Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٨٥ - ٨٨
أي نهض متوركاً على شماله، والذي عندي أن ((ناء ونأى)) فعلان متباينان، وناء بجانبه عبارة عن
التحيز والاستبداد، ونأى عبارة عن البعد والفراق، ثم وصف الكفرة بأنهم إذا مسهم شر من مرض أو مصيبة
في مال أو غير ذلك يئسوا من حيث لا يؤمنون بالله ولا يرجون تصرف أقداره، ثم قال عز وجل ﴿قل﴾ يا
محمد ﴿كل يعمل على شاكلته﴾ أي على طريقته وبحسب نيته ومذهبه الذي يشبهه وهو شكله ومثل له،
وهذه الآية تدل دلالة ما على أن ﴿الإنسان﴾ أولاً لم يرد به العموم، أي إن الكفار بهذه الصفات،
والمؤمنون بخلافها، وكل منهم يعمل على ما يليق به، والرب تعالى أعلم بالمهتدي، وقال مجاهد: ﴿على
شاكلته﴾ معناه على طبيعته، وقال أيضاً معناه على حدته، وقال ابن عباس: معناه على ناحيته، وقال قتادة:
معناه على ناحيته وعلى ما ينوي، وقال ابن زيد: معناه على دينه، وأرجح هذه العبارات قول ابن عباس
وقتادة وفي قوله ﴿فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً﴾ توعد بين.
قوله عز وجل :
وَلَپِنِ شِئْنَا
٨٥
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوتِيتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
لَنَذْ هَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ، عَلَيْنَا وَكِيلًا (٥٦) إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّيِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ.
كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا وَقُلِ لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنِسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ، وَلَوْكَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا
٨٨
الضمير في ﴿يسألونك﴾ قيل هو لليهود وإن الآية مدنية، وروى عبد الله بن مسعود، أنه كان مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر على حرث بالمدينة، ويروى على خرب، وإذا فيه جماعة من اليهود،
فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فإن أجاب فيه عرفتم أنه ليس بنبي، وذلك أنه كان عندهم في
التوراة أن الروح مما انفرد الله بعلمه، ولا يطلع عليه أحداً من عباده، قال ابن مسعود: وقال بعضهم: لا
تسألوه لئلا يأتي فيه بشيء تكرهونه يعني والله أعلم من أنه لا يفسره فتقوى الحجة عليهم في نبوته، قال
فسألوه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئاً على عسيب، فظننت أنه يوحى إليه، ثم تلا عليهم
الآية، وقيل الآية مكية والضمير لقريش، وذلك أنهم قالوا: نسأل عن محمد أهل الكتاب من اليهود،
فأرسلوا إليهم إلى المدينة النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، فقال اليهود لهما: جرباه بثلاث
مسائل، سلوه عن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن فسر الثلاثة فهو كذاب، وإن سكت
عن الروح فهو نبي، فسألته قريش عن الروح، فيروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم ((غداً أخبركم
به))، ولم يقل إن شاء الله، فاستمسك الوحي عليه خمسة عشر يوماً، معاتبة على وعده لهم دون استثناء، ثم
نزلت هذه الآية، واختلف الناس في ﴿الروح﴾ المسؤول عنه أي روح هو؟ فقالت فرقة هي الجمهور: وقع
السؤال عن الروح التي في الأشخاص الحيوانية ما هي؟ فـ ﴿الروح﴾ اسم جنس على هذا، وهذا هو
الصواب، وهو المشكل الذي لا تفسير له، وقال قتادة: ﴿الروح﴾ المسؤول عنه جبريل، قال وكان ابن
عباس يكتمه، وقالت فرقة عيسى ابن مريم، وقال علي بن أبي طالب: ((ملك له سبعون ألف وجه في كل

٤٨٢
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٨٥-٨٨
وجه سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله سبحانه بكل تلك اللغات يخلق من كل
تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة))، ذكره الطبري، وما أظن هذا القول يصح عن علي، وقالت
فرقة ﴿الروح﴾ القرآن، وهذه كلها أقوال مفسرة، والأول أظهرها وأصوبها، وقوله ﴿من أمر ربي﴾ يحتمل
تأويلين: أحدهما: أن يكون ((الأمر)) اسم جنس للأمور أي للروح من جملة أمور الله التي استأثر ؛بعلمها،
فهي إضافة خلق إلى خالق، والثاني أن يكون مصدراً من أمر يأمر أي الروح مما أمره أمراً بالكون فكان.
وقرأ ابن مسعود والأعمش ((وما أوتوا))، ورواها ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ الجمهور ((وما
أوتيتم))، واختلف فيمن خوطب بذلك، فقالت فرقة: السائلون فقط، ترجم الطبري بذلك ثم أدخل تحت
الترجمة عن قتادة أنهم اليهود، وقال قوم: المراد اليهود بجملتهم، وعلى هذاهي قراءة ابن مسعود، وقالت
فرقة: العالم كله، وهذا هو الصحيح لأن قول الله له ﴿قل الروح﴾ إنما هو أمر بالقول الجميع العالم إذ
كذلك هي أقواله كلها وعلى ذلك تمت الآية من مخاطبة الكل، ويحتمل أيضاً أن تكون مخاطبة من الله
للنبي ولجميع الناس ويتصف ما عند جميع الناس من العلم بالقلة بإضافته إلى علم الله عز وجل الذي هو
بهذه الأمور التي عندنا من علمها طرف يسير جداً، كما قال الخضر عليه السلام لموسى عليه السلام»(ما
نقص علمي وعلمك وعلم الخلائق من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر))، وأراد الخضر علم
الله تعالى بهذه الموجودات التي عند البشر من علمها طرف يسير نسبة إلى ما يخفى عليهم نسبة النقطة إلى
البحر، وأما علم الله على الإطلاق فغير متناه، ويحتمل أن يكون التجوز في قول الخضر كما نقص هذا
العصفور، أي إما لا ينقص علمنا شيئاً من علم الله تعالى على الإطلاق ثم مثل بنقرة العصفور في عدم
النقص، إذ نقصه غير محسوس، فكأنه معدوم، فهذا احتمال، ولكن فيه نظر، وقد قالت اليهود لرسول الله
صلى الله عليه وسلم، كيف لم نؤت من العلم إلا قليلاً؟ وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة
فقد أوتي خيراً كثيراً، فعارضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم الله، فغلبوا، وقد نص رسول الله
صلى الله عليه وسلم بقوله في بعض الأحاديث ((كلَّا)) يعني أن المراد بـ ﴿أوتيتم﴾ جميع العالم، وذلك أن
يهود قالت له: نحن عنيت أم قومك؟ فقال ((كلََّ))، وفي هذا المعنى نزلت ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة
أقلام﴾ [لقمان: ٢٧]، حكى ذلك الطبري رحمه الله، وقوله تعالى: ﴿ولئن شئنا﴾ الآية فيها شدة على
النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عتاب على قوله غداً أعلمكم، فأمر بأن يقول إن الروح من أمر ربه فيذعن
بالتسليم الله في أنه يعلم بما شاء، ويمسك عن عباده ما شاء، ثم قيل له ﴿وما أوتيتم﴾ أنت يا محمد وجميع
الخلائق ﴿من العلم إلا قليلاً﴾، فالله يعلم من علمه بما شاء ويدع ما شاء، ولئن شاء الذهب بالوحي الذي
أتاك، ثم لا ناصر لك منه، أي فليس بعظيم أن لا تجيء بتفسير في الروح الذي أردت أن تفسره للناس
ووعدتهم بذلك، وروى ابن مسعود أنه ستخرج ريح حمراء من قبل الشام فتزيل القرآن من المصاحف ومن
الصدور وتذهب به، ثم يتلو هذه الآية. أراد ابن مسعود بتلاوة الآية أن يبدي أن الأمر جائز الوقوع ليظهر
مصداق خبره من كتاب الله تعالى. و((الوكيل)) القائم بالأمر في الانتصار أو المخاصمة ونحو ذلك من وجود
النفع، وقوله ﴿إلا رحمة﴾ استثناء منقطع، أي لكن رحمة من ربك تمسك ذلك عليك، وهذا الاستثناء
المنقطع يخصص تخصيصاً ما، وليس كالمتصل، لأن المتصل يخصص من الجنس أو الجملة، والمنقطع

٤٨٣
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٨٥ - ٨٨ -
-
يخصص أجنبياً من ذلك، ولا ينكر وقوع المنقطع في القرآن إلا أعجمي، وقد حكي ذلك عن ابن خويز
منداد، ثم عدد عليه عز وجل كبر فضله في اختصاصه بالنبوة وحمايته من المشركين إلى غير ذلك مما لا
يحصى. وقوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن﴾ الآية، سبب هذه الآية أن جماعة من قريش
قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد جئتنا بآية غريبة غير هذا القرآن، فإنا نقدر على المجيء
بمثل هذا، فنزلت هذه الآية المصرحة بالتعجيز، المعلمة بأن جميع الخلائق لو تعاونوا إنساً وجناً على ذلك
لم يقدروا عليه، والعجز في معارضة القرآن إنما وقع في النظم والرصف لمعانيه، وعلة ذلك الإحاطة التي
لا يتصف بها إلا الله عز وجل، والبشر مقصر ضرورة بالجهل والنسيان والغفلة وأنواع النقص، فإذا نظم
كلمة خفي عنه للعلل التي ذكرنا أليق الكلام بها في المعنى، وقد ذكرت هذه المسألة في صدر هذا
الدیوان، وقوله ﴿لا يأتون بمثله﴾ في موضع رفع، و﴿لا﴾ متلقية قسماً، واللام في قوله ﴿لئن﴾ مؤذنه غير
لازمة قد تحذف أحياناً، وقد تجيء هذه اللام مؤكدة فقط، ويجيء الفعل المنفي مجزوماً، وهذا اعتماد
على الشرط ومنه قول الأعمش : [البسيط]
لئن منيت بنا عن غر معركة لا تلفنا عن دماء القوم ننتقل
و((الظهير)) المعين، ومنه قوله عز وجل ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ [التحريم: ٤] الآية: وفهمت العرب
بخلوص فهمها في ميز الكلام ودربتها به ما لا نفهمه نحن، ولا كل من خالطته حضارة، ففهموا العجز عنه
ضرورة ومشاهدة، وعلمه الناس بعدهم استدلالاً ونظراً، ولكل حصل علم قطعي، لكن ليس في مرتبة
واحدة، وهذا كما علمت الصحابة شرع النبي وأعماله مشاهدة علم ضرورة وعلمنا نحن المتواتر من ذلك
بنقل التواتر، فحصل للجميع القطع، لكن في مرتبتين، وفهم إعجاز القرآن أرباب الفصاحة الذين لهم
غرائب في ميز الكلام، ألا ترى إلى فهم الفرزدق شعر جرير في شعر ذي الرمة في قوله: يُعد الناسبون إلى
تمیم.
الأبيات كلها، وألا ترى قصة جرير في نوادره مع الفرزدق في قول الفرزدق: على م تلفتين، وفي
قوله: تلفت أنها تحت ابن قین.
وألا ترى إلى قول الأعرابي: عز فحكم فقطع، وألا ترى إلى استدلال الآخر على البعث بقوله
﴿حتى زرتم المقابر﴾ [التكاثر: ٢] فقال إن الزيارة تقتضي الانصراف ومنه علم بشار بقول أبي عمرو بن
العلاء في شعر الأعشى: وأنكرتني وما كان الذي نكرت، ومنه قول الأعرابي للأصمعي: من أحوج الكريم
إلى أن يقسم؟ ومن فهمهم أنهم ببدائههم يأتون بكلمة منثورة تفضل المنقح من الشعر، وأمثلة ذلك
محفوظة، ومن ذلك أجوبتهم المسكتة إلى غير ذلك من براعتهم في الفصاحة، وكونهم فيها النهاية، كما
كان السحر في زمن موسى، والطب في زمن عيسى، فهم مع هذه الأفهام أقروا بالعجز، ولجأ المحاد منهم
إلى السيف، ورضي بالقتل والسبا وكشف الحرم، وهو كان يجد المندوحة عن ذلك بالمعارضة، وكذلك
التحدي بالعشر السور، والتحدي بالسورة إنما وقع كله على حد واحد في النظم خاصة، وقيد العشر
بالافتراء لأنهم ذكروا أن القرآن مفترى، فدعاهم بعقب ذکر ذلك إلى الإتيان بعشر سور مفتريات، ولم يذكر

٤٨٤
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٨٩-٩٢
الافتراء في السورة لأنه لم يجر عنهم ذكر ذلك قبل، بل قال ﴿إن كنتم في ريب﴾ [البقرة: ٢٣] على أنه قد
جاء ذكر السورة مع ذكرهم الافتراء في سورة هود وقد اختلف الناس في هذا الموضع فقيل دعوا إلى السورة
المماثلة في النظم والغيوب وغير ذلك من الأوصاف، وكان ذلك من تكليف ما لا يطاق، فلما عسر عليهم
خفق بالدعوة إلى المفتريات، وقيل غير هذا مما ينحل عند تحصيله.
قوله عز وجل :
وَقَالُواْ لَنْ
٨٩
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّكُفُورًا !
تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٥) أَوْتَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّنْ تَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِرَ
اُلْأَنْهَرَ خِلَلَهَ نَفْجِيرًا (٦) أَوْتُسَقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْتَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ
٩٢
قَبِيلًا
هذه الآية تنبه على فضل الله في القرآن على العالم، وتوبيخ للكفار منهم على قبيح فعلهم،
وتصريف القول هو ترديد البيان عن المعنى، وقرأ الجمهور ((صرّفنا)) بتشديد الراء، وقرأ الحسن ((صرَفنا))
بفتح الراء خفيفة، وقوله ﴿من كل مثل﴾ يجوز أن تكون ﴿من﴾ لابتداء الغاية، ويكون المفعول
بـ ﴿صرفنا﴾ مقدراً تقديره ((ولقد صرفنا في هذا القرآن التنبيه والعبر من كل مثل ضربناه))، ويجوز أن تكون
مؤكدة زائدة، التقدير ((ولقد صرفنا كل مثل))، وهذا كقوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾
[البقرة: ١٢٥]. وقوله ﴿فأبى﴾ عبارة عن تكسب الكفار الكفر وإعراضهم عن الإيمان، وفي العبارة يأبى
تغليظ، والكفر بالخلق والاختراع هو من فعل الله تعالى، وبالتكسب والدؤوب هو من الإنسان، و﴿كفورا﴾
مصدر كالخروج. وقوله تعالى: ﴿وقالوا لن نؤمن لك﴾ الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر
((حتى تُفجّر))، وقرأ عاصم وحمزة الكسائي حتى ((تَفْجُر)) بفتح التاء وضم الجيم، وفي القرآن ﴿فانفجرت﴾
[البقرة: ٦٠]، وانفجر مطاوع فجر فهذا مما يقوي القراءة الثانية، وأما الأولى فتقتضي المبالغة في
التفجير. و((الينبوع)) الماء النابع، وهي صفة مبالغة إنما تقع للماء الكثير، وطلبت قريش هذا من رسول الله
صلى الله عليه وسلم بمكة، وإياها عنوا بـ ﴿الأرض﴾، وإنما يراد بإطلاق لفظة (الأرض) هنا الأرض التي
يكون فيها المعنى المتكلم فيه، كقوله ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣] فإنما يريد من أرض تصرفهم
وقطعهم السبل ومعاشهم، وكذلك أيضاً اقتراحهم الجنة إنما هو بمكة لامتناع ذلك فيها، وإلا ففي سائر
البلاد كان ذلك يمكنه وإنما طلبوه بأمر إلهي في ذلك الموضع الجدب، وقرأ الجمهور ((جنة))، وقرأ
((حبة)) المهدوي، وقوله ﴿فتفجّر﴾. تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، كغلقت الأبواب، و﴿خلالها﴾
ظرف، ومعناه أثناءها وفي داخلها، وروي في قول هذه المقالة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث
طويل، مقتضاه أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وعبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث وغيرهم من مشيخة
قریش وسادتها، اجتمعوا علیه فعرضوا علیه أن یملکوه إن أراد الملك، أو يجتمعوا له كثيراً من المال إن أراد
الغنى، أو يطبوه إن كان به داء ونحو هذا من الأقاويل، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك

٤٨٥
تفسير سورة الإسراء / الآيات : ٩٣ - ٩٥
إلى الله، وقال ((إنما جئتكم عند الله بأمر فيه صلاح دينكم ودنياكم، فإن سمعتم وأطعتم فحسن، وإلا
صبرت لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم بما شاء))، فقالوا له حينئذ فإن كان ما تزعمه حقاً ففجر ينبوعاً
ونؤمن لك، ولتكن لك جنة إلى غير ذلك مما كلفوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا كله
إلى الله، ولا يلزمني هذا ولا غيره، وإنما أنا مستسلم لأمر الله))، هذا هو معنى الحديث. وفي الألفاظ
اختلاف وروايات متشعبة يطول سوق جميعها، فاختصرت لذلك. وقوله تعالى: ﴿أو تسقط السماء﴾ الآية،
قرأ الجمهور ((أو تُسقط)) بضم التاء، ((السماء)) نصب، وقرأ مجاهد ((أو تسقط السماءُ)) برفع ((السماءُ)) وإسناد
الفعل إليها، وقوله ﴿كما زعمت﴾ إشارة إلى ما تلي عليهم قبل ذلك في قوله عز وجل ﴿إن نشأ نخسف بهم
الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء﴾ [سبأ: ٩]، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ((كسْفاً))
بسكون السين إلا في الروم، فإنهم حركوها، ومعناه قطعاً واحداً، قال مجاهد: السماء جميعاً وتقول
العرب: كسفت الثوب ونحوه قطعته، فـ((الكسَف)) بفتح السين المصدر، والكسف الشيء المقطوع، قال
الزجاج: المعنى أو تسقط السماء علينا قطعاً، واشتقاقه من كسفت الشيء إذا غطيته .
قال القاضي أبو محمد: وليس بمعروف في دواوين اللغة كسف بمعنى غطى، وإنما هو بمعنى قطع،
وكأن كسوف الشمس والقمر قطع منهما، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر ((كسَفاً)) بفتح السين أي قطعاً
جمع كسفه، وقوله ﴿قبيلاً﴾ قيل معناه مقابلة وعياناً، وقيل معناه ضامناً وزعيماً بتصديقك، ومنه القبالة
وهي الضمان والقبيل، والمتقبل الضامن، وقيل معناه نوعاً وجنساً لا نظير له عندنا، وقرأ الأعرج ((قبلاً))
وقيل بمعنى المقابلة .
قوله عز وجل :
أَوْيَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّن زُخْرُفٍ أَوْتَرْقَى فِ السَّمَاءِ وَلَن نُؤْمِنَ لِرُقِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَاَ كِنَبَا نَقْرَؤُهُ قُلْ
فے
سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّ بَشَرًا رَسُولًا (﴾ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْجَآءَ هُمُ الْهُدَىَ إِلَّا أَنْ قَالُواْ
أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرَارَّسُولًا ﴿ قُل لَّوْكَانَ فِى الْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَمِنِينَ لَنَزَلْنَا عَلَيْهِم
٩٥
مِنَ السَّمَآءِ مَلَكَا رَّسُولًا
قال المفسرون: ((الزخرف)) الذهب في هذا الموضع، والزخرف ما تزين به، كان بذهب أو غيره،
ومنه ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها﴾ [يونس: ٢٤] وفي قراءة عبد الله بن مسعود ((أو يكون لك بيت من
ذهب))، قال مجاهد ما كنا نعرف الزخرف حتى قرأنا في حرف عبد الله ((من ذهب))، وقوله ﴿في السماء﴾
يريد في الهواء علواً، والعرب تسمي الهواء علواً سماء لأنه في حيز السمو. ويحتمل أن يريدوا السماء
المعروفة، وهو أظهر لأنه أعلمهم أن إله الخلق فيها وأنه تأتيه خبرها، و﴿ترقى﴾ معناه تصعد، والرقي
الصعود، ويروى أن قائل هذه المقالة هو عبد الله بن أبي أمية، فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
أنا لا أؤمن لك حتى تأتي بكتاب أراك هابطاً به فيه من الله عز وجل إلى عبد الله بن أبي أمية، وروي أن
جماعتهم طلبت هذا النحو منه، فأمره الله عز وجل أن يقول ﴿سبحان ربي﴾ أي تنزيهاً له من الإتيان مع

٤٨٦
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٩٦ -٩٨
الملائكة قبيلاً، ومن أن يخاطبكم بكتاب كما أردتم، ومن أن اقترح أنا عليه هذه الأشياء، وهل أنا إلا بشر
منكم، أرسلت إليكم بالشريعة، فإنما علي التبليغ فقط، وقرأ ابن كثير وابن عامر ((قال سبحان ربي)) على
معنى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سبح عند قولهم، وقوله تعالى: ﴿وما منع الناس أن
يؤمنوا﴾ هذه الآية على معنى التوبيخ والتلهف من النبي عليه السلام والبشر، كأنه يقول متعجباً منهم ما شاء
الله كان، ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا هذه العلة النزرة والاستبعاد الذي لا يستند إلى خجة،
وبعثة البشر رسلاً غير بدع ولا غريب، فيها يقع الإفهام والتمكن من النظر كما ﴿لو كان في الأرض ملائكة﴾
يسكنونها ﴿مطمئنين﴾، أي وادعين فيها مقيمين لكان الرسول إليهم من الملائكة ليقع الإفهام، وأما البشر
فلو بعث إليهم ملك لنفرت طباعهم من رؤيته، ولم تحتمله أبصارهم ولا تجلدت له قلوبهم، وإنما أراد الله
جري أحوالهم على معتادها.
قوله عز وجل :
قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَيرُ أَبَصِيرً (٢٦) وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ
الْمُهْتَدِّ وَ مَن يُضْلِلْ فَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ، وَتَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا
ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ
وَبِّكْمًا وَصُمَّا مَّأْوَنَهُمْ جَهٌَّ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا
٩٨
بِكَايَئِنَا وَقَالُواْأَِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُفَتَا أَعِنَالَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا
روى البخاري أن الملأ من قريش الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم المقالات التي تقدم
ذكرها من عرض الملك عليه والغنى وغير ذلك، قالوا له في آخر قولهم: فلتجىء معك طائفة من الملائكة
تشهد لك بصدقك في نبوتك، قال المهدوي: روي أنهم قالوا له: فمن يشهد لك؟.
قال القاضي أبو محمد: ومعنى أقوالهم إنما هو طلب شهادة دون أن يذكروها، ففي ذلك نزلت
الآية، أي الله يشهد بيني وبينكم الذي له الخبر والبصر لجميعنا صادقنا وكاذبنا، ثم رد الأمر إلى خلق الله
تعالى واختراعه الهدى والضلال في قلوب البشر، أي ليس بيدي من أمركم أكثر من التبليغ، وفي قوله
﴿فلن تجد لهم أولياء من دونه﴾ وعيد، ثم أخبر عز وجل أنهم يحشرون على الوجوه ﴿عمياً وبكماً
وصماً﴾، وهذا قد اختلف فيه، فقيل هي استعارات إما لأنهم من الحيرة والهم والذهول يشبهون أصحاب
هذه الصفات، وإما من حيث لا يرون ما يسرهم ولا يسمعونه ولا ينصفونه بحجة، وقيل هي حقيقة كلها،
وذلك عند قيامهم من قبورهم، ثم يرد الله إليهم أبصارهم وسمعهم ونطقهم، فعند رد ذلك إليهم يرون النار
ويسمعون زفيرها ويتكلمون بكل ما حكي عنهم في ذلك، ويقال للمنصرف عن أمر خائفاً مهموماً: انصرف
على وجهه، ويقال للبعير المتفه كأنما يمشي على وجهه، ومن قال ذلك في الآية حقيقة، قال: أقدرهم الله
على النقلة على الوجوه، كما أقدر في الدنيا على النقلة على الأقدام، وفي هذا المعنى حديث قيل يا رسول
الله: كيف يمشي الكافر على وجهه؟ قال: ((أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجلين قادراً أن يمشيه في
:
:

٤٨٧
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٩٩ - ١٠١
-
الآخرة على وجهه))؟ قال قتادة: بلى وعزة ربنا، وقوله ﴿كلما خبت﴾ أي كلما فرغت من إحراقهم فسكن
اللهيب القائم عليهم قدر ما يعادون، ثم تثور، فتلك ((زيادة السعير)) قاله ابن عباس، فالزيادة في حيزهم،
وأما جهنم فعلى حالها من الشدة لا يصيبها فتور، وخبت النار معناه سكن اللهيب والجمر على حاله،
وخمدت معناه سكن الجمر وضعف، وهمدت معناه طفيت جملة، ومن هذه اللفظة قول الشاعر: [الهزج]
إذا ما خبت يلقى عليها المندل الرطب
أمن زينب ذي النار قبيل الصبح ما تخبو
ومنه قول عدي بن زيد: [الخفيف]
وسطة كاليراع أو سرج المجـ
ومنه قول القطامي :
ـدل طوراً تخبو وطوراً تثير
فتخبو ساعة وتهب ساعا
وقوله ﴿ذلك جزاؤهم) الآية، الإشارة إلى الوعيد المتقدم بجهنم، وقوله ﴿بآياتنا﴾ يعم الدلائل
والحجج التي جاء بها محمد عليه السلام، ويعم آيات القرآن وما تضمن من خبر وأمر ونهي، ثم عظم
عليهم أمر إنكار البعث، وخصه بالذكر مع كونه في عموم الكفر بآيات القرآن، ووجه تخصيصه التعظيم له
والتنبيه على خطارة الكفر في إنكاره، وقد تقدم اختلاف القراء في الاستفهامين في غير هذا الموضع،
و((الرفات)) بقية الشيء التي قد أصارها البلى إلى حال التراب، و((البعث)) تحريك الشيء الساكن، وهذا
الاستفهام منهم هو على جهة الإنكار والاستبعاد للحال بزعمهم.
قوله عز وجل :
أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لََّرَيْبَ
قُل لَّوْأَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآبِنَ رَحْمَةٍ رَبِ إِذَا لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ
فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلََّ كُفُورًا (في
اُلْإِنِفَاقِّ وَكَانَ الْإِنِسَنُ قَتُورًا [٣) وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍّ فَسْئَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيِلَ إِذْ
جَاءَ هُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظْتُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا
١٠١
هذه الآية احتجاج عليهم فيما استبعدوه من البعث، وذلك أنهم قرروا على خلق الله تعالى واختراعه
لهذه الجملة التي البشر جزء منها، فهم لا ينكرون ذلك، فكيف يصح لهم أن يقروا بخلقه للكل وإخراجه
من خمول العدم وينكرون إعادته للبعض؟ فحصل الأمر في حيز الجواز، وأخبر الصادق الذي قامت دلائل
معجزاته بوقوع ذلك الجائز، و((الرؤية)) في هذه الآية رؤية القلب، و((الأجل)) هنا يحتمل أن يريد به القيامة
ويحتمل أن يريد أجل الموت، و((الأجل)) على هذا التأويل اسم جنس لأنه وضعه موضع الآجال، ومقصد
هذا الكلام بيان قدرة الله عز وجل وملكه لخلقه، وبتقرير ذلك يقوى جواز بعثه لهم حين يشاء لا إله إلا هو،
وقوله ﴿فأبى﴾ عبارة عن تكسبهم وجنوحهم، وقد مضى تفسير هذه الآيات آنفاً، وقوله تعالى: ﴿قل لو أنتم

٤٨٨
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٩٩ - ١٠١
تملكون﴾ الآية حكم لو أن يليها الفعل إما مظهراً وإما مضمراً يفسره الظاهر بعد ذلك، فالتقدير هنا، قل لو
تملكون خزائن، فـ ﴿أنتم﴾ رفع على تبع الضمير، و((الرحمة)) في هذه الآية المال والنعم التي تصرف في
الأرزاق، ومن هذا سميت ﴿رحمة﴾، و﴿الإنفاق﴾ المعروف ذهاب المال وهو مؤد إلى الفقر، فكأن
المعنى خشية عاقبة الإنفاق، وقال بعض اللغويين أنفق الرجل معناه افتقر كما تقول أترب وأقتر، وقوله
﴿وكان الإنسان فتوراً﴾ أي ممسكاً، يريد أن في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك
خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تعالى تقف دون البعث، والأمر ليس
كذلك، بل قدرته لا تتناهى، فهو مخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الرحمة الأرزاق، فلا يخاف نفاد
خزائن رحمته، وبهذا النظر تتلبس هذه الآية بما قبلها، والله ولي التوفيق برحمته، ومن الإقتار قول أبي
داود: [الخفيف]
لا أعد الإقتار عدماً ولكن فقد من قد رزئته الإعدام
وقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ اتفق المتأولون والرواة أن الآيات الخمس التي
في سورة الأعراف هي من هذه التسع، وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، واختلفوا في
الأربع، فقال ابن عباس: هي يده ولسانه حين انحلت عقدته، وعصاه والبحر، وقال محمد بن كعب
القرطبي: هي البحر والعصا والطمسة والحجر، وقال سألني عن ذلك عمر بن عبد العزيز فأخبرته، فقال
لي: وما الطمسة؟ فقلت دعا موسى وآمن هارون فطمس الله أموالهم وردها حجارة، فقال عمر: وهل يكون
الفقه إلا هكذا؟ ثم دعا بخريطة فيها غرائب كانت لعبد العزيز بن مروان، جمعها بمصر، فاستخرج منها
الحوزة والبيضة والعدسة وهي كلها حجر كانت من بقايا أموال آل فرعون، وقال الضحاك: هي إلقاء العصا
مرتين، واليد، وعقدة لسانه، وقال عكرمة ومطر الوراق، والشعبي: هي العصا واليد والسنون ونقص
الثمرات، وقال الحسن: هي العصا في كونها ثعباناً وتلقف العصا ما يأفكون، وقال ابن عباس: هي السنون
في بواديهم، ونقص الثمرات في قراهم، واليد، والعصا، وروى مطرف عن مالك أنها العصا، واليد،
والجبل إذ نتق، والبحر، وروى ابن وهب عنه مكان البحر الحجر، والذي يلزم من الآية أن الله تعالى خص
من آيات موسى إذ هي كثيرة جداً تنيف على أربع وعشرين، تسعاً بالذكر ووصفها بالبيان ولم يعينها،
واختلف العلماء في تعيينها بحسب اجتهادهم في بيانها أو روايتهم التوقيف في ذلك، وقالت فرقة آيات
موسى إنما أريد بها آيات التوراة التي هي أوامر ونواه، روى في هذا صفوان بن عسال، أن يهود المدينة قال
لآخر: سر بنا إلى هذا النبي نسأله عن آيات موسى، فقال له الآخر: لا تقل إنه نبي، فإنه لو سمعك صار له
أربع أعين، قال: فسارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه، فقال ((هن أن لا تشركوا بالله شيئاً،
ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله، ولا
تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا يوم الزحف، وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا
في السبت))، وقرأ الجمهور ((فاسأل بني إسرائيل)) وروي عن الكسائي ((فسل)) على لغة من قال سأل يسأل،
وهذا كله على معنى الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي اسأل معاصريك عما أعلمناك به من غيب
القصة، ثم قال ﴿إِذ جاءهم﴾ يريد آباءهم، وأدخلهم في الضمير إذ هم منهم، ويحتمل أن يريد ﴿فاسأل

٤٨٩
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ١٠٢ - ١٠٤
--
بني إسرائيل﴾ الأولين الذين جاءهم موسى وتكون إحالته إياه على سؤالهم بطلب إخبارهم والنظر في
أحوالهم وما في كتبهم نحو قوله تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا﴾ [الزخرف: ٤٥] وهذا كما
تقول لمن تعظه: سل الأمم الحالية هل بقي منها مخلد؟ ونحو هذا مما يجعل النظر فيه مكان السؤال، قال
الحسن: سؤالك نظرك في القرآن وقرأ ابن عباس ((فسأل بني إسرائيل)) أي فسأل موسى فرعون بني إسرائيل
أي طلبهم لينجيهم من العذاب، وقوله ﴿مسحوراً﴾ اختلف فيه المتأولون، فقالت فرقة هو مفعول على
بابه، أي إنك قد سحرت، فكلامك مختل، وما تأتي به غير مستقيم، وقال الطبري: هو مفعول بمعنى
فاعل كما قال ﴿حجاباً مستوراً﴾ [الإسراء: ٤٥] وكما قالوا مشؤوم وميمون وإنما هو شايم ويامن.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يتخرج إلا على النسب أي ذا سحر ملكته وعلمته، فأنت تأتي بهذه
الغرائب لذلك، وهذه مخاطبة تنقص، فيستقيم أن يكون ﴿مسحوراً﴾ مفعولاً على ظاهره، وعلى أن يكون
بمعنى ساحر يعارضنا ما حكي عنهم أنهم قالوا له على جهة المدح ﴿يا أيها الساحر ادع لنا ربك﴾
[الزخرف: ٤٩] فإما أن يكون القائلون هنالك ليس فيهم فرعون وإما أن يكون فيهم لكنه تنقل من تنقصه
إلی تعظيمه، وفي هذا نظر.
قوله عز وجل:
قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلََّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ
فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُمْ مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا (٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِىّ
مَثْبُورً اليا
إِسْرَّهِ يلَ أَسْكُنُواْالْأَرْضَ فَإِذَاجَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْلَفِيفًا
١٠٤
روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره أنه قرأ ((علمتُ)) بتاء المتكلم مضمومة، وقال ما
علم عدو الله قط، وإنما علم موسى، وتتقوى هذه القراءة لمن تأول ﴿مسحوراً﴾ [الإسراء: ١٠١] على
بابه، فلما رماه فرعون بأنه قد سحر ففسد نظره وعقله وكلامه، رد هو عليه بأنه يعلم آيات الله، وأنه ليس
بمسحور، بل محرر لما يأتي به، وهي قراءة الكسائي، وقرأ الجمهور ((لقد علمتَ)) بتاء المخاطب مفتوحة،
فكأن موسى عليه السلام رماه بأنه يكفر عناداً، ومن قال بوقوع الكفر عناداً فله تعلق بهذه الآية، وجعلها
كقوله عز وجل: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤]، وقد حكى الطبري ذلك عن ابن
عباس، ونحا إلى ذلك الزجاج، وهي معرضة للاحتمال على أن يكون قول موسى عليه السلام إبلاغاً على
فرعون في التوبيخ، أي أنت بحال من يعلم هذا، وهي من الوضوح بحيث تعلمها، ولم يكن ذلك على
جهة الخبر عن علم فرعون، ومن يريد من الآية وقوع الكفر عناداً فإنما يجعل هذا خبراً من موسى عن علم
فرعون، والإشارة بـ ﴿هؤلاء﴾ إلى التسع الآيات، وقوله ﴿بصائر﴾ جمع بصيرة، وهي الطريقة أي طرائق
يهتدى بها، وكذلك غلب على البصيرة أنها تستعمل في طريقة النفس في نظرها واعتقادها، ونصب
﴿بصائر﴾ على الحال، و((المثبور)) المهلك، قاله مجاهد، وقال ابن عباس والضحاك هو المغلوب، وقال
ابن زيد هو المخبول، وروي عن ابن عباس أنه فسره بالملعون، وقال بعض العلماء: كان موسى عليه

٤٩٠
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ١٠٥ - ١٠٨
السلام في أول أمره يجزع، ويؤمر بالقول اللين، ويطلب الوزير، فلما تقوت نفسه بقوى النبوءة، تجلد
وقابل فرعون بأكثر مما أمره به بحسب اجتهاده الجائر له، قال ابن زيد: اجترأ موسى أن يقول له فوق ما أمره
الله به، وقالت فرقة بل ((المثبور)) المغلوب المختدع، وما كان موسى عليه السلام ليكون لعاناً، ومن اللفظة
قول عبد الله بن الزبعرى: [الخفيف]
إذا جاري الشيطان في سنن الغــي ومن مال ميله مثبوراً
وقوله عز وجل ﴿فأراد أن يستفزهم﴾ الآية، ﴿يستفزهم﴾ معناه يستخفهم ويقلعهم، إما بقتل أو
بإجلاء، و﴿الأرض﴾ أرض مصر، وقد تقدم أنه متى ذكرت الأرض عموماً فإنما يراد بها ما يناسب القصة
المتكلم فيها، وقد يحسن عمومها في بعض القصص.
قال القاضي أبو محمد: واقتضبت هذه الآية قصص موسى مع فرعون وإنما ذكرت عظم الأمر
وخطيره، وذلك طرفاه، أراد فرعون غلبتهم وقتلهم وهذا كان بدء الأمر ((فأغرقه)) الله وأغرق جنوده وهذا كان
نهاية الأمر، ثم ذكر تعالى أمر ﴿بني إسرائيل﴾ بعد إغراق فرعون بسكنى أرض الشام، و﴿وعد الآخرة﴾ هو
يوم القيامة، و((اللفيف)) الجمع المختلط الذي قد لف بعضه إلى بعض، فليس ثم قبائل ولا انحياز، قال
بعض اللغويين: هو من أسماء الجموع ولا واحد له من لفظه، وقال الطبري هو بمعنى المصدر كقول القائل
لففته لفاً و﴿لفيفآً﴾ وفي هذا نظر فتأمله.
قوله عز وجل :
وَبِالْحَقِ أَنْزَلْتَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلْ وَمَا أَرْسَلْتَكَ إِلَّمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٦) وَقُرْءَانَا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ
وَّلَْهُ نَزِيلًا (٦) قُلْ ءَ امِنُواْ بِ أَوْلَا تُؤْمِنُوْ إِنَّالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْفَانِ
١٠٨
سُجَّدًا (١٦) وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا
:٠
الضمير في قوله ﴿أنزلناه﴾ عائد على القرآن المذكور، وفي قوله ﴿ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن
من كل مثل﴾ [الإسراء: ٨٩] ويجوز أن يكون الكلام آنفاً. وأشار بالضمير إلى القرآن على ذكر متقدم
لشهرته، كما قال ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢].
وهذا كثير، قال الزهراوي: معناه بالواجب الذي هو المصلحة والسداد للناس ﴿بالحق﴾ في نفسه،
وقوله ﴿وبالحق نزل﴾، يريد ﴿بالحق) في أوامره ونواهيه وأخباره فيهذا التأويل يكون تكرار اللفظ لمعنى
غير الأول، وذهب الطبري إلى أنهما بمعنى واحد، أي بأخباره وأوامره وبذلك نزل، وقوله ﴿وقرآناً﴾ مذهب
سيبويه أن نصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر بعد، أي ((وفرقنا قرآناً)، ويصح أن يكون معطوفاً على الكاف
في ﴿أرسلناك﴾ من حيث كان إرسال هذا وإنزال هذا لمعنى واحد، وقرأ جمهور من الناس ((فرقناه))
بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه وجعلناه فرقاناً، وقرأ ابن عباس وقتادة وأبو رجاء وعلي بن أبي طالب
وابن مسعود وأبي بن كعب والشعبي والحسن بخلاف، وحميد وعمرو بن فائد ((فرّقناه)) بتشديد الراء، إلا أن

٤٩١
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ١٠٥ - ١٠٨
في قراءة ابن مسعود وأبيّ ((فرقناه عليه لتقرأه)) أي أنزلناه شيئاً بعد الشيء لا جملة واحدة ويتناسق هذا
المعنى مع قوله ﴿لتقرأه على الناس على مكث﴾، وهذا كان مما أراد الله من نزوله بأسباب تقع في الأرض
من أقوال وأفعال في أزمان محدودة معينة، واختلف أهل العلم في كم القرآن من المدة؟ فقيل: في خمس
وعشرين سنة، وقال ابن عباس: في ثلاث وعشرين سنة، وقال قتادة في عشرين سنة، وهذا بحسب
الخلاف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الوحي بدأ وهو ابن أربعين، وتم بموته، وحكى
الطبري عن الحسن البصري أنه قال: نزل القرآن في ثمان عشرة سنة، وهذا قول يختل لا يصح عن الحسن
والله أعلم، وتأولت فرقة قوله عز وجل ﴿على مكث﴾ أي على ترسل في التلاوة، وهو ترتيل، هذا قول
مجاهد وابن عباس وابن جريج وابن زيد، والتأويل الآخر أي ﴿على مكث﴾ وتطاول في المدة شيئاً بعد
شيء، وقوله ﴿ونزلناه تنزيلاً﴾ مبالغة وتأكيد بالمصدر للمعنى المتقدم ذكره في ألفاظ الآية، وأجمع القراء
على ضم الميم من ﴿مُكث﴾، ويقال مَكث ومِكث بفتح الميم ومكث بكسرها، وقوله ﴿قل آمنوا به﴾ الآية
تحقير للكفار، وفي ضمنه ضرب من التوعد، والمعنى أنكم لستم بحجة، فسواء علينا آمنتم أم كفرتم،
وإنما ضرّ ذلك على أنفسكم، وإنما الحجة أهل العلم من قبله وهم بالصفة المذكورة، واختلف الناس في
المراد بـ ﴿الذين أوتوا العلم من قبله﴾، فقالت فرقة: هم مؤمنو أهل الكتاب وقالت فرقة: هم ورقة بن
نوفل وزید بن عمرو بن نفیل ومن جری مجراهما .
وقيل إن جماعة من أهل الكتاب جلسوا وهم على دينهم فتذاكروا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما
أنزل عليه، وقرىء عليهم منه شيء فخشعوا وسبحوا لله، وقالوا هذا وقت نبوة المذكور في التوراة، وهذه
صفته، ووعد الله به واقع لا محالة وجنحوا إلى الإسلام هذا الجنوح، فنزلت الآية فيهم، وقالت فرقة: المراد
بـ ﴿الذين أوتوا العلم من قبله﴾ محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في ﴿قبله﴾ عائد على القرآن
حسب الضمير في ﴿به﴾، ويبين ذلك قوله ﴿إذا يتلى﴾، وقيل الضميران لمحمد. واستأنف ذكر القرآن في
قوله ﴿إذا يتلى﴾، وقوله ﴿للأذقان﴾ أي لناحيتها، وهذا كما تقول تساقط لليد والفم أي لناحيتهما، وعليهما
قال ابن عباس: المعنى للوجوه، وقال الحسن: المعنى للحى، و((الأذقان)) أسافل الوجوه حيث يجتمع
اللحيان، وهي أقرب ما في رأس الإنسان إلى الأرض، لا سيما عند سجوده، وقال الشاعر: [الطويل]
تنوشهم سباع من الطير العوادي وتنتف
فخروا الأذقان الوجوه تنوشهم
و﴿إن﴾ في قوله ﴿إن كان﴾ هي عند سيبويه المخففة من الثقيلة، واللام بعدها لام التوكيد، وهي عند
الفراء النافية، واللام بمعنی إلّ، ويتوجه في هذه الآية معنی آخر وهو أن یکون قوله ﴿آمنوا به أو لا تؤمنوا﴾
مخلصاً للوعيد دون التحقير، والمعنى فسترون ما تجازون به، ثم ضرب لهم المثل على جهة التقريع بمن
تقدم من أهل الكتاب، أي أن الناس لم يكونوا كما أنتم في الكفر، بل الذين أوتوا التوراة والإنجيل والزبور
والكتب المنزلة في الجملة، ﴿إذا يتلى عليهم﴾ ما نزل عليهم خشعوا وآمنوا.
قوله عز وجل :
قُلِ أَدْعُواْاللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّاتَدْعُواْ فَلَهُ
وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾﴾

٤٩٢
تفسير سورة الإسراء / الآيات : ١٠٩ - ١١١
اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُّخَفِتْ بِهَا وَأَبْتَخِبَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا () وَقُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى
لَمْ يَتَّخِذْ وَلَّا وَلَمْيَّكُن لَّهُ شَرٌِ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِرُتَكْبِيرًا
هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم وحض لكل من ترسم بالعلم وحصل منه شيئاً أن يجري إلى هذه
الرتبة، وحكى الطبري عن التميمي أنه قال: إن من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق أن لا يكون أوتي
علماً ينفعه، لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم تلا هذه الآية كلها، وقوله ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾
سبب نزول هذه الآية أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ((يا الله يا الرحمن))، فقالوا
كان محمد أمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين، قاله ابن عباس ، وقال مكحول: تهجد رسول الله صلى
الله عليه وسلم ليلة، فقال في دعائه ((يا رحمن يا رحيم))، فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل
يسمى الرحمن، فقال ذلك السامع: ما بال محمد يدعو رحمن اليمامة، فنزلت مبينة أنها لمسمى واحد، فإن
دعوتموه بالله فهو ذلك، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذلك، وقرأ طلحة بن مصرف ((أياً ما تدعوا فله الأسماء))،
أي وله سائر الأسماء الحسنى، أي التي تقتضي أفضل الأوصاف وهي بتوقيف، لا يصح وضع اسم الله بنظر
إلا بتوقيف من القرآن أو الحديث، وقد روي أن لله تسعة وتسعين اسماً؛ الحديث ، ونصها كلها الترمذي
وغيره بسند، وتقدير الآية أي الأسماء تدعوا به فأنت مصيب له الأسماء الحسنى، ثم أمر رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن ((لا يجهر)) بصلاته وأن ((لا يخافت بها))، وهو الإسرار الذي لا يسمعه المتكلم به، هذه
هي حقيقته، ولكنه في الآية عبارة عن خفض الصوت وإن لم ينته إلى ما ذكرناه، واختلف المتأولون في
الصلاة ما هي؟ فقال ابن عباس وعائشة وجماعة: هي الدعاء، وقال ابن عباس أيضاً: هي قراءة القرآن في
الصلاة، فهذا على حذف مضاف، التقدير ﴿ولا تجهر﴾ بقراءة صلاتك، قال: والسبب أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم جهر بالقرآن فسمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالوسط، ليسمع أصحابه المصلون معه، ويذهب عنه أذى المشركين، قال ابن سيرين: كان الأعراب
يجهرون بتشهدهم، فنزلت الآية في ذلك، وكان أبو بكر رضي الله عنه يسر قراءته، وكان عمر يجهر بها،
فقيل لهما في ذلك، فقال أبو بكر: إنما أناجي ربي وهو يعلم حاجتي، وقال عمر أنا أطرد الشيطان وأوقظ
الوسنان، فلما نزلت هذه الآية، قيل لأبي بكر: ارفع أنت قليلاً، وقيل لعمر اخفض أنت قليلاً، وقالت
عائشة أيضاً: ((الصلاة)) يراد بها في هذه الآية التشهد، وقال ابن عباس والحسن: المراد والمعنى: ولا
تحسن صلاتك في الجهر ولا تسئها في السر، بل اتبع طريقاً وسطاً يكون دائماً في كل حالة، وقال ابن
زيد: معنى الآية النهي عما يفعله أهل الإنجيل والتوراة من رفع الصوت أحياناً فيرفع الناس معه، ويخفض
أحياناً فيسكت من خلفه، وقال ابن عباس في الآية: إن معناها ﴿ولا تجهر﴾ بصلاة النهار ﴿ولا تخافت﴾
بصلاة الليل، واتبع سبيلاً من امتثال الأمر كما رسم لك، ذكره يحيى بن سلام والزهراوي، وقال
عبد الله بن مسعود لم يخافت من أسمع أذنيه، وما روي من أنه قيل لأبي بكر ارفع أنت قليلاً يرد هذا،
ولكن الذي قال ابن مسعود هو أصل اللغة، ويستعمل الخفوت بعد ذلك في ارفع من ذلك، وقوله تعالى:
﴿وقل الحمد لله﴾ الآية، هذه الآية رادة على اليهود والنصارى والعرب في قولهم أفذاذاً: عزير وعيسى

٤٩٣
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ١٠٩ - ١١١
والملائكة ذرية لله سبحانه وتعالى عن أقوالهم، ورادة على العرب في قولهم لولا أولياء الله لذل وقيد لفظ
الآية نفي الولاية لله عز وجل بطريق الذل وعلى جهة الانتصار، إذ ولايته موجودة بتفضله ورحمته لمن والى
من صالحي عباده، قال مجاهد: المعنى لم يحالف أحداً ولا ابتغى نصر أحد، وقوله ﴿و کېره تكبيراً﴾ أبلغ
لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، ثم أكدها بالمصدر تحقيقاً لها وإبلاغاً في معناها، وروى مطرف
عن عبد الله بن كعب قال: افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام وختمت بخاتمة هذه السورة.
نجز تفسير سورة سبحان والحمد لله رب العالمين

٤٩٤
تفسير سورة الكهف / الآيات: ١ -٥
بِسْمِ اللهِالرَّحَضَنِ الزَّحِيِ
سُورَةُ الكَهْفِ
هذه السورة مكية في قول جميع المفسرين، وروي عن فرقة أن أول السور نزل بالمدينة إلى قوله
﴿جرزاً﴾ [الكهف: ٨] والأول أصح، وهي من أفضل سور القرآن، وروي أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ألا أخبركم بسورة عظمها ما بين السماوات والأرض ولمن جاء بها من الأجر مثل ذلك؟ قالوا:
أي سورة هي يا رسول الله؟ قال: سورة الكهف، من قرأ بها يوم الجمعة غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى
وزيادة ثلاثة أيام، في رواية أنس، ومن قرأ بها أعطي نوراً بين السماء والأرض ووقي بها فتنة القبر.
قوله عز وجل :
قَبِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّكُنْهُ
اَْهْدُ لِلَِّالَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِالْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ()
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّلَهُمْ أَجْرَا حَسَنًا جَمَّكِتِينَ فِيهِ أَبَدًّا لـ
٣
وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أَتَّخَذَ اُللَّهُ وَلَدًا (® ◌َّالَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِلَّبَابِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ
مِنْ أَفْوَهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا
كان حفص عن عاصم يسكت عند قوله ﴿عوجاً﴾ سكتة خفيفة، وعند ﴿مرقدنا﴾ [ص: ٥٢] في
سورة يس، وسبب هذه البدأة في هذه السورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سألته قريش عن
المسائل الثلاث، الروح، والكهف، وذي القرنين، حسبما أمرتهم بهن يهود، قال لهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم غداً أخبركم، بجواب سؤالكم، ولم يقل إن شاء الله، فعاتبه الله عز وجل بأن استمسك الوحي
عنه خمسة عشر يوماً، فأرجف به كفار قريش، وقالوا: إن محمداً قد تركه ربه الذي كان يأتيه من الجن،
وقال بعضهم: قد عجز عن أكاذيبه إلى غير ذلك، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ
منه، فلما انقضى الأمد الذي أراد الله تعالى عتاب محمد إليه، جاءه الوحي من الله بجواب الأسئلة وغير
ذلك، فافتتح الوحي بحمد الله ﴿الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ أي بزعمكم أنتم يا قريش، وهذا كما
تقول لرجل يحب مساءتك فلا يرى إلا نعمتك الحمد لله الذي أنعم علي وفعل بي كذا على جهة النقمة
عليه، و﴿الكتاب﴾ هو القرآن، وقوله ﴿ولم يجعل له عوجاً﴾ أي لم يزله عن طريق الاستقامة، و((العوج))
فقد الاستقامة، وهو بكسر العين في الأمور والطرق وما لا يحس متنصباً شخصاً، و((العوج)) بفتح العين في
الأشخاص كالعصا والحائط ونحوه، وقال ابن عباس: معناه ولم يجعله مخلوقاً، وقوله ﴿ولم يجعل له
.. . . ..
:

٤٩٥
تفسير سورة الكهف / الآيات: ١ - ٥
عوجا﴾ يعم هذا وجميع ما ذكره الناس من أنه لا تناقض فيه ومن أنه لا خلل ولا اختلاف فيه. وقوله
﴿قيماً﴾ نصب على الحال من ﴿الكتاب﴾، فهو بمعنى التقديم، مؤخر في اللفظ، أي أنزل الكتاب قيماً،
واعترض بين الحال وذي الحال قوله: ﴿ولم يجعل له عوجاً﴾ وذكر الطبري هذا التأويل عن ابن عباس،
ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر تقديره أنزله أو جعله ﴿قيماً﴾، وفي بعض مصاحف الصحابة ((ولم
يجعل له عوجاً لكن جعله قيماً)) قاله قتادة، ومعنى ((قيم)) مستقيم، هذا قول ابن عباس والضحاك، وقيل
معناه أنه قيم على سائر الكتب بتصديقها، ذكره المهدوي، وهذا محتمل وليس من الاستقامة ويصح أن
يكون معنى ((قيم)) قيامه بأمر الله عز وجل على العالم، وهذا المعنى يؤيده ما بعده من النذارة والبشارة اللذين
عما العالم. و((البأس الشديد)) عذاب الآخرة، ويحتمل أن يندرج معه في النذارة عذاب الدنيا ببدر وغيرها،
ونصبه على المفعول الثاني، والمعنى لينذر العالم، وقوله ﴿من لدنه﴾ أي من عنده ومن قبله، والضمير في
﴿لدنه﴾ عائد على الله تعالى، وقرأ الجمهور من ((لدُنْهُ)) بضم الدال وسكون النون وضم الهاء، وقرأ عاصم
في رواية أبي بكر ((من لدْنِهِ)) بسكون الدال وإشمام الضم فيها وكسر النون والهاء، وفي ((لدن)) لغات، يقال
((لدن)) مثل سبع، ((ولدْن)) بسكون الدال ((وُلُدن)) بضم اللام، ((وَلَدَن)) بفتح اللام والدال وهي لفظة مبنية
على السكون، ويلحقها حذف النون مع الإضافة، وقرأ عبد الله وطلحة ((ويَبْشُر)) بفتح الياء وسكون الباء
وضم الشين، وقوله ﴿أن لهم أجراً﴾ تقديره بأن لهم أجراً، والأجر الحسن نعيم الجنة، ويتقدمه خير
الدنيا، و، ﴿ماكثين﴾ حال من الضمير في ﴿لهم﴾ و﴿أبداً﴾ ظرف لأنه دال على زمن غير متناه .
قال القاضي أبو محمد: وقد أشرت في تفسير هذه الآية إلى أمر اليهود قريشاً بسؤال النبي صلى الله
عليه وسلم عن المسائل الثلاث، وينبغي أن تنص كيف كان ذلك.
ذكر ابن إسحاق عن ابن عباس بسند، أنه قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط،
إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته، فإنهم أهل الكتاب الأول،
وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألا أحبار اليهود عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل،
وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول وما كان من أمرهم؟ فإنه
كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن
الروح. فأقبل النضر وعقبة إلى مكة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكان الأمر ما ذكرناه،
وقوله ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله﴾ الآية، أهل هذه المقالة هم بعض اليهود في عزير، والنصارى في
المسيح، وبعض العرب في الملائكة، والضمير في ﴿به﴾ يحتمل أن يعود على القول الذي يتضمنه
﴿قالوا﴾ المتقدم، وتكون جملة قوله ﴿ما لهم به من علم﴾ في موضع الحال، أي قالوا جاهلين، ويحتمل
أن يعود على ((الولد)) الذي ادعوه، فتكون الجملة صفة للولد، قاله المهدوي، وهو معترض لأنه لا يصفه إلا
القائل، وهم ليس في قصدهم أن يصفوه، والصواب عندي أنه نفي مؤتنف أخبر الله تعالى بجهلهم في
ذلك، فلا موضع للجملة من الإعراب، ويحتمل أن يعود على الله عز وجل، وهذا التأويل أذم لهم وأقضى
بالجهل التام عليهم، وهو قول الطبري. وقوله ﴿ولا لآبائهم﴾ يريد الذين أخذ هؤلاء هذه المقالة عنهم،

٤٩٦
تفسير سورة الكهف / الآيات: ٦ -٩
وقرأ الجمهور ((كبرت كلمةً)) بنصب الكلمة، كما تقول نعم رجلاً زيد، وفسر ((الكلمة)) ووصفها بالخروج
من أفواههم، وقال بعضهم: نصبها على التفسير على حد نصب قوله تعالى ﴿وساءت سرتفقاً﴾
[الكهف: ٢٩] وقالت فرقة نصبها على الحال، والتقدير ﴿كبرت﴾ فريتهم أو نحو هذا ﴿كلمة﴾، وسميت
هذه الكلمات ﴿كلمة﴾ من حيث هي مقالة واحدة، كما يقولون للقصيدة كلمة، وهذه المقالة قائمة في
النفس معنى واحداً، فيحسن أن تسمى كلمة، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وابن محيصن والقواس عن ابن
كثير ((كبرت كلمةً)) برفع الكلمة على أنها فاعلة بـ ﴿كبرت﴾، وقوله ﴿إن يقولون﴾ أي ما يقولون ..
قوله عز وجل :
فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَىَّءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًّا ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى
وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدً اجُرُزًّا (﴾ أَمْ
اُلْأَرْضِ زِينَةً لَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾
حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اُلْكَهْفِ وَالرَّقِيمِكَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا عَجَبًا
هذه الآية تسلية للنبي عليه السلام، وقوله ﴿فلعلك﴾ تقرير وتوفيق بمعنى الإنكار عليه أي لا تكن
كلذلك، و((الباخع نفسه)) هو مهلكها وجداً وحزناً على أمر ما، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
لشيء نحته عن يديه المقادر
ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه
يريد نحته فخفف وقوله ﴿على آثارهم﴾، استعارة فصيحة، من حيث لهم إدبار وتباعد عن الإيمان،
وإعراض عن الشرع فكأنهم من فرط إدبارهم قد بعدوا فهو في آثارهم يحزن عليهم، وقوله ﴿بهذا
الحديث﴾ أي بالقرآن الذي يحدثك به، و﴿أسفاً﴾ نصب على المصدر، قال الزجاج: و((الأسف)) المبالغة
في حزن أو غضب.
قال القاضي أبو محمد: و((الأسف)) في هذا الموضع الحزن، لأنه على من لا يملكه ولا هو تحت يد
الأسف ولو كان الأسف من مقتدر على من هو في قبضته وملكه لكان غضباً، كقوله تعالى: ﴿فلما آسفونا﴾
[الزخرف: ٥٥] أي أغضبونا وإذا تأملت هذا في كلام العرب اطرد، وذكره منذر بن سعيد وقال قتادة: هنا
﴿أسفاً﴾ غضباً، قال مجاهد ﴿أسفاً﴾ جزعاً وقال قتادة أيضاً: حزناً، ومن هذه اللفظة قول الأعشى:
[الطويل]
يضم إلى كشحيه كفّباً مخضبا
أرى رجلاً منكم أسيفاً كأنما
يريد حزيناً كأنه مقطوع اليد، وقوله ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة﴾، الآية بسط في التسلية أي لا
تهتم الدنيا وأهلها فأمرها وأمرهم أقل بفنائه وذهابه، فإنا إنما جعلنا ما على الأرض زينة وامتحاناً وخبرة،
واختلف في المراد بـ ﴿ما﴾، فقال ابن جبير عن ابن عباس: أراد الرجال وقاله مجاهد، وروى عكرمة عن
ابن عباس أن الزينة الخلفاء والعلماء والأمراء، وقالت فرقة أراد النعم والملابس والثمار والخضرة والمياه،
ونحو هذا مما فيه زينة، ولم يدخل في هذا الجبال الصم وكل ما لا زين فيه كالحيات والعقارب، وقالت

٤٩٧
تفسير سورة الكهف / الآيات: ٦ - ٩
فرقة: أراد كل ما على الأرض عموماً وليس شيء إلا وفيه زينة من جهة خلقه وصنعته وإحكامه. وفي معنى
هذه الآية، قول النبي عليه السلام: ((الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا
الدنيا واتقوا النساء)». و﴿زينة﴾ مفعول ثان أو مفعول من أجله بحسب معنى ((جعل)). وقوله ﴿لنبلوهم
أيهم أحسن عملاً﴾ أي لنختبرهم وفي هذا وعيد ما، قال سفيان الثوري: ﴿أحسنهم عملاً﴾ أزهدهم فيها،
وقال أبو عاصم العسقلاني: أحسن عملاً: أترك لها.
قال القاضي أبو محمد: وكان أبي رضي الله عنه يقول: أحسن العمل أخذ بحق واتفاق في حق مع
الإيمان وأداء الفرائض واجتناب المحارم، والإكثار من المندوب إليه. وقوله ﴿وإنا لجاعلون ما عليها
صعيداً جرزاً﴾، أي يرجع كل ذلك تراباً غير متزين بنبات ونحوه، و((الجرز)) الأرض التي لا شيء فيها من
عمارة وزينة، فهي البلقع، وهذه حالة الأرض العامرة الخالية بالدين لا بد لها من هذا في الدنيا جزءاً جزءاً
من الأرض ثم يعمها ذلك بأجمعها عند القيامة، يقال: جرزت الأرض بقحط أو جراد أو نحوه إذا ذهب
نباتها وبقيت لا شيء فيها ولا نفع، وأرضون أجراز، قال الزجاج: والجرز الأرض التي لا تنبت.
قال القاضي أبو محمد: وإنما ينبغي أن يقول: التي لم تنبت، و(الصعيد)) وجه الأرض وقيل
((الصعيد)) التراب خاصة، وقيل ((الصعيد)) الأرض الطيبة وقيل، (الصعيد)) الأرض المرتفعة من الأرض
المنخفضة، وقوله تعالى: ﴿أم حسبت﴾ الآية، مذهب سيبويه في (أم) إذا جاءت دون أن يتقدمها ألف
استفهام أنها بمعنى بل وألف الاستفهام كأنه قال: بل أحسبت إضراباً عن الحديث الأول واستفهاماً عن
الثاني وقال بعض النحويين: هي بمنزلة ألف الاستفهام، وأما معنى الكلام فقال الطبري: هو تقرير للنبي
صلى الله عليه وسلم على حسابه أن أصحاب الكهف كانوا عجباً بمعنى إنكار ذلك عليه أي لا تعظم ذلك
بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة، فإن سائر آيات الله أعظم من قصتهم وأشنع، وهو قول ابن
عباس ومجاهد وقتادة وابن إسحاق، وذكر الزهراوي: أن الآية تحتمل معنى آخر وهو أن تكون استفهاماً له
هل علم أصحاب الكهف عجباً، بمعنى إثبات أنهم عجب وتكون فائدة تقريره جمع نفسه للام لأن جوابه
أن يقول لم أحسب ولا علمته فيقال له: وصفهم عند ذلك والتجوز في هذا التأويل هو في لفظه حسبت
فتأمله، و ﴿الكهف﴾ النقب المتسع في الجبل وما لم يتسع منها فهو غار، وحكى النحاس عن أنس بن
مالك أنه قال: ﴿الكهف﴾ الجبل وهذا غير شهير في اللغة، واختلف الناس في ﴿الرقيم﴾، فقال كعب،
﴿الرقيم﴾ القرية التي كانت بإزاء ﴿الكهف)، وقال ابن عباس وقتادة: ﴿الرقيم) الوادي الذي كان بإزائه
وهو واد بين عصبان وأيلة دون فلسطين، وقال ابن عباس أيضاً هو الجبل الذي فيه ﴿الكهف﴾، وقال
السدي: ﴿الرقيم) الصخرة التي كانت على ﴿الكهف)، وقال ابن عباس ﴿الرقيم) كتاب مرقوم كان
عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى، وقيل من دين قبل عيسى، وقال ابن زيد: كتاب عمى
الله علينا أمره ولم يشرح لنا قصته، وقالت فرقة: ﴿الرقيم﴾ كتاب في لوح نحاس، وقال ابن عباس: في
لوح رصاص كتب فيه القوم الكفار الذين فر الفتية منهم قصتهم وجعلوها تاريخاً لهم ذكروا وقت فقدهم
وكم كانوا وبني من كانوا، وقال سعيد بن جبير: ﴿الرقيم﴾ لوح من حجارة كتبوا فيه قصة ﴿أصحاب
الكهف﴾ ووضعوه على باب الكهف، ويظهر من هذه الروايات أنهم كانوا قوماً مؤرخين للحوادث وذلك من

٤٩٨
تفسير سورة الكهف / الآيات: ١٠ - ١٢
قبل المملكة وهو أمر مفيد، وهذه الأقوال مأخوذة من الرقم ومنه كتاب مرقوم، ومنه الأرقم لتخطيطه، ومنه
رقمة الوادي أي مكان جري الماء وانعطافه يقال عليك بالرقمة وخل الضفة وقال النقاش عن قتادة:
﴿الرقيم﴾ دراهمهم، وقال أنس بن مالك والشعبي ﴿الرقيم﴾ الكلب، وقال عكرمة ﴿الرقيم﴾ الدواة،
وقالت فرقة: ﴿الرقيم﴾ كان لفتية آخرين في السراة جرى لهم ما جرى لـ ﴿أصحاب الكهف)، وروي
عن ابن عباس أنه قال ما أدري ما ﴿الرقيم﴾ أكتاب أم بنيان، وروي أنه قال: كل بالقرآن أعلمه إلا الحنان
والأواه والرقيم.
قوله عز وجل :
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَاءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَارَشَدًا * فَضَرَبْنَا
عَلَىْ ءَاذَانِهِمْ فِىِ الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (٦) ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَوَأَىُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِتُوَأْ
أَمَدًا
١٢
٠ ٦٠٫٠٠
﴿الفتية﴾ فيما روي، قوم من أبناء أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر، ويقال فيه دقليوس، ويقال
دقينوس، وروي أنهم كانوا مطوقين مسورين بالذهب، وهم من الروم واتبعوا دين عيسى، وقيل كانوا قيل
عيسى، وأما أسماؤهم فهي أعجمية، والسند في معرفتها واه، ولكن التي ذكر الطبري هي هذه،
مكسيليمنيا وهو أكبرهم والمتكلم عنهم، ومجسيلينيا وتمليخا وهو الذي مضى بالورق إلى المدينة عند
بعثهم من رقدتهم، مرطوس وكشوطونس، وبيرونس، ودينموس، ويطونس، واختلف الرواة في قصص
هؤلاء الفتية وكيف كان اجتماعهم وخروجهم إلى الكهف؟ وأكثر المؤرخون في ذلك، ولكن نختصر من
حديثهم ونذكر ما لا تستغني الآية عنه، ونذكر من الخلاف عيونه بحول الله، روى مجاهد عن ابن عباس أن
هؤلاء الفتية كانوا في دين ملك يعبد الأصنام ويذبح لها ويكفر بالله، وقد تابعه على ذلك أهل المدينة فوقع
للفتية علم من بعض النحويين حسب ما ذكر النقاش أو من مؤمني الأمم قبلهم بحسب الخلاف الذي
ذكرناه، فآمنوا بالله ورأوا ببصائرهم قبيح فعل الناس، فأخذوا نفوسهم بالتزام الدين وعبادة الله، فرفع أمرهم
إلى الملك، وقيل له إنهم قد فارقوا دينك واستخفوا آلهتك وكفروا بها، فاستحضرهم الملك في مجلسه
وأمرهم باتباع دينه والذبح لآلهته وتوعدهم على فراق ذلك بالقتل، فقالوا له فيما روي ﴿ربنا رب السماوات
والأرض﴾ [الكهف: ١٤] إلى قوله ﴿وإذ اعتزلتموهم﴾ [الكهف: ١٦]، وروي أنهم قالوا نحو هذا الكلام
وليس به، فقال لهم الملك إنكم شبان أغمار لا عقول لكم، وأنا لا أعجل بكم، بل أستأني، فاذهبوا إلى
منازلكم ودبروا رأيكم وارجعوا إلى أمري، وضرب لهم في ذلك أجلاً، ثم إنه سافر خلال الأجل فتشاور
الفتية في الهروب بأدیانهم، فقال لهم أحدهم إني أعرف کهفاً في جبل كذا كان أبي يدخل فيه غنمه،
فلنذهب إليه فنختفي فيه حتى يفتح الله لنا، فخرجوا فيما روي يلعبون بالصولجان والكرة وهم يدحرجونها
إلى نحو طريقهم لئلا يشعر الناس بهم، وقيل إنهم كانوا مثقفين فحضر عيد أخرجوا له فركبوا في جملة
الناس، ثم أخذوا في اللعب بالصولجان حتى خلصوا بذلك، وروت فرقة أن أمر أصحاب الكهف إنما كان

٤٩٩
تفسير سورة الكهف / الآيات: ١٠ - ١٢ -
أنهم كانوا من أبناء الأشراف فحضر عيد لأهل المدينة فرأى الفتيان ما يمتثله الناس في ذلك العيد من الكفر
وعبادة الأصنام والذبح لها، فوقع الإيمان في قلوبهم وأجمعوا على مفارقة الناس لئلا ينالهم العذاب معهم،
فزايلوا الناس، وذهبوا إلى الكهف، وروى وهب بن منبه أن أمرهم إنما كان أن حوارياً لعيسى ابن مريم،
جاء إلى مدينة أصحاب الكهف يريد دخولها، فآجر نفسه من صاحب الحمام فكان يعمل فيه، فرأى
صاحب الحمام في أعماله بركة عظيمة فألقى إليه بكل أمره، وعرف ذلك الرجل فتيان من أهل المدينة،
فنشر فيهم الإيمان وعرفهم الله تعالى، فآمنوا واتبعوه على دينه، واشتهرت خلطتهم به، فأتى يوماً إلى ذلك
الحمام ولد الملك بامرأة بغي أراد الخلوة بها، فنهاه ذلك الحواري فانتهى، ثم جاءه مرة أخرى فنهاه فشتمه
وأمضى عزمه في دخول الحمام مع البغي، فدخل فماتا فيه جميعاً، فاتهم ذلك الحواري وأصحابه بقتله،
ففروا جميعاً حتى دخلوا الكهف، وقال عبيد بن عمير: إن أصحاب الكهف كانوا فتية أبناء العظماء مطوقين
مسورين ذوي ذوائب قد داخلهم الإيمان أفذاذاً، وأزمع واحد منهم الفرار بدينه من بلد الكفر، فأخرجهم
الله في يوم واحد لما أراده بهم، فخرج أحدهم فجلس في ظل شجرة على بعد من المدينة، فخرج ثان،
فلما رأى الجالس جلس إليه، ثم الثالث ثم الباقون حتى كمل جميعهم في ظل الشجرة، فألقى الله في
نفوسهم أن غرضهم واحد، فتساءلوا، ففزع بعضهم من بعض وتكتموا، ثم تراضوا برجلين منهم، وقالوا
لنفرد أو تواثقا وليفش كل واحد منكما سره إلى صاحبه، فإن اتفقتما كنا معكما، فنهضا بعيداً وتكلما
فأفصحا بالإيمان والهروب بالدين فرجعا وفضحا الأمر وتابعهما الآخرون ونهضوا إلى الكهف، وأما الكلب
فروي أنه كان كلب صيد لبعضهم، وروي أنهم وجدوا في طريقهم راعياً له كلب فاتبعهم الراعي على
رأيهم، وذهب الكلب معهم، واسم الكلب حمران، وقيل قطير، فدخلوا الغار على جميع هذه الأقوال
فروت فرقة أن الله عز وجل ((ضرب على آذانهم)) عند ذلك لما أراده من سترهم، وخفي على أهل المملكة
مكانهم، وعجب الناس من غرابة فقدهم، فأرخوا ذلك ورقموه في لوحين من رصاص أو نحاس، وجعلوه
على باب المدينة فيه أسماؤهم وأسماء آبائهم وذكر شرفهم، وأنهم فقدوا بصورة كذا في وقت كذا، وقيل
إن الذي كتب هذا وتهمم به رجلان قاضيان مؤمنان يكتمان إيمانهما من أهل بيت المملكة، وتسترا بذلك
ودفنا اللوحين عندهما: وقيل على الرواية بأن الملك أتى باب الغار، وأنهما دفنا ذلك في بناء الملك على
الغار، وروت فرقة أن الملك لما ذهب الفتية أمر بقص آثارهم، فانتهى ذلك بمتبعيهم إلى باب الغار،
فعرف الملك، فركب في جنده حتى وقف عليه، فأمر بالدخول عليهم فهاب الرجال ذلك، فقال له بعض
وزرائه ألست أيها الملك إن أخرجتهم قتلتهم، قال نعم، قال فأي قتلة أبلغ من الجوع والعطش، ابن
عليهم باب الغار ودعهم يموتوا فيه، ففعل، وقد ((ضرب الله على آذانهم)) قبل ذلك لما أراد من تأمينهم،
وأرخ الناس أمرهم في اللوحين، أو أرخه الرجلان بحسب الخلاف، واسم أحد الرجلين فيما ذكر الطبري
بندروس، واسم الآخر روناس، وروي أن هذا الملك الذي فر الفتية من دينه، كان قد امتحن الله به
المؤمنين حيث أحس بهم، يقتلهم ويعلقهم أشخاصاً ورؤوساً على أسوار مدينته، وكان يريد أن يذهب فيما
ذكر، دين عيسى، وكان هو وقومه من الروم، ثم أخبر الله تعالى عن الفتية أنهم لما أووا إلى الكهف أي
دخلوه وجعلوه مأوى لهم وموضع اعتصام، دعوا الله تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمة، وهي الرزق فيما ذكر
۔
-
1

٥٠٠
تفسير سورة الكهف / الآيات: ١٠ - ١٢
المفسرون، وأن يهىء لهم من أمرهم ﴿رشداً﴾ أي خلاصاً جميلاً، وقرأ الجمهور ((رَشَدأ)) بفتح الراء
والشين، وقرأ أبو رجاء ((رُشْدآ)) بضم الراء وسكون الشين، والأولى أرجح لشبهها بفواصل الآيات قبل
وبعد، وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم، وألفاظه تقتضي ذلك، وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة
ورحمتها، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه هذه الآية فقط، فإنها كافية، ويحتمل ذكر
((الرحمة)) أن يراد بها أمر الآخرة وقد اختصرت هذا القصص، ولم أغفل من مهمه شيئاً بحسب اجتهادي،
والله المعين برحمته، وقوله ﴿فضربنا على آذانهم) الآية عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم، ويعبر عن
هذا ونحوه بـ ((الضرب)) لتبين قوة المباشرة وشدة اللصوق في الأمر المتكلم فيه والإلزام، ومنه ضرب الذلة
والمسكنة، ومنه ضرب الجزية، ومنه ضرب البعث. ومنه قول الفرزدق: [الكامل]
وقضى عليك به الكتاب المنزل
ضربت عليك العنكبوت بنسجها
فهذا يستعمل في اللزوم البليغ، وأما تخصيص ((الآذان)) بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد
النوم، وقلَّما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه، ولا يستحكم نوم إلا مع تعطل السمع، ومن ذكر الأذن في
النوم قوله صلى الله عليه وسلم ((ذلك رجل بال الشيطان في أذنه)) أشار عليه السلام إلى رجل طويل النوم لا
يقوم بالليل، وقوله ﴿عدداً﴾ نعت للسنين، والقصد به العبارة عن التكثير، أي تحتاج إلى عدد وهي ذات
عدد، قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصب ﴿عدداً﴾ على المصدر، و((البعث)) التحريك بعد سكون، وهذا
مطرد مع لفظة البعث حيث وقعت، وقد يكون السكون في الشخص أو عن الأمر المبعوث فيه وإن كان
الشخص متحركاً، وقوله ﴿لنعلم﴾ عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود، وهذا على نحو كلام العرب
أي لنعلم ذلك موجوداً، وإلا فقد كان الله تعالى علم ﴿أي الحزبين﴾ أحصى الأمد وقرأ الزهري ((ليعلم))
بالياء، و((الحزبان)) الفريقان، والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية، إذ ظنوا لبثهم قليلاً، والحزب
الثاني هم أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية، وهذا قول
الجمهور من المفسرين، وقالت فرقة: هما حزبان من الكافرين اختلفا في مدة أصحاب الكهف، وقالت فرقة:
هما حزبان من المؤمنين، وهذا لا يرتبط من ألفاظ الآية، وأما قوله ﴿أحصى﴾ فالظاهر الجيد فيه أنه فعل
ماض، و﴿أمداً﴾ منصوب به على المفعول، و((الأمد)) الغاية، وتأتي عبارة عن المدة من حيث للمدة غاية
هي أمدها على الحقيقة، وقال الزجاج: ﴿أحصى﴾ هو أفعل، و﴿أمداً﴾ على هذا نصب على التفسير،
ويلحق هذا القول من الاختلال أن أفعل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ، و﴿أحصى﴾ فعل رباعي،
ويحتج لقول أبي إسحاق بأن أفعل من الرباعي قد كثر، كقولك ما أعطاه للمال، وآتاه للخير، وقال النبي
عليه السلام في صفه جهنم: ((هي أسود من القار)) وقال في صفة حوضه عليه السلام ((ماؤه أبيض من اللبن))
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ((فهو لما سواها أضيع)) وهذه كلها أفعل من الرباعي، وقال مجاهد:
﴿أمدأ﴾ معناه عدداً، وهذا تفسير بالمعنى على جهة التقريب، وقال الطبري: نصب ﴿أمداً﴾ بـ ﴿ليثوا﴾،
وهذا غير متجه .
: ١٠
قوله عز وجل :
نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدِّى
وَرَبَطْنَا عَلَى
١٣٠