Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٧٥ - ٧٨
في قوم من قريش أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يناسب الآية، وقالت فرقة إن الجلاس هو الذي هم بقتل رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهذا يشبه الآية إلا أنه غير قوي السند، وحكى الزجّاج أن اثني عشر من المنافقين
هموا بذلك فأطلع الله عليهم ، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في إغنائهم من حيث كثرت أموالهم
من الغنائم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سبب في ذلك وعلى هذا الحد قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم للأنصار ((كنتم عالة فأغناكم الله بي))، ثم فتح عز وجل لهم باب التوبة رفقاً بهم ولطفاً في قوله ﴿فإن
یتوبوا یك خیراً لهم﴾ .
وروي أن الجلاس تاب من النفاق فقال إن الله قد ترك لي باب التوبة فاعترف وأخلص، وحسنت
توبته، و((العذاب الأليم)) اللاحق بهم في الدنيا هو المقت والخوف والهجنة عند المؤمنين.
قوله عز وجل :
ـوْ فَلَمَّآ
وَمِنْهُمْ مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ
ءَاتَنْهُمْ مِن فَضْلِهِ، بَخْلُواْبِهِ، وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُعْرِضُونَ
يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (٦) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
٧٨
هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وقال الحسن: وفي معتب بن قشير معه، واختصار ما
ذكره الطبري وغيره من أمره أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعل
لي مالاً فإني لو كنت ذا مال لقضيت حقوقه وفعلت فيه الخير، فراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فعاود فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ألا تريد أن تكون مثل
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو دعوت الله أن يسير الجبال معي ذهباً لسارت، فأعاد عليه حتى دعا له
رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة، فتنحى
عنها وکثرت غنمه، فكان لا يصلي إلا الجمعة ثم کثرت حتی تنحی بعيداً ونجم نفاقه، ونزل خلال ذلك
فرض الزكاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مصدقين بكتابه في أخذ زكاة الغنم، فلما بلغوا
ثعلبة وقرأ الكتاب قال: هذه أخت الجزية، ثم قال لهم: دعوني حتى أرى رأيي، فلما أتوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأخبروه، قال ((ويح ثعلبة)) ثلاثاً، ونزلت الآية فيه، فحضر القصة قريب الثعلبة فخرج إليه فقال
أدرك أمرك، فقد نزل كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغب أن يؤدي
زكاته فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك، فبقي كذلك حتى
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ورد ثعلبة على أبي بكر ثم على عمر ثم على عثمان يرغب إلى
كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة، فكلهم رد ذلك وأباه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبقي
أ

٦٢
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٧٥ - ٧٨
ثعلبة كذلك حتى هلك في مدة عثمان. وفي قوله تعالى: ﴿فأعقبهم﴾ نص المعاقبة على الذنب بما هو
أشد منه، وقوله: ﴿إِلى يوم يلقونه) يقتضي موافاتهم على النفاق، ولذلك لم يقبل الخلفاء رضي الله عنهم
رجوع ثعلبة لشهادة القرآن عليه بالموافاة، ولولا الاحتمال في أنه نفاق معصية لوجب قتله، وقرأ الأعمش
(لنصدقن)) بالنون الثقيلة مثل الجماعة ((ولنكونَن)) خفيفة النون، والضمير الذي في قوله ﴿فأعقبهم﴾ يعود
على الله عز وجل.
ويحتمل أن يعود على ((البخل)) المضمن في الآية، ويضعف ذلك الضمير في ﴿يلقونه﴾، وقوله
﴿نفاقاً في قلوبهم﴾، يحتمل أن يكون نفاق كفر ويكون تقرير ثعلبة بعد هذا النص والإبقاء عليه لمكان
إظهاره الإسلام وتعلقه بما فيه احتمال.
ويحتمل أن يكون قوله ﴿نفاقاً﴾ يريد به نفاق معصية وقلة استقامة، فيكون تقريره صحيحاً، ويكون
ترك في أول الزكاة عقاباً له ونكالاً.
وهذا نحو ما روي أن عاملاً كتب إلى عمر بن عبد العزيز أن فلاناً يمنع الزكاة، فكتب إليه أن دعه
واجعل عقوبته أن لا يؤدي الزكاة مع المسلمين، يريد لما يلحقه من المقت في ذلك، وقرأ الحسن والأعرج
وأبو عمرو وعاصم ونافع وسائرهم ﴿يكذبون﴾، قرأ أبو رجاء («يكذبون))، وذكر الطبري في هذه الآية ما
يناسبها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً، إذا وعد أخلف
وإذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان)) وفي حديث آخر ((وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر)» ونحو هذا من
الأحاديث، ويظهر من مذهب البخاري وغيره من أهل العلم أن هذه الخلال الذميمة منافق من اتصف بها
إلى يوم القيامة .
وروي أن عمرو بن العاص لما احتضر قال زوجوا فلاناً فإني قد وعدته لا ألقى الله بثلث النفاق،
وهذا ظاهر كلام الحسن بن أبي الحسن، وقال عطاء بن بن أبي رباح قد فعلن هذه الخلال إخوة يوسف ولم
يكونوا منافقين بل كانوا أنبياء، وهذه الأحاديث إنما هي في المنافقين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم،
الذين شهد الله عليهم، وهذه هي الخصال في سائر الأمة معاص لا نفاق.
قال القاضي أبو محمد: ولا محالة أنها كانت مع التوحيد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم،
معاص لكنها من قبيل النفاق اللغوي، وذكر الطبري عن فرقة أنها قالت: كان العهد الذي عاهد الله عليه
هؤلاء المنافقون شيئاً نوره في أنفسهم ولم یتکلموا به.
قال القاضي أبو محمد: وهذا فيه نظر، وقوله: ﴿ألم يعلموا﴾ الآية، لفظ به تعلق من قال في الآية
المتقدمة إن العهد كان من المنافقين بالنية لا بالقول، وقرأ الجمهور ((يعلموا)) بالياء من تحت، وقرأ أبو
عبد الرحمن والحسن ((ألم تعلموا)) بالتاء، من فوق، وهذه الآية تناسب حالهم وذلك أنها تضمنت إحاطة
علم الله بهم وحصره لهم، وفيها توبيخهم على ما كانوا عليه من التحدث في نفوسهم من الاجتماع على
ثلب الإسلام، وراحة بعضهم مع بعض في جهة النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه، فهي تعم المنافقين
أجمع، وقائل المقالة المذكورة ذهب إلى أنها تختص بالفرقة التي عاهدت.
٠٠٠

٦٣
تفسير سورة التوبة / الآيتان: ٧٩، ٨٠
قوله عز وجل :
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْلَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ إِن
إِلَّا جُهْدَهُمْ فَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَاللَّهُ مِنْهُمْ وَلَمُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ﴾
تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ سَبْعِينَ مَّةٌ فَكَنْ يَغْفِرَاللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى
٨٠
اَلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
قوله ﴿الذين يلمزون﴾ رد على الضمائر في قول ﴿يكذبون﴾ [التوبة: ٧٧] و﴿ألم يعلموا﴾
[التوبة: ٧٨] و﴿سرهم ونجواهم﴾ [التوبة: ٧٨] و﴿يلمزون﴾ معناه ينالون بألسنتهم، وقرأ السبعة
(يلمِزون)) بكسر الميم، وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب وابن كثير فيما روي عنه ((يلمُزون)) بضم الميم،
و﴿المطوعين﴾ لفظة عموم في كل متصدق، والمراد به الخصوص فيمن تصدق بكثير دل على ذلك قوله،
عطفاً على ﴿المطوعين﴾، ﴿والذين لا يجدون﴾، ولو كان ﴿الذين لا يجدون) قد دخلوا في
﴿المطوعين﴾ لما ساغ عطف الشيء على نفسه، وهذا قول أبي علي الفارسي في قوله عز وجل: ﴿من كان
عدواً الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل﴾ [البقرة: ٩٨] فإنه قال المراد بالملائكة من عدا هذين.
وكذلك قال في قوله: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨] وفي هذا كله نظر، لأن التكرار
لقصد التشريف يسوغ هذا مع تجوز العرب في كلامها، وأصل ﴿المطوعين﴾ المتطوعين فأبدل التاء طاء
وأدغم، وأما المتصدق بكثير الذي كان سبباً للآية فأكثر الروايات أنه عبد الرحمن بن عوف، تصدق بأربعة
آلاف وأمسك مثلها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أنفقت.
وقيل هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه تصدق بنصف ماله، وقيل عاصم بن عدي تصدق بمائة
وسق، وأما المتصدق بقليل فهو أبو عقيل حبحاب الأراشي، تصدق بصاع من تمر وقال يا رسول الله جررت
البارحة بالجرير وأخذت صاعين تركت أحدهما لعيالي وأتيت بالآخر صدقة.
فقال المنافقون: الله غني عن صدقة هذا، وقال بعضهم: إن الله غني عن صاع أبي عقيل، وقيل: إن
الذي لمز في القليل أبو خيثمة، قاله كعب بن مالك صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وتصدق
عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، وقيل بأربعمائة أوقية من فضة، وقيل أقل من هذا.
فقال المنافقون: ما هذا إلا رياء، فنزلت الآية في هذا كله، وقوله: ﴿فيسخرون﴾ معناه يستهزئون
ويستخفون، وهو معطوف على ﴿يلمزون﴾، واعترض ذلك بأن المعطوف على الصلة فهو من الصلة وقد
دخل بين هذا المعطوف والمعطوف عليه قوله ﴿والذين لا يجدون﴾، وهذا لا يلزم، لأن قوله ﴿والذين﴾
معمول للذي عمل في ﴿المطوعين﴾ فهو بمنزلة قوله جاءني الذي ضرب زيداً وعمراً فقتلهما، وقوله:
﴿سخر الله منهم﴾ تسمية العقوبة باسم الذنب وهي عبارة عما حل بهم من المقت والذل في نفوسهم،
وقوله: ﴿ولهم عذاب أليم) معناه مؤلم، وهي آية وعيد محض، وقرأ جمهور ((جُهدهم)) بضم الجيم، وقرأ

٦٤
تفسير سورة التوبة / الآيتان: ٧٩، ٨٠
الأعرج وجماعة معه ((جهدهم)) بالفتح، وقيل هما بمعنى واحد، وقاله أبو عبيدة، وقيل هما لمعنيين الضم
في المال والفتح في تعب الجسم، ونحوه عن الشعبي، وقوله: ﴿الذين يلمزون﴾ يصح أن يكون خبر ابتداء
تقديره هم الذين، ويصح أن يكون ابتداء وخبره ﴿سخر﴾، وفي ﴿سخر﴾ معنى الدعاء عليهم.
ويحتمل أن يكون خبراً مجرداً عن الدعاء، ويحتمل أن يكون ﴿الذين﴾ صفة جارية على ما قبل كما
ذكرت أول الترجمة، وقوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون
لفظ أمر ومعناه الشرط، بمعنى إن استغفرت أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، فيكون مثل قوله تعالى:
﴿قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم﴾ [التوبة: ٥٣] وبمنزلة قول الشاعر: [كثير]
لدينا ولا مقلية إن تقلت
أسيئي لنا أو أحسني لا ملومة
وإلى هذا المعنى ذهب الطبري وغيره في معنى الآية، والمعنى الثاني الذي يحتمله اللفظ أن يكون
تخييراً، كأنه قال له: إن شئت فاستغفر وإن شئت لا تستغفر ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر ﴿سبعين
مرة﴾، وهذا هو الصحيح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبيينه ذلك.
وذلك أن عمر بن الخطاب سمعه بعد نزول هذه الآية يستغفر لهم فقال يا رسول الله، أتستغفر
للمنافقين وقد أعلمك الله أنه لا يغفر لهم، فقال له ((يا عمر إن الله قد خيرني فاخترت، ولو علمت أني إذا
زدت على السبعين يغفر لهم لزدت))، ونحو هذا من مقاولة عمر في وقت إرادة النبي صلى الله عليه وسلم
الصلاة على عبد الله بن أبي ابن سلول، وظاهر صلاته عليه أن كفره لم يكن يقيناً عنده، ومحال أن يصلي على
كافر، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ووكل سريرته إلى الله عز وجل، وعلى هذا كان ستر المنافقين من
أجل عدم التعيين بالكفر.
وفي هذه الألفاظ التي لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفض إلزام دليل الخطاب، وذلك أن دليل
الخطاب يقتضي أن الزيادة على السبعين يغفر معها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو علمت فجعل
ذلك مما لا يعلمه، ومما ينبغي أن يتعلم ويطلب علمه من الله عز وجل، ففي هذا حجة عظيمة للقول
برفض دليل الخطاب، وإذا ترتب كما قلنا التخيير في هذه الآية صح أن ذلك التخيير هو الذي نسخ بقوله
تعالى: في سورة المنافقون ﴿سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي
القوم الفاسقين﴾ [المنافقون: ٦]، ولمالك رحمه الله مسائل تقتضي القول بدليل الخطاب، منها قوله: إن المدرك
للتشهد وحده لا تلزمه أحكام الإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد
أدرك الصلاة)) فاقتضى دليل الخطاب أن من لم يدرك ركعة فليس بمدرك، وله مسائل تقتضي رفض دليل
الخطاب، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم، ((وفي سائمة الغنم الزكاة)) فدليل الخطاب أن لا زكاة في
غير السائمة، ومالك يرى الزكاة في غير السائمة، ومنها أن الله عز وجل يقول في الصيد ﴿من قتله منكم
متعمداً﴾ [المائدة: ٩٥] فقال مالك: حكم المخطىء والمتعمد سواء ودليل الخطاب يقتضي غير هذا، وأما
تمثيله ((السبعين)) دون غيرها من الأعداد فلأنه عدد كثيراً ما يجيء غاية وتحقيقاً في الكثرة، ألا ترى إلى
القوم الذين اختارهم موسى وإلى أصحاب العقبة وقد قال بعض اللغويين إن التصريف الذي يكون من

٦٥
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٨١ - ٨٣
السين والباء والعين فهو شديد الأمر، من ذلك السبعة فإنها عدد مقنع هي في السماوات وفي الأرض وفي
خلق الإنسان وفي رزقه وفي أعضائه التي بها يطيع الله وبها يعصيه، وبها ترتيب أبواب جهنم فيما ذكر بعض
الناس، وهي عيناه وأذناه ولسانه وبطنه وفرجه ويداه ورجلاه، وفي سهام الميسر وفي الأقاليم وغير ذلك.
ومن ذلك السبع والعبوس والعنبس ونحو هذا من القول، وقوله ﴿ذلك﴾ إشارة إلى امتناع الغفران،
وقوله: ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ إما من حيث هم فاسقون، وإما أنه لفظ عموم يراد به الخصوص
فيمن يوافي على كفره.
قوله عز وجل :
فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَفْعَدِ هِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَ أَن يُجَِهِدُ واْ بِأَ مُوَِّهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلٍ
فَلْيَضْحَكُوْقَلِيلًاً وَلْيَبُّكُواْ
٨١
اللَّهِ وَقَالُوْ لَا تَنَفِرُواْ فِي الْخَرَّقُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّا لَّوْكَنُوْ يَفْقَهُونَ لِ
كَثِيرًا جَزَاءُ بِمَا كَانُوايَكْسِبُونَ ﴿ فَإِن رَجَعَكَ اللَّهُإِلَى طَابِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَخْذَ نُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل
لَنْ تَّخْرُجُواْمَعِىَ أَبَدًا وَلَن نُقَدِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَفْعُدُواْ
مَعَ الْخَلِفِينَ
مع
٨٣
هذه آية تتضمن وصف حالهم على جهة التوبيخ لهم وفي ضمنها وعيد، وقوله ﴿المخلفون﴾ لفظ
يقتضي تحقيرهم وأنهم الذين أبعدهم الله من رضاه وهذا أمكن في هذا من أن يقال المتخلفون، ولم يفرح
إلا منافق، فخرج من ذلك الثلاثة وأصحاب العذر، و((مقعد)) مصدر بمعنى القعود، ومثله:
من كان مسروراً بمقتل مالك
وقوله ﴿خلاف﴾ معناه بعد وأنشد أبو عبيدة في ذلك: [الكامل]
عقب الربيع خِلافهُمْ فكأنّما
بسط الشواطب بينهنَّ حصير
يريد بعدهم ومنه قول الشاعر: [الطويل]
فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى
تأهَّبْ لأخرى مثلَها فَكَأَنْ قِدِ
وقال الطبري هو مصدر خالف يخالف.
قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا هو مفعول له، والمعنى ﴿فرح المخلفون بمقعدهم﴾ لخلاف
رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مصدر ونصبه في القول الأول كأنه على الظرف، و((كراهيتهم)) لما ذكر
هي شح إذ لا يؤمنون بالثواب في سبيل الله فهم يظنون بالدنيا، وقولهم ﴿لا تنفروا في الحر﴾ كان لأن غزوة
تبوك كانت في وقت شدة الحر وطيب الثمار والظلال، قاله ابن عباس وكعب بن مالك والناس، فأقيمت
عليهم الحجة بأن قيل لهم فإذا كنتم تجزعون من حر القيظ فنار جهنم التي هي أشد أحرى أن تجزعوا منها
1

٦٦
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٨١ - ٨٣
لو فهمتم، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة (خلف)) وذكرها يعقوب ولم ينسبها، وقرىء ((خُلف)) بضم الخاء،
ويقوي قول الطبري أن لفظة ((الخلاف)) هي مصدر من خالف ما تظاهرت به الروايات من أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أمرهم بالنفر فعصوا وخالفوا وقعدوا مستأذنين.
وقال محمد بن كعب: قال ﴿لا تنفروا في الحر﴾ رجل من بني سلمة ...
وقال ابن عباس: قال رجل يا رسول الله الحر شديد فلا تنفر في الحر، قال النقاش: وفي قراءة عبد الله
(یعلمون)) بدل ﴿یفقهون﴾، وقال ابن عباس وأبو رزین والربيع بن خثيم وقتادة وابن زيد قوله ﴿فليضحكوا
قليلاً﴾ إشارة إلى مدة العمر في الدنيا، وقوله ﴿وليبكوا كثيراً﴾ إشارة إلى تأبيد الخلود في النار، فجاء بلفظ
الأمر ومعناه الخبر عن حالهم، ويحتمل أن يكون صفة حالهم أي هم لما هم عليه من الخطر مع الله، وسوء
الحال بحيث ينبغي أن يكون ضحكهم قليلاً وبكاؤهم من أجل ذلك كثيراً، وهذا يقتضي أن يكون وقت
الضحك والبكاء في الدنيا على نحو قوله صلى الله عليه وسلم، لأمته ((لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً
ولضحكتم قليلاً)».
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما قال هذا الكلام أوحى الله إليه يا محمد لا تقنط
عبادي، و﴿جزاء﴾ متعلق بالمعنى الذي تقديره ﴿وليبكوا كثيراً﴾ إذ هم معذبون ﴿جزاء)، وقوله:
﴿يكسبون﴾ نص في أن التكسب هو الذي يتعلق به العقاب والثواب، وقوله: ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة
منهم﴾ الآية، ﴿رجع﴾ يستوي مجاوزه وغير مجاوزه، وقوله تعالى: ﴿إن﴾ مبينة أن النبي صلى الله عليه
وسلم، لا يعلم بمستقبلات أمره من أجل وسواه وأيضاً فيحتمل أن يموتوا هم قبل رجوعه وأمر الله عز وجل
لنبيه صلى الله عليه وسلم، بأن يقول لهم ﴿لن تخرجوا معي﴾، هو عقوبة لهم وإظهار لدناءة منزلتهم وسوء
حالهم، وهذا هو المقصود في قصة ثعلبة بن حاطب التي تقدمت في الامتناع من أخذ صدقته، ولا خزي
أعظم من أن يكون إنسان قد رفضه الشرع ورده كالجمل الأجرب، وقوله: ﴿إلى طائفة﴾ يقتضي عندي أن
المراد رؤوسهم والمتبوعون، وعليها وقع التشديد بأنها لا تخرج ولا تقاتل عدواً، وكرر معنى قتال العدو لأنه
عظم الجهاد وموضع بارقة السيوف التي تحتها الجنة، ولولا تخصيص الطائفة لكان الكلام ((فإن رجعك الله
إليهم))، ويشبه أن تكون هذه الطائفة قد ختم عليها بالموافاة على النفاق، وعينوا للنبي صلى الله عليه
وسلم، وإلا فكيف يترتب ألا يصلي على موتاهم إن لم يعينهم الله، وقوله: ﴿وماتوا وهم فاسقون﴾ ونص
في موافاتهم، ومما يؤيد هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، عينهم لحذيفة بن اليمان وكانت
الصحابة إذا رأوا حذيفة تأخر عن الصلاة على جنازة رجل تأخروا هم عنها.
وروي عن حذيفة أنه قال يوماً: بقى من المنافقين كذا وكذا، فقال له عمر بن الخطاب رضى الله عنه
أنشدك الله أنا منهم؟ فقال لا، والله، لا أمنه منها أحداً بعدك، وقرأ جمهور الناس ((معي)» بسكون الياء في
الموضعين، وقرأ عاصم فيما قال المفضل ((معي)) بحركة الياء في الموضعين، وقوله ﴿أول﴾ هو الإضافة
إلى وقت الاستئذان .
و((الخالفون)) جميع من تخلف من نساء وصبيان وأهل عذر غلب المذكر فجمع بالياء والنون وإن كان

٦٧
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٨٤ - ٨٧
ثم نساء، وهو جمع خالف، وقال قتادة ((الخالفون)) النساء، وهذا مردود، وقال ابن عباس: هم الرجال، وقال
الطبري : يحتمل قوله ﴿مع الخالفين﴾ أن يريد مع الفاسدين، فيكون ذلك مأخوذاً من خلف الشيء إذا فسد
ومنه خلوف فم الصائم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل مقحم والأول أفصح وأجرى على اللفظة، وقرأ مالك بن دينار
وعكرمة ((مع الخلفين)) وهو مقصور من الخالفين، كما قال: عرداً وبرداً يريد عارداً وبارداً، وكما قال
الآخر: [الرجز]
مثل النقا لبده برد الظلال
يريد الظلال .
قوله عز وجل :
وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ: إِنَّهُمْ كَفَرُ واْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَانُواْوَهُمْ فَاسِقُونَ
٨٤
وَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُأَنْ يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ
وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُواْبِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ أُسْتَغْذَنَكَ أُوْلُواْ اُلَّوْلِ
كَفِرُونَ الرُّ
مِنْهُمْ وَقَالُواْذَرْنَانَكُنْ مَّعَ الْقَعِدِينَ ﴿َرَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ اُلْخَوَاِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ
فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
٨٧
هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى
أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل عليه السلام، فجذبه
بثوبه وتلا عليه، ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً﴾ الآية، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ولم يصل عليه، وتظاهرت الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليه، وأن الآية نزلت بعد
ذلك، وفي كتاب الجنائز من البخاري من حديث جابر، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج ووضعه على ركبته ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه،
وروي في ذلك أن عبد الله بن أبي بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ورغب إليه أن يستغفر
له وأن يصلي عليه.
وروي أن ابنه عبد الله بن عبد الله جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت أبيه فرغب في ذلك
وفي أن يكسوه قميصه الذي يلي بدنه، ففعل، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه قام
إليه عمر رضي الله عنه، فقال يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله عن الاستغفار لهم؟
وجعل يعدد أفعال عبد الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أخر عني يا عمر، فإني خيرت،
ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت))، وفي حديث آخر ((إن قميصي لا يغني عنه من الله
!

٦٨
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٨٤ - ٨٧
شيئاً، وإني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي))، كذا في بعض الروايات، يريد من منافقي
العرب، والصحيح أنه قال رجال من قومه، فسكت عمر وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على
عبد الله، ثم نزلت هذه الآية بعد ذلك، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لموضع إظهاره
الإيمان، ومحال أن يصلي عليه وهو يتحقق كفره وبعد هذا والله أعلم، عين له من لا يصلي عليه.
ووقع في معاني أبي إسحاق وفي بعض كتب التفسير، فأسلم وتاب بهذه الفعلة من رسول الله صلى
الله عليه وسلم والرغبة من عبد الله ألف رجل من الخزرج.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، قاله من لم يعرف عدة الأنصار، وقوله تعالى: ﴿ولا تعجبك
أموالهم﴾ الآية، تقدم تفسير مثل هذه الآية، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، إذ هو
بإجماع ممن لا تفتنه زخارف الدنيا.
ويحتمل أن يكون معنى الآية ولا تعجبك أيها الإنسان، والمراد الجنس، ووجه تكريرها تأكيد هذا
المعنى وإيضاحه، لأن الناس كانوا يفتنون بصلاح حال المنافقين في دنياهم، وقوله ﴿وإذا أنزلت سورة﴾
الآية، العامل في ﴿إذا﴾ ﴿استأذنك)، و((السورة)) المشار إليها هي براءة فيما قال بعضهم، ويحتمل أن
يكون إلى كل سورة فيها الأمر بالإيمان والجهاد مع الرسول، وسورة القرآن أجمع على ترك همزها في
الاستعمال واختلف هل أصلها الهمز أم لا فقيل أصلها الهمز فهي من أسأر إذا بقيت له قطعة من الشيء،
فالسورة قطعة من القرآن، وقيل أصلها أن لا تهمز فهي كسورة البناء وهي ما يبنى منه شيئاً بعد شيء، فهي
الرتبة بعد الرتبة، ومن هذا قول النابغة: [الطويل]
ألم تر أنَّ اللّه أَعْطَاكَ سَوْرَةً ترى كلَّ مَلْكِ دُونَها يَتَذبْذَبُ
وقد مضى هذا كله مستوعباً في صدر هذا الكتاب، و﴿أن﴾ في قوله: ﴿أن آمنوا﴾ يحتمل أن تكون
مفسرة بمعنى أي فهي على هذا لا موضع لها، ويحتمل أن يكون التقدير بـ((أن)) فهي في موضع نصب،
و﴿الطول﴾ في هذه الآية المال، قاله ابن عباس وابن إسحاق وغيرهما، والإشارة بهذه الآية إلى الجد بن
قيس وعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، و((القاعدون)) الزمنى وأهل العذر في الجملة ومن ترك لضبط
المدينة لأن ذلك عذر.
وقوله: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ الآية، تقريع وإظهار شنعة كما يقال على يوجه التعبير
رضيت يا فلان، و﴿الخوالف﴾ النساء جمع خالفة، هذا قول جمهور المفسرين، وقال أبو جعفر النحاس
يقال للرجل الذي لا خير فيه خالفة، فهذا جمعه بحسب اللفظ والمراد أخسة الناس وأخالفهم، وقال
النضر بن شميل في كتاب النقاش: ﴿الخوالف﴾ من لا خير فيه، وقالت فرقة ﴿الخوالف﴾ جمع خالف
فهو جار مجرى فوارس ونواكس وهوالك، ﴿وطبع﴾ في هذه الآية مستعار، ولما كان الطبع على الصوان
والكتاب مانعاً منه وحفاظاً عليه شبه القلب الذي قد غشيه الكفر والضلال حتى منع الإيمان والهدى منه
بالصوان المطبوع عليه، ومن هذا استعارة القفل والكنان للقلب، و﴿لا يفقهون﴾ معناه لا يفهمون.

٦٩
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٨٨ - ٩٠
قوله عز وجل :
لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُ واْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَتَّ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ أَعَدَّاللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا ذَلِكَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ,
سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
الأكثر في ﴿لكن﴾ أن تجيء بعد نفي، وهو ها هنا في المعنى، وذلك أن الآية السالفة معناها أن
المنافقين لم يجاهدوا فحسن بعدها ((لكن الرسول والمؤمنون جاهدوا))، و﴿الخيرات﴾ جمع خيرة وهو
المستحسن من كل شيء، وكثر استعماله في النساء، فمن ذلك قوله عز وجل: ﴿فيهن خيرات حسان﴾
[الرحمن: ٧٠] ومن ذلك قول الشاعر أنشده الطبري: [الكامل]
ربلات هند خيرة الملكات
و﴿المفلحون﴾ الذين أدركوا بغيتهم من الجنة، والفلاح يأتي بمعنى إدراك البغية، من ذلك قول
لبيد : [الرجز]
ـعف وقد يخدع الأريب
أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضـ
ويأتي بمعنى البقاء ومن ذلك قول الشاعر: [المنسرح]
لكل همّ من الهموم سعةْ والمسى والصبح لا فلاح معه
أي لا بقاء .
قال القاضي أبو محمد: وبلوغ البغية يعم لفظة الفلاح حيث وقعت فتأمله، و﴿أعد﴾ معناه يسر وهيا،
وقوله ﴿من تحتها﴾ يريد من تحت مبانيها وأعاليها، و﴿الفوز﴾ حصول الإنسان على أمله، وظفره ببغيته،
ومن ذلك فوز سهام الأيسار.
وقوله تعالى: ﴿وجاء المعذرون من الأعراب﴾ الآية، اختلف المتألون في هؤلاء الذى جاءوا هل
كانوا مؤمنين أو كافرين، فقال ابن عباس وقوم معه منهم مجاهد: كانوا مؤمنين وكانت أعذارهم صادقة، وقرأ
(((وجاء المعْذرون)) بسكون العين، وهي قراءة الضحاك وحميد الأعرج وأبي صالح وعيسى بن هلال. وقرأ
بعض قائلي هذه المقالة ((المعذّرون)) بشد الذال، قالوا وأصله المتعذرون فقلبت التاء ذالاً وأدغمت.
ويحتمل المعتذرون في هذا القول معنيين أحدهما المتعذرون بأعذار حق والآخر أن يكون الذين قد
بلغوا عذرهم من الاجتهاد في طلب الغزو معك فلم يقدروا فيكون مثل قول لبيد:
ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر

٧٠
تفسير سورة التوبة /الآيتان : ٩٢،٩١
وقال قتادة وفرقة معه: بل الذين جاءوا كفرة وقولهم وعذرهم كذب، وكل هذه الفرقة قرأ ((المعذّرون))
بشد الذال، فمنهم من قال أصله المتعذرون نقلت حركة التاء إلى العين وأدغمت التاء في الذال، والمعنى
معتذرون بكذب، ومنهم من قال هو من التعذير أي الذين يعذرون الغزو ويدفعون في وجه الشرع، فالآية
إلى آخرها في هذا القول إنما وصفت صنفاً واحداً في الكفر ينقسم إلى أعرابي وحضري، وعلى القول
الأول وصفت صنفين: مؤمناً وكافراً، قال أبو حاتم: وقال بعضهم سألت مسلمة فقال ((المعذّرون)) بشد العين
والذال، قال أبو حاتم: أراد المعتذرين والتاء لا تدغم في العين لبعد المخارج وهي غلط عنه أو عليه، قال
أبو عمرو: وقرأ سعيد بن جبير ((المعتذرون)) بزيادة تاء، وقرأ الحسن بخلاف عنه وأبو عمرو ونافع والناس
((كذَبوا)) بتخفيف الذال، وقرأ الحسن وهو المشهور عنه وأبي بن كعب ونوح وإسماعيل ((كذّبوا)) بتشديد
الذال، والمعنى لم يصدقوه تعالى ولا رسوله وردوا عليه أمره، ثم توعد في آخر الآية الكافر بـ ﴿عذاب
أليم)، فيحتمل أن يريد في الدنيا بالقتل والأسر.
ويحتمل أن يريد في الآخرة بالنار، وقوله: ﴿منهم﴾ يريد أن المعذرين كانوا مؤمنين ويرجحه بعض
الترجيح فتأمله، وضعف الطبري قول من قال إن المعذرين من التعذير وأنحى عليه، والقول منصوص
ووجهه بين واللّه المعين، وقال ابن إسحاق ((المعذرون)) نفر من بني غفار منهم خفاف بن إيماء بن رحضة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا يقتضي أنهم مؤمنون.
قوله عز وجل :
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ
وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَامَآ
لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
حَزَّنَا أَلََّ يَجِدُ واْ مَا يُنْفِقُونَ
يقول تعالى ليس على أهل الأعذار الصحيحة من ضعف أبدان أو مرض أو زمانة أو عدم نفقة إثم،
و((الحرج)) الإثم، وقوله: ﴿إذا نصحوا﴾ يريد بنياتهم وأقوالهم سراً وجهراً، وقرأ حيوة ((نصحوا الله ورسوله))
بغير لام وبنصب الهاء المكتوبة، وقوله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ الآية، في لائمة تناط بهم
أو تذنيب أو عقوبة، ثم أكد الرجاء بقوله: ﴿والله غفور رحيم﴾ وقرأ ابن عباس ((والله لأهل الإساءة غفور
رحيم)) .
قال القاضي أبو محمد: وهذا على جهة التفسير أشبه منه على جهة التلاوة لخلافه المصحف،
واختلف فيمن المراد بقوله: ﴿الذين لا يجدون ما ينفقون﴾، فقالت فرقة: نزلت في بني مقرن.
قال القاضي أبو محمد: وبنو مقرن ستة إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وليس في الصحابة
ستة إخوة غيرهم، وقيل كانوا سبعة، وقيل نزلت في عبد الله بن مغفل المزني، قاله ابن عباس، وقوله

٧١
۔
تفسير سورة التوبة / الآيتان : ٩٤،٩٣
تعالى: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك﴾ الآية، اختلف فيمن نزلت هذه الآية فقيل نزلت في عرباض بن
سارية، وقيل نزلت في عبد الله بن مغفل، وقيل في عائذ بن عمرو، وقيل في أبي موسى الأشعري ورهطه،
وقيل في بني مقرن، وعلى هذا جمهور المفسرين، وقيل نزلت في سبعة نفر من بطون شتى، فهم البكاؤون
وهم سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف، وحرمي بن عمرو من بني واقف، وأبو ليلى عبد الرحمن من
بني مازن بن النجار، وسليمان بن صخر من بني المعلى، وأبو رعياة عبد الرحمن بن زيد من بني حارثة
وهو الذي تصدق بعرضه فقبل الله منه، وعمروبن غنمة من بني سلمة، وعائد بن عمرو المزني، وقيل
عبد الله بن عمرو المزني قال هذا كله محمد بن كعب القرظي، وقال مجاهد: البكاؤون هم بنو مكدر من
مزينة .
ومعنى قوله: ﴿لتحملهم﴾ أي على ظهر يركب ويحمل عليه الأثاث، وقال بعض الناس: إنما
استحملوه النعال، ذكره النقاش عن الحسن بن صالح، وهذا بعيد شاذ، والعامل في ﴿إذا﴾ يحتمل أن
يكون ﴿قلت﴾، ويكون قوله ﴿تولوا﴾ مقطوعاً .
ويحتمل أن يكون العامل ﴿تولوا﴾ ويكون تقدير الكلام فقلت، أو يكون قوله ﴿قلت لا أجد ما أحملكم
عليه﴾ بمنزلة وجدوك في هذه الحال.
وفي الكلام اختصار وإيجاز ولا بد يدل ظاهر الكلام على ما اختصر منه، وقال الجرجاني في النظم
له إن قوله ﴿قلت﴾ في حكم المعطوف تقديره وقلت، و﴿حزناً﴾ نصب على المصدر، وقرأ معقل بن
هارون ((لنحملهم)) بنون الجماعة.
قوله عز وجل :
إِنَمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَغْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ
ا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَارَجَعْتُمْ إِلَّهِمْ قُل لَّا
١٣
وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
تَعْتَذِرُواْلَن تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ, ثُمَّ
٩٤
تُرَدُّونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
قوله في هذه الآية ﴿إنما﴾ ليس بحصر وإنما هي للمبالغة فيما يريد تقريره على نحو ذلك إنما الشجاع
عنترة ويقضي بذلك انًّا نجد السبيل في الشرع على غير هذه الفرقة موجوداً، و﴿السبيل﴾ قد توصل
بـ ﴿على﴾ و﴿إلى﴾ فتقول لا سبيل على فلان ولا سبيل إلى فلان غير أن وصولها بـ﴿على﴾ يقتضي أحياناً
ضعف المتوصل إليه وقلة منعته، فلذلك حسنت في هذه الآية، وليس ذلك في إلى، ألا ترى أنك تقول
فلان لا سبيل إلى الأمر ولا إلى طاعة الله ولا يحسن في شبه هذا على، و﴿السبيل﴾ في هذه الآية سبيل
المعاقبة، وهذه الآية نزلت في المنافقين المتقدم ذكرهم عبد الله بن أبيّ والجد بن قيس ومعتب وغيرهم،
وقد تقدم نظير تفسير الآية، قوله: ﴿يعتذرون إليكم) الآية، هذه المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم،

٧٢
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٩٥ - ٩٧
وشرك معه المسلمون في بعض لأن المنافقين كانوا يعتذرون أيضاً إلى المؤمنين ولأن أنباء الله أيضاً تحصل
للمؤمنين وقوله: ﴿رجعتم﴾ يريد من غزوة تبوك، وقوله: ﴿لن نؤمن لكم﴾ معناه لن نصدقكم، ولكن لفظة
﴿نؤمن﴾ تتصل بلام أحياناً كما تقدم في قوله ﴿يؤمن للمؤمنين﴾ [التوبة: ٦١]، و((نبأ)) في هذه الآية قيل
هي بمعنى عرف لا تحتاج إلى أكثر من مفعولين، فالضمير مفعول أول، وقوله ﴿من أخباركم) مفعول ثان
على مذهب أبي الحسن في زيادة ﴿من﴾ في الواجب، فالتقدير قد نبأنا الله أخباركم، وهو على مذهب
سيبويه نعت لمحذوف هو المفعول الثاني تقديره قد نبأنا الله جلية من أخباركم، وقيل ((نبأ)) بمعنى أعلم
يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل، فالضمير واحد و﴿من أخباركم﴾ ثان حسب ما تقدم من القولين، والثالث
محذوف يدل الكلام عليه، تقديره قد نبأنا الله من أخباركم كذباً أو نحوه.
وحذف هذا المفعول مع الدلالة عليه جائز بخلاف الاقتصار، وذلك أن الاقتصار إنما يجوز إما على
المفعول الأول ويسقط الاثنان إذ هما الابتداء والخبر، وإما على الاثنين الأخيرين ويسقط الأول، وإما أن
يقتصر على المفعولين الأولين ويسقط الثالث دون دلالة عليه، فذلك لا يجوز، ويجوز حذفه مع الدلالة
عليه والإشارة بقوله: ﴿قد نبأنا الله﴾ إلى قوله ﴿ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة﴾
[التوبة: ٤٧] ونحو هذا، وقوله ﴿وسيرى الله﴾ توعد معناه وسيراه في حال وجوده ويقع الجزاء منه عليه إن
خيراً فخير وإن شراً فشر، وقوله: ﴿ثم تردون إلى عالم الغيب﴾ يريد البعث من القبور، و﴿الغيب﴾
والشهادة يعمان جميع الأشياء وقوله: ﴿فينبئكم﴾ معناه التخويف ممن لا تخفى عليه خافية.
قوله عز وجل :
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِلَكُمْ إِذَاأَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَّهُمْ
جَهَنَّمُ جَزَآءَ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ
عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ ﴾ آلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ
٩٧
أَلَّايَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهٍ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
قيل إن هذه الآية من أول ما نزل في شأن المنافقين في غزوة تبوك وذلك أن بعض المنافقين اعتذروا
إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واستأذنوه في القعود قبل مسيره فأذن لهم فخرجوا من عنده وقال أحدهم
والله ما هو إلا شحمة لأول آكل، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل فيهم القرآن، فانصرف
رجل من القوم فقال للمنافقين في مجلس منهم: والله لقد نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فيكم
قرآن، فقالوا له وما ذلك؟ فقال لا أحفظ إلا أني سمعت وصفكم فيه بالرجس، فقال لهم مخشي والله
لوددت أن أجلد مائة جلدة ولا أكون معكم، فخرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
له ما جاء بك؟ فقال: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسفعه الريح وأنا في الكنّ، فروي أنه ممن تاب
وقوله: ﴿فأعرضوا عنهم﴾ أمرنا بانتهارهم وعقوبتهم بالإعراض والوصم بالنفاق.

٧٣
تفسير سورة التوبة / الآيتان : ٩٩،٩٨
وهذا مع إجمال لا مع تعيين مصرح من الله ولا من رسوله، بل كان لكل واحد منهم ميدان المغالطة
مبسوطاً، وقوله ﴿رجس﴾ أي نتن وقذر، وناهيك بهذا الوصف محطة دنياوية، ثم عطف بمحطة الآخرة
فقال ﴿ومأواهم جهنم﴾ أي مسكنهم، ثم جعل ذلك جزاء بتكسبهم المعاصي والكفر مع أن ذلك مما قدره
الله وقضاه لا رب غيره ولا معبود سواه، وأسند الطبري عن كعب بن مالك أنه قال: لما قدم رسول الله صلى
الله عليه وسلم من تبوك جلس للناس فجاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً،
فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى،
وقوله ﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم﴾، هذه الآية والتي قبلها مخاطبة للمؤمنين مع الرسول، والمعنى
يحلفون لكم مبطلين ومقصدهم أن ترضوا لا أنهم يفعلون ذلك لوجه الله ولا للبر، وقوله ﴿فإن ترضوا﴾
إلى آخر الآية، شرط يتضمن النهي عن الرضى عنهم، وحكم هذه الآية يستمر في كل مغموص عليه ببدعة
ونحوها، فإن المؤمن ينبغي أن يبغضه ولا يرضى عنه لسبب من أسباب الدنيا، وقوله ﴿الأعراب أشد كفراً
ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله﴾ الآية، ﴿الأعراب﴾ لفظة عامة ومعناها الخصوص فيمن استثناه
الله عز وجل، وهذا معلوم بالوجود وكيف كان الأمر، وإنما انطلق عليهم هذا الوصف بحسب بعدهم عن
الحواضر ومواضع العلم والأحكام والشرع، وهذه الآية إنما نزلت في منافقين كانوا في البوادي، ولا محالة
أن خوفهم هناك أقل من خوف منافقي المدينة، فألسنتهم لذلك مطلقة ونفاقهم أنجم، وأسند الطبري أن
زيد بن صوحان كان يحدث أصحابه بالعلم وعنده أعرابي وكان زيد قد أصيبت يده اليسرى يوم نهاوند
فقال الأعرابي والله إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني وقال زيد: وما يريبك من يدي وهي الشمال؟ فقال
الأعرابي: والله ما أدري اليمين تقطعون أم الشمال؟ فقال زيد صدق الله ﴿الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر
ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾، ﴿وأجدر﴾ معناه أحرى وأقمن، و((الحدود)) هنا السنن
والأحكام ومعالم الشريعة.
قوله عز وجل :
وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُالَّوَابِرَ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌالْأَوَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ فُرُبَتٍ عِندَ
اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ أَلَّ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْ خِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٩٩
هذا نص من المنافقين منهم، ومعنى ﴿يتخذ﴾ في هذه الآيات أي يجعل مقصده ولا ينوي فيه غير
ذلك، وأصل ((المغرم)) الدين، ومنه تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغرم والمآثم، ولكن كثر
استعمال المغرم فيما يؤديه الإنسان مما لا يلزمه بحق، وفي اللفظ معنى اللزوم، ومنه قوله تعالى: ﴿إن
عذابها كان غراماً﴾ [الفرقان: ٦٥] أي مكروهاً لازماً، و﴿الدوائر﴾ المصائب التي لامخلص للإنسان منها
فهي تحيط به كما تحيط الدائرة، وقد يحتمل أن تشتق من دور الزمان، والمعنى ينتظر بكم ما تأتي به الأيام
وتدور به، ثم قال على جهة الدعاء ﴿عليهم دائرة السوء﴾ وكل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز وجل فإنما

٧٤
تفسير سورة التوبة / الآيتان: ٩٨، ٩٩
هو بمعنى إيجاب الشيء، لأن الله لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته ومن هذا، ﴿ويل لكل همزة
لمزة﴾ [الهمزة: ١] وللمطففين.، فهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى، وقرأ الجمهور من السبعة
وغيرهم ((دائرة السُّوء)) بفتح السين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن واختلف عنه عاصم والأعمش
بخلاف عنهما ((دائرة السُّوء)) بضم السين، واختلف عن ابن كثير، وقيل الفتح المصدر والضم الاسم،
واختلف الناس فيهما وهو اختلاف يقرب بعضه من بعض والفتح في السين يقتضي وصف الدائرة بأنها
سيئة، وقال أبو علي معنى الدائرة يقتضي معنى السوء فإنما هي إضافة بيان وتأكيد كما قالوا شمس النهار
ولحيا رأسه .
قال القاضي أبو محمد: ولا يقال رجل سوء بفتح السين، هذا قول أكثرهم وقد حكي ((رجل سُوء))
بضم السين وقد قال الشاعر [الفرزدق]: [الطويل]
بصاحبه يوماً أحال على الدم
وكنت كذئبِ السَّوْءِ لما رأى دماً
ولم يختلف القراء في فتح السين من قوله ﴿ما كان أبوك امرأ سوء﴾ [مريم: ٢٨] وقوله تعالى:
﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله﴾ الآية، قال قتادة: هذه ثنية الله تعالى من الأعراب، و﴿يتخذ﴾ في هذه الآية
أيضاً هي بمعنى يجعله مقصداً، والمعنى ينوي بنفقته في سبيل الله القربة عند الله عز وجل واستغنام دعاء
الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي دعائه لهم خير الآخرة في النجاة من النار وخير الدنيا في أرزاقهم ومنح
الله لهم، فـ (صلوات﴾ على هذا عطف على ﴿قربات﴾، ويحتمل أن يكون عطفاً على ما ينفق، أي
ويتخذ بالأعمال الصالحة صلوات الرسول قربة، والأولى أبين، و﴿قربات﴾ جمع قرْبة أو قُرُبة بسكون الراء
وضمها وهما لغتان و((الصلاة)) في هذه الآية الدعاء إجماعاً .
وقال بعض العلماء: الصلاة من الله رحمة ومن النبي والملائكة دعاء، ومن الناس عبادة، والضمير في
قوله ﴿إنها﴾ يحتمل أن يعود على النفقة، وهذا في انعطاف ﴿الصلوات﴾ على ﴿القربات﴾، ويحتمل أن
يعود على ﴿الصلوات﴾ وهذا في انعطافه على ما ينفق، وقرأ نافع ((قُرُبة)) بضم الراء، واختلف عنه وعن
عاصم والأعمش، وقرأ الباقون ((قُرْبة)) بسكون الراء ولم يختلف في ﴿قربات﴾، ثم وعد تعالى بقوله
﴿سيدخلهم الله في رحمته﴾ الآية، وروي أن هذه الآية نزلت في بني مقرن من مزينة وقاله مجاهد، وأسند
الطبري إلى عبد الرحمن بن مغفل بن مقرن أنه قال: كنا عشرة ولد مقرن، فنزلت فينا ﴿ومن الأعراب من
يؤمن بالله﴾ إلى آخر الآية.
قال القاضي أبو محمد: وقوله عشرة ولد مقرن يريد الستة أولاد مقرن لصلبه أو السبعة على ما في
الاستيعاب من قول سويد بن مقرن، وبنيهم لأن هذا هو الذي في مشهور دواوين أهل العلم.
قوله عز وجل :
وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُواْعَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْرُ الْعَظِيمُ
(١٠٠)
:

٧٥
تفسير سورة التوبة / الآيتان: ١٠١،١٠٠
وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِنَ الْأَعْرَابِ مُتَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِفَاقِ لَا تَعْلَمُ هُمْ نَحْنُ
١٠
نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّيُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمِ
قال أبو موسى الأشعري وابن المسيب وابن سيرين وقتادة ﴿السابقون الأولون﴾ من صلى القبلتين،
وقال عطاء ﴿السابقون الأولون﴾ من شهد بدراً.
قال القاضي أبو محمد: وحولت القبلة قبل بدر بشهرين، وقال عامر بن شراحيل الشعبي :
﴿السابقون الأولون﴾ من أدرك بيعة الرضوان، ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾ يريد سائر الصحابة، ويدخل
في هذا اللفظ التابعون وسائر الأمة لكن بشريطة الإحسان، وقد لزم هذا الاسم الطبقة التي رأت من رأى
النبي صلى الله عليه وسلم، ولو قال قائل إن السابقين الأولين هم جميع من هاجر إلى أن انقطعت الهجرة
لكان قولاً يقتضيه اللفظ وتكون ﴿من﴾ لبيان الجنس، ﴿والذين﴾ في هذه الآية عطف على قوله
﴿والسابقون﴾، وقرأ عمر بن الخطاب والحسن بن أبي الحسن وقتادة وسلام وسعيد ويعقوب بن طلحة
وعيسى الكوفي ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصارُ)) برفع الراء عطفاً على ﴿والسابقون﴾،
وكذلك ينعطف على كلتا القراءتين قوله تعالى: ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾ وجعل الأتباع عديلاً للأنصار،
وأسند الطبري أن زيد بن ثابت سمعه فرده فبعث عمر في أبي بن كعب فسأله فقال أبي بن كعب
﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان﴾، فقال عمر ما كنا نرى إلا أنَّا قد
رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد، فقال أبي إن مصداق هذا في كتاب الله في أول سورة الجمعة ﴿وآخرين منهم
لما يلحقوا بهم﴾ [الآية: ٣] وفي سورة الحشر ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لما ولإخواننا
الذين سبقوا بالإيمان﴾ [الآية: ١٠] وفي سورة الأنفال في قوله ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم
فأولئك منكم﴾ [الآية: ٧٥]، فرجع عمر إلى قول أبي، ونبهت هذه الآية من التابعين وهم الذين أدركوا أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نبه من ذكرهم قوله صلى الله عليه وسلم ((اللهم ارحم الأنصار وأبناء
الأنصار وأبناء أبناء الأنصار)) فتأمله، وقرأ ابن كثير ((من تحتها الأنهار))، وقرأ الباقون ((تحتها)) بإسقاط ((من))
ومعنى هذه الآية الحكم بالرضى عنهم بإدخالهم الجنة وغفر ذنوبهم والحكم برضاهم عنه في شكرهم
وحمدهم على نعمه وإيمانهم به وطاعتهم له جعلنا الله من الفائزين برحمته و﴿ممن حولكم من الأعراب﴾
الآية، مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم شرك في بعضها أمته، والإشارة بقوله ﴿وممن حولكم من
الأعراب﴾ هي إلى جهينة ومزينة وأسلم وغفار وعصية ولحيان وغيرهم من القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر
الله عن منافقيهم، وتقدير الآية: ومن أهل المدينة قوم أو منافقون هذا أحسن ما حمل اللفظ، و﴿مردوا﴾
قال أبو عبيدة: معناه مرنوا عليه ولجوا فيه، وقيل غير هذا مما هو قريب منه، وقال ابن زيد: أقاموا عليه لم
یتوبوا کما تاب الآخرون .
والظاهر من معنى اللفظ أن التمرد في الشيء أو المرود عليه إنما هو اللجاج والاستهتار به والعتو على
الزاجر وركوب الرأس في ذلك، وهو مستعمل في الشر لا في الخير، ومن ذلك قولهم شيطان مارد ومرید،

٧٦
تفسير سورة التوبة / الآيتان: ١٠٠، ١٠١
ومن هذا سميت مراد لأنها تمردت، وقال بعض الناس : يقال تمرد الرجل في أمر كذا إذا تجرد له، وهو من
قولهم شجرة مرداء إذا لم يكن عليها ورق، ومنه ﴿صرح ممرد﴾ [النمل: ٤٤] ومنه قولهم: تمرد مارد وعز
الأبلق ومنه الأمرد الذي لا لحية له، فمعنى ﴿مردوا﴾ في هذه الآية لجوا فيه واستهتروا به وعتوا على
زاجرهم، ثم نفى عز وجل علم نبيه بهم على التعيين، وأسند الطبري عن قتادة في قوله ﴿لا تعلمهم نحن
نعلمهم﴾ قال: فما بال أقوام يتكلفون علم الناس فلان في الجنة فلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه
قال لا أدري، أنت لعمري بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه الرسل، قال نبي الله
نوح صلى الله عليه وسلم ﴿وما علمي بما كانوا يعلمون﴾ [الشعراء: ١١٢] وقال نبي الله شعيب صلى الله
عليه وسلم ﴿بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ﴾ [هود: ٨٦] وقال الله تعالى لنبيه
صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾.
قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ في مصحف
أنس بن مالك ((سيعذبهم)) بالياء والكلام على القراءتين وعيد، واللفظ يقتضي ثلاثة مواطن من العذاب، ولا
خلاف بين المتأولين أن ((العذاب العظيم)) الذي يردون إليه هو عذاب الآخرة، وأكثر الناس أن العذاب
المتوسط هو عذاب القبر، واختلف في عذاب المرة الأولى فقال مجاهد وغيره: هو عذابهم بالقتل والجوع،
وهذا بعيد لأن منهم من لم يصبه هذا، وقال ابن عباس أيضاً : عذابهم هو بإقامة حدود الشرع عليهم مع
كراهيتهم فيه، وقال ابن إسحاق: عذابهم هو همهم بظهور الإسلام وعلو كلمته، وقال ابن عباس وهو الأشهر
عنه: عذابهم هو فضيحتهم ووصمهم بالنفاق، وروي في هذا التأويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
خطب يوم جمعة فندد بالمنافقين وصرح وقال اخرج يا فلان من المسجد فإنك منافق واخرج أنت يا فلان
واخرج أنت يا فلان حتى أخرج جماعة منهم، فرآهم عمر يخرجون من المسجد وهو مقبل إلى الجمعة
فظن أن الناس انتشروا وأن الجمعة فاتته فاختباً منهم حياء، ثم وصل إلى المسجد فرأى أن الصلاة لم تقض
وفهم الأمر.
قال القاضي أبو محمد: وفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا بهم هو على جهة التأديب اجتهاداً منه
فيهم، ولم يسلخهم ذلك من الإسلام وإنما هو كما يخرج العصاة والمتهمون، ولا عذاب أعظم من هذا،
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يتكلم فيهم على الإجمال دون تعيين، فهذا أيضاً من
العذاب، وقال قتادة وغيره: العذاب الأول هي علل وأدواء أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يصيبهم
بها، وأسند الطبري في ذلك عن قتادة أنه قال ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسرَّ إلى حذيفة باثني
عشر رجلاً من المنافقين وقال ((ستة منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من نار جهنم تأخذ في كتف أحدهم حتى
تقضي إلى صدره، وستة يموتون موتاً))، ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا مات رجل ممن
يظن أنه منهم نظر إلى حذيفة فإن صلى صلى عمر عليه وإلا ترك.
وذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال لحذيفة أنشدك بالله أمنهم أنا؟ قال لا والله ولا أؤمن منها أحداً
بعدك؟ وقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ أما عذاب الدنيا فالأموال والأولاد، لكل صنف

٧٧
تفسير سورة التوبة / الآيتان: ١٠٢، ١٠٣
عذاب، فهو مرتان، وقرأ قول الله تعالى: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في
الحياة الدنيا﴾ [التوبة: ٥٥] وقال ابن زيد أيضاً ((المرتان)) هي في الدنيا، الأولى القتل والجوع
والمصائب، والثانية الموت إذ هو للكفار عذاب، وقال الحسن: الأولى هي أخذ الزكاة من أموالهم،
و((العذاب العظيم)) هو جميع ما بعد الموت، وأظن الزجّاج أشار إليه.
قوله عز وجل :
وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَمِّنَا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ
◌َّحِيمٌ ﴿٤َ خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم ◌ِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ
سَمِيعٌ عَلِيهُ
المعنى ومن هذه الطوائف ﴿آخرون اعترفوا بذنوبهم﴾، واختلف في تأويل هذه الآية فقال ابن
عباس فيما روي عنه وأبو عثمان: هي في الأعراب وهي عامة في الأمة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة
وسيئة، فهي آية ترج على هذا، وأسند الطبري هذا عن حجاج بن أبي زينب قال سمعت أبا عثمان يقول: ما
في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾، وقال قتادة بل نزلت هذه
الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني قريظة، وذلك أنه كلمهم في النزول على حكم الله
ورسوله فأشار هو لهم إلى حلقه يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن نزلوا، فلما افتضح تاب وندم
وربط نفسه في سارية من سواري المسجد، وأقسم أن لا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله عنه أو يموت،
فمكث كذلك حتى عفا الله عنه ونزلت هذه الآية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحله، وذكر هذا
الطبري عن مجاهد، وذكره ابن إسحاق في كتاب السير أوعب وأتقن، وقالت فرقة عظيمة: بل نزلت هذه
الآية في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك، فكان عملهم السىء التخلف بإجماع من أهل هذه المقالة،
واختلفوا في ((الصالح)) فقال الطبري وغيره الاعتراف والتوبة والندم، وقالت فرقة بل ((الصالح)) غزوهم فيما
سلف من غزو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اختلف أهل هذه المقالة في عدد القوم الذين عنوا بهذه
الآية، فقال ابن عباس : كانوا عشرة رهط ربط منهم أنفسهم سبعة، وبقي الثلاثة الذين خلفوا دون ربط
المذكورون بعد هذا، وقال زيد بن أسلم كانوا ثمانية منهم كردم ومرداس وأبو قيس وأبو لبابة، وقال قتادة:
كانوا سبعة، وقال ابن عباس أيضاً وفرقة: كانوا خمسة، وكلهم قال كان فيهم أبو لبابة، وذكر قتادة فيهم
الجد بن قيس وهو فيما أعلم وهم لأن الجد لم يكن نزوله توبة، وأما قوله ﴿وآخر﴾ فهو بمعنى بآخر وهما
متقاربان، و﴿عسى﴾ من الله واجبة .
وروي في خبر الذين ربطوا أنفسهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد فرآهم،
قال ما بال هؤلاء؟ فقيل له إنهم تابوا وأقسموا أن لا ينحلوا حتى يحلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويعذرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((وأنا والله لا أحلهم ولا أعذرهم إلا أن يأمرني الله بذلك،
فإنهم تخلفوا عني وتركوا جهاد الكفار مع المؤمنين))، وقوله ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ الآية، روي أن أبا
- -

٧٨
-
تفسير سورة التوبة / الآيتان: ١٠٣،١٠٢
لبابة والجماعة التائبة التي ربطت أنفسها وهي المقصودة بقوله ﴿خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً﴾ جاءت
رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تيب عليها فقالت يا رسول الله إنَّا نريد أن نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر من الله فتركهم حتى نزلت هذه الآية
فهم المراد بها، فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ثلث أموالهم مراعاة لقوله تعالى: ﴿من
أموالهم﴾، فهذا هو الذي تظاهرت به أقوال المتأولين، ابن عباس رضي الله عنه وغيره، وقالت جماعة من
الفقهاء: المراد بهذه الزكاة المفروضة، فقوله على هذا ﴿خذ من أموالهم﴾. ضميره لجميع الناس، وهو
عموم يراد به الخصوص إذ يخرج من الأموال الأنواع التي لا زكاة فيها كالثياب والرباع ونحوه، والضمير
الذي في ﴿أموالهم﴾ أيضاً كذلك عموم يراد به خصوص، إذ يخرج منه العبيد وسواهم، وقوله ﴿صدقة﴾
مجمل يحتاج إلى تفسير، وهذا يقتضي أن الإمام يتولى أخذ الصدقات وينظر فيها، و﴿من﴾ في هذه الآية
للتبعيض، هذا أقوى وجوهها، وقوله ﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾ أحسن ما يحتمل أن تكون هذه الأفعال
مسندة إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكون في موضع الحال من الضمير في ﴿خذ﴾،
ويحتمل أن تكون من صفة ((الصدقة))، وهذا مترجح بحسب رفع الفعل ويكون قوله ﴿بها﴾ أي بنفسها أي يقع
تطهيرهم من ذنوبهم بها، ويحتمل أن يكون ﴿تطهرهم﴾ صفة ((للصدقة))، ﴿وتزكيهم) مسنداً إلى النبي صلى
الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون حالاً من ((الصدقة))، وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة، وحكى مكي أن
يكون ﴿تطهرهم﴾ من صفة الصدقة، وقوله ﴿وتزكيهم بها﴾ حالاً من الضمير في ﴿خذ﴾.
قال القاضي أبو محمد: وهذا مردود لمكان واو العطف لأن ذلك يتقدر خذ من أموالهم صدقة مطهرة
ومزكياً بها، وهذا فاسد المعنى، ولو لم يكن في الكلام واو العطف جاز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن
(تظهرهم)) بسكون الطاء، وقوله ﴿وصل عليهم﴾ معناه ادع لهم فإن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم
وطمأنينة ووقاراً، فهذه عبارة عن صلاح المعتقد، وحكى مكي والنحاس وغيرهما أنه قيل إن هذه الآية
منسوخة بقوله ﴿ولا تصلُّ على أحد منهم مات أبداً﴾ [التوبة: ٨٤].
قال القاضي أبو محمد: وهذا وهم بعيد، وذلك أن تلك في المنافقين الذين لهم حكم الكافرين،
وهذه في التائبين من التخلف الذين لهم حكم المؤمنين فلا تناسخ بين الآيتين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
،عاصم ونافع وابن عامر ((إن صلواتك)) بالجمع، وكذلك في هود وفي المؤمنين وقرأ حفص عن عاصم
وحمزة والكسائي ((ان صلاتك)) بالإفراد، وكذلك قرأ حمزة والكسائي في هود وفي المؤمنين، وقرأ عاصم
في المؤمنين وحدها جمعاً، ولم يختلفوا في سورة الأنعام وسأل سائل، وهو مصدر أفردته فرقة وجمعته
فرقة، وقوله ﴿سميع﴾ لدعائك ﴿عليم﴾ أي بمن يهدي ويتوب عليه وغير ذلك مما تقتضيه هاتان الصفتان،
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية فعل ما أمر به من الدعاء والاستغفار لهم، قال
ابن عباس ﴿سكن لهم﴾ رحمه لهم، وقال قتادة ﴿سكن لهم﴾ أي وقار لهم.
قال القاضي أبو محمد: وإنما معناه أن من يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم فإنه تطيب نفسه
ويقوى رجاؤه، ويروى أنه قد صحت وسيلته إلى الله تعالى وهذا بين.
.٠

٧٩
تفسير سورة التوبة / الآيتان: ١٠٤، ١٠٥
قوله عز وجل :
أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ, وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
١٠٤
فَيُنَبِّئُكُ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٠٥
قرأ جمهور الناس ((ألم يعلموا)) على ذكر الغائب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف عنه ((ألم
تعلموا)) على معنى قل لهم يا محمد ((ألم تعلموا))، وكذلك هي في مصحف أبي بن كعب بالتاء من فوق،
والضمير في ﴿يعلموا﴾ قال ابن زيد: يراد به الذين لم يتوبوا من المتخلفين، وذلك أنهم لما تيب على
بعضهم قال الغير ما هذه الخاصة التي خص بها هؤلاء؟ فنزلت هذه الآية، ويحتمل أن يكون الضمير في
﴿يعلموا﴾ يراد به الذين تابوا وربطوا أنفسهم، وقوله هو تأكيد لانفراد الله بهذه الأمور وتحقيق لذلك، لأنه لو
قال إن الله يقبل التوبة لاحتمل، ذلك أن يكون قبول رسوله قبولاً منه فبينت الآية أن ذلك مما لا يصل إليه
نبي ولا ملك، وقوله ﴿ويأخذ الصدقات﴾ معناه يأمر بها ويشرعها كما تقول أخذ السلطان من الناس كذا إذا
حملهم على أدائه .
وقال الزجّاج: معناه ويقبل الصدقات، وقد وردت أحاديث في أخذ الله صدقة عبيده، ومنها قوله صلى
الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله بن أبي قتادة المحاربي عن ابن مسعود عنه: ((إن العبد إذا تصدق بصدقة
وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل))، ومنها قوله الذي رواه أبو هريرة: ((إن الصدقة تكون قدر اللقمة
يأخذها الله بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل))، ونحو هذا من
الأحاديث التي هي عبارة عن القبول والتحفي بصدقة العبد، فقد يحتمل أن تخرج لفظة ﴿ويأخذ﴾ على
هذا، ويتعلق بهذه الآية القول في قبول التوبة، وتلخيص ذلك أن قبول التوبة من الكفر يقطع به عن الله عز
وجل إجماعاً، وهذه نازلة هذه الآية، وهذه الفرقة التائبة من النفاق تائبة من كفر، وأما قبول التوبة من
المعاصي فيقطع بأن الله تعالى يقبل من طائفة من الأمة توبتهم، واختلف هل تقبل توبة الجميع، وأما إذا
عين إنسان تائب فيرجى قبول توبته ولا يقطع بها على الله، وأما إذا فرضنا تائباً غير معين صحيح التوبة فهل
يقطع على الله بقبول توبته أم لا، فاختلف فقالت فرقة فيها الفقهاء والمحدثون - وهو كان مذهب أبي رضي
الله عنه - يقطع على الله بقول توبته لأنه تعالى أخبر بذلك عن نفسه، وعلى هذا يلزم أن تقبل توبة جميع
التائبين، وذهب أبو المعالي وغيره من الأئمة إلى أن ذلك لا يقطع به على الله تعالى بل يقوى فيه الرجاء،
ومن حجتهم أن الإنسان إذا قال في الجملة إني لا أغفر لمن ظلمني ثم جاء من قد سبه وآذاه فله تعقب
حقه، وبالغفران لقوم يصدق وعده ولا يلزمه الغفران لكل ظالم.
قال القاضي أبو محمد: ونحو هذا من القول، والقول الأول أرجح والله الموفق للصواب، وقوله
تعالى ﴿عن عباده﴾ هي بمعنى ((من)، وكثيراً ما يتوصل في موضع واحد بهذه وهذه، تقول لا صدقة إلا عن
غنى ومن غنى، وفعل فلان ذلك من أشره وبطره وعن أشره وبطره، وقوله تعالى ﴿ألم يعلموا﴾ تقرير،

٨٠ -
تفسير سورة التوبة / الآيتان : ١٠٦، ١٠٧
والمعنى حق لهم أن يعلموا، وقوله ﴿وقل اعملوا﴾ الآية، صيغة أمر مضمنها الوعيد، وقال الطبري: المراد
بها الذين اعتذروا من المتخلفين وتابوا.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن المراد بها الذين اعتذورا ولم يتوبوا وهم المتوعدون وهم الذين
في ضمير قوله ﴿ألم يعلموا﴾ إلا على الاحتمال الثاني من أن الآيات كلها في ﴿الذين خلطوا عملاً صالحاً
وآخر سيئاً ﴾ [التوبة: ٨٤]، ومعنى ﴿فسيرى الله﴾ أي موجوداً معوضاً للجزاء عليه بخير أو شر، وأما الرسول
والمؤمنون فرؤيتهم رؤية حقيقة لا تجوز، وقال ابن المبارك رؤية المؤمنين هي شهادتهم على المرء بعد موته
وهي ثناؤهم عند الجنائز، وقال الحسن ما معناه: إنهم حذروا من فراسة المؤمن التي قال فيها النبي صلى الله
عليه وسلم ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))، وقوله تعالى ﴿وستردون إلى عالم الغيب والشهادة
فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ يريد البعث من القبور، و﴿الغيب والشهادة﴾ معناه ما غاب وما شوهد، وهي
حالتان تعم كل شيء، وقوله ﴿فينبئكم﴾ عبارة عن حضور الأعمال وإظهارها للجزاء عليها وهذا وعيد.
قوله عز وجل :
وَالَّذِينَ
١٠٦
وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (
أَتَّخَذُ واْ مَسْجِدَاضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِ بِقَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
٠٧
قوله ﴿وآخرون﴾ عطف على قوله أولاً ﴿وآخرون﴾ [التوبة: ٨٤]، وقرأ نافع والأعرج وابن نصاح
وأبو جعفر وطلحة والحسن وأهل الحجاز ((مرجون)) من أرجى دون همز، وقرأ أبو عمرو وعاصم وأهل
البصرة ((مرجؤون)) من أرجأ يرجىء بالهمز، واختلف عن عاصم، وهما لغتان، ومعناهما التأخير ومنه
المرجئة لأنهم أخروا الأعمال أي أخروا حكمها ومرتبتها، وأنكر المبرد ترك الهمز في معنى التأخير وليس
كما قال، والمراد بهذه الآية فيما قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وابن إسحاق الثلاثة الذين
خلفوا وهم هلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العامري وكعب بن مالك، ونزلت هذه الآية قبل التوبة
عليهم، وقيل إنها نزلت في غيرهم من المنافقين الذين كانوا معرضين للتوبة مع بنائهم مسجد الضرار،
وعلى هذا يكون الذين اتخذوا بإسقاط واو العطف بدلاً من ﴿آخرون﴾، أو خبر ابتداء تقديره هم الذين،
فالآية على هذا فيها ترج لهم واستدعاء إلى الإيمان والتوبة، و﴿عليم﴾ معناه بمن يهدي إلى الرشد،
و﴿حكيم﴾ فيما ينفذه من تنعيم من شاء وتعذيب من شاء لا رب غيره ولا معبود سواه، وقرأ خاصم وعوام
القراء والناس في كل قطر إلا بالمدينة ((والذين اتخذوا))، وقرأ أهل المدينة نافع وأبو جعفر وشيبة وغيرهم
(الذين اتخذوا)) بإسقاط الواو، وكذلك في مصحفهم، قاله أبو حاتم، وقال الزهراوي: وهي قراءة ابن عامر
وهي في مصاحف أهل الشام بغير واو، فأما من قرأ بالواو فذلك عطف على قوله ﴿وآخرون﴾ أي ومنهم
الذين اتخذوا، وأما من قرأ بإسقاطها فرفع ﴿الذين﴾ بالابتداء.
واختلف في الخبر فقيل الخبر ﴿لا تقم فيه أبداً﴾ [التوبة: ١٠٨] قاله الكسائي ويتجه بإضمار إما في أول الآية