Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
تفسير سورة هود / الآيات: ٢١ - ٢٤
الشريعة أنهم لا يموتون فيها أبداً فالعذاب - إذن - متماد أبداً.
وقدم ﴿السمع﴾ في هذه الآية على ((البصر)) لأن حاسته أشرف من حاسة البصر، إذ عليه تبنى في
الأطفال معرفة دلالات الأسماء، وإذ هو كاف في أكثر المعقولات دون البصر إلى غير ذلك.
قوله عز وجل :
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿ لَاجَرَمَ أَنَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ
اُلْأَخْسَرُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَخْبَنُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَاَلْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ
٢٣
الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا نَذَّكَرُونَ
٢٤
﴿خسروا أنفسهم﴾ بوجوب العذاب عليهم، ولا خسران أعظم من خسران النفس، و﴿ضل﴾ معناه:
تلف ولم يجدوه حيث أملوه. و﴿لا جرم﴾ لفظة مركبة من: ﴿لا﴾، ومن: ﴿جرم﴾ بنيتا.
ومعنى ﴿لا جرم﴾: حق. هذا مذهب سيبويه والخليل. وقال بعض النحويين:
معناها: لا بد ولا شك ولا محالة وقد روي هذا عن الخليل. وقال الزجاج: ﴿لا﴾ رد عليهم، ولما تقدم من
كل ما قبلها، و﴿جرم﴾ معناه: كسب، أي كسب فعلهم ﴿أنهم في الآخرة هم الأخسرون﴾. فموضع ((أن))
على مذهب سيبويه رفع: وموضعها على مذهب الزجاج - نصب. وقال الكسائي معناها لا صد ولا منع.
قال القاضي أبو محمد: فكأن ﴿جرم﴾ على هذا من معنى القطع، تقول: جرمت أي قطعت: وهي
على منزع الزجاج من الكسب ومنه قول الشاعر: [الطويل]
جريمتنا هض في رأس نيق ترى لعظام ما جمعت صليبا
وجريمة القوم كاسبهم.
وأما قول الشاعر جرير:
جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
ولقد طعنت أبا أميمة طعنة
فيحتمل الوجهين: ويختلف معنى البيت.
وفي ﴿لا جرم﴾ لغات: يقول بعض العرب: لا ذا جرم، وبعضهم: لا أن ذا جرم، وبعضهم: لا عن
ذا جرم، وبعضهم: لا جر، حذفوا الميم لكثرة استعماله.
و﴿أخبتوا﴾ قيل معناه: خشعوا، قاله قتادة، وقيل: أنابوا، قاله ابن عباس، وقيل: اطمأنوا، قاله
مجاهد، وقيل: خافوا، قاله ابن عباس أيضاً، وهذه الأقوال بعضها قريب من بعض، وأصل اللفظ من
الخبت، وهو البراح القفر المستوي من الأرض؛ فكأن المخبت في القفر قد انكشف واستسلم وبقي ذا منعة،
فشبه المتذلل الخاشع بذلك، وقيل: إنما اشتق منه لاستوائه وطمأنينته.

١٦٢
تفسير سورة هود / الآيات : ٢٥ - ٢٧
وقوله ﴿إلى ربهم) قيل: هي بمعنى اللام أي أخبتوا لربهم. وقيل: المعنى جعلوا قصدهم بإخباتهم
إلى ربهم، و((الفريقان)) الكافرون والمؤمنون: شبه الكافر بـ ﴿الأعمى والأصم﴾، وشيه المؤمن ب﴿البصير
والسميع﴾ فهو على هذا تمثيل بمثالين. وقال بعض المتأولين: التقدير كالأعمى الأصم والبصير السميع
ودخلت واو العطف كما تقول: جاءني زيد العاقل والكريم، وأنت تريده بعينه؛ فهو على هذا تمثيل بمثال
واحد .
و﴿مثلاً﴾ نصب على التمييز. ويجوز أن يكون حالاً.
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ أَنْ لَّا نَعَبُدُ وَأَإِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَفُ عَلَيْكُمْ
عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴿افَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَانَرَتِكَ إِلَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَانَتَكَ
أَتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأَىِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِ بَلْ نَقُّكُمْ
٢٧
كَذِينَ أ
هذه آية قصص فيه تمثيل لقريش وكفار العرب وإعلام محمد صلى الله عليه وسلم ببدع من الرسل.
وروي أن نوحاً عليه السلام أول رسول إلى الناس. وروي أن ادريس نبي من بني آدم إلا أنه لم يرسل،
فرسالة نوح إنما كانت إلى قومه كسائر الأنبياء، وأما الرسالة العامة فلم تكن إلا لمحمد صلى الله عليه
وسلم.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة ((إني)) بكسر الألف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ((أني))
بفتح الألف. فالكسر على إضمار القول، والمعنى: قال لهم: ﴿إني لكن نذير مبين﴾، ثم يجيء قوله ﴿أن
لا تعبدوا﴾ محمولاً ل﴿أرسلنا﴾، أي أرسلنا نوحاً بأن لا تعبدوا إلا الله، واعترض أثناء الكلام بقوله:
﴿إني لكم نذير مبين﴾، وفتح الألف على إعمال ﴿أرسلنا﴾ في ((أن)) أي بأني لكم نذير. قال أبو علي:
وفي هذه القراءة خروج من الغيبة إلى المخاطبة.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وإنما هي حكاية مخاطبته لقوله، وليس هذا حقيقة الخروج
من غيبة إلى مخاطبة، ولو كان الكلام: أن أنذرهم ونحوه لصح ذلك.
و((النذير)) المحفظ من المكاره بأن يعرفها وينبه عليها و﴿مبين﴾ من أبان يبين.
وقوله ﴿أن لا تعبدوا إلا الله﴾ ظاهر في أنهم كانوا يعبدون الأوثان ونحوها، وذلك بين في غير هذه
الآية .
و﴿أليم﴾ معناه مؤلم، ووصف به اليوم وحقه أن يوصف به العذاب تجوزاً إذ العذاب في اليوم، فهو
کقولهم: نهار صائم وليل قائم.

١٦٣
تفسير سورة هود / الآيات: ٢٥ - ٢٧
و﴿الملأ﴾ الجمع والأكثر من القبيلة والمدينة ونحوه، ويسمى الأشراف ملأ إذ هم عمدة الملأ
والسادّون مسدّه في الآراء والأمور، وكل جماعة كبيرة ملأ.
ولما قال لهم نوح: ﴿إني لكم نذير .... ) قالوا: ﴿ما نراك إلا بشراً مثلنا ... ﴾ أي والله لا يبعث
رسولاً من البشر، فأحالوا الجائز على الله تعالى.
و((الأراذل)) جمع أرذل، وقيل جمع أرذل وأرذال جمع رذل وكان اللازم على هذا أن يقال: أراذيل؛
وإذا ثبتت الياء في جمع صيرف فأحرى ألا تزال في موضع استحقاقها. وهم سفلة الناس ومن لا أخلاق له،
ولا یبالي ما يقول ولا ما يقال له.
وقرأ الجمهور ((بادي الرأي)) بياء دون همز، من بدا يبدو، ويحتمل أن يكون من بدأ مسهلاً، وقرأ أبو
عمرو وعيسى الثقفي ((بادىء الرأي)) بالهمز من بدأ يبدأ.
قال القاضي أبو محمد: وبين القراءتين اختلاف في المعنى يعطيه التدبر، فتركت التطويل ببسطه،
والعرب تقول: أما بادىء بدء فإني أحمد الله، وأما بادي بدي بغير همز فيهما، وقال الراجز: [الرجز]
أضحى لخالي شبهي بادي بدي
وصار للفحل لساني ويدي
وقال الآخر: وقد علتني ذرأه بادي بدي .
وقرأ الجمهور بهمز ((الرأي)) وقرأ أبو عمرو بترك همزه. و﴿بادي﴾ نصب على الظرف وصح أن يكون
اسم الفاعل ظرفاً كما يصح في قريب ونحوه، وفعيل وفاعل متعاقبان أبداً على معنى واحد، وفي المصدر
كقولك: جهد نفسي أحب كذا وكذا.
وتعلق قوله: ﴿بادي الرأي﴾ يحتمل ستة أوجه:
أحدها: أن يتعلق ب﴿نراك﴾ بأول نظر وأقل فكرة، وذلك هو ﴿بادي الرأي﴾، أي إلا ومتبعوك
أراذلنا .
والثاني: أن يتعلق بقوله: ﴿اتبعك﴾ أي، وما نراك اتبعك بادي الرأي إلا الأراذل؛ ثم يحتمل على
هذا قوله: ﴿بادي الرأي﴾ معنیین:
أحدهما: أن يريد اتبعك في ظاهر أمرهم وعسى أن بواطنهم ليست معك.
والثاني: أن يريد اتبعوك بأول نظر وبالرأي البادي دون تعقب ولو تثبتوك لم يتبعوك. وفي هذا الوجه
ذم الرأي الغير المروي .
والوجه الثالث: من تعلق قوله ﴿بادي الرأي﴾ أن يتعلق بقوله: ﴿أراذلنا﴾ أي الذين هم أراذلنا بأول
نظر فيهم، ويبادي الرأي يعلم ذلك منهم، ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿بادي الرأي﴾ وصفاً منهم لنوح،
أي تدعي عظيماً وأنت مكشوف الرأي لا حصافة لك، ونصبه على الحال وعلى الصفة، ويحتمل أن يكون

١٦٤
تفسير سورة هود / الآيات: ٢٨ - ٣٠
اعتراضاً في الكلام مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم. ويجيء جميع هذا ستة معانٍ، ويجوز التعلق في
هذا الوجه ب﴿قال﴾.
ومعنى ﴿وما نرى لكم علينا من فضل﴾ أي ما ثم شيء تستحقون به الاتباع والطاعة. ثم قال:
﴿بل نظنكم كاذبين) فيحتمل أنهم خاطبوا نوحاً ومن آمن معه من قومه، أي أنتم كاذبون في تصديقكم هذا
الكاذب، وقولکم إنه نبي مرسل.
قوله عز وجل :
قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِن كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَانَذِى رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَفُلْزِ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ
ج
ج
جيد
لَاكَرِهُونَ ﴿ وَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَا لَّا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنْبِطَارِهِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِنَّهُمْ مُلَقُواْرَتِهِمْ وَلَكِنِى أَرَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٦) وَيَقَوْمِ مَن يَنصُرُ فِي مِنَ اللَّهِإِنْ طَرَدْتُهُمْ
أَفَلَا نَذَ كَّرُونَ
٣٠
هذه الآية كأنه قال: أرأيتم إن هداني الله وأضلكم أأجبركم على الهدى وأنتم كارهون له معرضون
عنه، واستفهامه في هذه الآية أولاً وثانياً على جهة التقرير. وعبارة نوح عليه السلام كانت بلغته دالة على
المعنى القائم بنفسه، وهذا هو المفهوم من هذه العبارة العربية، فبهذا استقام أن يقال كذا وكذا، إذ القول
ما أفاد المعنى القائم بنفسه.
وقوله ﴿على بيّنة﴾ أي على أمر بيّن جلي، والهاء في ﴿بيّنة﴾ للمبالغة كعلامة ونسابة، و((إيتاؤه
الرحمة)) هو هدايته للبيّنة، والمشار إليه بهذا كله النبوءة والشرع، وقوله ﴿من عنده﴾ تأكيد، كما قال:
﴿يطير بجناحيه﴾ [الأنعام: ٣٨]، وفائدته رفع الاشتراك ولو بالاستعارة.
وقرأ جمهور الناس ((فعميت)) ولذلك وجهان من المعنى :
أحدهما: خفيت، ولذلك يقال للسحاب العماء لأنه يخفي ما فيه، كما يقال له: الغمام لأنه يغمه،
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((كان الله قبل أن يخلق الأشياء في عماء)).
والمعنى الثاني: أن تكون الإرادة: فعميتم أنتم عنها، لكنه قلب، كما تقول العرب: أدخلت
القلنسوة في رأسي، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
ترى النور فيها مدخل الظل رأسه
وسائره باد إلى الشمس أجمع
قال أبو علي: وهذا مما يقلب إذ ليس فيه إشكال وفي القرآن: ﴿فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله﴾
[إبراهيم: ٤٧]
وقرأ حفص وحمزة والكسائي ((فَعُمّيت)) بضم العين وشد الميم على بناء الفعل للمفعول وهذا إنما
يكون من الإخفاء؛ ويحتمل القلب المذكور.
.. ......
:
:
:

١٦٥
تفسير سورة هود / الآيتان: ٣٢،٣١
وقرأ الأعمش وغيره ((فعماها عليهم)). قال أبو حاتم: روى الأعمش عن ابن وثاب ((وعميت)) بالواو
خفيفة .
وقوله: ﴿أنلزمكموها﴾ يريد إلزام جبر كالقتال ونحوه، وأما إلزام الإيجاب فهو حاصل، وقال
النحاس: معناه أن وجبها عليكم، وقوله في ذلك خطأ .
وفي قراءة أبي بن كعب: ((أنلزمكموها من شطر أنفسنا))، ومعناه من تلقاء أنفسنا. وروي عن ابن
عباس أنه قرأ ذلك ((من شطر قلوبنا)).
وقوله ﴿يا قوم لا أسألكم عليه مالاً ... ) الآية؛ الضمير في ﴿عليه﴾ عائد على التبليغ.
وقوله: ﴿وما أنا بطارد الذين آمنوا﴾ يقتضي أنهم طلبوا منه طرد الضعفاء الذين بادروا إلى الإيمان به
نظير ما اقترحت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرد تباعه بمكة الذين لم يكونوا من قريش.
وقوله: ﴿إنهم ملاقو ربهم﴾ تنبيه على العودة إلى الله ولقاء جزائه المعنى، فيوصلهم إلى حقهم
عندي إن ظلمتهم بالطرد. ثم وصفهم بالجهل في مثل هذا الاقتراح ونحوه.
وقوله ﴿يا قوم من ينصرني من الله ... ) الآية؛ هو استفهام بمعنى تقرير وتوقيف، أي لا ناصر يدفع
عني عقاب الله إن ظلمتهم بالطرد عن الخير الذي قبلوه، ثم وقفهم بقوله: ﴿أفلا تذكرون﴾ وعرض عليهم
النظر المؤدي إلى صحة هذا الاحتجاج.
قوله عز وجل :
وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآبِنُ اللَّهِ وَلَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىّ
ـے
قَالُواْيَنُوُ قَدْ
أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيَّ أَنفُسِهِمْ إِنِّى إِذَا لَّمِنَ الظَِّمِينَ
جَدَ لْتَنَا فَكْثَرَتَ جِدَ لَنَا فَأَئِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
٣٢
قوله: ﴿ولا أقول﴾ عطف على قوله: ﴿لا أسألكم عليه مالاً﴾ [هود: ٢٩]، ومعنى هذه الآية: أني
لا أموه عليكم ولا أتعاطى غير ما أهلني الله له، فلست أقول ﴿عندي خزائن الله﴾، يريد القدرة التي يوجد
بها الشيء بعد حال عدمه، وقد يمكن أن يكون من الموجودات كالرياح والماء، ونحوه ما هو كثير بإبداع
الله تعالى له، فإن سمي ذلك - على جهة التجوز - مختزناً فيشبه. ألا ترى ما روي في أحمر ريح عاد أنه
فتح عليهم من الريح قدر حلقة الخاتم، ولو كان على قدر منخر الثور لأهلك الأرض. وروي أن الربح
عنت على الملائكة الموكلين بتقديرها فلذلك وصفها الله تعالى بالعتو، وقال ابن عباس وغيره: عتت على
الخزان. فهذا ونحوه يقتضي أن ثم خزائن. ثم قال: ﴿ولا أعلم الغيب﴾، ثم انحط على هاتين فقال ﴿ولا
أقول إني ملك﴾، ظاهر هذه الآية فضل الملك على البشر وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي مسألة
اختلاف. وظواهر القرآن على ما قلناه.
قال القاضي أبو محمد: وإن أخذنا قوله ﴿ولا أقول إني ملك﴾ على حد أن لو قال: ولا أقول إني
أ

١٦٦
تفسير سورة هود / الآيات: ٣٣ - ٣٥
كوكب أو نحوه ــ زالت طريقة التفضيل، ولكن الظاهر هو ما ذكرنا.
و﴿تزدري﴾ أصله تزتري (تفتعل) من زرى يزري؛ ومعنى ﴿تزدري﴾: تحتقر. و((الخير)) هنا يظهر
فيه أنه خير الآخرة، اللهم إلا أن يكون ازدراؤهم من جهة الفقر، فيكون الخير المال؛ وقد قال بعض
المفسرين: حيثما ذكر الله الخير في القرآن فهو المال.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الكلام تحامل، والذي يشبه أن يقال: إنه حيثما ذكر الخير فإن
المال يدخل فيه .
وقوله ﴿الله أعلم بما في أنفسهم﴾ تسليم الله تعالى، أي لست أحكم عليهم بشيء من هذا وإنما
يحكم عليهم بذلك ويخرج حكمه إلى حيز الوجود، الله تعالى الذي يعلم ما في نفوسهم ويجازيهم بذلك،
وقال بعض المتأولين: هي رد على قولهم: اتبعك أراذلنا على ما يظهر منهم.
قال القاضي أبو محمد: حسبما تقدم في بعض تأويلات تلك الآية آنفاً، فالمعنى لست أنا أحكم
عليهم بأن لا يكون لهم خير بظنكم بهم أن بواطنهم ليست كظواهرهم، الله عز وجل أعلم بما في نفوسهم،
ثم قال: ﴿إني إذاً﴾ لو فعلت ذلك ﴿لمن الظالمين) الذين يضعون الشيء في غير موضعه.
وقوله: ﴿يا نوح ... ﴾، الآية معناه: قد طال منك هذا الجدال، وهو المراجعة في الحجة
والمخاصمة والمقابلة بالأقوال حتى تقع الغلبة، وهو مأخوذ من الجدل وهو شدة الفتل ومنه: حبل مجدول،
أي ممرّ، ومنه قيل للصقر أجدل لشدة بنيته وفتل أعضائه؛ و((الجدال)) فعال، مصدر فاعل، وهو يقع من
اثنين، ومصدر فاعل يجيء على فعال وفيعال ومفاعلة، فتركت الياء من فيعال ورفضت. ومن الجدال ما هو
محمود، وذلك إذا كان مع كافر حربي في منعته ويطمع في الجدال أن يهتدي، ومن ذلك هذه الآية، ومنه
قوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥] إلى غير ذلك من الأمثلة. ومن الجدال ما هو
مكروه، وهو ما يقع بين المسلمين بعضهم في بعض في طلب علل الشرائع وتصور ما يخبر الشرع به من
قدرة الله، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكرهه العلماء، والله المستعان.
وقرأ ابن عباس ((قد جادلتنا فأكثرت جَدلنا)) بغير ألف، وبفتح الجيم، ذكره أبو حاتم.
والمراد بقولهم ﴿ما تعدنا﴾ العذاب والهلاك، والمفعول الثاني ل﴿تعدنا﴾ مضمر تقديره بما تعذناه.
ولما كان الكلام يقتضي العذاب جاز أن يستعمل فيه الوعد.
قوله عز وجل :
قَالَ إِنَّمَا يَأْنِيكُمِْهِاللّهُ إِن شَآءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِينَ ﴿ وَلَنْفَعَّكُمْنُصْحِىَ إِنْ أَرَدَثٌ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْإِن
كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَرَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ إِنْ أَفْتَرَ يْتُهُ.
فَعَلَّ إِجْرَامِ وَأَنَاْ بَرِىٌّمِّمَّا تُجْرِمُونَ
٣٥
المعنى: ليس ذلك بيدي ولا إليَّ توفيته، وإنما ذلك بيد الله وهو الآتي به إن شاء وإذا شاء، ولستم من
:

١٦٧
تفسير سورة هود / الآيتان : ٣٦، ٣٧
المنعة بحال من يفلت أو يعتصم بمنج، وإنما في قبضة القدرة وتحت ذلة المتملك، وليس نصحي بنافع
ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان الله تعالى قد أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك. والشرط الثاني
اعتراض بين الكلام، وفيه بلاغة في اقتران الإرادتين. وأن إرادة البشر غير مغنية، وتعلق هذا الشرط هو
بـ ﴿نصحي﴾، وتعلق الآخر هو بـ((لا ينفع)). والنصح هو سد ثلم الرأي للمنصوح وترقيعه، وهو مأخوذ من
نصح الثوب إذا خاطه، والمنصح الإبرة، والمخيط يقال له منصح ونصاح: وقالت فرقة معنى قوله
﴿يغويكم﴾: يضلكم، من قولهم غوى الرجل يغوى، ومنه قول الشاعر [المرقش]: [الطويل]
فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
وإذا كان هذا معنى اللفظة، ففي الآية حجة على المعتزلة القائلين إن الضلال إنما هو من العبد.
وقالت فرقة معنى قوله: ﴿يغويكم): يهلككم، والغوى المرض والهلاك؛ وفي لغة طِىء: أصبح فلان
غاوياً، أي مريضاً، والغوى بشم الفصيل، قال يعقوب في الإصلاح. وقيل: فقده اللبن حتى يموت جوعاً،
قاله الفراء وحكاه الطبري. يقال غوى يغوى، وحكى الزهراوي أنه الذي قطع عنه اللبن حتى كاد يهلك
ولما يهلك بعد، فإذا كان هذا معنى اللفظة زال موضع النظر بين أهل السنة والمعتزلة، وبقي الاحتجاج
عليهم بما هو أبين من هذه الآية كقوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾
[الأنعام : ١٢٥] ونحوها.
قال القاضي أبو محمد: ولكني أعتقد أن للمعتزلة تعلقاً وحجة بالغة بهذا التأويل، فرد عليه وأفرط
حتى أنكر أن يكون الغوى بمعنى الهلاك موجوداً في لسان العرب.
وقوله: ﴿هو ربكم﴾، تنبيه على المعرفة بالخالق. وقوله: ﴿وإليه ترجعون) إخبار في ضمنه وعيد
وتخويف، وقوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه ... ) الآية، قال الطبري وغيره من المتأولين والمؤلفين في
التفسير: إن هذه الآية اعترضت في قصة نوح وهي شأن محمد صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش، وذلك
أنهم قالوا: افترى القرآن وافترى هذه القصة على نوح، فنزلت الآية في ذلك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لو صح بسند وجب الوقوف عنده، وإلا فهو يحتمل أن يكون في شأن
نوح عليه السلام، ويبقى اتساق الآية مطرداً، ويكون الضمير في قوله ﴿افتراه﴾ عائداً إلى العذاب الذي
توعدهم به أو على جميع أخباره، وأوقع الافتراء على العذاب من حيث يقع على الإخبار به. والمعنى : أم
يقول هؤلاء الكفرة افترى نوح هذا التوعد بالعذاب وأراد الإرهاب علينا بذلك؛ ثم يطرد باقي الآية على هذا.
و﴿أم﴾ هي التي بمعنى بل يقولون، و ((الإجرام)) مصدر أجرم يجرم إذا جنى، يقال: جرم وأجرم
بمعنى، ومن ذلك قول الشاعر:
طريد عشيرة ووهين ذنب بما جرمت يدي وجنى لساني
قوله عز وجل :
وَأُوْجِى إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْءَامَنَ فَلَا نَبْتَيِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
٣٦
أ

١٦٨
٠٠
تفسير سورة هود / الآيتان: ٣٧،٣٦
٣٧
وَأَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُوْاْإِنَّهُمْ مُغْرَفُونَ
قرأ أبو البرهسم: ((وأَوحى)) بفتح الهمزة على إسناد الفعل إلى الله عز وجل، ((إنه) بكسر الهمزة،
وقيل لنوح هذا بعد أن طال عليه كفر القرن بعد القرن به، وكان يأتيه الرجل بابنه فيقول: يا بني لا تصدق
هذا الشيخ فهكذا عهده أبي وجدي كذاباً مجنوناً؛ رواه عبيد بن عمير وغيره، وهذه الآية هي التي أيأست
نوحاً عليه السلام من قومه، فروي أنه لما أوحي إليه ذلك دعا فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين
دياراً﴾ [نوح: ٢٦].
و﴿تبتئس﴾ من البؤس تفتعل، ومعناه: لا تحزن نفسك ومنه قول الشاعر - وهو لبيد بن ربيعة -:
[مجزوء الكامل]
في مأتم كنعاج حارة تبتئس بما لقينا
حارة: موضع .
قال القاضي أبو محمد: وفي أمر نوح عليه السلام تدافع في ظاهر الآيات والأحاديث ينبغي أن نخلص
القول فيه، وذلك أن ظاهر أمره أنه عليه السلام دعا على الكافرين عامة من جميع الأمم ولم يخص قومه
دون غيرهم، وتظاهرت الروايات وكتب التفاسير بأن الغرق نال جميع أهل الأرض وعم الماء جميعها، قاله
ابن عباس وغيره، ويوجب ذلك أمر نوح بحمل الأزواج من الحيوان، ولولا خوف إفناء أجناسها من جميع
الأرض، ما کان ذلك، فلا یتفق لنا أن نقول إنه لم یکن في الأرض غیر قوم نوح في ذلك الوقت، لأنه يجب
أن يكون نوح بعث إلى جميع الناس، وقد صح أن هذه الفضيلة خاصة لمحمد صلى الله عليه وسلم بقوله :
(أوتيت خمساً لم يؤتهن أحد قبلي)). فلا بد أن نقرر كثيراً من الأمم كان في ذلك الوقت، وإذا كان ذلك،
فكيف استحقوا العقوبة في جمعهم ونوح لم يبعث إلى كلهم؟ وكنا نقدر هنا أن الله تعالى بعث إليهم رسلاً
قبل نوح فكفروا بهم واستمر كفرهم، لولا أنا نجد الحديث ينطق بأن نوحاً هو أول الرسل إلى أهل الأرض؛
ولا يمكن أيضاً أن نقول: عذبوا دون رسالة ونحن نجد القرآن: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾
[الإسراء: ١٥].
والتأويل المخلص من هذا كله هو أن نقول: إن نوحاً عليه السلام أول رسول بعث إلى كفار من أهل
الأرض ليصلح الخلق ويبالغ في التبليغ ويحتمل المشقة من الناس - بحسب ما ثبت في الحديث - ثم
نقول: إنه بعث إلى قومه خاصة بالتبليغ والدعاء والتنبيه، وبقي أمم في الأرض لم يكلف القول لهم،
فتصح الخاصة لمحمد صلى الله عليه وسلم ثم نقول: إن الأمم التي لم يبعث ليخاطبها إذا كانت بحال كفر
وعبادة أوثان، وكانت الأدلة على الله تعالى منصوبة معرضة للنظر، وكانوا متمكنين من النظر من جهة
إدراكهم، وكان الشرع ـ ببعث نوح - موجوداً مستقراً.
فقد وجب عليهم النظر، وصاروا بتركه بحال من يجب تعذيبه: فإن هذا رسول مبعوث وإن كان لم
يبعث إليهم معينين ألا ترى أن لفظ الآية إنما هو ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، أي
:
:

١٦٩
تفسير سورة هود / الآيتان : ٣٦، ٣٧
حتى نوجده، لأن بعثة الأنبياء إلى قوم مخصوصين إنما هو في معنى القتال والشدة، وأما من جهة بذل
النصيحة وقبول من آمن فالناس أجمع في ذلك سواء؛ ونوح قد لبث ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو إلى
الله، فغير ممكن أن لم تبلغ نبوءته للقريب والبعيد، ويجيء تعذيب الكل بالغرق بعد بعثة رسول وهو نوح
صلی الله عليه وسلم.
ولا يعارضنا مع هذه التأويلات شيء من الحديث ولا الآيات، والله الموفق للصواب.
وقوله تعالى: ﴿واصنع الفلك﴾ عطف على قوله: ﴿فلا تبتئس﴾ و﴿الفلك﴾: السفينة، وجمعها
أيضاً فلك، وليس هو لفظاً للواحد والجمع وإنما هو فعل وجمع على فعل ومن حيث جاز أن يجمع فعل
على فعل كأسد وأسد، جاز أن يجمع فعل على فعل، فظاهر لفظ الجمع فيها كظاهر لفظ واحد وليس به،
تدل على ذلك درجة التثنية التي بينهما لأنك تقول: فلك وفلكان وفلك، فالحركة في الجمع نظير ضمة
الصاد إذا ناديت ((يا منصو))، تريد ((يا منصور))، فرخمت على لغة من يقول: يا حار بالضم، فإن ضمة الصاد
هي في اللفظ كضمة الأصل، وليست بها في الحكم.
وقوله: ﴿بأعيننا﴾ يمكن - فيما يتأول - أن يريد به بمرأى منا وتحت إدراك، فتكون عبارة عن الإدراك
والرعاية والحفظ، ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير كما قال تعالى: ﴿فنعم القادرون﴾
[المرسلات: ٢٣] فرجع معنى الأعين في هذه وفي غيرها إلى معنى عين في قوله: ﴿لتصنع على عيني﴾
[طه: ٣٩]، وذلك كله عبارة عن الإدراك وإحاطته بالمدركات، وهو تعالى منزه عن الحواس والتشبيه
والتكييف لا رب غيره. ويحتمل قوله ﴿بأعيننا﴾ أي بملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على مواضع حفظك
ومعونتك، فيكون الجمع على هذا للتكثير.
وقرأ طلحة بن مصرف ((بأعينا)) مدغماً.
وقوله ﴿ووحينا﴾ معناه: وتعليمنا لك صورة العمل بالوحي، وروي في ذلك أن نوحاً عليه السلام
لما جهل كيفية صنع السفينة أوحى الله إليه: أن اصنعها على مثال جؤجؤ الطير، إلى غير ذلك مما عمله
نوح من عملها، فقد روي أيضاً أنها كانت مربعة الشكل طويلة في السماء، ضيقة الأعلى، وأن الغرض
منها إنما كان الحفظ لا سرعة الجري، والحديث الذي تضمن أنها كجؤجؤ الطائر أصح ومعناه أظهر: لأنها
لو كانت مربعة لم تكن فلكآ بل كانت وعاء فقط، وقد وصفها الله تعالى بالجري في البحر، وفي الحديث:
كان راز سفينة نوح عليه السلام جبريل عليه السلام والراز: القيم بعمل السفن. ومن فسر قوله ﴿ووحينا﴾
أي بأمرنا لك، فذلك ضعيف لأن قوله: ﴿واصنع الفك﴾ مغن عن ذلك. و﴿الذين ظلموا﴾ هم قومه الذين
أعرضوا عن الهداية حتى عمتهم النقمة، قال ابن جريج: وهذه الآية تقدم الله فيها إلى نوح أن لا يشفع
فیهم .
قوله عز وجل:
وَيَصْنَعُ الْقُلْكَ وَ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأْمِنْ قَوْمِهِ، سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ
:
i
أ
أ

١٧٠
تفسير سورة هود / الآيات: ٣٨ - ٤٠
كَمَا تَسْخَرُونَ
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْرِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ ( حَتَّ
٣٨
إِذَا جَآءَ أَمْرُ نَا وَفَارَ النَّنُّورُ قُلْنَا أَحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ اَلْقَوْلُ
٤٠
وَمَنْ ءَامَنَّ وَمَآءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
التقدير: فشرع يصنع فحكيت حال الاستقبال، إذ في خلالها وقع مرورهم، قال ابن عباس: صنع
نوح الفلك ببقاع دمشق وأخذ عودها من لبنان وعودها من الشمشار وهو البقص. وروي أن عودها من الساج
وأن نوحاً عليه السلام اغترسه حتى كبر في أربعين سنة؛ وروي أن طول السفينة ألف ذراع ومائتان،
وعرضها ستمائة ذراع، ذكره الحسن بن أبي الحسن وقيل: طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً،
وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، ذكره قتادة، وروي غير هذا مما لم يثبت، فاختصرت ذكره، وذكر الطبري
حديث إحياء عيسى ابن مريم لسام بن نوح وسؤاله إياه عن أمر السفينة فذكر أنها ثلاث طبقات: طبقة للناس،
وطبقة للبهائم، وطبقة للطير، إلى غير ذلك في حديث طويل.
و((الملأ)) هنا الجماعة، و﴿سخروا﴾ معناه استجهلوه، وهذا الاستجهال إن كان الأمر كما ذكر أنهم لم
يكونوا قبل رأوا سفينة ولا كانت - فوجه الاستجهال واضح. وبذلك تظاهرت التفاسير؛ وإن كانت السفائن
حينئذ معروفة فاستجهلوه في أن صنعها في موضع لا قرب لها من البحر وروي أنهم كانوا يقولون له صرت
نجاراً بعد النبوة؟ !!.
وقوله ﴿فإنا نسخر منكم﴾ قال الطبري: يريد في الآخرة.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل الكلام، بل هو الأرجح، أن يريد؛ إنا نسخر منكم الآن، أي
نستجهلكم لعلمنا بما أنتم عليه من الغرر مع الله تعالى والكون بمدرج عذابه، ثم جاء قوله: ﴿فسوف
تعلمون﴾ تهديداً، والسخر: الاستجهال مع استهزاء، ومصدره: سُخرى بضم السين، والمصدر من
السخرة والستخیر سخری بکسرها.
و(العذاب المخزي)) هو الغرق، و((المقيم)) هو عذاب الآخرة، وحكى الزهراوي أنه يقرأ ((ويحُل))
بضم الحاء، ويقرأ ((ويجل)) بكسرها، بمعنى ويجب. و﴿من﴾ في موضع نصب بـ﴿تعلمون﴾. وجاز أن
يكون ﴿تعلمون﴾ بمثابة تعرفون في التعدي إلى مفعول واحد، وجائز أن تكون التعدية إلى مفعولين واقتصر
على الواحد.
وقوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أمرنا﴾ الآية، الأمر ها هنا يحتمل أن يكون واحد الأمور، ويحتمل أن
يكون مصدر أمر، فمعناه أمرنا للماء بالفوران، أو للسحاب بالإرسال، أو للملائكة بالتصرف في ذلك،
ونحو هذا مما يقدر في النازلة و﴿فار﴾ معناه انبعث بقوة؛ واختلف الناس في ﴿التنور﴾، فقالت فرقة - وهي
الأكثر - منهم ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هو تنور الخبز الذي يوقد فيه، وقالت فرقة: كانت هذه أمارة
جعلها الله لنوح، أي إذا فار التنور فاركب في السفينة؛ ويشبه أن يكون وجه الأمارة أن مستوقد النار إذا فار
بالماء فغيره أشد فوراناً، وأحرى بذلك. وروي أنه كان تنور آدم عليه السلام خلص إلى نوح فكان يوقد
:

١٧١
تفسير سورة هود / الآيات: ٣٨ - ٤٠ -
فيه، وقال النقاش: اسم المستوقد التنور بكل لغة؛ وذكر نحو ذلك ابن قتيبة في الأدب عن ابن عباس.
قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، وقيل: إن موضع تنور نوح عليه السلام كان بالهند، وقيل: كان
في موضع مسجد الكوفة، وقيل كان في ناحية الكوفة، قاله الشعبي ومجاهد، وقيل كان في الجهة الغربية
من قبلة المسجد بالكوفة، وقال ابن عباس وعكرمة: التنور وجه الأرض، ويقال له: تنور الأرض، وقال
قتادة: ﴿التنور﴾: أعالي الأرض، وقالت فرقة: ﴿التنور﴾: عين بناحية الجزيرة، وقال الحسن بن أبي
الحسن: ﴿التنور) مجتمع ماء السفينة فار منه الماء وهي بعد في اليبس، وقالت فرقة: ﴿التنور﴾ هو
الفجر، المعنى: إذا طلع الفجر فاركب في السفينة، وهذا قول روي عن علي بن أبي طالب رضي الله
عنه، إلا أن التصريف يضعفه، وكان يلزم أن يكون التنور، وقالت فرقة: الكلام مجاز وإنما إراد غلبة الماء
وظهور العذاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لشدة الحرب: ((حمي الوطيس)) والوطيس أيضاً مستوقد
النار، فلا فرق بين حمي و﴿فار﴾ إذ يستعملان في النار، قال الله تعالى: ﴿سمعوا لها شهيقاً وهي تفور﴾
[الملك: ٧]، فلا فرق بين الوطيس والتنور.
وقرأ حفص عن عاصم ((من كلّ زوجين اثنين)) بتنوين ﴿كل﴾ وقرأ الباقون ((من كلِّ زوجين)) بإضافة
﴿كل﴾ إلى ﴿زوجين). فمن قرأ بالتنوين حذف المضاف إليه التقدير: من كل حيوان أو نحوه، وأعمل
((الحمل) في ﴿زوجين﴾، وجاء قوله: ﴿اثنين﴾ تأكيداً - كما قال: ﴿إِلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١]. ومن قرأ
بالإضافة فأعمل ((الحمل)) في قوله ﴿اثنين﴾، وجاء قوله ﴿زوجين﴾ بمعنى العموم، أي من كل ما له
ازدواج، هذا معنى قوله: ﴿من كل زوجين﴾ قاله أبو علي وغيره، ولو قدرنا المعنى: احمل من كل زوجين
حاصلين اثنين لوجب أن يحمل من كل نوع أربعة، والزوج يقال في مشهور كلام العرب للواحد مما له
ازدواج، فيقال: هذا زوج هذا، وهما زوجان: وهذا هو المهيع في القرآن في قوله تعالى: ﴿ثمانية أزواج﴾
[الأنعام: ١٤٣، الزمر: ٦] ثم فسرها، وكذلك هو في قوله تعالى: ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى﴾
[النجم: ٤٥]. قال أبو الحسن الأخفش في كتاب الحجة: وقد يقال في كلام العرب للاثنين زوج، ومن
ذلك قول لبيد: [الكامل]
زوج عليه كلة وقرامها
من كل محفوف يظل عصيه
وهكذا يأخذ العدديون: الزوج أيضاً في كلام العرب النوع كقوله: ﴿وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج﴾
[قَ: ٧] وقوله: ﴿سبحان الذي خلق الأزواج كلها﴾ [يس: ٣٦] إلى غير ذلك.
وروي في قصص هذه الآية أن نوحاً عليه السلام كان يأتيه الحيوان، فيضع يمينه على الذكر ويساره
على الأنثى. وروي أن أول ما ادخل في السفينة الذر، وآخر ما أدخل الحمار، فتمسك الشيطان بذنبه،
فزجره نوح عليه السلام فلم ينبعث فقال له: ادخل ولو كان معك الشيطان، قال ابن عباس: زلت هذه
الكلمة من لسانه فدخل الشيطان حينئذ، وكان في كوثل السفينة، أي عند مؤخرها، وقيل كان على ظهرها.
وروي أن نوحاً عليه السلام آذاه نتن الزبل والعذرة، فأوحى الله إليه: أن امسح على ذنب الفيل، ففعل،
فخرج من الفيل - وقيل من أنفه - خنزير وخنزيرة، فكفيا نوحاً وأهله ذلك الأذى؛ وهذا يجيء منه أن نوع

١٧٢
تفسير سورة هود / الآيتان : ٤١، ٤٢
الخنازير لم يكن قبل ذلك. وروي أن الفأر أذى الناس في السفينة بقرض حبالها وغير ذلك، فأمر الله نوحاً
أن يمسح على جبهة الأسد ففعل، فعطس فخرج منه هر وهرة، فكفياهم الفأر، وروي أيضاً أن الفأر خرج
من أنف الخنزير.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله قصص لا يصح إلا لو استند والله أعلم كيف كان.
وقوله: ﴿وأهلك﴾ عطف على ما عمل فيه ﴿احمل) و((الأهل)) هنا القرابة، وبشرط من آمن منهم،
خصصوا تشريفاً؛ ثم ذكر ﴿من آمن﴾ وليس من الأهل واختلف في الذي ﴿سبق عليه القول﴾ فقيل: هو
ابنه يام، وقال النقاش: اسمه كنعان؛ وقيل هي امرأته والعة هكذا اسمها بالعين غير منقوطة؛ وقيل: هو
عموم في من لم يؤمن من أهل نوح وعشيرته. و﴿القول﴾ ها هنا معناه: القول بأنه يعذب، وقوله: ﴿ومن
آمن﴾ عطف على قوله: ﴿وأهلك﴾ ثم قال إخباراً عن حالهم ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾
واختلف في ذلك ﴿القليل﴾ فقيل: كانوا ثمانين رجلاً وثمانين امرأة وقيل كان
جميعهم ثلاثة وثمانين: وقيل كانوا ثمانين في الكل، قاله السدي: وقيل: عشرة؛ وقيل: ثمانية، قاله قتادة
وقيل: سبعة؛ والله أعلم. وقيل: كان في السفينة جرهم، وقيل لم ينج من الغرق أحد إلا عوج بن أعنق،
وكان في السفينة مع نوح عليه السلام ثلاثة من بنيه: سام، وحام، ويافث، وغرق يام. وروي عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش.
قوله عز وجل :
وَقَالَ آَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِاللَّهِ مَجْرِنِهَا وَمُرْسَهَا إِنَّ رَبِى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (٤) وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْج
كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوُّ أَبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَبُنَّأَرْ كَب ◌َّعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَفِرِينَ
٤٢٠
المعنى ﴿وقال﴾ نوح - حين أمر بالحمل في السفينة - لمن آمن معه: ﴿اركبوا فيها﴾؛ فأنت
الضمير، إذ هي سفينة لأن الفلك المذكور مذكر.
وفي مصحف أبيّ ((على اسم الله)). وقوله: ﴿بسم الله﴾ يصح أن يكون في موضع الحال من الضمير
الذي في قوله: ﴿اركبوا﴾ كما تقول: خرج زيد بثيابه وبسلاحه، أي اركبوا متبركين بالله تعالى، ويكون
قوله: ﴿مجراها ومرساها﴾ ظرفين، أي وقت إجرائها وإرسائها. كما تقول العرب: الحمد لله سرارك وإهلالك
وخفوق النجم ومقدم الحاج، فهذه ظرفية زمان، والعامل في هذا الظرف ما في ﴿بسم الله﴾ من معنى
الفعل، ويصح أن يكون قوله: ﴿بسم الله﴾ في موضع خبر و ﴿مجراها ومرساها﴾ ابتداء مصدران كأنه
قال: اركبوا فيها فإن ببركة الله إجراءها وإرساءها، وتكون هذه الجملة - على هذا - في موضع حال من
الضمير في قوله ﴿فيها﴾، ولا يصح أن يكون حالاً من الضمير في قوله: ﴿اركبوا﴾ لأنه لا عائد في الجملة
يعود عليه: وعلى هذا التأويل قال الضحاك: إن نوحاً كان إذا أراد جري السفينة قال: ﴿بسم الله﴾، فتجري
وإذا أراد وقوفها قال: ﴿بسم الله﴾ فتقف.
: "
:

١٧٣
تفسير سورة هود / الآیتان: ٤٢،٤١
وقرأ ابن كثير ونافعٍ وأبو عمرو وعاصم - في رواية أبي بكر وابن عامر: ((مُجراها ومُرساها)) بضم
الميمين على معنى إجرائها وإرسائهما، وهي قراءة مجاهد وأبي رجاء والحسن والأعرج وشيبة وجمهور
الناس، ومن ذلك قول لبيد: [الكامل]
لو كان للنفس اللجوج خلود
وعمرت حرساً قبل مجرا داحس
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ((مجراها)) بفتح الميم وكسر الراء، وكلهم ضم الميم من
(مُرساها)) وقرأ الأعمش وابن مسعود ((مَجراها ومَرساها)) بفتح الميمين، وذلك من الجري والرسو؛ وهذه
ظرفية مكان، ومن ذلك قول عنترة: [الكامل]
فصبرت نفساً عند ذلك حرة
ترسو إذا نفس الجبان تطلع
واختار الطبري قراءة ((مجراها)) بفتح الميم الأولى وضم الثانية، ورجحها بقوله تعالى: ﴿وهي
تجري﴾، ولم يقرأ أحد، ((تجري)) وهي قراءة ابن مسعود أيضاً رواها عنه أبو وائل ومسروق. وقرأ ابن وثاب
وأبو رجاء العطاري والنخعي والجحدري والكلبي والضحاك بن مزاحم ومسلم بن جندب وأهل الشام:
((مجريها ومرسيها)) وهما على هذه القراءة صفتان لله تعالى عائدتان على ذكره في قوله ﴿بسم الله﴾.
وقوله ﴿إن ربي لغفور رحيم﴾ تنبيه لهم على قدر نعم الله عليهم ورحمته لهم وستره عليهم وغفرانه
ذنوبهم بتوبتهم وإنابتهم.
وقوله تعالى: ﴿وهي تجري بهم) الآية، روي أن السماء أمطرت بأجمعها حتى لم يكن في الهواء
جانب لا مطر فيه، وتفجّرت الأرض كلها بالنبع، فهكذا كان التقاء الماء، وروي أن الماء علا على الجبال
وأعلى الأرض أربعين ذراعاً وقيل خمسة عشرة ذراعاً؛ وأشار الزجاج وغيره إلى أن الماء انطبق: ماء الأرض
وماء السماء فصار الكل كالبحر.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وأين كان الموج كالجبال على هذا؟ وكيف استقامت حياة من
في السفينة على هذا؟.
وقرأت فرقة: ((ابنه)) على إضافة الابن إلى نوح، وهذا قول من يقول: هو ابنه لصلبه، وقد قال قوم:
إنه ابن قريب له ودعاه بالنبوة حناناً منه وتلطفاً، وقرأ ابن عباس ((ابنة» بسكون الهاء، وهذا على لغة لأزد
السراة ومنه قول الشاعر: [الطويل]
ومطواي مشتاقان له أرقانٍ
وقرأ السدي ((ابناه)) قال أبو الفتح: ذلك على النداء وذهبت فرقة إلى أن ذلك على جهة الندبة محكية،
وقرأ عروة بن الزبير أيضاً وأبو جعفر وجعفر بن محمد ((ابنه)) على تقدير ابنها، فحذف الألف تخفيفاً وهي
لغة ومنها قول الشاعر : [البسيط]
أما تقود به شاة فتأكلها أو أن تبيعه في نقض الأزاكيب

١٧٤
تفسير سورة هود / الآيتان : ٤٤،٤٣
وأنشد ابن الأعرابي على هذا:
بلهف ولا بليت ولا لواني
فلست بمدرك ما فات مني
یرید: بلهفا.
قال القاضي أبو محمد: وخطأ النحاس أبا حاتم في حذف هذه الألف وليس كما قال.
وقرأ وكيع بن الجراح: ((ونادى نوح ابنه)) بضم التنوين، قال أبو حاتم: وهي لغة سوء لا تعرف.
وقوله: ﴿في معزل﴾ أي في ناحية، فيمكن أن يريد في معزل في الدين، ويمكن أن يريد في معزل
في بعده عن السفينة، واللفظ يعمهما: وقال مكي في المشكل: ومن قال: ((معزِل)) - بكسر الزاي - أراد
الموضع، ومن قال: ((معزَل)) - بفتحها - أراد المصدر: فلم يصرح بأنها قراءة ولكن يقتضي ذلك لفظه.
وقرأ السبعة ((يابنيِّ)) بكسر الياء المشددة، وهي ثلاث ياءات: أولاها ياء التصغير، وحقها السكون؛
والثانية لام الفعل، وحقها أن تكسر بحسب ياء الإضافة إذ ما قبل ياء الإضافة مكسور: والثالثة: ياء الإضافة
فحذفت ياء الإضافة إما لسكونها وسكون الراء، وإما إذ هي بمثابة التنوين في الإعلام وهو يحذف في النداء
فكذلك ياء الإضافة والحذف فيها كثير في كلام العرب، تقول: يا غلام، ويا عبيد، وتبقى الكسرة دالة، ثم
أدغمت الياء الساكنة في الياء المكسورة، وقد روى أبو بكر وحفص عن عاصم أيضاً ((يابنيّ)) بفتح الياء
المشددة، وذكر أبو حاتم: أن المفضل رواها عن عاصم، ولذلك وجهان: أحدهما: أن يبدل من ياء
الإضافة ألفاً وهي لغة مشهورة تقول: يا غلاما، ويا عينا، فانفتحت الياء قبل الألف ثم حذفت الألف استخفافاً
ولسكونها وسكون الراء من قوله ﴿اركب﴾.
والوجه الثاني: أن الياءات لما اجتمعت استثقل اجتماع المماثلة فخفف ذلك الاستثقال بالفتح إذ
هو أخف الحركات، هذا مذهب سيبويه، وعلى هذا حمل قوله صلى الله عليه وسلم: ((وحواري الزبير)).
وروي عن ابن كثير أنه قرأ في سورة لقمان: ﴿يا بني لا تشرك بالله﴾ [لقمان: ١٣] بحذف ياء الإضافة
« ويسكن الياء خفيفة، وقرأ الثانية: ﴿يا بني إنها﴾ [لقمان: ١٦] كقراءة الجماعة وقرأ الثالثة: ﴿يا بني
أقم ... ﴾ [لقمان: ١٧] ساكنة كالأولى.
وقوله: ﴿ولا تكن مع الكافرين﴾ يحتمل أن يكون نهياً محضاً مع علمه أنه كافر، ويحتمل أن يكون
خفي عليه كفره فناداه ألا يبقى - وهو مؤمن - مع الكفرة فيهلك بهلاكهم، والأول أبين.
قوله عز وجل :
قَالَ سَشَاوِىّإِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِ مِنَ الْمَآءِ قَالَ لَا عَاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلََّ مَن رَّحِمٌّ وَحَالَ
بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (*) وَقِيلَ يَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكِ وَبَسَمَاءُ أَقْلِعِ وَغِيضَ
اٌلْمَاءُ وَقُضِىَ اُلْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
٤٤
ظن ابن نوح أن ذلك المطر والماء على العادة، وقوله: ﴿لا عاصم) قيل فيه: إنه على لفظة فاعل؛

١٧٥
تفسير سورة هود / الآيتان : ٤٤،٤٣
وقوله: ﴿إِلا مَنْ رحم﴾ يريد إلا الله الراحم، ف﴿مَنْ﴾ كناية عن اسم الله تعالى، المعنى: لا عاصم اليوم
إلا الذي رحمنا ف﴿مَنْ﴾ في موضع رفع، وقيل: قوله: ﴿إلا مَنْ رحم﴾ استثناء منقطع كأنه قال: لا عاصم
اليوم موجود، لكن من رحم الله موجود، وحسن هذا من جهة المعنى، أن نفي العاصم يقتضي نفي
المعصوم. فهو حاصل بالمعنى. وأما من جهة اللفظ، فـ ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب على حد قول النابغة:
إلا الأواري. ولا يجوز أن تكون في موضع رفع على حد قول الشاعر: [الرجز].
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
إذ هذان أنيس ذلك الموضع القفر، والمعصوم هنا ليس بعاصم بوجه، وقيل ﴿عاصم﴾ معناه ذو
اعتصام، ف﴿عاصم﴾ على هذا في معنى معصوم، ويجيء الاستثناء مستقيماً، و﴿مَنْ﴾ في موضع رفع،
و﴿اليوم﴾ ظرف، وهو متعلق بقوله: ﴿من أمر الله﴾، أو بالخير الذي تقديره: كائن اليوم، ولا يصح تعلقه
ب﴿عاصم﴾ لأنه كان يجيء منوناً: لا عاصماً اليوم يرجع إلى أصل النصب لئلا يرجع ثلاثة أشياء واحداً،
وإنما القانون أن يكون الشيئان واحداً: ﴿لا﴾ وما عملت فيه، ومثال النحويين في هذه المسألة: لا أمراً يوم
الجمعة لك، فإن أعلمت في يوم لك قلت: لا أمر.
و﴿بينهما﴾ يريد بين نوح وابنه، فكان الابن ممن غرق، وقوله تعالى: ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك﴾
الآية، بناء الفعل للمفعول أبلغ في التعظيم والجبروت، وكذلك بناء الأفعال بعد ذلك في سائر الآية؛
وروي أن أعرابياً سمع هذه الآية فقال: هذا كلام القادرين، و((البلع)) هو تجرع الشيء وازدراده، فشبه
قبض الأرض للماء وتسربه فيها بذلك، وأمرت بالتشبيه وأضاف الماء إليها إذ هو عليها وحاصل فيها،
و((السماء)) في هذه الآية، إما السماء المظلة، وإما السحب، و((الإقلاع)) عن الشيء تركه، والمعنى: أقلعي
عن الإمطار، و﴿غيض﴾ معناه نقص، وأكثر ما يجيء فيما هو بمعنى جفوف كقوله: ﴿وغيض الماء﴾،
وكقوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ [الرعد: ٨] وأكثر المفسرين على أن ذلك في الحيض، وكذلك
قول الأسود بن يعفر:
ما غيض من بصري ومن أجلادي
وذلك أن الإنسان الهرم إنما تنقصه بجفوف وقضافة وقوله ﴿وقضي الأمر﴾ إشارة إلى جميع القصة:
بعث الماء وإهلاك الأمم وإنجاء أهل السفينة. وروي أن نوحاً عليه السلام ركب في السفينة من عين وردة
بالشام أول يوم من رجب، وقيل: في العاشر منه، وقيل: في الخامس عشر، وقيل: في السابع عشر،
واستوت السفينة في ذي الحجة، وأقامت على ﴿الجودي) شهراً، وقيل له: اهبط في يوم عاشوراء فصامه
وصامه من معه من ناس ووحوش: وذكر الطبري عن ابن إسحاق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو السنة،
وذكر أيضاً حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن نوحاً ركب في السفينة أول يوم من رجب، وصام
الشهر أجمع، وجرت بهم السفينة إلى يوم عاشوراء، ففيه أرست على الجودي، فصامه نوح ومن معه)).
وروي أن نوحاً لما طال مقامه على الماء بعث الغراب ليأتيه بخبر كمال الغرق فوجد جيفة طافية فبقي عليها
فلم يرجع بخبر، فدعا عليه نوح فسود لونه وخوف من الناس، فهو لذلك مستوحش، ثم بعث نوح الحمام
فجاءته بورق زيتونة في فمها ولم تجد تراباً تضع رجليها عليه، فبقي أربعين يوماً ثم بعثها فوجدت الماء قد

١٧٦
تفسير سورة هود / الآيتان : ٤٥، ٤٦
انحسر عن موضع الكعبة، وهي أول بقعة انحسر الماء عنها، فمست الطين برجليها وجاءته، فعلم أن الماء
قد أخذ في النضوب، ودعا لها فطوقت وأنست. فهي لذلك تألف الناس؛ ثم أوحى الله إلى الجبال أن
السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت كلها وبقي الجودي - وهو جبل بالموصل في ناحية الجزيرة - لم
يتطاول تواضعاً لله، فاستوت السفينة بأمر الله عليه، وبقيت عليه أعوادها، وفي الحديث أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة)). وقال الزجاج: ﴿الجودي) هو بناحية آمد.
وقال قوم : هو عند باقردى. وروي أن السفينة لما استقلت من عين وردة جرت حتى جاءت الكعبة فوجدتها
قد نشزت من الأرض فلم ينلها غرق فطافت بها أسبوعاً ثم مضت إلى اليمن ورجعت إلى الجودي.
قال القاضي أبو محمد: والقصص في هذه المعاني كثير صعب أن يستوفى، فأشرت منه إلى نبذ؛
ويدخله الاختلاف كما ترى في أمر الكعبة والله أعلم كيف كان. و﴿استوت﴾ معناه: تمكنت واستقرت.
وقرأ جمهور الناس: ((على الجوديِّ)) بكسر الياء وشدها، وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة ((على
الجودي)) بسكون الياء، وهما لغتان. وقوله ﴿وقيل: بعداً﴾ يحتمل أن يكون من قول الله تعالى عطفاً على
﴿وقيل﴾ الأول ويحتمل أن يكون من قول نوح والمؤمنين، والأول أظهر وأبلغ.
قوله عز وجل :
قَالَ
وَنَادَىُ نُورٌ رَّبٌَّ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ اُلْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكُمُ الْحَكِينَ
يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُّ غَيْرُ صَلِحْ فَلَا تَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ
الْجَهِلِينَ
٤٦
هذه جملة معطوفة على التي قبلها دون ترتيب، وذلك أن هذه القصة كانت في أول ما ركب نوح في
السفينة، ويظهر من كلام الطبري أن ذلك كان بعد غرق الابن، وهو محتمل، والأول أليق.
وهذه الآية احتجاج من نوح عليه السلام، وذلك أن الله أمره بحمل أهله وابنه من أهله فينبغي أن
يحمل، فأظهر الله له أن المراد من آمن من الأهل، ثم حسن المخاطبة بقوله: ﴿وإن وعدك الحق﴾،
وبقوله: ﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾، فإن هذه الأقوال معينة في حجته، وهذه الآية تقتضي أن نوحاً عليه
السلام ظن أن ابنه مؤمن، وذلك أشد الاحتمالين.
وقوله تعالى: ﴿قال يا نوح) الآية، المعنى قال الله تعالى: يا نوح، وقالت فرقة: المراد أنه ليس بولد
لك، وزعمت أنه كان لغية وأن امرأته الكافرة خانته فيه، هذا قول الحسن وابن سيرين وعبيد بن عمير: وقال
بزي إنما قضی رسول الله صلی الله علیه وسلم بالولد للفراش من أجل ابن نوح، وحلف الحسن أنه ليس
بابنه، وحلف عكرمة والضحاك أنه ابنه .
قال القاضي أبو محمد: عول الحسن على قوله تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك﴾، وعول الضحاك
وعكرمة على قوله تعالى: ﴿ونادى نوح ابنه﴾ [هود: ٤٢].

١٧٧
تفسير سورة هود / الآيتان : ٤٦،٤٥
وقرأ الحسن ومن تأول تأويله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ على هذا المعنى، وهي قراءة السبعة سوى
الكسائي: وقراءة جمهور الناس، وقال من خالف الحسن بن أبي الحسن: المعنى: ليس من أهلك الذين
عمهم الوعد لأنه ليس على دينك وإن كان ابنك بالولاء. فمن قرأ من هذه الفرقة ﴿إنه عمل غير صالح﴾
جعله وصفاً له بالمصدر على جهة المبالغة، فوصفه بذلك كما قالت الخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها:
[البسيط]
ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وإدبار
أي ذات إقبال وإدبار. وقرأ بعض هذه الفرقة ((إنه عمل غير صالح)) وهي قراءة الكسائي، وروت
هذه القراءة أم سلمة وعائشة عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ذكره أبو حاتم، وضعف الطبري هذه
القراءة وطعن في الحديث بأنه من طريق شهر بن حوشب، وهي قراءة علي وابن عباس وعائشة وأنس بن
مالك، ورجحها أبو حاتم وقرأ بعضها: ((إنه عمل عملاً غير صالح)). وقالت فرقة: الضمير في قوله: ((إنه
عمل غير صالح)) على قراءة جمهور السبعة على سؤال الذي يتضمنه الكلام وقد فسره آخر الآية؛ ويقوي
هذا التأويل أن في مصحف ابن مسعود ((إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم)). وقالت فرقة:
الضمير عائد على ركوب ولد نوح معهم الذي يتضمنه سؤال نوح، المعنى: أن ركوب الكافر مع المؤمنين
عمل غير صالح، وقال أبو علي: ويحتمل أن يكون التقدير أن كونك مع الكافرين وتركك الركوب معنا عمل
غیر صالح.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل لا يتجه من جهة المعنى، وكل هذه الفرق قال: إن القول بأن
الولد كان لغية وولد فراش خطأ محض وقالوا: إنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه ما زنت امرأة
نبي قط)».
قال القاضي أبو محمد: وهذا الحديث ليس بالمعروف، وإنما هو من كلام ابن عباس رضي الله عنه
ويعضده شرف النبوة. وقالوا في قوله عز وجل: ﴿فخانتاهما﴾ إن الواحدة كانت تقول للناس: هو مجنون؛
والأخرى كانت تنبه على الأضياف، وأما غير هذا فلا، وهذه منازع ابن عباس وحججه؛ وهو قوله وقول
الجمهور من الناس.
وقرأ ابن أبي مليكة: ((فلا تسلْني)) بتخفيف النون وإثبات الياء وسكون اللام دون همز. وقرأت فرقة
بتخفيف النون وإسقاط الياء وبالهمز ((فلا تسألن))، وقرأ أبو جعفر وشيبة بكسر النون وشدها والهمز وإثبات
الياء ((فلا تسألُنِّي))، وقرأ نافع ذلك دون ياء ((فلا تسألن)) وقرأ ابن كثير وابن عامر ((فلا تسألنَّ) بفتح النون
المشددة، وهي قراءة ابن عباس، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ((فلا تسلّن)) خفيفة النون ساكنة
اللام، وكان أبو عمرو يثبت الياء في الوصل، وحذفها عاصم وحمزة في الوصل والوقف. ومعنى قوله:
﴿فلا تسألني ما ليس لك به علم﴾ أي إذ وعدتك فاعلم يقيناً أنه لا خلف في الوعد فإذا رأيت ولدك لم
يحمل فكان الواجب عليك أن تقف وتعلم أن ذلك هو بحق واجب واجب عند الله .
قال القاضي أبو محمد: ولكن نوحاً عليه السلام حملته شفقة النبوة وسجية البشر على التعرض

١٧٨
أ تفسير سورة هود / الآيات: ٤٧ - ٤٩
لنفحات الرحمة والتذكير، وعلى هذا القدر وقع عتابه، ولذلك جاء بتلطف وترفيع في قوله: ﴿إني أعظك
أن تكون من الجاهلين﴾، وقد قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فلا تكونن﴾ [البقرة: ١٤٧،
الأنعام: ٣٤ - ١١٤، يونس: ٩٤]، وذلك هنا بحسب الأمر الذي عوتب فيه وعظمته، فإنه لضيق صدره
بتكاليف النبوة، وإلا فمتقرر أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل البشر وأولاهم بلين المخاطبة؛ ولكن
هذا بحسب الأمرين لا بحسب النبيين. وقال قوم: إنما وقر نوح لسنه. وقال قوم: إنما حمل اللفظ على
محمد صلی الله عليه وسلم كما يحمل الإنسان على المختص به الحبيب إليه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، ويحتمل قوله: ﴿فلا تسألني ما ليس لك به علم﴾، أي
لا تطلب مني أمراً لا تعلم المصلحة فيه علم يقين، ونحا إلى هذا أبو علي الفارسي، وقال: إن ﴿به﴾
يجوز أن يتعلق بلفظة (علم﴾ كما قال الشاعر: [الرجز]
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
ويجوز أن يكون ﴿به﴾ بمنزلة فيه، فتتعلق الباء بالمستقر.
قال القاضي أبو محمد: واختلاف هذين الوجهين إنما هو لفظي، والمعنى في الآية واحد، وروي أن
هذا الابن إنما كان ربيبه وهذا ضعيف؛ وحكى الطبري عن ابن زيد أن معنى قوله: ﴿إني أعظك أن تكون
من الجاهلين﴾ في أن تعتقد أني لا أفي لك بوعد وعدتك به.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل بشع، وليس في الألفاظ ما يقتضي أن نوحاً اعتقد هذا وعياذاً
بالله، وغاية ما وقع لنوح عليه السلام أن رأى ترك ابنه معارضاً للوعد فذكر به، ودعا بحسب الشفقة ليكشف
له الوجه الذي استوجب به ابنه الترك في الغرقى .
قوله عز وجل :
قَالَ رَبِّ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَالَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ
قِيلَ يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىَّ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَّ وَأُمَمٌ
الْخَسِرِينَ (®
سَنُمَتِّعُهُمْ ثُخَيَمَسُهُم ◌ِنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿َتِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكَ مَاكُنْتَ تَعْلَمُهَا
أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَأَصْبِرٍ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
٤٩
هذه الآية فيها إنابة نوح وتسليمه لأمر الله تعالى واستغفاره بالسؤال الذي وقع النهي عليه والاستعاذة
والاستغفار منه هو سؤال العزم الذي معه محاجة وطلبة ملحة فيما قد حجب وجه الحكمة فيه؛ وأما السؤال
في الأمور على جهة التعلم والاسترشاد فغير داخل في هذا.
وظاهر قوله: ﴿فلا تسألنٍ ما ليس لك به علم﴾ [هود: ٤٦] يعم النحويين من السؤال، فلذلك نبهت
على أن المراد أحدهما دون الآخر، و((الخاسرون)) هم المغبونون حظوظهم من الخير، وقوله تعالى: ﴿قيل

١٧٩
تفسير سورة هود / الآيات: ٥٠ - ٥٢
يا نوح اهبط بسلام﴾ كان هذا عند نزوله من السفينة مع أصحابه للانتشار في الأرض، و((السلام)) هنا
السلامة والأمن ونحوه، و((البركات)) الخير والنمو في كل الجهات، وهذه العدة تعم جميع المؤمنين إلى يوم
القيامة، قاله محمد بن كعب القرظي؛ وقوله ﴿ممن معك﴾ أي من ذرية من معك ومن نسلهم، فـ ﴿مَنْ﴾
- على هذا - هي لابتداء الغاية، أي من هؤلاء تكون هذه الأمم، و﴿من﴾ موصولة، وصلتها ﴿معك﴾ وما
بتقدر معها نحو قولك: ممن استقر معك ونحوه ثم قطع قوله: ﴿وأمم﴾ على وجه الابتداء إذ كان أمرهم
مقطوعاً من الأمر الأول، وهؤلاء هم الكفار إلى يوم القيامة .
وقوله تعالى: ﴿تلك من أنباء الغيب﴾ الآية إشارة إلى القصة، أي هذه من الغيوب التي تقادم عهدها
ولم يبق علمها إلا عند الله تعالى، ولم يكن علمها أو علم أشباهها عندك ولا عند قومك، ونحن نوحيها
إليك لتكون لك هداية وأسوة فيما لقيه غيرك من الأنبياء، وتكون لقومك مثالاً وتحذيراً، لئلا يصيبهم إذا
كذبوك مثل ما أصاب هؤلاء وغيرهم من الأمور المعذبة .
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا المعنى ظهرت فصاحة قوله: ﴿فاصبر إن العاقبة للمتقين)، أي
فاجتهد في التبليغ وجد في الرسالة واصبر على الشدائد واعلم أن العاقبة لك كما كانت لنوح في هذه
القصة. وفي مصحف ابن مسعود: ((من قبل هذا القرآن)).
قوله عز وجل :
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلََّ مُفْتَرُونَ
أَيَقَّوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْعَلَيْهِ أَجْرًاْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِىِ فَطَرَبِّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٨) وَيَقَوْمِ
٥٠
اسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْإِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ
٥٢
وَلَا تَتَوَلَوْأْ مُجْرِمِينَ
﴿وإلى عاد﴾ عطف على قوله ﴿إلى قومه﴾ [هود: ٢٥] في قصة نوح، و﴿عاد﴾ قبيلة وكانت عرباً
- فيما ذكر - و((هود)) عليه السلام منهم، وجعله ﴿أخاهم﴾ بحسب النسب والقرابة؛ فإن فرضناه ليس منهم
فالأخوة بحسب المنشأ واللسان والجيرة. وأما قول من قال هي أخوة بحسب النسب الآدمي فضعيف.
وقرأ جمهور الناس: ((يا قومِ)) بكسر الميم، وقرأ ابن محيصن: ((يا قومُ)) برفع الميم، وهي لغة
حكاها سيبويه، وقرأ جمهور الناس: ((غيرهُ)) بالرفع على النعت أو البدل من موضع قوله: ﴿من إله﴾. وقرأ
الكسائي وحده بكسر الراء، حملاً على لفظ: ﴿إله﴾ وذلك أيضاً على النعت أو البدل ويجوز ((غيره)) نصباً
على الاستثناء.
و﴿مفترون﴾ معناه كاذبون أفحش كذب في جعلكم الألوهية لغير الله تعالى، والضمير في قوله:
﴿عليه﴾ عائد على الدعاء إلى الله تعالى، والمعنى: ما أجري وجزائي إلا من عند الله، ثم وصفه بقوله
﴿الذي فطرني﴾ فجعلها صفة رادة عليهم في عبادتهم الأصنام واعتقادهم أنها تفعل، فجعل الوصف

١٨٠
تفسير سورة هود / الآيات: ٥٠ - ٥٢
بذلك في درج كلامه، منبهاً على أفعال الله تعالى، وأنه هو الذي يستحق العبادة، و((فطر)) معناه اخترع
وأنشأ، وقوله: ﴿أفلا تعقلون﴾ توقيف على مجال القول بأن غير الفاطر إلاه، ويحتمل أن يريد: ﴿أفلا
تعقلون﴾ إذ لم أطلب عرضاً من أعراض الدنيا إني إنما أريد النفع لكم والدار الآخرة؛ والأول أظهر،
و((الاستغفار)) طلب المغفرة، وقد يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإنابة القلب وطلب الاسترشاد والحرص
على وجود المحجة الواضحة، وهذه أحوال يمكن أن تقع من الكفار، فكأنه قال لهم: اطلبوا غفران الله بالإنابة،
وطلب الدليل في نبوتي، ثم توبوا بالإيمان من كفركم، فيجيء الترتيب على هذا مستقيماً وإلا احتيج في
ترتيب التوبة بعد الاستغفار إلى تحيل كثير فإما أن يكون: ﴿توبوا﴾ أمراً بالدوام، و((الاستغفار)» طلب
المغفرة بالإيمان، وإلى هذا ذهب الطبري، وقال أبو المعالي في الإرشاد: ((التوبة)) في اصطلاح المتكلمين
هي الندم، بعد أن قال: إنها في اللغة الرجوع، ثم ركب على هذا أن قال إن الكافر إذا آمن ليس إيمانه
توبة وإنما توبته ندمه بعد.
قال القاضي أبو محمد: والذي أقول: إن التوبة عقد في ترك متوب منه يتقدمها علم بفساد المتوب
منه وصلاح ما يرجع إليه، ويقترن بها ندم على فارط المتوب منه لا ينفك منه وهو من شروطها؛ فأقول إن
إيمان الكافر هو توبته من كفره، لأنه هو نفس رجوعه، و((تاب)) في كلام العرب معناه رجع إلى الطاعة
والمثلى من الأمور، وتصرف اللفظة في القرآن بـ((إلى)) يقتضي أنها الرجوع لا الندم، وإنما لا حق لازم
للتوبة كما قلنا، وحقيقة التوبة ترك مثل ما تيب منه عن عزمة معتقدة على ما فسرناه، والله المستعان.
و﴿مدراراً﴾ هو بناء تكثير وكان حقه أن تلحقه هاء، ولكن حذفت على نية النسب وعلى أن ﴿السماء﴾
المطر نفسه، وهو من در يدر؛ ومِفعال قد يكون من اسم الفاعل الذي هو من ثلاثي، ومن اسم الفاعل
الذي هو من رباعي: وقول من قال: إنه ألزم للرباعي غير لازم.
ویروی أن عاداً کان الله تعالى قد حبس عنها المطر ثلاث سنين، وكانوا أهل حرث وبساتين وثمار،
وكانت بلادهم شرق جزيرة العرب، فلهذا وعدهم بالمطر، ومن ذلك فرحهم حين رأوا العارض، وقولهم :
﴿هذا عارض ممطرنا﴾ [الأحقاف: ٢٤] وحضهم على استنزال المطر بالإيمان والإنابة، وتلك عادة الله
في عباده، ومنه قول نوح عليه السلام ((استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً»، ومنه
فعل عمر رضي الله حين جعل جميع قوله في الاستسقاء ودعائه استغفاراً فسقي، فسئل عن ذلك، فقال:
لقد استنزلت المطر بمجاديح السماء.
وقوله: ﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾، ظاهره العموم في جميع ما يحسن الله تعالى فيه إلى العباد،
وقالت فرقة: كان الله تعالى قد حبس نسلهم، فمعنى قوله: ﴿ویزدكم قوة إلى قوتكم﴾ أي الولد، ويحتمل
أن خص القوة بالذكر إذ كانوا أقوى العوالم فوعدوا بالزيادة فيما بهروا فيه، ثم نهاهم عن التولي عن الحق
والإعراض عن أمر الله. و﴿مجرمين﴾ حال من الضمير في ﴿تتولوا﴾.
قوله عز وجل :
قَالُواْ يَهُودُ مَاجِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيِّء ◌َ الِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
٥٣
:
.