Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
تفسير سورة الفرقان / الآيات: ٧١ - ٧٤
((نضعَّف)) بضم النون وكسر العين المشددة ((العذابَ)) نصب ((ويخلد)) جزم وهي قراءة أبي جعفر وشيبة،
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ((يضاعفُ ويخلدُ)) بالرفع فيهما، وقرأ طلحة بن سليمان ((وتخلد)) بالتاء على
معنى مخاطبة الكافر بذلك، وروي عن أبي عمرو ((ويُخلَّد)) بضم الياء من تحت وفتح اللام قال أبو علي
وهي غلط من جهة الرواية ((ويضاعفْ)) بالجزم بدل من ﴿يلق﴾ قال سيبويه مضاعفة العذاب هي الأثام قال
الشاعر:
((متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا)). البيت
وقوله ﴿إلا من تاب) الآية لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني واختلفوا في
القاتل من المسلمين، فقال جمهور العلماء له التوبة وجعلت هذه الفرقة قاعدتها قوله تعالى: ﴿ويغفر ما
دون ذلك﴾ [النساء: ٤٨] فجعل القاتل في المشيئة كسائر التائبين من الذنوب، ويتأولون الخلود الذي في
آية القتل في سورة النساء بمعنى الدوام إلى مدة كخلد الدول ونحوه، وروى أبو هريرة في أن التوبة لمن
قتل حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل إن هذه الآية نزلت في وحشي قاتل حمزة، وقاله سعيد بن
جبير، وقال ابن عباس وغيره لا توبة للقاتل، قال ابن عباس وهذه الآية إنما أريد بالتوبة فيها المشركون
وذلك أنها لما نزلت ﴿إلا من تاب﴾ الآية، ونزلت ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من
رحمة الله﴾ [الزمر: ٥٣]، فما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح فرحه بها وبسورة الفتح، وقال غير
ابن عباس ممن قال بأن لا توبة للقاتل إن هذه الآية منسوخة بآية سورة النساء قاله زيد بن ثابت، ورواه أيضاً
سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال أبو الجوزاء صحبت ابن عباس ثلاث عشرة سنة فما شيء من القرآن
إلا سألته عنه فما سمعته يقول إن الله تعالى يقول لذنب لا أغفره وقوله تعالى: ﴿يبدل الله سيئاتهم
حسنات﴾. معناه يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأول طاعة فيكون ذلك سبباً لرحمة الله إياهم قاله ابن
عباس وابن جبير وابن زيد والحسن، ورد على من قال هو في يوم القيامة، وقد ورد حديث في كتاب مسلم
من طريق أبي يقتضي أن الله تعالى يبدل يوم القيامة لمن يريد المغفرة من الموحدين بدل سيئات حسنات،
وذكره الترمذي والطبري وهذا تأويل ابن المسيب في هذه الآية .
قال القاضي أبو محمد: وهو معنى كرم العفو، وقرأ ابن أبي عبلة ((يبْدِل)) بسكون الباء وتخفيف
الدال.
قوله عز وجل :
أَ وَاُلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُوا
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَإِنَّهُ يَنُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا
بِاللَّغْوِ مَنُ واكِرَامًا (٦ّ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِشَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأُجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ
٧٣
٧٤
إِمَامًا
أكد بهذه الألفاظ أمر التوبة والمعنى ﴿ومن تاب﴾ فإنه قد تمسك بأمر وثيق وهكذا، كما تقول لمن
1
٢٢٢
تفسير سورة الفرقان / الآيات: ٧٤٠٧١
تستحسن قوله في أمره لقد قلت يا فلان قولاً، فكذلك الآية معناها مدح المتاب كأنه قال فإنه يجد باباً للفرج
والمغفرة عظيماً، ثم استمرت الآيات في وصف عباد الله المؤمنين بأن نفى عنهم شهادة الزور،
و ﴿یشهدون﴾ في هذا الموضع ظاهر معناها يشاهدون ويحضرون، و ﴿الزور﴾ كل باطل زور وزخرف
فأعظمه الشرك وبه فسر الضحاك وابن زيد، ومنه الغناء، وبه فسر مجاهد، ومنه الكذب، وبه فسر ابن
جريج، وقال علي بن أبي طالب ومحمد بن علي المعنى لا يشهدون بالزور فهو من الشهادة لا من
المشاهدة والزور الكذب.
قال الفقيه الإمام القاضي: والشاهد بالزور حاضره ومؤديه جرأة، فالمعنى الأول أعم لكن المعنى
الثاني أغرق في المعاصي وأنكى، و((اللغو)) كل سقط من فعل أو قول يدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك،
ويدخل في ذلك سفه المشركين وأذاهم للمؤمنين وذكر النساء وغير ذلك من المنكر، و﴿كراماً﴾ معناه
معرضين مستحين يتجافون عن ذلك ويصبرون على الأذى فيه، وروي أن عبد الله بن مسعود سمع غناء
فأسرع في مشيه وذهب فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لقد أصبح ابن أم عبد كريماً، وقرأ الأية .
قال الفقيه الإمام القاضي: وأما إذا مر المسلم بمنكر فكرمه أن يغير، وحدود التغيير معروفة وقوله
تعالى: ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم﴾ ذكروا بالقرآن آخرتهم ومعادهم وقوله: ﴿لم يخروا عليها صماً
وعمياناً﴾ يحتمل تأويلين: أحدهما أن يكون المعنى لم يكن خرورهم بهذه الصفة بل يكون سجداً وبكياً،
وهذا كما تقول لم يخرج زيد للحرب جزءاً أي إنما خرج جريئاً مقدماً. وكأن الذي يخر أصم وأعمى هو
المنافق، أو الشاك، والتأويل الثاني ذهب إليه الطبري وهو أن يخروا صماً وعمياناً هي صفة للكافر وهي
عبارة عن إعراضهم وجهدهم في ذلك، وقرن ذلك بقوله قعد فلان يشتمني وقام فلان يبكي وأنت لم تقصد
الإخبار بقعود ولا قيام وإنما هي توطئات في الكلام والعبارة.
قال الفقيه الإمام القاضي: وكان المستمع للذكر قائم القناة قويم الأمر فإذا أعرض وضل كان ذلك
خروراً وهو السقوط على غير نظام ولا ترتيب وإن كان قد شبه به الذي يخر ساجداً، ولكن أصله أنه على غير
ترتيب، ثم مدح المؤمنين حال الدعاء إليه في أن يقر العيون بالأهل والذرية، و(قرة العين)) يحتمل أن تكون
من القرار، ويحتمل أن تكون من القر، وهو الأشهر لأن دمع السرور بارد ودمع الحزن سخن، فمن هذا
يقال أقر الله عينك وأسخن الله عين العدو، و((قرة العين)) في الأزواج والذرية أن يراهم الإنسان مطيعين لله
تعالى قاله ابن عباس والحسن وحضرمي، وبين المقداد بن الأسود الوجه من ذلك بأنه كان في أول الإسلام
يهتدي الأب والابن كافر والزوج والزوجة كافرة فكانت قرت عيونهم في إيمان أحبابهم، وقرأ ابن كثير ونافع
وابن عامر والحسن ((ذرياتنا))، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى ((ذريتنا)) بالإفراد. وقوله
تعالی: ﴿للمتقين إماماً﴾ قیل هو جمع، آم مثل قائم وقيام وقيل هو مفرد اسم جنس أي اجعلنا یأتم بنا
المتقون، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقياً قدوة وهذا هو قصد الداعي، قال إبراهيم النخعي لم
يطلبوا الرياسة بل أن يكونوا قدوة في الدين وهذا حسن أن يطلب ويسعى له.
قوله عز وجل:
... .
:
٢٢٣
تفسير سورة الفرقان / الآيات: ٧٥ - ٧٧
خَلِدِين
٧٥
أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَاتِحِيَّةُ وَسَلَمًا
فِيهَاْ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴿ قُلْ مَا يَعْبَؤُ اْبِكُتْرَبِّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْكَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ
يَكُونُ لِزَامًا
٧٧
قرأ أبي كعب ((يجازون)) بألف، و﴿الغرفة﴾ من منازل الجنة وهي الغرفة فوق الغرف وهو اسم الجنة
كما قال: [الهزج]
ولولا الحبة السمراء لم نحلل بواديكم
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ((ويُلَقّون)) بضم الياء وفتح اللام وشد القاف وهي قراءة أبي جعفر وشيبة
والحسن، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم وطلحة ومحمد اليماني ورويت عن النبي صلى الله عليه
وسلم ((ويلْقون)) بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، واختلف عن عاصم وقوله ﴿حسنت مستقراً
ومقاماً﴾ معادل لقوله في جهنم ﴿ساءت) وقوله: ﴿قل ما يعبؤوا بكم) الآية أمر لمحمد صلى الله عليه
وسلم أن يخاطب بذلك، و﴿ما﴾ تحتمل النفي وتحتمل التقرير والكلام في نفسه يحتمل تأويلات أحدها
أن تكون الآية إلى قوله ﴿لولا دعاؤكم﴾ خطابً لجميع الناس فكأنه قال لقريش منهم أي ما يبالي الله بكم
ولا ينظر إليكم لولا عبادتكم إياه أن لو كانت إذ ذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله. قال تعالى: ﴿وما خلقت
الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقال النقاش وغيره المعنى لولا استغاثتكم إليه في الشدائد
ونحو ذلك فذلك هو عرف الناس المرعي فيهم، وقرأ ابن الزبير وغيره ((فقد كذب الكافرون)) وهذا يؤيد أن
الخطاب بما يعبأ هو لجميع الناس، ثم يقول لقريش فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه فسوف يكون العذاب
والتكذيب الذي هو سبب العذاب لزاماً، والثاني أن يكون الخطاب بالآيتين لقريش خاصة أي ﴿ما يعبأ بكم
ربي لولا دعاؤكم﴾ الأصنام آلهة دونه فإن ذلك يوجب تعذيبكم، والثالثة وهو قول مجاهد أي ما يعبأ ربكم
بكم لولا أن دعاكم إلى شرعه فوقع منكم الكفر والإعراض.
قال القاضي أبو محمد: والمصدر في هذا التأويل مضاف إلى المفعول وفي الأولين مضاف إلى
الفاعل و﴿يعبأ﴾ مشتق من العبء، وهو الثقل الذي يعبأ ويرتب كما يعبأ الجيش، وقرأ ابن الزبير «وقد كذبت
الكافرون فسوف))، قال ابن جني قرأ ابن الزبير وابن عباس الخ ... ((فقد كذب الكافرون))، قال الزهراوي
وهي قراءة ابن مسعود قال وهي على التفسير وأكثر الناس على أن ((اللزام)) المشار إليه في هذا الموضع هو
يوم بدر وهو قول أبي بن كعب وابن مسعود، والمعنى فسوف يكون جزاء التكذيب، وقالت فرقة هو تعوذ
بعذاب الآخرة ، وقال ابن مسعود اللزام التكذيب نفسه أي لا تعطون توبة ذكره الزهراوي، وقال ابن عباس
أيضاً ((اللزام)) الموت وهذا نحو القول ببدر وإن أراد به متأول الموت المعتاد في الناس عرفاً فهو ضعيف،
وقرأ جمهور الناس ((لزاماً)) بكسر اللام من لوزم وأنشد أبو عبيدة لصخر الغي: [الوافر]
فقد لقيا حتوفهما لزاما
فإمّا ينجوا من حتف أرض
وقرأ أبو السمال ((لَزاماً)) لفتح اللام من لزم والله المعين.
٢٢٤
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ١ -٩
بِسْمِ الّهِ الرَّحْمَن الرحمة
١
١٠
سُورَة الشعراء
هذه السورة مكية كلها فيما قال جمهور الناس، وقال مقاتل منها مدني الآية التي تذكر فيها الشعراء
وقوله تعالى: ﴿أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٠ ١٩٧].
قوله عز وجل :
◌َلَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ أَلََّيَكُونُواْ مُؤْ مِنِينَ ﴿ إِن نَّشَأْتُغْزِّلْ عَلَيْهِ
طسَمَ [® تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ (
مِّنَ السَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ ﴿ وَمَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرِ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثُوا لََّ كَانُواْ عَنَّهُ مُعْرِضِينَ
أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَنَا فِهَا مِن كُلِ زَوْج
◌َ فَقَدَكَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَؤُ أُمَا كَانُواْ بِهِ،يَسْنَهْزِءُونَ
كَرِيمٍ ﴿﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (*) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَالْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور مستوعباً، و ﴿تلك﴾ رفع بالابتداء وهو وخبره ساد مسد
الخبر عن ﴿طسم﴾ في بعض التأويلات، والإشارة بـ ﴿تلك﴾ هي بحسب الخلاف في ﴿طسم﴾ وعلى
بعض الأقوال تكون ﴿تلك﴾ إشارة إلى حاضر وذلك موجود في الكلام، كما أن هذه قد تكون
الإشارة بها إلى غائب معهود كأنه حاضر، و﴿الكتاب المبين﴾ القرآن، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن
عاصم ((طِسم)) بكسر الطاء، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بفتحها وبإدغام النون من سين في
الميم، وقرأ حمزة وحده بإظهارها وهي قراءة أبي جعفر، ورويت عن نافع، وروى يعقوب عن أبي جعفر
ونافع قطع كل حرف منها على حدة، قال أبو حاتم الاختيار فتح الطاء وإدغام آخر سين في أول ميم، فتصير
الميم متعلقة، وقوله ﴿لعلك﴾ الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم لما كان من القلق والحرص على
إيمانهم فكان من شغل البال في حيز الخوف على نفسه، و ((الباخع)» القاتل والمهلك بالهم قاله ابن عباس
والناس ومن ذلك قول ذي الرمة: [الطويل]
لشيء نحته عن يديه المقادر
ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه
وخوطب بـ ﴿لعل﴾ على ما في نفوس البشر من توقع الهلاك في مثل تلك الحال، ومعنى الآية أي لا
تهتم يا محمد بهم وبلغ رسالتك وما عليك من إيمانهم فإن ذلك بيد الله. لو شاء لآمنوا، وقوله ((أن لا))
مفعول من أجله. وقوله تعالى: ﴿إن شاء﴾ شرط وما في الشرط من الإبهام هو في هذه الآية في حيزنا، وأما
:
:
٢٢٥
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ١ - ٩
الله تعالى فقد علم أنه لا ينزل عليهم آية اضطرار وإنما جعل الله تعالى آية الأنبياء والآيات الدالة عليه
معرضة للنظر والفكر ليهتدي من سبق في علمه هداه ويضل من سبق ضلاله وليكون للنظر تكسب به يتعلق
الثواب والعقاب، وآية الاضطرار تدفع جميع هذا أن لو كانت، وقرأ ((تنَزّل)) بفتح النون وشد الزاي أبو جعفر
ونافع وشيبة والأعرج وعاصم والحسن، وقرأ أبو عمرو وأهل البصرة بسكون النون وتخفيف الزاي، وروى
هارون عن أبي عمرو ((يشأ ينزل)) بالياء فيهما والخضوع للآية المنزلة كان يترتب بأحد وجهين إما بخوف
هلاك في مخالفة الأمر المقترن بها كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإما أن تكون من الوضوح وبهر
العقول، بحيث يقع الإذعان لها وانقياد النفوس، وكل هذين لم يأت به نبي، ووجه ذلك ما ذكرناه، وهو
توجيه منصوص للعلماء. وقرأ طلحة ((فتظل أعناقهم)) وهو المراد في قراءة الجمهور وجعل الماضي موضع
المستقبل إشارة إلى تقوية وقوع الفعل، وقوله تعالى: ﴿أعناقهم﴾ يحتمل تأويلين أحدهما: وهو قول
مجاهد وأبي زيد والأخفش، أي يريد جماعاتهم، يقال جاءني عنق من الناس أي جماعة، ومنه قول
الشاعر: [مجزوء الكامل]
وأهله عنق إليك فهيت هيتا
إن الـعـراق
وعليه حمل قول أبي محجن:
واكتم السر فيه ضرب العنق
ولهذا قيل عتق رقبة ولم يقل عتق عنق فراراً من الاشتراك قاله الزهراوي، فعلى هذا التأويل ليس في
قوله ﴿خاضعين﴾ موضع قول، والتأويل الآخر أن يريد الأعناق الجارحة المعلمة وذلك أن خضوع العنق
والرقبة هو علامة الذلة والانقياد ومنه قول الشاعر: [الكامل]
خضع الرقاب نواكس الأبصار
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم
فعلى هذا التأويل يتكلم على قوله ﴿خاضعين﴾ كيف جمعه جمع من يعقل، وذلك متخرج على
نحوين من كلام العرب: أحدهما أن الإضافة إلى من يعقل أفادت حكم من يعقل كما تفيد الإضافة إلى
المؤنث تأنيث علامة المذكر، ومنه قول الأعشى:
((كما شرقت صدر القناة من الدم))
وهذا كثير، والنحو الآخر أن الأعناق لما وصفت بفعل لا يكون إلا مقصوداً للبشر وهو الخضوع، إذ
هو فعل يتبع أمراً في النفس، جمعها فيه جمع من يعقل وهذا نظير قوله تعالى: ﴿أتينا طائعين﴾
[فصلت: ١١]. وقوله: ﴿رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف: ٤]. وقرأ ابن أبي عبلة ((لها خاضعة)) ثم عنف الكفار
ونبه على سوء فعلهم بقوله: ﴿وما يأتيهم) الآية، وقوله ﴿محدث) يريد محدث الإتيان، أي مجيء القرآن
للبشر كان شيئاً بعد شيء. وقالت فرقة يحتمل أن يريد بـ((الذكر)» محمد صلى الله عليه وسلم كما قال
تعالى في آية أخرى: ﴿قد أنزل الله إليكم ذكراً﴾ [الطلاق: ١٠]. فيكون وصفه بالمحدث متمكناً.
قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أفصح.
-
٢٢٦
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ١٠ - ١٩
وقوله تعالى: ﴿فقد كذبوا فسيأتيهم﴾. الآية وعيد بعذاب الدنيا والآخرة، ويقوى أنه وعيد بعذاب
الدنيا لأن ذلك قد نزل بهم كبدر وغيرها، ولما كان إعراضهم عن النظر في الصانع والإله من أعظم كفرهم
وكانوا يجعلون الأصنام آلهة ويعرضون عن الذكر في ذلك، نبه على قدرة الله وأنه الخالق المنشىء الذي
يستحق العبادة بقوله ﴿أو لم يروا إلى الأرض) الآية، و((الزوج)) النوع والصنف، و((الكريم)) الحسن المتقن
قاله مجاهد وقتادة، ويراد الأشياء التي بها قوام الأمور والأغذية والنباتات، ويدخل في ذلك الحيوان لأنه عن
إنبات ومنه قوله تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ [نوح: ١٧]. قال الشعبي الناس من نبات الأرض
فمن صار إلى الجنة فهو كريم ومن صار إلى النار فبضد ذلك وقوله تعالى: ﴿وما كان أكثرهم مؤمنين).
حتم على أكثرهم بالكفر ثم توعد تعالى بقوله: ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم). يريد عز في نقمته من
الكفار ورحم مؤمني كل أمة، وقال نحو هذا ابن جريج، وفي لفظة ﴿الرحيم﴾ وعد.
قوله عز وجل :
وَإِذْ نَادَى رَبُكَ مُوسَىَ أَنِ أَنْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
قَالَ رَبِّ إِنَّأَخَافُ أَنْ
قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ
١٠٠
يُكَذِّبُونِ ﴿٣] وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِ فَأَرْسِلْ إِلَى هَذِرُونَ ﴿ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ
يَقْتُلُونِ ﴿ قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا ◌ِشَايَتِنَاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ﴿ فَأَتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّارَسُولُرَبِّ
اَلْعَلَمِينَ ﴿ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَابَنِى إِسْرَّهِيَلَ قَالَ أَلَمْثُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِيِنَا مِنْ عُمرَِ سِنِينَ
١٨
١٩
وَفَعَلْتَ فَعُلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ
التقدير واذكر ﴿إذ نادى ربك موسى﴾ وسوق هذه القصة تمثيل لكفار قريش لتكذيبهم محمداً صلى
الله عليه وسلم، وقوله ﴿أن انت﴾ يجوز في ﴿أن﴾ أن تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب بمنزلة أي، ويجوز
أن تكون غيرها وهي في موضع نصب بتقدير بأن اثت، وقوله ﴿ألا يتقون﴾ معناه قل لهم فجمع في هذه العبارة
من المعاني نفي التقوى عنهم وأمرهم بالتقوى، وقرأ الجمهور ((يتقون)) بالياء من تحت، وقرأ عبد الله بن مسلم
وحماد بن سلمة وأبو قلابة ((تتقون)) بالتاء من فوق على معنى قل لهم، ولعظيم نخوة فرعون وتألهه وطول
مدته وما أشربت القلوب من مهابته قال عليه السلام ﴿إني أخاف أن يكذبون﴾. وقرأ جمهور الناس
((ويضيقُ)) بالرفع و ((ينطلقُ)) كذلك، وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى ذلك بالنصب فيهما، فقراءة الرفع هي
إخبار من موسى بوقوع ضيق صدره وعدم انطلاق لسانه، وبهذا رجح أبو علي هذه القراءة، وقراءة النصب
تقتضي أن ذلك داخل تحت خوفه وهو عطف على ﴿یکذبون﴾، وکان في خلق موسى عليه السلام حد
وكان في لسانه حبسة بسبب الجمرة في طفولته، وحكى أبو عمرو عن الأعرج أنه قرأ بنصب ((ويضيقَ))
وبرفع («ينطلقُ))، وقد يكون عدم انطلاق اللسان بالقول لغموض المعاني التي تُطلب لها ألفاظ محررة، فإذا
كان هذا في وقت ضيق صدر ولم ينطلق اللسان، وقد قال موسى عليه السلام ﴿واحلل عقدة من لساني﴾
[طه: ٢٧] فالراجح قراءة الرفع، وقوله تعالى: ﴿فأرسل إلى هارون﴾ معناه يعينني ويؤازرني، وكان هارون
عليه السلام فصيحاً واسع الصدر، فحذف بعض المراد من القول إذ باقيه دال عليه، ثم ذكر موسى خوفه
٠
٠
:
:
٢٢٧
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ١٠ - ١٩
القبط من أجل ذنبه، وهو قتله الرجل الذي وكزه، قاله قتادة ومجاهد والناس، فخشى أن يستقاد منه لذلك
فقال الله عز وجل له ﴿كلا﴾ رداً لقوله ﴿إني أخاف﴾ أي لا تخف ذلك فإني لم أحملك ما حملتك إلا وقد
قضيت بنصرك وظهورك وأمر موسى وهارون بخطاب لموسى فقط، لأن هارون ليس بمكلم بإجماع، ولكن
قال لموسى ((اذهبا)) أي أنت وأخوك، والآيات تعم جميع ما بعثهما الله به وأعظم ذلك العصا بها وقع
العجز، وبالآيتين تحدى موسى عليه السلام، ولا خلاف في أن موسى عليه السلام هو الذي حمله الله أمر
النبوة وكلها، وأن هارون كان نبياً رسولاً معيناً له وزيراً، وقوله ﴿إنا معكم﴾ إما على أن يجعل الاثنين
جماعة، وإما أن يريدهما، والمبعوث إليهم وبني إسرائيل، وقوله ﴿مستمعون﴾ على نحو التعظيم
والجبروت التي لله تعالى، وصيغة قوله ﴿مستمعون﴾ تعطي اهتبالاً بالأمر ليس في صيغة قوله ((سامعون))،
وإلا فليس يصف الله تعالى بطلب الاستماع، وإنما القصد إظهار التهمم ليعظم أنس موسى أو تكون
الملائكة بأمر الله إياها تستمع، وقوله تعالى: ﴿إنا رسول رب العالمين﴾ هو على أن العرب أجرت الرسول
مجرى المصدر في أن وصفت به الجمع والواحد والمؤنث، ومن ذلك قول الهذلي :
ل أعلمهم بنواحي الخبر
ألكني إليها وخير الرسو
ومنه قول الشاعر: وإن كان مولداً.
إن التي أبصرتها سحراً تكلمني رسول
وقوله ﴿أن أرسل معنا بني إسرائيل﴾ معناه سرح، فهو من الإرسال الذي هو بمعنى الإطلاق، وكما
تقول أرسلت الحجر من يدي، وكان موسى مبعوثاً إلى فرعون في أمرين: أحدهما أن يرسل بني إسرائيل
ويزيل عنهم ذل العبودية والغلبة، والثاني أن يؤمن ويهتدي وأمر بمكافحته ومقاومته في الأول، ولم يؤمر
بذلك في الثاني على ما بلغ من أمره، وبعث بالعبادات والشرع إلى بني إسرائيل فقط، هذا قول بعض
العلماء، وقول فرعون لموسى ﴿ألم نُربّك﴾ هو على جهة المن عليه والاحتقار، أي ربيناك صغيراً ولم
نقتلك في جملة من قتلنا، ﴿ولبثت فينا سنين﴾، فمتى كان هذا الذي تدعيه، وقرأ جمهور القراء ((من
عمرك)) بضم الميم، وقرأ أبو عمرو ((عمْرك)) بسكونها، ثم قرره على قتل القبطي بقوله ﴿وفعلت فعلتك﴾
والفَعلة بفتح الفاء المرة من الفعل، وقرأ الشعبي ((فِعلتك)) بكسر الفاء وهي هيئة الفعل، وقوله ﴿وأنت من
الكافرين﴾، يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يريد وقتلت القبطي ﴿وأنت﴾ في قتلك إياه ﴿من الكافرين) إذ
هو نفس لا يحل قتله قاله الضحاك، أو يريد ﴿وأنت من الكافرين﴾ بنعمتي في قتلك إياه قاله ابن زيد،
وهذان بمعنى واحد في حق لفظ الكفر، وإنما اختلفا باشتراك لفظ الكفر والثاني أن يكون بمعنى الهزء على
هذا الدين فأنت من الكافرين بزعمك قاله السدي، والثالث هو قول الحسن أن يريد ﴿وأنت من الكافرين﴾
الآن يعني فرعون بالعقيدة التي كان يبثها فيكون الكلام مقطوعاً من قوله ﴿وفعلت فعلتك﴾ وإنما هو إخبار
مبتدأ كان من الكافرين وهذا الثاني أيضاً يحتمل أن يريد به كفر النعمة .
قال القاضي أبو محمد: وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي وبين رجوعه نبياً إلى
فرعون إحدى عشر سنة غير أشهر.
٢٢٨
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ٢٠ - ٢٨
قوله عز وجل :
أَفَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمَا وَحَعَلَنِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
٢٠
قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِّينَ [®
قَالَرَبُّ
٢٣
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمِّنُّهَا عَلَىَ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِيِّ إِسْرَّهِيلَ
٢١
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلَا تَسْتَعُونَ ﴾ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُ
٢٤٦
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِنَ كُوقِنِينَ
ءَبَابِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿٨َ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْلَمَجْنُونٌ ﴾ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُمُتَعْقِلُونَ
٢٨
القائل هنا هو موسى عليه السلام والضمير في قوله ﴿فعلتها﴾ لقتله القبطي، وقوله ﴿إذا﴾ صلة في
الكلام وكأنها بمعنى حينئذ، وقوله ﴿وأنا من الضالين﴾ قال ابن زيد معناه من الجاهلين بأن وكزتي إياه تأتي
على نفسه، وقال أبو عبيدة معناه من الناسين لذلك، ونزع بقوله تعالى أن تضل إحداهما، وفي قراءة
عبد الله بن مسعود وابن عباس ((وأنا من الجاهلين)) ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير، وقوله
﴿حكماً﴾ يريد النبوة وحكمتها، وقرأ عيسى ((حُكْماً)) بضم الحاء والكاف، وقوله ﴿وجعلني من المرسلين﴾
درجة ثانية للنبوة فرب نبي ليس برسول، ثم حاجه عليه السلام في منه عليه بالتربية وترك القتل بقوله
﴿وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل﴾، واختلف الناس في تأويل هذا الكلام، فقال قتادة هذا
منه على جهة الإنكار عليه أن تكون نعمة كأنه يقول أويصح لك أن تعتمد على نعمة ترك قتلي من أجل أنك
ظلمت بني إسرائيل وقتلتهم، أي ليست نعمة لأن الواجب كان ألا يقتلني وألا تقتلهم ولا تستعبدهم بالقتل
والخدمة وغير ذلك، وقرأ الضحاك ((وتلك نعمة ما لك أن تمنها))، وهذه قراءة تؤيد هذا التأويل، وقال
الأخفش قيل ألف الاستفهام محذوفة والمعنى ((أو تلك)) وهذا لا يجوز إلا إذا عادلتها أم كما قال ((تروح من
الحي أم تبتكر)).
قال القاضي أبو محمد: وهذا القول تكلف، قول موسى عليه السلام تقرير بغير ألف وهو صحيح كما
قال قتادة والله المعين، وقال السدي والطبري هذا الكلام من موسى عليه السلام على جهة الإقرار بالنعمة،
كأنه يقول وتربيتك نعمة علي من حيث عبدت غيري وتركتني ولكن ذلك لا يدفع رسالتي .
قال القاضي أبو محمد: ولكل وجه ناحية من الاحتجاج فالأول ماض في طريق المخالفة لفرعون
ونقض كلامه كله، والثاني مبد من موسى عليه السلام أنه منصف من نفسه معترف بالحق، ومتى حصل
أحد المجادلين في هذه الرتبة وكان خصمه في ضدها غلب المتصف بذلك وصار قوله أوقع في النفوس،
ولما لم يجد فرعون في هذا الطريق من تقريره على التنزيه وغير ذلك حجة رجع إلى معارضة موسى في
قوله ((رسول رب العالمين)) فاستفهمه استفهاماً عن مجهول من الأشياء قال مكي كما يستفهم عن الأجناس،
فلذلك استفهم بـ ﴿ما﴾ وقد ورد له استفهام بـ ﴿من﴾ في موضع آخر، ويشبه أنها مواطن، فأتى موسى
عليه السلام بالصفات التي تبين للسامع أنه لا مشاركة لفرعون فيها وهي ربوبية السماوات والأرض، وهذه
٢٢٩
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ٢٩ - ٣٧ ــــ
المجادلة من فرعون تدل على أن موسى عليه السلام دعاه إلى التوحيد فقال فرعون عند ذلك ﴿ألا
تستمعون﴾ على وجه الإغراء والتعجب من شنعة المقالة، إذ كانت عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم
والفراعنة قبله كذلك وهذه ضلالة منها في مصر وديارها إلى اليوم بقية فزاد موسى في البيان بقوله ﴿ربكم
ورب آبائكم الأولين﴾، فقال فرعون حينئذ على جهة الاستخفاف ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم
لمجنون﴾ وقرأ جمهور الناس على بناء الفعل للمفعول، وقرأ حميد الأعرج ومجاهد ((أرسل)) على بناء
الفعل للفاعل، فزاد موسى عليه السلام في بيان الصفات التي تظهر نقص فرعون وتبين له أنه في غاية البعد
عن القدرة عليها وهي ربوبية ﴿المشرق والمغرب﴾، ولم يكن لفرعون إلا ملك مصر من البحر إلى أسوان
وأرض الإسكندرية، وفي قراءة ابن مسعود وأصحابه ((رب المشارق والمغارب وما بينهما)).
قوله عز وجل :
قَالَ
٣٠
قَالَ لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴿قَالَ أَوَلَوْجِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ
فَأْتِ بِهِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴿٦َ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٢٦) وَنَزَعَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ
لِلنَّظِرِينَ فِ
يُرِدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ،
٣٤
أَقَالَ لِلْمَلَإٍ حَوْلَهُ: إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ عَلِيمٌ
٣٣
قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَبْعَثْ فِ الْمَدَابِنِ حَشِرِينَ ( يَأَنُوَكَ بِكُلِّ سَخَارٍ
لا
٣٥
فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
٣٧
عَلِيمٍ
لما انقطع فرعون في الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب، وهذه أبين علامات الانقطاع، فتوعّد
موسى عليه السلام بالسجن حين أعياه خطابه، وفي توعده بالسجن ضعف لأنه خارت طباعه معه، وكان
فيما روي يفزع منه فزعاً شديداً حتى كان لا يمسك بوله، وروي أن سجنه كان أشد من القتل في مطبق لا
ينطلق منه أبداً فكان مخوفاً .
قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة دار النبود إلى اليوم، وكان عند موسى عليه السلام من أمر الله
تعالى ما لا يفزعه توعد فرعون فقال له موسى على جهة اللطف به والطمع في إيمانه ﴿أولو جئتك بشيء
مبين﴾ يتضح لك معه صدقي، أفكنت تسجنني، فلما سمع فرعون ذلك طمع أن يجد أثناءه موضع معارضة
فقال له ﴿فأت به إن كنت من الصادقين﴾ ﴿فألقى﴾ موسى عصاه من يده وكانت من عصي الجنة وكانت
عصى آدم عليه السلام، ويروى أنها كانت من غير ورقة الريحان، وكانت عند شعيب عليه السلام في جملة
عصي الأنبياء فأعطاها لموسى عليه السلام عند رعايته له الغنم على صورة قد تقدم ذكرها دلت على نبوة
موسى وكان لها في رأسها شعبتان فثم كان فم الحية وغير ذلك من قصص هذه، ونزع يده من جيبه فإذا هي
تتلألأ كأنها قطعة من الشمس، فلما رأى فرعون ذلك هاله ولم يكن له فيه مدفع غير أنه فزع إلى رميه
بالسحر، وطمع، لعلو علم السحر في ذلك الوقت وكثرته، أن يكون فيه سبب لمقاومة موسى فأوهم قومه
وأتباعه أن موسى عليه السلام ساحر، ثم استشارهم في أمره وأغراهم به في قوله ﴿يريد أن يخرجكم من
İ
٢٣٠
تفسير: سورة الشعراء / الآيات: ٣٨ - ٥١
أرضكم بسحره﴾ فأشاروا عليه بتأخير أمره وأمر أخيه وجمع السحرة لمقاومته، وروي أنهم أشاروا بسجنه
وهو كان الإرجاء عندهم، و((الإرجاء)) التأخير ولم يشيروا بقتله لأن حجته نيرة وضلالتهم في ربوبية فرعون
مبينة فخشوا الفتنة وطمعوا أن يغلب بحجة تقنع العوام، و((الحاشر)) الجامع، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم
((بكل سحار))، وهو بناء المبالغة وقرأ عاصم أيضاً والأعمش ((بكل ساحر)).
قوله عز وجل:
فَجُمِعَ السَّحْرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴿ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمُ تُجْتَمِعُونَ ﴿ لَعَلَّنَ نَِّعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ
فَلَمَّا جَآءَالسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ ﴾ قَالَ نَعَمْ وَلِنَّكُمْ
٤٠
هُمُ الْغَلِينَ
فَأَلْقَوْحِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْبِعِزَّةِ
٤٣
قَالَ لَهُمْ قُوسَى أَلْقُوْمَآ أَنْتُ مُلْقُونَ
٤٢
إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَلِبُونَ
٤٤
((اليوم)) هو يوم الزينة، وقيل كان يوم كسر خليج النيل، فهو كان يوم الزينة على وجه الدهر بمصر،
وقال ابن زيد إن هذا الجمع كان بالإسكندرية، وقوله ﴿لعلنا نتبع السحرة﴾ ليس معناه نتبعهم في السحر
إنما أراد نتبعهم في نصرة ديننا وملتنا والإبطال على معارضتنا، وقرأ الأعرج وأبو عمرو ((أين لنا)) على
الاستفهام، وقرأ عيسى ((نعم)) بكسر العين، والتقريب الذي وعدهم به فرعون هو الجاه الزائد على العطاء
الذي طلبوه والقرب من الملك الذي كان عندهم إلههم، واختلف الناس في عدد السحرة، وقد ذكرنا ذلك
فيما تقدم، وكانوا مجموعين من مدائن مصر ريف النيل وهي كانت بلاد السحر الفرماء وأنصناء وغير ذلك
ومعظمهم كان من الفرماء، والحبال والعصي كانت أوقار إبل، وقولهم ﴿بعزة فرعون﴾ يحتمل وجهين
أحدهما القسم كأنهم أقسموا بعزة فرعون، كما تقول بالله إني لأفعل كذا وكذا، فكان قسمهم ﴿بعزة
فرعون﴾ غير مبرور، والآخر أن يكون على جهة التعظيم لفرعون إذ كانوا يعبدونه والتبرك باسمه كما تقول
ابتدأت بعمل شغل ﴿بسم الله﴾ ﴿وعلى بركة الله﴾. ونحو هذا.
قوله عز وجل :
فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَايَأْفِكُونَ ﴿فَأَلِفِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ ﴿ قَالُوَاْءَامَتَّابِرَبِّ الْعَلَمِينَ
(٤٧
قَالَ ءَامَنْتُمْلَهُ قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمْإِنَّهُ لَكَبِيُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَُّمُ السِّخْرَ
٤٨
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَبْدِيَّكُمْ وَأَرْ جُلَكُمْ مِنْ خِلَفٍ وَلَأُ صَلِبَتَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ قَالُواْلَا ضَيْرِِّنَّا إِلَى رَهْنَا
٥١
إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَنَآ أَنْ كُنَّا أَوَلَ الْمُؤْمِنِينَ
مُنْقَلِبُونَ ﴾
تقدم في غير هذه السورة ما ذكر الناس في عظم الحية حين ألقى موسى عصاه، وفي هذه الآيات
متروك كثير يدل عليه الظاهر، وقد ذكر في مواضع أخر وهي خوف موسى من ظهور سحرهم واسترهابهم
للناس وتخييلهم في حبالهم وعصيهم أنها تسعى بقصد، ثم إن الحية التي خلق الله في العصا التقمت تلك
:
٢٣١
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ٥٢ - ٦٢
الحبال والعصي عن آخرها وأعدمها الله تعالى في جوفها وعادت العصا إلى حالها حين أخذ موسى بالفرجة
التي في رأسها فأدخل يده في فمها فعادت عصا بإذن الله عز وجل. وقرأ جمهور القراء ((تَلَقّف)) بفتح التاء
خفيفة واللام وشدّ القاف، وقرأ حفص عن عاصم ((تلْقَف)» بسكون اللام وتخفيف القاف، وروى البزي
وفليح عن ابن كثير شد التاء وفتح اللام وشد القاف، ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يجلب همزة
الوصل وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة كما لا تدخل على أسماء الفاعلين، وقوله ﴿ما
يأفكون﴾، أي ما يكذبون معه وبسببه في قولهم إنها معارضة لموسى ونوع من فعله، والإفك الكذب، ثم
إن السحرة لما رأوا العصا، خالية من صناعة السحر ورأوا فيها بعد من أمر الله ما أيقنوا أنه ليس في قوة بشر
أذعنوا ورأوا أن الغنيمة هي الإيمان والتمسك بأمر الله عز وجل فسجدوا كلهم لله عز وجل مقرين بوحدانيته
وقدرته، ووصلوا إيمانهم بسبب موسى وهارون، وصرحوا بأن ذلك على أيديهما لأن قولهم ((رب العالمين))
مغن فلم يكرروا البيان في قولهم ﴿رب موسى وهارون﴾ إلا لما ذكرناه فلما رأى فرعون وملؤه إيمان السحرة
وقامت الحجة بإيمان أهل علمهم ومظنة نصرتهم وقع فرعون في الورطة العظمى، فرجع إلى السحرة بهذه
الحجة الأخرى، فوقفهم موبخاً على إيمانهم بموسى قبل إذنه، وفي هذه اللفظة مقاربة عظيمة وبعض
إذعان لأن محتملاتها أنهم لو طلبوا إذنه في ذلك أذن، ثم توعدهم بقطع الأيدي والأرجل ﴿من خلاف﴾
والصلب في جذوع النخل فقالوا له ﴿لا ضير﴾ أي لا يضرنا ذلك مع انقلابنا إلى مغفرة الله ورضوانه.
وروي أنه أنفذ فيهم ذلك الوعيد وصلبهم على النيل، قال ابن عباس أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء،
وقولهم ﴿أن كنا أول المؤمنين﴾ يريدون من القبط وصنيفتهم وإلا فقد كانت بنو إسرائيل آمنت، وقرأ الناس
((أن كنا)) بفتح الألف، وقرأ أبان بن تغلب ((إن)) بكسر الألف بمعنى أن طمعهم إنما هو بهذا الشرط.
قوله عز وجل :
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىّإِنَّكُ مُتَبَعُونَ ﴿ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ الْمَدَآبِنِ خَشِرِينَ (﴾ إِنَّ هَؤُلَاءٍ
٥٧
فَأَخْرَجْنَهُم مِّنِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
أَوَلِنَّهُمْ لَنَا لَّغَيِظُونَ (٢٥) وَإِنَّالَجَمِيمٌ حَذِرُونَ
لَشِرْ ذِمَةٌ قَلِيلُونَ ﴾ّ
فَلَمَّا تَرَّءَ
فَأَتْبَعُوهُم ◌ُشْرِقِين
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِي إِسْرَِّيَ
وكُنُوزِوَمَقَامِ كَرِيمٍ
٥٨
اُلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىَّ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّ سَيَهْدِينِ
٦٢
ثم إن الله عز وجل لما أراد إظهار أمره في نجاة بني إسرائيل وغرق فرعون وقومه أمر موسى أن يخرج
بني إسرائيل ليلاً من مصر، وأخبر أنهم سيتبعون وأمره بالسير تجاه البحر، وأمره بأن يستعير بنو إسرائيل
حلي القبط وأموالهم وأن يستكثروا من أخذ أموالهم كيف ما استطاعوا هذا فيما رواه بعض المفسرين، وأمره
باتخاذ خبز الزاد، فروي أنه أمر باتخاذه فطيراً لأنه أبقى وأثبت، وروي أن الحركة أعجلتهم عن اختمار خبز
الزاد، وخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل سحراً فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر،
فكان الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق فيقول موسى هكذا أمرت، فلما أصبح فرعون وعلم
بسرى موسى ببني إسرائيل خرج في أثرهم وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه العساكر، فروي أنه لحقه ومعه
٢٣٢
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ٥٢ - ٦٢
ستمائة ألف أدهم من الخيل حاشى سائر الألوان، وروي أن بني إسرائيل كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً قاله
ابن عباس والله أعلم بصحته، وإنما اللازم من الآية الذي يقطع به أن موسى عليه السلام خرج بجمع عظيم
من بني إسرائيل وأن فرعون تبعه بأضعاف ذلك العدد، قال ابن عباس كان مع فرعون ألف جبار كلهم عليه
تاج وكلهم أمير خيل، و((الشرذمة)) الجمع القليل المحتقر، وشرذمة كل شيء بقيته الخسيسة وأنشد أبو
عبيدة: ((تخذين في شراذم النعال)).
وقال الآخر: [الرجز]
شراذم يضحك منها النواق
جاء الشتاء وقميصي أخلاق
وقوله ﴿لغائظون﴾ يريد بخلافهم الأمر وبأخذهم الأموال عارية وتفلتهم منهم تلك الليلة على ما
روي، قال أبو حاتم، وقرأ من لا يؤخذ عنه ((لشر ذمة قليلون)) وليست هذه موثوقة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
«حذرون) وهو جمع حذر وهو المطبوع على الحذر وهو هاهنا غير عامل، وکذلك هو في قول أبي أحمر:
[السريع]
هل ينسئن يومي إلى غيره أنى حوالى وإنسي حذر
واختلف في عمل فعل فقال سيبويه إنه عامل وأنشد: [الكامل]
ما ليس منجيه من الأقدار
حذر أموراً لا تضير وآمن
وادعى اللاحقي تدليس هذا البيت على سيبويه، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ((حاذرون))
وهو الذي أخذ يحذر، وقال عباس بن مرداس: [الوافر]
إلى أوصال نيال صنيع
وإني حاذر أنهي سلاحي
وقرأ ابن أبي عمارة وسميط بن عجلان ((حادرون)) بالدال غير منقوطة من قولهم عين حدرة أي معينة
فالمعنى ممتلئون غضباً وأنفة، والضمير في قوله ﴿فأخرجناهم﴾ عائد على القبط، و((الجنات والعيون))
بحانتي النيل في أسوان إلى رشيد قاله ابن عمر وغيره، و((الكنوز)) قيل هي إشارة إلى الأموال التي احتجنوها
قال مجاهد لأنهم لم ينفقوها قط في طاعة، وقيل هي إشارة إلى كنوز المعظم ومطالبه وهي باقية إلى اليوم،
((والمقام الكريم» قال ابن لهيعة هو الفيوم، وقيل يعني به المنابر، وقيل مجالس الأمراء والحكام، وقال
النقاش المساكن الحسان، وقرأ الأعرج وقتادة بضم الميم من ((مُقام))، وتوريث بني إسرائيل يحتمل
مقصدين: أحدهما أنه تعالى ورثهم هذه الصفة من أرض الشام، والآخر أنه ورثهم مصر ولكن بعد مدة
طويلة من الدهر قاله الحسن، على أن التواريخ لم تتضمن ملك بني إسرائيل في مصر و ﴿مشرقين﴾،
معناه عند شروق الشمس، أي حين دخلوا فيه، وقيل معناه نحو الشرق، وقرأ الحسن ((فاتّبعوهم)) بصلة
الألف وشد التاء، والجمهور على قطع الألف وسكون التاء، فلما لحق فرعون بجمعه جمع موسى وقرب
منهم ورأت بنو إسرائيل العدد القوي وراءهم والبحر أمامهم ساءت ظنونهم وقالوا لموسى عليه السلام على
جهة التوبيخ والجفاء ﴿إنا لمدركون﴾ أي هذا رأيك، فرد عليهم قولهم وزجرهم وذكر وعد الله له بالهداية
٢٣٣
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ٦٣ - ٦٨
والظفر، وقرأ الجمهور ((إنا لمدركون))، وقرأ الأعرج وابن عمير (إنا لمدَرّكون)) بفتح الدال وشدّ الراء ومعناها
يتتابع علينا حتى نفنى، وقرأ حمزة ((تريءَ الجمعان)) بكسر الراء بمد ثم بهمز، وروي مثله عن عاصم،
وروي أيضاً عنه مفتوحاً ممدوداً، والجمهور يقرؤونه مثل تداعى وهذا هو الصواب، لأنه تفاعل، قال أبو
حاتم وقراءة حمزة في هذا الحرف محال، وحمل عليه، قال وما روي عن الأعمش وابن وثاب خطأ .
قوله عز وجل :
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىّ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَالَ الْبَحْرِ فَانِفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْرِ الْعَظِيمِ ﴾ وَأَزْلَفْنَاثَمَّ
اَلْآَخَرِينَ ﴿ وَأَنَجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ: أَجْمَعِينَ ﴿هُ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَ يَةً وَمَا كَانَ
أَكْثَرُهُمْ تُؤْمِنِينَ ﴿ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
٦٨
لما عظم البلاء على بني إسرائيل أمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه، وذلك لأنه عز وجل أراد أن
تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل فعله وإلا فضرب العصا ليس بفالق للبحر ولا معين على ذلك بذاته
إلا بما اقترن به من قدرة الله واختراعه، ولما انفلق البحر صار فيه اثنا عشر طريقاً على عدد أسباط بني
إسرائيل، ووقف الماء ساكناً كالجبل العظيم، وروي عن ابن جريج والسدي وغيرهما أن بني إسرائيل ظن
كل فريق منهم أن الباقي قد غرق، فأمر الله الماء فصار كالشراجب والطيقان وراء بعضهم بعضاً فتأنسوا
﴿وأزلفنا﴾ معناه قربنا، وقرأ ابن عباس عن أبي بن كعب ((وأزلقنا)) بالقاف ونسبها أبو الفتح إلى عبد الله بن
الحارث، وقرأ أبو حيوة والحسن ((زلفنا)) بغير ألف وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر وقد دخل بنو
إسرائيل قيل إنه صمم ومخرق، بأن قال لي انفرق، فدخل على ذلك، وقيل بل كع وهم بتدبير الانصراف
فعرض جبريل على فرس وديق فمضى وراءه حصان فرعون، فدخل على نحو هذا وتبعه الناس، وروي أن
الله تعالى جعل ملائكة تسوق قومه حتى حصولهم في البحر، ثم إن موسى وقومه خرجوا إلى البر من تلك
الطرق ولما أحسوا باتباع فرعون وقومه فزعوا من أن يخرج وراءهم، فهم موسى بخلط البحر فحينئذ قيل
له، اترك البحر رهواً، ولما تكامل جند فرعون وهو مقدمهم بالخروج انطبق عليهم البحر وغرقوا، ودخل
موسى عليه السلام البحر بالطول. وخرج في الضفة التي دخل منها بعد مسافة وكان بين موضع دخوله
وموضع خروجه أوعار وجبال ولا تسلك إلا على تخليق الأيام، وكان ذلك في يوم عاشوراء، وقال النقاش
البحر الذي انفلق لموسى نهر النيل بين إيلة ومصر.
قال القاضي أبو محمد: وهذا مردود إن شاء الله، وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك﴾ تنبيه على موضع
العبرة، وقوله ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ أي عز في نقمته من الكفار ورحم المؤمنين من كل أمة وقد
مضى كثير مما يلزم من قصة موسى عليه السلام.
قوله عز وجل:
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ، مَاتَعْبُدُونَ
وَأَقْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْزَهِيمَ
v.
قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامَا فَنَظَلُّ لَا
٢٣٤
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ٦٩ - ٨٧
قَالُواْبَلْ وَجَدْنَاءَابَآَنَا
٧٣
أَوْيَنفَعُونَكُمْ أَوْنَضُرُونَ
٧٢
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ
عَكِفِینَ
قَالَ أَفَرَءَ يْتُمُ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
®] فَإِنَهُمْ
أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
عَدُوٌّلِي إِلََّ رَبَّ الْعَلَمِينَ
هذه القصة تضمنت الإعلام بغيب والإيمان بما قطع أن محمداً عليه السلام لم يكن يعرفه ثم ظهر
على لسانه في ذلك ما في الكتب المتقدمة، وليست هذه الآية مثالاً لقريش إلا في أمر الأصنام فقط لأنه
ليس فيها تكذيب وعذاب، وقول إبراهيم عليه السلام ﴿ما تعبدون﴾ استفهام بمعنى التقرير، والصنم ما
كان من الأوثان على صورة ابن آدم من حجر أو عود أو غير ذلك، و((نظل)) عرفها في فعل للشيء نهاراً وبات
عرفها في فعله ليلاً، وطفق عامة للوجهين، ولكن قد تجيء ظل بمعنى العموم وهذا الموضع من ذلك،
و((العكوف)) اللزوم، ومنه المعتكف، ومنه قول الراجز: ((عكف النبيط يلعبون الفنزجا)). ثم أخذ إبراهيم
عليه السلام يوقفهم على أشياء يشهد العقل أنها بعيدة من صفات الله، وقرأ الجمهور بفتح الياء من
(يسمعونكم))، وقرأ قتادة بضمها من أسمع وبكسر الميم والمفعول على هذه القراءة محذوف، وقرأ جماعة
من القراء ﴿إِذ تدعون﴾ بإظهار الذال والتاء، وقرأ الجمهور ﴿إذ تدعون﴾ بإدغام الذال في التاء بعد القلب
ويجوز فيه قياس مذكر، ولم يقرأ به وطرد القياس أن يكون اللفظ به (إذ ددعون)) والذي منع من هذا اللفظ
اتصال الدال الأصلية بالفعل فكثرت المماثلات، وقولهم بل ﴿وجدنا آباءنا كذلك يفعلون﴾، أقبح وجوه
التقليد لأنه على ضلالة وفي أمر بين خلافه وعظيم قدره، فلما صرحوا لإبراهيم عليه السلام عن عدم
نظرهم وأنه لا حجة لهم خاطبهم ببراءته من جميع ما عبد من دون الله وعداوته لذلك وعبر عن بغضته
واطراحه لكل معبود سوى الله تعالى بالعداوة إذ هي تقتضي التغيير ومحو الرسم، وقيل في الكلام قلب لأن
الأصنام لا تعادي وإنما هو عاداها، وقوله ﴿إلا رب العالمين﴾ قالت فرقة هو استثناء متصل لأن في بغضته
الأقدمين من قد عبد الله، وقالت فرقة هو استثناء منقطع لأنه إنما أراد عبادة الأوثان من كل قرن منهم، ولفظة
﴿عدو﴾ تقع للجميع والمفرد والمؤنث والمذكر.
قوله عز وجل :
الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَدِينِ (٩) وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُِ وَيَسْقِينٍ (٦) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ نَشْفِيْنِ ﴾ وَالَّذِى
وَالَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَشَتِ يَوْمَ الدِّينِ (١) رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا
٨١
يُمِتُنِ ثُمَ يُحْيِينٍ(
وَأَلْحِقْنِىِ بِالصَّلِحِينَ ﴿ وَأَجْعَل ◌ِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْأَخِينَ (٨) وَأَجْعَلْنِ مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
١٠
٠٠٠٪
أَوَأَغْفِرْ لِأَبِىَ إِنَُّ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٦هـ
٨٧
أَوَلَا تُخْرِفِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ
٨٥
أتى إبراهيم عليه السلام في هذه الأوصاف التي وصف الله عز وجل بها بالصفات التي المتصف بها
يستحق الألوهية وهي الأوصاف الفعلية التي تخص البشر، ومنها يجب أن يفهم ربه عز وجل وهذا حسن الأدب
٢٣٥
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ٨٨ - ٩٥
في العبارة، والكل من عند الله تعالى، وقوله ﴿يطعمني ويسقين) تعديد للنعمة في الرزق، وقال أبو بكر
الوراق في كتاب الثعلبي يطعمني بلا طعام ويسقيني بلا شراب، كما قال النبي عليه السلام ((إني أبيت عند
ربي يطعمني ويسقين، وأسند إبراهيم المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله عز وجل. وهذا حسن الأدب في
العبارة والكل من عند الله تعالى، وهذا كقول الخضر عليه السلام: فأردت أن أعيبها. وقال جعفر الصادق
إذا مرضت بالذنوب شفاني بالتوبة، وقرأ الجمهور هذه الأفعال ((يهدين)) بغير ياء، وقرأ نافع وابن أبي
إسحاق ((يهدين))، وكذلك ما بعده وأوقف عليه السلام نفسه على الطمع في المغفرة وهذا دليل على شدة
خوفه مع منزلته وخلته، وقوله ﴿خطيئتي﴾، ذهب فيه أكثر المفسرين إلى أنه أراد كذباته الثلاث، قوله هي
أختي في شأن سارة، وقوله ﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله ﴿بل فعله كبيرهم﴾ [الأنبياء: ٦٣]،
وقالت فرقة أراد بـ ((الخطيئة)) اسم الجنس فدعا في كل أمره من غير تعيين.
قال القاضي أبو محمد: وهذا أظهر عندي لأن تلك الثلاث قد خرجها كثير من العلماء على
المعارض، وهي وإن كانت كذبات بحكم قول النبي صلى الله عليه وسلم لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث
كذبات، وبحكم ما في حديث الشفاعة من قوله في شأن إبراهيم نفسي نفسي فهي في مصالح وعون شرع وحق،
وقرأ الجمهور ((خطيئتي)) بالإفراد، وقرأ الحسن ((خطاياي)) بالجمع، و((الحكم)) الذي دعا فيه إبراهيم هو
الحكمة والنبوة، ودعاء إبراهيم في مثل هذا هو في معنى التثبيت والدوام. و((لسان الصدق)) في الآخرين
هو الثناء وخلد المكانة بإجماع من المفسرين، وكذلك أجاب الله دعوته، فكل ملة تتمسك به وتعظمه وهو
على الحنيفية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، قال مكي وقيل معنى سؤاله أن يكون من ذريته في
آخر الزمان من يقوم بالحق فأجيبت الدعوة في محمد صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى حسن إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم على اللفظ، واستغفاره
لأبيه في هذه الآية هو قبل أن تبين له بموته على الكفر أنه عدو الله، أي محتوم عليه وهو عن الموعدة
المذكورة في غير هذه الآية، وفي قراءة أبي بن كعب ((واغفر لي ولأبوي إنهما كانا من الضالين)).
قوله عز وجل :
٠َ وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ
إِلََّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ () وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ
لا
٨٨
يَوْمَلَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
جَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْيَنْنَصِرُونَ ﴿ فَكُبْكِبُواْفِيهَا
لِلْغَاوِينَ ﴿ وَقِيلَ لَمْأَيْنَ مَا كُمْ تَعْبُدُونَ
هُمْ وَالْغَاُونَ ( وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (
٩٥
﴿يوم﴾ بدل من الأولى في قوله ﴿يوم يبعثون﴾ [الشعراء: ٨٧] والمعنى يوم لا ينفع إعلاق بالدنيا
ومحاسنها فقصد من ذلك العظم والأكثر لأن المال والبنين هي زينة الحياة الدنيا، وقوله ﴿بقلب سليم﴾
معناه خالص من الشرك والمعاصي، وعلق الدنيا المتروكة وإن كانت مباحة كالمال والبنين، قال سفيان هو
الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيء غيره.
قال القاضي أبو محمد: وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكن السليم من الشرك هو الأهم، وقال الجنيد.
٢٣٦
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ٩٦ - ١٠٤
بقلب لديغ من خشية الله والسليم اللديغ، ﴿وأزلفت﴾ معناه قربت، و ((الغاوون)) التي برزت لهم الجحيم
هم المشركون بدلالة أنهم خوطبوا في أمر الأصنام، والقول لهم ﴿أين ما كنتم تعبدون من دون الله﴾ هو
على جهة التقريع والتوبيخ والتوقيف على عدم نصرتهم نحوه، وقرأ الأعمش ((فبرزت)) بالفاء والجمهور
بالواو، وقرأ مالك بن دينار ((وبرَزَت)) بفتح الراء والزاي ورفع («الجحيمُ))، ثم أخبر عن حال يوم القيامة من
أن الأصنام تكبكب في النار أي تلقى كبة واحدة ووصل بها ضمير من يعقل من حيث ذكرت بعبادة، وكانت
يسند إليها فعل من يعقل، وقيل الضمير في قوله ﴿هم﴾ للكفار، و﴿الغاوون) الشياطين، و ((کبکب))
مضاعف من كب هذا قول الجمهور وهو الصحيح لأن معناها واحد، والتضعيف في الفعل بين مثل صر
وصرصر وغير ذلك، و﴿الغاوون﴾ الكفرة الذين شملتهم الغواية، و﴿جنود إبليس﴾ نسله وكل من يتبعه
لأنهم جند له وأعوان.
قوله عز وجل :
إِذْ نُسَوْيَكُمْ بِرَبِ الْعَلَمِينَ الثَّوَمَآ
تَأَللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {
٩٦
قَالُواْوَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ
أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ ﴿٣] وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴿ فَلَوْأَنَ لَنَاكَرَّةً فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
١٠٤
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنَ (3) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
١٠٢
ثم وصف تعالى أن أهل النار ﴿يختصمون﴾ فيها ويتلاومون ويأخذون في شأنهم بجدال، ومن جملة
قولهم لأصنامهم على جهة الإقرار وقول الحق قسم ﴿تالله إن کنا﴾ إلا ضالین في أن نعدكم ونجعلكم سواء
مع الله تعالى الذي هو رب العالمين وخالقهم ومالكهم، ثم عطفوا يردون الملامة على غيرهم أي ما أضلنا
إلا كبراؤنا وأهل الجرم والجرأة والمكانة، ثم قالوا على جهة التلهف والتأسف حين رأوا شفاعة الملائكة
والأنبياء والعلماء نافعة في أهل الإيمان عموماً، وشفاعة الصديق في صديقه خاصة ﴿فما لنا من شافعين ولا
صديق حميم) وفي هذه اللفظة منبهة على محل الصديق من المرء، قال ابن جريج ﴿شافعين﴾ من
الملائكة و﴿صديق﴾ من الناس.
قال القاضي أبو محمد: ولفظة ((الشفيع)) تقتضي رفعة مكانه، ولفظ ((الصديق)) يقتضي شدة مساهمة
ونصرة، وهو فعيل من صدق الود، و((الحميم)) الولي والقريب الذي يخصك أمره ويخصه أمرك وحامة
الرجل خاصته وباقي الآية بين قد مضى .
قال القاضي أبو محمد: وهذه الآيات من قوله تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون﴾ [الشعراء: ٨٨]
هي عندي منقطعة من كلام إبراهيم عليه السلام وهي إخبار من الله عز وجل، تعلق بصفة ذلك اليوم الذي
وقف إبراهيم عليه السلام عنده في دعائه أن لا يخزى فيه.
قوله عز وجل :
﴿ إِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (١٦) فَأَتَّقُواْ اللَّهَ
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِالْمُرْسَلِينَ (٣٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْنُوعُ أَلَ نَنَّقُونَ
٢٣٧
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ١٠٥ - ١٢٢
وَأَطِيعُونِ﴿٢) وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ إِنْ أَجْرِىَ إِلََّ عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿٣) فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١٨) قَالَ وَ مَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٢) إِنْ حِسَابُهُمْإِلََّ عَ رَبٍ
◌َ قَالُواْلَيِن لَّمْتَنْتَهِ يَنُوُ لَتَكُونَنَّ مِنَ
١١٥
لَوْتَشْعُرُونَ () وَمَآ أَنَأْ بِطَارِدِلْمُؤْمِنِينَ (١) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيْرٌ مُبِينٌ
فَافْتَحْ بَيِّ وَبَّنَهُمْ فَتْحًا وَّجْنِى وَمَن مَعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
اَلْمَرْجُومِينَ ) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ ◌َ
(٨) فَنجَيْنَهُ وَمَن مَّعَلُ فِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٦) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (٤) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَاكَانَ
١٢٢
أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٦) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
أسند ﴿كذبت﴾ إلى ((القوم)) وفيه علامة التأنيث من حيث القوم في معنى الأمة والجماعة، وقوله
﴿المرسلين﴾ من حيث من كذب نبياً واحداً، كذب جميع الأنبياء إذ قولهم واحد ودعوتهم سواء، وقوله
﴿أخوهم﴾ يريد في النسب والمنشأ لا في الدين، و﴿أمين﴾ معناه على وحي الله ورسالته، وقرأ ابن كثير
وعاصم ((أجري)) ساكنة الياء، وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة بفتح الياء في كل القرآن، ثم رد عليهم الأمر
بالتقوى والدعاء إلى طاعته تحذيراً ونذارة وحرصاً عليهم فذهب أشرافهم إلى استنقاص أتباعه بسبب صغار
الناس الذين اتبعوه وضعفائهم، وهذا كفعل قريش في شأن عمار بن ياسر وصهيب وغيرهما، وقال بعض
الناس ﴿الأرذلون﴾ الحاكة، والحجامون والأساكفة، وفي هذا عندي على جهة المثال أي أهل الصنائع
الخسيسة لا أن هذه الصنائع المذكورة خصت بهذا، و﴿الأرذلون﴾ جمع الأرذل ولا يستعمل إلا معرفاً أو
مضافاً أو بـ ((من)).
قال القاضي أبو محمد: ويظهر من الآية أن مراد (قوم نوح﴾ بنسبة الرذيلة إلى المؤمنين تهجين
أفعالهم لا النظر في صنائعهم، يدل على ذلك قول نوح ﴿ما علمي) الآية، لأن معنى كلامه ليس في نظري
وعلمي بأعمالهم ومعتقداتهم فائدة إنما أقنع بظاهرهم وأجتزىء به، ثم حسابهم على الله تعالى، وهذا نحو
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أمرت أن أقاتل الناس)) الحديث بجملته، وقرأ جمهور الناس
((اتبعك)) على الفعل الماضي، وقرأ ابن السميفع اليماني وسعيد بن أسعد الأنصاري ((وأتباعك)) على
الجمع، ونسبها أبو الفتح إلى ابن مسعود والضحاك وطلحة، قال أبو عمرو وهي قراءة ابن
عباس والأعمش وأبي حيوة، وقرأ عيسى بن عمر الهمذاني ((لو يشعرون)) بالياء من تحت، وإعراب
قوله ((وأتباعك)) إما جملة في موضع الحال وإما عطف على الضمير المرفوع وحسن لك الفصل بقوله
﴿لك﴾، وقولهم ﴿من المرجومين﴾، يحتمل أن يريدوا بالحجارة، ويحتمل أن يريدوا بالقول والشتم
ونحوه، وهو شبيه برجم الحجارة، وهو من الرجم بالغيب والظن ونحو ذلك، وقوله ﴿افتح﴾ معناه احكم،
والفتاح القاضي بلغة يمنية، و﴿الفلك﴾ السفينة وجمعها فلك أيضاً، وقد تقدم بسط القول في هذا الجمع
في سورة الأعراف، و﴿المشحون﴾ معناه المملوء بما ينبغي له من قدر ما يحمل، وباقي الآية بين.
٢٣٨
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ١٢٣ - ١٤٠
قوله عز وجل:
فَأَنَّقُوا اللَّهَ
١٢٥
أَإِ لَكُ رَسُولُّ أَمِينٌ
إِذْقَالَ لَهُمْأَخُوُهُمْ هُوََّ أَلَا نَتَّقُونَ
١٢٣
كَذَّبَتْ عَدُّالْمُرْسَلِينَ
وَأَطِيعُونِ ﴿ وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّإِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (٢٦) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةٌ
! وَ إِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ () فَاتَّقُواْ اللَّهَ
١٢٩
تَعْبَئُونَ (١٦) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ لاَ
أوَ حَتَّتٍ وَعُيُونٍ () إِّ
١٣٢
وَأَطِيعُونِ ) وَأَتَّقُواْالَّذِىّ أَمَذَّكُمْبِمَا تَعْلَمُونَ (١٣) أَمَذَّكُمْ بِأَنْعَمٍ وَبَنِينَ
] قَالُواْ سَوَاءُ عَلَيْنَا أَوَ عَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَعِظِينَ : إِنْ
١٣٥
أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمِعَظِيمٍ
هَذَآ إِلَّا خُلُقُ اُلْأَ وَّلِينَ (٣) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣) فَكَذَّبُوُهُ فَأَ هْلَكْنَهُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَ كْثَرُهُم
مُؤْمِنِينَ (٣٦) وَإِنَّرَبَّكَ لَهُوَاْلْعَزِيزُالرَّحِيمُ
١٤٠
﴿عاد﴾ قبيلة، وانصرف للخفية، وقيل هو اسم أبيهم وخاطبهم ﴿هود﴾ عليه السلام بمثل مخاطبة
سائر الرسل، ثم كلمهم فيما انفردوا به من الأفعال التي اقتضتها أحوالهم فقال ﴿أتبنون﴾ على جهة
التوبيخ، ((والريع)) المرتفع من الأرض، ومنه قول المسيب ابن عباس يصف ظعناً: [الكامل]
في الآل يخفضها ويرفعها ريع يلوح كأنَّه سحل
والسحل الثوب الأبيض ومنه قول ذي الرمة: [الطويل]
ندى ليله في ريشه يترقرق،
طراق الخوافي مشرق فوق ريعة
ومنه قول الأعشى : [المتقارب]
إذا خب في ريعها آلها
وبهماء قفر تجاوزتها
ويقال ((ربع)) بكسر الراء ويقال ((ريع)) بفتحها، وبها قرأ ابن أبي عبلة وعبر بعض المفسرين عن الربع
بالطريق وبعضهم بالفج وبعضهم بالثنية الصغيرة.
قال القاضي أبو محمد: وجملة ذلك أنه المكان المشرف وهو الذي يتنافس البشر في مبانيه،
و((الآية))، البنيان، قال ابن عباس آية علم، قال مجاهد أبراج الحمام، قال النقاش وغيره القصور الطوال،
و((المصانع)) جمع مصنع وهو ما صنع وأتقن في بنائه من قصر مشيد ونحوه، قال قتادة
هي ما خد للماء، وقوله ﴿لعلكم تخلدون﴾ إما أن يريد على أملكم ورجائكم، وإما أن يريد الاستفهام
على معنى التوبيخ والهزء بهم، وقرأ الجمهور ((تَخلُّدون)) بفتح التاء وضم اللام، وقرأ قتادة ((تُخلَدون)) بضم
التاء وفتح اللام يقال خلد الشيء وأخلده غيره وقرأ أبي وعلقمة ((لعلكم تُخلِّدون)) بضم التاء وفتح الخاء
وفتح اللام وشدّها، وروي عن أبي، ((كأنكم تخلدون)) وروي عن ابن مسعود ((كي تخلدون))، و ((البطشم
الأخذ بسرعة وقوة، و((الجبار)) المتكبر، ومنه قولهم نخلة جبارة إذا كانت لا تدرك علواً.
٢٣٩
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ١٤١ - ١٥٩
ومنه قوله عليه السلام في المرأة التي أبت أن تتنحى عن طريقه ((إنها جبارة))، ومنه الجبروت فالمعنى
أنكم كفار الغضب، لكم السطوات المفرطة، والبوادر من غير تثبت، ثم ذكرهم عليه السلام بأيادي الله
قبلهم فيما منحهم من الأنعام والذرية والجنات والمياه المطردة فيها، ثم خوفهم عذاب الله تعالى في الدنيا
فكانت مراجعتهم أن سووا بين وعظه وتركه الوعظ، وقرأ ابن محيصن ((أوعت)) بإدغام الظاء في التاء، ثم
قالوا ﴿إن هذا إلا خلق الأولين﴾، واختلفت القراءة في ذلك، فقرأ نافع وعاصم وحمزة وابن عامر ((خلُق))
بضم اللام فالإشارة بهذا إلى دينهم وعبادتهم وتخرقهم في المصانع، أي هذا الذي نحن عليه خلق الناس
وعادتهم وما بعد ذلك بعث ولا تعذيب كما تزعم أنت، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي وأبو قلابة (خُلْق
الأولين)) بضم الخاء وسكون اللام ورواها الأصمعي عن نافع، وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو ((وخَلْق الأولين))
بفتح الخاء وسكون اللام وهي قراءة ابن مسعود وعلقمة والحسن، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما وما هذا
الذي تزعمه إلا اختلاق الأولين من الكذبة قبلك وكذبهم فأنت على منهاجهم، والثاني أن يريدوا وما هذه
البنية التي نحن عليها إلا البنية التي عليها الأولون حياة وموت وما ثم بعث ولا تعذيب، وكل معنى مما ذكرته
تحتمله كل قراءة، وروى علقمة عن ابن مسعود ((إلا اختلاق الأولين)) وباقي الآية قد مضى تفسيره.
قوله عز وجل :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ
جوزيه
﴿ فَاتَّقُواْ
إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَلِحٌ أَلَا نَتَّقُونَ (٢) إِى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
١٤١
اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٨) وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِىِ مَّاهَهُنَآ
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ
١٤٨
وَزُرُوعِ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ
ءَامِنِينَ ﴿ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ◌َ
اُلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ
١٥١
وَلَا تُطِيعُواْ أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ
١٥٠
﴿ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِعُونِ
◌ُتَافَرِهِينَ
مَا أَنْتَ إِلَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِشَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ
١٥٣
قَالُواْإِنَّمَا أَنَتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ
١٥٢
وَلَا يُصْلِحُونَ
قَالَ هَذِهِ،نَاقَةٌ لََّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (٤) وَلَا تَمَنُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَكُمْ
(١٥٤)
الصَّدِقِينَ !
فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوْ نَدِمِينَ
عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ!
فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا
١٥٧
١٥٩
﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِزُ الرَّحِيمُ
كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
﴿ثمود﴾ قبيلة عربية وتصرف على مقصد الحي أو القبيلة، وقرأ بالوجهين، الجمهور بغير صرف
وابن وثاب وغيره بالصرف، و﴿صالح﴾ أخوهم في النسب والأنبياء من العرب أربعة هود وصالح وشعيب
ومحمد عليهم السلام، وإسماعيل عليه السلام عربي اللسان سرياني النسب وهو أبو العرب الموجودين
اليوم، وقوله ﴿أتتركون في ما هاهنا﴾ تخويف لهم بمعنى أتطمعون أن تقروا في النعم على معاصيكم،
و((الهضيم)) معناه اللين الرطب و((الطلع)) الكفرى وهو عنقود التمر قبل أن يخرج من الكم في أول نباته
فكأن الإشارة إلى أن طلعها يثمر ويرطب، قال ابن عباس إذا أينع وبلغ فهو﴿هضيم﴾ وقال الزهري
٢٤٠
تفسير سورة الشعراء / الآيات: ١٤١ - ١٥٩
((الهضيم)) الرخص اللطيف أول ما يخرج، وقال الزجاج هو فيما قيل الذي رطبه بغير نوى، وقال الضحاك
((الهضيم)) معناه المنضد بعضه على بعض.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور ((تنحتون)) بكسر الحاء، وقرأ عيسى بفتحها،
وذكر أنها لغة قال أبو عمرو وهي قراءة الحسن وأبي حيوة، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر
((فارهين)) وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ((فرهين))، وقرأ مجاهد
(متفرهين)) على وزن متفعلين، واللفظة مأخوذة من الفراهة وهي جودة منظر الشيء وخبرته وقوته وكماله في
نوعه فمعنى الآية كيسين متهممين قاله ابن عباس، وقال مجاهد شرهين. وقال ابن زيد أقوياء وقال أبو
عمرو بن العلاء آشرين بطرين، وذهب عبد الله بن شداد إلى أنه بمعنى مستفرهين أي مبالغين في استجادة
الفاره من كل ما تصنعونه وتشتهونه، وقوله ﴿ولا تطيعوا أمر المسرفين) خاطب به جمهور قومه وعنی،
بـ ﴿المسرفين﴾ كبراءهم وأعلام الكفر والإضلال فيهم، وقولهم ﴿من المسحرين﴾ فيه تأويلان: أحدهما
مأخوذ من السَّحر بكسر السين أي قد سحرت فأنت لذلك مخبول لا تنطق بقويم، والثاني أنه مأخوذ من
السِّحر بفتح السين وهي الرئة وبسببها يقال انفتح سحره. وقيل السحر قصبة الرئة بما يتعلق بها من كبد
وغيره، أي أنت ابن آدم لا يصح أن تكون رسولاً عن الله، وما بعده في الآية يقوي هذا التأويل ومن اللفظة
قول لبيد: [الطويل]
فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر
ويقال للاغتداء التسحير ومنه قول امرىء القيس :
((ونسحر بالطعام وبالشراب))
ثم اقترحوا عليه («آية)) وروي أنهم اقترحوا خروج ناقة من جبل من جبالهم، وقصتها في هذه الآية
وجيزة وقد مضت مستوعبة، فلما خرجت الناقة ﴿قال﴾ لهم ﴿هذه ناقة لها شرب﴾، وهو الحظ من الماء،
وقرأ ابن أبي عبلة ((لها شُرب ولكم شُرب)) بضم الشين فيهما، وقد تقدم قصص ورود الناقة، و((السوء))
عقرها، وتوعدهم عليه بعذاب ظاهر أمره أنه أراد في الدنيا وكذلك استمر الوجود، ونسب ((عقرها)) إلى
جميعهم مع اختصاص قدار الأحمر بعقرها من حيث اتفقوا على ذلك رأياً وتدبيراً، وقوله ﴿فأصبحوا
نادمين﴾ لما ظهر لهم تغيير ألوانهم حسبما كان صالح أخبرهم ندموا، ورأوا أن الأمر على ما أخبر به حتى
نزل بهم العذاب، وكانت صيحة خمدت لها أبدانهم وانشقت قلوبهم وماتوا عن آخرهم وصبت عليهم
حجارة خلال ذلك.
قوله عز وجل :
﴿ إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ ◌ُوظٌ أَلَا نَتَّقُونَ ﴿ إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (١٣) فَأَنَّقُوا اللَّهَ
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِنَ
وَأَطِيعُونِ (٣) وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلََّ عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (١) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ
اٌلْعَلَمِينَ ﴿ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْرَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَحِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ﴿َ) قَالُواْلَيْنِ لَّمْ تَنْتَهِيَأُوُ