Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨٢
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٢٧،٢٦
ونفي الشعور مذمة بالغة إذ البهائم تشعر وتحس، فإذا قلت لا يشعر فقد نفيت عنه العلم النفي العام الذي
يقتضي أنه لا يعلم ولا المحسوسات.
قال القاضي أبو محمد: وقرأ الحسن ((وينون عنه)) ألقيت حركة الهمزة على النون على التسهيل
القياسي، وقوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾ الآية المخاطبة فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم،
وجواب ﴿لو﴾ محذوف، تقديره في آخر هذه الآية لرأيت هولاً أو مشقات أو نحو هذا، وحذف جوابها في مثل هذا
أبلغ لأن المخاطب يترك مع غاية تخيله، ووقعت ﴿إِذ﴾ في موضع إذا التي هي لما يستقبل وجاز ذلك لأن
الأمر المتيقن وقوعه يعبر عنه كما يعبر عن الماضي الوقوع، و﴿وقفوا﴾ معناه: حبسوا، ولفظ هذا الفعل
متعدياً وغير متعد سواء، تقول: وقفت أنا ووقفت غيري، وقال الزهراوي: وقد فرق بينهما بالمصدر ففي
المتعدي وقفته وقفاً وفي غير المتعدي وقفت وقوفاً، قال أبو عمرو بن العلاء: لم أسمع في شيء من كلام
العرب أوقفت فلاناً إلا أني لو لقيت رجلاً واقفاً فقلت له ما أوقفك هاهنا لكان عندي حسناً، ويحتمل قوله:
﴿وقفوا على النار﴾ أن يكون دخلوها، فكان وقوفهم عليها أي فيها، قاله الطبري، ويحتمل أن يكون أشرفوا
عليها وعاينوها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ((ولا نكذبُ)) و((نكونُ))
بالرفع في كلها، وذلك على نية الاستئناف والقطع في قوله ((ولا نكذب ونكون)) أي يا ليتنا نرد ونحن على
كل حال لا نكذب ونكون، فأخبروا أنفسهم بهذا ولهذا الإخبار صح تكذيبهم بعد هذا، ورجح هذا سيبويه
ومثله بقولك دعني ولا أعود أي وأنا لا أعود على كل حال، ويخرج ذلك على قول آخر وهو أن يكون ((ولا
نكذب ونکون» داخلا في التمني على حد ما دخلت فيه نرد، کأنهم قالوا: يا ليتنا نرد وليتنا لا نكذب ولیتنا
نكون، ويعترض هذا التأويل بأن من تمنى شيئاً لا يقال إنه كاذب وإنما يكذب من أخبر.
قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يكون قوله ﴿وإنهم لكاذبون﴾
[الأنعام: ٢٨] حكاية عن حالهم في الدنيا كلاماً مقطوعاً مما قبله وبوجه آخر وهو أن المتمني إذا كانت
سجيته وطريقته مخالفة لما تمنى بعيدة منه يصح أن يقال له كذبت على تجوز، وذلك أن من تمنى شيئاً
فتمنيه يتضمن إخباراً أن تلك الأمنية تصلح له ويصلح لها فيقع التكذيب في ذلك الإخبار الذي يتضمنه
التمني، ومثال ذلك أن يقول رجل شرير ليتني أحج وأجاهد وأقوم الليل فجائز أن يقال لهذا على تجوز
كذبت أي أنت لا تصلح لهذا ولا يصلح لك، وروي عن أبي عمرو: أنه أدغم باء («نكذب في الباء التي
بعدها، وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم في رواية حفص ((ولا نكذبَ ونكونَ)) بنصب الفعلين، وذلك كما
تنصب الفاء في جواب التمني، فالواو في ذلك والفاء بمنزلة، وهذا تقدير ذكر مصدر الفعل الأول كأنهم
قالوا يا ليتنا كان لنا رد وعدم تكذيب وكون من المؤمنين، وقرأ ابن عامر في رواية هشام بن عمار عن
أصحابه عن ابن عامر ((ولا نكذبُ)) بالرفع ((ونكونَ)) بالنصب، ويتوجه ذلك على ما تقدم في مصحف
عبد الله بن مسعود ((يا ليتنا نرد فلا نكذب بآيات ربنا ونكون)) بالفاء، وفي قراءة أبي بن كعب ((يا ليتنا فرد فلا
نكذب بآيات ربنا أبداً ونكون))، وحكى أبو عمرو أن في قراءة أبي ((بآيات ربنا ونحن نكون))، وقوله ﴿نرد﴾
في هذه الأقوال كلها معناه: إلى الدنيا، وحكى الطبري تأويلاً آخر وهو يا ليتنا نرد إلى الآخرة أي نبعث
ونوقف على النار التي وقفنا عليها مكذبين ليت ذلك ونحن في حالة لا نكذب ونكون، فالمعنى يا ليتنا

٢٨٢
تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٢٨ - ٣٠
نوقف هذا الوقوف غير مكذبين بآيات ربنا كائنين من المؤمنين .
قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يضعف من غير وجه ويبطله قوله تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا لما
نهوا عنه﴾ [الأنعام: ٢٨] ولا يصح أيضاً التكذيب في هذا التمني لأنه تمني ما قد مضى. وإنما يصح
التكذيب الذي ذكرناه قبل هذا على تجوز في تمني المستقبلات.
قوله عز وجل :
وَقَالُوَ أْإِنْ هِىَ إِلَّا
بَلْ بَدَالَهُ مَّا كَانُوْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْرُدُّواْلَعَادُواْ لِمَا ◌ُهُوْ عَنْهُ وَإِنَهُمْ لَكَذِبُونَ
حَيَانُنَا الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿ وَلَوْتَرَىّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى
ج
وَرَبِنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
٣٠
الضمير في ﴿لهم﴾ عائد على من ذكر في قوله: ﴿وقفوا﴾ و﴿قالوا﴾ [الأنعام: ٢٧] وهذا الكلام
يتضمن أنهم ﴿كانوا يخفون﴾ شيئاً ما في الدنيا فظهر لهم يوم القيامة أو ظهر لهم وباله وعاقبته ، فحذف
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وحكى الزهراوي عن فرقة أنها قالت: الآية في المنافقين لأنهم كانوا
((يخفون)) الكفر فبدا لهم وباله يوم القيامة .
قال القاضي أبو محمد: وتقلق العبارة على هذا التأويل لأنه قال ﴿وقفوا﴾ يريد جماعة كفار ثم قال
﴿بدا لهم﴾ يريد المنافقين من أولئك الكفار، والكلام لا يعطي هذا إلا على تحامل، قال الزهراوي: وقيل إن
الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر به أتباعهم فظهر
لهم ذلك يوم القيامة .
قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يكون مقصد الآية الإخبار عن هول ما لقوه والتعظيم لما شقوا به،
فعبر عن ذلك بأنهم ظهرت لهم مستوراتهم في الدنيا من معاص وغير ذلك، فكيف الظن على هذا بما
كانوا يعلنون من كفر ونحوه، وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تعظيم شأن يوم القيامة ﴿يوم تبلی
السرائر﴾ [الطارق: ٩] ويصح أن يقدر الشيء الذي كانوا يخفونه في الدنيا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
وأقواله، وذلك أنهم كانوا ((يخفون)) ذلك في الدنيا بأن يحقروه عند من يرد عليهم ويصفوه بغير صفته ويتلقوا
الناس على الطرق فيقولون لهم هو ساحر هو يفرق بين الأقارب، يريدون بذلك إخفاء أمره وإبطاله، فمعنى
هذه الآية على هذا، بل بدا لهم يوم القيامة أمرك وصدقك وتحذيرك وإخبارك بعقاب من كفر الذي كانوا
يخفونه في الدنيا، ويكون الإخفاء على ما وصفناه، وقال الزجاج المعنى ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان
الغواة ((يخفون)) من البعث.
قال القاضي أبو محمد: فالضميران على هذا ليسا لشيء واحد، وحكى المهدوي عن الحسن نحو
هذا، وقرأ يحيى بن وثاب والنخعي والأعمش ((ولو ردوا)) بكسر الراء على نقل حركة الدال من رددوا إليها،
وقوله: ﴿ولو ردوا لعادوا﴾ إخبار عن أمر لا يكون كيف كان يوجد، وهذا النوع مما استأثر الله بعلمه، فإن
:

٢٨٣
تفسير سورة الأنعام / الآية: ٣١
أعلم بشيء منه علم وإلا لم يتكلم فيه، وقوله تعالى: ﴿وإنهم لكاذبون﴾ إما أن يكون متصلاً بالكلام
ويكون التكذيب في إخبارهم على معنى أن الأمر في نفسه بخلاف ما قصدوا لأنهم قصدوا الكذب، أو
يكون التكذيب في التمني على التجوز الذي ذكرناه، وإما أن يكون منقطعاً إخباراً مستأنفاً عما هم عليه في
وقت مخاطبة النبي عليه السلام، والأول أصوب وقوله تعالى: ﴿وقالوا إن هي إلا حياتنا﴾ الآية، هذا على
تأويل الجمهور ابتداء كلام وإخبار عنهم بهذه المقالة، ويحسن مع هذا أن يكون قوله قبل ﴿وإنهم
الكاذبون﴾ مستأنفاً مقطوعاً خبراً عن حالهم في الدنيا التي من قولهم فيها ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ وغير
ذلك، و﴿إن﴾ نافية، ومعنى الآية التكذيب بالحشر والعودة إلى الله، وقال ابن زيد قوله ﴿وقالوا﴾ معطوف
على قوله ﴿لعادوا﴾ أي ﴿لعادوا﴾ لما نهوا عنه من الكفر ﴿وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾.
قال القاضي أبو محمد: وتوقيف الله لهم في الآية بعدها على البعث والإشارة إليه في قوله: ﴿أليس
هذا بالحق﴾ يرد على هذا التأويل وقوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ وقفوا) الآية، بمعنى ولو ترى إذ وقفوا كما
تقدم آنفاً من حذف جواب ﴿لو) وقوله: ﴿على ربهم﴾ معناه على حكمه وأمره، ففي الكلام ولا بد حذف
مضاف، وقوله: ﴿هذا﴾ إشارة إلى البعث الذي كذبوا به في الدنيا، و﴿بلى﴾ هي التي تقتضي الإقرار بما
استفهم عنه منفياً ولا تقتضي نفيه وجحده ونعم تصلح للإقرار به، كما ورد ذلك في قول الأنصار للنبي عليه
السلام حين عاتبهم في الحظيرة عقب غزوة حنين وتصلح أيضاً نعم لجحده، فلذلك لا تستعمل وأما قول
الزجاج وغيره: إنها إنما تقتضي جحده وأنهم لو قالوا نعم عند قوله: ﴿ألست بربكم﴾ لكفروا فقول خطأ
والله المستعان، وقولهم: بلى وربك إيمان، ولكنه حين لا ينفع، وقوله: ﴿ذوقوا﴾ استعارة بليغة، والمعنى
باشروه مباشرة الذائق إذ هي من أشد المباشرات.
قوله عز وجل :
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَآءَ تُهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَاوَهُمْ
٣١
يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِ هِمَّأَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ
هذا استئناف إخبار عن خسارة المكذبين يتضمن تعظيم المصاب الذي حل بهم، وتستعمل الخسارة
في مثل هذا لأنه من أخذ الكفر واتبعه فكأنه قد أعطى الإيمان واطرحه، فأشبهت صفقة أخذ وإعطاء
والإشارة بهذه الآية إلى الذين قالوا إنما هي حياتنا الدنيا، وقوله: ﴿بلقاء الله﴾ معناه: بالرجوع إليه وإلى
أحكامه وقدرته، كما تقول لقي فلان أعماله أي لقي عواقبها ومآلها، و﴿الساعة﴾ يوم القيامة، وأدخل عليها
تعريف العهد دون تقدم ذكرها لشهرتها واستقرارها في النفوس وذيعان ذكرها، وأيضاً فقد تضمنها قوله
تعالى: ﴿بلقاء الله﴾ وبغتة معناه فجأة، تقول بغتني الأمر أي فجأني ومنه قول الشاعر:
وأفظع شيء حين يفجأك البغت
ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة
ونصبها على المصدر في موضع الحال كما تقول: قتلته صبراً، ولا يجيز سيبويه القياس عليه ولا تقول
جاء فلان سرعة ونحوه، ونداء الحسرة على تعظيم الأمر وتشنيعه، قال سيبويه وكأن الذي ينادي الحسرة أو

٢٨٤
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٣٢، ٣٣
العجب أو السرور أو الويل يقول: اقربي أو احضري فهذا وقتك وزمنك، وفي ذلك تعظيم للأمر على نفس
المتكلم وعلى سامعه إن كان ثم سامع، وهذا التعظيم على النفس والسامع هو المقصود أيضاً بنداء
الجمادات كقولك يا دار ويا ربع، وفي نداء ما لا يعقل كقولهم يا جمل، ونحو هذا، و﴿فرطنا﴾ معناه
قصرنا مع القدرة على ترك التقصير، وهذه حقيقة التفريط، والضمير في قوله ﴿فيها﴾ عائد على ﴿الساعة﴾ أي
في التقدمة لها، وهذا قول الحسن، وقال الطبري يعود على الصفقة التي يتضمنها ذكر الخسارة في أول
الآية، ويحتمل أن يعود الضمير على الدنيا إذ المعنى يقتضيها، وتجيء الظرفية أمكن بمنزلة زيد في
الدار، وعوده على ﴿الساعة﴾ إنما معناه في أمورها والاستعداد لها، بمنزلة زيد في العلم مشتغل.
وقوله تعالى :
﴿وهم يحملون أوزارهم﴾ الآية، الواو واو الحال، والأوزار جمع وزر بكسر الواو وهو الثقل من
الذنوب، تقول منه وزر يزر إذا حمل، قال الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وتقول
وزر الرجل فهو موزور، قال أبو عبيد والعامة مازور، وأما إذا اقترن ذلك بما چوز فإن العرب تقول مأزور،
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنساء لقيهن مقبلات من المقابر: ارجعن مأزورات غير مأجورات
قال أبو علي وغيره فهذا للإتباع اللفظي، والوزر هنا تجوز وتشبيه بثقل الأحمال، وقوى التشبيه بأن جعله
على الظهور إذ هو في العادة موضع حمل الأثقال، ومن قال إنه من الوزر وهو الجبل الذي يلجأ إليه ومنه
الوزير وهو المعين فهي مقالة غير بينة، وقال الطبري وغيره هذا على جهة الحقيقة ورووا في ذلك خبراً أن
المؤمن يلقاه عمله في أحسن صورة وأفوحها. فيسلم عليه ويقول له طال ما ركبتك في الدنيا وأجهدتك
فاركبني اليوم، قال فيحمله تمثال العمل، وأن الكافر يلقاه عمله في أقبح صورة وأنتنها فيشتمه ويقول أنا
عملك الخبيث طال ما ركبتني في الدنيا بشهواتك فأنا أركبك اليوم، قال فيحمل تمثال عمله وأوزاره على
ظهره، وقوله تعالى: ﴿ألا ساء ما يزرون﴾ إخبار عن سوء ما يأثمون مضمن التعظيم لذلك والإشادة به،
وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم ألا فليبلغ الشاهد الغائب، وقوله ألا هل بلغت، فإنما أراد الإشادة
والتشهير وهذا كله يتضمنه ﴿ألا﴾، وأما ﴿ساء ما يزرون﴾ فهو خبر مجرد كقول الشاعر: [البسيط]
فَسَاءَ هَذا رِضَى يا قَيْسَ غيلانًا
رَضِيت خِطَّةَ خَسْفٍ غَيْرَ طَائِلَةٍ
و﴿ساء﴾ فعل ماضٍ و﴿ما﴾ فاعلة به كما تقول ساءني أمر كذا، ويحتمل أن تجري ﴿ساء﴾ هنا
مجرى بئس، ويقدر لها ما يقدر لـ ((بئس)) إذ قد جاء في كتاب الله ﴿ساء مثلاً القوم﴾ [الأعراف: ١٧٧].
قوله عز وجل :
﴿ قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ
وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهُوٌ وَلَكَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّالَّلِينَ بِعَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
هذا ابتداء خبر عن حال الدنيا، والمعنى: أنها إذا كانت فانية منقضية لا طائل لها أشبهت اللعب
واللهو الذي لا طائل له إذا تقضى، وقرأ الستة من القراء ((وللدار)) بلامين و ﴿الآخرة﴾ نعت للدار، وقرأ ابن
٣٣
٠
:

٢٨٥
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٣٣،٣٢
عامر وحده ((ولدار)» بلام واحدة، وكذلك وقع في مصاحف الشام بإضافة الدار إلى الآخرة، وهذا نحو مسجد
الجامع أي مسجد اليوم الجامع، فكذلك هذا ولدار الحياة الآخرة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة
والكسائي وأبو بكر عن عاصم ((يعقلون)) على إرادة الغائب، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: ((تعقلون))
على إرادة المخاطبين، وكذلك في الأعراف وفي آخر يوسف، ووافقهم أبو بكر في آخر يوسف فأما ﴿أفلا
يعقلون﴾ في ﴿يس﴾ [الآية: ٦٨] فقرأه نافع وابن ذكوان: بتاء والباقون بياء، وهذه الآية تتضمن الرد على
قولهم: ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ [الأنعام: ٢٩] وهو المقصود بها، ويصح أن يكون قوله: ﴿أفلا
تعقلون) على معنى فقل لهم يا محمد إذ الحال على هذه الصفة ﴿أفلا تعقلون﴾.
وقوله تعالى :
﴿قد نعلم) الآية، ﴿قد﴾ الملازم للفعل حرف يجيء مع التوقع إما عند المتكلم وإما عند السامع أو
مقدراً عنده فإذا كان الفعل خالصاً للاستقبال كان التوقع من المتكلم، كقولك قد يقوم زيد وقد ينزل المطر
في شهر كذا إذا كان الفعل ماضياً أو فعل حال بمعنى المضي مثل آيتنا هذه، فإن التوقع ليس من المتكلم
بل المتكلم موجب ما أخبر به، وإنما كان التوقع عند السامع فيخبره المتكلم بأحد المتوقعين، و﴿نعلم﴾
تتضمن إذا كانت من الله تعالى استمرار العلم وقدمه، فهي تعم المضي والحال والاستقبال، ودخلت ((إن))
للمبالغة في التأكيد، وقرأ نافع وحده ((ليُحزنك)) من أحزن، وقرأ الباقون ((ليحزنك)) من حزن الرجل، وقرأ
أبو رجاء ((ليحزِنْك)) بكسر اللام والزاي وجزم النون، وقرأ الأعمش أنه بفتح الهمزة ((يحزنك)) بغير لام، قال
أبو علي الفارسي تقول العرب حزن الرجل بكسر الزاي يحزن حزناً وحزناً وحزنته أنا، وحكي عن الخليل
أن قولهم حزنته ليس هو تغيير حزن على نحو دخل وأدخلته، ولكنه بمعنى جعلت فيه حزناً كما تقول كحلته
ودهنته، قال الخليل ولو أردت تغيير حزن لقلت أحزنته، وحكى أبو زيد الأنصاري في كتاب خباة العرب
أحزنت الرجل، قال أبو علي وحزنت الرجل أكثر استعمالاً عندهم من أحزنته، فمن قرأ ((ليُحزنك)) بضم
الياء فهو على القياس في التغيير، ومن قرأ ((ليحزنُك)) بفتح الياء وضم الزاي فهو على كثرة الاستعمال،
و﴿الذي يقولون﴾ لفظ يعم جميع أقوالهم التي تتضمن الرد على النبي صلى الله عليه وسلم والدفع في
صدر نبوته، كقول بعضهم إنه كذاب، مفتر، ساحر، وقول بعضهم إنه مجنون مسحور، وقول بعضهم به
رئي من الجن ونحو هذا وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم وحمزة﴿لا يكذبونك﴾ بتشديد الدال وفتح
الكاف، وقرأها ابن عباس وردها على قارىء عليه ((يُكذبونك)) بضم الياء، وقال: إنهم كانوا يسمونه
الأمين، وقرأ نافع والكسائي بسكون الكاف وتخفيف الذال، وقرأها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهما
قراءتان مشهورتان صحيحتان، واختلف المتأولون في معناهما فقالت فرقة: هما بمعنى واحد كما تقول:
سقيت وأسقيت وقللت وأقللت وكثرت وأكثرت، وحكى الكسائي أن العرب تقول كذبت الرجل إذا
نسبت الكذب إليه وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه، وتقول العرب أيضاً أكذبت
الرجل إذا وجدته كذاباً كما تقول أحمدته إذا وجدته محموداً، فالمعنى على قراءة من قرأ ((يكذّبونك))
بتشديد الذال أي لا تحزن ((فإنهم لا يكذبونك)) تكذيباً يضرك إذ لست بكاذب في حقيقتك، فتكذيبهم كلا
تكذيب، ويحتمل أن يريد: ((فإنهم لا يكذبونك)) على جهة الإخبار عنهم أنهم لا يكذبون وأنهم يعلمون

٢٨٦
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٣٣،٣٢
صدقه ونبوته ولكنهم يجحدون عناداً منهم وظلماً، والآية على هذا لا تتناول جميع الكفار بل تخص الطائفة
التي حكى عنها أنها كانت تقول: إنا لنعلم أن محمداً صادق ولكن إذا آمنا به فضلتنا بنو هاشم بالنبوة فنحن
لا نؤمن به أبداً، رويت هذه المقالة عن أبي جهل ومن جرى مجراه، وحكى النقاش أن الآية نزلت في
الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف، فإنه كان يكذب في العلانية ويصدق في السر ويقول نخاف أن
تتخطفنا العرب ونحن أكلة رأس والمعنى على قراءة من قرأ ((يكذبونك)) بتخفيف الذال يحتمل ما ذكرناه
أولاً في ((يكذبونك)) أي لا يجدونك كاذباً في حقيقتك ويحتمل هذين الوجهين اللذين ذكرت في
((يكذّبونك)) بشد الذال، وآيات الله علاماته وشواهد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، و ﴿يجحدون﴾ حقيقته
في كلام العرب الإنكار بعد معرفة وهو ضد الإقرار، ومعناه على تأويل من رأى الآية في المعاندين مترتب
على حقيقته وهو قول قتادة والسدي وغيرهما، وعلى قول من رأى أن الآية في الكفار قاطبة دون تخصيص
أهل العناد يكون في اللفظة تجوز وذلك أنهم لما أنكروا نبوته وراموا تكذيبه بالدعوى التي لا تعضدها حجة
عبر عن إنكارهم بأقبح وجوه الإنكار وهو الجحد تغليظاً عليهم وتقبيحاً لفعلهم، إذ معجزاته وآياته نيرة يلزم
كل مفطور أن يعلمها ويقربها.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وجميع ما في هذه التأويلات من نفي التكذيب إنما هو عن
اعتقادهم، وأما أقوال جميعهم فمكذبة، إما له وإما للذي جاء به .
قال القاضي أبو محمد: وكفر العناد جائز الوقوع بمقتضى النظر وظواهر القرآن تعطيه، كقوله:
﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤] وغيرها، وذهب بعض المتكلمين إلى المنع من جوازه،
وذهبوا إلى أن المعرفة تقتضي الإيمان والجحد يقتضي الكفر، ولا سبيل إلى اجتماعهما، وتأولوا ظواهر
القرآن فقالوا في قوله تعالى: ﴿وجحدوا بها﴾ [النمل: ١٤] إنها في أحكام التوراة التي بدلوها كآية الرجم وغيرها.
قال القاضي أبو محمد: ودفع ما يتصور العقل ويعقل من جواز كفر العناد على هذه الطريقة صعب
أما أن كفر العناد من العارف بالله وبالنبوة بعيد لأنه لا داعية إلى كفر العناد إلا الحسد ومن
عرف اللّه والنبوة وأن محمداً يجيئه ملك من السماء فلا سبيل إلى بقاء الحسد مع
ذلك، أما أنه جائز فقد رأى أبو جهل على رأس النبي صلى الله عليه وسلم فحلاً عظيماً من الإبل قد همَّ
بأبي جهل ولكنه كفر مع ذلك، وأسند الطبري أن جبريل عليه السلام وجد النبي عليه السلام حزيناً
فسأله، فقال: كذبني هؤلاء، فقال: ((إنهم لا يكذبونك)) بل يعلمون أنك صادق ﴿ولكن الظالمين بآيات الله
يجحدون﴾، والذي عندي في كفر حيي بن أخطب ومن جرى مجراه أنهم كانوا يرون صفات النبي صلى الله
عليه وسلم ويعرفونها أو أكثرها ثم يرون من آياته زائداً على ما عندهم فيتعلقون في مغالطة أنفسهم بكل
شبهة بأضعف سبب، وتتخالج ظنونهم فيقولون مرة هو ذلك ومرة عساه ليسه، ثم ينضاف إلى هذا حسدهم
وفقدهم الرياسة، فيتزايد ويتمكن إعراضهم وكفرهم وهم على هذا، وإن عرفوا أشياء وعاندوا فيها فقد
قطعوا في ذلك بأنفسهم عن الوصول إلى غاية المعرفة وبقوا في ظلمة الجهل فهم جاهلون بأشياء معاندون
في أشياء غيرها وأنا أستبعد العناد مع المعرفة التامة.

٢٨٧
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٣٤، ٣٥
قوله عز وجل :
وَلَقَدْكُذِّ بَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَاكُذِّبُوا وَأُوذُ واْحَتَّىَ أَنَّهُمْ نَصْرَنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ
وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اُسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا
فِى الْأَرْضِ أَوْسُلَّمَا فِى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِئَايَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىُّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ
٣٥
اُلْجَهِلِينَ
هذه الآية تضمنت عرض الأسوة التي ينبغي الاقتداء بها على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وترجيته أن يأتيه مثل ما أتاهم من النصر إذا امتثل ما امتثلوه من الصبر، قال الضحاك وابن جريج :
عزى الله بهذه الآية نبيه، وروي عن ابن عامر أنه قرأ ((وأذوا)) بغير واو بعد الهمزة، ثم قوى ذلك الرجاء
بقوله: ﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾ أي لا راد لأمره وكلماته السابقات بما يكون ولا مكذب لما أخبر به، فكأن
المعنى فاصبر كما صبروا وانتظرُ ما يأتي وثق بهذا الإخبار فإنه لا مبدل له، فالقصد هنا هذا الخبر وجاء
اللفظ عاماً جميع كلمات الله السابقات، وأما كلام الله عز وجل في التوراة والإنجيل فمذهب ابن عباس أنه
لا مبدل لها وإنما حرفها اليهود بالتأويل لا ببدل حروف وألفاظ، وجوز كثير من العلماء أن يكونوا بدلوا
الألفاظ لأنهم استحفظوها وهو الأظهر، وأما القرآن فإن الله تعالى تضمن حفظه فلا يجوز فيه التبديل، قال
اللّه تعالى: ﴿وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] وقال في أولئك ﴿بما استحفظوا من كتاب
الله﴾ [المائدة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿ولقد جاءك من نبأ المرسلين) أي فيما أنزلناه وقصصناه عليك ما
يقضي هذا الذي أخبرناك به، وفاعل ﴿جاءك﴾ مضمر على ما ذهب إليه الطبري والرماني، تقديره ولقد
جاءك نبأ أو أنباء.
قال القاضي أبو محمد: والثواب عندي في المعنى أن يقدر جلاء أو بيان، وقال أبو علي الفارسي :
قوله ﴿من نبأ المرسلين﴾، في موضع رفع بـ ((جاء))، ودخل حرف الجر على الفاعل، وهذا على مذهب الأخفش
في تجويزه دخول من في الواجب، ووجه قول الرماني أن من لا تزاد في الواجب، وقوله تعالى: ﴿وإن كان
كبر عليك إعراضهم) الآية، آية فيها إلزام الحجة للنبي صلى الله عليه وسلم وتقسيم الأحوال عليه حتى
يبين أن لا وجه إلا الصبر والمضي لأمر الله تعالى، والمعنى إن كنت تعظم تكذيبهم وكفرهم على نفسك
وتلتزم الحزن عليه فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعماق الأرض أو على ارتقاء سلم في السماء
فدونك وشأنك به، أي إنك لا تقدر على شيء من هذا، ولا بد لك من التزام الصبر واحتمال المشقة
ومعارضتهم بالآيات التي نصبها الله تعالى للناظرين المتأملين، إذ هو لا إله إلا هو لم يرد أن يجمعهم على
الهدى، وإنما أراد أن ينصب من الآيات ما يهتدي بالنظر فيه قوم ويضل آخرون، إذ خلقهم على الفطرة
وهدى السبيل وسبقت رحمته غضبه، وله ذلك كله بحق ملكه ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ في أن تأسف
وتحزن على أمر أراده الله وأمضاه وعلم المصلحة فيه.
:

٢٨٨
تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٣٦ -٣٨
قال القاضي أبو محمد: وهذا أسلوب معنى الآية، واسم كان يصح أن يكون الأمر والشأن و﴿كبر
إعراضهم) خبرها، ويصح أن يكون ﴿إعراضهم﴾ هو اسم كان ويقدر في ﴿كبر﴾ ضميروتكون ﴿كبر﴾ في موضع
الخبر، والأول من الوجهين أقيس، والنفق السرب في الأرض ومنه نافقاء اليربوع، والسلم الشيء الذي
يصعد عليه ويرتقى، ويمكن أن يشتق اسمه من السلامة لأنه سببها وجمعه سلاليم، ومنه قول الشاعر [ابن
مقبل]: [البسيط]
لا يَحْزُنُ المَرْءِ أَحْجاء البلادٍ ولا تُبْنَى له في السماواتِ السَّلاليمُ
و﴿تأتيهم بآية﴾ أي بعلامة، ويريد إما في فعلك ذلك أي تكون الآية نفس دخولك في الأرض أو
ارتقائك في السماء، وإما أن ﴿تأتيهم بالآية﴾ من إحدى الجهتين، وحذف جواب الشرط قبل في قوله ﴿إن
استطعت﴾ إيجاز لفهم السامع به، تقديره فافعل أو فدونك كما تقدم، و﴿لجمعهم) يحتمل إما بأن
يخلقهم مؤمنين، وإما بأن يكسبهم الإيمان بعد كفرهم بأن يشرح صدورهم، والهدى الإرشاد، وهذه الآية
ترد على القدرية المفوضة الذين يقولون إن القدرة لا تقتضي أن يؤمن الكافر وإن ما يأتيه الإنسان من جميع
أفعاله لا خلق الله فيه تعالى عن قولهم، و﴿من الجاهلين﴾ يحتمل في أن لا يعلم أن الله ﴿لو شاء
لجمعهم﴾ ویحتمل في أن تهتم بوجود کفرهم الذي قدره وأراده، وتذهب به لنفسك إلى مالم يقدر الله به،
يظهر تباين ما بين قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ وبين قوله لنوح عليه
السلام ﴿إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ [هود: ٤٦] وقد تقرر أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل
الأنبياء، قال مكي والمهدي: والخطاب بقوله ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ للنبي عليه السلام والمراد به أمته،
وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ، وقال قوم: وقر نوح لسنه وشيبته، وقال قوم: جاء الحمل أشد على محمد
صلى الله عليه وسلم لقربه من الله تعالى ومكانته عنده كما يحمل العاقب على قريبه أكثر من حمله على
الأجانب.
قال القاضي أبو محمد: والوجه القوي عندي في الآية هو أن ذلك لم يجىء بحسب النبيين وإنما
جاء بحسب الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما وبين أن الأمر الذي نهى عنه محمد صلى الله
عليه وسلم أكبر قدراً وأخطر مواقعة من الأمر الذي واقعه نوح صلى الله عليه وسلم.
قوله عز وجل :
إِذَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْقَى يَبْعَثُّهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٦) وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِءَايَّةٌ مِّن
رَّيِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (*) وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا
طَيْرٍ يَطِيرٌ بِجَنَا حَيْدٍ إِلَّ أُمَمُ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ
٨"
هذا من النمط المتقدم في التسلية أي لا تحفل بمن أعرض فإنما يستجيب لداعي الإيمان الذين
يقيمون الآيات ويتلقون البراهين بالقبول، فعبر عن ذلك كله بـ﴿يسمعون﴾ إذ هو طريق العلم بالنبوة والآيات
:

٢٨٩
تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٣٦ - ٣٨
المعجزة، وهذه لفظة تستعملها الصوفية إذا بلغت الموعظة من أحد مبلغاً شافياً قالوا سمع، ثم قال
تعالى: ﴿والموتى﴾ يريد الكفار، فعبر، عنهم بضد ما عبر عن المؤمنين وبالصفة التي تشبه حالهم في
العمى عن نور الله تعالى والصمم عن وعي كلماته، قاله مجاهد وقتادة والحسن، و﴿يبعثهم الله﴾ يحتمل
معنيين قال الحسن معناه ((يبعثهم الله)) بأن يؤمنوا حين يوقفهم.
قال القاضي أبو محمد: فتجيء الاستعارة في هذا التأويل، في الوجهين في تسميتهم موتى وفي تسمية
إيمانهم وهدايتهم بعثاً، والواو على هذا مشركة في العامل عطفت ﴿الموتى﴾ على ﴿الذين﴾، و﴿يبعثهم
الله﴾ في موضع الحال، وكأن معنى الآية إنما يستجيب الذين يرشدون حين يسمعون فيؤمنون والكفار حين
يرشدهم الله بمشيئته، فلا تتأسف أنت ولا تستعجل ما لم يقدر، وقرأ الحسن ((ثم إليه يرجعون)) فتناسبت
الآية، وقال مجاهد وقتادة: ﴿والموتى﴾ يريد الكفار، أي هم بمثابة الموتى حين لا يرون هدى ولا يسمعون
فيعون، و﴿يبعثهم الله﴾ أي: يحشرهم يوم القيامة ﴿ثم إليه﴾ أي إلى سطوته وعقابه ﴿يرجعون﴾، وقرأت
هذه الطائفة يرجعون بياء والواو على هذا عاطفة جملة كلام على جملة، ﴿والموتى﴾ مبتدأ و﴿يبعثهم الله﴾
خبره، فكأن معنى الآية إنما يستجيب الذين يسمعون فيعون والكفار سيبعثهم الله ويردهم إلى عقابه، فالآية
على هذا متضمنة الوعيد للكفار، والعائد على ﴿الذين﴾ هو الضمير في ﴿يسمعون﴾، والضمير في
﴿قالوا﴾ عائد على الكفار، و﴿لولا﴾ تحضيض بمعنى هلا، قال الشاعر [جرير]: [الطويل]
تَعُدُّونَ عَقْرَ النّبِ أفضلَ مَجْدِكُمْ بَنِي ضَوْطرى لولا الكميّ المقنَّعا
ومعنى الآية هلا أنزل على محمد بيان واضح لا يقع معه توقف من أحد كملك يشهد له أو أكثر أو غير
ذلك من تشططهم المحفوظ في هذا، فأمر عليه السلام بالرد عليهم بأن اللّه عز وجل له القدرة على إنزال
تلك الآية، ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ أنها لو نزلت ولم يؤمنوا لعوجلوا بالعذاب، ويحتمل ﴿ولكن أكثرهم
لا يعلمون﴾ أن الله تعالى إنما جعل المصلحة في آيات معرضة للنظر والتأمل ليهتدي قوم ويضل آخرون، وقوله
تعالى: ﴿وما من دابة) الآية، المعنى في هذه الآية التنبيه على آيات الله الموجودة في أنواع مخلوقاته، أي
قل لهم إن الله قادر على أن ينزل آية إلا أنكم لا تعلمون وجه الحكمة في أن لا ينزل آية مجهزة وإنما يحيل
على الآيات المنصوبة لمن فكر واعتبر كالدواب والطير التي قد حصرت جميع الحيوان، وهي أمم أي
جماعات مماثلة للناس في الخلق والرزق والحياة والموت والحشر، ويحتمل أن يريد بالمماثلة أنها في
كونها أمماً لا غير كما تريد بقولك مررت برجل مثلك أي في رجل، ويصح في غير ذلك من الأوصاف إلا
أن الفائدة في هذه الآية، إنما تقع بأن تكون المماثلة في أوصاف غير كونها أمماً، قال الطبري وغيره:
والمماثلة في أنها يهتبل بأعمالها وتحاسب ويقتص لبعضها من بعض على ما روي في الأحاديث، أي: فإذا
كان يفعل هذا بالبهائم فأنتم أحرى إذ أنتم مكلفون عقلاء وروى أبو ذر أنه انتطحت عنزان بحضرة النبي
صلى الله عليه وسلم فقال: أتعلمون فيم انتطحتا؟ قلنا لا: قال: فإن الله يعلم وسيقضي بينهما، وقد قال
مكي في المماثلة في أنها تعرف الله تعالى وتعبده، وهذا قول خلف و﴿دابة﴾ وزنها فاعلة وهي صفة وضعت
موضع الاسم كما قالوا الأعرج والأبرق، وأزيل منه معنى الصفة وليست بالصفة الغالبة في قولنا العباس

٢٩٠
تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٣٩ - ٤١
والحارث لأن معنى الصفة باق في الصفة الغالبة، وقرأت طائفة ((ولا طائر)» عطفة على اللفظ وقرأ إبراهيم بن أبي
عبلة ((ولا طائرٌ)) بالرفع عطفاً على المعنى، وقرأت فرقة ((ولا طير)) وهو جمع ((طائر)) وقوله: ﴿بحتاحية﴾ تأكيد
وبيان وإزالة للاستعارة المتعاهدة فى هذه اللفظة فقد يقال ((طائر)) السعد والنحس.
٠
وقوله تعالى :
﴿ألزمناه طائره في عنقه﴾ أي عمله، ويقال: ((طار لفلان طائر)) كذا أي للنهمه في المقتسمات، فقوله
تعالى ﴿بجناحيه﴾ إخراج الطائر عن هذا كله، وقرأ علقمة وابن هرمز ((فرطنا في الكتاب)) بتخفيف الراء.
والمعنى واحد، وقال النقاش معنى ((فرطنا)) مخففة أخرنا كما قالوا فرط الله عنك المرض أي أزاله، والأول
أصوب، والتفريط التقصير في الشيء مع القدرة على ترك التقصير والكتاب القرآن وهو الذي يقتضيه نظام
المعنى في هذه الآيات، وقيل اللوح المحفوظ، ومن شيء على هذا القول بخام في جميع الأشياء، وعلى
القول بأنه قرآن خاص في الأشياء التي فيها منافع للمخاطبين وطرائق هدايتهم، و﴿يحشرون﴾ قالت فرقة حشر
البهائم موتها، وقالت فرقة حشرها بعثها، واحتجوا بالأحاديث المضمنة أن الله تعالى يقتص للجماء من
القرناء، إنما هي كناية عن العدل وليست بحقيقة فهو قول مردود ينحو إلى القول بالزموز ونحوها.
قوله عز وجل :
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْبِثَايَتِنَاصٌُّ وَبُكُمْ فِي الظُّلُمَتِ مَن يَشَلٍ اَللَّهُ يُضْلِلَهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَاطٍ
جَ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَنْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اْللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ
مُسْتَقِيمٍ(
بَلٌ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ
٤٠
صَدِقِينَ
كأنه قال وما من دابة ولا طائر ولا شيء إلا فيه آية منصوبة على وحدانية الله تعالى، ولكن الذين
كذبوا صم وبكم لا يتلقون ذلك ولا يقبلونه، وظاهر الآية أنها تعم كل مكذب، وقال النقاش نزلت في بني
عبد الدار.
،٠
قال القاضي أبو محمد: ثم انسحبت على سواهم، ثم بيّن أن ذلك حكم من الله عز وجل بمشيئته
في خلقه فقال مبتدئاً الكلام ﴿من يشأ الله يضلله﴾ شرط وجوابه، وقوله: ﴿في الظلمات﴾ ينوب عن
((عمي))، وفي الظلمات أهول عبارة وأفصح وأوقع في النفس، والصراط الطريق الواضح .
وقوله تعالى: ﴿قل أرأيتكم﴾ الآية، ابتداء احتجاج على الكفار الجاعلين لله شركاء، والمعنى أرأيتم
إذا خفتم عذاب الله أو خفتم هلاكاً أو خفتم الساعة أتدعون أصنامکم وتلجؤون إليها في کشف ذلك إن كنتم
صادقين في قولكم: إنها آلهة؟ بل تدعون الله الخالق الرزاق فيكشف ما خفتموه إن شاء وتنسون أصنامكم
أي تتركونهم، فعبر عن الترك بأعظم وجوهه الذي هو مع الترك ذهول وإغفال، فكيف يجعل إلهاً من هذه
حاله في الشدائد والأزمات؟ وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة ((أرأيتكم)) بألف مهموزة على
الأصل، لأن الهمزة عين الفعل، وقرأ نافع بتخفيف الهمزة بین علی عرف التخفيف وقياسه، وروي عنه أنه

٢٩١
تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٤٢ - ٤٥
قرأها بألف ساكنة وحذف الهمزة، وهذا تخفيف على غير قياس، والكاف في أرأيتك زيداً و((أرأيتكم))
ليست باسم وإنما هي مجردة للخطاب كما هي في ذلك، وأبصرك زيداً ونحوه، ويدل على ذلك أن رأيت
بمعنى العلم، إنما تدخل على الابتداء والخبر، فالأول من مفعوليها هو الثاني بعينه، والكاف في أرأيتك
زيداً ليست المفعول الثاني كقوله تعالى: ﴿أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ﴾ [الإسراء: ٦٢] فإذا لم تكن
اسماً صح أنها مجردة للخطاب وإذا تجردت للخطاب صح أن التاء ليست للخطاب كما هي في أنت لأن
علامتي خطاب لا تجتمعان على كلمة كما لا تجتمع علامتا تأنيث ولا علامتا استفهام فلما تجردت التاء من
الخطاب وبقيت علامة الفاعل فقط استغني عن إظهار تغيير الجمع فيها والتأنيث لظهور ذلك في
الكاف وبقيت التاء على حد واحد في الإفراد والتثنية والجمع والتأنيث وروي عن بعض بني
كلاب أنه قال: أتعلمك كان أحد أشعر من ذي الرمة، فهذه الكاف صلة في الخطاب و﴿أتاكم عذاب الله﴾
معناه أتاكم خوفه وأماراته وأوائله مثل الجدب والبأساء والأمراض ونحوها التي يخاف منها الهلاك، ويدعو
إلى هذا التأويل أنا لو قدرنا إتيان العذاب وحلوله لم يترتب أن يقول بعد ذلك ﴿فیکشف ما تدعون﴾ لأن ما
قد صح حلوله ومضى على البشر لا يصح كشفه، ويحتمل أن يراد بـ ﴿الساعة﴾ في هذه الآية موت الإنسان،
وقوله تعالى: ﴿بل إياه تدعون) الآية، المعنى بل لا ملجأ لكم إلا الله، وأصنامكم مطرحة منسية، و﴿ما﴾
بمعنى الذي تدعون إليه من أجله، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ ظرفية، ويصح أن تكون مصدرية على حذف في
الكلام، قال الزجّاج هو مثل ﴿وأسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] والضمير في ﴿إليه﴾ يحتمل أن يعود إلى الله
تعالى بتقدير فيكشف ما تدعون إليه، و﴿إن شاء﴾ استثناء لأن المحنة إذا أظلت عليهم فدعوا إليه في كشفها
وصرفها فهو لا إله إلا هو كاشف إن شاء ومصيب إن شاء لا يجب عليه شيء، وتقدم معنى ﴿تنسون﴾
و﴿إياه﴾ اسم مضمر أجري مجرى المظهرات في أنه يضاف أبداً، وقيل هو مبهم وليس بالقوي لأن الأسماء
المبهمة مضمنة الإشارة إلى حاضر نحو ذاك وتلك وهؤلاء، و((إيا)) ليس فيه معنى الإشارة.
قوله عز وجل:
◌َ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم
٤٢
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أَمَعِ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ بَضَرّعُونَ
بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (®] فَلَمَّـ
فَسُواْ مَاذُكِّرُواْبِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ
فَإِذَاهُمْ مُّبْلِسُونَ ﴾
٤٥
في الكلام حذف يدل عليه الظاهر تقديره فكذبوا فأخذناهم، ومعناه لازمناهم وتابعناهم الشيء بعد
الشيء، ((البأساء)) المصائب في الأموال، ﴿والضراء﴾ في الأبدان، هذا قول الأكثر، وقيل قد يوضع كل
واحد بدل الآخر، ويؤدب الله تعالى عباده ﴿بالبأساء والضراء﴾، ومن هنالك أدب العباد نفوسهم بالبأساء في
تفريق المال، والضراء في الحمل على البدن في جوع وعري، والترجي في ((لعل)) في هذا الموضع إنما
هو على معتقد البشر أي لو رأى أحد ذلك لرجا تضرعهم بسببه، والتضرع التذلل والاستكانة، وفي المثل

٢٩٢
تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٤٢ - ٤٥
أن الحمى أضرعتني لك، ومعنى الآية توعد الكفار وضرب المثل لهم، و((لولا)) تحضيض، وهي التي تلي
الفعل بمعنى هلا، وهذا على جهة المعاتبة لمذنب غائب وإظهار سوء فعله مع تحسر ما عليه، والمعنى إذ
جاءهم أوائل البأس وعلاماته وهو تردد البأساء والضراء، و﴿قست﴾ معناه صلبت وهي عبارة عن الكفر ونسب
التزيين إلى الشيطان وقد قال تعالى في آية أخرى ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾ [الأنعام: ١٠٨] لأن
تسبب الشيطان ووسوسته تجلب حسن الفكر في قلوبهم، وذلك المجلوب الله يخلقه، فإن نسب إلى الله
تعالى فبأنه خالقه وإلى الشيطان فبأنه مسببه .
وقوله تعالى :
﴿فلما نسوا﴾ الآية، عبر عن الترك بالنسيان إذا بلغ وجوه الترك الذي يكون معه نسيان وزوال المتروك
عن الذهن، وقرأ ابن عامر فيما روي عنه ((فتّحنا)) بتشديد التاء، و﴿كل شيء﴾ معناه مما كان سد عليهم
بالبأساء والضراء من النعم الدنياوية، فهو عموم معناه خصوص، و﴿فرحوا﴾ معناه بطروا وأشروا وأعجبوا وظنوا
أن ذلك لا يبيد وأنه دال على رضى الله عنهم، وهو استدراج من الله تعالى، وقد روي عن بعض العلماء أنه
قال: رحم الله عبداً تدبر هذه الآية ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة﴾ وقال محمد بن النضر
الحارثي : أمهل القوم عشرين سنة، وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم الله
يعطي العباد ما يشاؤون على معاصيهم فذلك استدراج ثم تلا ﴿فلما نسوا﴾ الآية كلها، و﴿أخذناهم﴾ في هذا
الموضع معناه استأصلناهم وسطونا بهم، و﴿بغتة﴾ معناه فجأة، والعامل فيه ﴿أخذناهم﴾، وهو مصدر في موضع
الحال لا يقاس عليه عند سيبويه، و((المبلس) الحزين الباهت اليائس من الخير الذي لا يخير جواباً لشدة ما
نزل به من سوء الحال، وقوله تعالى: ﴿فقطع دابر القوم﴾ الآية، ((الدابر)» آخر الأمر الذي یدبره أي يأتي من
خلفه، ومنه قول الشاعر [أمية بن أبي الصلت] [البسيط]
فَأَهْلِكُوا بعذابٍ حصَّ دَابِرَهُمْ
فما استطاعُوا لَهُ ذَفْعاً ولا أَنْتَصَرُوا
وقول الآخر: [الطويل]
وَقَدْ زَعَمتْ عِلْيا بَغِيضٍ وَلَفُّها بَأْنِي وَحِيدٌ قَدْ تَقَطَّع دابري
وهذه كناية عن استئصال «شافتهم)) ومحو آثارهم کأنهم وردوا العذانه حتى ورد آخرهم الذي دیرهم
وقرأ عكرمة ((فقَطَّع)) بفتح القاف والطاء ((دابرَ)) بالنصب، وحسن الحمد عقب هذه الآية لجمال الأفعال
المتقدمة في أن أرسل الرسل وتلطف في الأخذ بالبأساء والضراء ليتضرع إليه فيرحم وينعم، وقطع في آخر
الأمر دابر الظلمة، وذلك حسن في نفسه ونعمة على المؤمنين فحسن الحمد يعقب هذه الأفعال، وبحمد الله
ينبغي أن يختم كل فعل وكل مقالة لا رب غيره.
قوله عز وجل :
قُلْ أَرَ يْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَرَكُمْ وَخَلَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَهُ غَيْرُ الَّهِيَأْتِيَكُمْ بِأَنْظُرْكَيْفَ
نُصَرِّفُ أُلَيَتِ ثُمَّهُمْ يَصْدِفُونَ ﴿﴿ قُلْ أَرَءَيْنَكُمْ إِنْ أَنَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْجَهْرَةَ هَلْ

٢٩٣
تفسير سورة الأنعام / الآيات : ٤٦ - ٥١
يُهْلَكُ إِلََّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينٌّ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ
فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوْبِثَايَتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
٤٩
هذا ابتداء احتجاج على الكفار، و﴿أخذ الله﴾ معناه أذهبه وانتزعه بقدرته، ووحد السمع لأنه مصدر
مفرد يدل على جمع، والضمير في ﴿به﴾ عائد على المأخوذ، وقيل على السمع، وقيل على الهدى الذي
يتضمنه المعنى، وقرأ الأعرج وغيره ((بهُ انظر)) بضم الهاء، ورواها المسيبي وأبو وجزة عن نافع،
و﴿يصدقون﴾ معناه يعرضون وينفرون، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
إذا ذَكَرْنَ حديثاً قُلْنَ أَحْسَنَهُ وهِنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُقَا
قال النقاش: في الآية دليل على تفضيل السمع على البصر لتقدمته هنا، ثم احتج لذلك بقوله:
﴿إنما يستجيب الذين يسمعون﴾ [الأنعام: ٣٦] وبغير ذلك، والاستفهام فى قوله: ﴿من إله﴾ معناه التوقيف،
أي ليس ثمة إله سواه فما بال تعلقكم بالأصنام وتمسككم بها وهي لا تدفع ضرراً ولا تأتي بخير، وتصريف
الآيات هو نصب العبر ومجيء آيات القرآن بالإنذار والاعذار والبشارة ونحوه وقوله تعالى: ﴿قل أرأيتكم﴾
الآية، وعيد وتهديد، و﴿بغتة﴾ معناه لا يتقدم عندكم منها علم و﴿جهرة﴾ معناه: تبدو لكم مخايله ومباديه ثم
تتوالى حتى تنزل، قال الحسن بن أبي الحسن: ﴿بغتة﴾ ليلاً و﴿جهرة﴾ نهاراً، قال مجاهد: ﴿بغتة﴾ فجأة آمنين
و﴿جهرة﴾ وهم ينظرون، وقرأ ابن محيصن ((هل يهلك)) على بناء الفعل للفاعل، والمعنى هل تهلكون ألا أنتم
لأن الظلم قد تبين في حيزكم، و﴿هل﴾ ظاهرها الاستفهام ومعناها التسوية المضمنة للنفي ولا تكون التسوية
بها إلا في النفي، وتكون بالألف في نفي وفي إيجاب، وقوله تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين) الآية،
المعنى إنما نرسل الأنبياء المخصوصين بالرسالة ليبشروا بإنعامنا ورحمتنا لمن آمن وينذروا بعذابنا وعقابنا
من كذب وكفر، ولسنا نرسلهم ليقترح عليهم الآيات ويتابعوا شذوذ كل متعسف متعمق، ثم وعد من سلك
طريق البشارة فآمن وأصلح في امتثال الطاعات، وأوعد الذين سلكوا طريق النذارة فكذب بآيات الله،
وفسق أي خرج عن الحد في كفرانه وعصيانه، وقال ابن زيد: كل فسق في القرآن فمعناه الكذب، ذكره
عنه الطبري مسنداً و﴿يمسهم﴾ أي يباشرهم ويلصق بهم، وقرأ الحسن والأعمش ﴿العذاب بما﴾ بإدغام
الباء في الباء، ورويت عن أبي عمرو، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش ((يفسِقون)) بكسر السين وهي لغة.
قوله عز وجل :
قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَِّنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّ مَلَكُ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَايُوحَىّ
ج
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ
۵
إِلَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى اُلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَنَفَكَّرُونَ {
إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعُ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
٥١
هذا من الرد على القائلين لولا أنزل عليه آية والطالبين أن ينزل ملك أو تكون له جنة أو أكثر أو نحو

٢٩٤
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٥٣،٥٢
هذا، والمعنى: لست بهذه الصفات فیلزمني أن أجیبکم باقتراحاتكم، وقوله ﴿لا أقول لكم عندي خزائن
الله ولا أعلم الغيب﴾ يحتمل معنيين أظهرهما أن يريد أنه بشر لا شيء عنده من خزائن الله ولا من قِدَرته ولا
يعلم شيئاً مماً غيب عنه، والآخر أنه ليس بإله فكأنه قال لا أقول لكم إني أتصفت بأوصاف إله في أن عندي
خزائنه وأني أعلم الغيب، وهذا هو قول الطبري وتعطي قوة اللفظ في هذه الآية الملك أفضل من البشر،
وليس ذلك بلازم من هذا الموضع، وإنما الذي يلزم منه أن الملك أعظم موقعاً في نفوسهم وأقرب إلى
الله، والتفضيل يعطيه المعنى عطاء خفياً وهو ظاهر من آيات أخر، وهي مسألة خلاف، و﴿ما يوحى﴾ بريد
القرآن وسائر ما يأتي به الملك، أي وفي ذلك عبر وآية لمن تأمل ونظر، وقوله تعالى ﴿قل هل يستوي﴾
الآية، أي قل لهم إنه لا يستوي الناظر المفكر في الآيات أو المعرض الكافر المهمل للنظر، فالأعمى
والبصير مثالان للمؤمن والكافر، أي ففكروا أنتم وانظروا وجاء الأمر بالفكرة في عبارة العرض والتحضيض
و﴿أنذر﴾ عطف على ﴿قل﴾، والنبي عليه السلام مأمور بإنذار جميع الخلائق، وإنما وقع التحضيض هنا
بحسب المعنى الذي قصد، وذلك أن فيما تقدم من الآيات نوعاً من اليائس في الأغلب عن هؤلاء الكفرة
الذين قد قال فيهم أيضاً ﴿النذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: ٦، يسّ: ١٠] فكأنه قيل له هنا: قل
لهؤلاء الكفرة المعرضين كذا ودعهم ورأيهم لأنفسهم وأنذر بالقرآن هؤلاء الآخرين الذين هم مظنة الإيمان
وأهل للانتفاع، ولم يرد أنه لا ينذر سواهم، بل الإنذار العام ثابت مستقر، والضمير في ﴿به﴾ عائد على ﴿ما
يوحى﴾ ((ويخافون)) على بابها في الخوف أي الذين يخافون ما تحققوه من أن يحشروا ويستعدون لذلك،
ورب متحقق لشيء مخوف وهو لقلة النظر والحزم لا يخافه ولا يستعد له .
قال القاضي أبو محمد: وقال الطبري: وقيل ﴿يخافون﴾ هنا بمعنى يعلمون، وهذا غير لازم؛ وقوله
﴿الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) يعم بنفس اللفظ كل مؤمن بالبعث من مسلم ويهودي ونصراني،
وقوله ﴿ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾ يحتمل معنيين فإن جعلناه داخلاً في الخوف في موضع نصب
على الحال أي يخافون أن يحشروا في حال من لا ولي له ولا شفيع، فهي مختصة بالمؤمنين المسلمين
ولأن اليهود والنصارى يزعمون أن لهم شفعاء وأنهم أبناء الله ونحو هذا من الأباطيل، وإن جعلنا قوله:
﴿نيس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾ إخباراً من الله تعالى عن صفة الحال يومئذ فهي عامة للمسلمين وأهل
الكتاب و﴿لعلهم يتقون﴾ ترجَّ على حسب ما يرى البشر ويعطيه نظرهم.
قوله عز وجل :
وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ
وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (*) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم
بِبَعْضِ لِيَقُولُواْأَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ
٥٣
المراد بـ ﴿الذين﴾ ضعفة المؤمنين في ذلك الوقت في أمور الدنيا بلال وعمار وابن أم عبد ومرثد
الغنوي وخباب وصهيب وصبيح وذو الشمالين والمقداد ونحوهم وسبب الآية أن الكفار قال بعضهم للنبي
٠

٢٩٥
تفسير سورة الأنعام / الآيتان : ٥٢، ٥٣
صلى الله عليه وسلم: نحن لشرفنا وأقدارنا لا يمكننا أن نختلط بهؤلاء، فلو طردتهم لاتبعناك وجالسناك،
ورد في ذلك حديث عن ابن مسعود، وقيل: إنما قال هذه المقالة أبو طالب على جهة النصح للنبي صلى
الله عليه وسلم قال له: لو أزلت هؤلاء لا تبعك أشراف قومك وروي أن ملأ قريش اجتمعوا إلى أبي طالب
في ذلك، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخديعة، فصوب هذا الرأي من أبي طالب عمر بن الخطاب وغيره
من المؤمنين فنزلت الآية، وقال ابن عباس: إن بعض الكفار إنما طلب أن يؤخر هؤلاء عن الصف الأول في
الصلاة، ويكونون هم موضعهم، ويؤمنون إذا طرد هؤلاء من الصف الأول فنزلت الآية، أسند الطبري إلى
خباب بن الأرت أن الأقرع بن حابس ومن شابهه من أشراف العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل
لنا منك مجلساً، لا يخالطنا فيه العبيد والحلفاء، واكتب لنا كتاباً، فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك
فنزلت هذه الآية .
قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل بعيد في نزول الآية، لأن الآية مكية وهؤلاء الأشراف لم يفدوا
إلا في المدينة، وقد يمكن أن يقع هذا القول منهم ولكنه إن كان وقع فبعد نزول الآية بمدة اللهم إلا تكون الآية
مدنية، قال خباب رضي الله عنه: ثم نزلت ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم﴾
[الأنعام: ٥٤] الآية فكنا نأتي فيقول لنا: سلام عليكم ونقعد معه، فإذا أراد يقوم قام وتركنا، فأنزل الله
﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ [الكهف: ٢٨] الآية فكان يقعد معنا، فإذا بلغ الوقت الذي يقوم
فيه قمنا وتركناه حتى يقوم و﴿يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ قال الحسن بن أبي الحسن المراد به صلاة
مكة التي كانت مرتين في اليوم بكرة وعشياً وقيل: بل قوله: ﴿بالغداة والعشي﴾ عبارة عن استمرار الفعل
وأن الزمن معمور به، كما تقول: الحمد لله بكرة وأصيلا، فإنما تريد الحمد لله في كل وقت والمراد على
هذا التأويل قيل، هو الصلوات الخمس، قاله ابن عباس وإبراهيم، وقيل الدعاء وذكر الله واللفظة على
وجهها وقال بعض القصاص: إنه الاجتماع إليهم غدوة وعشياً فأنكر ذلك ابن المسيب وعبد الرحمن بن أبي
عمرة وغيرهما وقالوا: إنما الآية في الصلوات في الجماعة، وقيل: قراءة القرآن وتعلمه قاله أبو جعفر ذكره
الطبري، وقيل العبادة قاله الضحاك: وقرأ أبو عبد الرحمن ومالك بن دينار والحسن ونصر بن عاصم وابن
عامر ((بالغدوة والعشي))، وروي عن أبي عبد الرحمن ((بالغدو)) بغير هاء، وقرأ ابن أبي عبلة ((بالغدوات
والعشيات)) بألف فيهما على الجمع، وغدوة: معرفة لأنها جعلت علماً لوقت من ذلك اليوم بعينه وجاز
إدخال الألف واللام عليها كما حكى أبو زيد لقيته فينة غير مصروف والفينة بعد الفينة فألحقوا لام المعرفة ما
استعمل معرفة، وحملاً على ما حكاه الخليل أنه يقال: لقيته اليوم غدوة منوناً، ولأن فيها مع تعيين اليوم،
إمكان تقدير معنى الشياع، ذكره أبو علي الفارسي و﴿وجهه﴾ في هذا الموضع معناه جهة التزلق إليه كما
تقول خرج فلان في وجه كذا أي في مقصد وجهة ﴿وما عليك من حسابهم من شيء﴾ معناه لم تكلف شيئاً
غير دعائهم فتقدم أنت وتؤخر ويظهر يكون الضمير في ﴿حسابهم﴾ و﴿عليهم) للكفار الذين أرادوا طرد
المؤمنين، أي ما عليك منهم آمنوا ولا كفروا فتطرد هؤلاء رعياً لذلك، والضمير في ((تطردهم)) عائد على
الضعفة من المؤمنين، ويؤيد هذا التأويل أن ما بعد الفاء أبداً سبب ما قبلها، وذلك لا يبين إذا كانت
الضمائر كلها للمؤمنين، وحكى الطبري أن الحساب هنا إنما هو في رزق الدنيا، أي لا ترزقهم ولا يرزقونك.
1
i

٢٩٦
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٥٥،٥٤
قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا تجيء الضمائر كلها للمؤمنين، وذكره المهدوي، وذكر عن
الحسن أنه من حساب عملهم كما قال الجمهور، و﴿من﴾ الأولى للتبعيض والثانية زائدة مؤكدة، وقوله:
﴿فتطردهم﴾ جواب النفي في قوله: ﴿ما عليك) وقوله: ﴿فتكون﴾ جواب النهي في قوله: ﴿ما عليك﴾
وقوله: ﴿فتكون﴾ جواب النهي في قوله: ﴿ولا تطرد﴾ و﴿من الظالمين)، معناه يضعون الشيء غير
مواضعه وقوله تعالى: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض﴾ الآية ﴿فتنا﴾ معناه في هذه الآية: ابتلينا، فابتلاء
المؤمنين بالمشركين هو ما يلقون منهم من الأذى، وابتلاء المشركين بالمؤمنين هو أن يرى الرجل الشريف
من المشركين قوماً لا شرف لهم قد عظمهم هذا الدين وجعل لهم عند نبيه قدراً ومنزلة، والإشارة بذلك إلى
ما ذكر من طلبهم أن يطرد الضعفة و﴿ليقولوا﴾ معناه ليصير بحكم القدر أمرهم إلى أن يقولوا، فهي لام
الصيرورة كما قال تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾ [القصص: ٨] أي ليصير مثاله أن
يكون لهم عدواً وقول المشركين على هذا التأويل ﴿أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا﴾ هو على جهة الاستخفاف
والهزء ويحتمل الكلام معنى آخر وهو أن تكون اللام في ﴿ليقولوا﴾ على بابها في لام كي وتكون المقالة
منهم استفهاماً لأنفسهم ومباحثة لها وتكون سبب إيمان من سبق إيمانه منهم، فمعنى الآية على هذا التأويل
وكذلك ابتلينا أشراف الكفار بضعفاء المؤمنين ليتعجبوا في نفوسهم من ذلك ويكون سبب نظر لمن هدي .
قال القاضي أبو محمد: والتأويل الأول أسبق والثاني يتخرج، ومنّ على كلا التأويلين إنما هي على
معتقد المؤمنين، أي هؤلاء منّ الله عليهم بزعمهم أن دينهم منة، وقوله ﴿أليس الله بأعلم بالشاکرین﴾ أي یا
أيها المستخفون أو المتعجبون على التأويل الآخر ليس الأمر أمر استخفاف ولا تعجب، فالله أعلم بمن
يشكر نعمته والمواضع التي ينبغي أن يوضع فيها فجاء إعلامهم بذلك في لفظ التقدير إذ ذلك بين لا
تمكنهم فيه معاندة.
قوله عز وجل :
وَإِذَا جَاءَ كَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِعَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ
مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّتَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ () وَكَذَلِكَ
٥٥
نُفَصِّلُ اُلَيَتِ وَلِتَسْتَّبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
قال جمهور المفسرين: ﴿الذين﴾ يراد بهم القوم الذين كان عرض طردهم فنهى الله عز وجل عن
طردهم، وشفع ذلك بأن أمر بأن يسلم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ويؤنسهم، وقال عكرمة
وعبد الرحمن بن زيد ﴿الذين﴾ يراد بهم القوم من المؤمنين الذين صوبوا رأي أبي طالب في طرد الضعفة
فأمر الله نبيه أن يسلم عليهم ويعلمهم أن الله يغفر لهم مع توبتهم من ذلك السوء وغيره، وأسند الطبري عن
ماهان أنه قال نزلت الآية في قوم من المؤمنين استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذنوب سلفت منهم
فنزلت الآية بسببهم .
قال القاضي أبو محمد: وهي على هذا تعم جميع المؤمنين دون أن تشير إلى فرقة، وقال الفضيل بن

٢٩٧
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٥٥،٥٤
عياض: قال قوم للنبي صلى الله عليه وسلم إنَّا قد أصبنا ذنوباً فاستغفر لنا فأعرض عنهم فنزلت الآية، وقوله
﴿بآياتنا﴾ يعم آيات القرآن وأيضاً علامات النبوة كلها، و﴿سلام عليكم﴾ ابتداء والتقدير: سلام ثابت أو
أوجب عليكم، والمعنى: أمنة لكم من عذاب الله في الدنيا والآخرة، وقيل المعنى أن الله يسلم عليكم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى لا يقتضيه لفظ الآية حكاه المهدوي، ولفظه لفظ الخبر وهو في
معنى الدعاء، وهذا من المواضع التي جاز فيها الابتداء بالنكرة إذ قد تخصصت، و﴿كتب﴾ بمعنى أوجب،
والله تعالى لا يجب عليه شيء عقلاً إلا إذا أعلمنا أنه قد حتم بشيء ما فذلك الشيء واجب، وفي : أين هذا
الكتاب اختلاف؟ قيل في اللوح المحفوظ، وقيل في كتاب غيره لقوله عليه السلام في صحيح البخاري :
إن الله تعالى كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، وقرأ عاصم وابن عامر: ((أنه))
بفتح الهمزة في الأولى والثانية، فـ(أنه)) الأولى بدل من الرحمة و((أنه)) الثانية خبر ابتداء مضمر تقديره:
فأمره أنه غفور رحيم، هذا مذهب سيبويه وقال أبو حاتم ((فإنه)) ابتداء ولا يجوز هذا عند سيبويه، وقال
النحاس: هي عطف على الأولى وتكرير لها لطول الكلام، قال أبو علي. ذلك لا يجوز لأن ﴿من﴾ لا يخلو
أن تكون موصولة بمعنى الذي فتحتاج إلى خبر أو تكون شرطية فتحتاج إلى جواب، وإذا جعلنا ((فأنه))
تكريراً للأولى عطفاً عليها بقي المبتدأ بلا خبر أو الشرط بلا جواب، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة
والكسائي ((إنه)) بكسر الهمزة في الأولى والثانية، وهذا على جهة التفسير للرحمة في الأولى والقطع فيها،
وفي الثانية إما في موضع الخبر أو موضع جواب الشرط وحكم ما بعد الفاء إنما هو الابتداء، وقرأ نافع بفتح
الأولى وكسر الثانية، وهذا على أن أبدل من الرحمة واستأنف بعد الفاء، وقرأت فرقة بكسر الأولى وفتح
الثانية حكاه الزهراوي عن الأعرج وأظنه وهماً، لأن سيبويه حكاه عن الأعرج مثل قراءة نافع، وقال أبو عمرو
الداني: قراءة الأعرج ضد قراءة نافع، و((الجهالة)) في هذا الموضع تعم التي تضاد العلم والتي تشبه بها،
وذلك أن المتعمد لفعل الشيء الذي قد نهي عنه تشمل معصيته تلك جهالة، إذ قد فعل ما يفعله الذي لم
يتقدم له علم، قال مجاهد: من الجهالة أن لا يعلم حلالاً من حرام ومن جهالته أن يركب الأمر، ومن هذا
الذي لا يضاد العلم قول النبي عليه السلام في استعاذته ((أو أجهل أو يجهل عليّ))، ومنه قول الشاعر
[عمرو بن كلثوم]: [الوافر]
أَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا
والجهالة المشبهة ليست بعذر في الشرع جملة والجهالة الحقيقية يعذر بها في بعض ما يخف من
الذنوب ولا يعذر بها في كبيرة، و((التوبة)) الرجوع، وصحتها مشروطة باستدامة الإصلاح بعدها في الشيء
الذي تيب منه، والإشارة بقوله ﴿وكذلك﴾ إلى ما تقدم من النهي عن طرد المؤمنين وبيان فساد منزع
العارضين لذلك، وتفصيل الآيات تبيينها وشرحها وإظهارها، واللام في قوله ﴿ولتستبين﴾ متعلقة بفعل
مضمر تقديره ولتستبين سبيل المجرمين فصلناها، وقرأ نافع: ((ولتستبين)) بالتاء أي النبي صلى الله عليه
وسلم، ((سبيلَ)) بالنصب حكاه مكي في المشكل له، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن
عاصم: ((ولتستبين سبيلُ المجرمين)) برفع السبيل وتأنيثها، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي

٢٩٨
تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٥٦-٥٨
((وليستبين سبيلُ» برفع السبيل وتذكيرها، وعربُ الحجاز تؤنث السبيل، وتميم وأهل نجد يذكرونها، وخص
سبيل المجرمين لأنهم الذين أثاروا ما تقدم من الأقوال وهم أهم في هذا الموضع لأنها آيات رد عليهم،
وأيضاً فتبيين سبيلهم يتضمن بيان سبيل المؤمنين، وتأول ابن زيد أن قوله ﴿المجرمين﴾ يعني به الآمرون
بطرد الضعفة .
١٠٠
قوله عز وجل :
قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِقُلْلَّا أَنَّعُ أَهْوَاءَ كُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَآ أَنَا
مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِى وَكَذَّبْتُمبِهِ، مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ
قُل لَّوْأَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ،
٥٧
بِهِ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُضُ اُلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ
لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ
٥٨
أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يجاهرهم بالتبري مما هم فيه و﴿أن أعبد﴾ هو بتأويل المصدر
التقدير عن عبادة، ثم حذف الجار فتسلط الفعل ثم وضع ﴿أن أعبد﴾ موضع المصدر، وعبر عن الأصنام
بـ ﴿الذين﴾ على زعم الكفار حين أنزلوها منزلة من يعقل، و﴿تدعون﴾ معناه تعبدون، ويحتمل أن يريد
تدعون في أموركم وذلك من معنى العبادة واعتقادها آلهة وقرأ جمهور الناس ((قد ضلَلتِ)) بفتح اللام،
قرأ يحيى بن وثاب وأبو عبد الرحمن السلمي وطلحة بن مصرف: ((ضلِلت)) بكسرها، وهما لغتان و ﴿إذاً﴾
في هذا الموضع متوسطة وما بعدها معتمد على ما قبلها فهي غير عاملة إلا أنها تتضمن معنى الشرط
فهي بتقدير إن فعلت ذلك فـ ﴿أهواء﴾ جمع هوى وهو الإرادة المحبة في المرديات من الأمور هذا غالب
استعمال الهوى وقد تقدم، وقوله تعالى: ﴿قل إني على بينة من ربي﴾ الآية، هذه الآية تماد في إيضاح
مباينته لهم، والمعنى قل إني على أمر بين فحذف الموصوف ثم دخلت هاء المبالغة كقوله عز وجل: ﴿بل
الإنسان على نفسه بصيرة﴾ [القيامة: ١٤] ويصح أن تكون الهاء في ﴿بيئة﴾ مجردة للتأنيث، ويكون بمعنى
البيان، كما قال ﴿ويحيى من حيَّ عن بينة﴾ [الأنفال: ٤٢] والمراد بالآية أني أيها المكذبون في اعتقادي
ويقيني وما حصل في نفسي من العلم على بينة من ربي ﴿وكذبتم به﴾ الضمير في ﴿به﴾ عائد على بين في
تقدير هاء المبالغة أو على البيان التي هي ﴿بينة﴾ بمعناه في التأويل الآخر، أو على الرب، وقيل على
القرآن وهو وإن لم يتقدم له ذكر جلي فإنه بعض البيان الذي منه حصل الاعتقاد واليقين للنبي عليه السلام،
فيصح عود الضمير عليه.
قال القاضي أبو محمد: وللنبي عليه السلام أمور أخر غير القرآن وقع له العلم أيضاً من جهتها
كتكليم الحجارة له ورؤيته للملك قبل الوحي وغير ذلك، وقال بعض المفسرين الضمير في ﴿به﴾ عائد
على ﴿ما﴾ والمراد بها الآيات المقترحة على ما قال بعض المفسرين، وقيل المراد بها العذاب، وهذا
يترجح بوجهين: أحدهما من جهة المعنى وذلك أن قوله ﴿وكذبتم به﴾ يتضمن أنكم واقعتم ما تستوجبون به
العذاب إلا أنه ليس عندي، والآخر من جهة اللفظ وهو الاستعجال الذي لم يأت في القرآن استعجالهم إلا

٢٩٩
تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٥٩، ٦٠
العذاب لأن اقتراحهم بالآيات لم يكن باستعجال، وقوله: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ أي القضاء والإنفاذ ﴿يقص
الحق﴾ أي يخبر به، والمعنى يقص القصص الحق، وهذه قراءة ابن كثير وعاصم ونافع وابن عباس، وقرأ
أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر ((يقضي الحق)) أي ينفذه، وترجع هذه القراءة بقوله ﴿الفاصلين﴾ لأن
الفصل مناسب للقضاء، وقد جاء أيضاً الفصل والتفصيل مع القصص، وفي مصحف
عبد الله بن مسعود ((وهو أسرع الفاصلين))، قال أبو عمرو الداني: وقرأ عبد الله وأبيّ ويحيى
ابن وثاب وإبراهيم النخعي وطلحة والأعمش ((يقضي بالحق)) بزيادة باء الجر، وقرأ مجاهد
وسعيد بن جبير ((يقضي الحق وهو خير الفاصلين))، وقوله تعالى: ﴿قل لو أن عندي﴾ الآية، المعنى لو كان
عندي الآيات المقترحة أو العذاب على التأويل الآخر لقضي الأمر أي لوقع الانفصال، وتم التنازع لظهور
الآية المقترحة أو لنزل العذاب بحسب التأويلين، وحكى الزهراوي: أن المعنى لقامت القيامة، ورواه
النقاش عن عكرمة، وقال بعض الناس: معنى ﴿لقضي الأمر﴾ أي لذبح الموت.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قول ضعيف جداً لأن قائله سمع هذا المعنى في قوله
تعالى: ﴿وأنذرههم يوم الحسرة إذ قضي الأمر﴾ [مريم: ٣٩] وذبح الموت هنا لائق فنقله إلى هذا الموضع
دون شبه، وأسند الطبري هذا القول إلى ابن جريج غير مقيد بهذه السورة، والظن بابن جريج أنه إنما فسر
الذي في يوم الحسرة ﴿والله أعلم بالظالمين) يتضمن الوعيد والتهديد.
قوله عز وجل :
وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا
يَعْلَمُهَا وَلَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلََّ فِي كِتٍَ غُِينٍ (٢َوَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ
بِأَلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَاجَرَحْتُم بِالنَّهَارِثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ ثُمَّ
يُنَفِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
﴿مفاتح) جمع مفتح وهذه استعارة عبارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفتاح
إلى المغيب عن الإنسان، ولو كان جمع مفتاح لقال مفاتيح، ويظهر أيضاً أن ﴿مفاتح﴾ جمع مفتح بفتح
الميم أي مواضع تفتح عن المغيبات، ويؤيد هذا قول السدي وغيره ﴿مفاتح الغيب﴾ خزائن الغيب، فأما مِفتح
بالكسر فهو بمعنى مفتاح، وقال الزهراوي: ومَفتح أفصح، وقال ابن عباس وغيره، الإشارة بـ ﴿مفاتح
الغيب﴾ هي إلى الخمسة التي في آخر لقمان، ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤] الآية، لأنها تعم
جميع الأشياء التي لم توجد بعد، ثم قوي البيان بقوله ﴿ويعلم ما في البر والبحر﴾ تنبيهاً على أعظم
المخلوقات المجاورة للبشر وقوله ﴿من ورقة﴾ على حقيقته في ورق النباتات، و ﴿من﴾ زائدة و ﴿إلا يعلمها﴾
يريد على الإطلاق وقبل السقوط ومعه وبعده، ﴿ولا حبة في ظلمات الأرض﴾ يريد في أشد حال التغيب،
وهذا كله وإن كان داخلاً في قوله ﴿وعنده مفاتح الغيب﴾ عند من رآها في الخمس وغيرها ففيه البيان

٣٠٠
تفسير سورة الأنعام / الآيتان : ٦٢،٦١
والإيضاح والتنبيه على مواضع العبر، أي إذا كانت هذه المحقورات معلومة فغيرها من الجلائل أحرى،
﴿ولا رطب ولا يابس﴾ عطف على اللفظ وقرأ الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق ((ولا رطب ولا يابسٌ))
بالرفع عطفاً على الموضع في ﴿ورقة﴾، لأن التقدير وما تسقط ورقة و﴿إلا في كتاب مبين﴾ قيل يعني كتاباً
على الحقيقة، ووجه الفائدة فيه امتحان ما يكتبه الحفظة، وذلك أنه روي أن الحفظة يرفعون ما كتبوه
ويعارضونه بهذا الكتاب المشار إليه ليتحققوا صحة ما كتبوه، وقيل: المراد بقوله: ﴿إلا في كتاب﴾ علم، الله
عز وجل المحيط بكل شيء، وحكى النقاش عن جعفر بن محمد قولاً: أن (الورقة)) يراد بها السقط من
أولاد بني آدم، و((الحبة)) يراد بها الذي ليس يسقط، و((الرطب)) يراد به الحي، و((اليابس)) يراد به الميت،
وهذا قول جار على طريقة الرموز، ولا يصح عن جعفر بن محمد رضي الله عنه، ولا ينبغي أن يلتفت إليه،
وقوله تعالى: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم) الآية، فيها إيضاح الآيات المنصوبة للنظر، وفيها ضرب
مثل للبعث من القبور، أن هذا أيضاً إماتة وبعث على نحوما، والتوفي هو استيفاء عدد، قال الشاعر [منظور
الوبري]: [الرجز]
إِنَّ بنِي الأَهْرَمِ لَيْسُوا مِنْ أَحَدْ وَلَا توفّاهُمْ قريشٌ فِي الْعَدَدْ
وصارت اللفظة عرفاً في الموت، وهي في النوم على بعض التجوز، و﴿جرحتم﴾ معناه كسبتم،
ومنه جوارح الصيد أي كواسبه، ومنه جوارح البدن لأنها كواسب النفس، ويحتمل أن يكون ﴿جرحتم﴾ هنا
من الجرح كأن الذنب جرح في الدين، والعرب تقول جرح اللسان کجرح اليد، وروي عن ابن مسعود أو
سلمان شك ابن دينار، أنه قال: إن هذه الذنوب جراحات فمنها شوى ومنها مقتلة، ألا وإن الشرك بالله
مقتلة، و﴿يبعثكم﴾ يريد الإيقاظ، ففي ﴿فيه﴾ عائد على النهار قاله مجاهد، وقتادة والسدي، وذكر النوم مع
الليل واليقظة مع النهار بحسب الأغلب وإن كان النوم يقع بالنهار واليقظة بالليل فنادر، ويحتمل أن يعود
الضمير على التوفي أي يوقظكم في التوفي أي في خلاله وتضاعيفه قاله عبد الله بن كثير، وقيل يعود على
الليل وهذا قلق في اللفظ وهو في المعنى نحو من الذي قبله، وقرأ طلحة بن مصرف وأبو رجاء ((ليقضي
أجلاً مسمى))، والمراد بالأجل آجال بني آدم، ﴿ثم إليه مرجعكم﴾ يريد بالبعث والنشور ﴿ثم ينبئكم﴾ أي
يعلمكم إعلام توقيف ومحاسبة.
قوله عز وجل :
وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَاجَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَاوَهُمْ
٦٢
ثُمَّرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِبِينَ
لَا يُفَرِّطُونَ (®)
﴿القاهر) إن أخذ صفة فعل أي مظهر القهر بالصواعق والرياح والعذاب فيصح أن يجعل
﴿فوق) ظرفية للجهة لأن هذه الأشياء إنما تعاهدها العباد من فوقهم، وإن أخذ ﴿القاهر) صفة ذات بمعنى
القدرة والاستيلاء ف ﴿فوق﴾ لا يجوز أن تكون للجهة، وإنما هي لعلو القدر والشأن على حد ما تقول:
الياقوت فوق الحديد، ﴿ويرسل عليكم﴾ معناه ببثهم فيكم، و﴿حفظة﴾ جمع حافظ مثل كاتب وكتبة،