Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ تفسير سورة الأنفال / الآيتان : ٣٤،٣٣ قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد التأويل ولا يقول هذا على جهة العناد عاقل، ويجوز في العربية رفع ﴿الحق﴾ على أنه خبر (هو) والجملة خبر (كان)، قال الزجاج: ولا أعلم أحداً قرأ بهذا الجائز وقراءة الناس إنما هي بنصب ((الحقَّ) على أن يكون خبر ((كان)) ويكون هو فصلاً، فهو حينئذ اسم وفيه معنى الإعلام بأن الذي بعده خبر ليس بصفة. و﴿أمطر﴾ إنما يستعمل في المكروه ومطر في الرحمة كذا قال أبو عبيدة. قال القاضي أبو محمد: ويعارض هذه قوله ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ [الأحقاف: ٢٤٣] لأنهم ظنوها سحابة رحمة، وقولهم ﴿من السماء﴾ مبالغة وإغراق وهذان النوعان اللذان اقترحوهما هما السالفان في الأمم عافانا الله وعفا عنا ولا أضلنا بمنّه ويمنه . قوله عز وجل : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [٢] وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّ بَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْأَوْلِيَاءُ: إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَّا ٣٤ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قالت فرقة: نزلت هذه الآية كلها بمكة، وقالت فرقة: نزلت كلها بعد وقعة بدر حكاية عما مضى، وقال ابن أبزى: نزل قوله ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ بمكة إثر قولهم ﴿أو ائتنا بعذاب أليم) [الأنفال: ٣٢] ونزل قوله ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة في طريقه إلى المدينة، وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون، ونزل قوله ﴿وما لهم﴾ إلى آخر الآية بعد بدر عند ظهور العذاب عليهم . قال القاضي أبو محمد: وأجمع المتأولون على أن معنى قوله ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾، أن الله عز وجل لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها، فما كان ليعذب هذه وأنت فيهم، بل كرامتك لديه أعظم، قال: أراه عن أبي زيد سمعت من العرب من يقول ((ما كان ليعذبهم)) بفتح اللام وهي لغة غير معروفة ولا مستعملة في القرآن، واختلفوا في معنى قوله ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ فقال ابن عباس وابن أبزى وأبو مالك والضحاك ما مقتضاه: إن الضمير في قوله ﴿معذبهم﴾ يعود على كفار مكة والضمير في قوله ﴿وهم﴾ عائد على المؤمنين الذين بقوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أي وما كان الله ليعذب الكفار والمؤمنون بينهم يستغفرون . قال القاضي أبو محمد: ويدفع في صدر هذا القول أن المؤمنين الذين رد الضمير عليهم لم يجر لهم ذكر، وقال ابن عباس أيضاً ما مقتضاه: أن يقال الضميران عائدان على الكفار، وذلك أنهم كانوا يقولون في دعائهم غفرانك، ويقولون لبيك لا شريك لك، ونحو هذا مما هو دعاء واستغفار، فجعله الله أمنة من عذاب الدنيا، وعلى هذا تركب قول أبي موسى الأشعري وابن عباس إن الله جعل من عذاب الدنيا أمنتين، كون i ٥٢٢ تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ٣٣، ٣٤ الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس والاستغفار، فارتفعت الواحدة وبقي الاستغفار إلى يوم القيامة، وقال قتادة: الضمير للكفار، وقوله ﴿وهم يستغفرون﴾، جملة في موضع الحفل أن لو كانت، فالمعنى وما كان الله معذبهم وهم بحال توبة واستغفار من كفرهم لو وقع ذلك منهم، واختاره الطبري، ثم حسن الزجر والتوقيف بعد هذا بقوله ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله﴾ وقال الزجّاج ما معناه، إن الضمير في قوله ﴿وهم﴾ عائد على الكفار. والمراد به من سبق له في علم الله أن يسلم ويستغفر، فالمعنى: وما كان الله ليعذب الكفار وفيهم من يستغفر ويؤمن في ثاني حال، وحكاه الطبري عن ابن عباس. :٠٫٩٥ وقال مجاهد في كتاب الزهراوي: المراد بقوله ﴿وهم يستغفرون﴾ ذرية المشركين يومئذ الذين سبق لهم في علم الله أن يكونوا مؤمنين، فالمعنى: وما كان الله ليعذبهم وذريتهم يستغفرون ويؤمنون، فنسب الاستغفار إليهم، إذ ذريتهم منهم، وذكره مكي ولم ينسبه، وفي الطبري عن فرقة أن معنى ﴿يستغفرون﴾ يصلون، وعن أخرى يسلمون ونحو هذا من الأقوال التي تتقارب مع قول قتادة، وقوله عز وجل: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله﴾ توعد بعذاب الدنيا، فتقديره وما يعلمهم أو يدريهم ونحو هذا من الأفعال التي توجب أن تكون ((أن)) في موضع نصب، وقال الطبري: تقديره وما يمنعهم من أن يعذبوا، والظاهر في قوله ﴿وما﴾ أنها استفهام على جهة التقرير والتوبيخ والسؤال، وهذا أفصح في القول وأقطع لهم في الحجة، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ نافية ويكون القول إخباراً، أي وليس لهم ألا يعذبوا وهم يصدون، وقوله (وهم يصدون﴾ على التأويلين جملة في موضع الحال، و﴿يصدون﴾ في هذا الموضع معناه يمنعون غيرهم، فهو متعدّ كما قال الشاعر: [الوافر] صددتِ الكأسَ عنا أمَّ عمرو وقد تجيء صد عير متعدٍّ كما أنشد أبو علي : [البسيط] صدت خليدة عنّا ما تكلّمُنا والضمير في قوله ﴿أولياؤه﴾ عائد على الله عز وجل من قوله ﴿يعذبهم الله﴾، أو على المسجد الحرام، كل ذلك جيد، روي الأخير عن الحسن، والضمير الآخر تابع للأول، وقوله ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ معناه لا يعلمون أنهم ليسوا بأوليائه بل يظنون أنهم أولياؤه، وقوله ﴿أكثرهم﴾ ونحن نجد كلهم بهذه الصفة، لفظ خارج إما على أن تقول إنه لفظ خصوص أريد به العموم وهذا كثير في كلام العرب، ومنه حکی سیپویه من قولهم: قل من یقول ذلك، وهم یریدون لا يقوله أحد. وإما أن يقول: إنه أراد بقوله ﴿أكثرهم﴾ أن يعلم ويشعر أن بينهم وفي خلالهم قوماً قد جنحوا إلى الإيمان ووقع لهم علم وإن كان ظاهرهم الكفر فاستثارهم من الجميع بقوله ﴿أکثرهم﴾ وكذلك كانت حال مكة وأهلها، فقد كان فيهم العباس وأم الفضل وغيرها، وحكى الطبري عن عكرمة قال الحسن بن أبي الحسن: إن قوله ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله﴾، ناسخ لقوله ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾. : ٥٢٣ تفسير سورة الأنفال / الآية : ٣٥ قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، لأنه خبر لا يدخله نسخ. قوله عز وجل : وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ اَلْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْالْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ قرأ الجمهور ((وما کان صلاتهم)) بالرفع ((عند البيت إلا مكاءً)) بالنصب («وتصدیةً» كذلك، وروي عن عاصم أنه قرأ: ((صلاتهم)) بالنصب ((إلا مكاءٌ وتصديةٌ)) بالرفع، ورويت عن سليمان الأعمش بخلاف عنه فيما حكى أبو حاتم، وذكر أبو علي عن الأعمش أنه قال في قراءة عاصم: أفإن لحن عاصم تلحن أنت؟ قال أبو الفتح: وقد روي الحرف كذلك عن أبان بن تغلب، قال قوم: وهذه القراءة خطأ لأنه جعل الاسم نكرة والخبر معرفة، قال أبو حاتم: فإن قيل إن المكاء والتصدية اسم جنس واسم الجنس معرفاً ومنكراً واحد في التعريف، قيل إن استعماله هكذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، كما قال حسان: [الوافر]. كأنَّ سبيئةٌ من بيت رأس يكون مزاجها عسلٌ ومساءً ولا يقاس على ذلك، فأما أبو الفتح فوجه هذه القراءة بما ذكرناه من تعريف اسم الجنس وبعد ذلك يرجح قراءة الناس قال أبو علي الفارسي: وإنما ذهب من ذهب إلى هذه القراءة لما رأى الفعل أن الصلاة مؤنثة ورأى المسند إليها ليس فيه علامة تأنيث فأراد تعليقه بمذكر وهو المكاء، وأخطأ في ذلك، فإن العرب تعلق الفعل لا علامة فيه بالمؤنث، ومنه قوله تعالى: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصبحة﴾ [هود: ٦٧] وقوله ﴿فانظر كيف كان عاقبة مكرهم﴾ [النمل: ٥١] ﴿وكيف كان عاقبة المفسدين﴾ [الأعراف: ٨٦ -١٠٣، النمل: ١٤] ونحو هذا مما أسند فيه الفعل دون علامة إلى المؤنث، والمكاء على وزن الفعال الصفير قاله ابن عباس والجمهور، فقد يكون بالفم وقد يكون بالأصابع والكف في الفم، قال مجاهد وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقد يشارك الأنف يقال مكا يمكو إذا صفر، ومنه قول عنترة: [الكامل] وخليل غانية تركت مجدلاً تمكو فريصته كشدق الأعلم : ومنه قول الشاعر: فكأنما يمكو بأعصم عاقل يصف رجلا فر به حيوان ومنه قول الطرماح: [الكامل] تمكو جوانبها من الإنهار فنحا لأولاها بطعنة محفظ ومكت أست الدابة إذا صفرت يقال ولا تمكو إلا است مكشوفة ومن هذا قيل للاست مكوة قال أبو علي: فالهمزة في ﴿مكاء﴾ منقلبة عن واو. قال القاضي أبو محمد: ومن هذا قيل للطائر المكّاء لأنه يمكو أي يصفر في تغريده، ووزنه فعال بشد ٥٢٤ تفسير سورة الأنفال / الآية: ٣٥ العين كخطاف، والأصوات في الأكثر تجيء على فعال بتخفيف العين كالبكاء والصراخ والدعاء والجزار والنباح ونحوه، وروي عن قتادة أن المكاء صوت الأيدي وذلك ضعيف، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ ((إلا مكا)) بالقصر، و((التصدية)) عبر عنها أكثر الناس بأنها التصفيق، وقتادة بأنه الضجيج والصياح، وسعيد بن جبير بأنها الصد والمنع، ومن قال التصفيق قال: إنماكان للمنع عن ذكر الله ومعارضة لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن، و((التصدية)) يمكن أن تكون من صدى يصدى إذا صوت والصدى الصوت، ومنه قول الطرماح يصف الأروية: [الطويل] بمصران أعلى ابني شمام البوائن لها كلما ريعت صداة ورکدة ٠١٠ فيلتثم على هذا الاشتقاق قول من قال: هو التصفيق، وقول من قال الضجيج، ولا يلتئم عليه قول من قال هو الصد والمنع إلا أن يجعل التصويت إنما يقصد به المنع، ففسر اللفظ بالمقصود لا بما يخصه من معناه، ويمكن أن تكون ((التصدية)) من صد يصد استعمل الفعل مضعفاً للمبالغة والتكثير لا ليجدی فقيل صدد، وذلك أن الفعل الذي يتعدى إذا ضعف فإنما يضعف للتكثير، إذ التعدي حاصل قبل التضعيف، وذلك نحو قوله ﴿وغلقت الأبواب﴾ [يوسف: ٢٣] والذي يضعف ليعدى هو كقولهم علم وغرم فإذا قلنا في صد صدد ففعل في الصحيح يجيء مصدره في الأكثر على تفعيل وفي الأقل على تفعلة مثل كمل تكميلاً وتكملة وغير ذلك، بخلاف المعتل فإنه يجيء في الأكثر على تفعلة مثل عزى وتعزية وفي الشاذ على تفعيل، مثل قول الشاعر: [الرجز] بات ینزي دَلْوه تنزّیا وإذا كان فعل في الصحيح يتسق فيه المثلان رفض فيه تفعلة مثل قولنا تصدية وصير إلى تفعيل لتحول الياء بین المثلین کتخفیف وتشدید، فلما سلكوا مصدر صدد المسلك المرفوض أصلح ذلك بأن إبدال أحد المثلين ياء كبدلهم في تظننت ونحوه، فجاء ((تصدية))، فعلى هذا الاشتقاق يلتئم قول من قال التصدية الصد عن البيت والمنع، ويمكن أن تكون التصدية من صد يصِد بكسر الصاد في المستقبل إذا ضج، ويبدل أيضاً على هذا أحد المثلين، ومنه قوله تعالى: ﴿إذا قومك منه يصِدون﴾ [الزخرف: ٥٧] بكسر الصاد، ذكره النحاس، وذهب أكثر المفسرين إلى أن ((المكاء والتصدية)) إنما أحدثها الكفار عند مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقطع عليه وعلى المؤمنين قراءتهم وصلاتهم ويخلط عليهم، فكان المصلي إذا قام يقرأ من المؤمنين اكتنفه من الكفار عن يمينه وشماله من يمكو ويصدي حتى تختلط عليه قراءته، فلما نفى الله تعالى ولايتهم للبيت أمكن أن يعترض معترض بأن يقول، وكيف لا نكون أولياءه ونحن نسكنه ونصلي عنده؟ فقطع الله هذا الاعتراض بأن قال وما كان صلاتهم إلا المكاء والتصدية، وهذا كما يقول رجل أنا أفعل الخير فيقال له ما فعلك الخير إلا أن تشرب الخمر وتقتل، أي هذه عادتك وغايتك. قال القاضي أبو محمد: والذي مر بي من أمر العرب في غير ما ديوان أن المكاء والتصدية كان من فعل العرب قديماً قبل الإسلام على جهة التقرب به والتشرع ، ورأيت عن بعض أقوياء العرب أنه كان يمكو على الصفا فيسمع من جبل حراء، وبينهما أربعة أميال، وعلى هذا يستقيم تعبيرهم وتنقصهم بأن شرعهم ٥٢٥ تفسير سورة الأنفال / الآية: ٣٦ وصلاتهم وعبادتهم لم تكن رهبة ولا رغبة، إنما كانت مُكاء وتصدية من نوع اللعب، ولكنهم كانوا يتزيدون فيها وقت النبي صلى الله عليه وسلم ليشغلوه وأمته عن القراءة والصلاة، وقوله ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ إشارة إلى عذابهم ببدر بالسيف قاله ابن جريج والحسن والضحاك، فيلزم من هذا أن هذه الآية الأخيرة نزلت بعد بدر ولا بد. قال القاضي أبو محمد: والأشبه أن الكل نزل بعد بدر حكاية عما مضى والله ولي التوفيق برحمته . قوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْيُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّ واعَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ ٣٦ حَسْرَةُ ثُمَّ يُغْلَبُونَُّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ قال بعض الرواة منهم ابن أبزى وابن جبير والسدي ومجاهد: سبب نزول هذه الآية أن أبا سفيان أنفق في غزوة أحد على الأحابيش وغيرهم أربعين أوقية من الذهب أو نحو هذا، وأن الآية نزلت في ذلك، وقال ابن شهاب ومحمد بن يحيى بن حيان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ إنه لما قتل من قتل ببدر اجتمع أبناؤهم وقرابتهم وقالوا لمن خلص ماله في العير: إن محمداً قد نال منا ما ترون، ولكن أعينونا بهذا المال الذي كان سبب الواقعة، فلعلنا أن ننال منه ثأراً، ففعلوا فنزلت الآية في ذلك. قال القاضي أبو محمد: وعلى القولين فإنما أنفق المال في غزوة أحد، فأخبر الله تعالى في هذه الآية خبراً لفظه عام في الكفار، والإشارة به إلى مخصوصين أنهم ينفقون أموالهم يقصدون بذلك الصد عن سبيل الله والدفع في صدر الإسلام، ثم أخبر خبراً يخص المشار إليهم أنهم ينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، إذ لا تتم لهم إرادة ويذهب المال باطلاً، والحسرة التلهف على الفائت، ويحتمل أن تكون الحسرة في يوم القيامة، والأول أظهر وإن كانت حسرة القيامة راتبة عليهم، ثم أخبر أنهم يغلبون بعد ذلك، بأن تكون الدائرة عليهم، وهذا من إخبار القرآن بالغیوب لأنه أخبر بما یکون قبل أن یکون، فکان کما أخبر، قال ابن سلام: بين الله عز وجل أنهم يغلبون قبل أن يقاتلوا بسنة، حكاه الزهراوي، ثم أخبر تعالى عن الكافرين أنهم يجمعون إلى جهنم، والحشر جمع الناس والبهائم إلى غير ذلك مما يجمع ويحضر، ومنه قوله ﴿وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً﴾ [الأنعام: ١١١] ومنه في التفسير: أن السلوى طائر كانت الجنوب تحشره على بني إسرائيل، والقوم الذين جلبهم أبو سفيان وأنفق المال عليهم هم الأحابيش من كنانة، ولهم يقول كعب بن مالك: [الطويل] أحابيشُ منهم حاسرٌ ومقنعُ وَجِئْنا إلى موجٍ من البحر وسطه ثلاثُ مثين إن كثرن وأربعُ ثلاثة آلاف ونحن قصية(١) وقال الضحاك وغيره: إن هذه الآية نزلت في نفقة المشركين الخارجين إلى بدر الذين كانوا يذبحون يوماً عشراً ويوماً تسعاً من الإبل، وحكى نحو هذا النقاش. ٥٢٦ تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٣٧- ٤٠ قوله عز وجل : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيِثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضِ فَيَرْكُمُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ أَ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْيُغْفَرْ لَهُم مَّاقَدْ فِي جَهَتَمَ أَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ٣٨ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (*) وَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَئِكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ٤٠ قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ((لَيْمِيز)) بفتح الياء وكسر الميم، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة بن نصاح وشبل وأبي عبد الرحمن والحسن وعكرمة ومالك بن دينار، تقول مزت الشيء، والعرب تقول مزته فلم يتميز لي، حكاه يعقوب وفي شاذ القراءة وانمازوا اليوم، وأنشد أبو زيد: [البسيط] لما ثنى الله عني شرَّ عدوتِهِ وانمزت لا منشئاً ذعراً ولا وجلا وهو مطاوع ماز، وقرأ حمزة والكسائي ((لُيُميّز)) بضم الياء وفتح الميم وشد الياء، وهي قراءة قتادة وطلحة بن مصرف والأعمش والحسن أيضاً وعيسى البصري، تقول ميزت أميز إذا فرقت بين شيئين فصاعداً، وفي القرآن ﴿تميز من الغيظ﴾ [الملك: ٨] فهو مطاوع ميز ومعناه تتفصل، وقال ابن عباس رضي الله عنه والسدي، المعنيّ بـ ﴿الخبيث﴾ الكفار وبـ ﴿الطيب) المؤمنون .. ١ ! قال القاضي أبو محمد: واللام على هذا التأويل من قوله ﴿ليميز﴾ متعلقة بـ ﴿يحشرون﴾ [الأنفال: ٣٦]، والمعنى أن الله يحشر الكافرين إلى جهنم ليميز الكافرين من المؤمنين بأن يجمع الكافرين جميعاً فيلقيهم في جهنم، ثم أخبر عنهم أنهم هم الخاسرون أي الذين خابت سعايتهم وتبت أيديهم وصاروا إلى النار، وقال ابن سلام والزجّاج: المعنيّ بـ ﴿الخبيث) المال الذي أنفقه المشركون في الصد عن سبيل الله، و﴿الطيب) هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله . قال القاضي أبو محمد: واللام على هذا التأويل من قوله ﴿ليميز﴾ متعلقة بـ ﴿يغلبون﴾ [الأنقال: ٣٦]، والمعنى: الكفار ينفقون أموالهم فتكون عليهم حسرة ثم يغلبون مع نفقتها، وذلك لیمیز الله الفرق بين الخبيث والطيب فيخذل أهل الخبيث وينصر أهل الطيب، وقوله تعالى على هذا التأويل ﴿ويجعل الخبيث بغضه على بعض﴾ إلى قوله ﴿في جهنم) مترتب على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى يخرج من الأموال ما كان صدقة أو قربة يوم القيامة ثم يأمر بسائر ذلك فيلقى في النار، وحكى الزهراوي عن الحسن أن الكفار يعذبون بذلك المال، فهي كقوله ﴿فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ [التوبة: ٣٥] وقاله الزجاج: وعلى التأويلين فقوله ﴿ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً﴾ إنما هي عبارة عن جمع ذلك وضمه وتأليف أشتاته وتكاثفه بالاجتماع، و﴿يركمه﴾ في كلام العرب يكثفه، ومنه 1 ----- ٥٢٧ تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٣٧ - ٤٠ سحاب مركوم وركام، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] زع بالزمام وجوز الليل، مركومُ وقوله ﴿ويجعل الخبيث﴾ بمعنى يلقي، قاله أبر علي، ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ على هذا التأويل يراد المنافقون من الكفار، ولفظة الخسارة تليق بهم من جهة المال وبغير ذلك من الجهات، وقوله ﴿قل للذين كفروا﴾ الآية، أمر من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى الذي تضمنه ألفاظ قوله ﴿إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وسواء قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العبارة أو غيرها، ولو كان الكلام كما ذكر الكسائي أنه في مصحف ابن مسعود ((قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لكم)) لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها، هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ، وقوله ﴿إن ینتهوا﴾ یرید به عن الكفر ولا بد، والحامل على ذلك جواب الشرط بـ ﴿يغفر لهم ما قد سلف﴾، ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنتهٍ عن الكفر، وقوله ﴿إن يعودوا﴾ يريد به إلى القتال لأن لفظة عاد يعود إذا جاءت مطلقة فإنما تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان الإنسان عليها ثم تنقّل عنها. ولسنا نجد في هذه الآية لهؤلاء الكفار حالة تشبه ما ذكرنا إلا القتال، ولا يصح أن يتأول ﴿وإن يعودوا﴾ إلى الكفر لأنهم لم ينفصلوا عنه وإنما قلنا في عاد إذا كانت مطلقة لأنها قد تجيء في كلام العرب داخلة على الابتداء والخبر بمنزلة صار، وذلك كما تقول عاد زيد ملكاً تريد صار، ومنه قول أبي الصلت: تلك المكارم لا قعبان من لبن شبيبا بماء فعادا بعد أبوالا وهذه لا تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان العائد عليها قبل، لكنها مقيدة بخبرها لا يجوز الاقتصار دونه، فحكمها حكم صار، وقوله ﴿فقد مضت سنة الأولين﴾ عبارة بجمع الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله حين صد في وجه نبيه وبمن هلك في يوم بدر بسيف الإسلام والشرع، والمعنى فقد رأيتم وسمعتم عن الأمم ما حل. قال القاضي أبو محمد: والتخويف عليهم بقصة بدر أشد إذ هي القريبة منهم والمعاينة عندهم وعليها نص ابن إسحاق والسدي، وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ الآية، أمر من الله عز وجل فرض به على المؤمنين أن يقاتلوا الكفار، و((الفتنة)) قال ابن عباس وغيره معناها الشرك، وقال ابن إسحاق: معناها حتى لا يفتن أحد عن دينه كما كانت قريش تفعل بمكة بمن أسلم كبلال وغيره، وهو مقتضى قول عروة بن الزبير في جوابه لعبد الملك بن مروان حين سأله عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً، وقوله ﴿ويكون الدين كله لله﴾ أي لا يشرك معه صنم ولا وثن ولا يعبد غيره، وقال قتادة حتى تستوسق كلمة الإخلاص لا إله إلا الله . قال القاضي أبو محمد: وهذه المعاني تتلازم كلها، وقال الحسن: حتى لا يكون بلاء، وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين الفئة الباغية، على سائر ما ذكرناه من الأقوال يكون المعتزل في فسحة، وعلى هذا جاء قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه أما نحن فقد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأما أنت وأصحابك فتريدون أن نقاتل حتى تكون فتنة. 1 ٥٢٨ * تفسير سورة الأنفال / الآية: ٤١ قال القاضي أبو محمد: فمذهب عمر أن ((الفتنة)) الشرك في هذه الآية وهو الظاهر، وفسر هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله))، ومن قال المعنى حتى لا يكون شرك فالآية عنده يريد بها الخصوص فيمن لا يقبل منه جزية، قال ابن سلام: وهي في مشركي العرب، ثم قال الله تعالى: ﴿فإن انتهوا﴾ أي عن الكفر فإن الله بصير بعملهم مجاز عليه، عنده ثوابه وجميل المعاوضة عليه وقرأ يعقوب بن إسحاق وسلام بن سلیمان «بما تعملون» بالتاء أي في قتالکم وجدکم وجلادکم عن دينه . وقوله تعالى: ﴿وإن تولوا) الآية، معادل لقوله ﴿فإن انتهوا﴾، والمعنى فإن انتهوا عن الكفر فالله مجازيهم أو مجازيكم على قراءة ((تعملون))، وإن تولوا ولم ينتهوا فاعلموا أن الله ينصركم عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظفر، أي فجدوا، و((المولى)) ها هنا الموالي والمعين، والمولى في اللغة على معان هذا هو الذي يليق بهذا الموضع منها، والمولى الذي هو السيد المقترن بالعبد يعم المؤمنين والمشركين. قوله عز وجل : وَأَعْلَمُوَ أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ ءَامَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِ نَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (ب) موضع ((أن)) الثانية رفع، التقدير ((فحكمه أن))، فهي في موضع خبر الابتداء، والغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي من ذلك قول الشاعر [امرؤ القيس]: [الوافر] رضيت من الغنيمة بالإياب وقد طفت في الآفاق حتى وقال آخر: [البسيط] ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه أنّى توجَّهَ والمجروم محروم ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرهن: ((له غنمه وعليه حرمه) وقوله: ((الصيام في الشتاء هو الغنيمة الباردة)) فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب غنيمة، ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفاً له، والفيء مأخوذ من فاء إذا رجع وهو كل ما دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف كخراج الأرض وجزية الجماجم وخمس الغنيمة ونحو هذا قال القاضي أبو محمد: والزكوات أيضاً مال على حدته، أحكامه منفردة دون أحكام هذين، قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب: الغنيمة ما أخذ عنوة والفيء ما أخذ صلحاً، وهذا قريب مما بيناه، وقال قتادة: الفيء والغنيمة شيء واحد فيهما الخمس، وهذه الآية التي في الأنفال ناسخة لقوله في سورة الحشر ﴿وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ [الآية: ٧] وذلك أن تلك كانت الحكم أولاً، ثم أعطى الله أهلها الخمس فقط وجعل الأربعة الأخماس في المقاتلين. : : ٥٢٩ تفسير سورة الأنفال / الآية: ٤١ قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف نص العلماء على ضعفه وأن لا وجه له من جهات، منها أن هذه السورة نزلت قبل سورة الحشر هذه ببدر، وتلك في بني النضير وقرى عرينة، ولأن الآيتين متفقتان وحكم الخمس وحكم تلك الآية واحد لأنها نزلت في بني النضير حين جلوا وهربوا وأهل فدك حين دعوا إلى صلح ونال المسلمون ما لهم دون إيجاف، وحكى ابن المنذر عن الشافعي أن في الفيء الخمس، وأنه كان في قرى عرينة زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أربعة أخماسها كان للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة دون المسلمين يضعها حيث شاء. وقال أبو عبيدة: هذه الآية ناسخة لقوله في أول السورة ﴿قل الأنفال الله والرسول﴾ [الأنفال: ١] ولم يخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذه الآية. قال القاضي أبو محمد: ويظهر في قول علي بن أبي طالب في البخاري كانت لي شارق من نصيبي من المغنم ببدر وشارق أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخمس حينئذ أن غنيمة بدر خمست فإن كان ذلك فسد قول أبي عبيدة، ويحتمل أن يكون الخمس الذي ذكره علي بن أبي طالب من إحدى الغزوات التي كانت بين بدر وأحد، فقد كانت غزوة بني سليم وغزوة السويق وغزوة ذي أمر وغزوة نجران ولم يحفظ فيها قتال ولكن يمكن أن غنمت غنائم والله أعلم. وقوله في هذه الآية ﴿من شيء﴾ ظاهره عام ومعناه الخصوص، فأما الناض والمتاع والأطفال والنساء وما لا يؤكل لحمه من الحيوان ويصح تملكه فليس للإمام في جميع ذلك ما كثر منه وما قل كالخايط والمخيط إلا أن يأخذ الخمس ويقسم الباقي في أهل الجيش، وأما الأرض فقال فيها مالك: يقسمها الإمام إن رأى ذلك صواباً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، ولا يقسمها إن أداه اجتهاده إلى ذلك كما فعل عمر بأرض مصر سواد الكوفة . قال القاضي أبو محمد: لأن فعل عمر ليس بمخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ليست النازلة واحدة بحسب قرائن الوقتين وحاجة الصحابة وقلتهم، وهذا كله انعكس في زمان عمر، وأما الرجال ومن شارف البلوغ من الصبيان فالإمام عند مالك وجمهور العلماء مخير فيهم على خمسة أوجه، منها القتل وهو مستحسن في أهل الشجاعة والنكاية، ومنها الفداء وهو مستحسن في ذي المنصب الذي ليس بشجاع ولا يخاف منه رأي ولا مكيدة لانتفاع المسلمين بالمال الذي يؤخذ منه، ومنها المن وهو مستحسن فيمن يرجى أن يحنو على أسرى المسلمين ونحو ذلك من القرائن، ومنها الاسترقاق، ومنها ضرب الجزية والترك في الذمة، وأما الطعام والغنم ونحوهما مما يؤكل فهو مباح في بلد العدو يأكله الناس فما بقي كان في المغنم. قال القاضي أبو محمد: وأما أربعة أخماس ما غنم فيقسمه الإمام على الجيش، ولا يختص بهذه الآية ذكر القسمة فأنا أختصره هنا، وأما الخمس فاختلف العلماء فيه، فقال مالك رحمه الله: الرأي فيه للإمام يلحقه ببيت الفيء ويعطي من ذلك البيت لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه، كما يعطي* منه اليتامى والمساكين وغيرهم، وإنما ذكرمن ذکر علی وجه التنبيه علیھم لأنهم من أهم من يدفع إليه، قال الزجاج محتجاً لمالك: ٥٣٠ تفسير سورة الأنفال / الآية: ٤١ قال الله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [البقرة: ٢١٥]. وللإمام بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك، وقالت فرقة: كان الخميس يقسم على ستة أقسام، قسم الله وهو مردود على فقراء المسلمين أو على بيت الله، وقسم للنبي صلى الله عليه وسلم، وقسم لقرابته، وقسم لسائر من سمي، حكى القول منذر بن سعيد ورد عليه، قال أبو العالية الرياحي : كان النبي صلى الله عليه وسلم، يقبض من خمس الغنيمة قبضة فيجعلها للكعبة فذلك لله، ثم يقسم الباقي على خمسة، قسم له وقسم لسائر من سمي، وقال الحسن بن محمد وابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة والشافعي: قوله ﴿فأن لله خمسه﴾ استفتاح كلام كما يقول الرجل لعبده قد أعتقك الله وأعتقتك على جهة التبرك وتفخيم الأمر، والدنيا كلها لله، وقسم الله وقسم الرسول واحد، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يقسم الخمس على خمسة أقسام كما تقدم، وقال ابن عباس أيضاً فيما روى عنه الطبري، الخمس مقسوم على أربعة أقسام، وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم، لقرابته وليس لله ولا للرسول شيء، وقالت فرقة: قسم الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد موته مردود على أهل الخمس القرابة وغيرها، وقالت فرقة : هو مردود على الجيش أصحاب الأربعة الأخماس، وقال علي بن أبي طالب: يلي الإمام منهم سهم الله ورسوله، وقالت فرقة : هو موقوف لشراء العدد وللكراء في سبيل الله، وقال إبراهيم النخعي وهو الذي اختاره أبو بكر وعمر فيه، وقال أصحاب الرأي: الخمس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، مقسوم ثلاثة أقسام، قسم لليتامى، وقسم للمساكين وقسم لابن السبيل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يورث، فسقط سهمه وسهم ذوي القربى، وحجتهم فيه منع أبي بكر وعمر وعثمان لذوي القربى. قال القاضي أبو محمد: ولم يثبت المنع بل عورض بنو هاشم بأن قريشاً قربى، وقيل لم يكن في مدة أبي بكر مغنم، وقال الشافعي: يعطى أهل الخمس منه ولا بد ويفضل الإمام أهل الحاجة ولكن لا يحرم صنفاً منهم حرماناً تاماً، وقول مالك رحمه الله: إن للإمام أن يعطي الأحوج وإن حرم الغير. قال القاضي أبو محمد: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصاً من الغنيمة بثلاثة أشياء كان له خمس الخمس، وكان له سهم في سائر الأربعة الأخماس، وكان له صفيّ يأخذه قبل القسمة، دابة أو سيف، أو جارية ولا صفيّ لأحد بعده بإجماع إلا ما قال أبو ثور من أن الصفيّ باق للإمام، وهو قول معدود في شواذ الأقوال، وذوو القربى قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي بن الحسين وعبد الله بن الحسن وعبد الله بن عباس: هم بنو هاشم فقط، فقال مجاهد: كان آل محمد صلى الله عليه وسلم لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس، قال ابن عباس: ولكن أبى ذلك علينا قومنا، وقالوا قريش كلها قربى، وقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو المطلب فقط، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن عفان وجبير بن مطعم في وقت قسمة سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب ((إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد ما فارقونا في جاهلية ولا في الإسلام)). قال القاضي أبو محمد: کانوا مع بني هاشم في الشعب وقالت فرقة: قریش کلھا قربی، وروي عن - ٥٣١ تفسير سورة الأنفال / الآية: ٤١ علي بن الحسين وعبد الله بن محمد بن علي أنهما قالا : الآية كلها في قريش، والمراد يتامى قريش ومساكينها، وقالت فرقة: سهم القرابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم موقوف على قرابته، وقد بعثه إليهم عمر بن عبد العزيز إلى بني هاشم وبني المطلب فقط، وقالت فرقة: هو لقرابة الإمام القائم بالأمر، وقال قتادة: كان سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حياً، فلما توفي جعل لولي الأمر بعده، وقاله الحسن بن أبي الحسن البصري، وحكى الطبري أيضاً عن الحسن أنه قال: اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال قوم: سهم النبي صلى الله عليه وسلم للخليفة، وقال قوم: سهم النبي صلى الله عليه وسلم لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال قوم: سهم القرابة لقرابة الخليفة، فاجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة، فكان على ذلك مدة أبي بكر رضي الله عنه، قال غير الحسن وعمر و﴿اليتامى﴾ الذين فقدوا آباءهم من الصبيان، واليتم في بني آدم من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات، ﴿والمساكين﴾ الذين لا شيء لهم وهو مأخوذ من السكون وقلة الحراك، ﴿وابن السبيل﴾ الرجل المجتاز الذي قد احتاج في سفر، وسواء كان غنّاً في بلده أو فقيراً فإنه ابن السبيل يسمى بذلك إما لأن السبيل تبرزه فكأنها تلده، وإما لملازمة السبيل كما قالوا ابن ماء وأخو سفر، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة ابن زنى)) وقد تقدم هذا. قال القاضي أبو محمد: وقد اقتضبت فقه هذه الآية حسب الاختصار والله المستعان. قال القاضي أبو محمد: و﴿ما﴾ في قوله ﴿ما غنمتم﴾ بمعنى الذي، وفي قوله ﴿غنمتم﴾ ضمير يعود عليها، وحكي عن الفراء أنه جوز أن تكون ((ما)) شرطية بتقدير أنه ما، وحذف هذا الضمير لا يجوز عند سيبويه إلا في الشعر، ومنه: إن من يدخل الكنيسة يوماً وقرأ الجمهور ((فأن الله)) بفتح الهمزة، وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم وحسين عن أبي عمرو ((فإن)) بكسر الهمزة، وقرأ الحسن ((خَمْسه)) بسكون الميم، وقوله تعالى: ﴿إن كنتم آمنتم بالله﴾ الآية، قال الزجّاج عن فرقة: المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم، ((فإن)) متعلقة بهذا الوعد، وقال أيضاً عن فرقة: إنها متعلقة بقوله ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصحيح، لأن قوله ﴿واعلموا﴾ يتضمن بانقياد وتسليم لأمر الله في الغنائم فعلق ((أن)) بقوله ﴿واعلموا﴾ على هذا المعنى أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة، وقوله ﴿وما أنزلنا﴾ عطف على قوله ﴿بالله﴾ والمشار إليه بـ ﴿ما﴾ هو النصر والظهور الذي أنزله الله يوم بدر على نبيه وأصحابه، أي إن كنتم مؤمنين بالله وبهذه الآيات والعظائم الباهرة التي أنزلت يوم بدر، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى قرآن نزل يوم بدر أو في قصة يوم بدر على تكره في هذا التأويل الأخير. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون المعنى واعلموا أنما غنمتم يوم الفرقان يوم التقى الجمعان فإن خمسه لكذا وكذا إن كنتم آمنتم، أي فانقادوا لذلك وسلموا وهذا تأويل حسن في المعنى، ٥٣٢ اتفسير سورة الأنفال / الآية: ٤٢ ويعترض فيه الفصل بين الظرف وما تعلق به بهذه الجملة الكثيرة من الكلام، و﴿يوم الفرقان﴾ معناه يوم الفرق بين الحق والباطل بإعزاز الإسلام وإذلال الشرك، و﴿الفرقان﴾ مصدر من فرق يفرق، و﴿الجمعان﴾ يريد جمع المسلمين وجمع الكفار، وهو يوم الوقعة التي قتل فيها صناديد قريش بندر، ولا خلاف في ذلك، وعليه نص ابن عباس ومجاهد ومقسم والحسن بن علي وقتادة وغيرهم، وكانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة هذا قول جمهور الناس. وقال أبو صالح: لتسع عشرة، وشك في ذلك عروة بن الزبير، وقال لتسع عشرة أو لسبع عشرة، والصحيح ما عليه الجمهور، وقوله عز وجل: ﴿والله على كل شيء قدير﴾، يعضد أن قوله ﴿وما أنزلنا على عبدنا﴾ يراد به النصر والظفر، أي الآيات والعظائم من غلبة القليل الكثير، وذلك بقدرة الله تعالى الذي هو على كل شيء قدير. قوله عز وجل : إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الذُّنْيَاوَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَأَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَدِ وَلَكِن لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرً ا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيهُ ٤٢ العامل في ﴿إذ﴾ قوله ﴿التقى﴾ و﴿العدوة) شفير الوادي وحرفه الذي يتعذر المشي فيه بمنزلة رحا البير لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوز الوادي أي منعته، ومنه قول الشاعر: وحالت دونها حرب زبون عدتني عن زيارتك العوادي ولأنها ما عدا الوادي أي جاوزه، وتسمى الضفة والفضاء المساير للوادي عدوة للمجاورة، وهذه هي العدوة التي في الآية، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ((بالعُدوة)) بضم العين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((بالعدوة)) بكسر العين، وهما لغتان، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وقتادة وعمرو ((بالعَدوة)) بفتح العين، ويمكن أن تكون تسمية بالمصدر، قال أبو الفتح: الذي في هذا أنها لغة ثالثة كقولهم في اللبن رغوة ورغوة ورُغوة، وروى الكسائي: كلمته بحضرة فلان وحضرته إلى سائر نظائر، ذكر أبو الفتح كثيراً منها، وقوله ﴿الدنيا﴾ و﴿القصوى﴾ إنما بالإضافة إلى المدينة، وفي حرف ابن مسعود ((إذ أنتم بالعدوة العليا وهم بالعدوة السفلى))، ووادي بدر آخذ بين الشرق والقبلة منحرف إلى البحر الذي هو قريب من ذلك الصقع، والمدينة من الوادي من موضع الوقعة منه في الشرق وبينهما مرحلتان، حدثني أبي أنه رأى هذه المواضع على ما وصفت وقال ابن عباس: بدر بين مكة والمدينة، و﴿الدنيا﴾ من الدنو، و﴿القصوى﴾ من القصو، وهو البعد، وكان القياس أن تكون القصيا لكنه من الشاذ، وقال الخليل في العين: شذت لفظتان وهما القصوى والفتوى، وكان القياس فيهما بالياء كالدنيا والعليا، و﴿الركب﴾ بإجماع من المفسرين غير أبي سفيان، ولا یقال رکب إلا لركاب الإبل وهو من أسماء الجمع، وقد یجمع راکب عليه کصاحب وصحب وتاجر وتجر، ولا يقال ركب لما كثر جداً من الجموع. .. ... ٥٣٣ تفسير سورة الأنفال / الآية: ٤٢ وقال القتبي: الركب العشرة ونحوها، وهذا غير جيد لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قد قال ((والثلاثة ركب» الحديث وقوله ﴿أسفل﴾ في موضع خفض تقديره في مكان أسفل كذا قال سيبويه، قال أبو حاتم: نصب ((أسفلَ)) على الظرف ويجوز ((الركب أسئل)) على معنى وموضع الركب أسفل أو الركب مستقراً أسفل. قال القاضي أبو محمد: وكان الركب ومدبر أمره أبو سفيان بن حرب قد نكب عن بدر حين نذر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ سيف البحر فهو أسفل بالإضافة إلى أعلى الوادي من حيث يأتي، وقال مجاهد في كتاب الطبري: أقبل أبو سفيان وأصحابه من الشام تجاراً لم يشعروا بأصحاب بدر ولم يشعر أصحاب محمد بكفار قريش ولا كفار قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى التقوا على ماء بدر من يسقي لهم كلهم، فاقتتلوا فغلبهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأسروهم. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا تعقب، وكان من هذه الفرق شعور يبين من الوقوف على القصة بكمالها، وقوله ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد﴾ قال الطبري وغيره: لو تواعدتم على الاجتماع ثم علمتم كثرتهم وقلتكم لخالفتم ولم تجتمعوا معهم، وقال المهدوي: المعنى أي لاختلفتم بالقواطع والعوارض القاطعة بين الناس. قال القاضي أبو محمد: وهذا نيل واضح، وإيضاحه أن المقصد من الآية نعمة الله وقدرته في قصة بدر وتيسيره ما يسر من ذلك، فالمعنى إذ هيأ الله لكم هذه الجمال ولو تواعدتم لها لاختلفتم إلا مع تيسير الذي تمم ذلك، وهذا كما تقول لصاحبك في أمر سناه الله دون تعب كثير: ولو بنينا على هذا وسعينا فيه لم يتم هكذا، ثم بين تعالى أن ذلك إنما كان بلطف الله عز وجل ﴿ليقضي أمراً﴾ أي لينفذ ويظهر أمراً قد قدره في الأول ﴿مفعولاً﴾ لكم بشرط وجودكم في وقت وجودكم، وذلك كله معدوم عنده، وقوله تعالى: ﴿ليهلك من هلك عن بينة﴾ الآية، قال الطبري: المعنى ليقتل من قتل من كفار قريش وغيرهم ببيان من الله وإعذار بالرسالة، ﴿ويحيى﴾ أيضاً ويعيش من عاش عن بيان منه أيضاً وإعذار لا حجة لأحد عليه، فالهلاك والحياة على هذا التأويل حقيقتان، وقال ابن إسحاق وغيره: معنى ﴿ليهلك﴾ أي ليكفر، ﴿ويحيى﴾ أي ليؤمن، فالحياة والهلاك على هذا مستعارتان، والمعنى أن الله تعالى جعل قصة بدر عبرة وآية ليؤمن من آمن عن وضوح وبيان ويكفر أيضاً من كفر عن مثل ذلك، وقرأ الناس ((ليهلك)) بكسر اللام الثانية وقرأ الأعمش ((ليهلَك)) بفتح اللام، ورواها عصمة عن أبي بكر عن عاصم، و((البينة)) صفة أي عن قضية بينة، واللام الأولى في قوله ﴿ليهلك﴾ رد على اللام في قوله ﴿ليقضي﴾. وقرأ ابن كثير في رواية قنبل وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ((من حيّ)) بياء واحدة مشددة، وقرأ نافع وابن كثير في رواية البزي وعاصم في رواية أبي بكر ((من حييَ)) بإظهار الياءين وكسر الأولى وفتح الثانية، قال من قرأ(حيّ)) فلأن الياء قد لزمتها الحركة فصار الفعل بلزوم الحركة لها مشبهاً بالصحيح مثل عض وشم ونحوه، ألا ترى أن حذف الياء من جوارٍ في الجر والرفع لا يطرد في حال النصب إذا قلت رأيت جواري لمشابهتها بالحركة سائر الحروف الصحاح، ومنه قوله ﴿كلا إذا بلغت ٥٣٤ - تفسير سورة الأنفال / إلايتان: ٤٤،٤٣ التراقي﴾ [القيامة: ٢٦]، وعلى نحو ((حيّ)) جاء قول الشاعر: [مجزوء الكامل] عيّت ببيضتها الحمامه عيّوا بأمرهم كما ومنه قول لبيد: [الرمل] وإذا ما عيَّ ذو اللب سأل سألتني جارتي عن أمتي وقول المتلمس: [الطويل] زنابيره والأزرق المتلمس فهذا أوان العرض حيّ ذبابه ويروى جن ذبابه، قال أبو علي وغيره: هذا أن كل موضع تلزم الحركة فيه ياء مستقبلية فالإدغام في ماضيه جائز، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿على أن يحيي الموتى﴾ [الأحقاف: ٣٣، القيامة: ٤٠] لا يجوز الإدغام فيه لأن حركة النصب غير لازمة، ألا ترى أنها تزول في الرفع وتذهب في الجزم، ولا يلتفت إلى ما أنشد بعضهم لأنه بيت مجهول: [الكامل] ٨٠. تمشي بسدة بينتها فتعي وكأنها بين النساء سبيكة قال أبو علي وأما قراءة من قرأ ((حيي))، فبين ولم يدغم، فإن سيبويه قال: أخبرنا بهذه اللغة يونس، قال وسمعنا بعض العرب يقول أحياء قال أبو حاتم: القراءة إظهار الياءين والإدغام حسن فاقرأ كيف تعلمت فإن اللغتين مشهورتان في كلام العرب، والخط فيه ياء واحدة. قال القاضي أبو محمد: وفي هذه اللفظة استوعب أبو علي القول فيما تصرف من ((حبي)) كالحي الذي هو مصدر منه وغيره. : قوله عز وجل : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِ مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَبِكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَنَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِاُ لْتَقَيْتُمْ فِىَ أَعْيُنِكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ@ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأَمُورُ ٤٤ المهدوي ﴿إِذ﴾ نصب بتقدير واذكر. قال القاضي أبو محمد: أو بدل من ﴿إِذ﴾ المتقدمة وهو أحسن، وتظاهرت الروايات أن هذه الآية نزلت في رؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى فيها عدد الكفار قليلاً فأخبر بذلك أصحابه فقويت نفوسهم وحرضوا على اللقاء، فهذا معنى قوله ﴿في منامك﴾ أي في نومك قاله مجاهد وغيره. وروي عن الحسن أن معنى قوله ﴿في منامك﴾ أي في عينك إذ هي موضع النوم، وعلى هذا التأويل تكون الرواية في اليقظة. ٥٣٥ تفسير سورة الأنفال / الآيتان : ٤٤،٤٣ قال القاضي أبو محمد: وهذا القول ضعيف، وعليه فسر النقاش وذكره عن المازني، والضمير على التأويلين من قوله ﴿يريكهم) عائد على الكفار من أهل مكة، ومما يضعف ما روي عن الحسن أن معنى هذه الآية يتكرر في التي بعدها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب في الثانية أيضاً، وقد تظاهرت الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم، انتبه وقال لأصحابه أبشروا فلقد نظرت إلى مصارع القوم، ونحو هذا، وقد كان علم أنهم ما بين التسعمائة إلى الألف، فكيف يراهم ببصره بخلاف ما علم، والظاهر أنه رآهم في نومه قليلاً قدرهم وحالهم وبأسهم مهزومین مصروعین، ویحتمل أنه رآهم قليلاً عددهم، فکان تأويل رؤياه انهزامهم، فالقلة والكثرة على الظاهر مستعارة في غير العدد، كما قالوا: المرء كثير بأخيه، إلى غير ذلك من الأمثلة، والفشل الخور عن الأمر، إما بعد التلبس وإما بعد العزم على التلبس و﴿لتنازعتم﴾ أي لتخالفتم و﴿في الأمر﴾ يريد في اللقاء والحرب وسلم﴾ لفظ يعم كل متخوف اتصل بالأمر أو عرض في وجهه فسلم الله من ذلك كله، وعبر بعض الناس أن قال ((سلم لكم أمركم)) ونحو هذا مما يندرج فيما ذكرناه، وقوله ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ أي بإيمانكم وكفركم مجاز بحسب ذلك، وقرأ الجمهور من الناس ((ولكنَّ الله سلم)) بشد النون ونصب المكتوبة وقرأت فرقة ((ولكن الله)) برفع المكتوبة، وقوله ﴿وإذ يريكموهم إذا التقيتم﴾ الآية، ﴿وإذ﴾ عطف على الأولى، وهذه الرؤية هي في اليقظة بإجماع، وهي الرؤية التي كانت حين التقوا ووقعت العين على العين، والمعنى أن الله تعالى لما أراد من إنفاذ قضائه في نصرة الإسلام وإظهاره قلل كل طائفة في عيون الأخرى، فوقع الخلل في التخمين والحزر الذي يستعمله الناس في هذا التجسد كل طائفة على الأخرى وتتسبب أسباب الحرب، وروي في هذا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لقد قلت ذلك اليوم لرجل إلى جنبي أتظنهم سبعين؟ قال بل هم مائة، قال فلما هزمناهم أسرنا منهم رجلًا فقلنا كم كنتم؟ قال ألفاً . قال القاضي أبو محمد: ويرد على هذا المعنى في التقليل ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأل عما ينحرون كل يوم، فأخبر أنهم يوماً عشراً ويوماً تسعاً، قال هم ما بين التسعمائة إلى الألف، فإما أن عبد الله ومن جرى مجراه لم يعلم بمقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أن نفرض التقليل الذي في الآية تقليل القدر والمهابة والمنزلة من النجدة، وتقدم في مثل قوله ﴿ليقضي الله أمراً كان مفعولاً﴾، والأمر المفعول المذكور في الآيتين هو للقصة بأجمعها، وذهب بعض الناس إلى أنهما لمعنيين من معاني القصة والعموم أولى، وقوله ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ تنبيه على أن الحول بأجمعه الله وأن كل أمر فله وإليه، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر والأعمش ((تَرجِع)) بفتح التاء وكسر الجيم، قال أبو حاتم: وهي قراءة عامة الناس، وقرأ الأعرج وابن كثير وأبو عمرو ونافع وغيرهم ((تُرجَع)) بضم التاء وفتح الجيم. قوله عز وجل : يَتَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْإِذَالَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْاللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٤٥ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَنَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَأَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ( ٤٦ : ٥٣٦ تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٤٥ - ٤٧ وَلَا تَكُونُوْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَخِرِهِمْ بَطَرًّا وَرِينَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ هذا أمر بما فيه داعية النصر وسبب العز، وهي وصية من الله متوجهة بحسب التقييد التي في آية الضعف، ويجري مع معنى الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا)). قال القاضي أبو محمد: وهكذا ينبغي أن يكون المسلم في ولاية الإمارة والقضاء لا يطلب ولا يتمنى، فإن ابتلي صبر على إقامة الحق، و((الفئة)) الجماعة أصلها فئوة وهي من فلوت أي جمعت، ثم أمر الله تعالى بإكثار ذكره هنالك إذ هو عصمة المستنجد ووزر المستعين، قال قتادة: افترض الله ذكره عند أشغال ما يكونون عند الضراب بالسيوف. ,٠ قال القاضي أبو محمد: وهذا ذكر خفي لأن رفع الأصوات في موطن القتال رديء مکروه إذا كان إلغاطاً، فأما إن كان من الجمع عند الحملة فحسن فاتَّ في عضد العدو، وقال قيس بن عباد ؛ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند ثلاث: عند قراءة القرآن وعند الجنازة والقتال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اطلبوا إجابة الدعاء عند القتال وإقامة الصلاة ونزول الغيث، وقال ابن عباس یکره التلثم عند القتال. قال القاضي أبو محمد: ولهذا والله أعلم يتسنن المرابطون بطرحه عند القتال على ضنانتهم به و﴿تفلحون﴾ تنالون بغیتکم وتبلغون آمالکم، وهذا مثل قول لبيد: [الرجز] أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضـ ضعف وقد يخدع الأريب وقوله ﴿وأطيعوا الله ورسوله) الآية استمرار على الوصية لهم والأخذ على أيديهم في اختلافهم في أمر بدر وتنازعهم، و﴿تفشلوا﴾ نصب بالفاء في جواب النهي، قال أبو حاتم في كتاب عن إبراهيم ((فتفشِلوا)) بكسر الشين وهذا غير معروف وقرأ جمهور الناس ((وتذهبَ)) بالتاء من فوق ونصب الباء، وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم ((وتذهبْ ريحكم)) بالتاء وجزم الباء، وقرأ عيسى بن عمر ((ويذهبْ)) بالياء من تحت وبجزم يذهب، وقرأ أبو حيوة ((ويذهبَ)) بالياء من تحت ونصب الباء، ورواها أبان وعصمة عن عاصم، والجمهور على أن الربح هنا مستعارة والمراد بها النصر والقوة كما تقول: الريح لفلان إذا كان غالباً في أمر، ومن هذا المعنى قول الشاعر وهو عبيد بن الأبرص: [البسيط] والفضل للقوم من ريح ومن عدد كما حميناك يوم العنف من شطب وقال مجاهد: ((الريح)) النصر والقوة، وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد، وقال زيد بن علي ﴿وتذهب ريحكم﴾ معناه الرعب من قلوب عدوكم. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن بشرط أن يعلم العدو بالتنازع، وإذا لم يعلم فالذاهب قوة 1 i ٥٣٧ تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ٤٨، ٤٩ المتنازعين فينهزمون، وقال شاعر الأنصار: [البسيط] قد عوَّدَتْهمْ ظباهم أن تكونَ لهمْ ريحُ القتالِ وأسلابُ الذين لقوا ومن استعارة الريح قول الآخر: [الوافر] فإن لكل عاصفة سكون إذا هبت رياحك فاغتنمها وهذا كثير مستعمل، وقال ابن زيد وغيره: الريح على بابها، وروي أن النصر لم يكن قط إلا بريح تهب فتضرب في وجوه الكفار، واستند بعضهم في هذه المقالة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ((نصرت بالصبا)). وقال الحكم ﴿وتذهب ريحكم﴾ يعني الصبا إذ بها نصر محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما كان في غزوة الخندق خاصة، وقوله ﴿واصبروا﴾ إلى آخر الآية، تتميم في الوصية وعدة مؤنسة، وقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم﴾ الآية، آية تتضمن الطعن على المشار إليهم وهم كفار قريش، وخرج ذلك على طريق النهي عن سلوك سبيلهم، والإشارة هي إلى كفار قريش بإجماع، و((البطر)» الأشر وغمط النعمة والشغل بالمرح فيها عن شكرها، و((الرياء)» المباهاة والتصنع بما يراه غيرك، وهو فعال من راءى يرائي سهلت همزته، وروي أن أبا سفيان لما أحس أنه قد تجاوز بعيره الخوف من النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بعث إلى قريش فقال: ((إن الله قد سلم عيركم التي خرجتم إلى نصرتها فارجعوا سالمين قد بلغتم مرادكم»، فأتى رأي الجماعة على ذلك، فقال أبو جهل: والله لا نفعل حتى نأتي بدراً، وكانت بدر سوقاً من أسواق العرب لها يوم موسم، فننحر عليها الإبل ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان ويسمع بنا العرب ويهابنا الناس. قال القاضي أبو محمد: فهذا معنى قوله تعالى: ﴿ورثاء الناس﴾، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها تحادّك وتكذب رسولك، اللهم فاحنها الغداة))، وقال محمد بن كعب القرظي : خرجت قريش بالقيان والدفوف، وقوله ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾، أي غيرهم. قال القاضي أبو محمد: لأنهم أحرى بذلك من أن يقتصر صدهم على أنفسهم، وقوله ﴿والله بما يعملون محيط﴾ آية تتضمن الوعيد والتهديد لمن بقي من الكفار ونفوذ القدر فيمن مضى بالقتل. قوله عز وجل : وَإِذْزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّى جَارٌلَّكُمْ فَلَمَّاتَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ نَّكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِنِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ اُللَّهَ وَاَللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَرَضُ غَرَّهَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِ يزٌ حَكِيمٌ ٤٩ التقدير واذكروا إذ، والضمير في ﴿لهم﴾ عائد على الكفار، و﴿الشيطان﴾ إبليس نفسه، وحكى ٥٣٨ تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ٤٩،٤٨ المهدوي وغيره أن التزيين في هذه الآية وما بعده من الأقوال هو بالوسوسة والمحادثة في النفوس. قال القاضي أبو محمد: ويضعف هذا القول أن قوله ﴿وإني جار لكم﴾ ليس مما يلقى بالوسوسة، وقال الجمهور في ذلك بما روي وتظاهر أن إبليس جاء كفار قريش ففي السير لابن هشام أنه جاءهم بمكة، وفي غيرها أنه جاءهم وهم في طريقهم إلى بدر، وقد لحقهم خوف من بني بكر وكنائة لحروب كانت بينهم، فجاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو سيد من ستاداتهم، فقال لهم ((إني جار لكم)) ولن تخافوا من قومي وهم لكم أعوان على مقصدكم ولن يغلبكم أحد، فسروا عند ذلك ومضوا لطيتهم وقال لهم أنتم تقاتلون عن دين الآباء ولن تعدموا نصراً. فروي أنه لما التقى الجمعان كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما رأى الملائكة نكص فقال له الحارث أتفر يا سراقة فلم يلو عليه، ويروى أنه قال له ما تضمنت الآية. وروي أن عمرو بن وهب أو الحارث بن هشام قال له أين يا سراقة؟ فلم يلو ومثل عدو الله فذهب ووقعت الهزيمة، فتحدث أن سراقة فر بالناس، فبلغ ذلك سراقة بن مالك، فأتى مكة فقال لهم: والله ما علمت بشيء من أمركم حتى بلغتني هزيمتكم ولا رأيتكم ولا كنت معكم، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رأيته في صورة رجل من بني مدلج، فقال ﴿لا غالب لكم اليوم﴾ الآية، و﴿اليوم﴾ ظرف، والعامل فيه معنى نفي الغلبة، ويحتمل أن يكون العامل متعلق ﴿لكم) وممتنع أن يعمل ﴿غالب﴾ لأنه كان يلزم أن يكون لا غالباً، وقوله ﴿إني جار لكم﴾ معناه فأنتم في ذمتي وحماي، و﴿تراءت﴾ تفاعلت من الرؤية أي رأى هؤلاء هؤلاء، وقرأ الأعمش وعيسى بن عمر ((ترأت)) مقصورة، وحكى أبو حاتم عن الأعمش أنه أمال والراء مرققة ثم رجع عن ذلك، وقوله ﴿نكص على عقيبه﴾ معناه رجع من حيث جاء، وأصل النكوص في اللغة الرجوع القهقرى، وقال زهير: لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا هم يضربون حبیك البيض إذ لحقوا كذا أنشد الطبري، وفي رواية الأصمعي إذا ما استلأموا وبذلك فسر الطبري هذه الآية، وفي ذلك بعد، وإنما رجوعه في هذه الآية مشبه بالنكوص الحقيقي، وقال اللغويون: النكوص، الإحجام عن الشيء، يقال أراد أمراً ثم نكص عنه، وقال تأبَّطَ شرّاً: [البسيط] ليس النكوصُ على الأدبار مكرمةً إن المكارم إقدامٌ على الأسَل قال القاضي أبو محمد: فليس هنا قهقرى بل هو فرار، وقال مؤرج: نكص هي رجع بلغة سليم. قال القاضي أبو محمد: وقوله ﴿على عقبيه﴾ يبين أنه إنما أراد الانهزام والرجوع في ضد إقباله، وقوله ﴿إني بريء منكم﴾ هو خذلانه لهم وانفصاله عنهم، وقوله ﴿إني أرى ما لا ترون) يريد الملائكة وهو الخبيث إنما شرط أن لا غالب من الناس فلما رأى الملائكة وخرق العادة خاف وفرَّ، وفي الموطأ وغيره أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: ((ما ريء الشيطان في يوم أقل ولا أحقر ولا أصغر منه في يوم عرفة، لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رأى يوم بدر)»، قيل وما رأى يا رسول الله؟ قال: ((رأى الملائكة يزعمها جبريل)). ٥٣٩ تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٥٠ - ٥٢ وقال الحسن: رأى إبليس جبريل يقود فرسه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو معتجر ببردة وفي يده اللجام، وقوله ﴿إني أخاف الله﴾ قيل إن هذه معذرة منه كاذبة ولم تلحقه قط مخافة، قاله قتادة وابن الكلبي، وقال الزجّاج وغيره: بل خاف مما رأى من الأمر وهوله وأنه يومه الذي أنظر إليه، ويقوي هذا أنه رأى خرق العادة ونزول الملائكة للحرب، وحكى الطبري بسنده أنه لما انهزم المشركون يوم بدر حین رمی رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضة من التراب وجوه الكفار أقبل جبريل صلى الله عليه وسلم إلى إبليس، فلما رآه إبليس وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده ثم ولى مدبراً، فقال له الرجل أي سراقة تزعم أنك لنا جار؟ فقال ﴿إني أرى ما لا ترون) الآية، ثم ذهب، وقوله تعالى: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) الآية، العامل في ﴿إذ﴾ ﴿زين) أو﴿نكص) لأن ذلك الموقف كان ظرفاً لهذه الأمور كلها، وقال المفسرون إن هؤلاء الموصوفين بالنفاق ومرض القلوب إنما هم من أهل عسكر الكفار لما أشرفوا على المسلمين ورأوا قلتهم وقلة عددهم، قالوا مشيرين إلى المسلمين ﴿غرَّ هؤلاء دينهم﴾ أي اغتروا فأدخلوا نفوسهم فيما لا طاقة لهم به. قال القاضي أبو محمد: والنفاق أخص من مرض القلب لأن مرض القلب مطلق على الكافر وعلى من اعترضته شبهة وعلى من بينهما، وكني بالقلوب عن الاعتقادات إذ القلوب محلها، وروي في نحو هذا التأويل عن الشعبي أن قوماً ممن كان الإسلام داخل قلوبهم خرجوا مع المشركين إلى بدر، منهم من أكره ومنهم من داجى وداهن، فلما أشرفوا على المسلمين ورأوا قلتهم ارتابوا واعتقدوا أنهم مغلوبون، فقالوا ﴿غر هؤلاء دينهم﴾، قال مجاهد: منهم قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن أمية . قال القاضي أبو محمد: ولم يذكر أحد ممن شهد بدراً بنفاق إلا ما ظهر بعد ذلك من معتب بن قشير أخي بني عمرو بن عوف، فإنه القائل يوم أحد ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقد يحتمل أن يكون منافقو المدينة لما وصلهم خروج قريش في قوة عظيمة قالوا عن المسلمين هذه المقالة، فأخبر الله بها نبيه في هذه الآية، ثم أخبر الله عز وجل بأن من توكل على الله واستند إليه، فإن عزة الله تعالى وحكمته كفيلة بنصره وشد أعضاده، وخرجت العبارة عن هذا المعنى بأوجز لفظ وأبلغه . قوله عز وجل : لا وَلَوْتَرَىّ إِذْيَتَوَى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ اُلْحَرِيقِ جْ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِ يكُمْ وَأَنَّ اللّهَلَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعُبِيدِ [٨٦ كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنَ وَاُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْبِثَايَتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُالْعِقَابِ ٥٢ هذه الآية تتضمن التعجيب مما حل بالكفار يوم بدر، قاله مجاهد وغيره، وفي ذلك وعيد لمن بقي ٥٤٠ - تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٥٠ - ٥٢ منهم، وحذف جواب، ﴿لو﴾ إبهام بليغ، وقرأ جمهور السبعة والناس ((يتوفى)) بالياء فعل فيه علامة التذكير إلى مؤنث في اللفظ، وساغ ذلك أن التأنيث غير حقيقي، وارتفعت ﴿الملائكة﴾ بـ ﴿يتوفى﴾، وقال بعض من قرأ هذه القراءة إن المعنى إذ يتوفى الله الذين كفروا و﴿الملائكة﴾ رفع بالابتداء، و﴿يضربون﴾ خبره والجملة في موضع الحال. قال القاضي أبو محمد: ويضعف هذا التأويل سقوط واو الحال فإنها في الأغلب تلزم مثل هذا، وقرأ ابن عامر من السبعة والأعرج ((تتوفى)) بالتاء على الإسناد إلى لفظ ((الملائكة))، و﴿يضربون﴾ في موضع الحال، وقوله ﴿وأدبارهم﴾ قال جمهور المفسرين يريد أستاههم، ولكن الله كريم كنى ، وقال ابن عباس أراد ظهورهم وما أدبر منهم، ومعنى هذا أن الملائكة كانت تلحقهم في حال الإدبار فتضرب أدبارهم، فأما في حال الإقبال فبين تمكن ضرب الوجوه، وروى الحسن أن رجلاً قال: يا رسول الله رأيت في ظهر أبي جهل مثل الشراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذلك ضرب الملائكة))، وعبر بجمع الملائكة، وملك الموت واحد إذ له على ذلك أعوان من الملائكة، وقوله ﴿وذوقوا عذاب الحريق﴾ قيل كانوا يقولون للكفار حينئذ هذا اللفظ فحذف يقولون اختصار، وقيل معناه وحالهم يوم القيامة أن يقال لهم هذا، و﴿الحريق﴾ فعيل من الحرق، وقوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت أيديكم﴾ يحتمل أن يكون من قول الملائكة في وقت توفيتهم لهم على الصورة المذكورة، ويحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً تقريعاً من الله عز وجل للکافرین حیهم ومیتهم، ﴿وأن﴾ یصح أن تكون في موضع رفع علی تقدیر والحكم أن، ويصح أن تكون في موضع خفض عطفاً على ما في قوله ﴿بما قدمت﴾، وقال مكي والزهراوي: ويصح أن تكون في موضع نصب بإسقاط الباء تقديره ((وبأن))، فلما حذفت الباء حصلت في موضع نصب. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير متجه ولا بيّن إلا أن تنصب بإضمار فعل، وقوله ﴿كداب آل فرعون) الآية، الدأب: العادة في كلام العرب، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] وجارتها أم السرباب بمأسل كدابك من أم الحويرث قبلها ويروى كدينك، ومنه قول خراش بن زهير العامري : فما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت هوازن وارفضَّت سليم وعامر وهو مأخوذ من دأب على العمل إذا لزمه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، لصاحب الجمل الذي هش إليه وأقبل نحوه وقد ذل ودمعت عيناه: إنه شكا إلىّ أنك تجيعه وتدئبه فكان العادة دؤوب ما، وقال جابر بن زيد وعامر الشعبي ومجاهد وعطاء: المعنى كسنن آل فرعون، ويحتمل أن يراد كعادة آل فرعون وغيرهم، فتكون عادة الأمم بجملتها لا على انفراد أمة، إذ آل فرعون لم يكفروا وأهلكوا مراراً بل لكل أمة مرة واحدة، ويحتمل أن يكون المراد كعادة الله فيهم، فأضاف العادة إليهم إذ لهم نسبة إليها يضاف المصدر إلى الفاعل وإلى المفعول، والكاف من قوله ﴿ كداب﴾ يجوز أن يتعلق بقوله ﴿وذوقوا﴾ وفیه بعد، والكاف على هذا في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، ويجوز أن تتعلق بقوله ﴿قدمت أيديكم﴾ وموضعها أيضاً على هذا نصب كما تقدم، ويجوز أن يكون معنى الكلام الأمر مثل دأب آل فرعون فتكون الكاف في