Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ تفسير سورة مريم / الآيات : ٥٦ - ٥٨ الذبيح غير إسحاق، ووصفه الله تعالى بـ ((صِدق الوعد)) لأنه كان مبالغاً في ذلك، روي أنه وعد رجلاً أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر الرجل يومه وليلته فلما كان في اليوم الآخر جاء الرجل فقال له ما زلت هنا في انتظارك منذ أمس. وفي كتاب ابن سلام أنه انتظره سنة وهذا بعيد غير صحيح والأول أصح، وقد فعل مثله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، ذكره النقاش وخرجه الترمذي وغيره، وذلك في مبايعة وتجارة وقيل وصفه بـ ((صدق الوعد)) لوفائه بنفسه في أمر الذبح إذ قال ﴿ستجدني إن شاء الله صابراً﴾ [الكهف: ٦٩] وقال سفيان بن عيينة: أسوأ الكذب إخلاف الميعاد ورمي الأبرياء بالتهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (العدة دين فناهيك بفضيلة الصدق)) في هذا و﴿أهله﴾، يريد بهم قومه وأمته، قاله الحسن، وفي مصحف عبد الله بن مسعود ((وكان يأمر قومه)). وقوله ﴿مرضياً﴾ أصله مرضوياً لقيت الواو وهي ساكنة الياء فأبدلت ياء وأدغمت ثم كسرت الضاد للتناسب في الحركات، وقرأ ابن أبي عبلة«وکان عند ربه مرضوآً)). قوله عز وجل : وَأَذَّكُرْ فِي الْكِتَبِ إِذْرِسَ إِنَّْ كَانَ صِدِّيقًا نَّبيًّا (﴾ وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ التَِّنَ مِنْ ذُرِّيَّةٍ ،َآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةٍ إِنْزَهِيمَ وَإِسْرَِّيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَأَجْنَبَيْنَآ إِذَا نَتْلَى عَلَهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَبِّكِيًّا ؟ ٥٨ ﴿ادريس﴾ عليه السلام هو من أجداد نوح عليه السلام، وهو أول نبي بعث إلى أهل الأرض، فيما روي، من بعد آدم، وهو أول من خط بالقلم وكان خياطاً، ووصفه الله بـ ((الصدق)) والوجه أن يحمل ذلك على العموم في الأحاديث والأعمال. قال ابن مسعود هو الياس بعث إلى قومه بأن يقولوا لا إله إلا الله. ويعملوا ما شاؤوا فأبوا فأهلكوا، والأشهر أنه لم يبعث بإهلاك أمة وإنما نبىء فقط واختلف الناس في قوله ﴿ورفعناه مكاناً علياً﴾ . فقال جماعة من العلماء هو رفع النبوءة والتشريف والمنزلة وهو في السماء كما سائر الأنبياء، وقالت فرقة: بل رفع إلى السماء، قال ابن عباس: كان ذلك بأمر الله كما رفع عيسى وهنالك مات، وقاله مجاهد إلا أنه قال: ولم يمت، وكذلك قال وهب وقال كعب الأحبار لابن عباس كان له خليل من الملائكة فحمله على جناحه وصعد به حتى بلغ السماء الرابعة فلقي هنالك ملك الموت فقال له إنه قيل لي اهبط إلى السماء الرابعة فاقبض فيها روح ﴿إدريس﴾ وإني لأعجب كيف يكون هذا، فقال له الملك الصاعد هذا ﴿إدريس﴾ معي فقبض روحه وروي أن هذا كله كان في السماء السادسة قاله ابن عباس، وكذلك هي رتبته في حديث الإسراء في بعض الروايات وحديث أنس بن مالك وأبي هريرة في الإسراء يقتضي أنه في السماء الرابعة. وقوله تعالى: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم) الإشارة بـ ﴿أولئك﴾ إلى من تقدم ذكره، وقوله ﴿من ذرية آدم﴾ يريد ﴿إدريس﴾ ونوحاً وممن حمل مع نوح إبراهيم عليه السلام، ﴿ومن ذرية إبراهيم) وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ومن ذرية (إسرائيل) موسى وهارون وزكرياء ويحيى ومريم. وقوله : ٢٢ تفسير سورة مريم / الآيات: ٥٩-٦٣ ﴿وممن هدینا﴾، معناه وأولئك ممن هدینا، لأن هدى الله قد ناله غير هؤلاء. ﴿واجتبينا﴾ معناه اصطفينا واخترنا وكأنه من جبيت المال إذا جمعته ومنه جباية المال وكأن جابيه يصطفيه، وقرأ الجمهور ((إذا تتلى)) بالتاء من فوق وقرأ نافع وشيبة، وأبو جعفر ((إذا يتلى)) بالياء، و((الآيات)) هنا الكتب المنزلة، و﴿سجداً﴾ نصب على الحال لأن مبدأ السجود سجود، وقرأ عمر بن الخطاب والجمهور ((بكياً))، قالت فرقة: هو جمع باك كما يجمع عاث وجاث على عثيّ وجثي، وقالت فرقة: هو مصدر بمعنى البكاء التقدير وبكوا ﴿بكياً﴾ واحتج الطبري ومكي لهذا القول بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه روي أنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال ((هذا السجود فأين البكيّ)) يعني البكاء، واحتجاجهم بهذا فاسد لأنه يحتمل أن يريد عمر رضي الله عنه ((فأين الباكون))، فلا حجة فيه لهذا وهذا الذي ذكروه عن عمر ذكره أبو حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ ابن مسعود ويحيى والأعمش ((وبِكياً)) بكسر الباء وهو مصدر على هذه القراءة لا يحتمل غير ذلك. قوله عز وجل : ◌َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ جَتَتِ عَدْنٍ اُلَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ ٦٠ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأَوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا بِالْغَيْبِ إِنٌَّ كَانَ وَعْدُهُ مَأْنِيًّا (٨)الَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا إِلَّا سَلَمَاً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ◌َلاَتِلْكَ ٦٣ اَلْجَنَّةُ الَّتِ نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَّقِيًّا ((الخلف)) بفتح اللام القرن يأتي بعد آخر يمضي، والابن بعد الأب، وقد يستعمل في سائر الأمور. ((والخلْف)) بسكون اللام مستعمل إذا كان الآتي مذموماً هذا مشهور كلام العرب وقد ذكر عن بعضهم أن الخلف والخلف بمعنى واحد وحجة ذلك قول الشاعر: لأولنا في طاعة الله تابع لنا القدم الأولى إليك وخلفنا وقرأ الجمهور ((الصلاة)) بالإفراد، وقرأ الحسن ((أضاعوا الصلوات)) بالجمع، وكذلك في مصحف ابن مسعود، والمراد بـ ((الخلف)) من كفر أو عصى بعد من بني إسرائيل، وقال مجاهد: المراد النصارى خلفوا بعد اليهود وقال محمد بن كعب ومجاهد وعطاء: هم قوم من أمة محمد آخر الزمان، أي يكون في هذه الأمة من هذه صفته لا أنهم المراد بهذه الآية، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((كان الخلف بعد ستين سنة))، وهذا عرف إلى يوم القيامة وتتجدد أيضاً المبادىء، واختلف الناس في (إضاعة الصلاة)) منهم، فقال محمد بن كعب القرظي وغيره: ((كانت إضاعة كفر وجحد بها)). وقال القاسم بن مخيمرة وعبد الله بن مسعود: ((كانت إضاعة أوقاتها والمحافظة على أوانها)) وذكره الطبري عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في حديث طويل. و﴿الشهوات﴾ عموم وكل ما ذكر من ذلك فمثال، و((الغي)» الخسران والحصول في الورطات ومنه قول الشاعر: [الطويل] فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما ٢٣ تفسير سورة مريم / الآيتان : ٦٥،٦٤ وبه فسر ابن زيد هذه الآية، وقد يكون ((الغي)) أيضاً بمعنى الضلال فيكون على هذا هنا حذف. مضاف تقديره ((يلقون جزاء الغي))، وبهذا فسر الزجاج. وقال عبد الله بن عمرو وابن مسعود ((غي)) واد في جهنم وبه وقع التوعد في هذه الآية، وقيل ((غي وآثام، نيران في جهنم)) رواه أبو أمامة الباهلي عن النبي عليه السلام. وقوله ﴿إلا من تاب﴾ استثناء يحتمل الاتصال والانقطاع، وقوله ﴿وآمن﴾ يقتضي أن الإضافة أولاً هي إضاعة كفر هذا مع اتصال الاستثناء، وعليه فسر الطبري. وقرأ الجمهور ((يُدخَلون)) بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الحسن كل ما في القرآن ((يَدخُلون)) بفتح الياء وضم الخاء. وقوله ﴿جنات عدن﴾، وقرأ جمهور الناس ((جنات عدن)) بنصب الجنات على البدل من قوله ﴿يدخلون الجنة﴾، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وأبو حيوة ((جناتٌ)) برفعها على تقدير تلك جنات، وقرأ علي بن صالح ((جنةَ)) على الإفراد والنصب وكذلك في مصحف ابن مسعود وقرأها الأعمش، و((العدن)) الإقامة المستمرة. قوله ﴿بالغيب﴾ أي أخبرهم من ذلك بما غاب عنهم، وفي هذا مدح لهم على سرعة إيمانهم وبدارهم إذ لم يعاينوا . و((المأتي)) مفعول على بابه، والآتي هو الإنجاز والفعل الذي تضمنه الوعد، وكان إتيانه إنما يقصد به ((الوعد)) الذي تقدمه. وقالت جماعة من المفسرين: هو مفعول في اللفظ بمعنى فاعل بمعنى آت وهذا بعيد، والنظر الأول أصوب، و((اللغو))، الساقط من القول، وهو أنواع مختلفة كلها ليست في الجنة، وقوله ﴿إلا سلاماً﴾، استثناء منقطع، المعنى لكن يسمعون كلاماً هو تحية الملائكة لهم في كل الأوقات. وقوله ﴿بكرة وعشياً﴾، يريد في التقدير أي يأتيهم طعامهم مرتين في مقدار اليوم والليلة من الزمن، ويروى أن أهل الجنة تنسد لهم الأبواب بقدر الليل في الدنيا فهم يعرفون البكرة عند انفتاحها والعشي عند انسدادها، وقال مجاهد: ليس بكرة ولا عشياً لكن يؤتى به على قدر ما كانوا يشتهون في الدنيا، وقد ذكر نحوه قتادة، أن تكون مخاطبة بما تعرفه العرب وتستغربه في رفاهة العيش، وجعل ذلك عبارة عن أن رزقهم يأتي على أكمل وجوهه. وقال الحسن: خوطبوا على ما كانت العرب تعلم من أفضل العيش وذلك أن كثيراً من العرب إنما كان يجد الطعام المرة في اليوم وهي غايته، وكان عيش أكثرهم من شجر البرية ومن الحيوان ونحوه ألا ترى قول الشاعر: [المنسرح] لصب توقى مواقع السبل عصرته نطفة تضمنها إن لم يزغها بالقوس لم تنلٍ أو وجبة من جناة أشكلة الوجبة الأكلة في اليوم. وقرأ الجمهور ((نورث)) بسكون الواو، وقرأ الأعمش (نورثها))، وقرأ الحسن والأعرج وقتادة ((نوَرّث)) بفتح الواو وشد الراء. قوله عز وجل : وَمَانَتَزَّلُ إِلَّ بِأَمْرِرَبِّكٌّ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( رَبُّ ٦٥ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَأَعْبُدُهُ وَأَصْطَبْ لِعِبَدَتِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا قرأ الجمهور ((وما نتنزل)) بالنون كأن جبريل عنى نفسه والملائكة، وقرأ الأعرج وما ((يتنزل)) بالياء على ٢٤ تفسير سورة مريم / الآيتان : ٦٤، ٦٥ أنه خبر من الله أن جبريل لا يتنزل، قال هذا التأويل بعض المفسرين، ويرده قوله ﴿ما بين أيدينا﴾ لأنه لا يطرد معه وإنما يتجه أن يكون خبراً من جبريل أن القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. ورويت قراءة الأعرج بضم الياء، وقرأ ابن مسعود ((إلا بقول ربك))،وقال ابن عباس وغيره: سبب هذه الآية، أن النبي عليه السلام أبطأ عنه جبريل مرة فلما جاءه قال ((يا جبريل قد اشتقت إليك أفلا تزورنا أكثر مما تزورنا))، فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد والضحاك: سببها أن جبريل تأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم عند قوله في السؤالات المتقدمة في سورة الكهف ((غداً أخبركم)) حتى فرح بذلك المشركون واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء جبريل ونزلت هذه في ذلك المعنى، فهي كالتي في الضحى، وهذه الواو التي في قوله ﴿وما نتنزل﴾ هي عاطفة جملة كلام على أخرى وواصلة بين القولين وإن لم يكن معناهما واحداً. وحكى النقاش عن قوم أن قوله ﴿وما نتنزل﴾ متصل بقوله ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً﴾ [مريم: ١٩]، وهذا قول ضعيف، وقوله (ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك﴾ لفظ يحتاج إلى ثلاث مراتب، واختلف المفسرون فيها، فقال أبو العالية ((ما بين الأيدي)) في الدنيا بأسرها إلى النفخة الأولى، ((وما خلف)) الآخرة من وقت البعث ﴿وما بين ذلك﴾ ما بين النفختين. وقال ابن جريج ((ما بين الأيدي)) هو ما مر من الزمن قبل إيجاد من في الضمير، ((وما خلف)) هو ما بعد موتهم إلى استمرار الآخرة ﴿وما بين ذلك﴾ هو مدة الحياة. قال القاضي أبو محمد: والآية إنما المقصد بها الإشعار بملك الله تعالى لملائكه وأن قليل تصرفهم وكثيره إنما هو بأمره وانتقالهم من مكان إلى مكان، إنما هو بحكمته إذ الأمكنة له وهم له، فلو ذهب بالآية إلى أن المراد بـ ((ما بين الأيدي وما خلف)) الأمكنة التي فيها تصرفهم، والمراد بـ ﴿ما بين ذلك﴾ هم أنفسهم ومقاماتهم لكان وجهها كأنه قال نحن مقيدون بالقدرة لا ننتقل ولا نتنزل إلا بأمر ربك. وقال ابن عباس وقتادة فيما روي وما أراه صحيحاً عنهما (ما بين الأيدي هي الآخرة وما خلف هو الدنيا))، وهذا مختل المعنى إلا على التشبيه بالمكان لأن مابين اليد إنما هو ما تقدم وجوده في الزمن بمثابة التوراة والإنجيل من القرآن وقول أبي العالية إنما يتصور في بني آدم وهذه المقالة هي للملائكة فتأمله. وقوله ﴿وما كان ربك نسياً﴾ أي ممن يلحقه نسيان بعثنا إليكم في وقت المصلحة به فإنما ذلك عن قدر له أي فلا تطلب أنت يا محمد الزيارة أكثر مما شاء الله هذا ما تقتضيه قوة الكلام على التأويل الواحد أو فلا تهتم يا محمد بتأخيري ولا تلفت لفرح المشركين بذلك على التأويل الثاني و﴿نسياً﴾ فعيل من النسيان والذهول عن الأمور، وقالت فرقة ﴿نسياً﴾ هنا معناه تاركاً، ع: وفي هذا ضعف لأنه إنما نفي النسيان مطلقاً فيتمكن ذلك في النسيان الذي هو نقص وأما الترك فلا ينتفي مطلقاً ألا ترى قوله تعالى: ﴿وتركهم في ظلمات﴾ [البقرة: ١٧] وقوله ﴿وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض﴾ [الكهف: ٩٩] فلو قال نسيك أو نحوه من التقييد لصح حمله على الترك، ولا حاجة بنا أن نقول إن التقييد في النية لأن المعنى الآخر أظهر. وقرأ ابن مسعود ((وما بين ذلك وما نسيك ريك))، وروى أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهي عافيته فاقبلوا» ثم تلا هذه الآية وقوله ﴿رب﴾ بدل من قوله ﴿وما كان ربك﴾، وقوله ﴿فاعبده واصطبر لعبادته﴾ أمر بحمل تكاليف الشرع وإشعار ما بصعوبتها كالجهاد ٢٥ تفسير سورة مريم / الآيات : ٦٦ - ٦٩ والحج والصدقات فهي شريعة تحتاج إلى اصطبار أعاننا الله عليها بمنه. وقرأ الجمهور ((هل تعلم)) بإظهار اللام، وقرأ علي بن نصر عن أبي عمرو بإدغام اللام في التاء وهي قراءة عيسى والأعمش والحسن وابن محيصن قال أبو علي: سيبويه يجيز إدغام اللام في الطاء والتاء والدال والثاء والضاد والزاي والسين، وقرأ أبو عمرو ((وهل ثوب)) بإدغامها في الثاء وإدغامها في التاء أحق لأنها أدخل معها في الفم ومن إدغامها في التاء ما روي من قول مزاحم العقيلي : [الطويل] فذرذا ولكن هل تعين متيماً على ضوء برق آخر الليل ناصب وقوله ﴿سمياً﴾، قال قوم: وهو ظاهر اللفظ معناه موافقاً في الاسم وهذا يحسن فيه أن يريد بالاسم ما تقدم من قوله ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾ أي هل تعلم من يسمى بهذا ويوصف بهذه الصفة؟ وذلك أن الأمم والفرق لا يسمون بهذا الاسم وثناً ولا شيئاً سوى الله تعالى، وأما الألوهية والقدرة وغير ذلك فقد يوجه السمي فيها وذلك باشتراك لا بمعنى واحد. وقال ابن عباس وغيره: قوله ﴿سمياً﴾ معناه مثيلاً أو شبيهاً أو نحو ذلك، وهذا قول حسن، وكأن السمي بمعنى المسامي والمضاهي فهو من السمو، وهذا القول يحسن في هذه الآية ولا يحسن فيما تقدم في ذكر يحيى عليه السلام. قوله عز وجل : وَيَقُولُ آلْإِنسَنُ أَءِ ذَا مَامِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنِسَنُ أَنَا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْيَكُ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِئِيًّا شَيْئًا جَّ ٦٨ لَنَفْزِعَنَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنْيًّاً ٦٩ ﴿الإنسان﴾ اسم للجنس يراد به الكافر، وروي أن سبب هذه الآية هو أن رجالاً من قريش كانوا يقولون هذا ونحوه، وذكر أن القائل هو أبي بن خلف جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم مرفت فنفخ فيه وقال أيبعث هذا وكذب وسخر، وقيل إن القائل هو العاصي بن وائل، وقرأ الأعرج وأبو عمرو («ائذا مامت)) بالاستفهام الظاهر، وقرأت فرقة ((إذا)) دون ألف استفهام وقد تقدم هذا مستوعباً، وقرأت فرقة بكسر الميم، وقرأت فرقة ((مُت)) بضمها. واللام في قوله ﴿لسوف﴾ مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى كأن قائلاً قال للكافر إذا مت يا فلان لسوف تخرج حياً فقرر الكافر على الكلام على جهة الاستبعاد وكرر اللام حكاية للقول الأول. وقرأ جمهور الناس ((أُخرَج)) بضم الهمزة وفتح الراء، وقرأ الحسن بخلاف وأبو حيوة ((أَخرُج)) بفتح الهمزة وضم الراء. وقوله ﴿أو لا يذكر﴾ احتجاج خاطب الله تعالى به نبيه عليه السلام رداً على مقالة الكافر. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر ((ويذكر))، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ((يذكّر)) بشد الذال والكاف، وقرأ أبي بن كعب ((يتذكر)»، والنشأة الأولى والإخراج من العدم إلى الوجود أوضح دليل على جواز البعث من القبور ثم قرر ذلك وأوجبه السمع، وقوله ﴿ولم يك شيئاً﴾ دليل على أن المعدوم لا يسمى ﴿شيئاً﴾ وقال أبو علي الفارسي أراد ﴿شيئاً﴾ موجوداً. قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة اعتزالية فتأملها وقوله ﴿فوربك﴾ الآية وعيد يكون ما نفوه على ٢٦ تفسير سورة مريم / الآيات : ٦٦ - ٦٩ أصعب وجوهه، والضمير في قوله ﴿النحشرنهم﴾ عائد للكفار القائلين ما تقدم، ثم أخبر أنه يقرن بهم ﴿الشياطين﴾ المغوين لهم. وقوله ﴿جثياً﴾ جمع جاث کقاعد وقعود وجالس وجلوس وأصله جثووا ولیس في كلام العرب واو متطرفة قبلها ضمة فوجب لذلك أن تعل، ولم يعتد هاهنا بالساكن الذي بينهما لخفته وقلة حوله فقلبت ياء فجاء جثوياً فاجتمع الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ياء ثم أدغمت ثم كسرت التاء للتناسب بين الكسرة والياء. وقرأ الجمهور ((جُثياً)) و((صُلياً)) [مريم: ٧٠] بضم الجيم والصاد، وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش ((جِثياً)) و((صِلياً)) [ذاته] بكسر الجيم والصاد وأخبر الله تعالى أنه يحضر هؤلاء المنكرين للبعث مع الشياطين فيجثون حول جهنم وهي قعدة الخائف الذليل على ركبتيه كالأسير. ونحوه قال قتادة ﴿جئياً﴾ معناه على ركبهم وقال ابن زيد: الجثي شر الجلوس، و((الشيعة)) الفرقة المرتبطة بمذهب واحد المتعاونة فيه كأن بعضهم يشيع بعضاً أي ينبه، ومنه تشييع النار بالحطب وهو وقدها به شيئاً بعد شيء، ومنه قيل للشجاع مشيع القلب فأخبر الله أنه ينزع ﴿من كل شيعة﴾ أعتاها وأولاها بالعذاب فتكون تلك مقدمتها إلى النار. قال أبو الأحوص: المعنى نبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً، ثم أخبر تعالى في الآية بعد، أنه أعلم بمستحقي ذلك وأبصر لأنه لم تخف عليه حالهم من أولها إلى آخرها. وقرأ بعض الكوفيين ومعاذ بن مسلم وهارون القاري ((أيَّهم)) بالنصب، وقرأ الجمهور ((أَيُّهم)) بالرفع، إلا أن طلحة والأعمش سكنا ميم ((أيهمْ)) واختلف الناس في وجه رفع ((أي))، فقال الخليل رفعه على الحكاية بتقدير الذي يقال فيه من أجل عتوه ((أيُّهم)) أشد وقرنه بقول الشاعر: [الكامل] · فأبيت لا حرج ولا محروم ولقد أبيت من الفتاة بمنزل أي فأبيت يقال فيَّ لا حرج ولا محروم. ورجح الزجاج قول الخليل وذكر عنه النحاس أنه غلط سيبويه في قوله في هذه المسألة، قال سيبويه: ويلزم على هذا أن يجوز أضرب السارق الخبيث أي الذي يقال له ع: وليس بلازم من حيث هذه أسماء مفردة والآية جملة وتسلط الفعل على المفرد أعظم منه على الجملة، ومذهب سيبويه أن ((أيُّهم)) مبني على الضم إذ هي أخت ((الذي ولما)) وخالفتهما في جواز الإضافة فيها فأعربت لذلك، فلما حذف من صلتها ما يعود عليها ضعفت فرجعت إلى البناء، وكأن التقدير ((أيُّهم)) هو أشد. قال أبو علي: حذف ما الكلام مفتقر إليه فوجب البناء، وقال يونس: علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء، قال أبوعلي: معنى ذلك أنه معمل في موضع من كل شيعة إلا أنه ملغى لأنه لا تعلق جملة إلا أفعال الشك كظننت ونحوها مما لم يتحقق وقوعه، وقال الكسائي ﴿لننزعن﴾ أريد به لننادين فعومل معاملة الفعل المراد فلم يعمل في ((أي))، وقال المبرد ((أيُّهم)) متعلق بـ ﴿شيعة﴾ فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تشايعوا ((أيُّهم)) أشد كأنهم يتبارون إلى هذا ويلزمه أن يقدر مفعولاً لـ ((ننزع)) محذوفاً. وقرأ طلحة بن مصرف ((أيهم أكبر)). و﴿عتياً﴾ مصدر أصله عتوواً وعلل بما علل ﴿جثياً﴾ وروى أبو سعيد الخدري ((أنه يندلق عنق من النار فيقول إني أمرت بكل جبار عنيد)) فتلتقطهم الحديث. قوله عز وجل : وَإِنِ مِّنْكُمْ إِلََّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمَامَّقْضِيًّا ج ثُمَّلَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا لَّـ ٧١ ٢٧ تفسير سورة مريم / الآيات : ٧٠ - ٧٢ ثُمَ نُنَجِى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا حِثِيًّا أي نحن في ذلك النزع لا نضع شيئاً غير موضعه لأنا قد أحطنا علماً بكل أحد فالأولى بصلي النار نعرفه، و((الصلي)) مصدر صلي يصلى إذا باشره قال ابن جريج: المعنى ﴿أولى﴾ بالخلود، وقوله ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي عليه السلام ((من مات له ثلاث من الولد لم تمسه الناء إلا تحلة القسم)). وقرأ ابن عباس وعكرمة وجماعة ((وإن منهم)) بالهاء على إرادة الكفار فلا شغب في هذه القراءة، وقالت فرقة من الجمهور القارئين ﴿منكم) المعنى قل لهم يا محمد فإنما المخاطب منكم الكفرة وتأويل هؤلاء أيضاً سهل التناول، وقال الأكثر المخاطب العالم كله ولا بد من ((ورود)» الجميع، واختلفوا في كيفية ((ورود)) المؤمنين فقال ابن مسعود وابن عباس وخالد بن معدان وابن جريج وغيرهم: ((ورود)) دخول لكنها لا تعدو على المؤمنين ثم يخرجهم الله منها بعد معرفتهم بحقيقة ما نجوا منه، وروي عن ابن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجي: أما أنا وأنت فلا بد أن نردها، فأما أنا فينجيني الله منها، وأما أنت فما أظنه ينجيك. وقالوا: في القرآن أربعة أوراد معناها الدخول هذه أحدها، وقوله تعالى: ﴿يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار﴾ [هود: ٩٨]، وقوله ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً﴾ [مريم: ٨٦]، وقوله ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقالوا كان من دعاء بعض السلف ((اللهم أدخلني النار سالماً وأخرجني منها غانماً)). وروى جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام أنه قال ((الورود في هذه الآية هو الدخول)). وأشفق كثير من العلماء من تحقق الورود والجهل بالصدر، وقالت فرقة بل هو ورود إشراف واطلاع وقرب كما تقول وردت الماء إذا جئته، وليس يلزم أن تدخل فيه، قال وحسب المؤمنين بهذا هولاً ومنه قوله تعالى: ﴿ولما ورد ماء مدين﴾ [القصص: ٢٣]، وروت فرقة أن الله تعالى يجعل يوم القيامة النار جامدة الأعلى كأنها اهالة. فيأتي الخلق كلهم، برهم وفاجرهم، فيقفون عليها ثم تسوخ بأهلها ويخرج المؤمنون الفائزون لم ينلهم ضر، قالوا فهذا هو ((الورود))، وروت حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية))، فقالت يا رسول الله وأين قول الله ﴿وإن منكم إلا واردها﴾، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فمه ثم ننجي الذين اتقوا»، ورجح الزجاج هذا القول بقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء: ١٠١]ع: وهذا ضعيف وليس هذا موضع نسخ وقال عبد الله بن مسعود: ورودهم هو جوازهم على الصراط وذلك أن الحديث الصحيح تضمن ((أن الصراط مضروب على جسر جهنم فيمر الناس كالبرق وكالريح وكالجواد من الخيل على مراتب ثم يسقط الكفار في جهنم وتأخذهم كلاليب))، قالوا فالجواز على الصراط هو ((الورود)) الذي تضمنته هذه الآية، وقال مجاهد: ورود المؤمنين هو الحمى التي تصيب في دار الدنيا، وفي الحديث ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء)»، وفي الحديث ((الحمى حظ كل مؤمن من النار))، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل ؛ مريض عاده من الحمى : إن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من نار الآخرة فهذا هو الورود. و((الحتم)) الأمر المنفذ المجزوم، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس ((ثم ننجي)) بفتح الثاء من 1 ٢٨ تفسير سورة مريم / الآيتان : ٧٣، ٧٤ (ثم)) على الظرف، وقرأ ابن أبي لیلی ((ثَمة)) بفتح الثاء وهاء السکت، وقرأ تافع وابن کثیر وجمهور من الناس ((ننَجّي)) بفتح النون الثانية وشد الجيم، وقرأ يحيى والأعمش (ننْجي)) بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم، وقرأت فرقة ((نُجّي)) بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وقرأ علي بن أبي طالب ((ثَّم)) بفتح الثاء ((ننحي)) بالحاء غير منقوطة. و ﴿الذين اتقوا﴾ معناه اتقوا الكفر، وقال بعض العلماء لا يضيع أحد بين الإيمان والشفاعة. ﴿ونذر﴾ دالة على أنهم كانوا فيها، والظلم هنا هو ظلم الكفر، وقد تقدم القول في قوله ﴿جئياً﴾، وقرأ ابن عباس ((الذين اتقوا منها ونترك الظالمين)). قوله عز وجل : وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَءَامَنُوَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّاً ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَئًا وَرِهْيًّا ثَّاقُلْ مَنْ كَانَ فِ الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْلَهُ الرَّحْمَنُ مَنَّأَ قرأ الأعرج وابن محيصن وأبو حيوة ((يتلى)) بالياء من تحت، وسبب هذه الآية أن كفار قريش لما كان الرجل منهم يكلم المؤمن في معنى الدين فيقرأ المؤمن عليه القرآن ويبهره بآيات النبي عليه السلام، كان الكافر منهم يقول إن الله إنما يحسن لأحب الخلق إليه وإنما ينعم على أهل الحق ونحن قد أنعم الله علينا دونكم فنحن أغنياء وأنتم فقراء ونحن أحسن مجلساً وأجمل شارة فهذا المعنى ونحوه هو المقصود بالتوقيف في قوله ﴿أي الفريقين﴾، وقرأ نافع وابن عامر ((مَقاماً)) بفتح الميم ﴿ولا مَقام لكم﴾ [الأحزاب: ١٣] بالفتح أيضاً، وهو المصدر من قام أو الظرف منه أي موضع القيام، وهذا يقتضي لفظ المقام إلا أن المعنى في هذه الآية يحرز أنه واقع على الظرف فقط، وقرأ أبيّ ﴿في مُقام أمين﴾ [الدحان: ٥١] بضم الميم، وقرأ ابن كثير ((مُقاماً)) بضم الميم وهو ظرف من أقام وكذلك أيضاً يجيء المصدر منه مثل ﴿مجراها ومرساها﴾ [هود: ٤١] وقرأ ﴿في مَقام أمين﴾ [الدخان: ٥١] ((ولا مَقام لكم)) [الأحزاب: ١٣] بالفتح، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم جميعهن بالفتح، وروى حفص عن عاصم ((لا مُقام لكم)) بالضم. و((الندي)) والنادي المجلس فيه الجماعة ومنه قول حاتم الطائي: ولم ينظر إلي بأعين خزر فدعيت في أولى الندي وقوله ﴿وكم﴾ مخاطبة من الله تعالى لمحمد خبر يتضمن كسر حجتهم واحتقار أمرهم لأن التقدير: هذا الذي افتخروا به لا قدر له عند الله وليس بمنج لهم فكم أهلك الله من الأمم لما كفروا وهم أشد من هؤلاء وأكثر أموالاً وأجمل منظراً. و((القرن)) الأمة يجمعها العصر الواحد، واختلف الناس في قدر المدة التي إذا اجتمعت لأمة سميت تلك الأمة قرناً، فقيل مائة سنة، وقيل ثمانون، وقيل سبعون، وقد تقدم القول في هذا غير مرة، و((الأثاث)) المال العين والعرض والحيوان وهو اسم عام واختلف هل هو جمع أو إفراد. فقال الفراء: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه كالمتاع، وقال خلف الأحمر: هو جمع واحده أثاثة كحمامة وحمام ومنه قول الشاعر: [الوافر] ٢٩ تفسير سورة مريم / الآيات: ٧٥ - ٨٠ - -- بذي الزي الجميل من الأثاث أشاقتك الظعائن يوم بانوا وأنشد أبو العباس : [الوافر] لقد علمت عرينة حيث كانت بأنا نحن أكثرهم أثاثا وقرأ نافع بخلاف وأهل المدينة ((وريّا)) بياء مشددة، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه وطلحة ((وريا)) بياء مخففة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ((ورءياً)) بهمزة بعدها ياء على وزن رعياً، ورويت عن نافع وابن عامر رواها أشهب عن نافع وقرأ أبو بكر عن عاصم ((وريئاً)) بياء ساكنة بعدها همزة وهو على القلب وزنه فلعاً وكأنه من راع وقال الشاعر: [الطويل] من أجلك هذا هامة اليوم أو غد وكل خليل راءني فهو قائل فأما القراءتان المهموزتان فهما من رؤية العين الرئي اسم المرئي والظاهر للعين كالطحن والسقي، قال ابن عباس الرئي المنظر قال الحسن ((ورياً)) معناه صوراً وأما المشددة الياء فقيل هي بمعنى المهموزة إلا أن الهمزة خففت لتستوي رؤوس الآي، وذكر منذر بن سعيد عن بعض أهل العلم أنه من (الري)) في السقي كأنه أراد أنهم خير منهم بلاداً وأطيب أرضاً وأكثر نعماً إذ جملة النعم إنما هي من الري والمطر، وأما القراءة المخففة الياء فضعيفة الوجه، وقد قيل هي لحن، وقرأ سعيد بن جبير ويزيد البربري وابن عباس أيضاً ((وزياً)) بالزاي وهو بمعنى الملبس وهيئته تقول زييت بمعنى زينت، وأما قوله ﴿قل من كان في الضلالة) الآية فقول يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون بمعنى الدعاء والابتهال كأنه يقول الأصل منا أو منكم «مد)) الله له أي أملى له حتى يؤول ذلك إلى عذابه، والمعنى الآخر أن يكون بمعنى الخبر كأنه يقول من كان ضالاً من الأمم فعادة الله فيه أنه ((يمد)) له ولا يعاجله حتى يفضي ذلك إلى عذابه في الآخرة، فاللام في قوله ﴿فليمدد﴾ على المعنى الأول لام رغبة في صيغة الأمر، وعلى المعنى الثاني لام أمر دخلت في معنى الخبر ليكون أوكد وأقوى وهذا موجود في كلام العرب وفصاحتها . قوله عز وجل : حَقَّ إِذَارَأَوْمَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا أَوَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْاْ هُدَّىٌّ وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا ٧٦ ٧٥ أَفَرَءَ يْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَ مَالَا وَوَلَدًا (٦) أَطَلَعَ الْغَيْبَ أَمِّ ◌َتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدَالـ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِينَا (٧٩ كَلَّأَّ سَنَكْنُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُذُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًا (٧٨ ٨٠ فَرْدًا ﴿حتى﴾ في هذه الآية حرف ابتداء دخلت على جملة وفيها معنى الغاية، و﴿إذا﴾ شرط، وجوابها في قوله ﴿فسيعلمون﴾ والرؤية رؤية العين، و﴿العذاب﴾ و﴿الساعة﴾ بدل من ﴿ما﴾ التي وقعت عليها ٣٠ تفسیر سورة مريم / الآيات: ٧٥ - ٨٠ ﴿رأوا﴾ و﴿إما﴾ هي المدخلة للشك في أول الكلام والثانية عطف عليها، و﴿العذاب﴾ يريد به عذاب الدنيا ونصرة المؤمنين عليهم، و((الجند)) النصرة والقائمون بأمر الحرب، و﴿شر مكاناً﴾ بإزاء قولهم ﴿خيرِ مقاماً﴾ [مريم: ٧٣] ﴿وأضعف جنداً﴾ بإزاء قولهم ﴿أحسن ندياً﴾ [مريم: ٧٢] ولما ذكر ضلالة الكفرة وارتباكهم في الافتخار بنعم الدنيا وعماهم عن الطريق المستقيم عقب ذلك بذكر نعمته على المؤمنين في أنهم يزيدهم ﴿هدى﴾ في الارتباط إلى الأعمال الصالحة والمعرفة بالدلائل الواضحة وزيادة العلم دأباً. قال الطبري عن بعضهم المعنى بناسخ القرآن ومنسوخه ع: وهذا مثال وقوله ﴿والباقيات الصالحات﴾ إشارة إلى ذلك الهدى الذي يزيدهم الله تعالى أي وهذه النعم على هؤلاء ﴿خير﴾ عند الله ﴿ثواباً﴾ وخير مرجعاً. والقول في زيادة الهدى سهل بين الوجوه، وأما ﴿الباقيات الصالحات﴾ فقال بعض العلماء هو كل عمل صالح يرفع الله به درجة عامله، وقال الحسن هي ((الفرائض))، وقال ابن عباس هي ((الصلوات الخمس)) وروي عن النبي عليه السلام ((أنها الكلمات المشهورات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)). وقد قال رسول الله عليه السلام لأبي الدرداء ((خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن فهن الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة)). وروي عنه عليه السلام أنه قال يوماً ((خذوا جنتكم)) قالوا يا رسول الله أمن عدو حضر قال ((من النار)) قالوا ما هي يا رسول الله، قال «سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))، وهن الباقيات الصالحات)). وكان أبو الدرداء يقول إذا ذكر هذا الحديث: لأهللن، ولأكبرن الله، ولأسبحنه حتى إذا رآني الجاهل ظنني مجنوناً، وقوله ﴿أفرأيت الذي كفر﴾ الآية، الفاء في قوله ﴿أفرأيت﴾ عاطفة بعد ألف الاستفهام وهي عاطفة جملة على جملة، و﴿الذي كفر﴾ يعني به. العاصي بن وائل السمهي، قاله جمهور المفسرين، وكان خبره أن خباب بن الأرتّ كان قيناً في الجاهلية فعمل له عملاً واجتمع له عنده دين فجاءه يتقاضاه فقال له العاصي، لا أنصفك حتى تكفر بمحمد، فقال خباب: لا أكفر بمحمد حتى يمييتك الله ثم يبعثك، قال العاصي: أو مبعوث أنا بعد الموت؟ قال خباب نعم، قال: فإنه إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دينك، فنزلت الآية في ذلك، وقال الحسن نزلت الآية في الوليد بن المغيرة المخزومي وقد كانت للوليد أيضاً أقوال تشبه هذا الغرض، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((وولّدا)) على معنى اسم الجنس بفتح الواو واللام وكذلك في سائر ما في القرآن إلا في سورة نوح ﴿ماله وولده﴾ [نوح: ٢١] فإنما قرأ بضم الواو وسكون اللام، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو في كل القرآن، وقرأ حمزة والكسائي ((ووُلْداً)) بضم الواو وسكون اللام وكذلك في جميع القرآن، وقرأ ابن مسعود ((وِلْداً)) بكسر الواو وسكون اللام، واختلف مع ضم الواو فقال بعضهم: هو جمع ((ولد كأسد وأسد)» واحتجوا بقول الشاعر: [مجزوء الكامل] قد ثمروا مالاً وولدا فلقد رأيت معاشراً وقال بعضهم هو بمعنى الولد واحتجوا بقول الشاعر: [الطويل] فليت فلاناً كان في بطن أمه وليت فلاناً كان ولد حمار قال أبو علي في قراءة حمزة والكسائي ما كان منه مفرداً قصد به المفرد، وما كان منه جمعاً قصد ٣١ تفسير سورة مريم / الآيات: ٨١ - ٨٧ الجمع، وقال الأخفش: الولد الابن والابنة، والولد الأهل والوالد وقال غيره: والولد بطن الذي هو منه، حكاه أبو علي في الحجة، وقوله ﴿أطلع الغيب﴾ توقيف والألف للاستفهام وحذفت ألف الوصل للاستغناء عنها، واتخاذ العهد معناه بالإيمان والأعمال الصالحة، و﴿كلا﴾ زجر ورد، ثم أخبر تعالى أن قول هذا الكافر سيكتب على معنى حفظه عليه ومعاقبته به. وقرأ ((سنكتب)) بالنون أبو عمرو والحسن وعيسى، وقرأ عاصم والأعمش ((سيُكتب)) بياء مضمومة، ومد العذاب هو إطالته وتعظيمه وقوله ﴿ما يقول﴾ أي هذه الأشياء التي سمى أنه يؤتاها في الآخرة يرث الله ما له منها في الدنيا فإهلاكه وتركه لها، فالوراثة مستعارة ويحتمل أن يكون خيبته في الآخرة كوراثة ما أمل. وفي حرف ابن مسعود ((ونرثه ما عنده))، وقال النحاس ﴿نرثه ما يقول﴾ معناه نحفظه عليه لنعاقبه، ومنه قول النبي عليه السلام ((العلماء ورثة الأنبياء)) أي حفظة ما قالوا فكأن هذا المجرم يورث هذا المقالة. وقوله ﴿فرداً﴾ يتضمن ذلته وقلة انتصاره. قوله عز وجل : وَأَخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِءَالِهَةً لِّيَكُونُوْلَهُمْ عِزَّا جَ كَلََّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (﴿ أَمْتَرَأَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَنَّا ﴾ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدَّا. لَّا (٨٦ يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٥ْ وَنَسُوقُ اَلْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَتَّمَ وِرْدًا ! ٨٧ يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا اتخذ افتعل من أخذ لكنه يتضمن إعداداً من المتخذ وليس ذلك في أخذ، والضمير في ﴿اتخذوا﴾ لعبادة الأوثان والآلهة الأصنام وكل ما عبد من دون الله، ومعنى قوله ﴿عزاً﴾ العموم في النصرة والمنفعة وغير ذلك من وجوه الخير، وقوله ﴿كلا﴾ زجر وردع، وهذا المعنى لازم لـ ﴿كلا﴾ فإن كان القول المردود منصوصاً عليه بان المعنى، وإن لم يكن منصوصاً عليه فلا بد من أمر مردود يتضمنه القول كقوله عز وجل ﴿كلا إن الإنسان ليطغى﴾ [العلق: ٦] فإن قوله ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥] يتضمن مع ما قبله أن الإنسان يزعم من نفسه ويرى أن له حولا ما ولا يتفكر جداً في أن الله علمه ما لم يعلم وأنعم عليه بذلك وإلا كان معمور جهل، وقرأ الجمهور ((كلا)» على ما فسرناه، وقرأ أبو نهيك ((كلاً)) بفتح الكاف والتنوين حكاه عنه أبو الفتح وهو نعت لـ ﴿آلهة﴾ وحكى عنه أبو عمرو الداني ((كُلَّاً)) بضم الكاف والتنوين وهو منصوب بفعل مضمر يدل عليه سيكفرون تقديره يرفضون أو ينكرون أو يجحدون أو نحوه، واختلف المفسرون في الضمير الذي في ﴿سيكفرون﴾ وفي ﴿ بعبادتهم﴾ فقالت افرقة: الأول للكفار والثاني للمعبودين والمعنى أنه سيجيء يوم القيامة من الهول على الكفار والشدة ما يدفعهم إلى جحد الكفر وعبادة الأوثان، وذلك كقوله تعالى حكاية عنهم ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣] وقالت فرقة: الأول للمعبودين والثاني للكفار والمعنى أن الله تعالى يجعل للأصنام حياة تنكر بها ومعها عبادة الكفار وأن يكون لها من ذلك ذنب، وأما المعبود من الملائكة وغيرهم فهذا منهم بين. وقوله ﴿ضدا﴾ معناه يجيئهم منهم خلاف ما كانوا أملوه فيؤول ذلك بهم إلى ذلة ضد ما أملوه من العز وهذه صفة عامة، وقال قتادة ﴿ضدأ﴾ معناه قرناء، وقال ابن عباس: ٣٢ تفسير سورة مريم / الآيات : ٨١ - ٨٧ معناه أعواناً، وقال لضحاك: أعداء، وقال ابن زيد: بلاء، وقيل غير هذا مما لفظ القرآن أعم منه وأجمع للمعنی المقصود،والضد هنا مصدر وصف به الجمع كما يوصف به الواحد، وحکی الطبري عن أبي نهيك أنه قرأ ((كل)) بالرفع ورفعها بالابتداء، وقوله ﴿ألم تر أنا أرسلنا الشياطين) الآية، الرؤية في الآية رؤية القلب، و﴿أرسلنا﴾ معناه سلطنا أو لم نحل بينهم وبينهم فكله تسليط وهو مثل قوله نقيض له شيطاناً وتعديته بـ ﴿على﴾ دال على أنه تسليط، و﴿تؤزهم) معناه تغليهم وتحركهم إلى الكفر والضلال قال قتادة تزعجهم إزعاجاً، قال ابن زيد: تشليهم أشلاء ومنه أزيز القدر وهو غليانه وحركته ومنه الحديث أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ((فوجدته يصلي وهو يبكي ولصدره أزيز كأزيز المرجل)) وقوله ﴿فلا تعجل عليهم﴾ أي لا تستبطىء عذابهم وتحب تعجيله، وقوله ﴿نعد لهم عداً﴾ أي مدة نعمتهم وقبيح أعمالهم لنصيرهم إلى العذاب إما في الدنيا وإلا ففي الآخرة، قال ابن عباس: نعد أنفاسهم. قال القاضي أبو محمد: وما تضمنته هذه الألفاظ من الوعيد بعذاب الآخرة هو العامل في قوله ﴿يوم﴾ ويحتمل أن يعمل فيه لفظ مقدر تقديره واذكر أو احذر ونحو هذا، و ((الحشر)) الجمع، وقد صار في عرف ألفاظ الشرع البعث من القبور، وقرأ الحسن يوم ((يحشر المتقون ويساق المجرمون»، وروي عنه ((ويسوق المجرمين)) بالياء. و((المتقون)) هم المؤمنون الذين قد غفر لهم، وظاهر هذه الوفادة أنها بعد انقضاء الحساب، وإنما هي النهوض إلى الجنة، وكذلك سوق المجرمين إنما هو لدخول النار. و﴿وفداً﴾ قال المفسرون معناه ركباناً وهي عادة الوفود لأنهم سراة الناس وأحسنهم شكلاً فشبه أهل الجنة بأولئك لا أنهم في معنى الوفادة إذ هو مضمن الانصراف، وإنما المراد تشبيههم بالوفد هيئة وكرامة، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنهم يجيئون ركباناً على النوق المحلاة بحلية الجنة خطمها من ياقوت وزبرجد ونحو هذا، وروي عن عمر بن قيس الملائي أنهم يركبون على تماثيل من أعمالهم الصالحة هي في غاية الحسن، وروي ((أنهم يركب كل أحد منهم ما أحب فمنهم من يركب الإبل ومن يركب الخيل ومن يركب السفن فتجيء عائمة بهم))، وقد ورد في الضحايا أنها مطاياكم إلى الجنة، وفي أكثر هذا بعد، لكن ذكرناه بحسب الجمع للأقوال و((السوق)) يتضمن هواناً لأنهم يحفزون من ورائهم، و((الورد)) العطاش قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن، وهم القوم الذين يحتفزون من عطشهم لورود لماء، ويحتمل أن يكون المصدر المعنى نوردهم ﴿ورداً﴾ وهكذا يجعله من رأى في القرآن أربعة أوراد في النار وقد تقدم ذكر ذلك في هذه السورة، واختلف المتأولون في الضمير في قوله ﴿يملكون﴾ فقالت فرقة: هو عائد على المجرمين، أي ﴿لا يملكون﴾ أن يشفع لهم ولا سبيل لهم إليها، وعلى هذا التأويل فهم المشركون خاصة، ويكون قوله ﴿إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً﴾ استثناء منقطعاً، أي لكن من اتخذ عهداً يشفع له، والعهد على هذا الإيمان قال ابن عباس: العهد لا إله إلا الله. وفي الحديث ((يقول الله تعالى يوم القيامة من كان له عندي عهد فليقم)) وفي الحديث ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن تامة كان له عند الله عهد أن يدخل الجنة)). والعهد أيضاً الإيمان وبه فسر قوله ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] ويحتمل أن يكون ((المجرمون)) يعم الكفرة والعصاة ثم أخبر أنهم ﴿لا يملكون الشفاعة﴾ إلا العصاة المؤمنون فإنهم يشفع فيهم فيكون الاستثناء متصلاً، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا أزال أشفع حتى أقول يا رب شفعني ٣٣ تفسير سورة مريم / الآيات: ٨٨ - ٩٦ فيمن قال لا إله إلا الله)) فيقول يا محمد إنها ليست لك ولكنها لي. وقالت فرقة: الضمير في قوله ﴿لا يملكون﴾ للمتقين، قوله ﴿إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً﴾ أي إلا من كان له عمل صالح مبرز يحصل به في حيز من يشفع وقد تظاهرت الأحاديث بأن أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون فيشفعون، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال؛ ((إن في أمتي رجلاً يدخل الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم))، قال قتادة: وكنا نحدث أن الشهيد يشفع في سبعين، وقال بعض هذه الفرقة معنى الكلام ﴿إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً﴾ أي لا يملك المتقون الشفاعة إلا لهذه الصنيفة فيجيء ﴿من﴾ في التأويل الواحد للشافعين، وفي الثاني للمشفوع فيهم، وتحتمل الآية أن يراد بـ ﴿من﴾ محمد عليه السلام وبالشفاعة الخاصة لمحمد العامة للناس، ويكون الضمير في ﴿يملكون﴾ لجميع أهل الموقف، ألا ترى أن سائر الأنبياء يتدافعون الشفاعة حتى تصير إليه فيقوم إليها مدلاً، فالعهد على هذا النص على أمر الشفاعة، وقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ [الإسراء: ٧٩]. قوله عز وجل: وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًّا ◌َ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٩ْ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا ( أَنْ دَعَوْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًّا جَ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٢) لَّقَدْ أَحْصَنْهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدَّا ٩٤ وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْدًا ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْالصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً الضمير في ﴿قالوا﴾ للكفار من العرب في قولهم للملائكة بنات الله وللنصارى ولكل من كفر بهذا النوع من الكفر، وقوله ﴿جئتم شيئاً﴾ بعد الكناية عنهم بمعنى قل لهم يا محمد، و((الإد)) الأمر الشنيع الصعب وهي الدواهي والشنع العظيمة، ويروى عن النبي عليه السلام أن هذه المقالة أول ما قيلت في العالم شاك الشجر وحدثت، وفي نسخة، وحدثت مرائره واستعرت جهنم وغضبت الملائكة وقرأ الجمهور، ((إداً)) بكسر الهمزة، وقرأ أبو عبد الرحمن ((أداً)) بفتح الهمزة، ويقال إد وأد وآد بمعنى، وقرأ ابن كثير هنا وفي حم عسق ((تكاد)) بالتاء ((يتفطرن)) بياء وتاء وفتح الطاء وشدها، ورواها حفص عن عاصم ، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ((تكاد)) بالتاء ((ينفطرن)) بياء ونون وكسر الطاء، وقرأ نافع والكسائي ((يكاد)) بالياء على زوال علامة التأنيث ((يتفطّرن)) بالياء والتاء وشد الطاء وفتحها في الموضعين، وقرأ حمزة وابن عامر في مريم مثل أبي عمرو وفي عسق مثل ابن كثير وقال أبو الحسن الأخفش ((تكاد)» بمعنى تريد، وكذلك قوله تعالى ﴿أكاد أخفيها﴾ [طه: ١٥] وأنشد على أن كاد بمعنى أراد قول الشاعر: [الكامل] لو عاد من زمن الصبابة ما مضى كادت وكدت وتلك خير إرادة ولا حجة في هذا البيت وهذا قول قلق، وقال الجمهور: إنما هي استعارة لشنعة الأمر أي هذا حقه لو ٣٤ تفسير سورةمريم / الآيات: ٩٩٥:٨٨ فهمت الجمادات قدره وهذا المعنى مهيع للعرب فمنه قول جرير: [الكامل] ٠ لما أتى خبر الزبير تواضعت" سور المدينة والجبال الخشع ومنه قول الآخر: [الطويل] ;٠٠ ألم تر صدعاً في السماء مبيناً على ابن لبينى الحارث بن هشام: وقال الآخر: [الوافر] وأصبح بطن مكة مقشعراً كأن الأرض ليس بها هشام ٠٫٥٠٠ والانفطار الانشقاق على غير رتبة مقصودة والهد الانهدام والتفرق في سرعة، وقال محمد بن كعب: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، وقوله ﴿وما ينبغي﴾ نفي على جهة التنزيه له عن ذلك، وقد تقدم ذكر هذا المعنى، وأقسام هذا اللفظ في هذه السورة، وقوله ﴿إن كل من في السموات﴾ الآية ﴿إِن﴾ نافية بمعنى ما، وقرأ الجمهور ((آتي الرحمن)) بالإضافة، وقرأ طلحة بن مصرف ((آتٍ الرحمنَ)) بتنوين ((آت)) والنصب في النون، وقرأ ابن مسعود ((لما آتى الرحمن))، واستدل بعض الناس بهذه الآية على أن الولد لا يكون عبداً وهذا انتزاع بعيد، و﴿عبداً﴾ حال، ثم أخبر تعالى عن إحاطته ومعرفته بعبيده فذكر الإحصاء، ثم كرر المعنى بغير اللفظ، وقرأ ابن مسعود ((لقد كتبهم وعدهم))، وفي مصحف أبيّ ((لقد أحصاهم فأجملهم عدداً)). وقوله ﴿عداً﴾ تأكيد للفعل وتحقيق له، وقوله ﴿فرداً﴾ يتضمن معنى قلة الخصر والفحول والقوة لا مجير له مما يريد الله به وقوله ﴿سيجعل لهم الرحمن وداً﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذا هو القبول الذي يضعه الله لمن يحب من عباده حسبما في الحديث المأثور، وقال عثمان بن عفان إنها بمنزلة قول النبي عليه السلام ((من أسر سريرة ألبسه الله رداءها))، وفي حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد إلا وله في السماء صيت فإن كان حسناً وضع في الأرض حسناً وإن سيئاً وضع كذلك)». وقال عبد الرحمن بن عوف: إن الآية نزلت فيه وذلك أنه لما هاجر بمكة استوحش بالمدينة فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية في ذلك، أي ستستقر نفوس المؤمنين ويودون حالهم ومنزلتهم، وذكر النقاش أنها نزلت في علي بن أبي طالب، قال ابن الحنفية: لا تجد مؤمناً إلا وهو يحب علياً وأهل بيته، وقرأ الجمهور ((وُدا)) بضم الواو، وقرأ أبو الحارث الحنفي بفتح الواو، ويحتمل أن تكون الآية متصلة بما قبلها في المعنى، أي إن الله تعالى لما أخبر عن إتيان ﴿كل من في السماوات والأرض﴾ في حالة العبودية والانفراد أنس المؤمنين بأنه سيجعل لهم في ذلك اليوم ﴿وداً﴾ وهو ما يظهر عليهم من كرامته لأن محبة الله لعبد إنما هي ما يظهر عليه من نعمه وأمارات غفرانه له. قوله عز وجل : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لََّّا (®] وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْتَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزَّا ( (٩٨ ٣٥ تفسير سورة مريم / الآيتان: ٩٧، ٩٨ الضمير في ﴿يسرنا﴾ للقرآن، وهذا كقوله ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] لأن المعنى يقتضي المراد وإن لم يتقدم ذكره، ووقع التيسير في كونه بلسان محمد عليه السرم وبلغته المفهومة المبينة، وبشارة ﴿المتقين﴾ هي الجنة والنعيم الدائم والعز في الدنيا، و((القوم اللد)) هم قريش ومعناه مجادلين مخاصمين بباطل، والألد الخاصم المبالغ في ذلك، وقال مجاهد ﴿لداً﴾ فجاراً ع: وهذا عندي فجور الخصومة ولا يلد إلا المبطل. والألد والألوى، بمعنى واحد، وفي الحديث ((أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم)) ثم لما وصفهم الله تعالى بأنهم لد وهي صفة سوء بحكم الشرع والحق وجب أن يفسد عليهم بالوعيد والتمثيل بإهلاك من كان أشد منهم وألد وأعظم قدراً ما كان يسرهم في أنفسهم من الوصف بلد فإن العرب لجهالتها وعتوها وكفرها كانت تتمدح باللد وتراه إدراكاً وشهامة فمن ذلك قوله الشاعر: [الخفيف] إن تحت الأحجار حزماً وعزماً وخصيماً ألد ذا مغلاق فمثل لهم بإهلاك من قبلهم ليحتقروا أنفسهم، ويبين صغر شأنهم وعبر المفسرون عن ((اللد)) بالفجرة وبالظلمة وتلخيص معناها ما ذكرناه و((القرن)) الأمة، و((الركز)) الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم وإنما هو صوت الحرکات وخشفتها ومنه قول لبید : عن ظهر غيب والأنيس سقامها فتوجست ركز الأنيس فراعها فكأنه يقول أو تسمع من أخبارهم قليلاً أو كثيراً أو طرفاً خفياً ضعيفاً وهذا يراد به من تقدم أمره من الأمم ودرس خبره، وقد يحتمل أن يريد هل بقي لأحد منهم كلام أو تصويت بوجه من الوجوه فيدخل في هذا من عرف هلاكه من الأمم . ٣٦ تفسير سورة طه / الآيات: ١ -٨ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمِ الزَّيِ أ سُورَةٌ طَبَةٌ (هذه السورة مكية) قوله عز وجل : تَكِزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ طِه ◌ِ مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَ ﴿ إِلَّا نَذْكِرَةَ لِمَنْ يَخْشَى وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى (٤ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى ٥ لَهُمَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّىِ ﴿﴿ وَإِنِ تَجْهَرْ بِالْقَوَلِفَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّ هُوَّلَهُ الْأَسْمَآءُ ٨ اَلْمُسْنَ اختلف الناس في قوله ﴿طه﴾ بحسب اختلافهم في كل الحروف المتقدمة في أوائل السور إلا قول من قال هناك إن الحروف إشارة إلى حروف المعجم كما تقول أ. ب. ج. د." فإنه لا يترتب هنا لأن ما بعد ﴿طه﴾ من الكلام لا يصح أن يَحون خبراً عن ﴿طه﴾ واختصت أيضاً ﴿طه) بأقوال لا تترتب في أوائل السور المذكورة، فمنها قول من قال ﴿طه﴾ اسم من أسماء محمد عليه السلام، وقوله من قال ﴿طه﴾ معناه ((يا رجل بالسريانية)) وقيل بغيرها من لغات العجم، وحكي أنها لغة يمنية في عك وأنشد الطبري: [الطويل] فخفت عليه أن يكون موائلا دعوت بطه في القتال فلم يجب ويروى مزايلاً وقال الآخر: [البسيط] لا بارك الله في القوم الملاعين إن السفاهة طه من خلائقكم وقالت فرقة: سبب نزول الآية إنما هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحمله من مشقة الصلاة حتى كانت قدماه تتورم ويحتاج إلى الترويح بين قدميه فقيل له طأ الأرض أي لا تتعب حتى تحتاج إلى الترويح، فالضمير في ﴿طه)للأرض وخففت الهمزة فصارت ألفاً ساكنة، وقرأت ((طه)) وأصله طأ فحذفت الهمزة وأدخلت هاء السكت، وقرأ ابن كثير وابن عامر ((طَهَ)) بفتح الطاء والهاء وروي ذلك عن قالون عن نافع، ووروي عن يعقوب عنه كسرهما، وروي عنه بين الكسر والفتح، وأمالت فرقة، والتفخيم لغة الحجاز والنبي عليه السلام، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الطاء والهاء، وقرأ أبو عمرو ((طَّهِ)) بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأت فرقة ((طَهْ)) بفتح الطاء وسكون الهاء، وقد تقدمت، وروي عن الضحاك وعمرو بن فائد أنهما ٣٧ تفسير سورة طه / الآيات: ١ - ٨ قرأ ((طاوي)). وقوله ﴿لتشقى﴾ قالت فرقة: معناه لتبلغ من نفسك في العبادة والقيام في الصلاة، وقالت فرقة: إنما سبب الآية أن قريش لما نظرت إلى عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم وشظفه وكثرة عبادته قالت: إن محمداً مع ربه في شقاء فنزلت الآية رادة عليهم، أي إن الله لم ينزل القرآن ليجعل محمداً شقياً بل ليجعله أسعد بني آدم بالنعيم المقيم في أعلى المراتب، فالشقاء الذي رأيتم هو نعيم النفس ولا شقاء مع ذلك ع: فهذا التأويل أعم من الأول في لفظة الشقاء، وقوله ﴿إلا تذكرة﴾ يصح أن ينصب على البدل من موضع ﴿لتشقى﴾ ويصح أن ينصب بفعل مضمر تقديره لكن أنزلناه تذكرة، و﴿يخشى﴾ يتضمن الإيمان والعمل الصالح إذ الخشية باعثة على ذلك، وقوله ﴿تنزيلاً﴾ نصب على المصدر، وقوله ﴿ممن خلق الأرض والسماوات العلى﴾ صفة أقامها مقام الموصوف، وأفاد ذلك العبرة والتذكرة وتحقير الأوثان وبعث النفوس على النظر، و ﴿العلى﴾ جمع عليا فعلى. وقوله ﴿الرحمنُ﴾ رفع بالابتداء ويصح أن يكون بدلاً من الضمير المستقر في ﴿خلق﴾. وقوله ﴿استوى﴾ قالت فرقة: هو بمعنى استولى، وقال أبو المعالي وغيره من المتكليمن : هو يمعنى استواء القهر والغلبة، وقال سفيان الثوري: فعل فعلاً في العرش سماه استواء وقال الشعبي وجماعة غيره: هذا من متشابه القرآن يؤمن به ولا يعرض لمعناه، وقال مالك بن أنس لرجل سأله عن هذا الاستواء فقال له مالك: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه عني، فأدبر السائل وهو يقول يا أبا عبد الله لقد سألت عنها أهل العراق وأهل الشام فما وفق أحد توفيقك. قال القاضي أبو محمد: وضعف أبو المعالي قول من قال لا يتكلم في تفسيرها بأن قال إن كل مؤمن يجمع على أن لفظة الاستواء ليست على عرفها في معهود الكلام العربي، فإذا فعل هذا فقد فسر ضرورة ولا فائدة في تأخره عن طلب الوجه والمخرج البين، بل في ذلك البأس على الناس وإيهام للعوام، وقد تقدم القول في مسألة الاستواء. وقوله ﴿له ما في السماوات﴾ الآية تماد في الصفة المذكورة المنبهة على الخالق المنعم، وفي قوله ﴿ما تحت الثرى﴾ قصص في أمر الحوت ونحوه اختصرته لعدم صحته، والآية مضمنة أن كل موجود محدث فهو لله بالملك والاختراع ولا قديم سواه تعالى. و﴿الثرى﴾ التراب الندي، وقوله ﴿وإن تجهر بالقول﴾ معناه وإن كنتم أيها الناس إذا أردتم إعلام أحد بأمر أو مخاطبة أوثانكم وغيرها فأنتم تجهرون بالقول فإن الله الذي هذه صفاته ﴿يعلم السر وأخفى﴾ فالمخاطبة بـ ﴿تجهر﴾ لمحمد عليه السلام وهي مراد بها جميع الناس إذ هي آية اعتبار، واختلف الناس في ترتيب ﴿السر﴾ وما هو ﴿أخفى﴾ منه، فقالت فرقة ﴿السر﴾ هو الكلام الخفي الخافت كقراءة السر في الصلاة، و((الأخفى)) هو ما في النفس، وقالت فرقة هو ما في النفس متحصلاً، و((الأخفى)) هو ما سيكون فيها في المستأنف، وقالت فرقة ﴿السر﴾ هو ما في نفوس البشر وكل ما يمكن أن يكون فيها فى المستأنف بحسب الممكنات من معلومات البشر، و((الأخفى)) هو ما من معلومات الله لا يمكن أن يعلمه البشر البتة ع: فهذا كله معلوم الله عز وجل. وقد تؤول على بعض السلف أنه جعل ﴿وأخفى﴾ فعلاً ماضياً وهذا ضعيف، و﴿الأسماء الحسنى﴾ يريد بها التسميات التي تضمنتها المعاني التي هي في غاية الحسن ووحد الصفة مع جمع الموصوف لما كانت التسميات لا تعقل، وهذا جار مجرى ﴿مآرب أخرى﴾ [طه: ١٨] ﴿ويا جبال أوبي معه﴾ [سبأ: ١٠] ٣٨ تفسير سورة طه / الآيات: ٩ - ١٤ وغيره، وذكر أهل العلم أن هذه الأسماء هي التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)) وذكرها الترمذي وغيره مسندة. قوله عز وجل : ◌َإِذْرَءَانَارًا فَقَالَ لِأَهْلِ آَمْكُوْاْ إِيْ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلّءَانِيَكُمْمِنْهَا وَهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ مُوسَى ◌ِقَبَسٍ أَوْأَ جِدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى ﴿ فَلَمَّآ أَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَىّ (١) إِّ أَنَاْرَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَأَعْبُدْنِى ١٣ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى (®)، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْلِمَا يُوحَى وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ هذا الاستفهام هو توقيف مضمنه تنبيه النفس إلى استماع ما يورد عليها، وهذا كما تبدأ الرجل إذا أردت إخباره بأمر غريب فتقول أعلمت كذا وكذا، ثم تبدأ تخبره. والعامل في ﴿إِذ﴾ ما تضمنه قوله. ﴿حديث﴾ من معنى الفعل، وتقديره ﴿وهل أتاك﴾ ما فعل موسى ﴿إذا رأى ناراً﴾ أو نحو هذا، وكان من قصة موسى عليه السلام أنه رحل من مدين بأهله بنت شعيب وهو يريد أرض مصر وقد طالت مدة جنايته هنالك فرجا خفاء أمره، وكان فيما يزعمون رجلاً غيوراً فكان يسير الليل بأهله ولا يسير النهار مخافة كشفة الناس فضل عن طريقه في ليلة مظلمة وندية ويروى أنه فقد الماء فلم يدر أين يطلبه فبينما هو كذلك وقد قدح بزنده فلم يور شيئاً ﴿إذا رأى ناراً فقال لأهله امكثوا﴾ أي أقيموا، وذهب هو إلى النار فإذا هي مضطرمة في شجرة خضراء يانعة قيل كانت من عناب، وقيل من عوسج، وقيل من عليقة، فلما دنا منها تباعدت منه ومشت، فإذا رجع عنها اتبعته فلما رأى ذلك أيقن أن هذا أمر من أمور الله تعالى الخارقة للعادة، وانقضى أمره كله في تلك الليلة، هذا قول الجمهور وهو الحق. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: أقام في ذلك الأمر حولاً ومكثه أهله. ع: وهذا غير صحيح عن ابن عباس وضعيف في نفسه. و ﴿آنست﴾ معناه أحسست ومنه قول الحارث بن حلزة: [الخفيف] آنست نبأة وروعها القَدْ ناص ليلاً وقد حننا الإمساء والنار على البعد لا تحس إلا بالأبصار، فلذلك فسر بعضهم اللفظ برأيت، و((آنس)) أعم من ﴿رأى﴾، لأنك تقول آنست من فلان خيراً أو شراً. و((القبس)) الجذوة من النار تكون على رأس العود أو القصبة أو نحوه، و((الهدى)) أراد الطريق، أي لعلي أجد ذا هدى أي مرشداً لي أو دليلاً، وإن لم يكن مخبراً. و ((الهدى)) يعم هذا كله وإنما رجا موسى عليه السلام هدى نازلته فضادف الهدى على الإطلاق، وفي ذكر قصة موسى بأسرها في هذه السورة تسلية للنبي عما لقي في تبليغه من المشقات وكفر الناس فإنما هي له على جهة التمثيل في أمره. وروي عن نافع وحمزة ((لأهلهُ امكثوا)) بضمة الهاء وكذلك في القصص، وكسر الباقون الهاء فيهما. وقوله تعالى ﴿فلما أتاها﴾ الضمير عائد على النار، وقوله ﴿نودي) كناية عن تكليم الله له، وفي ﴿نودي﴾ ضمير يقوم مقام الفاعل، وإن شئت جعلته موسى إذ قد جرى ذكره، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ((إني)) بكسر الألف على الابتداء، وقرأ ابن كثير و«أبو عمرو ((أني)) بفتح الألف : ٣٩ تفسير سورة طه / الآيات: ١٥ - ١٨ على معنى (لأجل أني)) (أنا ربك فاخلع نعليك)، و((﴿نودي) قد توصل بحرف الجر وأنشد أبو علي: [الكامل] ان المنوه باسمه الموثوق ناديت باسم ربيعة بن مكدم واختلف المتأولون في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين، فقالت فرقة كانتا من جلد حمار ميت فأمر بطرح النجاسة، وقالت فرقة بل كانت نعلاه من جلد بقرة ذكي لكن أمر بخلعها لينال بركة الوادي المقدس وتمس قدماه تربة الوادي، وتحتمل الآية معنى آخر هو الأليق بها عندي، وذلك أن الله تعالى أمره أن يتواضع لعظم الحال التي حصل فيها، والعرف عند الملوك أن تخلع النعلان ويبلغ الإنسان إلى غاية تواضعه، فكأن موسى عليه السلام أمر بذلك على هذا الوجه، ولا نبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها، و﴿المقدس﴾ معناه المطهر، و﴿طوى﴾ معناه مرتين مرتين، فقالت فرقة معناه قدس مرتين، وقالت فرقة معناه طويته أنت، أي سرت به، أي طويت لك الأرض مرتين من طيك، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ((طوىٍّ)) بالتنوين على أنه اسم المكان، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ((طوى)) على أنه اسم البقعة دون تنوين، وقرأ هؤلاء كلهم بضم الطاء، وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو بكسر الطاء، وقرأت فرقة ((طاوي)) وقالت فرقة هو اسم الوادي، و ((طوى)) على التأويل الأول بمنزلة قولهم ثنى وثنى أي مثنياً، وقرأ السبعة غير حمزة ((وأنا اخترتك)) ويؤيد هذه القراءة تناسبها مع قوله ﴿أنا ربك﴾ وفي مصحف أبي بن كعب ((وأني اخترتك))، وقرأ حمزة ((وأنّا اخترناك)) بالجمع وفتح الهمزة وشد النون، والآية على هذا بمنزلة قوله ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١] ثم قال ﴿وآتينا﴾ [الإسراء: ٢] فخرج من إفراد إلى جمع، وقرأت فرقة وإنا اخترناك)) يكسر الألف. قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت أبا الفضل بن الجوهري يقول: لما قيل لموسى ﴿فاستمع﴾ وقف على حجر، واستند إلى حجر، ووضع يمينه على شماله وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع وكان كل لباسه صوفاً. وقرأت فرقة ((بالواد المقدس طاوي)) وقوله ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ يحتمل أن يريد لتذكيري فيها أو يريد لأذكرك في عليين بها فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول واللام لام السبب، وقالت فرقة معنى قوله ﴿لذكري﴾ أي عند ذكري إذا ذكرتني وأمري لك بها، فاللام على هذا بمنزلتها في قوله ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨] وقرأت سرقة ((للذكرى))، وقرأت فرقة ((لذكرى)) بغير تعريف، وقرأت فرقة ((للذكر)). قوله عز وجل : إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ◌َ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّايُؤْمِنُ بِهَا ١٥ ] قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَوُاْعَلَيْهَا ١٧ وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَىْ ﴿ وَمَاتِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى وَهُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى ١٨ في قوله ﴿إن الساعة آتية﴾ تحذير ووعيد، أي اعبدنى فإن عقابي وثوابي بالمرصاد، و ﴿الساعة﴾ في ٤٠ تفسير سورة طه / الآيات : ١٥ - ١٨ هذه الآية القيامة بلا خلاف، وقرأ ابن كثير والحسن وعاصم ((أكاد أخفيها)) بفتح الهمزة بمعنى أظهرها أي أنها من صحة وقوعها وتيقن كونه تكاد تظهر لكن تنحجب إلى الأجل المعلوم، والعرب تقول خفيت الشيء بمعنى أظهرته ومنه قول امرىء القيس : [الطويل] 1 .... خفاهن ودق من سحاب مجلّب خفاهن من أنفاقهن كأنما ومنه قوله أيضاً : [المتقارب] فإن تدفنوا البداء لا نخفه وإن توقدوا الحزب لا نقعد قال أبو علي: المعنى أزيل خفاءها، وهو ما تلف به القربة ونحوها، وقرأ الجمهور ((أُخفيها)) بضم الهمزة، واختلف المتأولون فى معنى الآية فقالت فرقة: معناه أظهرها وأخفيت من الأضداد، وهذا قول مختل، وقالت فرقة معناه، ﴿أكاد أخفيها﴾ من نفسي على معنى العبارة عن شدة غموضها على المخلوقين، فقالت فرقة: المعنى ﴿إن الساعة آتية أكاد﴾ وتم الكلام بمعنى ﴿أكاد﴾ أنفذها لقربها وصحة وقوعها ثم استأنف الإخبار بأنه يخفيها، وهذا قلق، وقالت فرقة ﴿أكاد﴾ زائدةً لا دخول لها في المعنى بل تضمنت الآية الإخبار بأن الساعة آتية وأن الله يخفي وقت إتيانها عن الناس، وقالت فرقة ﴿أكاد﴾ بمعنى أريد، فالمعنى أريد إخفاءها عنكم ﴿لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ واستشهد قائل هذه المقالة بقول الشاعر: [الكامل] کادت وکدت وتلك خیر إرادة وقد تقدم هذا المعنى، وقالت فرقة ﴿أكاد﴾ على بابها بمعنى أنها مقاربة ما لم يقع، لكن الكلام جار على استعارة العرب ومجازها، فلما كانت الآية عبارة عن شدة خفاء أمر القيامة ووقتها وكان القطع بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس بالغ قوله تعالى في إبهام وقتها فقال ﴿أكاد أخفيها﴾ حتى لا تظهر البتة ولكن ذلك لا يقع ولا بد من ظهورها، هذا تلخيص هذا المعنى الذي أشار إليه بعض المفسرين وهو الأقوى عندي، ورأى بعض القائلين بأن المعنى ﴿أكاد أخفيها﴾ من نفسي ما في القول من القلق فقالوا معنى من نفسي من تلقائي ومن عندي ع وهذا رفض للمعنى الأول ورجوع إلى هذا القول الذي اخترناه أخيراً فتأمله، واللام في قوله ﴿لتجزى﴾ متعلقة بـ ﴿آتية) وهكذا يترتب الوعيد. و﴿تسعى﴾ معناه تكسب وتخترح، والضمير في قوله ﴿عنها﴾ يريد عن الإيمان بالساعة فأوقع الضمير عليها، ويحتمل أن يعود على ﴿الصلاة﴾ [طه: ١٤] وقالت فرقة المراد عن لا إله إلا الله ع: وهذا متجه، والأولان أبين وجهاً. وقوله ﴿فتردى﴾ معناه تهلك، والردى الهلاك ومنه قوله دريد بن الصمة: [الطويل] تنادوا فقالوا أردت الخيل فارساً فقلت أعبد الله ذلكمُ الردي وهذا الخطاب كله لموسى عليه السلام وكذلك ما بعده، وقال النقاش؛ الخطاب بـ ﴿فلا يصدنك﴾ لمحمد عليه السلام وهذا بعيد، وفي مصحف عبد الله بن مسعود (أكاد أخفيها من نفسي)) وعلى هذه القراءة تركب ذلك القول المتقدم، وقوله عز وجل ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ تقرير مضمنه التنبيه وجمع النفس