Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
تفسير سورة يوسف / الآيتان : ٦٧،٦٦ -
يحمل الحادي عشر لغيب صاحبه: وقال مجاهد: ﴿كيل بعير﴾ أراد كيل حمار. قال: وبعض العرب يقول
للحمار بعير.
قال القاضي أبو محمد: وهذا شاذ.
وقولهم: ﴿ذلك كيل يسير﴾ تقرير بغير ألف، أي أذلك كيل يسير في مثل هذا العام فيهمل أمره؟
وقيل: معناه: ﴿يسير) على يوسف أن يعطيه. وقال الحسن البصري: وقد كان يوسف وعدهم أن يزيدهم
حمل بعير بغير ثمن؛ وقال السدي: معنى ﴿ذلك كيل يسير﴾ أي سريع لا نحبس فيه ولا نمطل.
قال القاضي أبو محمد: فكأنهم أنسوه على هذا بقرب الأوبة .
قوله عز وجل :
قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِلَتَأْنُنَِّ بِهِ إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ
قَالَ اَللَّهُ عَلَى مَا تَقُولُ وَكِلٌ ﴿ وَقَالَ يَبَنِىَّ لَا تَدْ خُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْ خُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَّا
أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَىٍِّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَّكَلِ الْمُنَوَكِّلُونَ ()
أراد يعقوب عليه السلام أن يتوثق منهم. و((الموثق)) - مفعل - من الوثاقة. فلما عاهدوه أشهد الله
بينه وبينهم بقوله: ﴿الله على ما نقول وكيل) و((الوكيل)) القيم الحافظ الضامن.
وقرأ ابن كثير ((تؤتوني)) بياء في الوصل والوقف، وروي عن نافع أنه وصل بياء ووقف دونها. والباقون
تركوا الياء في الوجهين .
وقوله: ﴿لا تدخلوا من باب واحد﴾ قيل: خشي عليهم العين لكونهم أحد عشر لرجل واحد، وكانوا
أهل جمال وبسطة. قال ابن عباس والضحاك وقتادة وغيره: والعين حق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر))، وفي تعوذه عليه السلام: ((أعوذ بكلمات الله التامة
من كل شيطان وهامة وكل عين لامة)). وقيل: خشي أن يستراب بهم لقول يوسف قبل: أنتم جواسيس
ويضعف هذا ظهورهم قبل بمصر. وقيل: طمع بافتراقهم أن يستمعوا أو يتطلعوا خبر يوسف - وهذا ضعيف
يرده: ﴿وما أغني عنكم من الله من شيء﴾ فإن ذلك لا يتركب على هذا المقصد.
وقوله: ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ لفظ عام لجميع وجوه الغلبة والقسر والمعنى تعمكم الغلبة من جميع
الجهات حتى لا تكون لكم حيلة ولا وجه تخلص. وقال مجاهد: المعنى: إلا أن تهلكوا جميعاً. وقال
قتادة: إلا ألا تطيقوا ذلك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا يرجحه لفظ الآية. وانظر أن يعقوب عليه السلام قد توثق في هذه
القصة، وأشهد الله تعالى، ووصى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكله، فهذا توكل مع تسبب، وهو توكل جميع
المؤمنين إلا من شط في رفض السعي وقنع بماء وبقل البرية ونحوه، فتلك غاية التوكل وعليها بعض الأنبياء

٢٦٢
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ٦٨، ٦٩
عليهم السلام، والشارعون منهم مثبتون سنن التسبب الجائز، وما تجاوز ذلك من الإلقاء باليد مختلف في
جوازه، وقد فضله بعض المجيزين له، ولا أقول بذلك ، وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِ عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةُ فِنَفْسِ
يَعْقُوبَ قَضَنْهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْتَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَلَمَّا
دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّ أَنَاْ أَخُوَكَ فَلَا تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُواْ
٦٩
يَعْمَلُونَ
روي أنه لما ودعوا أباهم قال لهم: بلغوا ملك مصر سلامي وقولوا له: إن أبانا يصلي عليك ويدعو
لك ويشكر صنيعك معنا. وفي كتاب أبي منصور المهراني : أنه خاطبه بكتاب قرىء على يوسف فبكى .
وقوله: ﴿ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها﴾ بمثابة قولهم: لم
يكن في ذلك دفع قدر الله بل كان أرباً ليعقوب قضاه. وطيباً لنفسه تمسك به وأمر بحبسه. فجواب ﴿لما﴾
في معنى قوله: ﴿ما كان يغني عنهم من الله من شيء﴾ و﴿إلا حاجة﴾ استثناء ليس من الأول.
والـ ﴿حاجة﴾ هي أن يكون طيب النفس بدخولهم من أبواب متفرقة خوف العين. قال مجاهد: ((الحاجة)):
خيفة العين، وقاله ابن إسحاق، وفي عبارتهما تجوز: ونظير هذا الفعل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
سد كوة في قبر بحجر وقال: ((إن هذا لا يغني شيئاً ولكنه تطيب لنفس الحي)).
قال القاضي أبو محمد: وقوله - عندي - ﴿ما كان يغني عنهم من الله من شيءٍ﴾ معناه: ما رد عنهم
قدراً، لأنه لو قضي أن تصيبهم عين لأصابتهم مفترقين أو مجتمعين، وإنما طمع يعقوب أن تصادف وصيته
قدر السلامة فوصى وقضى بذلك حاجته في نفسه في أن يتنعم برجائه، أن تصادف القدر في سلامتهم.
ثم أثنى الله عز وجل على يعقوب بأنه لقن ما علمه الله من هذا المعنى، واندرج غير ذلك في العموم
وقال إن أكثر الناس ليس كذلك، وقيل: معناه: إنه لعامل بما علمناه - قاله قتادة - وقال سفيان: من لا يعمل
لا يكون عالماً .
قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يعطيه اللفظ، اما انه صحيح في نفسه يرجحه المعنى، ومات
تقتضيه منزلة يعقوب عليه السلام .
قال أبو حاتم: قرأ الأعمش ﴿لذو علم لما علمناه﴾. ويحتمل أن يكون جواب ﴿لما﴾ في هذه الآية
محذوفاً مقدراً، ثم يخبر عن دخولهم أنه ﴿ما كان يغني ... ) الآية.
وقوله تعالى: ﴿ولما دخلوا على يوسف﴾ الآية. المعنى أنه لما دخل إخوة يوسف عليه ورأى أخاه
شكر ذلك لهم - على ما روي ـ وضم إليه أخاه وآواه إلى نفسه: ومن هذه الكلمة المأوى. وكان بنيامين

٢٦٣
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٧٠ - ٧٥
شقيق يوسف فآواه. وصورة ذلك - على ما روي عن ابن إسحاق وغيره - أن يوسف عليه السلام أمر صاحب
ضيافته أن ينزلهم رجلين رجلين، فبقي يامين وحده، فقال يوسف: أنا أنزل هذا مع نفسي، ففعل وبات
عنده؛ وقال له: ﴿إني أنا أخوك﴾ واختلف المتأولون في هذا اللفظ فقال ابن إسحاق وغيره: أخبره بأنه
أخوه حقيقة واستكتمه، وقال له: لا تبال بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم. وعلى هذا
التأويل يحتمل أن يشير بقوله: ﴿بما كانوا يعملون﴾ إلى ما يعمله فتيان يوسف، من أمر السقاية ونحو
ذلك؛ ويحتمل أن يشير إلى ما عمله الإخوة قديماً. وقال وهب بن منبه: إنما أخبره أنه أخوه في الود مقام
أخيه الذاهب، ولم يكشف إليه الأمر بل تركه تجوز عليه الحيلة كسائر إخوته. و﴿تبتئس﴾ - تفتعل - من
البؤس، أي لا تحزن ولا تهتم، وهكذا عبر المفسرون.
قوله عز وجل :
فَلَمَّا جَهَزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ
٧٠
قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (4) قَالُوْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِ، حِمْلُ
بَعِيرٍ وَأَنَأْبِهِ، زَعِيمٌ ﴿ قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّاجِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كُنَاسَرِقِينَ
قَالُواْفَمَا جَزَّؤُهُ{ إِن كُنْتُمْ كَذِ بِينَ ﴿ قَالُوَأْجَزَّؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَّؤُهُ كَذَلِكَ
٧٣
٧٥
نَجْزِى الظَّالِمِينَ
هذا من الكيد الذي يسره الله ليوسف عليه السلام، وذلك أنه كان في دين يعقوب أن يستعبد
السارق، وكان في دين مصر أن يضرب ويضعف عليه الغرم، فعلم يوسف أن إخوته - لثقتهم ببراءة
ساحتهم - سيدعون في السرقة إلى حكمهم؛ فتحيل لذلك، واستسهل الأمر - على ما فيه من رمي أبرياء
بالسرقة وإدخال الهم على يعقوب عليه السلام، وعليهم - لما علم في ذلك من الصلاح في الأجل، وبوحي
لا محالة وإرادة من الله محنتهم بذلك، ـ هذا تأويل قوم، ويقويه. قوله تعالى: ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾
[يوسف: ٧٦] وقيل: إنما أوحي إلى يوسف أن يجعل السقاية فقط، ثم إن حافظها فقدها، فنادى على ما
ظهر إليه - ورجحه الطبري؛ وتفتيش الأوعية يرد عليه. وقيل: إنهم لما كانوا قد باعوا يوسف استجاز أن
يقال لهم هذا، وإنه عوقب على ذلك بأن قالوا: ((فقد سرق أخ له من قبل)) وقوله: ﴿جعل﴾ أي بأمره خدمته
وفتیانه .
وقرأ ابن مسعود ((وجعل)) بزيادة واو. و﴿السقاية﴾: الإناء الذي به يشرب الملك وبه كان يكيل
الطعام للناس، هكذا نص جمهور المفسرين ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك وابن زيد.
قال القاضي أبو محمد: وفي كتب من حرر أمرها أنها شكل له رأسان ويصل بينهما مقبض تمسك
الأيدي فيه فيكال الطعام بالرأس الواحد ويشرب بالرأس الثاني أو بهما. فيشبه أن تكون لشرب أضياف
---

٢٦٤
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٧٠ - ٧٥
الملك وفي أطعمته الجميلة التي يحتاج فيها إلى عظيم الأواني. وقال سعيد بن جبير: الصواع﴾ مثل
المكوك الفارسي، وكان إناء يوسف الذي يشرب فيه، وكان إلى الطول ما هو، قال: وحدثني ابن عباس أنه
كان للعباس مثله يشرب به في الجاهلية .
قال القاضي أبو محمد: وقال ابن جبير - أيضاً - ((الصواع)): المكوك الفارسي الذي تلتقي طرفاه،
كانت تشرب فيه الأعاجم. وروي أنها كانت من فضة - وهذا قول الجمهور - وروي أنها كانت من ذهب قال
الزجاج: وقيل: كان من مسك .
قال القاضي أبو محمد: وقد روي هذا بفتح الميم، وقيل: كان يشبه الطاس، وقيل: من نحاس
- قاله ابن عباس أيضاً - ولعزة الطعام في تلك الأعوام قصر كيلها على ذلك الإناء. وكان هذا الجعل بغير علم
من يامين - قاله السدي، وهو الظاهر.
فلما فصلت العير بأوفارها وخرجت من مصر - فيما روي وقالت فرقة بل قبل الخروج من مصر - أمر
بهم فحبسوا. و﴿أذن مؤذن﴾ و((مخاطبة العير)) تجوز، والمراد أربابها، وإنما المراد: أيتها القافلة أو الرفقة،
وقال مجاهد: كانت دوابهم حميراً، ووصفهم بالسرقة من حيث سرق في الظاهر أحدهم، وهذا كما تقول:
بنو فلان قتلوا فلاناً، وإنما قتله أحدهم.
فلما سمع إخوة يوسف هذه المقالة أقبلوا عليهم وساءهم أن يرموا بهذه المنقبة، وقالوا: ﴿ماذا
تفقدون﴾ ليقع التفتيش فتظهر براءتهم، ولم يلوذوا بالإنكار من أول، بل سألوا إكمال الدعوى عسى أن
يكون فيها ما تبطل به، فلا يحتاج إلى خصام.
وقرأ أبو عبد الرحمن: ((تُفقدون)) بضم التاء، وضعفها أبو حاتم.
﴿قالوا نفقد صواع الملك﴾: وهو المكيال وهو السقاية رسمه أولاً بإحدى جهتيه وآخراً بالثانية.
وقرأ جمهور الناس ((صُواع)) بضم الصاد وبألف، وقرأ أبو حيوة: ((صِواغ)) بكسر الصاد وبألف، وقرأ
أبو هريرة ومجاهد ((صاع الملك)) بفتح الصاد دون واو، وقرأ عبد الله بن عوف: ((صُوع)) بضم الصاد، وقرأ
أبو رجاء ((صوْع)) وهذه لغة في المكيال - قاله أبو الفتح وغيره - وتؤنث هذه الأسماء وتذكر. وقال أبو عبيد:
يؤنث الصاع من حيث سمي سقاية، ويذكر من حيث هو صاع. وقرأ يحيى بن يعمر: ((صوغ)) بالغين
منقوطة - وهذا على أنه الشيء المصوغ للملك على ما روي أنه كان من ذهب أو من فضة، فهو مصدر
سمي به، ورويت هذه القراءة عن أبي رجاء. قال أبو حاتم: وقرأ سعيد بن جبير والحسن ((صُواغ)) بضم
الصاد وألف وغين معجمة .
وقوله: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾، أي لمن دل على سارقه وفضحه وجبر الصواع - وهذا جعل -
وقوله: ﴿وأنا به زعيم﴾ حمالة، وذلك أنه لما كان الطعام لا يوجد إلا عند الملك فهم من المؤذن أنه إنما
جعل عن غيره، فلخوفه ألا يوثق بهذه الجعالة - إذ هي عن الغير - تحمل هو بذلك. قال مجاهد:
ال﴿زعيم﴾ هو المؤذن الذي قال: ﴿أيتها العير) و((الزعيم)): الضامن - في كلام العرب - ويسمى الرئيس
زعيماً، لأنه يتضمن حوائج الناس.

٢٦٥
تفسير سورة يوسف / الآية : ٧٦
وقوله: ﴿قالوا: تالله﴾ الآية، روي: أن إخوة يوسف كانوا ردوا البضاعة الموجودة في الرحال
وتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فلذلك قالوا: ﴿لقد علمتم﴾ أي لقد علمتم منا التحري؛ وروي أنهم
كانوا قد اشتهروا في مصر بصلاح وتعفف، وكانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم لئلا تنال زرع الناس،
فلذلك قالوا: لقد علمتم ما جئنا لفساد وما نحن أهل سرقة.
والتاء في ﴿تالله﴾ بدل من واو - كما أبدلت في تراث وفي التورية وفي التخمة - ولا تدخل التاء في
القسم إلا في المكتوبة من بين أسماء الله تعالى، لا في غير ذلك - لا تقول: تالرحمن ولا تالرحيم -.
وقوله تعالى: ﴿قالوا: فما جزاؤه) الآية، قال فتيان يوسف: فما جزاء السارق ﴿إن كنتم كاذبين) في
قولكم: ﴿وما كنا سارقين﴾؟ فقال إخوة يوسف: جزاء السارق والحكم الذي تتضمنه هذه الألفاظ ﴿من
وجد في حله فهو جزاؤه﴾﴾ فجزاؤه﴾ الأول مبتدأ و﴿من) والجملة خبر قوله: ﴿جزاؤه﴾ الأول،
والضمير في ﴿قالوا جزاؤه﴾ للسارق. ويصح أن تكون ﴿من﴾ خبراً عائد على ﴿من﴾ ويكون قوله: ﴿فهو
جزاؤه﴾ زياد بيان وتأكيد. وليس هذا الموضع - عندي - من مواضع إبراز الضمير على ما ذهب إليه بعض
المفسرين، ويحتمل أن يكون التقدير: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، ثم يؤكد بقوله ﴿فهو جزاؤه﴾
وقولهم هذا قول من لم يسترب بنفسه، لأنهم التزموا إرغام من وجد في رحله، وهذا أكثر من موجب
شرعهم إذ حق شرعهم أن لا يؤخذ إلا من صحت سرقته، وأمر بنيامين في السقاية كان محتملاً. لكنهم
التزموا أن من وجد في رحله فهو مأخوذ على أنه سارق. وقولهم ﴿كذلك نجزي الظالمين﴾، أي هذه سنتنا
وديننا في أهل السرقة: أن يتملك السارق كما تملك هو الشيء المسروق.
قال القاضي أبو محمد: وحكى بعض الناس: أن هذا الحكم كان في أول الإسلام ثم نسخ بالقطع،
وهذا ضعيف، ما كان قط فيما علمت، وحكى الزهراوي عن السدي: أن حكمهم إنما كان أن يستخدم
السارق على قدر سرقته وهذا يضعفه رجوع الصواع فكان ينبغي ألا يؤخذ بنيامين إذ لم يبق فيما يخدم.
قوله عز وجل :
فَبَدَأَ بِأَوْعَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءٍ أَخِيهِ ثُمَّاُسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءٍ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ
لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ الْمَلِكِ إِلَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ
عَلِيمٌلَّ
بدؤه - أيضاً - من أوعيتهم تمكين للحيلة وإبعاد لظهور أنها حيلة.
وقرأ جمهور الناس ((وِعاء)) بكسر الواو، وقرأ الحسن ((وُعاء)) بضمها، وقرأ ابن جبير ((أعاء)) بهمزة بدل
الواو، وذلك شائع في الواو المكسورة، وهو أكثر في المضمومة، وقد جاء من المفتوحة: أحد في وحد.
وأضاف الله تعالى إلى ضميره لما أخرج القدر الذي أباح به ليوسف أخذ أخيه مخرج ما هو في اعتياد
الناس كيد، وقال السدي والضحاك: ﴿كدنا﴾ معناه: صنعنا.

٢٦٦
تفسير سورة يوسف / الآية : ٧٧
-
و﴿دين الملك﴾ فسره ابن عباس بسلطانه، وفسره قتادة بالقضاء والحكم.
٢٠٠
قال القاضي أبو محمد: وهذا متقارب، والاستثناء في هذه الآية حكاية حال، التقدير: إلا ان شاء الله
ما وقع من هذه الحيلة؛ ويحتمل أن يقدر أنه تسنن لما قرر النفي.
وقرأ الجمهور ((نرفع)) على ضمير المعظم و((نشاء)) كذلك، وقرأ الحسن وعيسى ويعقوب بالياء،
أي الله تعالى: وقرأ أبو عمرو ونافع وأهل المدينة ((درجاتٍ من)) بإضافة الدرجات إلى ﴿من﴾، وقرأ عاصم
وابن محيصن ((درجاتٍ من)) بتنوين الدرجات، وقرأ الجمهور، ((وفوق كل ذي علم)). وقرأ ابن مسعود
((وفوق كل ذي عالم)) والمعنى أن البشر في العلم درجات، فكل عالم فلا بد من أعلم منه، فإما من البشر
وإما الله عز وجل. وأما على قراءة ابن مسعود فقيل: ﴿ذي﴾ زائدة، وقيل: ((عالم)) مصدر كالباطل ...
وروي أن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل فلم يجد فيه شيئاً استغفر الله عز وجل تائباً من فعله
ذلك، وظاهر كلام قتادة وغيره، أن المستغفر كان يوسف لأنه كان يفتشهم يعلم أين الصواع، حتى فرغ
منهم وانتهى إلى رحل بنيامين فقال: ما أظن هذا الفتى رضي بهذا، ولا أخذ شيئاً، فقال له إخوته، والله لا
تبرح حتى تفتشه فهو أطيب لنفسك ونفوسنا، ففتش فأخرج السقاية - وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن
المؤذن إنما سرقه برأيه، فإنما يقال جميع ذلك كان بأمر الله تعالى، ويقوي ذلك قوله: ﴿كدنا﴾، وكيف لا
يكون برأي يوسف وهو مضطر في محاولته إلى أن يلزمهم حكم السرقة له أخذ أخيه.
والضمير في قوله: ﴿استخرجها﴾ عائد على ﴿السقاية﴾ [يوسف: ٧٠]، ويحتمل أن يعود على
السرقة .
وروي أن إخوة يوسف لما رأوا ذلك قالوا: يا بنيامين بن راحيل قبحك الله ولدت أمك أخوين
لصَّين، كيف سرقت هذه السقاية؟ فرفع يديه إلى السماء وقال: والله ما فعلت، فقالوا له: فمن وضعها في
رحلك قال: الذي وضع البضاعة في رحالكم.
وما ذكرناه من المعنى في قوله: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ هو قول الحسن وقتادة، وقد روي عن
ابن عباس، وروي أيضاً عنه رضي الله عنه: أنه حدث يوماً بحديث عجيب فتعجب منه رجل ممن حضر،
وقال: الحمد لله ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾، وقال ابن عباس: بئس ما قلت، إنما العليم لله وهو فوق كل
ذي علم.
قال القاضي أبو محمد: فبين هذا وبين قول الحسن فرق.
قوله عز وجل :
قَالُوَأْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسََّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِ هَا لَهُمْ
قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ
VV
الضمير في ﴿قالوا﴾ لإخوة يوسف، والأخ الذي أشاروا إليه هو يوسف، ونكروه تحقيراً للأمر، إذ

٢٦٧
تفسير سورة يوسف / الآية : ٧٧
كان مما لا علم للحاضرين به، ثم ألصقوه ببنيامين، إذ كان شقيقه، ويحتمل قولهم: ﴿إن يسرق فقد سرق
أخ له من قبل﴾ تأويلين.
أحدهما: أنهم حققوا السرقة في جانب بنيامين ويوسف عليهما السلام، بحسب ظاهر الحكم،
فكأنهم قالوا: إن كان قد سرق فغير بدع من ابني راحيل، لأن أخاه يوسف كان قد سرق. فهذا من الإخوة
إنحاء على ابني راحيل: يوسف وبنيامين.
والوجه الآخر الذي يحتمله لفظهم يتضمن أن السرقة في جانب يوسف وبنيامين - مظنونة - كأنهم
قالوا: إن كان هذا الذي رمي به بنيامين حقاً في نفسه فالذي رمي به يوسف قبل حق إذاً، وكأن قصة يوسف
والظن به قوي عندهم بما ظهر في جهة وبنيامين.
وقال بعض المفسرين: التقدير: فقد قيل عن يوسف إنه سرق، ونحو هذا من الأقوال التي لا ينطبق
معناها على لفظ الآية.
وهذه الأقوال منهم عليهم السلام إنما كانت بحسب الظاهر وموجب الحكم في النازلتين، فلم يقعوا
في غيبة ليوسف، وإنما قصدوا الإخبار بأمر جرى ليزول بعض المعرة عنهم، ويختص بها هذان الشقيقان.
وأما ما روي في سرقة يوسف فثلاثة وجوه: الجمهور منها على أن عمته كانت ربته، فلما شب أراد
يعقوب أخذه منها، فولعت به وأشفقت من فراقه، فأخذت منطقة إسحاق - وكانت متوارثة عندهم - فنطقته
بها من تحت ثيابه، ثم صاحت وقالت: إني قد فقدت المنطقة ويوسف قد خرج بها، ففتشت فوجدت
عنده، فاسترقَّته - حسبما كان في شرعهم - وبقي عندها حتى ماتت فصار عند أبيه .
وقال ابن إدريس عن أبيه: إنما أكل بنو يعقوب طعاماً فأخذ يوسف عرقاً فخبأه فرموه لذلك بالسرقة،
وقال سعيد بن جبير وقتادة: إنما أمرته أمه أن يسرق صنماً لأبيها، فسرقه وكسره، وكان ذلك - منها ومنه -
تغييراً للمنكر، فرموه لذلك بالسرقة، وفي كتاب الزجاج: أنه كان صنم ذهب.
والضمير في قوله: ﴿فأسرها﴾ عائد يراد به الحزة التي حدثت في نفس يعقوب من قولهم، والكلام
يتضمنها، وهذا كما تضمن الكلام الضمير الذي في قول حاتم :
إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى
وهذا كقوله تعالى: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها
لغفور رحيم﴾ [النحل: ١١٠] فهي مراد بها الحالة المتحصلة من هذه الأفعال.
وقال قوم: أسر المجازاة، وقال قوم: أسر الحجة، وما قدمناه أليق. وقرأ ابن أبي عبلة: ((فأسره
یوسف» بضمیر تذکیر.
وقوله: ﴿أنتم شر مكاناً﴾ الآية، الظاهر منه أنه قالها إفصاحاً فكأنه أسر لهم كراهية مقالتهم ثم
تجهمهم بقوله: ﴿أنتم شر مكاناً﴾ أي لسوء أفعالكم، والله يعلم إن كان ما وصفتموه حقاً، وفي اللفظ
إشارة إلى تكذيبهم، ومما يقوي هذا عندي أنهم تركوا الشفاعة بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة بالشيخ صلى
٠٫٠٠

٢٦٨
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٧٨ - ٨٠
الله عليه وسلم. وقالت فرقة - وهو ظاهر كلام ابن عباس - لم يقل يوسف هذا الكلام إلا في نفسه - وإنما
هو تفسير للذي أسر في نفسه، أي هذه المقالة هي التي أسر، فكأن المراد في نفسه: أنتم ...
وذكر الطبري هنا قصصاً اختصاره: أنه لما استخرجت السقاية من رجل بنيامين قال إخوته: يا بني
راحيل ألا يزال البلاء ينالنا من جهتكم؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل ينالهم البلاء منكم: ذهبتم بأخي
فأهلكتموه، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم. فقالوا: لا تذكر الدراهم لئلا
نؤخذ بها. ثم دخلوا على يوسف فأخذ الصواع فنقره فطن، فقال: إنه يخبر أنكم ذهبتم بأخ لكم فبعتموه،
فسجد بنيامين وقال: أيها العزيز سل صواعك هذا يخبرك بالحق.
قال القاضي أبو محمد: ونحو هذا من القصص الذي آثرنا اختصاره. وروي أن روبيل غضب ووقف
شعره حتى خرج من ثيابه، فأمر يوسف بنياً له، فمسه، فسكن غضبه، فقال روبيل: لقد مسني أحد من ولد
يعقوب، ثم إنهم تشاوروا في محاربة يوسف - وكانوا أهل قوة لا يدانون في ذلك - فلما أحس يوسف بذلك
قام إلى روبيل فلببه وصرعه، فرأوا من قوته ما استعظموه عند ذلك وقالوا: ﴿يا أيها العزيز ... ﴾
[يوسف: ٨٨]
قوله عز وجل :
قَالُوْيَّأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّلَهُ { أَبَا شَيْخَا كَبِيْرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ: إِنَّا تَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
VA
قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ إِنَّ إِذَا لَّظَلِمُونَ ذَا فَلَمَّا أَسْتَيْئَسُواْ
مِنْهُ خَلَصُوْ نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مِنَ اْللَّهِ
وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطَّتُمْ فِ يُوسُفٌَ فَلَنْ أَبْرَعَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِىّ أَوْ يَحْكُمُ اَللَّهُ لِىّ وَهُوَ خَيْرُ
اَلْمَكِمِينَ
٨٠
خاطبوه باسم ﴿العزيز﴾ إذ كان في تلك الخطة بعزل الأول أو موته - على ما روي في ذلك -
وقولهم: ﴿فخذ أحدنا مكانه﴾ يحتمل أن يكون مجازاً وهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر ليسترقّ بدل من
أحكمت السنة رقه، وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله: اقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن
يقتلك، ولكنك تبالغ في استنزاله، وعلى هذا يتجه قول يوسف ﴿معاذ الله﴾ لأنه تعوذ من غير جائز،
ويحتمل أن يكون قولهم (فخذ أحدنا مكانه﴾ حقيقة، وبعيد عليهم - وهم أنبياء - أن یریدوا استرقاق حر،
فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة، أي خذ أحدثا حتى ينصرف إليك صاحبك، ومقصدهم بذلك
أن يصل بنيامين إلى أبيه، ويعرف يعقوب جلية الأمر، فمنع يوسف عليه السلام من ذلك، إذ الحمالة في
الحدود ونحوها لمعنى إحضار المضمون فقط جائزة مع التراضي غير لازمة إذا أبى الطالب، وأما الحمالة في
مثل ذلك - على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة - فلا يجوز ذلك إجماعاً. وفي الواضحة:
إن الحمالة بالوجه فقط في جميع الحدود جائزة إلا في النفس.

:
٢٦٩
تفسیر سورة يوسف / الآيات: ٧٨ - ٨٠
وقولهم: ﴿إنا نراك من المحسنين)، يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوه من إحسانه في جميع أفعاله
- معهم ومع غيرهم - ويحتمل أن يريدوا: إنا نرى لك إحساناً علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا - وهذا تأويل
ابن إسحاق.
و﴿معاذ﴾ نصب على المصدر، ولا يجوز إظهار الفعل معه، والظلم في قوله: ﴿الظالمون) على
حقيقته، إذ هو وضع الشيء في غير موضعه، وذكر الطبري أنه روي أن يوسف أيأسهم بلفظه هذا، قال
لهم: إذا أتيتم أباكم فاقرأوا عليه السلام، وقولوا له: إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ولدك
يوسف، ليعلم أن في أرض مصر صديقين مثله.
وقوله: ﴿فلما استيأسوا منه﴾ الآية، يقال: يئس واستيأس بمعنى واحد، كما يقال: سخر واستسخر،
ومنه قوله تعالى: ﴿يستسخرون﴾ [الصافات: ١٤] وكما يقال: عجب واستعجب، ومنه قول أوس بن
حجر: [الطويل]
ولو زينته الحرب لم يترهرم
ومستعجب مما يرى من أناتنا
ومنه نوك واستنوك - وعلى هذا يجيء قول الشاعر في بعض التأويلات: واستنوكت وللشباب نوك.
وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير: ((استأيسوا)) و((لا تأيسوا)) و((لا یأیس)» و«حتى إذا استأيس الرسل)»
أصله استأيسوا - استفعلوا - ومن أيس - على قلب الفعل من يئس إلى أيس، وليس هذا كجذب وجبذ بل
هذان أصلان والأول قلب، دل على ذلك أن المصدر من يئس وأيس واحد، وهو اليأس، ولجذب وجبذ
مصدران .
وقوله: ﴿خلصوا نجياً﴾ معناه انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضاً، والنجي لفظ يوصف به من له
نجوى واحداً أو جماعة أو مؤنثاً أو مذكراً، فهو مثل عدو وعدل، وجمعه أنجية، قال لبيد :
وشهدت أنجية الأفاقة عالياً
كعبي وأرداف الملوك شهود
و﴿كبيرهم﴾ قال مجاهد: هو شمعون لأنه كان كبيرهم رأياً وتدبيراً وعلماً - وإن كان روبيل أسنهم -
وقال قتادة: هو روبيل لأنه أسنهم، وهذا أظهر ورجحه الطبري. وقال السدي: معنى الآية: وقال كبيرهم
في العلم، وذكرهم أخوهم الميثاق في قوله يعقوب ﴿لتأتني به إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف: ٦٦].
وقوله: ﴿ما فرطتم﴾ يصح أن تكون ﴿ما﴾ صلة في الكلام لا موضع لها من الإعراب. ويصح أن
تكون في موضع رفع بالابتداء والخبر قوله: ﴿في يوسف﴾ - کذا قال أبو علي - ولا يجوز أن يكون قوله:
﴿من قبل﴾ متعلقاً ب﴿فرطتم﴾.
قال القاضي أبو محمد: وإنما تكون - على هذا - مصدرية، التقدير: من قبل تفريطكم في يوسف
واقع أو مستقر، وبهذا المقدر يتعلق قوله: ﴿من قبل﴾. ويصح أن يكون في موضع نصب عطفاً، على أن
التقدير: وتعلموا تفريطكم أو وتعلموا الذي فرطتم، فيصح - على هذا الوجه - أن يكون بمعنى الذي ويصح
أن تكون مصدرية .

٢٧٠
تفسيرا سورة يوسف / الآيات : ٨١ - ٨٣
وقوله تعالى: ﴿فلن أبرح الأرض﴾ أراد أرض القطر والموضع الذي ناله فيه المكروه المؤدي إلى
سخط أبيه، والمقصد بهذا اللفظ التحريج على نفسه والتزام التضييق، كأنه سجن نفسه في ذلك القطر
ليبلي عذراً.
وقوله: ﴿أو يحكم الله لي﴾ لفظ عام بجميع ما يمكن أن يرده من القدر، كالموت أو النصرة وبلوغ
الأمل وغير ذلك، وقال أبو صالح: أو يحكم الله لي بالسيف. ونصب ﴿يحكم﴾ بالعطف على ﴿يأذن﴾،
ويجوز أن تكون ﴿أو﴾ في هذا الموضع بمعنى إلا أن، كما تقول: لألزمنك أو تقضيني حقي، فتنصب
على هذا ﴿يحكم﴾ ب﴿أو﴾.
وروي أنهم لما وصلوا إلى يعقوب بكى وقال: يا بني ما تذهبون عني مرة إلا نقصتم؛ ذهبتم فنقصتم
يوسف، ثم ذهبتم فنقصتم شمعون حيث ارتهن، ثم ذهبتم فنقصتم بنيامين وروبيل.
قوله عز وجل :
أَرْجِعُواْإِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوْيَتَأَ بَانَا إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلََّ بِمَا عَلِّمْنَا وَمَا كُنَّا
لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ (®] وَسْتَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِىِ كُنَّافِيهَا وَالْعِيَ الَّتِى أَقْلْنَا فِيَهَا وَإِنَّا لَصَدِ قُونَ
﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرَّاً فَصَبْرٌ جَمِيلُ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِ بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
٨٣
اٌلْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
الأمر بالرجوع قيل: هو من قول كبيرهم، وقيل: بل هو من قول يوسف لهم، والأول أظهر ..
وقرأ الجمهور ((سرقَ)) على تحقيق السرقة على بنيامين، بحسب ظاهر الأمر. وقرأ ابن عباس وأبو وزين
((سُرِّق)) بضم السين وكسر الراء وتشديدها، وكأن هذه القراءة فيها لهم تحر، ولم يقطعوا عليه بسرقة، وإنما
أرادوا جعل سارقاً بما ظهر من الحال - ورويت هذه القراءة عن الكسائي - وقرأ الضحاك: ((إِن ابنك سارقٌ))
بالألف وتنوين القاف، ثم تحروا بعد - على القراءتين - في قولهم ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ أي وقولنا
لك: ﴿إن ابنك سرق﴾ إنما هي شهادة عندك بما علمناه من ظاهر ما جرى، والعلم في الغيب إلى الله،
ليس في ذلك حفظنا، هذا قول ابن إسحاق، وقال ابن زيد: قولهم: ﴿ما شهدنا إلا بما علمنا﴾ أرادوا به:
وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترقّ في شرعك إلا بما علمنا من ذلك، ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ أن
السرقة تخرج من رحل أحدنا، بل حسبنا أن ذلك لا يكون البتة، فشهدنا عنده حين سألنا بعلمنا.
وقرأ الحسن ((وما شهدنا عليه إلا بما علمنا)) بزيادة ((عليه)).
ويحتمل قوله: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ أي حين واثقناك، إنما قصدنا ألا يقع منا نحن في جهته
شيء يكرهه، ولم نعلم الغيب في أنه سيأتي هو بما يوجب رقه .
وروي أن معنى قولهم: ﴿للغيب﴾ أي الليل، والغيب: الليل - بلغة حمير - فكأنهم قالوا: وما شهدنا

٢٧١
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٨١ - ٨٣
عندك إلا بما علمناه من ظاهر حاله، وما كنا بالليل حافظين لما يقع من سرقته هو أو التدليس عليه. ثم
استشهدوا بأهل القرية التي كانوا فيها - وهي مصر، قاله ابن عباس وغيره، وهذا مجاز، والمراد أهلها،
وكذلك قوله: ﴿والعير﴾، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح، وحكى أبو المعالي في التلخيص عن بعض
المتكلمين أنه قال: هذا من الحذف وليس من المجاز، قال: وإنما المجاز لفظة تستعار لغير ما هي له.
قال القاضي أبو محمد: وحذف المضاف هو عين المجاز وعظمه - هذا مذهب سيبويه وغيره من أهل
النظر - وليس كل حذف مجازاً، ورجح أبو المعالي - في هذه الآية - أنه مجاز، وحكى أنه قول الجمهور أو
نحو هذا.
وقالت فرقة: بل أحالوه على سؤال الجمادات والبهائم حقيقة، ومن حيث هو نبي فلا يبعد أن تخبره
بالحقيقة .
قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن جوز فبعيد، والأول أقوى، وهنا كلام مقدر يقتضيه الظاهر،
تقديره: فلما قالوا هذه المقالة لأبيهم قال: ﴿بل سولت﴾، وهذا على أن يتصل كلام كبيرهم إلى هنا، ومن
يرى أن كلام كبيرهم تم في قوله: ﴿إن ابنك سرق﴾، فإنه يجعل الكلام هنالك تقديره: فلما رجعوا
قالوا: ﴿إن ابنك سرق) الآية. والظاهر أن قوله: ﴿بل سولت لكم أنفسكم أمراً﴾. إنما هو ظن سيء
بهم، كما كان في قصة يوسف قبل، فاتفق أن صدق ظنه هناك، ولم يتحقق هنا، و﴿سولت﴾ معناه: زينت
وخيلت وجعلته سولاً، والسول ما يتمناه الإنسان ويحرص عليه.
وقوله: ﴿فصبر جميل﴾ إما ابتداء وخبره أمثل أو أولى، وحسن الابتداء بالنكرة من حيث وصفت.
وإما خبر ابتداء تقديره، فأمري أو شأني، أو صبري صبر جميل؛ وهذا أليق بالنكرة أن تكون خبراً، ومعنى
وصفه بالجمال: أنه ليس فيه شكوى إلى بشر ولا ضجر بقضاء الله تعالى. ثم ترجى عليه السلام من الله أن
يجبرهم عليه وهم يوسف وبنيامين وروبيل الذي لم يبرح الأرض، ورجاؤه هذا من جهات:
إحداها: الرؤيا التي رأى يوسف فكان يعقوب ينتظرها.
والثانية: حسن ظنه بالله تعالى في كل حال.
والثالثة: ما أخبروه به عن ملك مصر أنه يدعو له برؤية ابنه فوقع له - من هنا - تحسس ورجاء.
والوصف ((بالعلم والإحكام)» لائق بما يرجوه من لقاء بنيه، وفيها تسليم لحكمة الله تعالى في جميع ما
جری علیه .
قوله عز وجل:
وَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَكَظِيمٌ
٨) قَالُواْ تَأَللَّهِ
فْ قَالَ إِنَّمَا
تَفْتَؤُ أُتَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْتَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ
!

٢٧٢
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٨٤ - ٨٦
٨٦
أَشْكُوُاْ بَنِّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اْللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
المعنى: أنه لما ساء ظنه بهم ولم يصدق قولهم بل استراب به، ﴿تولى عنهم﴾ أي زال بوجهه عنهم
وجعل يتفجع وينأسف، قال الحسن: خصت هذه الأمة بالاسترجاع ألا ترى إلى قول يعقوب: ﴿يا أسفى﴾.
قال القاضي أبو محمد: والمراد: ((يا أسفي)). لكن هذه لغة من يرد ياء الإضافة ألفاً نحو: يا غلاما
ويا أبتا، ونادى الأسف على معنى احضر فهذا من أوقاتك. وقيل: قوله: ﴿يا أسفى﴾ على جهة الندبة،
وحذف الهاء التي هي في الندبة علامة المبالغة في الحزن تجلداً منه عليه السلام، إذ كان قد ارتبط إلى
الصبر الجميل، وقيل: قوله: ﴿يا أسفى﴾ نداء فيه استغاثة.
قال القاضي أبو محمد: ولا يبعد أن يجتمع الاسترجاع و﴿يا أسفى﴾ لهذه الأمة وليعقوب عليه
السلام.
﴿وابيضت عيناه﴾ أي من ملازمة البكاء الذي هو ثمرة الحزن، وروي «أن يعقوب عليه السلام حزن
حزن سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله قط))، رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه
وسلم.
وقرأ ابن عباس ومجاهد ((من الحَزَن)) بفتح الحاء والزاي، وقرأ قتادة بضمهما وقرأ الجمهور بضم
الحاء وسكون الزاي .
﴿وهو كظيم﴾ يمعنى كاظم، كما قال ﴿والكاظمين الغيظ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ووصف يعقوب
بذلك لأنه لم یشك إلی أحد، وإنما کان یکمد في نفسه ويمسك همه في صدره، وکان یکظمه أي یرده إلى
قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب والفجر. وقال ناس: ﴿كظيم﴾ بمعني: مكظوم.
قال القاضي أبو محمد: وقد وصف الله تعالى يونس عليه السلام بمكظوم في قوله ﴿إذ نادى وهو
مكظوم﴾ [القلم: ٤٨] وهذا إنما يتجه على تقدير أنه مليء بحزنه، فكأنه كظم بثه في صدره، وجري كظيم
على باب كاظم أبين. وفسر ناس ((الكظيم)) بالمكروب وبالمكمود - وذلك كله متقارب - وقال منذر بن
سعيد: الأسف إذا كان من جهة من هو أقل من الإنسان فهو غضب، ومنه قول الله تعالى: ﴿فلما آسفونا
انتقمنا منهم﴾ [الزخرف: ٥٥] ومنه قول الرجل الذي ذهبت لخادمه الشاة من الغنم: فأسفت فلطمتها؛
وإذا كان من جهة لا يطيقها فهو حزن وهم.
قال القاضي أبو محمد: وتحرير هذا المنزع: أن الأسف يقال في الغضب ويقال في الحزن، وكل
واحد من هذين يحزر حاله التي يقال عليها، وقوله تعالى: ﴿قالوا تالله تفتأ﴾ الآية، المعنى تالله لا تفتأ
فتحذف لا في هذه الموضع من القسم لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرىء القيس: [الطويل]
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
فقلت يمين الله أبرح قاعداً
ومنه قول الآخر:
بمشمخر به الظيان والآس
تالله يبقى على الأيام ذو حيد

٢٧٣
تفسیر سورة يوسف / الآيات: ٨٤ - ٨٦
أراد لا يبرح ولا يبقى، وقال الزجاجي: وقد تحذف أيضاً ما في هذا الموضع.
قال القاضي أبو محمد: وخطأه بعض النحويين، ومن المواضع التي حذفت فيها لا ويدل عليها
الكلام قول الشاعر: [الطويل]
فلا وأبي دهماء زالت عزيزة على قومها ما قبل الزَّنْدَ قَادِحُ
وقوله ما قبل الزند قادح يوجب أن المحذوف ((لا))، وليست ((ما))، وفتىء بمنزلة زال وبرح في المعنى
والعمل، تقول: والله لا فتئت قاعداً كما تقول: لا زلت ولا برحت، ومنه قول أوس بن حجر: [الطويل]
سرادق يوم ذي رياح يرفَّع
فما فتئت حتى كأن غبارها
و((الحرض)): الذي قد نهكه الهرم أو الحب أو الحزن إلى حال فساد الأعضاء والبدن والحس، وعلى
هذا المعنى قراءة الجمهور ((حَرَضاً)) بفتح الراء والحاء ... وقرأ الحسن بن أبي الحسن بضمهما، وقرأت
فرقة ((حُرْضاً)) بضم الحاء وسكون الراء. وهذا كله المصدر يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والجمع
بلفظ واحد، كعدل وعدو، وقيل في قراءة الحسن: انه يراد: فتات الأشنان أي بالياً متعتناً، ويقال من هذا
المعنى الذي هو شن الهم والهرم: رجل حارض، ويثنى هذا البناء ويجمع ويؤنث ويذكر، ومن هذا المعنى
قول الشاعر : [البسيط]
إني امرؤ لجَّ بي حبُّ فأحرضني حتى بليت وحتى شفني السقم
وقد سمع من العرب: رجل محرض، قال الشاعر - وهو امرؤ القيس: [الطويل]
كأحراض بكر في الديار مريض
أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضاً
و((الحرض)) - بالجملة - الذي فسد ودنا موته، قال مجاهد: ((الحرض)): ما دون الموت، قال قتادة:
((الحرض)): البالي الهرم، وقال نحوه الضحاك والحسن، وقال ابن إسحاق: ﴿حرضاً﴾ معناه فاسد لا عقل
له؛ فكأنهم قالوا على جهة التعنيف له: أنت لا تزال تذكر يوسف إلى حال القرب من الهلاك أو إلى الهلاك.
فأجابهم يعقوب عليه السلام رادّاً عليهم: أي أني لست ممن يجزع ويضجر فيستحق التعنيف، وإنما أشكو
إلى الله، ولا تعنيف في ذلك. و((البث)) ما في صدر الإنسان مما هو معتزم أن يبثه وينشره، وأكثر ما يستعمل
((البث)) في المكروه، وقال أبو عبيدة وغيره: ((البث)): أشد الحزن، وقد يستعمل ((البث)) في المخفي على
الجملة ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: ولا يولج الكف ليعلم ((البث))، ومنه قولهم: أبتك حديثي.
وقرأ عيسى: ((وحَزَني)) بفتح الحاء والزاي.
وحكى الطبري بسند: أن يعقوب دخل على فرعون وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له
فرعون: ما بلغ بك هذا يا إبراهيم؟ فقالوا: إنه يعقوب، فقال: ما بلغ بك هذا يا يعقوب؟ قال له: طول
الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلفي؟ فقال: يا رب خطيئة فاغفرها لي،
وأسند الطبري إلى الحسن قال: كان بين خروج يوسف عن يعقوب إلى دخول يعقوب على يوسف ثمانون
i.

٢٧٤
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ٨٨٠٠٨٧
سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ولم يزل يبكي حتى كف بصره، وما في الأرض يومئذ أكرم على الله من
يعقوب.
وقوله: ﴿وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ يحتمل أنه أشار إلى حسن ظنه بالله وجميل عادة الله عنده،
ويحتمل أنه أشار إلى الرؤيا المنتظرة أو إلى ما وقع في نفسه عن قول ملك مصر: إني أدعو له برؤية ابنه قبل
الموت، وهذا هو حسن الظن الذي قدمناه.
قوله عز وجل :
يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْثَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْيِئَسُ مِن رَّوْحِاْللَّهِ
إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ ﴿ فَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْيَتَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَحِثْنَا بِضَحَةٍ
مُزْجَةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّاللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ
٨٨
المعنى: ﴿اذهبوا﴾ إلى الأرض التي جئتم منها وتركتم أخويكم بنيامين وروبيل، ﴿فتحسسوا﴾، أي
استقصوا ونقروا، والتحسس: طلب الشيء بالحواس من البصر والسمع، ويستعمل في الخير والشر، فمن
استعماله في الخير هذه الآية، وفي الشر نهي النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ولا تحسسوا.
وقوله: ﴿من يوسف﴾ يتعلق بمحذوف يعمل فيه ﴿تحسسوا﴾ التقدير: فتحسسوا نبأ أو حقيقة من أمر
يوسف. لكن يحذف ما يدل ظاهر القول عليه إيجازاً .
وقرأت فرقة: ((تيأسوا)) وقرأت فرقة ((تأيسوا)) على ما تقدم، وقرأ الأعرج ((تئسوا)) بكسر التاء.
وخص يوسف وبنيامين بالذكر لأن روبيل إنما بقي مختاراً. وهذان قد منعا الأوبة.
و((الروح)): الرحمة. ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين. إذْ فيه إما التكذيب
بالربوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى .
وقرأ الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز ((من رُوح الله)) بضم الراء. وكأن معنى هذه القراءة لا تأيسوا
من حي معه روح الله الذي وهبه، فإن من بقي روحه فيرجى، ومن هذا قول الشاعر: [الطويل]
وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع
ومن هذا قول عبيد:
وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب
ويظهر من حديث الذي قال : إذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في البحر والبر في يوم
راح. فلئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من الناس ، إنه يئس من روح الله، وليس الأمر
كذلك، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث فغفر الله له يقتضي أنه مات مؤمناً إذ لا يغفر

٢٧٥
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ٨٧، ٨٨
الله لكافر، فبقي أن يتأول الحديث، إما على أن قدر بمعنى ضيق وناقش الحساب، فذلك معنى بين، وإما
أن تكون من القدرة، ويقع خطأ في أن ظن في أن الاجتماع بعد السحق والتذرية محال لا يوصف الله تعالى
بالقدرة عليه فغلط في أن جعل الجائز محالاً، ولا يلزمه بهذا كفر. قال النقاش: وقرأ ابن مسعود ((من فضل))
وقرأ أبي بن كعب: ((من رحمة الله)).
وقوله تعالى: ﴿فلما دخلوا عليه﴾ الآية، في هذا الموضع اختصار محذوفات يعطيها الظاهر، وهي:
أنهم نفذوا من الشام إلى مصر ووصلوها والضمير في ﴿عليه﴾ عائد على يوسف، و﴿الضر﴾ أرادوا به
المسغبة التي كانوا بسبيلها وأمر أخيهم الذي أهم أباهم وغم جميعهم، و((البضاعة)): القطعة من المال
يقصد بها شراء شيء، ولزمها عرف الفقه فيما لا حظ لحاملها من الربح، وال﴿مزجاة﴾ معناها المدفوعة
المتحيل لها، ومنه إزجاء السحاب، ومنه إزجاء الإبل كما قال الشاعر:
على زواحف تزجى مخها رير
وكما قال النابغة: [البسيط]
تزجى مع الليل من صرّادها صرما
وهبت الريح من تلقاء ذي أزل
وقال الأعشى : [الكامل]
عوذاً تزجي خلفها أطفالها
الواهب المائة الهجان وعبدها
وقال الآخر:
بحاجة غير مزجاة من الحاج
وقال حاتم :
وأرملة تزجي مع الليل أرملا
ليبكِ على ملحان ضيف مدفع
فجملة هذا أن من يسوق شيئاً ويتلطف فى تسييره فقد أزجاه فإذا كانت الدراهم مدفوعة نازلة القدر
تحتاج أن يعتذر معها ويشفع لها فهي مزجاة، فقيل: كان ذلك لأنها كانت زيوفاً - قاله ابن عباس - وقال
الحسن: كانت قليلة، وقيل: كانت ناقصة ــ قاله ابن جبير - وقيل: كانت بضاعتهم عروضاً، فلذلك قالوا
هذا .
واختلف في تلك العروض: ما كانت؟ فقيل: كانت السمن والصوف - قاله عبد الله بن الحارث -
وقال علي بن أبي طالب: كانت قديد وحش - ذكره النقاش - وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: كانت الصنوبر
والحبة الخضراء.
قال القاضي أبو محمد: وهي الفستق.
وقيل: كانت المقل، وقيل: كانت القطن، وقيل: كانت الحبال والأعدال والأقتاب.
وحكى مكي أن مالكاً رحمه الله قال: المزجاة: الجائزة.
قال القاضي أبو محمد: ولا أعرف لهذا وجهاً، والمعنى يأباه. ويحتمل أن صحف على مالك وأن

٢٧٦
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٨٩ - ٩٢
لفظه بالحاء غير منقوطة وبالراء. واستند مالك رحمه الله في أن الكيل على البائع إلى هذه الآية، وذلك
ظاهر منها وليس بنص.
وقولهم: ﴿وتصدق علينا﴾ معناه بما بين الدراهم الجياد وهذه المزجاة، قاله السدي وغيره. وقيل:
كانت الصدقة غير محرمة على أولئك الأنبياء وإنما حرمت على محمد، قاله سفيان بن عيينة .
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، يرده حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((نحن
معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة)).
وقالت فرقة: كانت الصدقة عليهم محرمة ولكن قالوا هذا تجوزاً واستعطافاً منهم في المبايعة، كما
تقول لمن تساومه في سلعة: هبني من ثمنها كذا وخذ كذا، فلم تقصد أن يهبك، وإنما حسنت له الانفعال
حتى يرجع معك إلى سومك، وقال ابن جريج: إنما خصوا بقولهم ﴿وتصدق علينا﴾ أمر أخيهم بنيامين، أي
أوف لنا الكيل في المبايعة وتصدق علينا بصرف أخينا إلى أبيه .
وقولهم: ﴿إن الله يجزي المتصدقين﴾ قال النقاش: يقال: هو من المعاريض التي هي مندوحة عن
الكذب، وذلك أنهم كانوا يعتقدونه ملكاً كافراً على غير دينهم، ولو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك في
الآخرة، كذبوا، فقالوا له لفظاً يوهمه أنهم أرادوه وهم يصح لهم إخراجه منه بالتأويل.
قوله عز وجل :
قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَ نْتُمْ جَاهِلُونَ ﴿ قَالُواْ أَءِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ
قَالَ أَنَأْيُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿﴿ قَالُواْتَأْللَّهِ لَقَدْ ءَاتَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَ إِنَ كُنَّا لَخَطِينَ
قَالَ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ
٩٢
روي أن يوسف عليه السلام لما قال إخوته ﴿مسنا وأهلنا الضر﴾ [يوسف: ٨٨] واستعطفوه - رق
ورحمهم، قال ابن إسحاق: وارفض دمعه باكياً فشرع في كشف أمره إليهم، فيروى أنه حسر قناعه وقال
لهم: ﴿هل علمتم﴾ الآية.
وقوله: ﴿فعلتم بيوسف وأخيه﴾ يريد من التفريق بينهما في الصغر والتمرس بهما وإذاية بنيامين. بعد
مغيب يوسف. فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، ولم يشر إلى قصة بنيامين الآخرة لأنهم لم يفعلوا هم فيها شيئاً،
ونسبهم إما إلى جهل المعصية، وإما إلى جهل الشباب وقلة الحنكة، فلما خاطبهم هذه المخاطبة - ويشبه
أن يكون قد اقترن بها من هيئته وبشره وتبسمه ما دلهم - تنبهوا ووقع لهم من الظن القوي أنه يوسف،
فخاطبوه مستفهمين استفهام مقرر.
وقرأت فرقة ((أأنك يوسف)) بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بإدخال ألف بين همزتين وتحقيقهما ((أإنك))،

٢٧٧
تفسير سورة يوسف / الآيات : ٨٩ - ٩٢
وقرأت فرقة بتسهيل الثانية ((إنك))، وقرأ ابن محيصن وقتادة وابن كثير ((إنك)) على الخبر وتأكيده وقرأ أبي بن
كعب ((أأنك أو أنت يوسف)) قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون هذا على حذف خبر ((إن)) كأنه قال: أثنك
لغير يوسف أو أنت يوسف؟ وحكى أبو عمرو الداني: أن في قراءة أبي بن كعب: ((أو أنت يوسف))
وتأولت فرقة ممن قرأ ((إنك)) إنها استفهام بإسقاط حرف الاستفهام، فأجابهم يوسف كاشفاً أمره قال: ﴿أنا
يوسف وهذا أخي﴾ وقال مجاهد: أراد ﴿من يتق﴾ في ترك المعصية ويصبر في السجن. وقال إبراهيم
النخعي: المعنى : ﴿من يتق﴾ الزنى ويصبر على العزوبة.
قال القاضي أبو محمد: ومقصد اللفظ إنما هو العموم في العظائم، وإنما قال هذان ما خصصا،
لأنها كانت من نوازله، ولو فرضنا نزول غيرها به لاتقى وصبر.
وقرأ الجمهور ((من يتق ويصبر)) وقرأ ابن كثير وحده: ((من يتقي ويصبر)) بإثبات الياء، واختلف في
وجه ذلك، فقيل: قدر الياء متحركة وجعل الجزم في حذف الحركة، وهذا كما قال الشاعر: [الوافر]
ألم يأتيك والأنباء تنمي بمالاقت لبون بني زياد
قال أبو علي: وهذا مما لا نحمله عليه، لأنه يجيء في الشعر لا في الكلام، وقيل: ((من)) بمعنى
الذي و((يتقي)) فعل مرفوع، و((يصبر)) عطف على المعنى لأن ((من)) وإن كانت بمعنى الذي ففيها معنى
الشرط، ونحوه قوله تعالى: ﴿فأصدق وأكن﴾ [المنافقون: ١٠] وقيل: أراد ((يصبر)) بالرفع لكنه سكن الراء
تخفيفاً، كما قرأ أبو عمرو: ﴿ويأمركم﴾ [البقرة: ٦٧] بإسكان الراء.
وقوله تعالى: ﴿قالوا: تالله لقد آثرك الله علينا﴾ الآية، هذا منهم استنزال ليوسف وإقرار بالذنب في
ضمنه استغفار منه. و﴿آثرك﴾ لفظ يعم جميع التفضيل وأنواع العطايا، والأصل فيها همزتان وخففت
الثانية، ولا يجوز تحقيقها، والمصدر إيثار، و﴿خاطئين﴾ من خطىء يخطأ، وهو المتعمد للخطأ،
والمخطىء من أخطأ، وهو الذي قصد الصواب فلم يوفق إليه، ومن ذلك قول الشاعر - وهو أمية بن
الأسكر - [ الوافر]
غداة إذ لقد خطئا وخابا
وإن مهاجرين تكتفاه
وقوله: ﴿لا تثريب عليكم﴾ عفو جميل، وقال عكرمة: أوحى الله إلى يوسف: بعفوك على إخوتك
رفعت لك ذكرك؛ وفي الحديث: أن أبا سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية لما وردا مهاجرين على
رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرض عنهما لقبح فعلهما معه قبل، فشق ذلك عليهما وأتيا أبا بكر فكلفاه
الشفاعة، فأبى، وأتيا عمر فكذلك، فذهب أبو سفيان بن الحارث إلى ابن عمه علي، وذهب عبد الله إلى
أخته أم سلمة، فقال علي رضي الله عنه: الرأي أن تلقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحفل
فتصيحان به: ﴿تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾ فإنه لا يرضى أن يكون دون أحد من الأنبياء فلا
بد لذلك أن يقول: لا تثريب عليكما، ففعلا ذلك، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تثريب
علیکم﴾ الآية.
.

٢٧٨
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٩٣ - ٩٥
والتثريب: اللوم والعقوبة وما جرى معهما من سوء معتقد ونحوه، وقد عبر بعض الناس عن التثريب
بالتعبير، ومنه قول النبي عليه السلام: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثرب))، أي لا يعير، أخرجه
الشيخان في الحدود.
ووقف بعض القرأة (عليكم﴾ وابتدأ ﴿اليوم يغفر الله لكم﴾ ووقف أكثرهم: ﴿اليوم﴾ وابتدأ ﴿يغفر
الله لكم﴾ على جهة الدعاء - وهو تأويل ابن إسحاق والطبري، وهو الصحيح - و﴿اليوم﴾ ظرف، فعلى هذا
فالعامل فيه ما يتعلق به ﴿عليكم﴾ تقديره: لا تثريب ثابت أو مستقر عليكم اليوم. وهذا الوقف أرجح في
المعنى، لأن الآخر فيه حكم على مغفرة الله، اللهم إلا أن يكون ذلك بوحي.
قوله عز وجل :
اذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى بَأَتِ بَصِيرًا وَأُتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَحْمَعِينَ
٩٣
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيُ قَالَـ أَبُوُهُمْ إِى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ ◌ّقَالُواْ
٩٥
تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ!
حكمه بعد الأمر إلقاء القميص على وجه أبيه بأن أباه يأتي بصيراً ويزول عماه دليل على أن هذا كله
بوحي وإعلام من الله. قال النقاش: وروي أن هذا القميص كان لإبراهيم كساه الله إياه حين خرج من النار
وكان من ثياب الجنة. وكان بعد لإسحاق ثم ليعقوب ثم كان دفعه ليوسف فكان عنده في حفاظ من قصب.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر أنه قميصٍ يوسف الذي هو منه بمنزلة
قميص كل أحد، وهكذا تبين الغرابة في أن وجد ريحه من بعد، ولو كان من قمص الجنة لما كان في ذلك
غرابة ولوجده كل أحد.
وأما ((أهلهم)) فروي: أنهم كانوا ثمانين نسمة، وقيل ستة وسبعين نفساً بين رجال ونساء - وفي هذا
العدد دخلوا مصر ثم خرج منها أعقابهم مع موسى في ستمائة ألف. وذكر الطبري عن السدي أنه لما كشف
أمره لإخوته سألهم عن أبيهم: ما حاله؟ فقالوا: ذهب بصره من البكاء. فحينئذ قال لهم: ﴿اذهبوا
بقميصي﴾ الآية .
وقوله تعالى: ﴿ولما فصلت العير﴾ الآية، معناه: فصلت العير من مصر متوجهة إلى موضع يعقوب،
حسبما اختلف فيه، فقيل: كان على مقربة من بيت المقدس، وقيل كان بالجزيرة والأول أصح لأن آثارهم
وقبورهم حتى الآن هناك.
وروي أن يعقوب وجد ﴿ريح يوسف﴾ وبينه وبين القميص مسيرة ثمانية أيام، قاله ابن عباس،
وقال: هاجت ريح فحملت عرفه؛ وروي: أنه كان بينهما ثمانون فرسخاً - قاله الحسن - وابن جريج قال:
وقد كان فارقه قبل ذلك سبعاً وسبعين سنة.
:٠

٢٧٩
تفسير سورة يوسف / الآيات : ٩٣ - ٩٥
قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من الأول.
وروي: أنه كان بينهما مسيرة ثلاثين يوماً، قاله الحسن بن أبي الحسن، وروي عن أبي أيوب
الهوزني: أن الريح استأذنت في أن توصل عرف يوسف إلى يعقوب، فأذن لها في ذلك. وكانت مخاطبة
يعقوب هذه لحاضريه، فروي: أنهم كانوا حفدته، وقيل: كانوا بعض بنيه، وقيل: كانوا قرابته .
و﴿تفندون﴾ معناه: تردون رأيي وتدفعون في صدري، وهذا هو التفنيد في اللغة، ومن ذلك قول
الشاعر: [البسيط]
فليس ما فات من أمري بمردود
يا عاذلي دعا لومي وتفنيدي
ويقال: أفند الدهر فلاناً: إذا أفسده.
قال ابن مقبل: [الطويل]
إذا كلف الإفناد بالناس أفندا
دع الدهر يفعل ما أراد فإنه
ومما يعطي أن الفند الفساد في الجملة قول النابغة: [البسيط]
إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فأحددها عن الفند
وقال منذر بن سعيد: يقال: شيخ مفند: أي قد فسد رأيه، ولا يقال: عجوز.
قال القاضي أبو محمد: والتفنيد يقع إما لجهل المفند، وإما لهوى غلبه، وإما لكذبه، وإما لضعفه
وعجزه لذهاب عقله وهرمه، فلهذا فسّر الناس التفنيد في هذه الآية بهذه المعاني ومنه قوله عليه السلام أو
هرماً مفنداً. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معناه تسفهون، وقال ابن عباس - أيضاً - تجهلون، وقال ابن
جبير وعطاء: معناه: تكذبون، وقال ابن إسحاق: معناه: تضعفون، وقال ابن زيد ومجاهد: معناه: تقولون:
ذهب عقلك، وقال الحسن: معناه: تهرمون .
والذي يشبه أن تفنيدهم ليعقوب إنما كان لأنهم كانوا يعتقدون أن هواه قد غلبه في جانب يوسف.
قال الطبري: أصل التفنيد الإفساد.
وقولهم: ﴿لفي ضلالك﴾ يريدون في انتكافك وتحيرك، وليس هو بالضلال الذي هو في العرف
ضد الرشاد، لأن ذلك من الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به، وقد تأول بعض الناس على ذلك، ولهذا
قال قتادة رحمه الله: قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله عليه
السلام، وقال ابن عباس: المعنى: لفي خطئك.
قال القاضي أبو محمد: وكان حزن يعقوب قد تجدد بقصة بنيامين، فلذلك يقال له: ذو الحزنين.
قوله عز وجل :
فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنُهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَزْتَذَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا

٢٨٠
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٩٦ - ٩٩
◌َقَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُلَكُمْ
٩٧
تَعْلَمُونَ [®]قَالُواْ يَكَأَ بَنَا اُسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَطِينَ!
رَبَِّإِنَُّ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ فَلَمَا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَّ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أَدْ خُلُواْ
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا
٩٩
مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ هَامِنِينَ
روي عن ابن عباس: أن ﴿البشير﴾ كان يهوذا لأنه كان جاء بقميص الدم.
قال القاضي أبو محمد: حدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت الواعظ أبا الفضل بن الجوهري
على المنبر بمصر يقول: إن يوسف عليه السلام لما قال: ﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي﴾
[يوسف: ٩٣] قال يهوذا لإخوته: قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص
الفرحة؛ فتركوه وذلك. وقال هذا المعنى السدي. و﴿ارتد﴾ معناه: رجع هو، يقال: ارتد الرجل ورده
غيره، و﴿بصيراً﴾ معناه: مبصراً، ثم وقفهم على قوله: (إني أعلم من الله ما لا تعلمون﴾ وهذا - والله
أعلم - هو انتظاره لتأويل الرؤيا - ويحتمل أن يشير إلى حسن ظنه بالله تعالى فقط.
وروي: أنه قال للبشير: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على الإسلام قال: الحمد لله، الآن
كملت النعمة .
وفي مصحف ابن مسعود: ((فلما أن جاء البشير من بين يدي العير))، وحكى الطبري عن بعض
النحويين أنه قال: ﴿أن﴾ في قوله: ﴿فلما أن جاء البشير﴾ زائدة، والعرب تزيدها أحياناً في الكلام بعد لما
وبعد حتى فقط، تقول: لما جئت كان كذا، ولما أن جئت، وكذلك تقول: ما قام زيد حتى قمت، وحتى
أن قمت.
وقوله: ﴿قالوا: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا﴾ الآية، روي أن يوسف عليه السلام لما غفر لإخوته،
وتحققوا أيضاً أن يعقوب يغفر لهم، قال بعضهم لبعض: ما يغني عنا هذا إن لم يغفر الله لنا؟! فطلبوا
- حينئذ - من يعقوب أن يطلب لهم المغفرة من الله تعالى، واعترفوا بالخطأ، فقال لهم يعقوب: ﴿سوف
أستغفر﴾، فقالت فرقة: سوفهم إلى السحر، وروي عن محارب بن دثار أنه قال: كان عم لي يأتي
المسجد فسمع إنساناً يقول: اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت، وهذا أسحر فاغفر لي، فاستمع
الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسئل عبد الله بن مسعود عن ذلك، فقال: إن يعقوب عليه
السلام أخر بنيه إلى السحر، ويقوي هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا كل ليلة إذا
كان الثلث الآخر إلى سماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟)) الحديث.
ويقويه قوله تعالى: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ [آل عمران: ١٧]. وقالت فرقة: إنما سوفهم يعقوب إلى
قيام الليل، وقالت فرقة ـ منهم سعيد بن جبير - سوفهم يعقوب إلى الليالي البيض، فإن الدعاء فيهن
يستجاب وقيل: إنما أخرهم إلى ليلة الجمعة، وروى ابن عباس هذا التأويل عن النبي صلى الله عليه وسلم،
قال: ((آخرهم يعقوب حتى تأتي له الجمعة)).