستقبل على مثل الحالة الماضية، وحذره تعالى من طاعة الكافرين وهم الملجون بالكفر والمنافقين، وهم المظهرون للإيمان وهم لا يبطنونه، وسبب الآية أنهم كانوا يتسخبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطلبات والإرادات ربما كان في إرادتهم سعي على الشرع وهم يدخلونها مدخل النصائح، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلقه العظيم وحرصه على استئلافهم ربما لاينهم في بعض الأمور، فنزلت الآية بسبب ذلك تحذيراً له منهم وتنبيهاً على عداوتهم والنوازل في طلباتهم كثيرة محفوظة، وقوله ﴿إن الله كان عليماً حكيماً﴾ تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي لا عليك منهم ولا من إيمانهم فالله عليم بما ينبغي لك حكيم في هدي من شاء وإضلال من شاء، ثم أمره تعالى باتباع ما يوحى إليه وهو القرآن الحكيم والاقتصار على ذلك، وقوله تعالى: ﴿إن الله كان بما تعملون خبيراً﴾ توعد ما، وقرأ أبو عمرو وحده ((يعملون)) بالياء، والتوعد على هذه القراءة للكافرين والمنافقين أبين، وقوله ﴿كان﴾ في هاتين الآيتين هي التي تقتضي الدوام، أي كان ويكون، وليست الدالة على زمن مخصوص للمضي، ثم أمره تعالى بالتوكل على الله في جميع أمره وأعلمه أن ذلك كاف مقنع، والباء في قوله ﴿بالله﴾ زائدة على مذهب سيبويه، وكأنه قال ((وكفى الله))، وهي عنده نحو قولهم: بحسبك أن تفعل، وغيره يراها غير زائدة متعلقة بـ ﴿كفى﴾ على أنه بمعنى اكتف بالله، و((الوكيل)) القائم بالأمر المغني فيه عن كل شيء. قوله عز وجل : مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِ جَوْفِهِ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَحَكُمُ الَّتِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّأُمَّهَنتِّكُمْوَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآَ كُمْأَبْنَاءَ كُمَّ ◌َلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّكِيلَ ٤ اختلف الناس في السبب في قوله تعالى: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾، فقال ابن عباس ٣٦٨ تفسير سورة الأحزاب / الآية : ٤ : سببها أن بعض المنافقين قال: إن محمداً له قلبان، لأنه ربما كان في شيء فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه الأول فقالوا ذلك عنه فنفاه الله تعالى عنه، وقال ابن عباس أيضاً بل سببه أنه كان في قريش في بني فهر رجل فهم يدعي أن له قلبين ويقال له ذو القلبين، قال الثعلبي وهو ابن معمر وكان يقول: أنا أذكى من محمد وأفهم، فلما وقعت هزيمة بدر طاش لبه وحدث أبا سفيان بن حرب بحديث كالمختل، فنزلت الآية بسببه ونفياً لدعواه، وقيل إنه كان ابن خطل، قال الزهري جاء هذا اللفظ على جهة المثل في زيد بن حارثة والتوطئة لقوله تعالى: ﴿وما جعل أدعياءکم أبناءکم﴾، أي کما ليس لأحد قلبان کذلك لیس دعیه ابنه. قال الفقيه الإمام القاضي: ويظهر من الآية أنها بجملتها نفي لأشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت وإعلام بحقيقة الأمر، فمنها أن بعض العرب كانت تقول: إن الإنسان له قلبان قلب يأمره وقلب ينهاه، وكان تضاد الخواطر يحملها على ذلك، ومن هذا قول الكميت: [الطويل] يؤامر نفسيه كذي الثلة الإبل تذكر من أنا ومن أين شربه والناس حتى الآن يقولون إذا وصفوا أفكارهم في شيء ما يقول لي أحد قلبي كذا ويقول الآخر كذا، وكذا كانت العرب تعتقد الزوجة إذا ظوهر منها بمنزلة الأم وتراه طلاقاً وكانت تعتقد الدعي المتبني ابناً فأعلم الله تعالى أنه لا أحد بقلبين، ويكون في هذا أيضاً طعن على المنافقين الذين تقدم ذكرهم، أي إنما هو قلب واحد، فإما حله إيمان وإما حله كفر لأن درجة النفاق كأنها متوسطة يؤمن قلب ويكفر الآخر، فنفاها الله تعالى وبين أنه قلب واحد، وعلى هذا النحو يستشهد الإنسان بهذه الآية متى نسي شيئاً أو وهم يقول على جهة الاعتذار ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾، أي إذا نسي قلبه الواحد يذكره الآخر، وکذلك أعلم أن الزوجة لا تکون أماً وأن الدعي لم یجعله ابناً، وقرأ نافع وابن کثیر ((اللاء)» دون ياء، وروي عن أبي عمرو وابن جبير ((اللاي)) بياء ساكنة بغير همز، وقرأ ورش بياء ساكنة مكسورة من غير همز، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر وطلحة والأعمش بهمزة مكسورة بعدها ياء، وقرأ ابن عامر ((تظاهرون)) بشد الظاء وألف، وقرأ عاصم والحسن وأبو جعفر وقتادة ((تُظاهرون)) بضم التاء وتخفيف الظاء، وأنكرها أبو عمرو وقال: إنما هذا في المعاونة. قال القاضي أبو محمد: وليس بمنكر ولفظة ظهار تقتضيه، وقرأ الكسائي، وحمزة وأبو بكر عن عاصم (تَظَاهرون)) بفتح التاء والظاء مخففة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ((تظّهّرون)) بشد الظاء والهاء دون ألف، وقرأ يحيى بن وثاب ((تُظْهِرون)) بضم التاء وسكون الظاء وكسر الهاء، وفي مصحف أبيّ بن كعب ((تتظهرون)) بتاءين، وكانت العرب تطلق تقول أنت مني كظهر أمي فنزلت الآية وأنزل الله تعالى كفارة الظهار، وتفسير الظهار وبيانه أثبتناه في سورة المجادلة، وقوله ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم) الآية سببها أمر زيد بن حارثة كانوا يدعونه زيد بن محمد، وذلك أنه كان عبداً لخديجة، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام معه مدة ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم - وذلك قبل البعث -: ((خيراه فإن اختاركما فهو لكما دون فداء))، فخيراه فاختار الرق مع محمد على حريته وقومه، فقال محمد عليه السلام: ((يا معشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه))، فرضي بذلك أبوه وعمه ٠ ٣٦٩ تفسير سورة الأحزاب / الآيتان : ٦،٥ وانصرفا. وقوله تعالى: ﴿بأفواهكم﴾ تأكيد لبطلان القول، أي أنه لا حقيقة له في الوجود إنما هو قول فقط، وهذا كما تقول أنا أمشي إليك على قدم، فإنما تؤكد بذلك المبرة وهذا كثير، و﴿يهدي﴾ معناه يبين، فهو يتعدى بغير حرف جر، وقرأ قتادة ((يُهَدّي)) بضم الياء وفتح الهاء وشد الدال، و﴿السبيل﴾ هو سبيل الشرع والإيمان، وابن كثير والكسائي وعاصم في رواية حفص يقفون ((السبيلا)) ويطرحونها في الوصل، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالألف وصلاً ووقفاً، وقرأ أبو عمرو وحمزة بغير ألف وصلاً ووقفاً، وهذا كله في غير هذا الموضع، واتفقوا هنا خاصة على طرح الألف وصلاً ووقفاً لمكان ألف الوصل التي تلقى اللام . قوله عز وجل : آَدْعُوهُمْ لاَّ بَآيِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ ، وَلَكِن ◌َّاتَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا النَِّىُّأَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَجُ أُمَّهَُهُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ٥ فِي كِتَبِ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِرِينَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْإِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَعْرُوفً كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُورًا أمر الله تعالى في هذه الآية بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب فمن جهل ذلك فيه كان مولى وأخاً في الدين، فقال الناس زيد بن حارثة وسالم مولى أبي حذيفة إلى غير ذلك. وذكر الطبري أن أبا بكرة قرأ هذه الآية ثم قال: أنا ممن لا يعرف أبوه فأنا أخوكم في الدين ومولاكم، قال الراوي: ولو علم والله أن أباه حماراً لانتمى إليه . قال الفقيه الإمام القاضي: ورجال الحديث يقولون في أبي بكرة نفيع بن الحارث، و﴿أقسط﴾ معناه أعدل، وقال قتادة: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ادعى إلى غير أبيه متعمداً حرم الله عليه الجنة، وقوله تعالى: ﴿وليس عليكم جناح) الآية رفع للحرج عمن وهم ونسي وأخطأ فجرى على العادة من نسبة زيد إلى محمد وغير ذلك مما يشبهه، وأبقى الجناح في التعمد مع النهي المنصوص، وقوله تعالى: ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ يريد لما مضى من فعلهم في ذلك، ثم هي صفتان لله تعالى تطرد في كل شيء، وقالت فرقة ((خطأهم)) فيما كان سلف من قولهم ذلك. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف لا يتصف ذلك بخطأ إلا بعد النهي وإنما ((الخطأ)) هنا بمعنى النسيان وما كان مقابل العمد، وحكى الطبري عن قتادة أنه قال: ((الخطأ)) الذي رفع الله تعالى فيه الجناح أن تعتقد في أحد أنه ابن فلان فتنسبه إليه وهو في الحقيقة ليس بابنه، والعمد هو أن تنسبه إلى فلان وأنت تدري أنه ابن غيره، والخطأ مرفوع عن هذه الأمة عقابه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه)). وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما أخشى عليكم النسيان. وإنما أخشى ٣٧٠ تفسير سورة الأحزاب / الآيتان : ٦،٥ العمد)). وقوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين) الآية أزال الله تعالى بها أحكاماً كانت في صدر الإسلام منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على ميت عليه دين، فذكر الله تعالى أنه ﴿أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ فجمع هذا أن المؤمن يلزم أن يحب النبي أكثر من نفسه حسب حديث عمر بن الخطاب، ويلزمه أن يمتثل أوامره أحبت نفسه ذلك أو كرهت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً أو ضياعاً، فعلي، أنا وليه، اقرؤوا إن شئتم ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم))). وقال بعض العلماء العارفين هو أولى بهم من أنفسهم لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك وهو يدعوهم إلى النجاة. قال الفقيه الإمام القاضي: ويؤيد هذا قوله عليه السلام ((أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش)). وشرف تعالى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بأن جعلهن أمهات المؤمنين في حرمة النكاح وفي المبرة وحجبهن رضي الله عنهن بخلاف الأمهات، قال مسروق قالت امرأة لعائشة رضي الله عنها: يا أمه، فقالت لست لك بأم وإنما أنا أم رجالكم، وفي مصحف أبيّ بن كعب ((وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم))، وقرأ ابن عباس ((من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم))، وسمع عمر هذه القراءة فأنكرها، فقيل له إنها في مصحف أبيّ فسأله فقررها أبيّ وأغلظ لعمر، وقد قيل في قول لوط عليه السلام: ﴿هؤلاء بناتي﴾ [هود: ٧٨] إنما أراد المؤمنات، أي تزوجوهن، ثم حكم بأن أولي الأرحام أحق مما كانت الشريعة قررته من التوارث بأخوة الإسلام وبالهجرة، فإنه كان بالمدينة توارث في صدر الإسلام بهذين الوجهين اختلفت الرواية في صفته وليس لمعرفته الآن حكم فاختصرته، ورد الله تعالى المواريث على الأنساب الصحيحة، وقوله تعالى: ﴿في كتاب الله﴾ يحتمل أن يريد القرآن، ويحتمل أن يريد اللوح المحفوظ، وقوله تعالى: ﴿من المؤمنين﴾ متعلق بـ ﴿أولى) الثانية، وهذه الأخوة والهجرة التي ذكرنا، وقوله تعالى: ﴿إلا أن تفعلوا﴾ يريد الإحسان في الحياة والصلة والوصية عند الموت، قاله قتادة والحسن وعطاء وابن الحنفية، وهذا كله جائز أن يفعل مع الولي على أقسامه، والقريب الكافر يوصى له بوصية، واختلف العلماء هل يجعل هو وصياً، فجوز بعض ومنع بعض ورد النظر في ذلك إلى السلطان بعض، منهم مالك بن أنس رضي الله عنه، وذهب مجاهد وابن زيد والرماني وغيره إلى أن المعنى إلى أوليائكم من المؤمنين. قال القاضي أبو محمد: ولفظ الآية يعضد هذا المذهب، وتعميم لفظ الولي أيضاً حسن كما قدمناه، إذ ولاية النسب لا تدفع في الكافر، وإنما يدفع أن يلقى إليه بالمودة كولي الإسلام. و﴿الكتاب﴾ الذي سطر ذلك فيه يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا، و﴿مسطوراً﴾ من قولك سطرت الكتاب إذا أثبته إسطاراً ومنه قول العجاج ((في الصحف الأولى التي كان سطراً))، قال قتادة وفي بعض القراءة ((كان ذلك عند الله مكتوباً)). قوله عز وجل : وَإِذْ أَخَذْ نَا مِنَ النَِّعِنَ مِشَقَّهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ تُوعِ وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَحِيسَى أَبْنِ مَرْيَمٌ وَأَخَذْنَامِنْهُم ٣٧١ تفسير سورة الأحزاب / الآيات: ٧ - ٩ مِّيثَاقًّا غَلِيظًا ؟ لِيَسَْلَ الصَّدِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمٌ وَأَعَذَ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾َ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَ تَكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْتَرَوَهَأَ وَكَانَ اللَّهُ ٩ بِمَاتَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿إِذ﴾ يحتمل أن تكون ظرفاً لتسطير الأحكام المتقدمة في الكتاب، كأنه قال كانت هذه الأحكام مسطرة ملقاة إلى الأنبياء إذ أخذنا عليهم الميثاق في التبليغ والشرائع، فتكون ﴿إِذ﴾ متعلقة بقوله ﴿كان ذلك في الكتاب مسطوراً﴾، [الأحزاب: ٦]، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل تقديره واذكر إذ، وهذا التأويل أبين من الأول، وهذا ((الميثاق)) المشار إليه قال الزجاج وغيره إنه الذي أخذ عليهم وقت استخراج البشر من صلب آدم كالذر، قالوا فأخذ الله تعالى حينئذ ميثاق النبيين بالتبليغ وبتصديق بعضهم بعضاً وبجميع ما تتضمنه النبوءة، وروي نحوه عن أبيّ بن كعب، وقالت فرقة بل أشار إلى أخذ الميثاق على كل واحد منهم عند بعثه وإلى إلقاء الرسالة إليه وأوامرها ومعتقداتها، وذكر الله تعالى ﴿النبيين﴾. جملة، ثم خصص بالذكر أفراداً منهم تشريفاً وتخصيصاً، إذ هؤلاء الخمسة صلى الله عليهم هم أصحاب الكتب والشرائع والحروب الفاصلة على التوحيد وأولو العزم، ذكره الثعلبي، وقدم ذكر محمد على مرتبته في الزمن تشريفاً خاصاً له أيضاً، وروي عنه عليه السلام أنه قال: ((كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث))، وكرر ((أخذ الميثاق)) لمكان الصفة التي وصف بها قوله ﴿غليظاً﴾ إشعار بحرمة هذا الميثاق وقوتها، واللام في قوله ﴿ليسأل﴾ متعلقة بـ ﴿أخذنا﴾، ويحتمل أن تكون لام كي، أي بعثت الرسل وأخذت عليها المواثيق في التبليغ لكي يجعل الله خلقه فرقتين، فرقة صادقة يسألها عن صدقها على معنى إقامة الحجة والتقرير كما قال لعيسى عليه السلام ((أأنت قلت للناس)) فتجيبه بأنها قد صدقت اللّه في إيمانها وجميع أفعالها فيثيبها على ذلك، وفرقة كفرت فينالها ما أعد لها من العذاب الأليم ويحتمل أن تكون اللام في قوله ﴿ليسأل﴾ لام الصيرورة، أي أخذ المواثيق على الأنبياء ليصير الأمر إلى كذا والأول أصوب، والصدق في هذه الآية يحتمل أن يكون المضاد للكذب في القول، ويحتمل أن يكون من صدق الأفعال واستقامتها، ومنه عود صدق وصدقني السيف والمال، وقال مجاهد ﴿الصادقين﴾ في هذه الآية أراد بهم الرسل، أي يسألهم عن تبليغهم، وقال أيضاً أراد المؤدين المبلغين عن الرسل وهذا كله محتمل، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الآيات إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ [الأحزاب: ٢٨]. نزلت في شأن غزوة الخندق وما اتصل بها من أمر بني قريظة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى بني النضير من موضعهم عند المدينة إلى خيبر، فاجتمعت جماعة منهم ومن غيرهم من اليهود، وخرجوا إلى مكة مستنهضين قريشاً إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرضوهم على ذلك، وأجمعت قريش السير إلى المدينة، ونهض اليهود إلى غطفان وبني أسد ومن أمكنهم من أهل نجد وتهامة، فاستنفروهم إلى ذلك، فتحزب الناس وساروا إلى المدينة، واتصل الخبر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفر الخندق حول ديار بالمدينة وحصنه، وكان أمراً لم تعهده العرب، وإنما كان من أعمال فارس والروم، وأشار به سلمان الفارسي رضي الله عنه، فورد الأحزاب من قريش وكنانة والأحابيش في نحو عشرة آلاف ٣٧٢ تفسير سورة الأحزاب / الآيات: ١٠ - ١٢ عليهم أبو سفيان بن حرب، ووردت غطفان وأهل نجد عليهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، ووردت بنو عامر وغيرهم عليهم عامر ابن الطفيل، إلى غير هؤلاء، فحصروا المدينة، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على ما قال بن إسحاق، وقال مالك كانت سنة أربع، وكانت بنو قريظة قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهدنة وعاقدوه على أن لا يلحقه منهم ضرر، فلما تمكن هذا الحصار داخلهم بنو النضير، فغدروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا عهوده، وصاروا له حزباً مع الأحزاب، فضاق الحال على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ونجم النفاق وساءت الظنون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر ويعد النصر، وألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين ويئسوا من الظفر بمنعة الخندق وبما رأوا من جلد المؤمنين، وجاء رجل من قريش اسمه نوفل بن الحارث، وقيل غير هذا، فاقتحم الخندق بفرسه فقتل فيه، فكان ذلك حاجزاً بينهم، ثم إن الله تعالى بعث الصبا لنصرة نبيه عليه السلام على الكفار، وهجمت بيوتهم، وأطفأت نارهم، وقطعت حبالهم، وأكفأت قدورهم، ولم يمكنهم معها قرار، وبعث الله مع الصبا ملائكة تشدد الريح وتفعل مثل فعلها، وتلقي الرعب في قلوب الكفرة حتى أزمعوا الرحلة بعد بضع وعشرين ليلة للحصر، فانصرفوا خائبين فهذه الجنود التي لم تر. وقرأ الحسن ((وجنوداً)) بفتح الجيم، وقرأ الجمهور ((تعملون)) بالتاء فكأن في الآية مقابلة لهم، أي أنتم لم تروا جنوده وهو بصير بأعمالكم يبين في هذا القدرة والسلطان، وقرأ أبو عمرو وحده ((يعملون)) بالياء على معنى الوعيد للكفرة، وقرأ أبو عمرو أيضاً بالتاء وهما حسنتان، وروي عن أبي عمرو ((لم يروها)) بالياء من تحت، قال أبو حاتم قراءة العامة ((لم تروها)) بالتاء من فوق، ((يعملون)) بالياء من تحت، وروي عن الحسن ونافع ((تعلمون)) بالتاء مكسورة. قوله عز وجل: إِذْ جَاءُ وَكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْزَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ الظّنُونَاْ (٥َهُنَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَا لَا شَدِيدًا ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا ﴿إِذ﴾ هذه لا بد من الأولى في قوله: ﴿إذ جاءتكم﴾ [الأحزاب: ٩]، وقوله تعالى: ﴿من فوقكم﴾ يريد أهل نجد مع عيينة بن حصن، ﴿ومن أسفل منكم) يريد مكة وسائر تهامة، قاله مجاهد وقیل ((من فوق وأسفل)) هنا إنما يراد به ما يختص ببقعة المدينة، أي نزلت طائفة في أعلى المدينة وطائفة في أسفلها، وهذه عبارة عن الحصر، و﴿زاغت﴾ معناه مالت عن مواضعها، وذلك فعل الواله الفزع المختبل، وأدغم الأعمش ﴿إذ زاغت﴾ وبين الذال الجمهور وكل حسن، ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ عبارة عما يجده الهلع من ثوران نفسه وتفرقها شعاعاً ويجد كأن حشوته وقلبه يصعد علواً لينفصل، فليس بلوغ القلوب الحناجر حقيقة بالنقلة بل يشير لذلك وتجيش فيستعار لها بلوغ الحناجر، وروى أبو سعيد الخدري أن المؤمنين قالوا يوم الخندق: يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله، قال: ((نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، .. ... . ٣٧٣ تفسير سورة الأحزاب / الآيات: ١٣ - ١٥ وأمن روعاتنا))، فقالوها فضرب الله تعالى وجوه الكفار بالريح فهزمهم، وقوله ﴿وتظنون بالله الظنونا﴾ أي تكادون تضطربون وتقولون ما هذا الخلف للموعد، وهذه عبارة عن خواطر خطرت للمؤمنين لا يمكن للبشر دفعها وأما المنافقون فجلحوا ونطقوا، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعمش وطلحة ((الظنونا)) بالألف في الوصل والوقف، وذلك اتباع لخط المصحف، وعلته تعديل رؤوس الآي وطرد هذه العلة أن يلازم الوقف، وقد روي عن أبي عمرو أنه كان لا يصل، فكان لا يوافق خط المصحف وقياس الفواصل، وقرأ أبو عمرو أيضاً وحمزة في الوصل والوقف ((الظنون)) بغير ألف وهذا هو الأصل، وقرأ ابن كثير والكسائي وعاصم وأبو عمرو بالألف في الوقف وبحذفها في الوصل، وعللوا الوقف بتساوي رؤوس الآي على نحو فعل العرب في القوافي من الزيادة والنقص. وقوله تعالى: ﴿هنالك) ظرف زمان، والعامل فيه ﴿ابتلي﴾، ومن قال إن العامل فيه ﴿وتظنون) فليس قوله بالقوي لأن البدأة ليست متمكنة، و﴿ابتلي﴾ معناه اختبر وامتحن الصابر منهم من الجازع، ﴿وزلزلوا﴾ معناه حركوا بعنف، وقرأ الجمهور ((زلزالا)) بكسر الزاي، وقرأها ((زلزالاً)) بالفتح الجحدري، وكذلك ﴿زلزالها﴾ في ﴿إذا زلزلت﴾ [الزلزلة: ١] وهذا الفعل هو مضاعف زل أي زلزله غيره، ثم ذكر الله تعالى قول المنافقين والمرضى القلوب ونبه عليهم على جهة الذم لهم، وروي عن يزيد بن رومان أن معتب بن قشير قال: يعدنا محمد أن نفتتح كنوز كسرى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا ﴿إلا غروراً﴾، أي أمراً يغرنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به، وقال غيره من المنافقين نحو هذا فنزلت الآية فيهم، وقولهم ﴿الله ورسوله﴾ إنما هو على جهة الهزء كأنهم يقولون على زعم هذا الذي يدعي، أنه رسول يدل على هذا أن من المحال أن يكون اعتقادهم أن ذلك الوعد هو من الله تعالى ومن رسوله ثم يصفونه بالغرور بل معناه على زعم هذا. قوله عز وجل : وَإِذْ قَالَتْ ظَائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَّأَهْلَ يَغْرِبَ لَهُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُوَتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (٣) وَلَوْدُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَ تَوْهَا وَمَا تَلَبَثُواْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ﴿ وَلَقَدْ كَانُوْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلَّوْنَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ ١٥ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا هذه المقالة روي أن بني حارثة قالوها، و﴿يثرب﴾ قطر محدود، المدينة في طرف منه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وحفص عن عاصم ومحمد اليماني والأعرج ((لا مُقام لكم)) بضم الميم، والمعنى لا موضع إقامة، وقرأ الباقون ((لا مَقام)) بفتح الميم بمعنى لا موضع قيام، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة وأبي رجاء والحسن وقتادة والنخعي وعبد الله بن مسلم وطلحة، والمعنى في حومة القتال وموضع الممانعة. ﴿فارجعوا﴾ معناه إلى منازلكم وبيوتكم وكان هذا على جهة التخذيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفريق المستأذن روي أن أوس بن قيظي استأذن في ذلك عن اتفاق من عشيرته فقال ﴿إن بيوتنا عورة﴾ ٣٧٤ تفسير سورة الأحزاب / الآيات: ١٦ - ١٨ أي منكشفة للعدو، وقيل أراد خالية للسراق، ويقال أعور المنزل إذا انكشف ومنه قول الشاعر: له الشدة الأولى إذا القرن أعورا قال ابن عباس ((الفريق)) بنو حارثة، وهم كانوا عاهدوا الله إثر أحد لا يولون الأدبار، وقرأ ابن عباس وابن يعمر وقتادة وأبو رجاء ((عورة)) بكسر الواو فيهما وهو اسم فاعل، قال أبو الفتح صحة الواو في هذه شاذة لأنها متحركة قبلها فتحة، وقرأ الجمهور ((عورة)) ساكنة الواو على أنه مصدر وصف به، و ((البيت المعور)) هو المنفرد المعرض لمن شاءه بسوء، فأخبر الله تعالى عن بيوتهم أنها ليست كما ذكروه وأن قصدهم الفرار، وأن ما أظهروه من أنهم يريدون حماية بيوتهم وخاصة نفوسهم ليس كذلك، وأنهم إنما يكرهون نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويريدون حربه وأن يغلب ﴿ولو دخلت﴾ المدينة ﴿من أقطارها﴾ واشتد الخوف الحقيقي، ﴿ثم سئلوا الفتنة﴾ والحرب لمحمد وأصحابه لطاروا إليها وأتوها محبين فيها ﴿ولم يتلبثوا﴾ في بيوتهم لحفظها ﴿إلا يسيراً﴾، قيل قدر ما يأخذون سلاحهم، وقرأ الحسن البصري ثم ((سولوا الفتنة)) بغير همز وهي من سال یسال کخاف يخاف لغة في سال العين فيها واو. وحكى أبو زيد هما يتساولان، وروي عن الحسن ((سيسلوا الفتنة))، وقرأ مجاهد ((سويلوا)) بالمد، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ((لا توها)) بمعنى فجاؤوها، وقرأ عاصم وأبو عمرو ((لآتوها)) بمعنى لأعطوها من أنفسهم وهي قراءة حمزة والكسائي فكأنها رد على السؤال ومشبهة له، قال الشعبي: وقرأها النبي عليه السلام بالمد، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قد ﴿كانوا عاهدوا﴾ على أن لا يفروا وروي عن يزيد بن رومان أن هذه الإشارة إلى بني حارثة . قال الفقيه الإمام القاضي: وهم مع بني سلمة كانتا الطائفتين اللتين همتا بالفشل يوم أحد، ثم تابا وعاهدا على أن لا يقع منهم فرار فوقع يوم الخندق من بني حارثة هذا الاستئذان وفي قوله تعالى: ﴿وكان عهد الله مسؤولاً﴾ توعد، والأقطار: النواحي، أحدها قطر وقتر، والضمير في ﴿بها﴾ يحتمل المدينة ويحتمل ﴿الفتنة﴾. قوله عز وجل : قُل لَّنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرْتُمْمِنَ الْمَوْتِ أَوِالْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُّكُم مِّنَ اللّهِإِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْرَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَهُ مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلَا تَصِيرًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُالْمُعَوِّقِينَ مِنْكُوَالْقَايِنَ لِإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّإِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلََّ قَلِيلًا أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن يخاطبهم بتوبيخ، فأعلمهم بأن الفرار لا ينجيهم من القدر، وأعلمهم أنهم لا يمتعون في تلك الأوطان كثيراً، بل تنقطع أعمارهم في يسير من المدة، و((القليل)) الذي استثناه هي مدة الآجال قاله الربيع بن خثيم، ثم وقفهم على عاصم من الله يسندون إليه، ثم حكم بأنهم لا يجدون ذلك ولا ولي ولا نصير من الله عز وجل، وقرأت فرقة ((يمتعون)) بالياء، وقرأت فرقة ((تمتعون)» بالتاء ٣٧٥ تفسير سورة الأحزاب / الآية: ١٩ على المخاطبة، ثم وبخهم بأن الله يعلم ﴿المعوقين﴾ وهم الذين يعوقون الناس عن نصرة الرسول ويمنعونهم بالأقوال والأفعال من ذلك، ويسعون على الدين، وتقول عاقني أمر كذا وعوّقني إذا بالغت وضعفت الفعل، وأما ((القائلون)) فاختلف الناس في حالهم، فقال ابن زيد وغيره أراد من كان من المنافقين، يقول لإخوانه في النسب وقرابته ﴿هلم إلينا﴾ أي إلى المنازل والأكل والشرب وترك القتال، وروي أن جماعة منهم فعلت ذلك، وروي أن رجلاً من المؤمنين رجع إلى داره فوجد أخاً له منافقاً بين يديه رغيف وشواء وتين، فقال له: تجلس هكذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال، فقال له أخوه: هلم إلى ما أنا فيه يا فلان ودعنا من محمد فقد والله هلك وما له قبل بأعدائه، فشتمه أخوه وقال: والله لأعرفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الآية قد نزلت. وقالت فرقة بل أراد من كان من المنافقين يداخل كفار قريش من العرب فإنه كان منهم من داخلهم وقال لهم ﴿هلم إلينا﴾ أي إلى المدينة فإنكم تغلبون محمداً وتستأصلونه، فالإخوان على هذا هم في الكفر والمذهب السوء، و﴿هلم﴾ معناه: الدعاء إلى الشيء، ومن العرب من يستعملها على حد واحد للمذكر والمؤنث والمفرد والجميع، وهذا على أنها اسم فعل، هذه لغة أهل الحجاز، ومنهم من يجريها مجرى الأفعال فيلحقها الضمائر المختلفة فيقول هلم وهلمي وهلموا، وأصل ﴿هلم﴾ هالمم نقلت حركة الميم إلى اللام فاستغني عن الألف وأدغمت الميم في الميم لسكونها فجاء ﴿هلم﴾، وهذا مثل تعليل رد من أردد، و﴿البأس﴾ القتال، و﴿إلا قليلاً﴾ معناه إلا إتياناً قليلاً، وقلته يحتمل أن يكون لقصر مدته وقلة أزمنته، ويحتمل أن يكون لخساسته وقلة غنائه وأنه رياء وتلميع لا تحقيق. قوله عز وجل : أَشِخَةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِ فَإِذَا ذَهَبَ اْنَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِيَسِيرًا ١٩ ﴿أشحة﴾، جمع شحيح ونصبه على الحال من ﴿القائلين﴾ [الأحزاب: ١٨]، أو من فعل مضمر دل عليه ﴿المعوقين﴾ [الأحزاب: ١٨]، أو من الضمير في ﴿يأتون﴾ [الأحزاب: ١٨] أو على الذم، وقد منع بعض النحاة أن يعمل فى هذه الحال ﴿المعوقين﴾ [الأحزاب: ١٨] و﴿القائلين﴾ [الأحزاب: ١٨] لمكان التفريق بين الصلة والموصول بقوله ﴿ولا يأتون البأس﴾ [الأحزاب: ١٨] وهو غير داخل في الصلة، وهذا الشح قيل هو بأنفسهم يشحون على المؤمنين بها، وقيل هو بإخوانهم، وقيل بأموالهم في النفقات في سبيل الله، وقيل بالغنيمة عند القسم. والصواب تعميم الشح أن يكون بكل ما فيه للمؤمنين منفعة. وقوله تعالى : ﴿فإذا جاء الخوف﴾ قيل معناه فإذا قوي الخوف من العدو وتوقع أن يستأصل جميع أهل المدينة لاذ هؤلاء المنافقون بك ﴿ينظرون﴾ نظر الهلع المختلط كنظر الذي ﴿يغشى عليه﴾ ﴿فإذا ذهب﴾ ذلك ﴿الخوف﴾ العظيم وتنفس المخنق سلقوا أي خاطبوا مخاطبة بليغة، يقال خطيب سلاق ومسلاق ومسلق ولسان أيضاً أ ٣٧٦ تفسير سورة الأحزاب / الآيتان: ٢١،٢٠ كذلك إذا كان فصيحاً مقتدراً، وقرأ ابن أبي عبلة ((صلقوكم)) بالصاد ووصف الألسنة بـ ((الحدة)) لقطعها المعاني ونفوذها في الأقوال، وقالت فرقة معنى قوله تعالى: ﴿فإذا جاء الخوف﴾، أي إذا كان المؤمنون في قوة وظهور وخشي هؤلاء المنافقون سطوتك يا محمد بهم رأيتهم يصانعون وينظرون إليك نظر فازع منك خائف هلع، فإذا ذهب خوفك عنهم باشتغالك بعدو ونحوه كما كان مع الأحزاب ﴿سلقوكم﴾ حينئذ، واختلف الناس في المعنى الذي فيه يسلقون، فقال يزيد بن رومان وغيره: ذلك في أذى المؤمنين وسبهم وتنقص الشرع ونحو هذا، وقال قتادة: ذلك في طلب العطاء من الغنيمة والإلحاح في المسألة. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان يترتبان مع كل واحد من التأويلين المتقدمين في الخوف، وقالت فرقة السلق هو في مخادعة المؤمنين بما يرضيهم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة، وقوله تعالى: ﴿أَشحة﴾ حال من الضمير في ﴿سلقوكم﴾، وقوله ﴿على الخير﴾ يدل على عموم الشح في قوله أولاً ﴿أشحة عليكم﴾، وقيل في هذا معناه ﴿أشحة﴾ على مال الغنائم، وهذا مذهب من قال إن ﴿الخير﴾ في كتاب الله تعالى حيث وقع فهو بمعنى المال، وقرأ ابن أبي عبلة ((أشحةٌ)) بالرفع، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ﴿لم يؤمنوا﴾ ولا كمل تصديقهم، وجمهور المفسرين على أن هذه الإشارة إلى منافقين لم يكن لهم قط إيمان، ويكون قوله ﴿فأحبط الله﴾ أي أنها لم تقبل قط، فكانت كالمحبطة، وحكى الطبري عن ابن زيد عن أبيه أنه قال نزلت في رجل بدري نافق بعد ذلك ووقع في هذه المعاني ﴿فأحبط الله﴾ عمله في بدر وغيرها. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا فيه ضعف، والإشارة بـ ﴿ذلك﴾ في قوله ﴿وكان ذلك على الله يسيراً﴾ يحتمل أن تكون إلى إحباط عمل هؤلاء المنافقين، ويحتمل أن تكون إلى جملة حالهم التي وصف من شحهم ونظرهم وغير ذلك من أعمالهم، أي أن أمرهم يسير لا يبالي به ولا له أثر في دفع خير ولا جلب شر. قوله عز وجل : يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِنِ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُواْ لَوْأَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبَابِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَانَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢)الَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَهُ حَسَنَةٌ ٢١ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْاللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَوَذَكَرَاللَّهَكَثِيرًا الضمير في ﴿يحسبون﴾ للمنافقين، والمعنى أنهم من الجزع والفزع بحيث رحل ﴿الأحزاب﴾ وهزمهم الله تعالى وهؤلاء يظنون أنها من الخدع وأنهم ﴿لم يذهبوا﴾ بل يريدون الكرة إلى غلب المدينة، ثم أخبر تعالى عن معتقد هؤلاء المنافقين أن ودهم لو أتى الأحزاب وحاصروا المدينة أن يكونوا هم قد خرجوا إلى البادية في جملة ﴿الأعراب﴾ وهم أهل العمود والرحيل من قطر إلى قطر، ومن كان من العرب مقيماً بأرض مستوطناً فلا يسمون أعراباً وغرضهم من البداوة أن يكونوا سالمين من القتال، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف «لو أنهم بُدّی في الأعراب)) شديدة الدال منونة وهو جمع باد کغاز وغزى، وروي عن ابن : ٠ ٣٧٧ تفسير سورة الأحزاب / الآيات: ٢٢ - ٢٤ عباس ((لو أنهم بدوا))، وقرأ أهل مكة ونافع وابن كثير والحسن ((يسألون)) أي من ورد عليهم، وقرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش ((يسلون)) خفيفة بغير همز على نحو قوله ﴿سل بني إسرائيل﴾ [البقرة: ٢١١] وقرأ الجحدري وقتادة والحسن بخلاف عنه ((يساءلون)) أي يسأل بعضهم بعضاً. قال الجحدري ((يتساءلون))، ثم سلى الله تعالى عنهم وحقر شأنهم بأن أخبر أنهم لو حضروا لما أغنوا ولما ﴿قاتلوا إلا قتالاً قليلاً﴾ لا نفع له، قال الثعلبي هو قليل من حيث هو رياء من غير حسبة ولو كان الله لكان كثيراً، ثم أخبر تعالى على جهة الموعظة بأن كل مسلم ومدع في الإسلام لقد كان يجب أن يقتدي بمحمد عليه السلام حين قاتل وصبر وجاد بنفسه. وقرأ جمهور الناس ((إسوة)) بكسر الهمزة، وقرأ عاصم وحده ((أسوة)) بضم الهمزة وهما لغتان معناه قدوة، وتأسى الرجل إذا اقتدى، ورجاء الله تعالى تابع للمعرفة به، ورجاء اليوم الآخر ثمرة العمل الصالح، ﴿وذكر الله كثيراً﴾ من خير الأعمال، فنبه عليه، وفي مصحف عبد الله بن مسعود ((يحسبون الأحزاب قد ذهبوا فإذا وجدوهم لم يذهبوا ودوا لو أنهم بادون في الأعراب)). قوله عز وجل : وَلَمَّارَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ، وَمَازَادَهُمْ إِلَّ إِيمَنَّا وَتَسْلِيمًا (٦)مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْمَا عَهَدُ واْاللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُوْتَبْدِيلًا ◌ْ لِيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِّقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْيَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّاللَّهَ كَانَ غَفُورًارَّحِيمًا ◌َ ٢٤ وصف الله تعالى المؤمنين حين رأوا تجمع الأحزاب لحربهم وصبرهم على الشدة وتصديقهم وعد الله تعالى على لسان نبيه، واختلف في مراد المؤمنين بوعد الله ورسوله لهم، فقالت فرقة: أرادوا ما أعلمهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر بحفر الخندق فإنه أعلمهم بأنهم سيحصرون وأمرهم بالاستعداد لذلك وأعلمهم بأنهم سينصرون من بعد ذلك، فلما رأوا الأحزاب ﴿قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله﴾ فسلموا لأول الأمر وانتظروا آخره، وقالت فرقة: أرادوا بوعد الله ما نزل في سورة البقرة من قوله: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يكون المؤمنون نظروا في هذه الآية، وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أمرهم بحفر الخندق، وأشاروا بالوعد إلى جميع ذلك، وهي مقالتان إحداهما من الله والأخرى من رسوله، وزيادة الإيمان هي في أوصافه لا في ذاته لأن ثبوته وإبعاد الشكوك عنه والشبه زيادة في أوصافه، ويحتمل أن يريد إيمانهم بما وقع وبما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يقع فتكون الزيادة في هذا الوجه فيمن يؤمن به لا في نفس الإيمان، وقرأ ابن أبي عبلة ((وما زادوهم)) بولو جمع، و((التسليم)) الانقياد لأمر الله تعالى كيف جاء، ومن ذلك ما ذكرناه من أن المؤمنين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند اشتداد ذلك الخوف: يا رسول الله إن هذا أمر عظيم فهل من شيء نقوله؟ فقال: ٣٧٨ تفسير سورة الأحزاب / الآيات: ٢٢ - ٢٤ ((قولوا: اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا))، فقالها المسلمون في تلك الضيقات. ثم أثنى الله على رجال من المؤمنين عاهدوا الله تعالى على الاستقامة التامة فوفوا وقضوا نحبهم، أي نذرهم وعهدهم، و((النحب)» في كلام العرب النذر، والشيء الذي يلتزمه الإنسان، ويعتقد الوفاء به، ومنه قول الشاعر: ((قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر))، المعنى أنه التزم الصبر إلى موت أو فتح فمات ومن ذلك قول جرير: [الطويل] عشية بسطام جرين على نحب بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا أي على أمر عظيم التزم القيام، كأنه خطر عظيم وشبهه، وقد يسمى الموت نحباً، وبه فسر ابن عباس هذه الآية، وقال الحسن ﴿قضى نحبه﴾ مات على عهد، ويقال للذي جاهد في أمر حتى مات قضى فيه نحبه، ويقال لمن مات قضى فلان نحبه، وهذا تجوز كأن الموت أمر لا بد للإنسان أن يقع به فسمي نحباً، لذلك فممن سمى المفسرون أنه أشير إليه بذلك أنس بن النضر عم أنس بن مالك، وذلك أنه غاب عن بدر فساءه ذلك وقال: لئن شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهداً ليرين الله ما أصنع، فلما كانت أحد أبلى بلاء حسناً حتى قتل ووجد فيه نيف على ثمانين جرحاً، فقالت فرقة: إن هذه الإشارة هي إلى أنس بن النضر ونظرائه ممن استشهد في ذات الله تعالى، وقال مقاتل والكلبي الرجال الذين ﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ هم أهل العقبة السبعون أهل البيعة، وقالت فرقة: الموصوفون بقضاء النحب هم جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوا بعهود الإسلام على التمام، فالشهداء منهم، والعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة منهم، إلى من حصل في هذه المرتبة ممن لم ينص عليه، ويصحح هذه المقالة ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على المنبر فقال له أعرابي: يا رسول الله من الذي قضى نحبه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم دخل طلحة بن عبيد الله على باب المسجد وعليه ثوبان أخضران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين السائل؟ فقال: ها أنا ذا یا رسول الله، قال: هذا ممن قضی نحبه. قال القاضي أبو محمد: فهذا أدل دليل على أن النحب ليس من شروطه الموت، وقال معاوية بن أبي سفيان: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((طلحة ممن قضى نحبه))، وروت هذا المعنى عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: ﴿ومنهم من ينتظر﴾ يريد ومنهم من ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح وهو بسبيل ذلك ﴿وما بدلوا﴾ وما غيروا، ثم أكد بالمصدر، وقرأ ابن عباس على منبر البصرة (ومنهم من بدل تبدیلاً))، رواه عنه أبو نصرة، وروى عنه عمرو بن دينار ((ومنهم من ينتظر وآخرون بدلوا تبديلاً))، واللام في قوله تعالى: ﴿ليجزي﴾ لام الصيرورة والعاقبة، ويحتمل أن تكون لام كي، وتعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم والتوبة موازية لتلك الإدامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان: إقامة على نفاق، أو توبة منه، وعنهما ثمرتان تعذيب، أو رحمة، فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدة من هاتين، وواحدة من هاتين، ودل ما ذكر على ما ترك ذكره ويدلك على أن معنى قوله ((ليعذب)) ليديم على النفاق قوله ﴿إن شاء﴾ ومعادلته بالتوبة وبحرف ولا يجوز أحد أن ﴿إن شاء﴾ يصح في تعذيب منافق على نفاقه بل قد حتم الله على نفسه بتعذيبه. ٣٧٩ تفسير سورة الأحزاب / الآيات: ٢٥ - ٢٧ قوله عز وجل : وَرَّالَهُالَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ وَكَانَ اللّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرَّعْبَ فَرِيقًا ٢٥ تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ﴾ وَأَوْرَنَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَعُوهَا وَكَارَ ٢٧ اُللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا عدد الله تعالى في هذه الآية نعمه على المؤمنين في هزم الأحزاب وأن الله تعالى ردهم ﴿بغيظهم﴾ لم يشفوا منه شيئاً ولا نالوا مراداً، ﴿وكفى﴾ كل من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل الأحزاب، وروي أن المراد بـ ﴿المؤمنين﴾ هنا علي بن أبي طالب وقوم معه عنوا للقتال وبرزوا ودعوا إليه وقتل علي رجلاً من المشركين اسمه عمرو بن عبدود، فكفاهم الله تعالى مداومة ذلك وعودته بأن هزم الأحزاب بالريح والملائكة وصنع ذلك بقوته وعزته . قال أبو سعيد الخدري: حبسنا يوم الخندق فلم نصل الظهر ولا العصر ولا المغرب ولا العشاء حتى كان بعد هوى من الليل كفينا وأنزل الله تعالى، ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام وصلى الظهر فأحسنها ثم كذلك حتى صلى كل صلاة بإقامة. وقوله تعالى: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم﴾ يريد بني قريظة بإجماع من المفسرين، قال الرماني وقال الحسن الذين أنزلوا ﴿من صياصيهم﴾ بنو النضير، وقال الناس: هم بنو قريظة، وذلك أنهم لما غدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهروا الأحزاب عليه أراد الله تعالى النقمة منهم، فلما ذهب الأحزاب جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقت الظهر فقال: يا محمد إن الله تعالى يأمرك بالخروج إلى بني قريظة، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس وقال لهم: ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة))، فخرج الناس إليها ووصلها قوم من الصحابة بعد العشاء وهم لم يصلوا العصر وقوفاً مع لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فلم يخطئهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وصلى قوم في الطريق ورأوا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما خرج مخرج التأكيد فلم يخطئهم أيضاً، وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة خمساً وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ الأوسي، وكان بينهم وبين الأوس حلف فرجوا حنوه عليهم، فحكم فيهم سعد بأن تقتل المقاتلة، وتسبى الذرية والعيال والأموال، وأن تكون الأرض والثمار للمهاجرين دون الأنصار، فقالت له الأنصار في ذلك، فقال: أردت أن تكون لهم أموال، كما لكم أموال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجالهم فأخرجوا أرسالاً وضرب أعناقهم وهم من الثمانمائة إلى التسعمائة، وسيق فيهم حيي بن أخطب النضري وهو الذي كان أدخلهم في الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذهب الأحزاب دخل عندهم وفاء لهم، فأخذه الحصر حتى نزل فيمن نزل على حكم سعد، فلما نزل وعليه حلتان فقاحيتان ويداه مجموعة إلى عنقه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: والله يا محمد أما ١ : : ٣٨٠ تفسير سورة الأحزاب / الآيتان: ٢٩،٢٨ والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولقد اجتهدت، ولكن من يخذل الله يخذل، ثم قال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله وقدره ملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم تقدم فضربت عنقه، وفيه يقول جبل بن حوال الثعلبي : [الطويل] ولكنه من يخذل الله يخذل لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه وقلقل يبغي العز كل مقلقل لأجهد حتى أبلغ النفس عذرها و﴿ظاهروهم﴾ معناه عاونوهم، وقرأ عبد الله بن مسعود ((آزروهم) وهي بمعنى ﴿ظاهروهم﴾ و((الصياصي)): الحصون، واحدها صيصية وهي كل ما يمتنع به، ومنه يقال لقرون البقر الصياصي، والصياصي أيضاً: شوك الحاكة، وتتخذ من حديد، ومنه قول دريد بن الصمة : [الطويل] كوقع الصياصي في النسيج الممدّد والفريق المقتول: الرجال المقاتلة، والفريق المأسور: العيال والذرية، وقرأ الجمهور ((وتأسِرون)) بكسر السين، وقرأ أبو حيوة ((تأسُرون)) بضم السين، وقوله ﴿وأورثكم﴾ استعارة من حيث حصل ذلك لهم بعد موت الآخرين من قبلهم، وقوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾، يريد بها البلاد التي فتحت على المسلمين بعد كالعراق والشام ومكة فوعد الله تعالى بها عند فتح حصون بني قريظة وأخبر أنه قد قضى بذلك قاله عكرمة، وذكر الطبري عن فرق أنهم خصصوا ذلك، فقال الحسن بن أبي الحسن: أراد الروم وفارس، وقال قتادة: كنا نتحدث أنها مكة، وقال يزيد بن رومان ومقاتل وابن زيد: هي خيبر، وقالت فرقة اليمن. قال الفقيه الإمام القاضي: ولا وجه لتخصيص شيء من ذلك دون شيء. قوله عز وجل : يَّأَيُهَا النَّقُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تْرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَنَعَا لَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴿ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالذَّارَ اُلْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّلِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ ٢٩ أَجْرًاعَظِيمًا اختلف الناس في سبب هذه الآية، فقالت فرقة سببها غيرة غارتها عائشة، وقال ابن زيد وقع بين أزواجه عليه السلام تغاير ونحوه مما شقي هو به فنزلت الآية بسبب ذلك، ويسر الله له أن يصرف إرادته في أن يؤوي إليه من يشاء، وقال ابن الزبير: نزل ذلك بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أزواجه النفقة. وتشططن في تكليفه منها فوق وسعه، وقالت فرقة بل سبب ذلك أنهن طلبن منه ثياباً وملابس وقالت واحدة: لو كنا عند غير النبي لكان لنا حلي ومتاع. وقال بعض الناس: هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلاوتها عليهن وتخييرهن بين الدنيا والآخرة وأمر الطلاق مرجأ فلو اخترن أنفسهن نظر هو كيف يسرحهن وليس فيها تخييرهن في الطلاق، لأن التخيير يتضمن ثلاث تطليقات وهو قد قال ﴿وأسرحكن سراحاً جميلاً﴾ وليس مع بت الطلاق سراح جميل، وقالت فرقة: بل هي آية تخيير فاخترنه ولم يعد ذلك :