Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ تفسير سورة الأنبياء / الآيات: ٩٨ - ١٠٣ قوله عز وجل : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ثّ لَوْ كَانَ هَكَؤُلاءِ ءَالِهَةٌ مَّا وَرَدُوهَا وَكُلُّ فِيهَا خَلِدُونَ هذه مخاطبة لكفار مكة أي إنكم وأصنامكم ﴿حصب جهنم﴾ والحصب ما توقد به النار، إما لأنها تحصب به أي ترمى وإما أن تكون لغة في الحطب إذا رمي وأما قبل أن يرمى به فلا يسمى حصباً إلا بتجوز، وقرأ الجمهور ((حصَب)) بالصاد مفتوحة، وسكنها ابن السميفع وذلك على إيقاع المصدر موقع اسم المفعول، وقرأ علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعائشة وابن الزبير ((حطب جهنم)) بالطاء، وقرأ ابن عباس ((حضَب)) جهنم بالضاد منقوطة مفتوحة وسكنها كثير غيره، والحضب أيضاً ما يرمى به في النار لتوقد به والمحضب العود الذي تحرك به النار أو الحديدة أو نحوه ومنه قول الأعشى: [المتقارب] لتجعل قومك شتى شعوبا فلاتك في حربنا محضباً وقوله ﴿وما تعبدون﴾ يريد الأصنام وحرقها في النار على جهة التوبيخ لعابدها ومن حيث تقع ((ما)) لمن يعقل في بعض المواضع اعترض في هذه الآية عبد الله بن الزبعرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال إن عيسى وعزيراً ونحوهما قد عبدوا من دون الله فيلزم أن يكونوا حصباً لجهنم فنزلت ﴿إن الذين سبقت﴾ [الأنبياء: ١٠١] ثم قرر الأمر بالإشارة إلى الأصنام التي أرادها في قوله ﴿ما تعبدون﴾، فقال ﴿لو كان هؤلاء آلهة﴾ وعبر عن الأصنام بـ ﴿هؤلاء﴾ من حيث هي عندهم بحال من يعقل، و((الورود)) في هذه الآية ورود الدخول. قوله عز وجل : لَهُمْ فِيهَازَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ﴿ إِنَّالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَكَ ١٠٢ لا عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴿ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا آَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِّدُونَ ١٠٣ يَحْزُّنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَلَقَدِهُمُ الْمَلَبِكَةُ هَذَا يَوْ مُكُمُ الَّذِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ الضمير في ﴿لهم﴾ عائد على من يعقل ممن توعد، و((الزفير)) صوت المعذب وهو كنهيق الحمير، وشبهه إلا أنه من الصدر، وقوله: ﴿لا يسمعون﴾ قالت فرقة معناه لا يسمعون خيراً ولا ساراً من القول، وقالت فرقة إن عذابهم أن يجعلوا في توابيت في داخل توابيت أخرى فيصيرون هنالك لا يسمعون شيئاً ولما اعترض ابن الزبعرى بأمر عيسى ابن مريم وعزير نزلت ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ مبينة أن هؤلاء ليسوا تحت المراد لأنهم لم يرضوا ذلك ولا دعوا إليه، و﴿الحسنى﴾ يريد كلمة الرحمة والحتم بالتفضيل، و((الحسيس)) الصوت وهو بالجملة ما يتأدى إلى الحس من حركة الأجرام وهذه صفة لهم بعد دخولهم الجنة لأن الحديث يقتضي أن في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا جثا على ركبتيه، جـ ١٠٢ تفسير سورة الأنبياء / الآيتان: ١٠٤، ١٠٥ و﴿الفزع الأكبر﴾ عام في كل هول يكون في يوم القيامة فكأن يوم القيامة بجملته هو ﴿الفزع الأكبر) وإن خصص بشيء من ذلك فيجب أن يقصد لأعظم هوله، قالت فرقة في ذلك هو ذبح الموت، وقالت فرقة هو وقوع طبق جهنم على جهنم، وقالت فرقة هو الأمر بأهل النار إلى النار، وقالت فرقة هو النفخة الآخرة. قال القاضي أبو محمد: وهذا وما قبله من الأوقات أشبه أن يكون فيها ﴿الفزع﴾ لأنها وقت لترجم الظنون وتعرض الحوادث، فأما وقت ذبح الموت ووقوع الطبق فوقت قد حصل فيه أهل الجنة في الجنة فذلك فزع بين إلا أنه لا يصيب أحداً من أهل الجنة فضلاً عن الأنبياء، اللهم إلا أن يريد لا يحزنهم الشيء الذي هو عند أهل النار فزع أكبر، فأما إن كان فزعاً للجميع فلا بد مما قلنا من أنه قبل دخول الجنة وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ يعم كل مؤمن. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال عثمان منهم ع ولا مرية أنها مع نزولها في خصوص مقصود تتناول كل من سعد في الآخرة وقوله تعالى: ﴿وتتلقاهم الملائكة﴾ يريد بالسلام عليهم والتبشير لهم، أي هذا يومكم الذي وعدتم فيه الثواب والنعيم. قوله عز وجل : يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كُطَيِ السّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأَنَا أَوَلَ خَلْقِ تُعِيدٍُ وَعْدًا عَلَيْنَأَ إِنَا ١٠٤ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ كُتَافَعِلِين الصَّلِحُونَ ١٠٥ قرأت فرقة ((نطوي)) بنون العظمة، وقرأت فرقة ((يَطوي السماء)) بياء مفتوحة على معنى يطوي الله تعالى، وقرأ فرقة ((تُطوى السماءُ)) بتاء مضمومة ورفع ((السماءُ)) على ما لم يسم فاعله، واختلف الناس في ﴿السجل﴾ فقالت فرقة هو ملك يطوي الصحف، وقالت فرقة ﴿السجل﴾ رجل كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، ع وهذا كله وما شاكله ضعيف، وقالت فرقة ﴿السجل﴾ الصحيفة التي يكتب فيها، والمعنى ﴿كطي السجل﴾ أي كما يطوى السجل من أجل الكتاب الذي فيه، فالمصدر مضاف إلى المفعول ويحتمل أن يكون المصدر مضافاً إلى الفاعل، أي كما يطوي السجل الكتاب الذي فيه، فكأنه قال ﴿يوم نطوي السماء﴾ كالهيئة التي فيها طي السجل للكتاب، ففي التشبيه تجوز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((السّجْل)) بشد السين وسكون الجيم وتخفيف اللام وفتح أبو السمال السين فقرأ ((السَّجل)) وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير ((السُّجُل)) بضم السين وشدها وضم الجيم، وقرأ الجمهور ((للكتاب))، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ((للكتب)) وقوله تعالى: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون خبراً عن البعث أي كما اخترعنا الخلق أولاً على غير مثال كذلك ننشئهم تارة أخرى فنبعثهم من القبور، والثاني أن يكون خبراً عن أن كل شخص يبعث يوم القيامة على هيئته التي خرج بها إلى الدنيا، ويؤيد هذا التأويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده)) وقوله تعالى: ﴿كما بدأنا﴾ الكاف متعلقة بقوله ﴿نعيده﴾، وقوله ﴿إنا كنا فاعلين﴾ تأكيد للأمر بمعنى ١٠٣ تفسير سورة الأنبياء / الآيات: ١٠٦ - ١١٢ - أن الأمر واجب في ذلك، وقالت فرقة ﴿الزبور﴾ اسم يعم جميع الكتب المنزلة لأنه مأخوذ من زبرت الكتاب إذا كتبته، قالت هذه الفرقة و ﴿الذكر﴾ أراد به اللوح المحفوظ، وقال بعضهم ﴿الذكر﴾ الذي في السماء، وقالت فرقة ﴿الزبور﴾ هو اسم زبور داود، و﴿الذكر﴾ أراد به التوراة، وقالت فرقة ﴿الزبور﴾ ما بعد التوراة من الكتب، و﴿الذكر﴾ التوراة، وقرأ حمزة وحده ((الزُّبور)) بضم الزاي، وقالت فرقة ﴿الأرض﴾ أراد بها أرض الدنيا أي كل ما يناله المؤمنون من الأرض، وقالت فرقة أراد أرض الجنة، واستشهدت بقوله تعالى ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء﴾ [الزمر: ٧٤] وقالت فرقة إنما أراد بهذه الآية الإخبار عما كان صنعه مع بني إسرائيل أي فاعلموا أنا كما وفينا لهم بما وعدناهم فكذلك ننجز لكم ما وعدناكم من النصرة . قوله عز وجل : إِنَّ فِى هَذَا لَبَلَاغَّا لِّقَوْمٍ عَبِدِينَ ﴿ وَ مَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ ﴿ قُلْ إِنَّمَا يُوحَى صنے إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْفَقُلْءَاذَنْنُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيِبُّ أَمْ بَعِيدٌ مَّاتُوعَدُونَ ١٠٩ قالت فرقة الإشارة بقوله ﴿في هذا﴾ إلى هذه الآيات المتقدمة، وقالت فرقة الإشارة إلى القرآن بجملته، و((العبادة)) تتضمن الإيمان بالله تعالى، وقوله ﴿إلا رحمة للعالمين) قالت فرقة عم العالمين وهو يريد من آمن فقط، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس برحمة على من كفر به ومات على الكفر، وقالت فرقة ((العالمون)) عام ورحمته للمؤمنين بينة وهي للكفارين بأن الله تعالى رفع عن الأمم أن يصيبهم ما كان يصيب القرون قبلهم من أنواع العذاب المتسأصلة كالطوفان وغيره. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل الكلام أن يكون معناه ((وما أرسلنك للعالمين إلا رحمة)) أي هو رحمة في نفسه وهذا بين أخذ به من أخذ، وأعرض عنه من أعرض، وقوله تعالى ﴿آذنتكم على سواء﴾ معناه عرفتكم بنذارتي وأردت أن تشاركوني في معرفة ما عندي من الخوف عليكم من الله تعالى، ثم أعلمهم بأنه لا يعرف تعيين وقت لعقابهم بل هو مترقب في القرب والبعد وهذا أهول وأخوف. قوله عز وجل : إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ﴿ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَنَعُ ١١٢ إِلَى حِينٍ (١٨) قَلَ رَبِّ أَحْكُمُ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ الضمير في قوله ﴿إنه﴾ عائد على الله عز وجل، وفي هذه الآية تهديد أي يعلم جميع الأشياء الواقعة منكم وهو بالمرصاد في الجزاء عليها، وقرأ يحيى بن عامر ((وإن أدريّ لعله وإن أدريَ أقريب)) بفتح الياء فيهما وأنكر ابن مجاهد فتح هذه الياء ووجهه أبو الفتح، قوله ﴿لعله﴾ الضمير فيه عائد على الإملاء لهم ١٠٤ تفسير سورة الأنبياء / الآيات: ١١٠ - ١١٢ وصفح الله تعالى عن عذابهم وتمادي النعمة عليهم، و﴿فتنة﴾ معناه امتحان وابتلاء، و((المتاع))، ما يستمتع به مدة الحياة الدنيا، ثم أمره تعالى أن يقول على جهة الدعاء ﴿رب احكم بالحق﴾ والدعاء هنا بهذا فيه توعد، أي إن الحق إنما هو في نصرتي عليكم، وأمر الله تعالى له بهذا الدعاء دليل على الإجابة والعدة بها، وقرأت فقر ((رب احكم)) وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ((ربُّ)) بالرفع على المنادى المفرد وقرأت فرقة ((ربي أَحْكَمُ)) على وزن أفعل وذلك على الابتداء والخبر، وقرأت فرقة ((ربي أحْكُمُ)) على وزن أنه فعل ماض، ومعاني هذه القراءات بينة، ثم توكل في آخر الآية واستعان بالله تعالى، وقرأ جمهور القراء ((قل رب))، وقرأ عاصم فيما روي عنه ((قال رب))، وقرأ ابن عامر وحده ((يصفون)) بالياء، وقرأ الباقون والناس ((تصفون)) بالتاء من فوق على المخاطبة . : .2 ١٠٥ تفسير سورة الحج / الآيتان: ٢،١ بِسْمِ اللّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ سُورَةُ الحَّرج هذه السورة مكية سوى ثلاث آيات قوله ﴿هذان خصمان﴾ [الحج: ١٩] إلى تمام ثلاث آيات قاله ابن عباس ومجاهد، وروي أيضاً عن ابن عباس أنهن أربع آيات إلى قوله ﴿عذاب الحريق﴾ [الحج: ٩]، وقال الضحاك هي مدنية، وقال قتادة سورة الحج مدنية إلا أربع آيات من قوله ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ [الحج: ٥٢] إلى قوله ﴿عذاب يوم عقيم﴾ [الحج: ٥٥] فهن مكيات، وعدّ النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات، وقال الجمهور مختلطة فيها مكي ومدني وهذا هو الأصح والله أعلم لأن الآيات تقتضي ذلك. وروي عن أنس بن مالك أنه قال: نزل أول السورة في السفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى بها فاجتمع الناس إليه، فقال ((أتدرون أي يوم هذا؟)) فبهتوا، فقال: ((يوم يقول الله يا آدم أخرج بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين)) قال: فاغتم الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أبشروا فمنكم رجل ومن يأجوج ومأجوج ألف رجل)) الحديث. قوله عز وجل : يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْرَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَاتَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلَ ذَاتِ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَىْ وَمَاهُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ٢ صدر الآية تحذير لجميع العالم ثم أوجب الخبر وأكده بأمر ﴿زلزلة﴾ القيامة وهي إحدى شرائطها وسماها ((شيئاً)) إما لأنها حاصلة متيقن وقوعها فيستسهل لذلك أن تسمى شيئاً. وهي معدومة إذ اليقين بها يشبهها بالموجودات وأما على المآل أي هي إذا وقعت شيء عظيم فكأنه لم يطلق الاسم الآن بل المعنى أنها إذا كانت فهي حينئذ شيء عظيم، والزلزلة التحريك العنيف وذلك مع نفخة الفزع ومع نفخة الصعق حسبما تضمن حديث أبي هريرة من ثلاث نفخات ومن لفظ الزلزلة قول الشاعر: [الخفيف] الدهر فيه النكراء والزلزال يعرف الجاهل المضلل أن ١٠٦ تفسير سورة الحج / الآيتان: ٢٠١ فيحتمل أن تكون ((الزلزلة)) في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة كما قال تعالى ﴿مستهم البأساء والضراء وزلزلوا﴾ [البقرة: ٢١٤] وكما قال عليه السلام ((اللهم اهزمهم وزلزلهم))، والجمهور على أن ﴿زلزلة الساعة﴾ هي كالمعهودة في الدنيا إلا أنها في غاية الشدة، واختلف المفسرون في ((الزلزلة)) المذكورة هل هي في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم القيامة، أم هي في يوم القيامة على جميع العالم؟ فقال الجمهور هي في الدنيا والضمير في ﴿ترونها﴾ عائد عندهم على الزلزلة وقوى قولهم إن الرضاع والحمل إنما هو في الدنيا، وقالت فرقة ((الزلزلة)) في القيامة واحتجت بحديث أنس المذكور آنفاً إذ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية ثم قال ((إنه اليوم الذي يقول الله تعالى فيه لآدم أخرج بعث النار)). ع وهذا الحديث لا حجة فيه لأنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية المتضمنة ابتداء أمر الساعة ثم قصد في تذكيره وتخويفه إلى فصل من فصول يوم القيامة فنص ذكره وهذا من الفصاحة، والضمير عند هذه الفرقة عائد على ﴿الساعة﴾ أي يوم يرون ابتداءها في الدنيا، فيصح لهم بهذا التأويل أن لا يلزمهم وجود الرضاع والحمل في يوم القيامة ولو أعادوه على الزلزلة فسد قولهم بما يلزمهم، على أن النقاش ذكر أن المراد بـ ﴿كل ذات حمل﴾ من مات من الإناث وولدها في جوفها. ع وهذا ضعيف و((الذهول)) الغفلة عن الشيء بطريان ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره وقال ابن زيد المعنى تشرك ولدها للكرب الذي نزل بها، وقرأ ابن أبي عبلة ((تُذهِل)) بضم التاء وكسر الهاء ونصب ((كلَّ)) وألحق الهاء في ((مرضع)) لأنه أراد فاعلات ذلك في ذلك اليوم فأجراه على الفعل وأما إذا أخبرت عن المرأة بأن لها طفلًا ترضعه فإنما تقول مرضع مثل حامل قال علي بن سليمان هذه الهاء في ﴿مرضعة﴾ ترد على الكوفيين قولهم إن الهاء لا تكون فيما لا تلبس له بالرجال، وحكى الطبري أن بعض نحوبي الكوفة قال أم الصبي مرضعة، ﴿وترى الناس سكارى﴾ تشبيه لهم، أي من الهم، ثم نفى عنهم السكر الحقيقي الذي هو من الخمر قاله الحسن وغيره، وقرأ جمهور القراء ((سُكارى)) بضم السن وثبوت الألف وكذلك في الثاني وهذا هو الباب فمرة جعله سيبويه جمعاً ومرة جعله اسم جمع، وقرأ أبو هريرة بفتح السين فيهما وهذا أيضاً قد يجيء في هذه الجموع قال أبو الفتح هو تكسير، وقال أبو حاتم هي لغة تميم، وقرأ حمزة والكسائي ((سكرى)) في الموضعين، ورواه عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي قراءة ابن مسعود وحذيفة وأصحاب عبد الله، قال سيبويه وقوم يقولون ((سكرى)) جعلوه مثل مرضى لأنهما شيئان يدخلان على الإنسان، ثم جعلوا روبى مثل سكرى وهم المستثقلون نوماً من شرب الرائب، قال أبو علي ويصح أن یکون «سکری» جمع سکر کزمن وزمنی وقد حکی سیبویه رجل سکر بمعنی سکران فتجيء «سکری» حينئذ التأنيث الجمع كالعلامة في طائفة لتأنيث الجمع، وقرأ سعيد بن جبير ((وترى الناس سكرى وما هم بسُكارى)) بالضم والألف، وحكى المهدوي عن الحسن أنه قرأ الناس ((سكارى وما هم بسكرى))، وقرأ الحسن والأعرج وأبو زرعة بن عمرو بن جرير في الموضعين ((سُكرى)) بضم السين، قال أبو الفتح هو اسم مفرد كالبشرى وبهذا أفتاني أبو علي وقد سألته عن هذا، وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير وأبو هريرة وأبو نهيك (وتُرى)) بضم التاء ((الناسَ)) بالنصب قال وإنما هي محسبة، ورويت هذه القراءة ((تُرى الناسُ)) بضم التاء والسين أي ترى جماعة الناس. ١٠٧ تفسير سورة الحج / الآيات: ٣ - ٥ قوله عز وجل : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِاللَّهِبِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَنِ قَرِيدٍ ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّمُ وَبَهَدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ®َ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْنَكُم مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ تُخَلَّفَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَّةٍ لِّيُبَيِنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّنُخْرِحُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْأَشُدَّكُمْ وَمِنْكُم مَّن يُتَوَلَّى وَمِنكُمْ مَن يُرَدُّإِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمِ شَيْئًاً قوله تعالى ﴿ومن الناس﴾ الآية، قال ابن جريح نزلت في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وقيل في أبي جهل بن هشام ثم هي بعد تتناول كل من اتصف بهذه الصفة، و((المجادلة)) المحاجة والموادة مؤخوذة من الجدل وهو الفتل والمعنى في قدرة الله تعالى وصفاته، وكان سبب الآية كلام من ذكر وغيرهم في أن الله تعالى لا يبعث الموتى ولا يقيم الأجساد من القبور، و((الشيطان)) هنا هو مغويهم من الجن ويحتمل أن يكون الشيطان من الإنس والإنحاء على متبعيه، و((المريد)) المتجرد من الخير للشر ومنه الأمرد، وشجرة مردى أي عارية من الورق، وصرح ممرد أي مملس من زجاج، وصخرة مرداء أي ملساء. والضمير في ﴿عليه﴾ عائد على الشيطان قاله قتادة ويحتمل أن يعود على المجادل و﴿أنه﴾ في موضع رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله و﴿أنه﴾ الثانية عطف على الأولى مؤكدة مثلها وقيل هي مكررة للتأكيد فقط وهذا معترض بأن الشيء لا يؤكد إلا بعد تمامه وتمام ((أن)) الأولى إنما هو بصلتها في قوله ﴿السعير﴾ وكذلك لا يعطف ولسيبويه في مثل هذا ﴿أنه﴾ بدل، وقيل ﴿أنه﴾ خبر ابتداء محذوف تقديره فشأنه أنه يضله وقدره أبو علي فله أن يضله. قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن الضمير في ﴿أنه﴾ الأولى للشيطان وفي الثانية لمن الذي هو المتولي، وقوله ﴿ويهديه) بمعنى يدله على طريق ذلك وليست بمعنى الإرشاد على الإطلاق، وقرأ أبو عمرو ((إنه من تولاه فإنه يضله)) بالكسر فيهما، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث﴾ الآية هذا احتجاج على العالم بالبداءة الأولى وضرب الله تعالى في هذه الآية مثلين إذا اعتبرهما الناظر جوز في العقل البعثة من القبور، ثم ورد خبر الشرع بوجوب ذلك ووقوعه، و((الريب)) الشك، وقوله تعالى: ﴿إن كنتم﴾ شرط مضمنه التوفيق، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((البعث)) بفتح العين وهي لغة في البعث عند البصريين وهي عند الكوفيين تخفيف بعث وقوله تعالى: ﴿فإنا خلقناكم من تراب﴾ يريد آدم ثم سلط الفعل عليهم من حيث هم من ذريته، وقوله تعالى: ﴿ثم من نطفة﴾ يريد المني الذي يكون من البشر، و((النطفة)) تقع على قليل الماء وكثيره، وقال النقاش المراد ﴿نطفة﴾ آدم، وقوله تعالى: ﴿ثم من علقة﴾، يريد من الدم تعود النطفة إليه في الرحم أو المقارن للنطفة، والعلق، الدم العبيط وقيل العلق، الشديد الحمرة فسمي الدم لذلك، وقوله تعالى: ﴿ثم من مضغة﴾ يريد بضعة لحم على قدر ما يمضغ، وقوله ١٠٨ تفسير سورة الحج / الآيات : ٣ - ٥ تعالى: ﴿مخلقة﴾ معناه متممة البنية، ﴿وغير مخلقة﴾ غير متممة أي التي تستسقط قاله مجاهد وقتادة والشعبي وأبو العالية فاللفظة بناء مبالغة من خلق ولما كان الإنسان فيه أعضاء متباينة وكل واحد منها مختص بخلق حسن في جملته تضعيف الفعل لأن فيه خلقاً كثيرة، وقرأ ابن أبي عبلة ((مخلقةً)) بالنصب ((وغيرَ)) بالنصب في الراء ويتصل بهذا الموضوع من الفقه أن العلماء اختلفوا في أم الولد إذا أسقطت مضغة لم تصور هل تكون أم ولد بذلك فقال مالك والأوزاعي وغيرهما: هي أم ولد بالمضغة إذا علم أنها مضغة الولد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا حتى يتبين فيه خلق ولو عضو واحد، وقوله تعالى: ﴿لنبين﴾ قالت فرقة معناه لنبين أمر البعث فهو اعتراض بين الكلامين، وقرأت هذه الفرقة بالرفع في ((نقرُّ»، المعنى ونحن نقر وهي قراءة الجمهور، وقالت فرقة ﴿لنبين﴾ معناه يكون المضغة غير مخلقة وطرح النساء إياها كذلك نبين للناس أن المناقل في الرحم هي هكذا، وقرأت هذه الفرقة ((ونقرَّ) بالنصب وكذلك قرأت ((ونخرجكم)) بالنصب وهي رواية المفضل عن عاصم، وحكى أبو عمرو الداني أن رواية المفضل هذه هي بالياء في ((يقر)) وفي ((يخرجكم)) والرفع على هذا التأويل سائغ ولا يجوز النصب على التأويل الأول، وقرأ ابن وثاب ((ما نشاء)) بكسر النون، و((الأجل المسمى)) هو مختلف بحسب جنين جنين فثم من يسقط وثم من يكمل أمره ويخرج حياً، وقوله تعالى: ﴿طفلًا﴾ اسم الجنس أي أطفالاً، واختلف الناس في ((الأشد)) من ثمانية عشر إلى ثلاثين، إلى اثنين وثلاثين، إلى ستة وثلاثين، إلى أربعين، إلى خمسة وأربعين، واللفظ تقال باشتراك، فأشد الإنسان على العموم غير أشد اليتيم الذي هو الاحتلام، و((الأشد)» في هذه الآية يحتمل المعنيين، والرد إلى أرذل العمر هو حصول الإنسان في زمانة واختلال قوة حتى لا يقدر على إقامة الطاعات واختلال عقل حتى لا يقدر على إقامة ما يلزمه من المعتقدات، وهذا أبداً يلحق مع الكبر وقد يكون ﴿أرذل العمر﴾ في قليل من السن بحسب شخص ما لحقته زمانة وقد ذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿أرذل العمر﴾ خمسة وسبعون سنة وهذا فيه نظر وإن صح عن علي رضي الله عنه فلا يتوجه إلا أن يريد على الأكثر فقد نرى كثيراً أبناء ثمانين سنة ليسوا في أرذل العمر، وقرأ الجمهور ((العمر)) مشبعة وقرأ نافع (العمر)) مخففة الميم واختلف عنه، وقوله تعالى: ﴿لكيلا يعلم﴾ أي لينسى معارفه وعلمه الذي كان معه فلا يعلم من ذلك شيئاً فهذا مثال واحد يقضى للمعتبر به أن القادر على هذه المناقل المتقن لها قادر على إعادة تلك الأجساد التي أوجدها بهذه المناقل إلى حالها الأولى . قوله عز وجل : : وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنَزَلْنَا عَلَيَهَا الْمَآءَ أُهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيچ ◌َ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحِ الْمَوْنَ وَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيٌِّ ﴿ وَأَنَّالسَّاعَةَ ءَاتِيَّةٌ لََّرَيْبَ فِيهَا ٥ وَأَنَّ اللَّه يَبْعَثُ مَن فِ الْقُبُورِ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِاللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَ هُدَّى وَلَاَ كِنَبٍ مُنِيرِ هَا ثَانِى عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيِ الهِلَهُ في الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ١٠ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَالَ وَأَنَّاللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ ٩ ١٠٩ تفسير سورة الحج / الآيات: ٥ - ١٠ هذا هو المثال الثاني الذي يعطي للمعتبر فيه جواز بعث الأجساد وذلك أن إحياء الأرض بعد موتها بين فكذلك الأجساد، و﴿هامدة﴾ معناه ساكنة دارسة بالية ومنه قيل همد الثوب إذا بلي، قال الأعشى: [الكامل] وأرى ثيابك باليات همدا قالت قتيلة ما لجسمك شاحباً واهتزاز الأرض هو حركتها بالنبات وغير ذلك مما يعتريها بالماء، ﴿وربت﴾ معناه نشزت وارتفعت ومنه الربوة وهو المكان المرتفع، وقرأ جعفر بن القعقاع ((وربأت)) بالهمز، ورويت عن أبي عمرو وقرأها عبد الله بن جعفر وخالد بن إلياس وهي غير وجيهة ووجهها أن تكون من ربأت القوم إذا علوت شرفاً من الأرض طليعة فكأن الأرض بالماء تتطاول وتعلو، و((الزوج)) النوع، و((البهيج)) فعيل من البهجة وهي الحسن قاله قتادة وغيره. قوله تعالى: ﴿ذلك) إشارة إلى كون ما تقدم ذكر ف﴿ذلك﴾ ابتداء، وخبره ﴿بأن﴾ أي هو ﴿بأن الله﴾ تعالى ﴿حق﴾ محبي قادر وقوله ﴿وأن الساعة آتية﴾ ليس بسبب لما ذكر لكن المعنى أن الأمر مرتبط بعضه ببعض أو على تقدير: والأمر أن الساعة، وقوله تعالى: ﴿ومن الناس﴾ الآية، الإشارة بقوله ﴿ومن الناس﴾ إلى القوم المتقدم ذكرهم، وحكى النقاش عن محمد بن كعب أنه قال نزلت الآية في الأخنس بن شريق وكرر هذه على جهة التوبيخ فكأنه يقول فهذه الأمثال في غاية الوضوح والبيان ﴿ومن الناس﴾ مع ذلك ﴿من يجادل﴾ فكأن الواو واو الحال والآية المتقدمة الواو فيها واو عطف جملة الكلام على ما قبلها، والآية على معنى الإخبار وهي ها هنا مكررة للتوبيخ، و﴿ثاني﴾ حال من ضمير في ﴿يجادل﴾ ولا يجوز أن تكون من ﴿من﴾ لأنها ابتداء والابتداء إنما عمله الرفع لا النصب وإضافة ﴿ثاني﴾ غير معتد بها لأنها في معنى الانفصال إذ تقديرها ثانياً عطفه، وقوله ﴿ثاني عطفه﴾ عبارة عن المتكبر المعرض قاله ابن عباس وغيره، ع: وذلك أن صاحب الكبر يرد وجهه عما يتكبر عنه فهو يرد وجهه يصعر خده ويولي صفحته ويلوي عنقه ويثني عطفه وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف الجانب وقرأ الحسن (((عطفه)) بفتح العين والعطف السيف لأن صاحبه يتعطفه أي يصله بجنبه، وقرأ الجمهور ((ليُضل)) بضم الياء، وقرأ مجاهد وأهل مكة بفتح الياء، وكذلك قرأ أبو عمرو، و((الخزي)) الذي توعد به النضر بن الحارث في أسره يوم بدر وقتله بالصفراء، و((الحريق)) طبقة من طبقات جهنم، وقوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت يداك) بمعنى يقال له ونسب التقديم إلى اليدين إذ هما آلتا الاكتساب واختلف في الوقف على قوله ﴿يداك﴾ فقيل لا يجوز لأن التقدير: وبأن اللّه أي ﴿وأن الله﴾ هو العدل فيك بجرائمك وقيل يجوز بمعنى والأمر أن الله تعالى ﴿ليس بظلام﴾ و ((العبيد)) هنا ذكروا في معنى مكسنتهم وقلة قدرتهم فلذلك جاءت هذه الصيغة . قوله عز وجل : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُ الْمَأَنَّبِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِئْنَةٌ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْمُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿ يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَالَا ١١٠ تفسير سورة الحج / الآيات: ١١ - ١٣ يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَالصَّلَلُ الْبَعِيدُ ﴿﴿ يَدْعُوْلَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ اٌلْعَشِيرُ! هذه الآية نزلت في أعراب وقوم لا يقين لهم كان أحدهم إذا أسلم فاتفق له اتفاقات حسان من نمو ماله وولد ذكر يرزقه وغير ذلك قال هذا دين جيد وتمسك به لهذه المعاني، وإن كان الأمر بخلاف، تشاءم به وارتد كما صنع العرنيون وغيرهم، قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، وقوله تعالى: ﴿على حرف﴾ معناه على انحراف منه عن العقيدة البيضاء أو على شفى منها معدى للزهوق، و((الفتنة)): الاختبار، وقوله تعالى: ﴿انقلب على وجهه﴾ عبارة للمولي عن الأمور وخسارته ﴿الدنيا والآخرة﴾، أما ﴿الدنيا﴾ فبالمقادير التي جرت عليه، وأما ﴿الآخرة﴾ فبارتداده وسوء معتقده، وقرأ مجاهد وحميد والأعرج ((خاسراً الدنيا والآخرة)) نصباً على الحال، وقوله تعالى: ﴿ما لا يضره﴾ يريد الأوثان، ومعنى ﴿يدعو﴾ يعبد، ويدعو أيضاً في ملماته، واختلف الناس في قوله تعالى: ﴿يدعو لمن ضره﴾ فقالت فرقة من الكوفيين اللام مقدمة على موضعها وإنما التقدير ((يدعو من لضره))، ويؤيد هذا التأويل أن عبد الله بن مسعود قرأ ((يدعو من ضره))، وقال الأخفش ﴿يدعو﴾ يمعنى يقول، و﴿من﴾ مبتدأ وال﴿ضره﴾ مبتدأ، و﴿أقرب﴾ خبره، والجملة صلة، وخبر ﴿من﴾ محذوف والتقدير يقول لمن ضره أقرب منه نفعه إله وشبه هذا، يقول عنترة: ((يدعون عنتر والرماح كأنها)) ع وهذا القول فيه نظر فتأمل إفساده للمعنى إذ لم يعتقد الكافر قط أن ضر الأوثان أقرب من نفعها واعتذار أبي علي هنا مموه، وأيضاً فهو لا يشبه البيت الذي استشهد به، وقيل المعنى في ﴿يدعو﴾ يسمى، وهذا كالقول الذي قبله، إلا أن المحذوف آخراً مفعول تقديره إلهاً، وقال الزجاج يجوز أن يكون ﴿يدعو﴾ في موضع الحال وفيه هاء محذوفة والتقدير ذلك هو الضلال البعيد يدعو أو يدعوه، فيوقف على هذا، قال أبو علي ويحسن أن يكون ذلك بمعنى الذي، أي الذي هو الضلال البعيد ﴿يدعو﴾ فيكون قوله ذلك موصولاً بقوله ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾ ويكون ﴿يدعو﴾ عاملاً في قوله ﴿ذلك﴾ ع كون ﴿ذلك﴾ بمعنى الذي غير سهل وشبهه المهدوي بقوله تعالى: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ [طه: ١٧] وقد يظهر في الآية أن يكون قوله ﴿يدعو﴾ متصلاً بما قبله، ويكون فيه معنى التوبيخ كأنه قال ﴿يدعو﴾ من لا يضر ولا ينفع. ثم كرر ﴿يدعو﴾ على جهة التوبيخ غير معدى إذ عدي أول الكلام ثم ابتدأ الإخبار بقوله ﴿لمن ضره﴾ واللام مؤذنة بمجيء القسم والثانية التي في ﴿لبئس﴾ لام القسم وإن كان أبو علي مال إلى أنها لام الابتداء والثانية لام اليمين، ويظهر أيضاً في الآية أن يكون المراد يدعو من ضره ثم علق الفعل باللام وصح أن يقدر هذا الفعل من الأفعال التي تعلق وهي أفعال النفس كظننت وخشيت، وأشار أبو علي إلى هذا ورد عليه، و﴿العشير﴾ القريب المعاشر في الأمور، وذهب الطبري إلى أن المراد بالمولى والعشير هو الإنسان الذي يعبد الله على حرف ويدعو الأصنام، والظاهر أن المراد بـ ﴿المولى﴾ و ﴿العشير﴾ هو الوثن الذي ضره أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد والله أعلم. ١ ١١ تفسير سورة الحج / الآيات: ١٤ - ١٧ قوله عز وجل : إِنَّاللَّهَيُدْ خِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ إِنَّاللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُاللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيُّطُ ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ ءَتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّاللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ ﴿ إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوَإِنَّ اُللَّهَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ لما ذكر تبارك وتعالى حالة من يعبده ﴿على حرف﴾ [الحج: ١١] وسفه رأيهم وتوعدهم بخسارة الآخرة عقب ذلك بذكر مخالفيهم من أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به من إدخاله إياهم الجنة، ثم أخذت الآية في توبيخ أولئك الأولين وإسلامهم إلى رأيهم وإحالتهم على ما فيه عنتهم وليس فيه راحتهم كأنه يقول هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق وظنوا أن الله تبارك وتعالى لن ينصر محمداً وأتباعه ونحن إنما أمرناهم بالصبر وانتظار وعدنا فمن ظن غير ذلك، ﴿فليمدد بسبب﴾ وليختنق ولينظر هل يذهب بذلك غيظه، قال هذا المعنى قتادة وهذا على جهة المثل السائر قولهم دونك الحبل فاختنق، يقال ذلك للذي يريد من الأمر ما لا يمكنه، و((السبب)) الحبل، و((النصر)) معروف، إلا أن أبا عبيدة ذهب به إلى معنى الرزق كما قالوا أرض منصورة أي ممطورة وكما قال الشاعر: [الطويل] ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره وإنك لا تعطي امرأ فوق حقه وقال: وقف بنا سائل من بني أبي بكر فقال من ينصرني ينصره الله، و﴿السماء﴾ على هذه الأقوال الهواء علواً فكأنه أراد سقفاً أو شجرة أو نحوه وقال ابن زيد ﴿السماء﴾ هي المعروفة، وذهب إلى معنى آخر كأنه قيل لمن يظن أن الله تعالى لا ينصر محمداً إن كنت تظن ذلك فامدد ﴿بسبب إلى السماء﴾ واقطعه إن كنت تقدر على ذلك فإن عجزت فكذلك لا تقدر على قطع سبب محمد صلى الله عليه وسلم إذ نصرته من هنالك والوحي الذي يأتيه . قال القاضي أبو محمد: و((القطع)) على هذا التأويل ليس بالاختناق بل هو جزم السبب، وفي مصحف ابن مسعود ((ثم ليقطعه)) بهاء، والجمهور على أن القطع هنا هو الاختناق، وقال الخليل: وقطع الرجل إذا اختنق بحبل أو نحوه ثم ذكر الآية، وتحتمل الآية معنى آخر وهو أن يراد به الكفار وكل من يغتاظ بأن ينصره الله ويطمع أن لا ينصر قيل له من ظن أن هذا لا ينصر فليمت كمداً هو منصور لا محالة فليختنق هذا الظان غيظاً وكمداً ويؤيد هذا أن الطبري والنقاش قالا: ويقال نزلت في نفر من بني أسد وغطفان قالوا نخاف أن ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهود من المنافع، والمعنى الأول الذي قيل فيه للعابدين ﴿على حرف﴾ [الحج: ١١] ليس بهذا ولكنه بمعنى من قلق واستبطأ النصر وظن أن محمداً لا ينصر فليختنق سفاهة إذ تعدى الأمر الذي حد له في الصبر وانتظار صنع الله، وقال مجاهد: الضمير في ١١٢ تفسير سورة الحج / الآيات: ١٤ - ١٧ ﴿ينصره﴾ عائد على ﴿من﴾ والمعنى من كان من المتقلقين من المؤمنين. ع والضمير في التأويل الذي ذكرناه في أن يراد الكفار لا يعود إلا على النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وقالت فرقة: الضمير عائد على الدين والقرآن، وقرأ أبو عمرو وابن عامر ((ليقطع فلينظر)) بكسر اللام فيهما على الأصل وهي قراءة الجمهور، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون اللام فيهما في لام الأمر في كل القرآن مع الواو والفاء و((ثم))، واختلف عن نافع وهي قراءة الحسن وأبي عمرو وعيسى، ع أما الواو والفاء إذا دخلا على الأمر فحكى سيبويه أنهم يرونها كأنها من الكلمة، فسكون اللام تخفيف وهو أفصح من تحريكها، وأما(ثم)) فهي كلمة مستقلة فالوجه تحريك اللام بعدها ع وقد رأى بعض النحويين الميم من ((ثم)) بمنزلة الواو والفاء، وقوله تعالى: ﴿ما يغيظ﴾ يحتمل أن تكون ﴿ما﴾ بمعنى الذي، وفي ﴿يغيظ﴾ عائد عليها، ويحتمل أن تكون مصدرية حرفاً فلا عائد عليها، و((الكيد)) هو مده السبب ع وأبين وجوه هذه الآية أن تكون مثلاً ويكون ((النصر)) المعروف و((القطع)) الاختناق و﴿السماء﴾ الارتفاع في الهواء بسقف أو شجرة ونحوه فتأمله، وقوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلناه﴾ إلى ﴿شهيد) المعنى وكما وعدنا بالنصر وأمرنا بالصبر كذلك أنزلنا القرآن آية بينة لمن نظر واهتدى لا ليقترح معها ويستعجل القدر، وقال الطبري: المعنى وكما بينت حجتي على من جحد قدرتي على إحياء الموتى ﴿كذلك أنزلناه﴾ والضمير في ﴿أنزلناه﴾ عائد على القرآن، وجاءت هذه الضمائر هكذا وإن لم يتقدم ذكر لشهرة المشار إليه نحو قوله تعالى : ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] وغيره، وقوله تعالى: ﴿وأن﴾ في موضع خير الابتداء والتقدير والأمر أن الله يهدي من يريد، وهداية الله تعالى هي خلقه الرشاد والإيمان في نفس الإنسان، ثم أخبر الله تعالى عن فعله بالفرق المذكورين وهم المؤمنون بمحمد عليه السلام وغيره، واليهود والصابئون وهم قوم يعبدون الملائكة ويستقبلون القبلة ويوحدون الله ويقرؤون الزبور قاله قتادة ﴿والنصارى والمجوس) وهم عبدة النار والشمس والقمر، والمشركون وهم عبدة الأوثان، قال قتادة الأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن وخبر ﴿إن﴾ قوله تعالى الله ﴿يفصل بينهم﴾، ثم دخلت ﴿إن﴾ على الخبر مؤكدة وحسن ذلك لطول الكلام فهي وما بعدها خبر ﴿إن﴾ الأولى، وقرن الزجاج هذه الآية. بقول الشاعر: [البسيط] سربال ملك به ترجى الخواتيم إن الخليفة إن الله سريله. نقله من الطبري ع وليس هذا البيت كالآية لأن الخبر في البيت في قوله ترجى الخواتيم وإن الثانية وجملتها معترضة بين الكلامين، ثم تم الكلام كله في قوله تعالى: ﴿القيامة﴾ واستأنف الخبر عن ﴿إن الله على كل شيء شهيد﴾ عالم به وهذا خبر مستأنف للفصل بين الفرق وفصل الله تعالى بين هذه الفرق هو إدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار. قوله عز وجل: أَلَمْتَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِىِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَاَلْجِبَالُ وَالشَّجُرُ وَالدَّوَآَبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنِ يُّهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ١١٣ تفسير سورة الحج / الآيات: ١٨ - ٢٢ إِنَّاللَّهَيَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمَّ فَالَّذِينَ كَفَرُوْ قُطِعَتْ لَهُمْ تِبَابٌ مِّنْ ثَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِرُءُ وسِهِمُ الْحَمِيمُ ◌َيُصْهَرُبِهِ مَا فِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ﴿ وَلَهُمْ مَّقَمِعُ كُلَّمَا أَرَادُوْأَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُ واْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ٢١ مِنْحَدِيدٍ ٢٢ ﴿ألم تر﴾ تنبيه من رؤية القلب، وهذه آية إعلام بتسليم المخلوقات جمع الله وخضوعها، وذكر في الآية كل ما عبد الناس إذ في المخلوقات أعظم مما قد ذكر كالرياح والهواء فـ ﴿من في السماوات﴾ الملائكة، ﴿ومن في الأرض﴾ من عبد من البشر، ﴿والشمس) كانت تعبدها حمير وهم قوم بلقيس، والقمر كانت كنانة تعبده قاله ابن عباس، وكانت تميم تعبد الدبران، وكانت لخم تعبد المشتري، وكانت طِىء تعبد الثريا وكانت قريش تعبد الشعرى، وكانت أسد تعبد عطارد، وكانت ربيعة تعبد المرزم، ﴿والجبال والشجر﴾ منها النار وأصنام الحجارة والخشب، ﴿والدواب﴾ فيها البقر وغير ذلك مما عبد من الحيوان كالديك ونحوه، و«السجود)) في هذه الآية هو بالخضوع والانقياد للأمر كما قال الشاعر «ترى الأكم فيه سجداً للحوافر». وهذا مما يتعذر فيه السجود المتعارف، وقال مجاهد: سجود هذه الأشياء هو بظلالها، وقال بعضهم سجودها هو بظهور الصنعة فيها. ع: وهذا وهم وإنما خلط هذه الآية بآية التسبيح وهناك يحتمل أن يقال هي بآثار الصنعة، وقوله تعالى: ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على ما تقدم، أي ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ يسجد، أي كراهية وعلى رغمه إما بظله وإما بخضوعه عند المكاره ونحو ذلك، قاله مجاهد، وقال: سجوده بظله ويحتمل أن يكون رفعاً بالابتداء مقطوعاً مما قبله وكأن الجملة معادلة لقوله ﴿وكثير من الناس﴾ لأن المعنى أنهم مرحومون بسجودهم ويؤيد هذا قوله تعالى بعد ذلك ﴿ومن يهن الله﴾ الآية وقرأ جمهور الناس ((من مكرم)) بكسر الراء، وقرأ ابن أبي عبلة بفتح الراء على معنى من موضع كرامة أو على أنه مصدر كمدخل، وقرأ الجمهور ((والدواب)) مشددة الباء، وقرأ الزهري وحده بتخفيف الباء وهي قليلة ضعيفة وهي تخفيف على غير قياس كما قالوا ظلت وأحست وكما قال علقمة: [البسيط] مقدم بسبا الكتان ملثوم كأن إبريقهم ظبي على شرف أردا بسبائب الكتان وأنشد أبو علي في مثله: [الكامل] حتى إذا ما لم أجد غير الشر كنت امرأً من مالك بن جعفر وهذا باب إنما يستعمل في الشعر فلذلك ضعفت هذه القراءة وقوله تعالى: ﴿هذان خصمان﴾ الآية، اختلف الناس في المشار إليه بقوله ﴿هذان﴾ فقال قيس بن عباد وهلال بن يساف: نزلت هذه الآية في المتبارزين يوم بدر وهم ستة: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، برزوا لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الله تعالى، وأقسم أبو ذر على هذا القول ع ووقع أن الآية فيهم في صحيح البخاري، وقال ابن عباس: الإشارة ١١٤ تفسير سورة الحج / الآيات: ١٨ - ٢٢ إلى المؤمنين وأهل الكتاب وذلك أنه وقع بينهم تخاصم فقالت اليهود نحن أقوم ديناً منكم ونحو هذا، فنزلت الآية، وقال عكرمة: المخاصمة بين الجنة والنار، وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن بن أبي الحسن وعاصم والكلبي: الإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم ع وهذا قول تعضده الآية، وذلك أنه تقدم قوله ﴿وكثير من الناس﴾ المعنى هم مؤمنون ساجدون، ثم قال ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ ثم أشار إلى هذين الصنفين بقوله ﴿هذان خصمان﴾ والمعنى أن الإيمان وأهله والكفر وأهله خصمان مذ كانا إلى قيام الساعة بالعداوة والجدال والحرب، وقوله تعالى: ﴿خصمان﴾ يريد طائفتين لأن لفظة خصم هي مصدر يوصف به الجمع والواحد ويدل على أنه أراد الجمع قوله ﴿اختصموا﴾ فإنها قراءة الجمهور، وقرأ ابن أبي عبلة ((اختصما في ربهم)) وقوله ﴿في ربهم﴾ معناه في شأن ربهم وصفاته وتوحيده، ويحتمل أن يريد في رضاء ربهم وفي ذاته، ثم بين حكمي الفريقين فتوعد تعالى الكفار بعذاب جهنم، و﴿قطعت﴾ معناه جعلت لهم بتقدير، كما يفصل الثوب، وروي أنها من نحاس وقيل ليس شيء من الحجارة والفلز أحر منه إذا حمي، وروي في صب ﴿الحميم﴾ وهو الماء المغلي أنه تضرب رؤوسهم بـ ((المقامع)) فتنكشف أدمغتهم فيصب ﴿الحميم﴾ حينئذ، وقيل بل يصب الحميم أولاً فيفعل ما وصف، ثم تضرب بـ ((المقامع)) بعد ذلك، و﴿الحميم﴾ الماء المغلي، و﴿يصهر﴾ معناه يذاب، وقيل معناه يعصر وهذه العبارة قلقة، وقيل معناه ينضج ومنه قول الشاعر ((تصهره الشمس ولا ينصهر)) وإنما يشبه فيمن قال يعصر. أنه أراد الحميم يهبط كل ما يلقى في الجوف ويكشطه ويسلته، وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسلته ويبلغ به قدميه ويذيبه، ثم يعاد كما كان، وقرأ الجمهور ((يصهر)) وقرأت فرقة ((يصَهّر)) بفتح الضاد وشد الهاء، و((المقمعة)) بكسر الميم مقرعة من حديد يقمع بها المضروب، وقوله: ﴿أرادوا﴾ روي فيه أن لهب النار إذا ارتفع رفعهم فيصلون إلى أبواب النار فيريدون الخروج فيضربون بـ ((المقامع)) وتردهم الزبانية و((من)) في قوله ﴿منها﴾ الابتداء الغاية، وفي قوله ﴿من غم﴾ يحتمل أن تكون لبيان الجنس ويحتمل أن تكون لابتداء غاية أيضاً وهي بدل من الأولى. وقوله: ﴿وذوقوا﴾ هنا محذوف تقديره ويقال لهم: ﴿ذوقوا﴾ و﴿الحريق﴾ فعيل بمعنى مفعل أي محرق، وقرأ الجمهور ((هذان» بتخفيض النون، وقرأ ابن كثير وحده «هذانٌ)) بتشديد النون، وقرأها شبل وهي لغة لبعض العرب في المبهمات، کاللذان، وهذان وقد ذكر ذلك أبو علي . قوله عز وجل : إِنَّ اللّهَيُدْ خِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَِّحَتِ جَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدُ يُحَلَّوْنَ وَهُدُوَأْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ ٢٣ فِيهَامِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ اٌلْقَوْلِ وَهُدُ وَاْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّ ونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءُ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أكبر@ ١١٥ تفسير سورة الحج / الآيات: ٢٣ - ٢٥ هذه الآية معادلة لقوله: ﴿فالذين كفروا﴾ [الحج: ١٩] وقرأ الجمهور ((يحلون)) بضم الياء وشد اللام من الحلي، وقرأ ابن عباس ((يَحَلَون)) بفتح الياء واللام وتخفيفها، يقال حلي الرجل وحليت المرأة إذا صارت ذات حلي وقيل هي من قولهم لم يحل فلان بطائل، و﴿من﴾ في قوله ﴿من أساور) هي لبيان الجنس ويحتمل أن تكون للتبعيض، و((الأساور)) جمع سوار وإسوار بكسر الهمزة، وقيل ﴿أساور) جمع أسورة وأسورة جمع سوار، وقرأ ابن عباس من ((أسورة من ذهب))، و((اللؤلؤ)) الجوهر وقيل صغاره وقيل كباره والأشهر أنه اسم للجوهر، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر ((ولؤلؤاً)) بالنصب عطفاً على موضع الأساور لأن التقدير يحلون أساور، وهي قراءة الحسن والجحدري وسلام ويعقوب والأعرج وأبي جعفر وعيسى بن عمر، وحمل أبو الفتح نصبه على إضمار فعل، وقرأ الباقون من السبعة و((لؤلؤ)) بالخفض عطفاً إما على لفظ الأساور ويكون اللؤلؤ في غير الأساور، وإما على الذهب لأن الأساور أيضاً تكون ((من ذهب)) و((لؤلؤ)) قد جمع بعضه إلى بعض، ورويت هذه القراءة عن الحسن بن أبي الحسن وطلحة وابن وثاب والأعمش وأهل مكة، وثبتت في الإمام ألف بعد الواو قاله الجحدري ، وقال الأصمعي: ليس فيها ألف، وروى يحيى عن أبي بكر عن عاصم همز الواو الثانية دون الأولى، وروى المعلى بن منصور عن أبي بكر عن عاصم ضد ذلك، قال أبو علي: همزهما وتخفيفهما وهمز إحداهما دون الأخرى جائز كله، وقرأ ابن عباس ((ولئلئاً)) بكسر اللامين، وأخبر عنهم بلباس الحرير لأنها من أكمل حالات الآخرة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة))، وقال ابن عباس: لا تشبه أمور الآخرة أمور الدنيا إلا في الأسماء فقط وأما الصفات فمتباينة، و﴿الطيب من القول﴾ لا إله إلاّ الله وما جرى معها من ذكر الله تعالى وتسبيحه وتقديسه وسائر كلام أهل الجنة من محاورة وحديث طيب فإنها لا تسمع فيها لاغية، و﴿صراط الحميد﴾ هو طريق الله تعالى الذي دعا عباده إليه، ويحتمل أن يريد بـ ﴿الحميد) نفس الطريق فأضاف إليه على حد إضافته في قوله ﴿دار الآخرة﴾ [الأنعام: ٣٢، يوسف: ١٠٩، النحل: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ويصدون﴾ الآية، قوله ﴿ويصدون﴾ تقديره وهم يصدون وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي وقالت فرقة الواو زائدة ﴿ويصدون﴾ خبر (إن) وهذا مفسد للمعنى المقصود، وإنما الخبر محذوف مقدر عند قوله ﴿والبادي﴾ تقديره خسروا أو هلكوا، وجاء ﴿يصدون﴾ مستقبلاً إذ هو فعل يديمونه كما جاء قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم﴾ [الرعد: ٢٨] ونحوه، وهذه الآية نزلت عام الحديبية حين صُدَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع إلا أن يراد صدهم لأفراد من الناس، فقد وقع ذلك في صدر المبعث، وقالت فرقة ﴿المسجد الحرام﴾ أرادوا به مكة كلها ع وهذا صحيح لكنه قصد بالذكر المهم المقصود من ذلك، وقرأ جمهور الناس ((سواء)» بالرفع وهو على الابتداء و﴿العاكف﴾ خبره، وقيل الخبر ﴿سواء﴾ وهو مقدم وهو قول أبي علي والمعنى الذي جعلناه للناس قبلة أو متعبداً، وقرأ حفص عن عاصم ((سواءً)) بالنصب وهي قراءة الأعمش وذلك يحتمل وجهين أحدهما أن يكون مفعولاً ثانياً لـ ((جعل)) ويرتفع ((العاكفُ)) به لأنه مصدر في معنى مستوٍ أَعْمِلَ عمل اسم الفاعل، والوجه الثاني أن يكون حالاً من الضمير في ﴿جعلنا﴾ وقرأت فرقة ((سواءً)) بالنصب ((العاكفِ)) بالخفض عطفاً على الناس. و﴿العاكف﴾، المقيم في البلد، و﴿البادي﴾، القادم عليه من غيره، وقرأ ١١٦ تفسير سورة الحج / الآيات: ٢٣ - ٢٥ ابن كثير في الوصل والوقف ((البادي)) بالياء. ووقف أبو عمرو بغير ياء، ووصل بالياء، وقرأْ نافع ((البادٍ)) بغير ياء في الوصل والوقف في رواية المسيبي، وأبي بكر وإسماعيل ابني أبي أويس، وروى ورش الوصل بالياء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بغير ياء وصلاً ووقفاً، وهي في الإمام بغير ياء، وأجمع الناس على الاستواء في نفس ﴿المسجد الحرام﴾ واختلفوا في مكة، فذهب عمر بن اسحطاب وابن عباس ومجاهد وجماعة معهم إلى أن الأمر كذلك في دور مكة وأن القادم له النزول حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى، وقال: ذلك سفيان الثوري وغيره، وكذلك كان الأمر في الصدر الأول، قال ابن سابط: وكانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة فاتخذ رجل باباً فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق باباً في وجه حاج بيت الله؟ فقال : إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه فاتخذ الناس الأبواب، وقال جمهور من الأمة منهم مالك: ليست الدور كالمسجد ولأهلها الامتناع بها والاستبداد، وعلى هذا هو العمل اليوم، وهذا الاختلاف الأول متركب على الاختلاف في مكة هل هي عنوة كما روي عن مالك والأوزاعي، أو صلح كما روي عن الشافعي، فمن رآها صلحاً فإن الاستواء في المنازل عنده بعيد، ومن رآها عنوة أمكنه أن يقول الاستواء فيها، قرره الأئمة الذين لم يقطعوها أحداً وإنما سكنى من سكن من قبل نفسه. قال القاضي أبو محمد: وظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم ((وهل ترك لنا عقيل منزلاً))، يقتضي أن لا استواء وأنها متملكة ممنوعة على التأويلين في قوله عليه السلام لأنه تؤول بمعنى أنه ورث جميع منازل أبي طالب وغيره، وتؤول بمعنى أنه باع منازل بني هاشم حين هاجروا ومن الحجة لتملك أهلها دورهم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية داراً للسجن بأربعة آلاف، ويصح مع ذلك أن يكون الاستواء في وقت الموسم للضرورة والحاجة فيخرج الأمر حينئذ عن الاعتبار بالعنوة والصلح، وقوله تعالى: ﴿بإلحاد﴾ قال أبو عبيدة الباء زائدة ومنه قول الشاعر: وأسفله بالمرخ والشبهان بواد يمان ينبت الشت صدره ومنه قول الأعشى : ضمنت برزق عيالنا أرماحنا وهذا كثير ويجوز أن يكون التقدير ﴿ومن يرد فيه﴾ الناس ﴿بإلحاد) و((الإلحاد)) الميل، وهذا الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب بذلك إلا في مكة، هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم، وقال ابن عباس: ((الإلحاد)) في هذه الآية الشرك، وقال أيضاً: هو استحلال الحرام وحرمته، وقال مجاهد: هو العمل السبىء فيه، وقال عبد الله بن عمرو: قول لا والله وبلى والله بمكة من الإلحاد، وقال حبيب بن أبي ثابت: الحكرة بمكة من الإلحاد بالظلم. ع. والعموم يأتي على هذا كله، وقرأت فرقة ((ومن يرد)) من الورود حكاه الفراء، والأول أبين وأعم وأمدح للبقعة، و﴿من﴾ شرط جازمة للفعل وذلك منع من عطفها على ﴿الذين﴾ والله المستعان. قوله عز وجل : وَإِذْبَوَّأْنَا لِإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَّا تُشْرِفْ بِ شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلّطَّابِفِينَ ! ١١٧ تفسير سورة الحج / الآيات: ٢٦ - ٢٨ أَوَ أَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِ يَأْتُوَكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلّ ٢٦ وَالْقَآيِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ◌ْ لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ الَّهِ فِي أَيَّامٍ ٢٧ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِ فَجْ عَمِيقٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَارَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآيِسَ الْفَقِيَرَ ٢٨ المعنى واذكر ﴿إِذ بوأنا﴾، و((بوأ)) هي تعدية باء بالتضعيف، و ((باء)) معناه رجع فكأن المبِّىء يرد المبوأ إلى المكان، واستعملت اللفظة بمعنى سكن، ومنه قوله تعالى: ﴿نتبوأ من الجنة حيث نشاء﴾ [الرمز: ٧٤] وقال الشاعر: كم من أخ لي صالح بوأته بيديّ لحدا واللام في قوله تعالى: ﴿لإبراهيم﴾ قالت فرقة هي زائدة، وقالت فرقة ﴿بوأنا﴾ نازلة منزلة فعل يتعدى باللام كنحو جعلنا ع والأظهر أن يكون المفعول الأول بـ ﴿بوأنا﴾ محذوفاً تقديره الناس أو العالمين، ثم قال ﴿لإبراهيم﴾ بمعنى له كانت هذه الكرامة وعلى يديه بوؤا، و﴿البيت﴾ هو الكعبة، وكان فيما روي قد جعله الله تعالى متعبداً لآدم عليه السلام، ثم درس بالطوفان، وغيره فلما جاءت مدة إبراهيم أمره الله تعالى ببنائه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثراً، فبعث الله ريحاً فكشف له عن أساس آدم، فرفع قواعده عليه. وقوله ﴿أن لا تشرك﴾ هي مخاطبة لإبراهيم عليه السلام، في قول الجمهور حكيت لنا بمعنى قبل له لا تشرك، وقرأ عكرمة ((ألا يشرك)) بالياء على نقل معنى القول الذي قيل له، قال أبو حاتم: ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة بمعنى لأن لا يشرك ع يحتمل أن تكون ((أن)) في قراءة الجمهور مفسرة، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة، وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت، أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعد، وأنتم لم تفوا بل أشركتم، وقالت فرقة: الخطاب من قوله ﴿أن لا تشرك﴾ لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج ع والجمهور على أن ذلك لإبراهيم وهو الأصح. وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء وغير ذلك، و((القائمون))، هم المصلون، وذكر تعالى من أركان الصلاة: أعظمها. وهي القيام والركوع والسجود، وقرأ جمهور الناس ((وأذن)) بشد الذال، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن محيصن ((وآذن)) بمدة وتخفيف الذال وتصحف هذا على ابن جني، فإنه حكى عنها ((وأذن)) فعل ماض وأعرب عن ذلك بأن جعله عطفاً على ﴿بوأنا﴾، وروي أن إبراهيم عليه السلام لما أمر بالأذان بالحج قال يا رب وإذا ناديت فمن يسمعني؟ فقيل له ناد يا إبراهيم فعليك النداء وعلينا البلاغ فصعد على أبي قبيس وقيل على حجر المقام ونادى: أيها الناس، إن الله قد أمركم بحج هذا البيت فحجوا واختلفت الروايات في ألفاظه عليه السلام واللازم أن يكون فيها ذكر البيت والحج، وروي أنه يوم نادى أسمع كل من يحج إلى يوم القيامة في أصلاب الرجال وأجابه كل شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره لبيك اللهم لبيك، فجرت التلبية على ذلك، قاله ابن عباس وابن جبير، وقرأ جمهور الناس ((بالحَج)) بفتح الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها، و﴿رجالاً﴾، جمع راجل كتاجر وتجار، وقرأ عكرمة وابن عباس وأبو مجلز وجعفر بن محمد ((رُجّالاً)) بضم الراء وشد الجيم، ككاتب وكتاب، وقرأ عكرمة أيضاً وابن أبي إسحاق ((رجالاً)) بضم الراء وتخفيف الجيم، وهو قليل في أبنية ١١٨ تفسير سورة الحج / الآيات: ٢٦ - ٢٨ الجمع ورويت عن مجاهد، وقرأ مجاهد (رُجالى)) على وزن فعالى فهو كمثل كسالى، و((الضامر)»، قالت فرقة أراد بها الناقة ع وذلك أنه يقال ناقة ضامر. ومنه قول الأعشى : هيفاء مثل المهرة الضامر عهدي بها في الحي قد ذرعت فيجيء قوله ﴿يأتين﴾ مستقيماً على هذا التأويل، وقالت فرقة ((الضامر)) هو كل ما اتصف بذلك من جمل أو ناقة وغير ذلك ع وهذا هو الأظهر لكنه يتضمن معنى الجماعات أو الرفاق فيحسن لذلك قوله ﴿يأتين﴾ وقرأ أصحاب ابن مسعود «يأتون)) وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك، وفي تقديم ﴿رجالاً﴾ تفضيل للمشاة في الحج، قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني إلا أن أكون حججت ماشياً فإني سمعت الله تعالى يقول: ﴿يأتونك رجالاً﴾ وقال ابن أبي نجيح: حج إبراهيم وإسماعيل ماشيين، واستدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط ع قال مالك في الموازية : لا أسمع للبحر ذكراً ع وهذا تأسيس لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه، وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس بالسفن ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلاً وإما على ﴿ضامر﴾ فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا القوي، فأما إذا اقترن به عدو أو خوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصاً ما، فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع، وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاماً ظاهره أن الوجوب لا يسقطه شيء من هذه الأعذارع وهذا ضعيف و((الفج)» الطريق الواسعة، و((العميق)) معناه البعيد. وقال الشاعر: [الطويل] يمد بها في السير أشعث شاحب إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة و ((المنافع)) في هذه الآية التجارة في قول أكثر المتأولين ابن عباس وغيره، وقال أبو جعفر محمد بن علي: أراد الأجر و﴿منافع﴾ الآخرة، وقال مجاهد بعموم الوجهين وقوله تعالى: ﴿اسم الله﴾، يصح أن يريد بالاسم ها هنا المسمى بمعنى ويذكروا الله على تجوز في هذه العبارة إلا أن يقصد ذكر القلوب، ويحتمل أن يريد بالاسم التسميات وذكر الله تعالى إنما هو بذكر أسمائه ثم بذكر القلب السلطان والصفات، وهذا كله على أن يكون الذكر بمعنى حمده وتقديسه شكراً على نعمته في الرزق ويؤيده قوله عليه السلام ((إنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى))، وذهب قوم إلى أن المراد ذكر اسم الله تعالى على النحر والذبح، وقالوا إن في ذكر ((الأيام)) دليلاً على أن الذبح في الليل لا يجوز، وهو مذهب مالك وأصحاب الرأي، وقال ابن عباس ((الأيام المعلومات)) هي أيام العشر ويوم النحر وأيام التشريق، وقال ابن سيرين: بل أيام العشر فقط، وقالت فرقة: أيام التشريق، ذكره القتبي، وقالت فرقة فيها مالك وأصحابه: بل المعلومات يوم النحر ويومان بعده وأيام التشريق الثلاثة هي معدودات فيكون يوم النحر معلوماً لا معدوداً واليومان بعده معلومان معدودان والرابع معدود لا معلوم ع وحمل هؤلاء على هذا التفصيل أنهم أخذوا ذكر ﴿اسم الله﴾ هنا على الذبح للأضاحي والهدي وغيره، فاليوم الرابع لا يضحى فيه عند مالك وجماعة وأخذوا التعجل والتأخر بالنفر في ١١٩ تفسير سورة الحج / الآيات: ٢٩ - ٣١ الأيام المعدودات فتأمل هذا، يبين لك قصدهم، ويظهر أن تكون المعدودات والمعلومات بمعنى أن تلك الأيام الفاضلة كلها ويبقى أمر الذبح وأمر الاستعجال لا يتعلق بمعدود ولا بمعلوم وتكون فائدة قوله ﴿معلومات﴾ و﴿معدودات﴾ [البقرة: ١٨٤، آل عمران: ٢٤] التحريض على هذه الأيام وعلى اغتنام فضلها أي ليست كغيرها فكأنه قال: هي مخصوصات فلتغتنم. وقوله، ﴿فكلوا﴾ ندب، واستحب أهل العلم للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بأكثرها مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل الكل، و ﴿البائس﴾ الذي قد مسه ضر الفاقة وبؤسها، يقال: بأس الرجل يبؤس وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم تكن فقراً، ومنه قوله عليه السلام، ((لكن البائس سعد بن خولة))، والمراد في هذه الآية أهل الحاجة. قوله عز وجل : ثُمَ لْيَقْضُوْتَفَنَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (@) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُ مَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَرَبِّهِ، وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَمُ إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، ٣٠ فَأَجْتَنِبُواْ الْرّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَأَجْتَنِبُواْقَوْلَ الزُّورِ وَمَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّمِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْتَهْوِى بِهِ الْرِيُحُ فِمَكَانٍ سَحِيقٍ ٣١ اختلفت القراءة في سكون اللام في قوله تعالى: ﴿ليقضوا وليوفوا وليطوفوا﴾ وفي تحريك جميع ذلك بالكسر وفي تحريك ((ليقضوا)) وتسكين الاثنين وقد تقدم في قوله: ﴿فليمدد﴾ [الحج: ١٥، مريم: ٧٥] بسبب توجيه جميع ذلك، و((التفث)) ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر وحلقه وإزالة شعث ونحوه من إقامة الخمس من الفطرة حسب الحديث وفي ضمن ذلك قضاء جميع مناسكه إذ لا يقضى التفث إلا بعد ذلك، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر ((وليوَفّوا)) بفتح الواو وشد الفاء، ووفى وأوفى لغتان مستعملتان في كتاب الله تعالى، وأوفى أكثر. و((النذور)) ما معهم من هدي وغيره، والطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج، قال الطبري لا خلاف بين المتأولين في ذلك، قال مالك: هو واجب يرجع تاركه من وطنه إلا أن يطوف طواف وداع فإنه يجزئه منه. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل بحسب الترتيب أن تكون الإشارة إلى طواف الوداع إذ المستحسن أن يكون ولا بد، وقد أسند الطبري عن عمرو بن أبى سلمة قال: سألت زهيراً عن قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ فقال: هو طواف الوداع، وقال مالك في الموطأ واختلف المتألون في وجه صفة البيت بـ ﴿العتيق﴾، فقال مجاهد والحسن ﴿العتيق﴾ القديم يقال سيف عتيق وقد عتق الشيء، قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا قول يعضده النظر إذ هو أول بيت وضع للناس إلا أن ابن الزبير قال: سمي عتيقاً لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة بمنعه إياه منهم وروي في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا نظر مع الحديث، وقالت فرقة: سمي عتيقاً لأنه لم يملك موضعه قط، وقالت فرقة: سمي عتيقاً لأن الله تعالى يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب، قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا يرده التصريف، وقيل: سمي عتيقاً لأنه أعتق من غرق الطوفان، قاله ابن جبير، ويحتمل أن يكون ﴿العتيق﴾ صفة مدح تقتضي جودة الشيء كما قال ١٢٠ تفسير سورة الحج / الآيات: ٢٩ - ٣١ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ((حملت على فرس عتيق)) الحديث ونحوه قولهم كلام حر وطين حر، وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير فرضكم ذلك أو الواجب ذلك، ويحتمل أن يكون في موضع نصب بتقدير امتثلوا ذلك ونحو هذا الإضمار، وأحسن الأشياء مضمراً أحسنها مظهراً ونحو هذه الإشارة البليغة قول زهير: [البسيط] وسط الندى إذا ما قائل نطقا هذا وليس كمن يعطي بخطته والحرمات المقصودة ها هنا في أفعال الحج المشار إليها في قوله ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾ ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، قاله ابن زيد وغيره، ووعد على تعظيمها بعد ذلك تحريضاً، وتحريصاً، ثم لفظ الآية بعد ذلك يتناول كل حرمة لله تعالى في جميع الشرع. وقوله تعالى: ﴿فهو خير﴾، ظاهره أنها ليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير، ويحتمل أن يجعل ﴿خير﴾ للتفضيل على تجوز في هذا الموضع، وقوله تعالى: ﴿أحلت﴾ إشارة إلى ما كانت العرب تفعله من تحريم أشياء برأيها كالبحيرة والسائبة فأذهب الله تعالى ذلك وأحل لهم جميع ﴿الأنعام إلا ما يتلى﴾ عليهم في كتاب الله تعالى. في غير موضع ثم أمرهم باجتناب ﴿الرجس من الأوثان﴾ والكلام يحتمل معنيين أحدهما أن تكون ﴿من﴾ لبيان الجنس فيقع نهيه عن رجس الأوثان فيقع نهيها في غير هذا الموضع، والمعنى الثاني أن تكون ﴿من﴾ لابتداء الغاية فكأنه نهاهم عن الرجس عاماً ثم عين لهم مبدأ الذي منه يلحقهم إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس، ويظهر أن الإشارة إلى الذبائح التي كانت للأوثان فيكون هذا مما يتلى عليهم، ومن قال ﴿من﴾ للتبعيض قلب معنى الآية ويفسده، والمروي عن ابن عباس وابن جريج أن الآية نهي عن عبادة الأوثان، و﴿الزور﴾، عام في الكذب والكفر وذلك أن كل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور، وقال ابن مسعود وابن جريج: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عدلت شهادة الزور بالشرك))، وتلا هذه الآية، و﴿الزور﴾ مشتق من الزور وهو الميل ومنه في جانب فلان زور ويظهر أن الإشارة في زور أقوالهم في تحريم وتحليل مما كانوا قد شرعوه في الأنعام، و﴿حنفاء﴾، معناه مستقيمين أو مائلين إلى الحق بحسب أن لفظة الحنف من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل، و﴿حنفاء﴾ نصب على الحال، وقال قوم ﴿حنفاء﴾ معناه حجاجاً ع وهذا تخصيص لا حجة معه، و﴿غير مشركين﴾، يجوز أن يكون حالاً أخرى، ويجوز أن يكون صفة لقول ﴿حنفاء﴾ ثم ضرب تعالى مثلاً للمشرك بالله أظهره في غاية السقوط وتحمل والانبتات من النجاة بخلاف ما ضرب للمؤمن في قوله ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] ومنه قول علي رضي الله عنه: إذا حدثتكم عن رسول الله فلأن أخر من السماء إلى الأرض أهون علي من أن أكذب عليه، الحديث. وقرأ نافع وحده «فتخطّفه الطير)) بفتح الخاء وشد الطاء على حذف تاء التفعل وقرأ الباقون ((فتخْطفه)) بسكون الخاء وتخفيف الطاء، وقرأ الحسن فيما روي عنه ((فتِخِطّفه)) بكسر التاء والخاء وفتح الطاء مشددة، وقرأ أيضاً الحسن وأبو رجاء بفتح التاء وكسر الخاء والطاء وشدها، وقرأ الأعمش ((من السماء تخطفه)) بغير فاء وعلى نحو قراءة الجماعة وعطف المستقبل على الماضي لأنه بتقدير فهو تخطفه الطير، وقرأ أبو جعفر، ((الرياح))، و((السحيق)) البعيد ومنه قولهم أسحقه الله ومنه قوله عليه السلام ((فسحقاً فسحقاً) ومنه نخلة سحوق للبعيدة في السماء.