Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
تفسير سورة الأعراف / الآية: ٤٣
وقوله تعالى: ﴿لهم من جهنم مهاد) الآية، المعنى أن جهنم فراش لهم ومسكن ومضجع يتمهدونه
وهي لهم غواش جمع غاشية وهي ما يغشى الإنسان أي يغطيه ويستره من جهة فوق، قال الضحاك ((المهاد))
الفراش، و((الغواشي)) اللحف ودخل التنوين في ﴿غواش) عند سيبويه لنقصانه عن بناء مفاعل فلما زال البناء
المانع من الصرف بأن حذفت الياء حذفاً لا للالتقاء بل كما حذفت من قوله ﴿والليل إذا يسر﴾
[الفجر: ٤] و﴿ذلك ما كنا نبغ﴾ [الكهف: ٦٤] ومن قول الشاعر: [زهير]
ـض القوم يخلق ثم لا يفر
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ
زال الامتناع، وهذا كقولهم ذلذل بالتنوين وهم يريدون: الذلاذل لما زال البناء، قال الزجاج:
والتنوين في ﴿غواش﴾ عند سيبويه عوض من الياء المنقوصة ورد أبو علي أن يكون هذا هو مذهب سيبويه،
ويجوز الوقوف بـ ((یا)) وبغير ((يا)) والاختيار بغير ((يا)).
وقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات) الآية، هذه آية وعد مخبرة أن جميع المؤمنين هم
أصحاب الجنة ولهم الخلد فيها، ثم اعترض أثناء القول بعقب الصفة، التي شرطها في المؤمنين باعتراض
يخفف الشرط ويرجى في رحمة الله ويعلم أن دينه يسر وهذه الآية نص في أن الشريعة لا يتقرر من تكاليفها
شيء لا يطاق، وقد تقدم القول في جواز تكليف ما لا يطاق وفي وقوعه بمغن عن الإعادة، و((الوسع)) معناه
الطاقة وهو القدر الذي يتسع له قدر البشر.
قوله عز وجل :
وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍ تَجْرِى مِن تَحْنِمُ اَلْأَنْهَرُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ هَدَ نَا لِهَذَا وَمَاكُنَّاً
لَِهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ نَا اللَّهُلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُ وّا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَاكُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ
٤٣
هذا إخبار من الله عز وجل أنه ينقي قلوب ساكني الجنة من الغل والحقد، وذلك أن صاحب الغل
متعذب به ولا عذاب في الجنة، وورد في الحديث ((الغل على باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من
قلوب المؤمنین».
قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا الحديث إذا حمل على حقيقته، أن الله عز وجل يخلق جوهراً
يجعله حيث يرى كمبارك الإبل، لأن الغل عرض لا يقوم بنفسه، وإن قيل إن هذه استعارة وعبر عن سقوطه
عن نفوسهم فهذه الألفاظ على جهة التمثيل كما تقول فلان إذا دخل على الأمير ترك نخوته بالباب ملقاة فله
وجه، والأول أصوب وأجرى مع الشرع في أشياء كثيرة، مثل قوله يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش فیذبح
وغير ذلك، وروى الحسن عن علي بن أبي طالب قال: فينا والله أهل بدر نزلت ﴿ونزعنا ما في صدورهم
من غل إخواناً على سرر متقابلين﴾ [الحجر: ٤٧] وروي عنه أيضاً أنه قال: فينا والله نزلت ﴿ونزعنا ما في
صدورهم من غل﴾، وذكر قتادة: أن علياً قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين
قال الله فيهم ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾.

٤٠٢
تفسير سورة الأعراف/ الآيتان: ٤٥،٤٤
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو المعنى الصحيح، فإن الآية عامة في أهل الجنة، و((الغل) الحقد
والإحنة الخفية في النفس وجمعه غلال ومنه الغلول أخذ في خفاء ومنه الانغلال في الشيء، ومنه المغل
بالأمانة، ومنه قول علقمة بن عبدة:
.: :
:
سلاءة كعصا الهندي غل لها ذو فيئة من نوى قران معجوم
وقوله: ﴿من تحتهم الأنهار﴾ بين لأن ما كان لاطئاً بالأرض فهو تحت ما كان منتصباً آخذاً في
سماء، و﴿هداناً﴾ بمعى أرشدنا، والإشارة بهذا تتجه أن تكون إلى الإيمان والأعمال الصالحة المؤدية إلى
دخول الجنة، ويحتمل أن تكون إلى الجنة نفسها، أي أرشدنا إلى طرقها ولكل واحد من الوجهين أمثلة في
القرآن، وقرأ ابن عامر وحده ((ما كنا لنهتدي)) بسقوط الواو من قوله: ﴿وما كنا﴾، وکذلك هي في مصاحف
أهل الشام، قال أبو علي: وجه سقوط الواو أن الكلام متصل مرتبط بما قبله، ولما رأوا تصديق ما جاءت به
الأنبياء عن الله تعالى وعاينوا إنجاز المواعيد قالوا: ﴿لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ فقضوا بأن ذلك حق
قضاه من يحس وكانوا في الدنيا يقضون بأن ذلك حق قضاه من يستدل ﴿ونودوا﴾ أي قيل لهم بصياح، وهذا
النداء من قبل الله عز وجل، و﴿أن﴾ يحتمل أن تكون مفسرة لمعنى النداء بمعنى أي، ويحتمل أن تكون
مخففة من الثقيلة وفيها ضمير مستتر تقديره أنه تلكم الجنة، ونحو هذا قول الأعشى: [البسيط]
في فتية كسيوف الهند قد علموا
أن هالك كل من يحفى وينتعل:
تقديره أنه هالك، ومنه قول الآخر: [الوافر]
أكاشره ويعلم أن كلانا
على ما ساء صاحبه حريصَ
و﴿تلكم الجنة﴾ ابتداء وصفه و﴿أورثتموها) الخبر و﴿تلكم) إشارة فيها غيبة فإما لأنهم كانوا وعدوا
بها في الدنيا فالإشارة إلى تلك، أي تلكم هذه الجنة، وحذفت هذه، وإما قبل أن يدخلوها وإما بعد
الدخول وهم مجتمعون في موضع منها، فكل غائب عن منزله، وقوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ لا على طريق
وجوب ذلك على الله، لكن بقرينة رحمته وتغمده، والأعمال أمارة من الله وطريق إلى قوة الرجاء، ودخول
الجنة إنما هو بمجرد رحمة الله تعالى، والقسم فيها على قدر العمل، و((أورثتم)) مشيرة إلى الأقسام، وقرأ
ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر ((أورثتموها)) وكذلك الزخرف، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي)) أورتموها»
بإدغام الثاء في التاء وكذلك في الزخرف.
قوله عز وجل :
سے
وَنَادَىّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَامَا وَعَدَنَارَتُنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْ تُمَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقَّا قَالُواْنَعَمْ
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِاللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآَخِرَةِ
كَفِرُونَ
هذا إخبار من الله عز وجل عما يكون منهم، وعبر عن معان مستقبلة بصيغة ماضية وهذا حسن فيما
:
1

٤٠٣
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٤٦ - ٤٨
يحقق وقوعه، وهذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تقريع وتوبيخ وزيادة في الكرب وهو بأن يشرفوا عليهم
ويخلق الإدراك في الأسماع والأبصار، وقرأ جمهور الناس ((نعم)) بفتح العين، وقرأ الكسائي ((نعم)) بكسر
العين ورويت عن عمر بن الخطاب وعن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأها ابن وثاب والأعمش قال
الأخفش هما لغتان، ولم يحك سيبويه الكسر، وقال: ((نعم)) عدة وتصديق أي مرة هذا ومرة هذا، وفي
كتاب أبي حاتم عن الكسائي عن شيخ من ولد الزبير قال: ما كنت أسمع أشياخ قريش يقولون: إلا ((نعم))
بكسر العين ثم فقدتها بعده، وفيه عن قتادة عن رجل من خثعم قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت
تزعم أنك نبي :؟ قال: ((نعم)) بكسر العين، وفيه عن أبي عثمان النهدي قال: سأل عمر عن شيء فقالوا
نعم، فقال عمر: النعم الإبل والشاء، قولوا ((نعم)) بكسر العين. قال أبو حاتم: وهذه اللغة لا تعرف اليوم
بالحرمين، وقوله ﴿فأذن مؤذن بينهم﴾ الآية؛ قال أبو علي الفارسي والطبري وغيرهما: ((أذن مؤذن)) بمعنى
أعلم معلم، قال سيبويه: أذنت إعلام بتصويت، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل ونافع وأبو عمرو وعاصم (أنْ))
لعنةُ الله)) بتخفيف ((أنْ)) من الثقيلة ورفع اللعنة.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابن كثير في رواية البزي وشبل ((أنّ لعنةَ)) بتثقيل ((أنّ)) ونصب
اللعنة، وكلهم قرأ التي في النور ﴿أنّ لعنة الله﴾ [النور: ٧] و﴿أَنّ غضب الله﴾ [النور: ٩] بتشديد النون
غير نافع فإنه قرأهما ((أنْ لعنة الله وأنْ غضب)) مخففتين، وروى عصمة عن الأعمش ((مؤذن بينهم إن)) بكسر
الألف على إضمار قال.
قال القاضي أبو محمد: لما كان الأذان قولاً، و((الظالمون)) في هذه الآية: الكافرون، ثم ابتدأ
صفتهم بأفعالهم في الدنيا ليكون علامة أن أهل هذه الصفة هم المراد يوم القيامة بقوله ﴿أن لعنة الله على
الظالمين﴾ و﴿يصدون﴾ معناه يعرضون، و((السبيل)) الطريق والمنهج ويذكر ويؤنث وتأنيثها أكثر،
﴿ويبغونها﴾ معناه: يطلبونها أو يطلبون لها، فإن قدرت يطلبونها فـ ﴿عوجاً﴾ نصب على الحال، ويصح أن
يكون من الضمير العائد على السبيل أي معوجه، ويصح أن يكون من ضمير الجماعة في ﴿يبغونها﴾ أي
معوجين، وإن قدرت ﴿يبغونها﴾ يطلبون لها وهو ظاهر تأويل الطبري رحمه الله فـ ﴿عوجاً﴾ مفعول بيبغون،
والعوج بكسر العين في الأمور والمعاني، والعوج بفتح العين في الأجرام والمتنصبات.
قوله عز وجل :
وَبَيْنَهُمَا جَابٌ وَ عَلَى الْأَنْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّ بِسِيمَهُمْ وَنَادَوْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَوْ يَدْ خُلُوهَا
وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴿٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُ هُمْ زِلْقَاءَ أَصْحَبِ النَّارِقَالُواْرَبَّنَ لَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّلِينَ (٣) وَنَادَىّ
أَصْحَبُ اُلْأَعْرَافِ رِجَا لَا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَهُمْ قَالُواْمَآ أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ
الضمير في قوله ﴿وبينهما﴾ عائد على الجنة والنار، ويحتمل على الجمعين إذ يتضمنهما قوله
تعالى: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ [الأعراف: ٤٤]، و ((الحجاب)): هو السور الذي ذكره عز

٤٠٤
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٤٦ -٤٨
وجل في قوله: ﴿فضرب بينهم بسور له باب﴾ [الحديد: ١٣] قاله ابن عباس، وقال مجاهد: ﴿الأعراف﴾
حجاب بين الجنة والنار، وقال ابن عباس أيضاً هو تل بين الجنة والنار، وذكر الزهراوي حديثاً أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحداً جبل يحبنا ونحبه، وإنه يقوم يوم القيامة: يمثل بين الجنة والنار يحتبس
عليه أقوام يعرفون كلّ بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة))، وذكر حديثاً آخر عن صفوان بن سليم أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحداً على ركن من أركان الجنة)) و﴿الأعراف) جمع عرف وهو
المرتفع من الأرض.
ومنه قول الشاعر: [الرجز]
كل كناز لحمه نياف كالجمل الموفي على الأعراف
ومنه قول الشماخ: [الطويل]
فظلت بأعراف تعالى كأنها
رماح نحاها وجهة الريح راكز.
ومنه عرف الفرس وعرف الديك لعلوهما، وقال السدي سمي الأعراف أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس.
قال القاضي أبو محمد: وهذه عجمة وإنما المراد على أعراف ذلك الحجاب أعاليه، وقوله:
﴿رجال﴾ قال أبو مجلز لاحق بن حميد: هم الملائكة، ولفظة (رجال﴾ مستعارة لهم لما كانوا في تماثيل
رجال قال: وهم ذکور ليسوا بإناث.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقد سمى الله رجالاً في الجن، وقال الجمهور: هم
رجال من البشر، ثم اختلفوا فقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء، وحكى الزهراوي أنهم عدول
القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم كل أمة، وقاله الزجاج وقال قوم: هم أنبياء، وقال
المهدوي: هم الشهداء، وقال شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة
لآبائهم، وذكر الطبري في ذلك حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بتعادل عقوقهم واستشهادهم،
وقال ابن مسعود والشعبي وحذيفة بن اليمان وابن عباس وابن جبير والضحاك: هم قوم استوت حسناتهم
وسیئاتھم .
قال القاضي أبو محمد: وقع في مسند خيثمة بن سليمان في آخر الجزء الخامس عشر حديث عن
جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات
والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته
مثقال صؤابة دخل النار))، قيل يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال ((أولئك أصحاب الأعراف لم
يدخلوها وهم يطمعون))، وقال حذيفة بن اليمان أيضاً: هم قوم أبطأت بهم صغارهم إلى آخر الناس.
قال القاضي أبو محمد: واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السور أو على مواضع مرتفعة عن
الفريقين حيث شاء الله تعالى رجالاً من أهل الجنة، يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصفٍ من الاعتبار في
الفريقين.
:

٤٠٥
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٤٦ - ٤٨
و﴿يعرفون كلّاً بسيماهم﴾ أي بعلامتهم وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة، وسوادها
وقبحها في أهل النار إلى غير ذلك في حيز هؤلاء وحيز هؤلاء، والسيما العلامة وهو من وسم، وفيه قلب،
يقال سيما مقصور وسيماء ممدود وسيمياء بكسر الميم وزيادة ياء فوزنها فعلا مع كونها من وسم، وقيل هي
من سوم إذا علم فوزنها على هذا فعلا، ونداؤهم أصحاب الجنة يحتمل أن يكون وأصحاب الجنة لم
يدخلوها بعد فيكون أيضاً قوله ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ محتملاً أن يعنى به أهل الجنة وهو تأويل أبي
مجلز إذ جعل أصحاب الأعراف ملائكة، ومحتملاً أن يعنى به أهل الأعراف، ويحتمل أن يكون نداؤهم
أهل الجنة بالسلام وهم قد دخلوها، فلا يحتمل حينئذ قوله: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ إلا أهل
الأعراف فقط، وهو تأويل السدي وقتادة وابن مسعود والحسن، وقال: والله ما جعل الله ذلك الطمع في
قلوبهم إلا لخير أراده بهم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الأظهر الأليق ولا نظر لأحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم،
وقوله: ﴿وهم يطمعون) هي جملة مقطوعة، أخبر أنهم لم يدخلوها وهم طامعون بدخولها فكأن الجملة
حال من الضمير في ﴿نادوا﴾، وقرأ أبو رقيش النحوي ((لم يدخلوها وهم طامعون))، وقرأ إياد بن لقيط ((وهم
ساخطون))، وذكر بعض الناس قولاً وهو أن يقدر قوله ﴿وهم يطمعون﴾ في موضع الحال من ضمير الجماعة
في ﴿يدخلوها﴾، ويكون المعنى لم يدخلوها في حال طمع بها بل كانوا في حال يأس وخوف لكنهم عمهم
عفو الله عز وجل، وقال ابن مسعود: إنما طمع أصحاب الأعراف لأن النور الذي كان في أيديهم لم يطفأ
حين يطفأ كل ما بأيدي المنافقين.
والضمير في قوله ﴿أبصارهم﴾ عائد على أصحاب الأعراف، فهم يسلمون على أصحاب الجنة وإذا
نظروا إلى النار وأهلها دعوا الله في التخليص منها، قاله ابن عباس وجماعة من العلماء، وقال أبو مجلز
الضمير لأهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد، وقوله: ﴿صرفت﴾ معطية ما هنالك من هول المطلع، وقوله:
﴿رجالاً﴾ يريد من أهل النار، ويحتمل أن يكون هذا النداء وأهل النار في النار، فتكون معرفتهم بعلامات
معرفة بأنهم أولئك الذين عرفوا في الدنيا، ويحتمل أن يكون هذا النداء وهم يحملون إلى النار، فتكون
السيما التي عرفوا بها أنهم أهل النار تسويد الوجوه وتشويه الخلق، وقال أبو مجلز الملائكة تنادي رجالاً في
النار، وقال غيره بل الآدميون ينادون أهل النار، وقيل: إن ﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما أغنى﴾ استفهام بمعنى التقرير
والتوبيخ، وقيل ﴿ما﴾ نافية والأول أصوب، و﴿جمعكم﴾ لفظ يعم جموع الأجناد والخول وجمع المال لأن
المراد بالرجال أنهم جبارون ملوك يقررون يوم القيامة على معنى الإهانة والخزي، و﴿ما﴾ الثانية:
مصدرية، وقرأت فرقة ((تستكثرون)) بالثاء مثلثة من الكثرة.
قوله عز وجل:
أَهَدُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَا لُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أُدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ لَآَخَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
٤٩
وَنَادَىَ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوَ إِنَّ
ج

٤٠٦
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٤٩ - ٥٢
الَّذِينَ اتَّخَذُ واْدِينَهُمْ لَهُوَّا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ
اَللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ
٥٠
الدُّنْيَاْ فَالْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِعَايَتِنَا يَجْحَدُونَ
وَلَقَدْ جِثْنَهُمْ بِكِتَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٥٢
قال أبو مجلز: أهل الأعراف هم الملائكة وهم القائلون ﴿أهؤلاء﴾ إشارة إلى أهل الجنة.
قال القاضي أبو محمد: وكذلك يجيء قول من قال أهل الأعراف أنبياء وشهداء، وقال غيره: أهل
الأعراف بشر مذنبون، وقوله: ﴿أهؤلاء﴾ من كلام ملك بأمر الله عز وجل إشارة إلى أهل الأعراف ومخاطبة
لأهل النار، وهذا قول ابن عباس، وقال النقاش: لما وبخوهم بقولهم ﴿ما أغنى عنكم جمعكم﴾ [الأعراف: ٤٨]،
أقسم أهل النار أن أهل الأعراف داخلون النار معهم فنادتهم الملائكة ﴿أهؤلاء﴾، ثم نادت أصحاب الأعراف
﴿ادخلوا الجنة﴾، وقال بعض المتأولين: الإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، والمخاطبون هم أهل الأعراف
والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى أهؤلاء الضعفاء في الدنيا الذين حلفثم أن الله لا يعبأ بهم قيل لهم
ادخلوا الجنة، وقد تقدم ما قال النقاش من أن القسم هو في الآخرة على أهل الأعراف، وقرأ الحسن وابن
هرمز ((أدخلوا الجنة)) بفتح الألف وكسر الخاء معنى أدخلوا أنفسكم، أو على أن تكون مخاطبة للملائكة ثم
ترجع المخاطبة بعد إلى البشر في ﴿عليكم﴾، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس (دخلوا الجنة)) على الإخبار بفعل
ماض، وقرأ طلحة بن مصرف وابن وثاب والنخعي ((أدخلوا الجنة)) خبر مبني للمفعول.
قال القاضي أبو محمد: وترتيب كل قراءة من هذه على الأقوال في المخاطب والمخاطب بقوله
تعالى: ﴿أهؤلاء﴾ ممكن بأيسر تناول فاختصرته إيجازاً، وكذلك ما في الآية من الرجوع من مخاطبة فريق
إلى مخاطبة غيره، وقوله تعالى: ﴿لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون﴾ معناه: لا تخافون ما يأتي ولا
تحزنون على ما فات، وذكر الطبري من طريق حذيفة أن أهل الأعراف يرغبون في الشفاعة فيأتون آدم
فيدفعهم إلى نوح ثم يتدافعهم الأنبياء عليهم السلام حتى يأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم
فيشفع فيدخلون الجنة فيلقون في نهر الحياة فيبيضون ويسمون مساكين الجنة، قال سالم مولى أبي حذيفة:
ليت أني من أهل الأعراف.
وقوله تعالى: ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة) الآية، لفظة النداء تتضمن أن أهل النار
وقع لهم علم بأن أهل الجنة يسمعون نداءهم، وجائز أن يكون ذلك وهم يرونهم بإدراك يجعله الله لهم على
بعد السفل من العلو، وجائز أن يكون ذلك وبينهم السور والحجاب المتقدم الذكر، وروي أن ذلك النداء
هو عند إطلاع أهل الجنة عليهم، و﴿أن﴾ في قوله: ﴿أن أفيضوا﴾ مفسرة بمعنى أي، وفاض الماء إذا سال
وانماع وأفاضه غيره، وقوله: ﴿أو مما رزقكم الله﴾ إشارة إلى الطعام قاله السدي، فيقول لهم أهل الجنة إن
الله حرم طعام الجنة وشرابها على الكافرين.
قال القاضي أبو محمد: والأشنع على الكافرين في هذه المقالة أن يكون بعضهم يرى بعضاً فإنه
أخزى وأنكى للنفس، وإجابة أهل الجنة بهذا الحكم هو عن أمر الله تعالى، وذكر الزهراوي: أنه روي عن

٤٠٧
تفسير سورة الأعراف / الآيتان: ٥٣، ٥٤
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أفضل الصدقة بالماء))، يعني عند الحاجة إليه إذ هو ألذ مشروب
وأنعشها للنفس، واستسقى الشعبي عند مصعب فقال له أي الأشربة تحب؟ فقال أهونها موجوداً وأعزها
مفقوداً، فقال له مصعب: يا غلام هات الماء.
وقوله تعالى: ﴿الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً﴾ الآية، أضيف ((الدين)) إليهم من حيث قولهم أن
يلتزموه إذ هو دين الله من حيث أمر به، ودين جميع الناس من حيث أمروا به، ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾
يحتمل أن يكون من كلام أهل الجنة، ويكون ابتداء كلام الله من قوله: ﴿فاليوم﴾، ويحتمل أن يكون
الكلام من أوله من كلام الله عز وجل، ومعنى قوله: ﴿اتخذوا دينهم لهواً﴾ أي بالإعراض والاستهزاء لمن
يدعوهم إلى الإسلام، ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ أي خدعتهم بزخرفها واعتقادهم أنها الغاية القصوى،
ويحتمل أن يكون اللفظ من الغر وهو ملء الفم أي أشبعتهم وأبطرتهم، وأما قوله ﴿فاليوم ننساهم﴾ فهو من
إخبار الله عز وجل عما يفعل بهم، والنسيان في هذه الآية هو بمعنى الترك، أي نتركهم في العذاب كما
تركوا النظر للقاء هذا اليوم، قاله ابن عباس وجماعة من المفسرين، قال قتادة نسوا من الخير ولم ينسوا من
الشر، وإن قدر النسيان بمعنى الذهول من الكفرة فهو في جهة ذكر الله تسمية العقوبة باسم الذنب، وقوله:
﴿وما كانوا﴾ عطف على (ما)) من قوله: ﴿كما نسوا﴾ ويحتمل أن تقدر ﴿ما﴾ الثانية زائدة ويكون قوله:
((وكانوا)) عطفاً على قوله ﴿نسوا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ولقد جئناهم بكتاب﴾ الآية، ذكر الاعذار إليهم إثر ذكر ما يفعل بهم واللام في قوله:
﴿لقد﴾ لام قسم والضمير في ﴿جئناهم﴾ لمن تقدم ذكره، وقال يحيى بن سلام تم الكلام في ﴿يجحدون﴾
وهذا الضمير لمكذبي محمد صلى الله عليه وسلم ابتداء كلام آخر، والمراد بالكتاب القرآن العزيز.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون اسم جنس في جميع الكتب المنزلة على تأويل من يرى
الضمير في ﴿جئناهم) لمن تقدم ذكره، وقرأ جمهور الناس ((فصلناه)) من تفصيل الآيات وتبيينها، وقرأ ابن
محيصن ((فضلناه)) بضاد منقوطة، و﴿على علم﴾ معناه: عن بصيرة واستحقاق لذلك، وقوله: ﴿هدى
ورحمة﴾ مصدران في موضع الحال.
قوله عز وجل :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ فَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِنَا بِالْحَقِّ
فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوْلَنَا أَوْنُرَدُ فَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ
إِّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَتَّامِ
٥٣
عَنْهُم مَّاكَانُوا يَفْتَرُونَ
ثُمَ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِ الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ حَثِينًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتِ بِأَمَّيُِّ
٥٤
أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْنُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
﴿ينظرون﴾ معناه ينتظرون، و((التأويل)) في هذا الموضع بمعنى المآل والعاقبة، قاله قتادة ومجاهد

٤٠٨
تفسير سورة الأعراف / الآيتان : ٥٤،٥٣
وغيرهما، وقال ابن عباس: ﴿تأويله﴾ مآله يوم القيامة، وقال السدي: ذلك في الدنيا وقعة بدر وغيرها
ويوم القيامة أيضاً، والمراد هل ينتظر هؤلاء الكفار إلا مآل الحال في هذا الدين وما دعوا إليه وما صدوهم
عنه وهم يعتقدون مآله جميلاً لهم؟ فأخبر الله عز وجل أن مآله يوم يأتي يقع معه ندمهم، ويقولون تأسفاً
على ما فاتهم من الإيمان لقد صدقت الرسل وجاءوا بالحق، فالتأويل على هذا مأخوذ من آل يؤول، وقال
الخطابي: أولت الشيء رددته إلى أوله فاللفظة مأخوذة من الأول، حكاه النقاش.
قال القاضي أبو محمد: وقد قيل أولت معناه طلبت أول الوجوه والمعاني ونسوه﴾ في الآية يحسن
أن يكون النسيان من أول الآية بمعنى الترك ويقرون بالحق ويستفهمون عن وجوه الخلاص في وقت لا
مستعتب لهم فيه، وقرأت فرقة: ((أو نردُّ) برفع الفعل على تقدير أو هل نرد وبنصب ((فنعملَ)) في جواب هذا
الاستفهام الأخير، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((أو نردُّ فنعملُ)) بالرفع فيهما على عطف (فنعمل))، وقرأ ابن
أبي إسحاق وأبو حيوة ((أو نردَّ فنعمل)) ونصب نرد في هذه القراءة إما على العطف على قوله: ﴿فيشفعوا﴾،
وإما بما حكاه الفراء من أن ((أو تكون)) بمعنى حتى كنحو قول امرىء القيس :
أو نموت فنعذرا
ويجيء المعنى، أن الشفاعة تكون في أن يردوا ثم أخبر تعالى عن خسارتهم أنفسهم واضمحلال
افترائهم على الله وكذبهم في جعل الأصنام آلهة .
وقوله تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) الآية، خطاب عام يقتضي
التوحيد والحجة عليه بدلائله، والرب أصله في اللغة المصلح من رب يرب وهو يجمع في جهة ذكر الله
تعالى المالك والسيد وغير ذلك من استعمالات العرب، ولا يقال الرب معرفاً إلا لله، وإنما يقال في البشر
بإضافة، وروى بكار بن الشقير ((إن ربكم الله)) بنصب الهاء، وقوله ﴿في ستة أيام﴾ حكى الطبري عن
مجاهد أن اليوم كألف سنة، وهذا كله والساعة اليسيرة سواء في قدرة الله تعالى، وأما وجه الحكمة في ذلك
فمما انفرد الله عز وجل بعلمه كسائر أحوال الشرائع، وما ذهب إليه من أراد أن يوجه هذا كالمهدوي وغيره
تخرص، وجاء في التفسير وفي الأحاديث أن الله ابتدأ الخلق يوم الأحد وكملت المخلوقات يوم الجمعة،
ثم بقي دون خلق يوم السبت، ومن ذلك اختارته اليهود لراحتها، وعلى هذا توالت تفاسير الطبري وغيره،
ولليهود لعنهم الله تعالى في هذا كلام سوء تعالى الله عما يصفون.
ووقع حديث في كتاب مسلم بن الحجاج في كتاب الدلائل لثابت السرقسطي، أن الله تعالى خلق
التربة يوم السبت وذكره مكي في الهداية، وقوله تعالى: ﴿استوى على العرش﴾ معناه عند أبي المعالي
وغيره من حذاق المتكلمين بالملك والسلطان، وخص العرش بالذكر تشريفاً له إذ هو أعظم المخلوقات،
وقال سفيان الثوري: فعل فعلًا في العرش سماه استواء.
قال القاضي أبو محمد: و﴿العرش﴾ مخلوق معين جسم ما، هذا الذي قررته الشريعة، وبلغني عن
أبي الفضيل بن النحوي أنه قال: العرش مصدر عرش يعرش عرشاً، والمراد بقوله ﴿استوى على العرش﴾ هذا.
قال القاضي أبو محمد: وهذا خروج كثير عن ما فهم من العرش في غير ما حديث عن النبي صلى

--
٤٠٩
تفسير سورة الأعراف / الآيتان : ٥٤،٥٣
الله عليه وسلم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ((يُغشي)) من أغشى، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر
وحمزة والكسائي ((يغشّي)) بالتشديد من غشّى، وهما طريقان في تعدية ((غشي)) إلى مفعول ثان، وقرأ حميد
(يغَشَى)) بفتح الياء والشين ونصب ((الليلَ)) ورفع («النهارُ»، كذا قال أبو الفتح وقال أبو عمرو الداني برفع
(الليلُ))
قال القاضي أبو محمد: وأبو الفتح أثبت و﴿حثيثاً﴾ معناه سريعاً، و﴿يطلبه حثيثاً﴾ حال من الليل
بحسب اللفظ على قراءة الجماعة، ومن النهار بحسب المعنى، وأما على قراءة حميد فمن النهار في
الوجهين، ويحتمل أن يكون حالاً منهما، ومثله قوله تعالى: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾ [مريم: ٢٧] فيصح
أن يكون ﴿تحمله﴾ حالاً منها، وأن يكون حالاً منه وأن يكون حالاً منهما. و﴿مسخرات﴾ في موضع الحال،
وقرأ ابن عامر وحده من السبعة و ((الشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ)) بالرفع في جميعها، ونصب الباقون
هذه الحروف كلها، وقرأ أبان بن تغلب و((الشمسَ والقمرَ) بالنصب، و((النجومُ مسخراتٌ)) بالرفع.
و﴿ألا﴾ استفتاح كلام فاستفتح بها في هذا الموضع هذا الخبر الصادق المرشد.
قال القاضي أبو محمد: وأخذ المفسرون ﴿الخلق﴾ بمعنى المخلوقات. أي هي له كلها وملكه
واختراعه، وأخذوا ﴿الأمر﴾ مصدراً من أمر يأمر، وعلى هذا قال النقاش وغيره: إن الآية ترد على القائلين
بخلق القرآن لأنه فرق فيها بين المخلوقات وبين الكلام إذ الأمر كلامه عز وجل .
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تؤخذ لفظة (الخلق) على المصدر من خلق يخلق خلقاً أي له
هذه الصفة إذ هو الموجد للأشياء بعد العدم، ويؤخذ ﴿الأمر﴾ على أنه واحد الأمور إلا أنه يدل على الجنس
فيكون بمنزلة قوله ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣] وبمنزلة قوله ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ [البقرة:
٢١٠] فإذا أخذت اللفظتان هكذا خرجتا عن مسألة الكلام.
قال القاضي أبو محمد: ولما تقدم في الآية خلق وبأمره تأكد في آخره أن ﴿له الخلق والأمر﴾
المصدرين حسب تقدمهما، وكيف ما تأولت الآية فالجميع لله، وأسند الطبري إلى النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((من زعم أن الله تعالى جعل لأحد من العباد شيئاً من الأمر فقد كفر بما أنزل الله لقوله
تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾))، قال النقاش: ذكر الله الإنسان في القرآن في ثمانية عشر موضعاً في
جميعها أنه مخلوق، وذكر القرآن في أربعة وخمسين موضعاً ليس في واحد منها إشارة إلى أنه مخلوق،
وقال الشعبي ﴿الخلق) عبارة عن الدنيا و﴿الأمر﴾ عبارة عن الآخرة، و﴿تبارك﴾ معناه عظم وتعالى وكثرت
بركاته، ولا يوصف بها إلا الله تعالى، و﴿تبارك﴾ لا يتصرف في كلام العرب، لا يقال منه يتبارك، وهذا
منصوص عليه لأهل اللسان.
قال القاضي أبو محمد: وعلة ذلك أن ﴿تبارك﴾ لما لم يوصف بها غير الله تعالى لم تقتض مستقبلاً إذ
الله قد تبارك في الأزل، وقد غلط بها أبو علي القالي فقيل له كيف المستقبل من تبارك فقال يتبارك فوقف
على أن العرب، لم تقله، و((الرب)) السيد المصلح، و ﴿العالمين) جمع عالم.
1

٤١٠
تفسير سورة الأعراف / الآيتان: ٥٦،٥٥
قوله عز وجل :
وَلَا تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ
أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
٥٦
إِصْلَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاْ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ
هذا أمر بالدعاء وتعبد به، ثم قرر عز وجل بالأمر به صفات تحسن معه، وقوله: ﴿تضرعاً﴾ معناه
بخشوع واستكانة، والتضرع لفظة تقتضي الجهر لأن التضرع إنما يكون بإشارات جوارح وهيئات أعضاء
تقترن بالطلب، ﴿وخفية﴾ يريد في النفس خاصة، وقد أثنى الله عز وجل على ذلك في قوله ﴿إذ نادى ربه
نداء خفياً﴾ [مريم: ٣] ونحو هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: خير الذكر الخفي، والشريعة مقررة أن السر فيما
لم يعترض من أعمال البر أعظم أجراً من الجهر، وتأول بعض العلماء ((التضرع والخفية)) في معنى السر
جميعاً، فكأن التضرع فعل للقلب، ذكر هذا المعنى الحسن بن أبي الحسن، وقال: لقد أدركنا أقواماً ما كان
على الأرض عمل يقدرون أن يكون سراً فيكون جهراً أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا
يسمع لهم صوت، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول ﴿ادعوا ربكم تضرعاً
وخفية﴾ وذكر عبداً صالحاً رضي فعله فقال ﴿إذ نادى ربه نداء خفياً﴾ [مريم: ٣] وقال الزجاج ﴿ادعوا
ربكم﴾ معناه اعبدوا ربكم ﴿تضرعاً وخفية﴾ أي باستكانة واعتقاد ذلك في القلوب، وقرأ جميع السبعة ((وخُفية))
بضم الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر هنا وفي الأنعام و((خفية)) بكسرها وهما لغتان، وقد قيل إن
((خفية)) بكسر الخاء بمعنى الخوف والرهبة، ويظهر ذلك من كلام أبي علي.
وقرأت فرقة ((وخيفة)) من الخوف، أي ادعوه باستكانة وخوف ذكرها ابن سيده في المحكم ولم
ينسبها، وقال أبو حاتم قرأها الأعمش فيما زعموا، وقوله: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ يريد في الدعاء وإن
كان اللفظ عاماً، فإلى هذا هي الإشارة، والاعتداء في الدعاء على وجوه، منها الجهر الكثير والصياح كما
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم - وقد رفعوا أصواتهم بالتكبير -: ((أيها الناس أربعوا على أنفسكم
إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً)) ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي أو يدعو في محال ونحو
هذا من التشطط، ومنها أن يدعو طالباً معصية وغير ذلك، وفي هذه الأسئلة كفاية، وقرأ ابن أبي عبلة ((إن
الله لا يحب المعتدين))، والمعتدي هو مجاوز الحد ومرتكب الحظر، وقد يتفاضل بحسب ما اعتدى فيه
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سيكون أقوام يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول:
اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل)).
٠
وقوله تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض﴾ الآية، ألفاظ عامة تتضمن كل إفساد قلَّ أوكثر بعد إصلاح،
قل أوكثر، والقصد بالنهي هو على العموم وتخصيص شيء دون شيء في هذا تحكم إلا أن يقال على وجهة
المثال، قال الضحاك: معناه لا تغوروا الماء المعين ولا تقطعوا الشجر المثمر ضراراً، وقد ورد قطع الدينار
والدرهم من الفساد في الأرض، وقد قيل تجارة الحكام من الفساد في الأرض، وقال بعض الناس: المراد
ولا تشركوا في الأرض بعد أن أصلحها الله ببعثة الرسل وتقرير الشرائع ووضوح ملة محمد صلى الله عليه
وسلم، وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر.
:

٤١١
تفسير سورة الأعراف / الآيتان : ٥٧، ٥٨
وقوله تعالى: ﴿وادعوه خوفاً وطعمً﴾ أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتحزن وتأميل الله عز
وجل حتى يكون الرجاء والخوف كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامة وإن انفرد أحدهما هلك
الإنسان، وقد قال كثير من العلماء ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب
الرجاء، وقد رأى كثير من العلماء أن يكون الخوف أغلب على المرء بكثير، وهذا كله احتياط ومنه تمني
الحسن البصري أن يكون الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة، وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون
من أصحاب الأعراف لأن مذهبه أنهم مذنبون، ثم أنس قوله تعالى: ﴿إن رحمت الله قريب من
المحسنين) فإنها آية وعد فيها تقييد بقوله ﴿من المحسنين).
واختلف الناس في وجه حذف التاء من ﴿قريب﴾ في صفة الرحمة على أقوال، منها أنه على جهة
النسب أي ذات قرب، ومنها أنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جرت مجرى كف خضيب ولحية دهين، ومنها
أنها بمعنى مذكر فذكر الوصف لذلك.
واختلف أهل هذا القول في تقدير المذكر الذي هي بدل منه فقالت فرقة الغفران والعفو، وقالت
فرقة المطر، وقيل غير ذلك، وقال الفراء: لفظة القرب إذا استعملت في النسب والقرابة فهي مع المؤنث
بتاء ولا بد، وإذا استعملت في قرب المسافة.
قال القاضي أبو محمد: أو الزمن - فقد تجيء مع المؤنث بتاء وقد تجيء بغير تاء، وهذا منه، ومن هذا
قول الشاعر: [الطويل]
عشية لا عفراء منك قريبة
فتدنو ولا عفراء منك بعيد
فجمع في هذا البيت بين الوجهين.
قال القاضي أبو محمد: هذا قول الفراء في كتابه، وقد مر في بعض كتب المفسرين مقيداً ورد
الزجّاج على هذا القول، وقال أبو عبيدة ﴿قريب﴾ في الآية ليس بصفة للرحمة وإنما هو ظرف لها وموضع،
فيجيء هكذا في المؤنث والاثنين والجميع وكذلك بعيد، فإذا جعلوها صفة بمعنى مقربة قالوا قريبة
وقریبتان وقریبات.
وذكر الطبري أن قوله ﴿قريب﴾ إنما يراد به مقاربة الأرواح للأجساد أي عند ذلك تنالهم الرحمة.
قوله عز وجل :
وَهُوَ اَلَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُلِبَلَدٍ
مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْنَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
٥٧
وَالْبَلَهُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ اَلْأَيَتِ
لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
٥٨
هذه آية اعتبار واستدلال، وقرأ نافع وأبو عمرو ((الرياح)) بالجمع ((نُشُرآ)) بضم النون والشين، قال أبو
1
1
-٠

٤١٢
تفسير سورة الأعراف / الآيتان: ٥٧، ٥٨
حاتم: وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن وأبي رجاء، واختلف عنهم الأعرج، وأبي جعفر ونافع وأبي عمرو
وعيسى بن عمر وأبي يحيى وأبي نوفل الأعرابيين، وقرأ ابن كثير ((الريح)) واحدة (نُشْراً)) بضمها أيضاً، وقرأ
ابن عامر ((الرياح)) جمعاً (نُشْرآ)) بضم النون وسكون الشين، قال أبو حاتم: ورويت عن الحسن وأبي عبد
الرحمن وأبي رجاء وقتادة وأبي عمرو، وقرأ حمزة والكسائي، ((الريح)) واحدة، ((نَشْراً)) بفتح النون وسكون
الشين، قال أبو حاتم وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وزر بن حبيش وابن وثاب وإبراهيم وطلحة
والأعمش ومسروق بن الأجدع، وقرأ ابن جني قراءة مسروق (نَشَرا)) بفتح النون والشين، وقرأ عاصم
((الرياح)) جماعة ((بُشْرآ)) بالباء المضمومة والشين الساكنة، وروي عنه ((بُشْرآ)) بضم الباء والشين، وقرأ بها
ابن عباس والسلمي وابن أبي عبلة. وقرأ محمد بن السميفع وأبو قطيب ((بُشرى)) على وزن فعلى بضم الياء،
ورويت عن أبي يحيى وأبي نوفل، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ((بَشْرا)) بفتح الباء وسكون الشين، قال
الزهراوي : ورويت هذه عن عاصم.
ومن جمع الريح في هذه الآية فهو أسعد، وذلك أن الرياح حيث وقعت في القرآن فهي مقترنة
بالرحمة كقوله ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات﴾ [الروم: ٤٥] وقوله ﴿وأرسلنا الرياح لواقع﴾
[الحجر: ٢٢] وقوله ﴿الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً﴾ [الروم: ٤٨] وأكثر ذكر الريح مفردة، إنما هو
بقرينة عذاب، كقوله ﴿وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ [الذاريات: ٤١] وقوله ﴿وأما عاد فأهلكوا
بريح صرصر عاتية﴾ [الحاقة: ٦] وقوله ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر
ربها﴾ [الأحقاف: ٢٤] نحا هذا المنحى يحيى بن يعمر وأبو عمرو بن العلاء وعاصم، وفي الحديث أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت الريح يقول ((اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً)).
قال القاضي أبو محمد: والمعنى في هذا كله بين، وذلك أن ريح السقيا والمطر أنها هي منتشرة لينة
تجيء من هاهنا وتتفرق فيحسن من حيث هي منفصلة الأجزاء متغايرة المهب يسيراً أن يقال لها رياح،
وتوصف بالكثرة ريح الصر والعذاب، عاصفة صرصر جسد واحد شديدة المر مهلكة بقوتها وبما تحمله
أحياناً من الصر المحرق، فيحسن من حيث هي شديدة الاتصال أن تسمى ريحاً مفردة، وكذلك أفردت
الريح في قوله تعالى: ﴿وجرين بهم بريح طيبة﴾ [يونس: ٢٢] من حيث جري السفن إنما جرت بريح
متصلة كأنها شيء واحد فأفردت لذلك ووصفت بالطيب إزالة الاشتراك بينها وبين الريح المكروهة، وكذلك
ريح سليمان عليه السلام إنما كانت تجري بأمره أو تعصف في حقوله وهي متصلة، وبعد فمن قرأ في هذه
الآية الريح بالإفراد فإنما يريد به اسم الجنس، وأيضاً فتقييدها بـ ((نشر)) يزيل الاشتراك.
والإرسال في الريح هو بمعنى والإجراء والإطلاق والإسالة ومنه الحديث فلرسول الله صلى الله عليه
وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، والريح تجمع في القليل أرواح وفي الكثير رياح لأن العين من الريح
واو انقلبت في الواحد ياء للكسر الذي قبلها، وكذلك في الجمع الكثير ، وصحت في القليل لأنه لاشيء
فيه يوجب الإعلال، وأما (نُشُراً)) بضم النون والشين فيحتمل أن يكون جمع ناشر على النسب أي ذات
نشر من الطي أو نشور من الحياة، ويحتمل (نَشُرآ)) أن يكون جمع نشور بفتح
النون وضم الشین کرسول ورسل وصبور وصبر وشکور وشکر، ویحتمل «نشرا» أن یکون کالمفعول بمعنى منشور

٤١٣
تفسير سورة الأعراف / الآيتان : ٥٧، ٥٨
كركوب بمعنى مركوب، ويحتمل أن يكون من أبنية اسم الفاعل لأنها تنشر الحساب، وأما مثال الأول في
قولنا ناشر ونشر فشاهد وشهد ونازل ونزل، كما قال الشاعر:
أو تنزلون فإنّا معشر نزل
وقاتل وقتل ومنه قول الأعشى : [البسيط]
إنا لمثلكم يا قومنا قتل
وأما من قرأ ((نُشْرأ) بضم النون وسكون الشين فإنما خفف الشين من قوله ﴿نشراً﴾ وأما من قرأ ((نَشْراً))
بفتح النون وسكون الشين فهو مصدر في موضع الحال من الريح، ويحتمل في المعنى أن يراد به من النشر
الذي هو خلاف الطيّ كل بقاء الريح دون هبوب طيّ، ويحتمل أن يكون من أن النشر الذي هو الإِحياء كما
قال الأعشى : [السريع]
يا عجبا للميت الناشر
وأما من قرأ (نَشَراً)) بفتح النون والشين وهي قراءة شاذة فهو اسم وهو على النسب، قال أبو الفتح أي
ذوات نشر، والنَّشَر أن تنتشر الغنم بالليل فترعى، فشبه السحاب، في انتشاره وعمومه بذلك، وأما ((بُشْراً)
بضم الباء والشين فجمع بشير كنذير ونذر، و((بشْراً)) بسكون الشين مخفف منه و((بَشْراً)) بفتح الباء وسكون
الشين مصدر و((بشرى)) مصدر أيضاً في موضع الحال. و((الرحمة)) في هذه الآية المطر، و﴿بين يدي﴾ أي
أمام رحمته وقدامها وهي هنا استعارة وهي حقيقة فيما بين يدي الإنسان من الأجرام.
و﴿أقلت﴾ معناه: رفعت من الأرض واستقلت بها، ومنه القلة وكأن المقل يرد ما رفع قليلاً إذا قدر
عليه، و﴿ثقالا﴾ معناه من الماء، والعرب تصف السحاب بالثقل والدلح، ومنه قول قيس بن الخطيم:
[المتقارب]
دلوح تكشف أدجانها
بأحسنَ منها ولا مزنة
والريح تسوق السحاب من ورائها فهو سوق حقيقة، والضمير في ﴿سقناه﴾ عائد على السحاب،
واستند الفعل إلى ضمير اسم الله تعالى من حيث هو إنعام، وصفة البلد بالموت استعارة بسبب سعته
وجدوبته وتصويح نباته، وقرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش: ((لبلد ميْت)) بسكون الياء وشدها الباقون،
والضمير في قوله: ﴿فأنزلنا به﴾ يحتمل أن يعود على السحاب أي منه، ويحتمل أن يعود على البلد،
ويحتمل أن يعود على الماء وهو أظهرها، وقال السدي فى تفسير هذه الآية: إن الله تعالى يرسل الرياح
فتأتي بالسحاب من بين الخافقين طرق السماء والأرض حيث يلتقيان فتخرجه من ثم ثم تنشره فتبسطه في
السماء ثم تفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ثم تمطر السحاب بعد ذلك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا التفصيل لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله تبارك وتعالى
﴿كذلك نخرج الموتى﴾ يحتمل مقصدين أحدهما أن يراد كهذه القدرة العظيمة في إنزال الماء وإخراج
الثمرات به من الأرض المجدبة هي القدرة على إحياء الموتى من الأجداث وهذه مثال لها، ويحتمل أن
:

٤١٤
تفسير سورة الأعراف / الآيهف ٠٥٩-٦٢
يراد أن هكذا يصنع بالأموات من نزول المطر عليهم حتى يحيوا به فيكون الكلام خبراً لا مثلاً، وهذا
التأويل إنما يستند إلى الحديث الذي ذكره الطبري عن أبي هريرة أن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى مطر ..
عليهم مطر من ماء تحت العرش يقال له ماء الحيوان أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع، فإذا كملت
أجسادهم نفخ فيهم الروح، ثم تلقى عليهم نومة فينامون فإذا نفخ في الصور الثانية قاموا وهم يجدون طعم
النوم، فيقولون يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، فيناديهم المنادي هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون.
وقوله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته﴾ آية متممة للمعنى الأول في الآية قبلها معرفة بعادة الله
تعالى في إنبات الأرضين، فمن أراد أن يجعلها مثالاً لقلب المؤمن وقلب الكافر فذلك کله مرتب، لكن
ألفاظ الآية لا تقتضي أن المثال قصد بذلك والتمثيل بذلك حكاه الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة
والسدي، وقال النحاس: هو مثال للفهيم وللبليد، و﴿الطيب﴾: هو الجيد التراب الكريم الأرض، وخص،
بإذن ربه مدحاً وتشريفاً، وهذا كما تقول لمن تغض منه، أنت كما شاء الله فهي عبارة تعطي مبالغة في مدح
أو ذم ومن هذا قوله تعالى: ﴿فله ما سلف وأمره إلى الله﴾ [البقرة: ٢٧٥] على بعض التأويلات، والخبيث
هو السباخ ونحوها من رديء الأرض، وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وعيسى بن عمر ((يُخْرِج نباتَه)) بضم الياء
وكسر الراء ونصب التاء، و((النكد)) العسير القليل، ومنه قول الشاعر: [المنسوح]
لا تنجز الوعد إن وعدت وإن أعطيت أعطيت تنافهاً نكدا
ونكد الرجل إذا سأل إلحافاً وأخجل ومنه قول الشاعر: [السريع]
لا خير في المنكود والناكد
وأعط ما أعطيته طيباً
وقرأ جمهور الناس وجميع السبعة ((نكدآ)) بفتح النون وكسر الكاف، وقرأ طلحة بن مصرف ((نكْدا)»
بتخفيف الكاف وفتح النون، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ((نَكّدآ)) بفتح النون والكاف، وقال الزجّاج: وهي
قراءة أهل المدينة ﴿كذلك نصرف الآيات﴾ أي هكذا نبين الأمور، و﴿يشكرون﴾ معناه يؤمنون ويثنون
بآلاء الله .
قوله عز وجل :
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ (*) قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَكَ فِىِ ضَلَلِ تُبِينٍ (٦)قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِ ضَلَلَةٌ
أُبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِى وَأَنَصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا
وَلَكِنِى رَسُولٌ مِّن رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾
اللام لام القسم، قال الطبري أقسم الله تعالى أنه أرسل نوحاً، وقالت فرقة من المفسرين: سمي أنوحاً
لأنه کان ینوح علی نفسه.
٦٢
...
:
لَانَعْلَمُونَ
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، قال سيبويه: نوح ولوط وهود أسماء أعجمية إلا أنها حقيقة
:

٤١٥
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٥٩ - ٦٢
فلذلك صرفت، وهذه نذارة من نوح لقومه دعاهم إلى عبادة الله وحده ورفض آلهتهم المسماة وداً وسواعاً
ويغوث ويعوق وغيرها مما لم يشتهر، وقرأ الكسائي وحده ((غيرِه)) بالكسر من الراء على النعت لـ ﴿إله﴾،
وهي قراءة يحيى بن وثاب والأعمش وأبي جعفر، وقرأ الباقون ((غيرُه)) بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي ((هل
من خالق غير الله)) خفضاً، وقرأ الباقون: ((غيرُ الله)) رفعاً والرفع في قراءة الجماعة هنا على البدل من قوله
﴿من إله﴾ لأن موضع قوله: ﴿من إله﴾ رفع، وهو الذي رجح الفارسي، ويجوز أن يكون نعتاً على الموضع
لأن التقرير ما لكم إله غيره، أو يقدر ((غير)) بـ ((إلا)) فيعرب بإعراب ما يقع بعد ((إلا))، وقرأ عيسى بن عمر
((غيرَه)) بنصب الراء على الاستثناء، قال أبو حاتم: وذلك ضعيف من أجل النفي المتقدم، وقوله ﴿عذاب﴾
يحتمل أن يريد به عذاب الدنيا ويحتمل أن يريد به عذاب الآخرة.
و﴿الملأ﴾ الجماعة الشريفة، قال الطبري: لا امرأة فيهم، وحكاه النقاش عن ثعلب في الملأ والرهط
والنفر والقوم، وقيل هم مأخوذون من أنهم يملؤون النفس والعين، ويحتمل أن يكون من أنهم إذا تمالؤوا
على أمر تم، وقال سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري عند قفول رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة
بدر إنما قتلنا عجائز صلعاً. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أولئك الملأ من قريش لو حضرت
أفعالهم لاحتقرت فعلك)). والملأ صفة غالبة وجمعه أملاء وليس من باب رهط وإن كانا اسمين للجمع لأن
رهط لا واحد له من لفظه، و((ملأ)) يوجد من لفظه مالىء قال أحمد بن يحيى: المالىء الرجل الجليل
الذي يملأ العين بجهرته فيجيء كعازب وخادم ورائح فإن أسماء جموعها عرب وخدم وروح، وإن كانت
اللفظة من تمالأ القوم على كذا فهي مفارقة باب رهط ومنه قول علي رضي الله عنه: ما قتلت عثمان ولا
مالأت في دمه، وقال ابن عباس ((الملؤ)) بواو وكذلك هي في مصاحف الشام، وقولهم لنراك يحتمل أن
يجعل من رؤية البصر، ويحتمل من رؤية القلب وهو الأظهر و﴿في ضلال﴾ أي في إتلاف وجهالة بما
تسلك.
وقوله لهم جواباً عن هذا ﴿ليس بي ضلالة) مبالغة في حسن الأدب والإعراض عن الجفاء منهم
وتناول رفيق وسعة صدر حسبما يقتضيه خلق النبوة، وقوله: ﴿ولكني رسول﴾ تعرض لمن يريد النظر
والبحث والتأمل في المعجزة.
قال القاضي أبو محمد: ونقدر ولابد أن نوحاً عليه السلام وكل نبي مبعوث إلى الخلق كانت له
معجزة تخرق العادة فمنهم من عرفنا بمعجزته ومنهم من لم نعرف.
وقرأ السبعة سوى أبي عمرو ((أَبَلّغكم)) بشد اللام وفتح الباء، بسكون الباء وتخفيف اللام، وقوله
صلى الله عليه وسلم ﴿وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ وإن كان لفظاً عاماً في كل ما علمه فالمقصود منه هنا
المعلومات المخوفات عليهم لا سيما وهم لم يسمعوا قط بأمة عذبت فاللفظ مضمن الوعيد.
قوله عز وجل :
أَوَ عَبْتُمْ أَن جَاءَ كُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْلِيُنذِرَكُمْ وَلِنَنَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْتُرْحَمُونَ ﴿َ فَكَذَّبُوهُ

٤١٦
تفسير سورة الأعراف / الآيتان: ٦٤،٦٣
فَأَنْجَيْنَهُ وَاُلَّذِينَ مَعَهُ فِ اُلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْبِثَايَئِنَّأْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ (®
٦٤
هذه ألف استفهام دخلت على الواو العاطفة، والاستفهام هنا بمعنى التقرير والتوبيخ، وعجبهم الذي
وقع إنما كان على جهة الاستبعاد والاستمحال، هذا هو الظاهر من قصتهم، وقوله: ﴿على﴾ قيل هي
بمعنى مع، وقيل هو على حذف مضاف تقديره على لسان رجل منكم.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون المجيء بنفسه في هذا الموضع يصل بـ ﴿على﴾ إذ كل ما
يأتي من الله تعالى فله حكم النزول فكأن ﴿جاءكم﴾ معناه نزل فحسن معه أن يقال ﴿على رجل﴾ واللام
في ﴿لينذركم﴾ لام كي. وقوله ﴿ولعلكم﴾ ترجّ بحسب حال نوح ومعتقده لأن هذا الخبر إنما هو من تلقاء
نوح عليه السلام .
وقوله: ﴿فكذبوه﴾ الآية، أخبر الله عنهم أنهم بعد تلطفه بهم كذبوه فأنجاه الله والمؤمنين به في
السفينة وهي الفلك، و﴿الفلك﴾ لفظ واحد للجمع والمفرد، وليس على حد جنب ونحوه، لكن فلك
للواحد كسر على فُلك للجميع فضمة الفاء في الواحد ليست هي في الجمع وفعل بناء تكسير مثل أسد
وأسد، ويدل على ذلك قولهم في التثنية فلكان، وفي التفسير: أن الذين كانوا مع نوح في السفينة أربعون
رجلاً، وقيل ثمانون. وقيل عشرة، فهم أولاده يافث وسام وحام، وفي كثير من كتب الحديث للترمذي
وغيره: أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام، وقال الزهري في كتاب النقاش: وفي القرآن
﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾ [الإسراء: ٣].
قال القاضي أبو محمد: فيحتمل أن يكون سائر العشرة أو الأربعين حسب الخلاف حفدة لنوح ومن
ذريته فتجتمع الآية والحديث، ويحتمل أن من كان في السفينة غير بنيه لم ينسل، وقد روي ذلك، وإلا
لكان بين الحديث والآية تعارض، وقوله: ﴿كذبوا بآياتنا﴾ يقتضي أن نوحاً عليه السلام كانت له آيات
ومعجزات، وقوله: ﴿عمين﴾ وزنه فعلين وهو جمع عم وزنه فعل، ويريد عمى البصائر، وروي عن ابن
عباس أن نوحاً بعث ابن أربعين سنة، قال ابن الكلبي: بعد آدم بثمانمائة سنة، وجاء بتحريم البنات
والأخوات والأمهات والخالات والعمات، وقال وهب بن منبه بعث نوح وهو ابن أربعمائة سنة، وقيل بعث
ابن ثلاثمائة سنة، وقيل ابن خمسين سنة، وروي أنه عمر بعد الغرق ستين سنة، وروي أن الطوفان كان
سنة ألف وستمائة من عمره صلى الله عليه وسلم، وأتى في حديث الشفاعة وغيره: أن نوحاً أول نبي بعث
إلى الناس، وأتى أيضاً أن إدريس قبل نوح ومن آبائه وذلك يجتمع بأن تكون بعثة نوح مشتهرة لإصلاح
الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان، فالمراد أنه أول نبي بعث على هذه الصفة .
قوله عز وجل :
قَالَ الْمُلَأُ الَّذِينَ
٦٥
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا نَتَّقُونَ
كَفَرُواْ مِن قَوْمِهٍِ إِنَّا لَفَرَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴾ قَالَ يَقَوْمِ
:
:

٤١٧
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٦٥ - ٧٠
لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَلَتِ رَقِّ وَأَنَاْ لَكُمْنَاصِعُ
أَمِينُ
﴿عاد﴾ اسم الحي، و﴿أخاهم﴾ نصب بـ ﴿أرسلنا﴾ [الأعراف: ٥٩] فهو معطوف على نوح، وهذه
أيضاً نذارة من هود عليه السلام لقومه، وتقدم الخلاف في قراءة ﴿غيره﴾ وقوله ﴿أفلا تتقون) استعطاف
إلى التقى والإيمان.
وقوله تعالى: ﴿قال الملأ﴾ الآية، تقدم القول في مثل هذه المقالة آنفاً، و((السفاهة)) مصدر عبر به
عن الحال المهلهلة الرقيقة التي لا ثبات لها ولا جودة، والسفه، في الثوب خفة نسجه، ومنه قول الشاعر:
[الطويل] [ذي الرمة]
أعاليها مرُّ الرياح النواسم
مشین كما اهتزت رماح تسفهت
وقولهم: ﴿لنظنك﴾ هو ظن على بابه لأنهم لم يكن عندهم إلا ظنون وتخرص.
وتقدم الخلاف في قراءة ﴿أبلغكم) وقوله: ﴿أمين﴾ يحتمل أن يريد: على الوحي والذكر النازل من
قبل الله عز وجل، ويحتمل أن يريد: أنه أمين عليهم وعلى غيبهم وعلى إرادة الخير بهم، والعرب تقول:
فلان الفلان ناصح الجيب أمين الغيب، ويحتمل أن يريد به أمين من الأمن أي جهتي ذات أمن من الكذب
والغش.
قوله عز وجل :
ج
أَوَ عَبْتُمْ أَنْ جَاءَ كُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَأَذْكُرُوْاْإِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ
مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُ وْءَ الَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ قَالُواْ
أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ
الصَّدِقِينَ
٧٠
قد تقدم القول في مثل ﴿أو عجبتم) و((الذكر)) لفظ عام للمواعظ والأوامر والنواهي، وقوله تعالى:
﴿واذكروا﴾ الآية، تعديد للنعم عليهم، و﴿خلفاء﴾ جمع خليف كظريف وظرفاء، وخليفة جمع خلائف،
والعرب تقول خليفة وخليف، وأنشد أبو علي :
فإن يزل زائل يوجد خليفته وما خليف أبي وهب بموجود
قال السدي وابن إسحاق: والمعنى جعلكم سكان الأرض بعد قوم نوح، وقوله: ﴿وزادكم في٢
الخلق بصطة﴾ أي في الخلقة، والبصطة الكمال في الطول والعرض، وقيل زادكم على أهل عصركم، قال
الطبري: المعنى زادكم على قوم نوح وقاله قتادة.
i

٤١٨
تفسير سورة الأعراف / الآيتان :: ٦٩ ، ٧٠
قال القاضي أبو محمد: واللفظ يقتضي أن الزيادة هي على جميع العالم، وهو الذي يقتضي ما يذكر
عنهم، وروي أن طول الرجل منهم كان مائة ذراع وطول أقصرهم ستون ونحو هذا. و((الآلاء)): جمع (إلا))
على مثال معى، وأنشد الزجّاج: [للأعشى]
أبيض لا يرهب الهزال ولا .... يقطع رحماً ولا يخون إلا :.
وقيل واحد الآلاء ((ألا)) على مثال قفى، وقيل واحدها (إلى)) على مثال حسى وهي النعمة والمنة،
و﴿تفلحون﴾: معناه تدركون البغية والآمال، قال الطبري وعاد هؤلاء فیما حدث ابن إسحاق من ولد عاد بن إرم
ابن عوص بن سام بن نوح، وكانت مساكنهم الشحر من أرض اليمن وما والى. حضرموت إلى عمان، وقال
السدي وكانوا بالأحقاف وهي الرمال، وكانت بلادهم أخصب بلاد فردها الله صحارى، وقال علي بن أبي
طالب: إن قبر هود عليه السلام هنالك في كثيب أحمر يخالطه مدرة ذات أراك وسدر، وكانوا قد فشوا في
جميع الأرض وملكوا كثيراً بقوتهم وعددهم وظلموا الناس، وكانوا ثلاث عشرة قبيلة، وكانوا أصحاب أوثان
منها ما يسمى صداء ومنها صمودا ومنها الهنا فبعث الله إليهم هوداً من أفضلهم وأوسطهم نسباً فدعاهم إلى
توحيد الله وإلى ترك الظلم.
قال ابن إسحاق: لم يأمرهم فيما يذكر بغير ذلك فكذبوه وعتوا واستمر ذلك منهم إلى أن أراد الله إنفاذ
أمره أمسك عنهم المطر ثلاث سنين، فشقوا بذلك وكان الناس في ذلك الزمان إذا أهمهم أمر فزعوا إلى
المسجد الحرام بمكة فدعوا الله فيه تعظيماً له مؤمنهم وكافرهم، وأهل مكة يومئذ العماليق وسيدهم رجل
يسمى معاوية بن بكر، فاجتمعت عاد على أن تجهز منهم وفداً إلى مكة يستسقون الله لهم، فبعثوا قيل بن
عنز ولقيم بن هزال وعثيل بن ضد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير، وكان هذا مؤمناً يكتم إيمانه
وجلهمة بن الخبيري في سبعين رجلاً من قومهم، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة
خارجاً من الحرم فأنزلهم وأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتا معاوية، ولما رأى
معاوية إقامتهم وقد بعثتهم عاد للغوث أشفق على عاد وكان ابن أختهم كلهدة بن الخبير أخت جلهمة، وقال
هلك أخوالي وشق عليه أن يأمر أضيافه بالانصراف عند فشكا ذلك إلى قينة فقالت له اصنع شعراً نغني به
عسى أن ننبههم فقال: [الوافر]
لعل الله يصحبنا غماما
ألا يا قيل ويحك قم فهينمْ
قد امسوا لا يبينون الكلاما
فيسقي أرض عاد إن عاداً
به الشيخ الكبير ولا الغلاما
من العطش الشديد فليس نرجو
فقد أمست نساؤهمُ عياما
وقد كانت نساؤهم بخير
ولا تخشى لعاديٍّ سهاما.
وإن الوحش تأتيهم جهاراً
نهارَكمُ وليلكِمُ التماما
وأنتمْ هاهنا فيما اشتهيتم
ولا لُقُّوا التحيَّةَ والسَّلاما ..
فَقُبِّحَ وفدُكمْ من وفدٍ قَوْمٍ
فغنت به الجرادتان فلما سمعه القوم قال بعضهم يا قوم إنما بعثكم قومكم لما حل بهم فادخلوا هذا

٤١٩
تفسير سورة الأعراف / الآيتان: ٦٩، ٧٠
الحرم وادعوا لعل الله يغيثهم فخرجوا لذلك فقال لهم مرثد بن سعد إنكم والله ما تسقون بدعائكم، ولكنكم
إن أطعتم نبيكم وآمنتم به سقيتم، وأظهر إيمانه يومئذ فخالفه الوفد، وقالوا لمعاوية بن بکر وأبيه بکر احبسا
عنا مرتداً ولا يدخل معنا الحرم، فإنه قد اتبع هوداً ومضوا إلى مكة فاستسقى قيل بن عنز، وقال يا إلهنا إن
کان هود صالحاً فاسقنا فإنّا قد هلكنا، فأنشأ الله سحائب ثلاثاً بيضاء وسوداء، ثم ناداه مناد من السحاب یا
قيل اختر لنفسك وقومك من هذا السحاب، فقال قيل قد اخترت السوداء فإنها أكثرها ماء، فنودي اخترت
رماداً رمدداً لا تبقي من عاد أحداً، لا والداً ولا ولداً، إلا جعلتهم همداً، وساق الله السحابة السوداء التي
اختارها قيل إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث، فلما رأوها قالوا هذا عارض ممطرنا،
حتى عرفت أنها ريح امرأة من عاد يقال لها مهد، فصاحت وصعقت فلما أفاقت قيل لها ما رأيت؟ قالت
رأيت ريحاً كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم ثمانية أيام حسوماً وسبع ليال، والحسوم
الدائمة فلم تدع من عاد أحداً إلا هلك، فاعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه من الريح
إلا ما يلتذ به .
قال القاضي أبو محمد: وهذا قصص وقع في تفسير مطولاً، وفيه اختلاف فاقتضبت عيون ذلك
بحسب الإيجاز وفي خبرهم أن الريح كانت تدمغهم بالحجارة وترفع الظعينة عليها المرأة، حتى تلقيها في
البحر، وفي خبرهم أن أقوياءهم كان أحدهم يسد بنفسه مهب الريح حتى تغلبه فتلقيه في البحر، فيقوم آخر
مكانه حتى هلك الجميع، وقال زيد بن أسلم: بلغني أن ضبعاً ربت أولادها في حجاج عين رجل منهم
وفي خبرهم، أن الله بعث لما هلكت عاد طيراً وقيل أسداً فنقلت جيفهم حتى طرحتها في البحر، فذلك
قوله ﴿فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم﴾ [الأحقاف: ٢٥] في بعض ما روي من شأنهم: أن الريح لم تبعث
قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها تمت على الخزنة فغلبتهم فذلك قوله: ﴿أهلكوا بريح صرصر عاتية﴾
[الحاقة: ٦] وروي أن هوداً لما هلكت عاد نزل بمن آمن معه إلى مكة فكانوا بها حتى ماتوا، فالله علم أي
ذلك كان.
وقوله تعالى: ﴿قالوا أجئتنا﴾ الآية، ظاهر قولهم وحده أنهم أنكروا أن يتركوا أصنامهم ويفردوا
العبادة لله مع إقرارهم بالإله الخالق المبدع، ويحتمل أن يكونوا منكرين الله ويكون قولهم لنعبد الله وحده
أي على قولك يا هود، والتأويل الأول أظهر فيهم وفي عباد الأوثان كلهم، ولا يجحد ربوبية الله تعالى من
الكفرة إلا من أفرطت غباوته كإربد بن ربيعة، وإلا من ادعاها لنفسه كفرعون ونمرود، وقوله: ﴿فاتنا﴾
تصميم على التكذيب واحتقار لأمر النبوءة واستعجال للعقوبة، وتمكن قولهم: ﴿تعدنا﴾ لما كان هذا الوعد
مصرحاً به في الشر ولو كان ذكر الوعد مطلقاً لم يجىء إلا في خبر.
قوله عز وجل :
قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبٌ أَتُجَدِ لُونَنِ فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا
أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَانَزَّلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ فَأَنْتَظِرُوْاْ إِ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ
٧
فَأَنْجَيِّنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَعْنَا دَابِ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِشَايَتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ

٤٢٠
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٧١ - ٧٣
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرٌةٌ قَدْ
جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِن رَّبِّكُمّهَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِلَكُمْ ءَايَةً فَذْرُوهَا تَأْكُلُ فِي أَرْضِ
اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ
٧٣
أعلمهم بأن القضاء قد نفذ وحل عليهم الرجس وهو السخط والعذاب يقال ((رجسٍ ورجز)) بمعنى
واحد، قاله أبو عمرو بن العلاء، وقال الشاعر: [الطويل]
إذا سنة كانت بنجد محيطة فكان عليهم رجسها وعذابها:
وقد يأتي الرجس أيضاً بمعنى النتن والقذر، ويقال في الرجيع رجس وركس، وهذا الرجس هو
المستعار المحرمات، أي ينبغي أن يجتنب كما يجتنب النتن، ونحوه في المعنى قول النبي صلى الله عليه
وسلم في خبر جهجاه الغفاري وسنان بن وبرة الأنصاري حين دعوا بدعوى الجاهلية: ((دعوها فإنها مثنة)».
وقوله: ﴿أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ إنما يريد أنهم يخاصمونه في أن تسمى آلهة،
فالجدل إنما وقع في التسميات لا في المسميات، لكنه ورد في القرآن ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء
سميتموها أنتم﴾ [يوسف: ٤٠] فهنا لا يريد إلا ذوات الأصنام، فالاسم إنما يراد به المسمى نفسه.
قال القاضي أبو محمد: ومن رأى أن الجدل في هذه الآية إنما وقع في أنفس الأصنام وعبادتها تأول
هذا التأويل، والاسم يرد في كلام العرب بمعنى التسمية وهذا بابه الذي استعمله به النحویون، وقد يراد به
المسمى ويدل عليه ما قاربه من القول، من ذلك قوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]
وقوله ﴿تبارك اسم ربك﴾ [الرحمن: ٧٨] على أن هذا يتأول، ومنه قول لبيد: [الطويل]
إلى الحول ثمَّ اسمُ السلام عليكما
على تأويلات في البيت، وقد مضت المسألة في صدر الكتاب والسلطان: البرهان وقوله ﴿فانتظروا
إني معكم من المنتظرين) الآية وعید وتهدید.
والضمير في قوله ((أنجيناه)) عائد على ((هود)) أي أخرجه الله سالماً ناجياً مع من اتبعه من المؤمنين
برحمة الله وفضله، وخرج هود ومن آمن معه حتى نزلوا مكة فأقاموا بها حتى ماتوا ﴿وقطعنا دابر﴾ استعارة
تستعمل فيمن يستأصل بالهلاك، و((الدابر)) الذي يدبر القوم ويأتي خلفهم: فإذا انتهى القطع والاستئصال
إلى ذلك فلم يبق أحد وقوله ﴿كذبوا بآياتنا﴾ دال على المعجزة وإن لم تتعين لها ..
وقوله تعالى: ﴿وإلى ثمود) الآية، هو ((ثمود)) بن غائن بن أرم بن سام بن نوح أخو جديس بن
غائن، وقرأ يحيى بن وثاب ((وإلى ثمودٍ)) بكسر الدال وتنوينه في جميع القرآن، وصرفه على اسم الحي
وترك صرفه على اسم القبيلة، قاله الزجاج، وقال الله تعالى: ﴿ألا إن ثموداً كفروا ربهم﴾ فالمعنى:
وأرسلنا ((إلى ثمود أخاهم)) فهو عطف على نوح، والأخوة هنا أخوة القرابة، وقال الزجاج يحثّمل أن تكون
أخوة الآدمية، وسمى ﴿أخاهم﴾ لما بعث إليهم وهم قوم عرب و((هود وصالح)) عربيان، وكذلك إسماعيل
٠