Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٢٢،١٢١
وتحاوز الناس، هذا مختصر من القصة يتركب عليه تفسير الآية، وأمر ((أحد)) بطوله وما تخلله من الأفعال
والأقوال، مستوعب في كتب السير، وليس هذا التعليق مما يقتضي ذكره وحكى مكي عن السدي ما
يظهر منه أن القتال كان يوم الجمعة، وحكى عنه الطبري، أن نزول أبي سفيان بأحد كان في الثالث من
شوال، وذلك كله ضعيف، وقال النقاش: وقعة ((أحد)) في الحادي عشر من شوال، وذلك خطأ، قال الطبري
وغيره: فغدو رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة إلى التدبير مع الناس واستشارتهم هو الذي عبر عنه بقوله
تعالى: ﴿تبویء المؤمنین مقاعد للقتال﴾ .
قال القاضي: ولا سيما أن غدو النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ورأيه أن لا يخرج الناس، فكان لا
يشك في نفسه أن يقسم أقطار المدينة على قبائل الأنصار، وقال غير الطبري: بل نهوض النبي صلى الله
عليه وسلم يوم الجمعة بعد الصلاة، هو غدوه، وبوأ المؤمنين في وقت حضور القتال، وقيل ذلك في ليلته،
وسماه ((غدوا)) إذ كان قد اعتزم التدبير، والشروع في الأمر من وقت الغدو.
قال القاضي أبو محمد: ولا سيما أن صلاة الجمعة ربما كانت قبل الزوال، حسبما وردت بذلك
أحاديث، فيجيء لفظ الغدو متمكناً، وقيل إن ((الغدو)) المذكور هو ((غدوة)) يوم السبت إلى القتال، ومن
حيث لم يكن في تلك الليلة موافقاً للغدو فهو كأنه كان في أهله وبوأ المسلمين بأمره الرماة وبغير ذلك من
تدبيره مصاف الناس و﴿تبوىء﴾ معناه: تعين لهم مقاعد يتمكنون فيها ويثبتون تقول: تبوأت مكان كذا،
إذا حللته حلولاً متمكناً تثبت فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿نتبوأ من الجنة حيث نشاء﴾ [الزمر: ٧٤] ومنه قول
النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ومنه قول الشاعر: [ مجزوء
الكامل مرفل]
كم صاحبٍ لَيَ صالحٍ بَوَأْتُهُ بِيدِيَّ لحْدا
ومنه قول الأعشى : [الطويل]
وَمَا بَوَّأْ السرَّحْمَنُ بَيْتَكَ مَنْزِلاً بِشَرْقِيّ أَجْيَادِ الصَّفَا وَالْمَحَرِّمِ
وقوله تعالى: ﴿مقاعد) جمع مقعد وهو مكان القعود، وهذا بمنزلة قولك مواقف، ولكن لفظة القعود
أدل على الثبوت، ولا سيما أن الرماة إنما كانوا قعوداً، وكذلك كانت صفوف المسلمين أولاً، والمبارزة
والسرعان يجولون، وقوله: ﴿والله سميع﴾ أي ما تقول ويقال لك وقت المشاورة وغيره.
و﴿إِذ﴾ الثانية بدل من الأولى، و﴿همت﴾ معناه أرادت ولم تفعل، والفشل في هذا الموضع هو
الجبن الذي كاد يلحق بني سلمة وبني حارثة و((الفشل)) في البدن هو الإعياء والتبليح، و((الفشل)) في
الرأي هو العجز والحيرة وفساد العزم، وقال جابر بن عبد الله: ما وددنا أنها لم تنزل، لقوله تعالى: ﴿والله
وليهما﴾، وقوله: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون) أمر في ضمنه التغبيط للمؤمنين بمثل ما فعله بنو حارثة
وبنو سلمة من المسير مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ عبد الله بن مسعود، ((تبوى للمؤمنين)» بلام
الجر، وقرأ ((والله وليهم)) على معنى الطائفتين لا على اللفظ.
۔۔

٥٠٢
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٢٣ - ١٢٥
قوله تعالی :
وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُاللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِّلَّةٌ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنَ
١٢٣
يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَتَبِكَةِ مُنْزَلِينَ
١٢٥
وَيَأْتُوُكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدُكُمْ رَبِّكُمْ بِخَمْسَةِءَ الَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ
لما أمر الله تعالى بالتوكل عليه، ذكر بأمر ((بدر)) الذي كان ثمرة التوكل على الله والثقة به، فمن قال
من المفسرين إن قول النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين: ﴿ألن يكفيكم﴾. كان في غزوة بدر، فيجيء
التذكير بأمر ((بدر)» وبأمر الملائكة وقتالهم فيه مع المؤمنين، محرضاً على الجد والتوكل على الله، ومن
قال: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ألن يكفيكم) الآية، إنما كان في غزوة أحد، كان قوله تعالى:
﴿ولقد نصركم الله بيدر﴾ إلى ﴿تشكرون) اعتراضاً بين الكلام جميلاً، والنصر بيدر هو المشهور الذي قتل فيه
صناديد قريش، وعلى ذلك اليوم انبنى الإسلام، وكانت ((بدر)) يوم سبعة عشر من رمضان يوم جمعة لثمانية
عشر شهراً من الهجرة، و((بدر)» ماء هنالك سمي به الموضع، وقال الشعبي: كان ذلك الماء لرجل من
جهينة يسمى بدراً فبه سمي، قال الواقدي: فذكرت هذا لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأنكراه وقالا :
بأي شيء سميت الصفراء والجار وغير ذلك من المواضع؟ قال وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاري
فقال: سمعت شيوخاً من بني غفار يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا وما ملكه أحد قط يقال له بدر، وما هو من بلاد
جهينة إنما هي بلاد غفار، قال الواقدي: فهذا المعروف عندنا، وقوله تعالى: ﴿وأنتم أذلة﴾ معناه قليلون،
وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلاً، وكان عدوهم ما بين التسعمائة إلى الألف،
و ﴿أذلة﴾ جمع ذليل، واسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزة، ولكن نسبتهم
إلى عدوهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض يقتضي عند التأمل ذلتهم، وأنهم مغلوبون، وقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم: اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد، وهذه الاستعارة كاستعارة
الكذب في قوله في الموطأ، كذب كعب، وكقوله كذب أبو محمد، وكاستعارة المسكنة لأصحاب السفينة
على بعض الأقوال، إذ كانت مسكنتهم بالنسبة إلى الملك القادر الغاصب، ثم أمر تعالى المؤمنين بالتقوى،
ورجاهم بالإنعام الذي يوجب الشكر، ويحتمل أن يكون المعنى: اتقوا الله عسى أن يكون تقواكم شكراً
على النعمة في نصره ببدر.
وقوله تعالى: ﴿إذ تقول﴾ العامل في ﴿إِذ﴾ فعل مضمر، ويحتمل أن يكون العامل ﴿نصركم) وهذا
على قول الجمهور: إن هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم كان ببدر قال الشعبي والحسن بن أبي
الحسن وغيرهما إن هذا كان ببدر، قال الشعبي بلغ المؤمنين أن كرز بن جابر بن حسل المحاربي مجارب
فهر، قد جاء في مدد للمشركين، فغم ذلك المؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين عن أمر الله
تعالى، هذه المقالة فصبر المؤمنون واتقوا، وهزم المشركون وبلغت الهزيمة كرزاً ومن معه فانصرفوا ولم
يأتوا من فورهم، ولم يمدّ المؤمنون بالملائكة، وكانت الملائكة بعد ذلك تحضر حروب النبي صلى الله

٥٠٣
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٢٣ - ١٢٥
عليه وسلم مدداً، وهي تحضر حروب المسلمين إلى يوم القيامة .
قال القاضي: وخالف الناس الشعبي في هذه المقالة، وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت بدراً
وقاتلت، ومن ذلك قول أبي أسيد مالك بن ربيعة، لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب
الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى، ومنه حديث الغفاري وابن عمه اللذين سمعا من
الصحابة، أقدم حيزوم فانكشف قناع قلب أحدهما فمات مكانه، وتماسك الآخر، وقال ابن عباس: لم
تقاتل الملائكة في يوم من الأيام إلا يوم بدر، وكانوا يكونون في سائر الأيام عدداً ومدداً لا يضربون، ومن
ذلك قول أبي سفيان بن الحارث لأبي لهب: ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلون ويأسرون،
وعلى ذلك فوالله ما لمت الناس، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئاً ولا يقوم
لها شيء، ومن ذلك أن أبا اليسر كعب بن عمرو الأنصاري أحد بني سلمة أسر يوم بدر العباس بن عبد
المطلب وكان أبو اليسر رجلاً مجموعاً وكان العباس رجلاً طويلاً جسيماً فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
لقد أعانك عليه ملك كريم، الحديث بطوله، وقد قال بعض الصحابة: كنت يوم بدر أتبع رجلاً من
المشركين لأضربه بسيفي فلما دنوت منه وقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه فعلمت أن ملكاً قتله، وقال قتادة
ابن دعامة: أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف من الملائكة، قال الطبري: وقال آخرون: إن الله وعد
المؤمنين يوم بدر أن يمدهم في حروبهم كلها إن صبروا واتقوا، فلم يفعلوا ذلك إلا في يوم الأحزاب،
فأمدهم حين حاصروا قريظة، ثم أدخل تحت هذه الترجمة عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: حاصرنا
قریظة مدة فلم يفتح علينا فرجعنا، فبينا رسول الله صلی الله عليه وسلم قد دعا بغسل يريد أن يغسل رأسه،
إذ جاءه جبريل عليه السلام فقال: وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها فلف رسول الله صلى الله
عليه وسلم رأسه بخرقة ولم يغسله، ونادى فينا فقمنا كالين متعبين، حتى أتينا قريظة والنضير، فيومئذ أمدنا
الله بالملائكة بثلاثة آلاف، وفتح لنا فتحاً يسيراً، فانقلبنا بنعمة من الله وفضل، وقال عكرمة: كان الوعد يوم
بدر، فلم يصبروا يوم أحد ولا اتقوا، فلم يمدوا ولو مدوا لم يهزموا، وقال الضحاك: كان هذا الوعد
والمقالة للمؤمنين يوم أحد، ففر الناس وولوا مدبرين فلم يمدهم الله، وإنما مدوا يوم بدر بألف من الملائكة
مردفين، وقال ابن زيد: قال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهم ينتظرون المشركين:
يا رسول الله أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ألن یکفیکم﴾ الآية
وإنما أمدهم يوم بدر بألف قال ابن زيد: فلم يصبروا، وقوله تعالى: ﴿ألن يكفيكم) تقرير على اعتقادهم
الكفاية في هذا العدد من الملائكة، ومن حيث كان الأمر بيناً في نفسه أن الملائكة كافية، بادر المتكلم إلى
الجواب ليبني ما يستأنف من قوله عليه فقال: ﴿بلى﴾ وهي جواب المقررين، وهذا يحسن في الأمور البينة
التي لا محيد في جوابها، ونحوه قوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ [الأنعام: ١٩] وفي
مصحف أبي بن كعب، ((ألا يكفيكم)) وقد مضى القول في قوله: ﴿ويمدهم في طغيانهم﴾ [البقرة: ١٥]
وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((بثلاثة آلاف)»، يقف على الهاء، وكذلك ((بخمسة آلاف))، ووجه هذه القراءة
ضعيف، لأن المضاف والمضاف إليه يقتضيان الاتصال، إذ هما كالاسم الواحد، وإنما الثاني كمال
للأول، والهاء إنما هي أمارة وقف، فيقلق الوقف في موضع إنما هو للاتصال، لكن قد جاء نحو هذا

٥٠٤
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٢٣ - ١٢٥
للعرب في مواضع، فمن ذلك ما حكاه الفراء أنهم يقولون: أكلت لحماً، شاة، يريدون لحم شاة فمطلوا
الفتحة حتى نشأت عنها ألف، كما قالوا في الوقف، قالا: يريدون قال: ثم مطلوا الفتحة في القوافي
ونحوها من مواضع الروية والتثبت، ومن ذلك في الشعر قول الشاعر: [عنترة]: [الرجز]:
يُنْبَاعُ مِنْ ذُفْرَى غضوبٍ جسرة
يريد ينبع فمطل ومنه قول الآخر: [الرجز]
يا ناقتا ما جُلْتٍ مِن مَّجَالٍ
أقول إذ جرت على الكلكال
يريد على الكلكل، فمطل ومنه قول الآخر: [لابن هرمة]: [الوافر]
فَأَنْتَ مِنَ الْغَوَائِلِ حِينَ تَّرْمِي وَمِنْ ذَمِّ الرجالِ بِمُنْزاحٍ
يريد بمنتزح، قال أبو الفتح: فإذا جاز أن يعترض هذا التمادي بين أثناء الكلمة الواحدة، جاز
التمادي والتأني بين المضاف والمضاف إليه إذ هما في الحقيقة اثنان، وقرأ ابن عامر وحده: ((منّزَّلين)) بفتح
النون والزاي مشددة، وقرأ الباقون: منزلين بسكون النون وفتح الزاي مخففة، وقرأ ابن أبي عبلة: ((منّزِّلين))
بفتح النون وكسر الزاي مشددة، معناها: ينزلون النصر، وحكى النحاس قراءة ولم ينسبها: ((منْزِلين))
بسكون النون وكسر الزاي خفيفة، وفسرها بأنهم ينزلون النصر.
و﴿يلى﴾ - جواب للنفي الذي في ﴿ألن) وقد تقدم معناه، ثم ذكر تعالى الشرط الذي معه يقع
الإمداد وهو الصبر، والتقى. و((الفور)): النهوض المسرع إلى الشيء مأخوذ من فور القدر والماء ونحوه،
ومنه قوله تعالى: ﴿وفار التنور﴾ [هود: ٤٠] فالمعنى ويأتوكم في نهضتكم هذه، قال ابن عباس: ﴿من
فورهم هذا﴾: معناه من سفرهم هذا، قال الحسن والسدي: معناه، من وجههم هذا، وقاله قتادة، وقال
مجاهد وعكرمة وأبو صالح مولى أم هاني: من غضبهم هذا.
قال القاضي: وهذا تفسير لا يخص اللفظة قد يكون ((الفور)) لغضب ولطمع ولرغبة في أجر، ومنه
الفور في الحج والوضوء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم: ((مسوِّمين))، بكسر الواو، وقرأ الباقون:
(«مسوَّمين)) بفتح الواو، فأما من قرأ بفتح الواو فمعناه: معلمين بعلامات، قال أبو زيد الأنصاري: ((السومة))
العلامة تكون على الشاة وغيرها يجعل عليها لون يخالف لونها لتعرف، وروي أن الملائكة أعلمت يومئذ
بعمائم بيض، حكاه المهدوي عن الزجاج، إلا جبريل عليه السلام فإنه كان بعمامة صفراء على مثال عمامة
الزبير بن العوام، وقاله ابن إسحاق، وقال مجاهد: كانت خيلهم مجزوزة الأذناب والأعراف معلمة
النواصي والأذناب بالصوف والعهن، وقال الربيع: كانت سيماهم أنهم كانوا على خيل بلق، وقال عباد بن
حمزة بن عبد الله بن الزبير: نزلت الملائكة في سيما الزبير عليهم عمائم صفر، وقال ذلك عروة وعبد الله
ابنا الزبير: وقال عبد الله: كانت ملاءة صفراء فاعتم الزبير بها، ومن قرأ: ((مسوِّمين)) بكسر الواو، فيحتمل
من المعنى مثل ما تقدم، أي هم قد أعلموا أنفسهم بعلامة وأعلموا خيلهم، ورجح الطبري وغيره هذه
القراءة، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين يوم بدر: سوُّموا فإن الملائكة قد سوَّمت، فهم على

. :
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٢٦ - ١٢٩
٥٠٥
هذا مسومون، وقال كثير من أهل التفسير: إن معنى ((مسوِّمين)) بكسر الواو أي هم قد سوموا خيلهم: أي
أعطوها سومها من الجري والقتال والإحضار فهي سائمة، ومنه سائمة الماشية، لأنها تركت وسومها من
الرعي، وذكر المهدوي هذا المعنى في ((مسوّمين) بفتح الواو أي أرسلوا وسومهم.
قال القاضي: وهذا قلق: وقد قاله ابن فورك أيضاً.
قوله تعالی :
وَ مَا جَعَلَهُ اللهُإِلََّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَظْمَيِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِاللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
١٢٦
لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَوْيَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُواْ خَبِينَ (١٦) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْيَتُوبَ
١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ
١٢٨
عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ
قلم
رورٌّ مُ
وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٢٩
الضمير في ﴿جعله الله﴾ عائد على الإنزال والإمداد، و((البشرى)) مصدر واللام في ﴿ولتطمئن﴾
متعلقة بفعل مضمر يدل عليه جعله، ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به وتطمئن به قلوبكم
وتروا حفاية الله بكم، وإلا فالكثرة لا تغني شيئاً إلا أن ينصر الله، وقوله: ﴿وما النصر﴾ يريد للمؤمنين،
وكذلك أيضاً هي الإدالة للكفار من عند الله .
واللام في قوله: ﴿ليقطع﴾ متعلقة بقوله ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ وعلى هذا لا يكون قطع
الطرف مختصاً بيوم، اللهم إلا أن تكون الألف واللام في ((النصر)) للعهد، وقيل: العامل فيه ((ولقد نصركم))
حكاه ابن فورك وهو قلق، لأن قوله: ﴿أو يكبتهم﴾ لا يترتب عليه، وقد يحتمل أن تكون اللام في قوله
﴿ليقطع﴾ متعلقة بـ ﴿جعله﴾، فيكون قطع الطرف إشارة إلى من قتل ببدر، على ما قال الحسن وابن إسحاق
وغيرهم، أو إلى من قتل بأحد على ما قال السدي، وقتل من المشركين ببدر سبعون، وقتل منهم يوم أحد
اثنان وعشرون رجلاً، وقال السدي: قتل منهم ثمانية عشر والأول أصح، و((الطرف)) الفريق، ومتى قتل
المسلمون كفاراً في حرب فقد قطعوا ﴿طرفاً﴾، لأنه الذي وليهم من الكفار فكأن جميع الكفار رقعة وهؤلاء
المقتولون طرف منها أي حاشية، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿ليقطع طرفاً﴾ بمنزلة ليقطع دابراً وقوله:
﴿أو يكبتهم﴾ معناه: أو يخزيهم، والكبت الصرع لليدين، وقال النقاش وغيره: التاء بدل من دال كبته
أصله كبده أي فعل به يؤذي كبده، وإذا نصر الله على أمة كافرة فلا بد من أحد هذين الوجهين، إما أن يقتل
منهم أو یخیبوا، فذلك نوع من الهزم.
وقوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ توقيف على أن الأمر كله لله، وهذا التوقيف يقتضي أنه كان
بسبب من جهة النبي صلى الله عليه وسلم وروي في ذلك أنه لما هزم أصحابه وشج في وجهه، حتى
دخلت بعض حلق الدرع في خده وكسرت رباعيته وارتث بالحجارة حتى صرع لجنبه، تحيز عن الملحمة،
وجعل يمسح الدم من وجهه ويقول: لا يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، هكذا لفظ الحديث من طريق أنس بن
i

٥٠٦
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٣٠ - ١٣٢
مالك، وفي بعض الطرق، وكيف يفلح؟ وفي بعضها أن سالماً مولى أبي حذيفة كان يغسل الدم عن وجه
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأفاق وهو يقول: كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟
فنزلت الآية، بسبب هذه المقالة.
قال القاضي: وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لحقه في تلك الحال يأس من فلاح كفار قريش،
فمالت نفسه إلی أن يستأصلهم الله ویریح منهم، فروي أنه دعا علیهم أو أستأذن في أن يدعو عليهم، وروى
ابن عمر وغيره: أنه دعا على أبي سفيان والحارث بن هشام وصفوان بن أمية باللعنة، إلى غير هذا من
معناه، فقيل له بسبب ذلك، ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ أي عواقب الأمور بيد الله، فامض أنت لشأنك ودم
على الدعاء إلى ربك، قال الطبري وغيره من المفسرين: قوله: ﴿أُو يتوب عليهم﴾ عطف على
﴿یکېتهم﴾.
قال القاضي: فقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ اعتراض أثناء الكلام، وقوله: ﴿أُو يتوب﴾ معناه:
فيسلمون، وقوله: ﴿أو يعذبهم﴾ معناه: في الآخرة بأن يوافوا على الكفر، قال الطبري وغيره: ويحتمل أن
يكون قوله ﴿أو يتوب﴾ بمعنى حتى يتوب أو إلى أن يتوب فيجيء بمنزلة قولك: لا أفارقك أو تقضيني
حقي، وكما تقول: لا يتم هذا الأمر أو يجيء فلان، وقوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ ليس
باعتراض على هذا التأويل، وإنما المعنى الإخبار لمحمد عليه السلام أنه ليس يتحصل له من أمر هؤلاء
الكفار شيء يؤمله إلا أن يتوب الله عليهم فيسلموا، فيرى محمد عليه السلام أحد أمليه فيهم، أو يعذبهم
اللّه بقتل في الدنيا، أو بنار في الآخرة أو بهما، فيرى محمد صلى الله عليه وسلم الأمل الآخر، وعلى هذا
التأويل فليس في قوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ ردع كما هو في التأويل الأول، وذلك التأويل الأول
أقوى، وقرأ أبي بن كعب، ((أو يتوبُ أو يعذبُ)) برفع الباء فيهما، المعنى: أو هو يتوب، ثم قرر تعالى ظلم
هؤلاء الكفار.
ثم أكد معنى قوله ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ بالقول العام وذكر الحجة الساطعة في ذلك وهي ملكه
الأشياء، إذ ذلك مقتض أن يفعل بحق ملكه ما شاء، لا اعتراض عليه ولا معقب لحكمه، وذكر أن الغفران
أو التعذيب إنما هو بمشيئته وحسب السابق في علمه، ثم رجا في آخر ذلك تأنيساً للنفوس وجلباً لها إلى
طاعته، وذلك كله في قوله تعالى: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء ويعذب من
يشاء، والله غفور رحيم﴾ و ﴿ما﴾ في قوله ﴿ما في السماوات وما في الأرض﴾، إشارة إلى جملة العالم فلذلك
حسنت ﴿ما﴾، وما ذكر في هذه الآية من أن هذه الآية ناسخة لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم على
المشركين كلام ضعيف كله، وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ.
قوله تعالى :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَأْكُلُواْالْرّبَوْأَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
وَاتَّقُواْ النَّارَ الَتِىَ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
١٣٢
هذا النهي عن أكل الربا اعتراض أثناء قصة ((أحد))، ولا أحفظ سبباً في ذلك مروياً، والربا الزيادة،
١٣٠

٥٠٧
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٣٣، ١٣٤
وقد تقدم ذكر مثل هذه الآية وأحكام الربا في سورة البقرة، وقوله ﴿أضعافاً﴾ نصب في موضع الحال،
ومعناه: الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدين، فكان الطالب يقول: أتقضي أم تربي؟ وقوله:
﴿مضاعفة﴾ إشارة إلى تكرار التضعيف عاماً بعد عام، كما كانوا يصنعون، فدلت هذه العبارة المؤكدة على
شنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حال التضعيف خاصة، وقد حرم الله جميع أنواع الربا، فهذا هو مفهوم
الخطاب إذ المسكوت عنه من الربا في حكم المذكور، وأيضاً فإن الربا يدخل جميع أنواعه التضعيف
والزيادة على وجوه مختلفة من العين أو من التأخير ونحوه .
و﴿النار﴾ في قوله: ﴿واتقوا النار﴾ هي اسم الجنس، ويحتمل أن تكون للعهد، ثم ذكر أنها ﴿أعدت
للكافرين﴾، أي إنهم هم المقصود والمراد الأول، وقد يدخلها سواهم من العصاة، فشنع أمر النار بذكر
الكفر، وحسن للمؤمن أن يحذرها ويبعد بطاعة الله عنها وهذا كما قال في الجنة: أعدت للمتقين، أي هم
المقصود، وإن كان يدخلها غيرهم من صبي ومجنون ونحوه ممن لا يكلف ولا يوصف بتقوى، هذا مذهب
أهل العلم في هذه الآية، وحكى الماوردي وغيره، عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن أكلة الربا إنما توعدهم الله
بنار الكفرة، إذ النار سبع طبقات، العليا منها وهي جهنم للعصاة، والخمس للكفار والدرك الأسفل
للمنافقين، قالوا: فأكلة الربا إنما يعذبون يوم القيامة بنار الكفرة لا بنار العصاة، وبذلك توعدوا، فالألف
واللام على هذا في قوله ﴿واتقوا النار﴾ إنما هي للعهد.
ثم أمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، والطاعة هي موافقة الأمر الجاري عند المأمور مع مراد الأمر وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير
فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني، وقال محمد بن إسحاق إن هذه الآية من قوله تعالى: ﴿وأطيعوا
الله﴾ هي ابتداء المعاتبة في أمر أحد، وانهزام من فر وزوال الرماة عن مراكزهم.
قوله تعالى :
◌ُسَارِعُواْإِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
(١٣٣
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ
١٣٤
قرأ نافع وابن عامر: ((سارعوا)) بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام، وقرأ
قي السبعة بالواو، قال أبو علي: كلا الأمرين شائع مستقيم، فمن قرأ بالواو فلأنه عطف الجملة على
جملة، ومن ترك الواو فلأن الجملة الثانية ملتبسة بالأولى مستغنية بذلك عن العطف بالواو، وأمال
كسائي الألف من قوله ﴿سارعوا﴾ ومن قوله ﴿يسارعون في الخيرات﴾ [المؤمنون: ٦١] و﴿نسارع لهم
ـ الخيرات﴾ [المؤمنون: ٥٦] في كل ذلك، قال أبو علي: والإمالة هنا حسنة لوقوع الراء المكسورة
بدها، والمسارعة المبادرة وهي مفاعلة، إذ الناس كأن كل واحد يسرع ليصل قبل غيره، فبينهم في ذلك
باعلة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [المائدة: ٤٨] وقوله ﴿إلى مغفرة﴾ معناه: سارعوا

٥٠٨
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٣٣، ١٣٤
١
بالتقوى والطاعة والتقرب إلى ربكم إلى حال يغفر الله لكم فيها، أي يستر ذنوبكم بعفوه عنها وإزالة
حكمها، ويدخلكم جنة، قال أنس بن مالك ومكحول في تفسير ﴿سارعوا إلى مغفرة﴾، معناه: إلى تكبيرة
الإحرام مع الإمام .
قال الفقيه القاضي: هذا مثال حسن يحتذى عليه في كل طاعة، وقوله تعالى: ﴿عرضها السماوات
والأرض﴾ تقديره: كعرض السماوات والأرض، وهذا كقوله تعالى: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس
واحدة﴾ [لقمان: ٢٨] أي كخلق نفس واحدة وبعثها، فجاء هذا الاقتضاب المفهوم الفصيح، ومنه قول
الشاعر: [ذو الخرق الطهوي]: [الوافر]:
حسبتُ بغامَ راحلتي عنّاقا وما هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بِالعِنّاقِ
ومنه قول الآخر:
كأنَّ غَدِيرَهُمْ بِجَنُوبٍ سَلْيٍ نِعَامٌ فَاقَ فِيَ بَلَدٍ قِفَارٍ
التقدير صوت عناق وغدير نعام.
وأما معنى قوله تعالى: ﴿عرضها السماوات والأرض﴾ فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب،
فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تقرن السماوات والأرضون بعضها إلى بعض كما يبسط
الثوب، فذلك عرض الجنة ولا يعلم طولها إلا الله، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن بين
المصراعين من أبواب الجنة مسيرة أربعين سنة، وسيأتي عليها يوم يزدحم الناس فيها كما تزدحم الإيل إذا
وردت خمصاً ظماء وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أن في الجنة شجرة يسير الراكب المجدّ في
ظلها مائة عام لا يقطعها فهذا كله يقوي قول ابن عباس وهو قول الجمهور، إن الجنة أكبر من هذه
المخلوقات المذكورة وهي ممتدة عن السماء حيث شاء الله تعالى، وذلك لا ينكر، فإن في حديث النبي
عليه السلام: ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض، وما
الكرسي في العرش إلا كحلقة في فلاة من الأرض، فهذه مخلوقات أعظم بكثير جداً من السماوات
والأرض، وقدرة الله تعالى أعظم من ذلك كله، وروى يعلى بن أبي مرة قال: لقيت التنوخي رسول هرقل
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص، شيخاً كبيراً قد فند فقال قدمت على النبي عليه السلام،
بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلاً عن يساره فقلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب
هرقل: إنك كتبت إليَّ تدعوني إلى ﴿جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾، فأين النار؟ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟ وروى قيس بن مسلم عن
طارق بن شهاب قال: جاء رجلان من اليهود من نجران إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال
أحدهما: تقولون ﴿جنة عرضها السماوات والأرض﴾، أين تكون النار؟ فقال عمر رضي الله عنه أرأيت النهار
إذا جاء أين يكون الليل؟ والليل إذا جاء أين يكون النهار؟ فقال اليهودي: إنه لمثلها في التوراة فقال له
صاحبه: لم أخبرته؟ دعه إنه بکل موقن.
قال القاضي أبو محمد: فهذه الآثار كلها هي في طريق واحد، من أن قدرة الله تتسع لهذا كله،

٥٠٩
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٣٣، ١٣٤
وخص العرض بالذكر لأنه يدل متى ذكر على الطول، والطول إذا ذكر لا يدل على قدر العرض، بل قد
يكون الطويل يسير العرض كالخيط ونحوه، ومن ذلك قول العرب بلاد عريضة، وفلاة عريضة، وقال قوم:
قوله تعالى: ﴿عرضها السماوات والأرض﴾ معناه: كعرض السماوات والأرض، كما هي طباقاً، لا بأن
تقرن كبسط الثياب، فالجنة في السماء، وعرضها كعرضها وعرض ما وراءها من الأرضين إلى السابعة،
وهذه الدلالة على العظم أغنت عن ذكر الطول، وقال قوم: الكلام جار على مقطع العرب من الاستعارة،
فلما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في غاية قصوى، حسنت العبارة عنها بعرضها السماوات والأرض،
كما تقول لرجل: هذا بحر، ولشخص كبير من الحيوان: هذا جبل، ولم تقصد الآية تحديد العرض.
قال القاضي أبو محمد: وجلب مكي هذا القول غير ملخص، وأدخل حجة عليه قول العرب: أرض
عريضة وليس قولهم، أرض عريضة، مثل قوله: ﴿عرضها السماوات والأرض) إلا في دلالة ذكر العرض
على الطول فقط، وكذلك فعل النقاش وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفارين يوم أحد: لقد
ذهبتم فيها عريضة، وقال ابن فورك: الجنة في السماء، ويزاد فيها يوم القيامة .
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا متعلق المنذر بن سعيد وغيره ممن قال: إن الجنة لم تخلق بعد،
وكذلك النار، وهو قول ضعيف، وجمهور العلماء على أنهما قد خلقتا، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في
قوله، ﴿أعدت للمتقين﴾ و﴿أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١] وغير ذلك، وهو نص في الأحاديث
كحديث الإسراء وغيره، مما يقتضي أن ثم جنة قد خلقت، وأما من يقول: يزاد فيهما فلا ترد عليه
الأحاديث، لكنه يحتاج إلى سند يقطع العذر، و﴿أعدت﴾ معناه: يسرت وانتظروا بها.
ثم وصف تعالى المتقين الذين أعدت لهم الجنة بقوله: ﴿الذين ينفقون﴾ الآية، وظاهر هذه الآية
أنها مدح بفعل المندوب إليه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿في السراء والضراء﴾، معناه: في العسر
واليسر.
قال القاضي: إذ الأغلب أن مع اليسر النشاط وسرور النفس، ومع العسر الكراهية وضر النفس،
وكظم الغيظ رده في الجوف إذا كاد أن يخرج من كثرته، فضبطه ومنعه كظم له، والكظام: السير الذي يشد
به فم الزق والقربة، وكظم البعير جرته: إذا ردها في جوفه، وقد يقال لحبسه الجرة قبل أن يرسلها إلى فيه،
كظم، حكاه الزجّاج، فقال: كظم البعير والناقة إذا لم يجترا ومنه قول الراعي: [الكامل]
فَأَفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بجِرَّةٍ من ذي الأباطح أذرعين حقيلا
و ﴿الغيظ﴾: أصل الغضب، وكثيراً ما يتلازمان، ولذلك فسر بعض الناس ﴿الغيظ﴾ بالغضب ولیس
تحرير الأمر كذلك، بل ﴿الغيظ﴾ فعل النفس لا يظهر على الجوارح، والغضب حال لها معه ظهور في
الجوارح وفعل ما ولا بد، ولهذا جاز إسناد الغضب إلى الله تعالى، إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب
عليهم، ولا يسند إليه تعالى غيظ، وخلط ابن فورك في هذه اللفظة، ووردت في كظم الغيظ وملك النفس
عند الغضب أحاديث، وذلك من أعظم العبادة وجهاد النفس، ومنه قول عليه السلام: ليس الشديد
بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، ومنه قول النبي عليه السلام: ما من جرعة يتجرعها
أ

٥١٠
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٣٥، ١٣٦
العبد خير له وأعظم أجراً من جرعة غيظ في الله، وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: من كظم
غيظاً وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمناً وإيماناً، والعفو عن الناس من أجل ضروب فعل الخير، وهذا
حيث يجوز للإنسان ألا يعفو، وحيث يتجه حقه، وقال أبو العالية: ﴿والعافين عن الناس﴾، يريد المماليك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن على جهة المثال، إذ هم الخدمة، فهم مذنبون كثيراً، والقدرة
عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل، فلذلك مثل هذا المفسر به، وذكر تعالى بعد ذلك أنه ﴿يحب
المحسنين)، فعم هذه الوجوه وسواها من البر، وهذا يدلك على أن الآية في المندوب إليه، ألا ترى إلى
سؤال جبريل عليه السلام، فقال: ما الإيمان؟ ثم قال ما الإسلام؟ فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم
المفروضات، ثم قال له: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، الحديث.
قوله تعالى :
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ
أُوْلَئِكَ جَزَّآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن
١٣٥
الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُ واْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(
زَّبِّهِمْ وَجَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
١٣٦
ذكر الله تعالى في هذه الآية صنفاً دون الصنف الأول، فألحقهم بهم برحمته ومنه، فهؤلاء هم
التوابون، وروي في سبب هاتين الآيتين: أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، كانت بنو إسرائيل أكرم على الله
منا حين كان المذنب منهم يصبح وعقوبته مكتوبة على باب داره، فأنزل الله هذه الآية توسعة ورحمة وعوضاً
من ذلك الفعل ببني إسرائيل، ويروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية، وروى أبو بكر الصديق رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ويصلي ركعتين
ويستغفر إلا غفر له، وقوله ﴿والذين﴾ عطف جملة ناس على جملة أخرى، وليس ﴿الذين﴾ بنعت كرر معه
واو العطف، لأن تلك الطبقة الأولى تنزه عن الوقوع في الفواحش، و((الفاحشة)) هنا صفة لمحذوف أقيمت
الصفة مقامه، التقدير: فعلوا فعلة فاحشة، وهو لفظ یعم جميع المعاصي، وقد کثر اختصاصه بالزنا، حتى
فسر السدي هذه الآية بالزنا، وقال جابر بن عبد الله لما قرأها: زنى القوم ورب الكعبة، وقال إبراهيم
النخعي: الفاحشة من الظلم، والظلم من الفاحشة وقال قوم: الفاحشة في هذه الآية إشارة إلى الكبائر،
وظلم النفس إشارة إلى الصغائر، و﴿ذكروا الله﴾ معناه: بالخوف من عقابه والحياء منه، إذ هو المنعم
المتطول ومن هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رحم الله صهيباً لو لم يخف الله لم يعصه،
و﴿استغفروا﴾ معناه: طلبوا الغفران، واللام معناها: لأجل ((ذنوبهم))، ثم اعترض أثناء الكلام قوله
تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾، اعتراضاً موقفاً للنفس، داعياً إلى الله، مرجياً في عفوه، إذا رجع
إليه، وجاء اسم ﴿الله﴾ مرفوعاً بعد الاستثناء والكلام موجب، حملاً على المعنى، إذ هو بمعنى وما يغفر
الذنوب إلا الله، وقوله تعالى: ﴿ولم يصروا﴾ الإصرار معناه: اعتزام الدوام على الأمر، وترك الإقلاع عنه،
ومنه صر الدنانير: أي الربط عليها، ومنه قول أبي السمال قعنب العدوي: ((علم الله أنها مني صرى)).
:
:
. ..-

٥١١
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٣٧ - ١٤٠
يريد: عزيمة. فالإصرار اعتزام البقاء على الذنب، ومنه قول النبي عليه السلام: لا توبة مع إصرار،
وقال أيضاً: ما أصر من استغفر، واختلفت عبارة المفسرين في الإصرار، فقال قتادة: هو الذي يمضي قدماً
في الذنب لا تنهاه مخافة الله. وقال الحسن: إتيان العبد الذنب هو الإصرار حتى يتوب، وقال مجاهد:
﴿لم يصروا﴾ معناه: لم يمضوا وقال السدي: ((الإصرار)) هو ترك الاستغفار، والسكوت عنه مع الذنب،
وقوله تعالى: ﴿وهم يعلمون﴾ قال السدي: معناه وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا، وقال ابن إسحاق: معناه،
وهم يعلمون بما حرمت عليهم، وقال آخرون: معناه، وهم يعلمون أن باب التوبة مفتوح لهم وقيل:
المعنى، وهم يعلمون أني أعاقب على الإصرار.
ثم شرك تعالى الطائفتين المذكورتين في قوله ﴿أولئك جزاؤهم﴾ الآية، وهذه تؤذن بأن الله تعالى
أوجب على نفسه بهذا الخبر الصادق قبول توبة التائب، وليس يجب عليه تعالى من جهة العقل شيء، بل
هو بحكم الملك لا معقب لأمره، وقوله: ﴿ونعم أجر العاملين﴾ بمنزلة قوله: ونعم الأجر، لأن نعم وبئس
تطلب الأجناس المعرفة أو ما أضيف إليها وليست هذه الآية بمنزلة قوله تعالى: ﴿ساء مثل القوم﴾
[الأعراف: ١٧٧] لأن المثل هنا أضيف إلى معهود لا إلى جنس، فلذلك قدره أبو علي: ساء المثل مثل
القوم، ويحتمل أن يكون مثل القوم مرتفعاً ((بساء)» ولا يضمر شيء.
قوله تعالى :
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُ واْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (®] هَذَا بَيَانٌ
وَلَاتَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُم
لِّلنَّاسِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ !
١٣٨
﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ فَرٌْ فَقَدْ مَسَ اُلْقَوْمَ قَرْعٌ مِّثْلُهُ.
مُؤْمِنِينَ
الخطاب بقوله تعالى: ﴿قد خلت﴾ للمؤمنين، والمعنى: لا يذهب بكم إن ظهر الكفار المكذبون
عليكم بأحد ((فإن العاقبة للمتقين)) وقديماً أدال الله المكذبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيف هلك
المكذبون بعد ذلك، فكذلك تكون عاقبة هؤلاء، وقال النقاش: الخطاب بـ ﴿قد خلت﴾ للكفار.
قال الفقيه القاضي أبو محمد: وذلك قلق، و﴿خلت﴾ معناه: مضت وسلفت، قال الزجّاج: التقدير
أهل سنن، و((السنن)): الطرائق من السير والشرائع والملك والفتن ونحو ذلك، وسنة الإنسان: الشيء
الذي یعمله ویوالیه، ومن ذلك قول خلد الهذلي، لأبي ذؤيب:
فَلاَ تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةِ أَنْتَ سِرْتَها فَأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسيرُها
وقال سليمان بن قتة :
وإنَّ الآلى بالطّفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ تأسَّوْا فَسَنُّوا للكرام التأسِّيَا
وقال لبید :
مِنْ مَعْشَرٍ سَنْتْ لَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإِمَامُهَا

٥١٢
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٣٧ - ١٤٠
وقال ابن زيد: ﴿قد خلت من قبلكم سنن﴾ معناه: أمثال.
قال الفقيه الإمام: هذا تفسير لا يخص اللفظة، وقال تعالى: ﴿فسيروا﴾ وهذا الأمر قد يدرك
بالإخبار دون السير لأن الإخبار إنما يكون ممن سار وعاين، إذ هو مما يدرك بحاسة البصر وعن ذلك ينتقل
خبره، فأحالهم الله تعالى على الوجه الأكمل، وقوله: ﴿فانظروا﴾، هو عند الجمهور من نظر العين، وقال
قوم : هو بالفكر.
وقوله تعالى: ﴿هذا بيان للناس﴾ قال الحسن: الإشارة إلى القرآن، وقال قتادة في تفسير الآية: هو
هذا القرآن جعله الله بياناً للناس عامة وهدى وموعظة للمتقين خاصة، وقال بمثله ابن جريج والربيع.
قال القاضي: كونه بياناً للناس ظاهر، وهو في ذاته أيضاً هدى منصوب وموعظة، لكن من عمي
بالكفر وضل وقسا قلبه لا يحسن أن يضاف إليه القرآن، وتحسن إضافته إلى ((المتقين)) الذين فيهم نفع
وإياهم هدى، وقال ابن إسحاق والطبري وجماعة: الإشارة بـ (هذا) إلى قوله تعالى: ﴿قد خلت من قبلكم
سنن﴾ الآية، قال ابن إسحاق: المعنى هذا تفسير للناس إن قبلوه، قال الشعبي: المعنى، هذا بيان للناس
من العمى .
ثم نهى عز وجل المؤمنين عن الوهن لما أصابهم بأحد، والحزن على من فقد، وعلى مذمة الهزيمة،
وآنسهم بأنهم ﴿الأعلون﴾ أصحاب العاقبة، والوهن: الضعف، واللين والبلى، ومنه: ﴿وهن العظم مني)
[مريم: ٤] ومنه قول زهير: [البسيط]
فَأَصْبَحَ الْحَبْلُ مِنْها واهِناً خلقًا
ومن كرم الخلق ألا يهن الإنسان في حربه وخصامه، ولا يلين إذا كان محقاً، وأن يتقصى جميع
قدرته ولا يضرع ولو مات، وإنما يحسن اللين في السلم والرضى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
((المؤمن هين لين، والمؤمنون هينون لينون)) ومنه قول الشاعر: [المنخل الهذلي]: [المتقارب].
بِوَاءٍ ولا بِضَعِيفٍ قُواه
لَعَمْرُكَ مَا إِنْ أَبُو مالِكٍ
وَمَهْمَا وَكَلْتَ إِلَيْهِ كَفَاه
إذا سُدْتَه سُدْتَ مِطْواعَةٌ
وفي هذا الأسلوب الذي ذكرته يجري قول النابغة: ولا تقعد على ضمد
إلّ لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ
وفيه يجري قول العرب: إذا لم تغلب اخلب، على من تأوله من المخلب، أي حارب ولو بالأظافر،
وهذا هو فعل عبد الله بن طارق وهو من أصحاب عاصم بن عدي حين نزع يده من القرآن وقاتل حتى قتل،
وفعل المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح في يوم بئر معونة، ومن رآه من معنى الخلب والخلابة
الذي هو الخديعة والمكر، فهو رأي دهاة العرب، وليس برأي جمهورها، ومنه فعل عمرو بن سعيد الأشدق
مع عبد الملك بن مروان عند قتله إياه، والأمثلة في ذلك كثيرة، وأيضاً فليس المكر والخديعة بذل محض،
ولذلك رآه بعضهم، وأما قولهم إذا عز أخوك فهن، فالرواية الصحيحة المعنى فيه بكسر الهاء بمعنى: لن
:
:
:

٥١٣
تفسير سورة آل عمران / الآية: ١٤٠
واضعف ضعف المطواع، وأما الرواية بضم الهاء فهي أمر بالهوان، وما أعرف ذلك في شيء من مقاطع
العرب، وأما الشرع فقد قال النبي عليه السلام: لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، ورأيت لعاصم أن المثل
على ضم الهاء إنما هو من الهون الذي هو الرفق، وليس من الهوان، قال منذر بن سعيد: يجب بهذه الآية
أن لا يوادع العدو ما كانت للمسلمين قوة، فإن كانوا في قطر ما على غير ذلك فينظر الإمام لهم بالأصلح،
وقوله تعالى: ﴿وأنتم الأعلون﴾ إخبار بعلو كلمة الإسلام.
هذا قول الجمهور وظاهر اللفظ، وقاله ابن إسحاق: وروي عن ابن عباس وابن جريج: إنما قال الله
لهم ذلك بسبب علوهم في الجبل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انحاز في نفر يسير من
أصحابه إلى الجبل، فبينما هو كذلك إذ علا خالد بن الوليد عليهم الجبل فقال رسول الله عليه السلام:
اللهم لا يعلوننا، ثم قام وقام من معه فقاتل أصحابه وقاتل حينئذ عمر بن الخطاب حتى أزالوا المشركين عن
رأس الجبل، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيه، فأنزل الله تعالى عليه، ﴿ولا تهنوا ولا
تحزنوا وأنتم الأعلون﴾ وقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين) يحتمل أن يتعلق الشرط بقوله ﴿ولا تهنوا ولا
تحزنوا﴾ فيكون المقصد هز النفوس وإقامتها، ويحتمل أن يتعلق بقوله ﴿وأنتم الأعلون﴾ فيكون الشرط
على بابه دون تجوز، ويترتب من ذلك الطعن على من نجم نفاقه في ذلك اليوم، وعلى من تأود إيمانه
واضطرب يقينه، ألا لا يتحصل الوعد إلا بالإيمان، فالزموه.
ثم قال تعالى، تسلية للمؤمنين: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ والأسوة مسلاة
للبشر، ومنه قول الخنساء: [الوافر]
عَلَى إِحْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
ولَوْلاً كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلي
أعزّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتأَسِّي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخي ولكنْ
والسلو بالتأسي هو النفع الذي یجره إلى نفسه الشاهد المحدود، فلذلك ردت شهادته فيما حد فيه
وإن تاب وحسنت حاله، و((القرح)): القتل والجراح، قاله مجاهد والحسن والربيع وقتادة وغيرهم،
والمعنى: إن مسکم في أحد فقد مس کفار قریش ببدر بأیدیکم، وقرأ نافع وابن کثیر وأبو عمرو وابن عامر
وعاصم في رواية حفص: ((قَرْح)) بفتح القاف، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ((قُرْح))
بضم القاف، وكلهم سكن الراء، قال أبو علي: هما لغتان كالضَّعف والضُّعف والكره والكُره، والفتح أولى،
لأنها لغة أهل الحجاز والأخذ بها أوجب لأن القرآن عليها نزل.
قال القاضي أبو محمد: هذه القراءات لا يظن إلا أنها مروية عن النبي عليه السلام: وبجميعها
عارض جبريل عليه السلام مع طول السنين توسعة على هذه الأمة، وتكملة للسبعة الأحرف حسب ما بيناه
في صدر هذا التعليق، وعلى هذا لا يقال: هذه أولى من جهة نزول القرآن بها، وإن رجحت قراءة فبوجه
غير وجه النزول، قال أبو الحسن الأخفش: ((القَرح)) و((القُرح)) مصدران بمعنى واحد، ومن قال القَرح
بالفتح الجراحات بأعيانها، والقُرح بضم القاف ألم الجراحات قبل منه إذا أتى برواية، لأن هذا مما لا يعلم
بقياس، وقال بهذا التفسير الطبري، وقرأ الأعمش ((إن تمسسكم)) بالتاء من فوق، ((قروح)) بالجمع، ((فقد
!

٥١٤ -
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٤٠، ١٤١
مس القوم قرح مثله))، وقرأ محمد بن السميفع اليماني ((قَرَح)) بفتح القاف والراء، قال أبو الفتح: هي لغة
في القرح كالشل والشلل والطرد والطرد. هذا مذهب البصريين، وليس هذا عندهم من تأثير حرف الحلق،
وأنا أميل في هذا إلى قول أصحابنا البغداديين، في أن لحرف الحلق في مثل هذا أثراً معتمداً، وقد سمعت
بعض بني عقيل يقول: نحوه بفتح الحاء، يريد نحوه، ولو كانت الكلمة مبنية على فتح الحاء لأعلت الواو
وكعصاة وفتاة، وسمعت غيره يقول: أنا محموم بفتح الحاء قال ابن جني: ولا قرابة بيني وبين البصريين
ولكنها بيني وبين الحق، والحمد لله.
قوله تعالى :
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِ لُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءُ وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ الظَّلِينَ (١٤) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِینَ
١٤١
أخبر تعالى على جهة التسلية أن ﴿الأيام﴾ على قديم الدهر وغابره أيضاً إنما جعلها دولاً بين البشر،
أي: فلا تنكروا أن يدال عليكم الكفار، وقال تعالى: ﴿نداولها﴾ فهي مفاعلة من جهة واحدة، وإنما ساغ
ذلك لأن المداولة منه تعالى هي بين شيئين، فلما كان ذلك الفريقان يتداولان حسن ذلك، و «الدُّولة)» بضم
الدال المصدر، و((الدَّولة)) بفتح الدال الفعلة الواحدة من ذلك، فلذلك يقال في دولة فلان لأنها مرة في
الدهر، وسمع بعض العرب الأقحاح قارئاً يقرأ هذه الآية، فقال: إنما هو، ((وتلك الأيام نداولها بين
العرب))، فقيل له: إنما هو ((بين الناس)) فقال: إنّا لله، ذهب ملك العرب ورب الكعبة، وقوله تعالى:
﴿وليعلم الله الذين آمنوا) دخلت الواو لتؤذن أن اللام متعلقة بمقدر في آخر الكلام، تقديره: وليعلم الله
الذين آمنوا، فعل ذلك، وقوله تعالى: ﴿وليعلم﴾ معناه: ليظهر في الوجود إيمان الذين قد علم أزلاً أنهم
يؤمنون، وليساوق علمه إيمانهم ووجودهم، وإلا فقد علمهم في الأول، وعلمه تعالى لا يطرأ عليه التغيير
ونحو هذا: أن يضرب حاكم أحداً ثم يبين سبب الضرب ويقول: فعلت هذا التبيين لأضرب مستحقاً،
معناه: ليظهر أن فعلي وافق استحقاقه، وقوله تعالى: ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾، معناه: أهل فوز في سبيله
حسبما ورد في فضائل الشهيد.
ثم أخبر تعالى: أن إدالته الكفار على المؤمنين إنما هي ﴿ليمحص﴾ المؤمنين، وأن إدالة المؤمنين
على الكفار إنما هي لمحق الكفار، هذا مقتضى ألفاظ الآية، وقد قال ابن عباس وغيره: جعل الله الدولة
لرسوله يوم بدر، وعليه يوم أحد وذهب كثير من أهل العلم إلى العبارة عن إدالة المؤمنين بالنصر، وعن إدالة
الكفار بالإدالة، وروي في ذلك عن النبي عليه السلام حديث: إنهم يدالون كما تنصرون، و ((التمحيص)):
التنقية. قال الخليل: التمحيص من العيب يقال: محص الحبل إذا زال عنه بكثرة مره على اليد زئبره
وامّلس هكذا ساق الزجّاج اللفظة ((الحبل)) ورواها النقاش محص الجمل: إذا زال عنه وبره وامّلس، وقال
حنيف الحناتم، وقد ورد ماء يقال له طويلع: إنك لمحص الرشاء، بعيد المستقى، مطل على الأعداء،
فالمعنى: إنه لبعده يلمس حبله بالطين الحر ومد الأيدي، فمعنى الآية: أن الله يمحص المؤمنين إذا أدال

٥١٥
تفسير سورة آل عمران / الآيتان : ١٤٢، ١٤٣
عليهم، بأنه ينقي المتشهدين من ذنوبهم، وينقي الأحياء من منافقهم إذ يميزهم، وأنه ﴿يمحق الكافرين) إذا
نصر عليهم أي ينقصهم والمحق: الذهاب شيئاً شيئاً، ومنه محاق القمر.
قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ اْلصَّبِيِنَ (٢٦) وَلَقَدْ
١٤٣
كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ
:
﴾ هي بمعنى الإضراب عن الكلام الأول والترك له، وفيها لازم معنى الاستفهام، فلذلك قدرها
سيبويه ببل وألف الاستفهام، و﴿حسبتم﴾ معناه ظننتم. وهذه الآية وما بعدها تقريع وعتب لطوائف
المؤمنين الذين وقعت منهم الهفوات المشهورة في يوم واحد، وقوله: ﴿ولما يعلم﴾ نفي مؤكد وهو معادل
لقول القائل: قد كان كذا، فلما أكد هذا الخبر الموجب، بقد، أكد النفي المعادل له بلما، وإذا قال
القائل: كان كذا، فمعادله لم يكن دون تأكيد في الوجهين، قاله سيبويه: وقرأ جمهور الناس: بكسر الميم
للالتقاء في قوله: ﴿ولما يعلم﴾ وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي: ((ولما يعلم)) بفتح الميم إتباعاً
الفتحة اللام، وقرأ الجمهور ((ويعلم)) على النصب بإضمار - أن - عند البصريين، وبواو الصرف عند
الكوفيين وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ: ((ويعلمُ)) بالرفع على استئناف الفعل، وقرأ الحسن بن أبي
الحسن ويحيى بن يعمر وأبو حيوة وعمرو بن عبيد: ((ويعلمِ)) بكسر الميم جزماً معطوفاً على قوله ﴿ولما
یعلم﴾.
ثم خاطب المؤمنين بقوله: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾ والسبب في ذلك أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم خرج في غزوة بدر يريد عير قريش مبادراً فلم يوعب الناس معه، إذ كان الظن أنه لا يلقى
حرباً، فلما قضى الله ببدر ما قضى وفاز حاضروها بالمنزلة الرفيعة، كان المتخلفون من المؤمنين عنها
يتمنون حضور قتال الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم ليكون منهم في ذلك غناء يلحقهم عند ربهم
ونبيهم بمنزلة أهل بدر، ولأنس بن النضر في ذلك كلام محفوظ، فلما جاء أمر أحد - وحضر القتال لم
يصدق كل المؤمنين، فعاتبهم الله بهذه الآية وألزمهم تعالى تمني الموت من حيث تمنوا لقاء الرجال
بالحديد ومضاربتهم به، وهي حال في ضمنها في الأغلب الموت، ولا يتمناها إلا من طابت نفسه بالموت،
فصار الموت كأنه المتمنى، وإلا فنفس قتل المشرك للمسلم لا يجوز أن يتمنى من حيث هو قتل، وإنما
تتمنى لواحقه من الشهادة والتنعيم، وقرأ الجمهور: ((من قبل أن تلقوه))، وقرأ الزهري وإبراهيم النخعي
((من قبل أن تلاقوه)) وهذه والأولى في المعنى سواء من حيث - لقي - معناه يتضمن أنه من اثنين وإن لم يكن
على وزن فاعل، وقرأ مجاهد ((من قبلُ)) بضم اللام وترك الإضافة، وجعل ﴿أن تلقوه﴾ بدلاً من ﴿الموت﴾،
وقوله تعالى: ﴿فقد رأيتموه﴾ يريد رأيتم أسبابه وهي الحرب المشتعلة والرجال بأيديهم السيوف، وهذا كما
قال عمير بن وهب يوم بدر: رأيت البلايا، تحمل المنايا، وكما قال الحارث بن هشام: [الكامل]
وَوَجَدْتُ رِيحَ الْمَوْتِ مِنْ تِلْقَائِهِمْ فِي مَأْزُقٍ وَالْخَيْلُ لَمْ تتبددٍ
1

٥١٦
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٤٤، ١٤٥
يريد لقرب الأمر، ونحو هذا قول عامر بن فهيرة:
لقد رأیت الموت قبل ذوقه
يريد لما اشتد به المرض، وقرأ طلحة بن مصرف ((فلقد رأيتموه))، وقوله تعالى: ﴿وأنتم تنظرون﴾
يحتمل ثلاثة معان: أحدها التأكيد للرؤية وإخراجها من الاشتراك الذي بين رؤية القلب ورؤية العين في
اللفظ، والآخر أن يكون المعنى وأنتم تنظرون في أسباب النجاة والفرار وفي أمر محمد عليه السلام هل قتل
أم لا؟ وذلك كله نقض لما كنتم عاهدتم الله عليه، وحكى مكي عن قوم أنهم قالوا: المعنى: وأنتم تنظرون
إلى محمد، وهذا قول ضعيف، إلا أن ينحى به إلى هذا القول الذي ذكرته أنه النظر في أمره هل قتل؟
والاضطراب بحسب ذلك، والمعنى الثالث أن يكون قد وقفهم على تمنيهم ومعاهدتهم، وعلى أنهم رأوا
ذلك الذي تمنوا، ثم قال على جهة التوبيخ والعتب: ﴿وأنتم تنظرون﴾ في فعلكم الآن بعد انقضاء الحرب هل
وفيتم أم خالفتم؟ كأنه قال: وأنتم حسباء أنفسكم، فتأملوا قبيح فعلكم وفي هذا التوبيخ على هذا الوجه
ضرب جميل من الإبقاء والصون والاستدعاء، قال ابن فورك: المعنى وأنتم تتأملون الحال في ذلك
وتفكرون فيها كيف هي؟ وهذا نحو ما تقدم.
قوله تعالى :
وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَايْنِ مَّاتَ أَوْقُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَّ أَعْقَبِكُمْ وَمَن
يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ فَكَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْرِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ ( وَمَا كَانَ لِنَّفْسِ
أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَاً
هذا استمرار في عتبهم، وإقامة لحجة الله عليهم، المعنى: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول
كسائر الرسل، قد بلغ كما بلغوا، ولزمكم أيها المؤمنون العمل بمضمن الرسالة وليست حياة الرسول وبقاؤه
بين أظهركم شرطاً في ذلك، لأن الرسول يموت كما مات الرسل قبله، و ﴿خلت﴾ معناه مضت وسلفت،
وصارت إلى الخلاء من الأرض. وقرأ جمهور الناس ((الرسل)) بالتعريف، وفي مصحف ابن مسعود
((رسل)) دون تعريف، وهي قراءة حطان بن عبد الله، فوجه الأولى تفخيم ذكر الرسل، والتنويه بهم على
مقتضى حالهم من الله تعالى، ووجه الثانية أنه موضع تيسير لأمر النبي عليه السلام في معنى الحياة، ومكان
تسوية بينه وبين البشر في ذلك، فجيء تنكير ((الرسل)) جارياً في مضمار هذا الاقتصاد به صلى الله عليه
وسلم، وهكذا يفعل في مواضع الاقتصاد بالشيء، فمنه قوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾
[سبأ: ١٣] وقوله تعالى: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ [هود: ٤٠] إلى غير ذلك من الأمثلة، ذكر ذلك أبو
الفتح، والقراءة بتعريف ((الرسل)) أوجه في الكلام، وقوله تعالى: ﴿أفإن مات) الآية، دخلت ألف
الاستفهام على جملة الكلام على الحد الذي یخبر به ملتزمه، لأن أقبح الأحوال أن يقولوا: إن مات محمد
أو قتل انقلبنا، فلما كان فعلهم ينحو هذا المنحى وقفوا على الحد الذي به يقع الإخبار، وقال كثير من
:
:
:

- - ٥١٧
تفسير سورة آل عمران / الآيتان : ١٤٤، ١٤٥
المفسرين: ألف الاستفهام دخلت في غير موضعها، لأن الغرض إنما هو: أتنقلبون على أعقابكم إن مات
محمد؟ فالسؤال إنما هو عن جواب الشرط .
قال الفقيه القاضي أبو محمد: وبذلك النظر الذي قدمته يبين وجه فصاحة دخول الألف على الشرط،
وذلك شبيه بدخول ألف التقريب في قوله: ﴿أو لو كان آباؤهم﴾ [البقرة: ١٧٠، المائدة: ١٠٤] ونحوه من
الكلام، كأنك أدخلت التقرير على ما ألزمت المخاطب أنه يقوله، والانقلاب على العقب يقتضي التولي
عن المنقلب عنه، ثم توعد تعالى المنقلب على عقبه بقوله تعالى: ﴿فلن يضر الله شيئاً﴾ لأن المعنى فإنما
يضر نفسه وإياها يوبق، ثم وعد الشاكرين وهم الذين صدقوا وصبروا ولم ينقلب منهم أحد على عقبيه بل
مضى على دينه قدماً حتى مات، فمنهم سعد بن الربيع وتقضي بذلك وصيته إلى الأنصار، ومنهم أنس بن
النضر، ومنهم الأنصاري الذي ذكر الطبري عنه بسند أنه مر عليه رجل من المهاجرين، والأنصاريّ يتشحط
في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمداً قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فإنه قد بلغ،
فقاتلوا عن دينكم .
1
قال الفقيه أبو محمد: فهؤلاء أصحاب النازلة يومئذ صدق فعلهم قولهم. ثم يدخل في الآية
الشاكرون إلى يوم القيامة، قال ابن إسحاق معنى ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾ أي من أطاعه وعمل بأمره،
وذكر الطبري بسند عن علي بن أبي طالب وذكر غيره: أنه قال في تفسير هذه الآية: ((الشاكرون)): الثابتون
على دينهم، أبو بكر وأصحابه وكان يقول: أبو بكر أمير الشاكرين، وهذه عبارة من علي بن أبي طالب رضي
الله عنه إنما هي إلى صدع أبي بكر رضي الله عنه بهذه الآية في يوم موت النبي عليه السلام وثبوته في ذلك
الموطن، وثبوته في أمر الردة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبض وشاع موته، هاج
المنافقون وتكلموا، وهموا بالاجتماع والمكاشفة، أوقع الله تعالى في نفس عمر رضي الله عنه أن النبي لم
يقبض فقام بخطبته المشهورة المخوفة للمنافقين برجوع النبي عليه السلام، ففت ذلك في أعضاد المنافقين
وتفرقت كلمتهم ثم جاء أبو بكر بعد أن نظر إلى النبي عليه السلام فسمع كلام عمر فقال له: اسكت،
فاستمر عمر في كلامه فتشهد أبو بكر فأصغى الناس إليه، فقال: أما بعد فإنه من كان يعبد الله تعالى، فإن
الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله
الرسل﴾، وتلا الآية كلها، فبكى الناس ولم يبق أحد إلا قرأ الآية كأن الناس ما سمعوها قبل ذلك اليوم،
قالت عائشة رضي الله عنها في البخاري: فنفع الله بخطبة عمر، ثم بخطبة أبي بكر
قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا من المواطن التي ظهر فيها شكر أبي بكر وشكر الناس بسببه .
ثم أخبر تعالى عن النفوس أنها إنما تموت بأجل مكتوب محتوم واحد عند الله تعالى، أي فالجبن لا
يزيد فيه، والشجاعة والإقدام لا تنقص منه، وفي هذه الآية تقوية النفوس للجهاد، قال ابن فورك: وفيها
تسلية في موت النبي عليه السلام، والعبارة بقوله: ﴿وما كان﴾ قد تجيء فيما هو ممكن قريب نحو قول أبي
بكر الصديق رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله، وقد تقع في الممتنع
عقلًا نحو قوله ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ [النمل: ٦٠] فهي عبارة لا صيغة لها ولا تتضمن نهياً كما

٥١٨
تفسير سورة آل عمران / الآيتان : ١٤٥، ١٤٦
يقول بعض المفسرين، وإنما يفهم قدر معناها من قرائن الكلام الذي تجيء العبارة فيه، و «نفس)» في هذه
الآية: اسم الجنس، و((الإذن)) التمكين من الشيء مع العلم بالشيء المأذون فيه، فإن انضاف إلى ذلك
قول فهو الأمر، وقوله: ﴿كتاباً﴾ نصب على التمييز و﴿مؤجلا﴾ صفة. وهذه الآية ردّ على المعتزلة في
قولهم بالأجلين، وأما الانفصال عن تعلقهم بقوله تعالى: ﴿ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ [نوح: ٤] ونحو
هذا من الآيات، فسيجيء في مواضعه إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى :
وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَسَنَجْرِى الشَّكِينَ
ج
وَكَيِّنٍ مِّن نَّبٍِ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيٌِّ فَمَا وَهَنُواْلِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اَلَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا
اُسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ
١٤٦
(١٤٥)
قوله تعالى: ﴿نؤته منها﴾ مشروط بالمشيئة، أي نؤت من شئنا منها ما قدر له، بيّن ذلك قوله تعالى:
﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ [الإسراء: ١٨]، وقرينة الكلام تقتضي أنه لا
يؤتى شيئاً من الآخرة لأن من كانت نيته من عمله مقصورة على طلب الدنيا، فلا نصيب له في الآخرة،
والأعمال بالنيات، وقرينة الكلام في قوله: ﴿ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها﴾ لا تمنع أن يؤتى نصيباً من
الدنيا، وقرأ جمهور الناس ((نؤته ونؤته وسنجزي)). كلها بنون العظمة، وقرأ الأعمش بالياء في الثلاثة،
وذلك على حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه، قال ابن فورك: في قول الله تعالى: ﴿وسنجزي الشاكرين﴾
إشارة إلى أنه ينعمهم بنعيم الدنيا لا أنهم يقصرون على الآخرة.
ثم ضرب تعالى المثل للمؤمنين بمن سلف من صالحي الأمم الذين لم يثنهم عن دينهم قتل الكفار
لأنبيائهم فقال: ﴿وکأين من نبي﴾ الآية، وفي ﴿كأين﴾ أربع لغات: ((کأين)» على وزن كعين بفتح العين،
و ((کاین))، على وزن کاعن و «کاین) على وزن کعین بسکون العین وکان على وزن کعن بكسر العين، وأكثر ما
استعملت العرب في أشعارها التي على وزن كاعن، فمن ذلك قول الشاعر: [الطويل]
يجيءُ أمامَ القومِ يَرْدِي مُقْنَّعَا
وَكَائِنْ رَدَدْنا عَنْكُمُ مِنْ مُدَجِّجٍ.
وقال جرير: [الطويل]
يَرَانِي لَوْ أُصِبْتُ هُوَ الْمُصَابَا
وَكَائِنْ بِالأَبَاطِحِ مِنْ صَدِيقٍ
وقال آخر: [زهير]: [الطويل]:
وَكَائِنْ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِب زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ
وقد جاء في اللغة التي ذكرتها أولاً قول الشاعر: [الوافر]
كَأَيِّنْ فِ المَعَاشِرِ مِنْ أُنَاسٍ أَخُوهُمْ فَوْقَهُمْ وَهُمُ كِرَامُ
:

٥١٩
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٤٥، ١٤٦
وهذه اللغة هي أصل هذه اللفظة، لأنها كاف التشبيه دخلت على ((أي)) كما دخلت على ((ذا)) في
قولك لفلان كذا وكذا، وكما دخلت على ((أن)) في قولك كأن زيداً أسد، لكن بقي لها معنى التشبيه في كأن
وزال عنها ذلك في كذا وكذا، وفي ﴿كأين﴾، وصرفت العرب ﴿كأين) في معنى ((كم)) التي هي للتكثير، وكثر
استعمالهم للفظة حتى لعب فيها لسان العرب على اللغات الأربع التي ذكرت، وهذا كما لعب في قولهم:
لعمري حتى قالوا: وعملي، وكما قالوا: أطيب وأيطب، وكما قالوا: طبيخ في بطيخ، فعوملت الكاف
((وأي)) معاملة ما هو شيء واحد، فأما اعتلال لغة من قال: ((كأين)) على وزن فاعل، فإنهم أخذوا الأصل
الذي هو ((كاين) فقلبوا الياء قبل الهمزة ونقلت حركة كل واحد منهما إلى أختها، فجاء ((کیا)) على وزن كيع،
فحذفوا الياء الثانية المفتوحة تخفيفاً، كما حذفوا الياء من ميت وهين ولين فقالوا: ميت وهين ولين، وكما
حذفوا الياء الثانية من ((أي)) تخفيفاً ومنه قول الفرزدق بن غالب التميمي :
عليَّ من الغيث استهلت مواطره؟
تنظرت نصراً والسماكين أيهما
فجاء ((كيا)) على وزن كيع، فأبدلت هذه الياء الساكنة ألفاً مراعاة للفتحة التي قبلها، كما قالوا: في
يوجل يأجل ، وكما أبدلوا الياء ألفاً في ((طاى)) وكما أبدلت في آية عند سيبويه، إذ أصلها عنده أية على وزن
فعلة بسكون العين، فجاء ((كاء)) ثم كتب هذا التنوين نوناً في المصحف، فأما قياس اللغة فحذفه في
الوقف، فکما يقولون: مررت بزید فكذلك یقولون کأي، ووقف علیه أبو عمرو بياء دون نون، وكذلك روی
سورة بن المبارك عن الكسائي، ووقف سائر القراء بإثبات النون مراعاة لخط المصحف، قال أبو علي : ولو
قيل إنه لما تصرف في الكلمة بالقلب صارت بمنزلة النون التي من نفس الكلمة وصارت بمنزلة لام فاعل
فأقرت في الوقف، لكان قولاً، ويقوي ذلك أنهم لما حذفوا الكلام من قولهم أما لا، جعلوها بالحذف
ككلمة واحدة، فأجازوا الإمالة في ألف ((لا)) كما تجوز في التي من نفس الكلمة في الأسماء والأفعال،
فيوقف على ((كأين)) بالنون ولا يتوقف على النون إذا لم تقلب، كما لا تميل الألف من ((لا)) إذا لم يحذف فعلها.
قال الفقيه أبو محمد: وبهذه اللغة التي فيها هذا القلب قرأ ابن كثير وحده، وقرأ سائر السبعة باللغة
التي هي الأصل ((كأين))، وذهب يونس بن حبيب في ((كأين)) إلى أنه فاعل من الكون، وقوله مردود، إذ
يلزم عنه إعراب الكلمة ولم يعربها أحد من العرب، وأما اللغة التي هي ((كأين)) على وزن كعين فهي قراءة
ابن محيصن والأشهب العقيلي، وتعليل هذه اللغة أنه علل الأصل الذي هو ((كأين)) بالتعليل المتقدم، فلما
جاء ((كيا)) على وزن كيعن، ترك هؤلاء إبدال الياء الساكنة ألفاً كما تقدم في التعليل الأول، وقلبوا الكلمة
فجعلوها ((كأين)) على وزن كعين، وحسن هذا من وجهين: أحدهما أن التلعب والتصرف في هذه الكلمة
مهيع، والثاني أنهم راجعوا الأصل الذي هو تقديم الهمزة على الياء، وأما اللغة التي هي كان على وزن كع
فهي قراءة ابن محيصن أيضاً، حكاها عنه أبو عمرو الداني، وقرأها الحسن بن أبي الحسن، إلا أنه سهل
الهمزة ياء، فقرأ كي في جميع القرآن، وتعليل هذه اللغة أنهم حذفوا الألف من ((كاء)) الممدودة على وزن كاعن بعد
ذلك التصرف كله تخفيفاً، وهذا كما قالوا: أم والله، يريدون: أما، وكما قالوا على لسان الضب [المجتث]:
إلّ عراداً عردًّا
لا أشتهي أنْ أردّا
وصلیاناً
وعنكنا ملتبدًا
بردًا

٥٢٠
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٤٥، ١٤
أرادوا: عارداً وبادراً، فحذفوا تخفيفاً، وهذا كثير في كلامهم، ﴿وكأين﴾ في هذه الآية في موضع
رفع بالابتداء، وهي بمنزلة ((كم)) وبمعناها تعطي في الأغلب التكثير، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: ((قُتِل)»،
بضم القاف وكسر التاء مخففة، وقرأ الباقون ((قاتل معه)) بألف بين القاف والتاء، وقرأ قتادة ((قُتل)) بضم
القاف وكسر التاء مشددة على التكثير، وقوله تعالى: ﴿قتل﴾ قال فيه جماعة من المفسرين منهم الطبري:
إنه مستند إلى ضمير ﴿نبي﴾، والمعنى عندهم أن النبي قتل، قال ابن عباس في قوله: ﴿وما كان النبي أن
يغل﴾ [آل عمران: ١٦١] النبي يقتل، فكيف لا يخان، وإذا كان هذا فـ ﴿ربيون﴾ مرتفع بالظرف بلا خلاف،
وقوله: ﴿معه ربيون﴾ على هذا التأويل يجوز أن يكون صفة لـ ﴿نبي﴾، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي
أسند إليه ﴿قتل﴾ فإن جعلته صفة أضمرت للمبتدأ الذي هو ﴿كأين﴾ خبراً تقديره في آخر الكلام: مضى أو
ذهب أو فقد: ﴿فما وهنوا﴾ وإن جعلت ﴿معه ربيون﴾ حالاً من الضمير فخبر المبتدأ في قوله: ﴿قتل﴾ وإذا
جعلته صفة فالضمير في ﴿معه﴾ عائد على ﴿النبي﴾، وإذا جعلته حالاً فالضمير في ﴿معه﴾ عائد على الضمير
ذي الحال، وعلى كلا الوجهين من الصفة أو الحال فـ ((معه ربيون)) متعلق في الأصل بمحذوف، وليس
متعلقاً بـ ﴿قتل﴾، وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة معه: إن ﴿قتل﴾ إنما هو مستند إلى قوله: ﴿ربيون﴾
وهم المقتولون قال الحسن وسعيد بن جبير: لم يقتل نبي في حرب قط.
قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا القول يتعلق قوله: ﴿معه﴾ بـ (قتل) - وهذه الجملة - ﴿قتل معه
ربيون﴾، هي الابتداء ويتصور في قراءة من قرأ ((قاتل)) جميع ما ذكرته من التقديرات في قراءة ((قتل))، وأما
قراءة قتادة ((قتل)) فقال أبو الفتح: لا يحسن أن يسند الفعل إلا إلى الربيين، لما فيه من معنى التكثير الذي
لا يجوز أن يستعمل في قتل شخص واحد، فإن قيل: يستند إلى نبي مراعاة لمعنى ((كم)) فالجواب أن
اللفظ قد مشى على جهة الإفراد في قوله ﴿من نبي﴾ ودل الضمير المفرد في ﴿معه﴾ على أن المراد إنما
هو التمثيل بواحد واحد، فخرج الكلام على معنى ((كم) قال أبو الفتح : وهذه القراءة تقوي قول من قال من
السبعة: إن ((قتل)) - بتخفيف التاء أو ((قاتل)) إنما يستند إلى الربيين، ورجح الطبري استناد ((قتل)) إلى
((النبي)) بدلالة نازلة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن المؤمنين إنما تخاذلوا لما قيل قتل محمد -
فضرب المثل بنبي قتل.
قال القاضي أبو محمد: وإذا لم يسند الفعل إلى ((نبي)) فإنما يجيء معنى الآية: تثبيت المؤمنين بعد
من قتل منهم فقط، وترجيح الطبري حسن، ويؤيد ذلك ما تقدم من قوله تعالى: ﴿أفإن مات أو قتل﴾
[آل عمران: ١٤٤] وحجة من قرأ ((قاتل)) أنها أعم في المدح لأنه يدخلها فيها من قتل ومن بقي.
قال الفقيه أبو محمد: ويحسن عندي على هذه القراءة إسناد الفعل إلى الربيين، وعلى قراءة ((قتل))
إسناده إلى نبي، وأجمع السبعة وجماعة من الناس على كسر الراء من ((ربيون)) وقرأ علي بن أبي طالب
رضي الله عنه وابن مسعود وابن عباس وعكرمة والحسن وأبو رجاء وعمرو بن عبيد وعطاء بن السائب:
(ُرُبيون)) بضم الراء، وروى قتادة عن ابن عباس ((رَبيون)) بفتح الراء، قال ابن جني: الفتح في الراء لغة
تميم وكلها لغات، واختلف الناس في معنى ﴿ربيون﴾ فقال ابن مسعود: الربيون الألوف من الناس والجمع
الكثير، وقال ابن عباس: ﴿ربيون﴾ جموع كثير، وقاله الحسن وقتادة وعكرمة ولقول عبد الله بن مسعود وابن