Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٧٨، ٧٩ للمسلمين وقوله ﴿وما هو من عند الله﴾ نفي أن يكون منزلاً كما ادعوا، وهو من عند الله بالخلق والاختراع والإيجاد ومنهم بالتكسب ولم تعن الآية إلا لمعنى التنزيل فبطل تعلق القدرية بظاهر قوله، وما هو من عند الله، وقد تقدم نظير قوله تعالى ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾. وقوله تعالى: ﴿ما كان لبشر﴾ معناه لأحد من الناس، والبشر اسم جنس يقع للكثير والواحد ولا مفرد له من لفظه، وهذا الكلام لفظه النفي التام كقول أبي بكر رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يعلم مبلغها من النفي بقرينة الكلام الذي هي فيه، كقوله تعالى: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقوله تعالى: ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ [النحل: ٦٠] فهذا منتف عقلًا، وأما آيتنا هذه فإن النفي على الكمال لأنّا نقطع أن الله تعالى لا يؤتي النبوة للكذبة والمدعين، و﴿الكتاب﴾ في هذه الآية اسم جنس، و﴿الحكم﴾ بمعنى الحكمة، ومنه قول النبي عليه السلام: إن من الشعر لحكماً، و﴿ثم﴾ في قوله تعالى: ﴿ثم يقول﴾ معطية تعظيم الذنب في القول، بعد مهلة من هذا الإنعام، وقوله ﴿عبادآ﴾ هو جمع عبد، ومن جموعه عبيد وعبدی، قال بعض اللغويين، هذه الجموع بمعنى، وقال قوم، العباد لله، والعبيد والعبدى للبشر، وقال قوم: العبدی، إنما تقال في العبيد بني العبيد، وكأنه بناء مبالغة، تقتضي الإغراق في العبودية . قال القاضي أبو محمد: والذي استقريت في لفظة العباد، أنه جمع عبد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير. وتصغير الشأن وانظر قوله تعالى: ﴿والله رؤوف بالعباد﴾ [البقرة: ٢٠٧] [آل عمران: ٣٠] و﴿عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦]﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر: ٥٣] وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض لرحمة الله ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ [المائدة: ١١٨] فنوه بهم، وقال بعض اللغويين: إن نصارى الحيرة وهم عرب لما أطاعوا كسرى ودخلوا تحت أمره سمتهم العرب العباد فلم ينته بهم إلى اسم العبيد، وقال قوم بل هم قوم من العرب من قبائل شتى اجتمعوا وتنصروا وسموا أنفسهم العباد كأنه انتساب إلى عبادة الله، وأما العبيد فيستعمل في تحقير، ومنه قول امرىء القيس: [السريع]. قُولا لِدُوَدان عبيدِ العَصَى مَا غَرَّكُمْ بِالأَسَد الباسلِ ومنه قول حمزة بن عبد المطلب: وهل أنتم إلا عبيد ومنه قول الله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦] لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة انتصارهم ومقدرتهم، وأنه تعالى ليس بظلام لهم مع ذلك، ولما كانت لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك أنس بها في قوله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ [الزمر: ٥٣] قال الإمام أبو محمد: فهذا النوع من النظر يسلك به سبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن العزيز على الطريقة العربية السليمة، ومعنى قوله: ﴿كونوا عباداً لي من دون الله﴾ اعبدوني واجعلُني إلهاً . واختلف المفسرون إلى من هي الإشارة بقوله تعالى: ﴿ما كان لبشر﴾ فقال النقاش وغيره: الإشارة ٤٦٢ تفسير سورة آل عمران/ الآيات: ٧٩ - ٨١ إلى عيسى عليه السلام، والآية رادة على النصارى الذين قالوا: عيسى إله، وادعوا أن عبادته هي شرعة ومستندة إلى أوامره، وقال ابن عباس والربيع وابن جريج وجماعة من المفسرين: بل الإشارة إلى محمد عليه السلام، وسبب نزول الآية، أن أبا رافع القرظي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم، حين اجتمعت الأحبار من يهود والوفد من نصارى نجران: يا محمد إنما تريد أن نعبدك ونتخذك إلهاً كما عبدت النصارى عيسى، فقال الرئيس من نصارى نجران: أو ذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: معاذ الله ما بذلك أمرت، ولا إليه دعوت، فنزلت الآية، في ذلك، قال بعض العلماء: أرادت الأحبار أن تلزم هذا القول محمداً صلى الله عليه وسلم، لما تلا عليهم ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ [آل عمران: ٣١] وإنما معنى الآية، فاتبعوني فيما أدعوكم إليه من طاعة الله، فحرفوها بتأويلهم، وهذا من نوع ليِّهم الكتاب بألسنتهم، وقرأ جمهور القراء ((ثم يقولَ)) بالنصب، وروي شبل عن ابن كثير ومحبوب عن أبي عمرو ((ثم يقولُ)) برفع اللام، وهذا على القطع وإضمار مبتدأ، وقرأ عيسى بن عمر، ((عباداً لي)) بتحريك الياء مفتوحة . قوله تعالی : وَلَكِنْ كُونُواْ رَبِّيِّكِنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٢٦) وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ وَإِذْ أَ خَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّيْنَ ٨٠ اٌلْلَكَةَ وَالنَّبِِّنَ أَرْبَابًا أَيَأْ مُرُكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنْتُ مُسْلِمُونَ لَمَآءَاتَيْتُكُمْ مِن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّجَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، ج وَلَتَنصُرُنَّهُ المعنى ﴿ولكن﴾ يقول: ﴿كونوا ربانيين) وهو جمع رباني، واختلف النحاة في هذه النسبة، فقال قوم: هو منسوب إلى الرب من حيث هو العالم ما علمه، العامل بطاعته، المعلم للناس ما أمر به، وزيدت الألف والنون مبالغة كما قالوا، لحياني وشعراني في النسبة إلى اللحية والشعر، وقال قوم الرباني منسوب إلى الربان وهو معلم الناس، وعالمهم السائس لأمرهم، مأخوذ من رب یرب إذا أصلح وربى، وزيدت فيه هذه النون كما زيدت في غضبان وعطشان، ثم نسب إليه رباني، واختلف العلماء في صفة من يستحق أن يقال له رباني، فقال أبو رزين: الرباني: الحكيم العالم، وقال مجاهد: الرباني الفقيه، وقال قتادة وغيره: الرباني العالم الحليم، وقال ابن عباس: هو الحكيم الفقيه، وقال الضحاك: هو الفقيه العالم، وقال ابن زيد: الرباني والي الأمر، يرب الناس أي يصلحهم، فالربانيون الولاة والأحبار والعلماء، وقال مجاهد: الرباني فوق الحبر لأن الحبر هو العالم والرباني هو الذي جمع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دينهم ودنياهم، وفي البخاري: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. قال الفقيه أبو محمد: فجملة ما يقال في الرباني إنه العالم بالرب والشرع المصيب في التقدير من الأقوال والأفعال التي يحاولها في الناس، وقوله ﴿بما كنتم﴾ معناه: بسبب كونكم عالمين دارسين، فما ٤٦٣ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٧٩ - ٨١ مصدرية، ولا يجوز أن تكون موصولة، لأن العائد الذي كان يلزم لم يكن بد أن يتضمنه: ﴿كنتم تعلمون﴾، ولا يصح شيء من ذلك لأن ((كان)) قد استوفت خبرها ظاهراً، وهو ﴿تعلمون﴾ وكذلك ﴿تعلمون﴾ قد استوفى مفعوله وهو ﴿الكتاب﴾ظاهراً، فلم يبق إلا أن ﴿ما﴾ مصدرية، إذ لا يمكن عائد، و ﴿تعلمون﴾ بمعنى تعرفون، فهي متعدية إلى مفعول واحد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ((تعلمون)» بسكون العين، وتخفيف اللام، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ((تُعلّمون)) مثقلاً، بضم التاء وكسر اللام، وهذا على تعدية الفعل بالتضعيف، والمفعول الثاني على هذه القراءة محذوف، تقديره: تعلمون الناس الكتاب. قال الفقيه الإمام: والقراءتان متقاربتا المعنى، وقد رجحت قراءة التخفيف بتخفيفهم ﴿تدرسون﴾ وبأن العلم هو العلة التي توجب للموفق من الناس أن يكون ربانياً، وليس التعليم شرطاً في ذلك، ورجحت الأخرى بأن التعليم يتضمن العلم، والعلم لا يتضمن التعليم، فتجيء قراءة التثقيل أبلغ في المدح. قال الفقيه الإمام: ومن حيث العالم بحال من يعلم، فالتعليم كأنه في ضمن العلم ، وقراءة التخفيف عندي أرجح، وقرأ مجاهد والحسن ((تَعَلَّمون)) بفتح التاء والعين ، وشد اللام المفتوحة، وقرأ جمهور الناس، ((تدرُسون)) بضم الراء، من درس إذا أدمن قراءة الكتاب وكرره، وقرأ أبو حيوة «تدرسون» بكسر الراء، وهذا على أنه يقال في مضارع درس، يدرُس ويدرِس وروي عن أبي حيوة، أنه قرأ ((تُدرِّسون)» بضم التاء، وكسر الراء وشدها، بمعنى تدرسون غيركم. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: ((ولا يأمرُكم)» برفع الراء، وكان أبو عمرو يختلس حركة الراء تخفيفاً، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة: ((ولا يأمركم نصباً»، ولا خلاف في الراء من قوله: ﴿أيأمركم﴾ إلا اختلاس أبي عامر، فمن رفع قوله: ((ولا يأمرُكم)»، فهو على القطع، قال سيبويه: المعنى ولا يأمركم الله، وقال ابن جريج وغيره: المعنى ولا يأمركم هذا البشر الذي أوتي هذه النعم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي قراءة ابن مسعود: ((ولن يأمركم))، فهذه قراءة تدل على القطع، وأما قراءة من نصب الراء، فهي عطف على قوله: ﴿أن يؤتيه﴾ [آل عمران: ٧٩] والمعنى ولا له أن يأمركم، قاله أبو علي وغيره، وقال الطبري: قوله ﴿ولا يأمركم﴾ بالنصب، معطوف على قوله، ﴿ثم يقول﴾ [آل عمران: ٧٩]. قال الفقيه أبو محمد: وهذا خطأ لا يلتئم به المعنى، والأرباب في هذه الآية وقوله تعالى: ﴿أيأمركم بالكفر﴾ تقرير على هذا المعنى الظاهر فساده. وقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ الآية، المعنى واذكر يا محمد ((إذ)) ويحتمل أن يكون ((أخذ)) هذا الميثاق حين أخرج بني آدم من ظهر آدم نسماً، ويحتمل أن يكون هذا الأخذ على كل نبي في زمنه ووقت بعثه، ثم جمع اللفظ في حكاية الحال في هذه الآية، والمعنى: أن الله تعالى أخذ ميثاق كل نبي بأنه يلتزم هو ومن آمن به، الإيمان بمن أوتي بعده من الرسل ، الظاهرة براهينهم والنصرة له، واختلف ٤٦٤ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٧٩ - ٨١ المفسرون في العبارة عن مقتضى ألفاظ هذه الآية، فقال مجاهد والربيع: إنما أخذ ميثاق أهل الكتاب، لا ميثاق النبيين، وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود: ((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب))، قال مجاهد: هكذا هو القرآن، وإثبات ((النبيين)) خطأ من الكتاب. قال الفقيه الإمام: وهذا لفظ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان رضي الله عنه، وقال ابن عباس رضي الله عنه: إنما ﴿أخذ الله ميثاق النبيين﴾ على قومهم، فهو أخذ لميثاق الجميع، وقال طاوس: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما بعث الله نبياً، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآية، وقاله السدي: وروي عن طاوس أنه قال: صدر الآية أخذ الميثاق على النبيين وقوله: ﴿ثم جاءكم﴾ مخاطبة لأهل الكتاب بأخذ الميثاق عليهم. قال الفقيه الإمام أبو محمد: حكاه الطبري وهو قول يفسده إعراب الآية، وهذه الأقوال كلها ترجع إلى ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس، لأن الأخذ على الأنبياء أخذ على الأمم. وقرأ حمزة وغيره سوى السبعة: ((لما)) بكسر اللام، وهي لام الجر، والتقدير لأجل ما آتيناكم، إذ أنتم القادة والرؤوس، ومن كان بهذه الحال فهو الذي يؤخذ ميثاقه، و((ما)) في هذه القراءة بمعنى الذي الموصولة، والعائد إليها من الصلة تقديره آتيناكموه، و((من)) لبيان الجنس، وقوله، ﴿ثم جاءكم) الآية، جملة معطوفة على الصلة، ولا بد في هذه الجملة من ضمير يعود على الموصول، فتقديره عند سيبويه: رسول به مصدق لما معكم، وحذف تخفيفاً كما حذف الذي في الصلة بعينها لطول الكلام، كما قال تعالى: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولاً﴾ [الفرقان: ٤١] والحذف من الصلات كثير جميل، وأما أبو الحسن الأخفش، فقال قوله تعالى: ﴿لما معكم﴾. هو العائد عنده على الموصول، إذ هو في المعنى بمنزلة الضمير الذي قدر سيبويه ، وكذلك قال الأخفش في قوله تعالى : ﴿إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ [يوسف: ٩٠] لأن المعنى لا يضيع أجرهم، إذ المحسنون هم من يتقي ويصبر، وكذلك قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ [الكهف: ٣٠] وكذلك ما ضارع هذه الآيات، وسيبويه رحمه الله لا يرى أن يضع المظهر موقع المضمر، كما يراه أبو الحسن، واللام في ﴿لتؤْمِننَّ﴾، هي اللام المتعلقة للقسم الذي تضمنه أخذ الميثاق وفصل بين القسم والمقسم عليه بالجار والمجرور وذلك جائز. : وقرأ سائر السبعة: ((لما)) بفتح اللام، وذلك يتخرج على وجهين، أحدهما أن تكون (ما)) موصولة في موضع رفع بالابتداء، واللام لام الابتداء، وهي متلقية لما أجري مجرى القسم من قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق﴾ وخبر الابتداء قوله ﴿لتؤمنن﴾، و﴿لتؤمنن) متعلق بقسم محذوف، والمعنى والله لتؤمنن، هكذا قال أبو علي الفارسي، وفيه من جهة المعنى نظر، إذا تأملت على أي شيء وقع التحليف لكنه متوجه بأن الحلف يقع مرتين تأكيداً فتأمل، والعائد الذي في الصلة، والعائد الذي في الجملة المعطوفة على الصلة هنا في هذه القراءة هما على حد ما ذكرناهما في قراءة حمزة، أما أن هذا التأويل يقتضي عائداً من ٤٦٥ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٧٩ - ٨١ الخبر الذي هو ﴿لتؤمنن﴾ فهو قوله تعالى: ﴿به﴾ فالهاء من ﴿به﴾ عائدة على ((ما)»، ولا يجوز أن تعود على ﴿رسول﴾ فيبقى الموصول حينئذ غير عائد عليه من خبره ذكر، والوجه الثاني الذي تتخرج عليه قراءة القراء ((لما) بفتح اللام، هو أن تكون ((ما)) للجزاء شرطاً، فتكون في موضع نصب بالفعل الذي بعدها وهو مجزوم و﴿جاءكم﴾ معطوف في موضع جزم، واللام الداخلة على ((ما)) ليست المتلقية للقسم، ولكنها الموطئة المؤذنة بمجيء لام القسم، فهي بمنزلة اللام في قوله تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾ [الأحزاب: ٦٠] لأنها مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله، لنغرينك بهم وكذلك هذه مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله: ﴿لتؤمِننَّ﴾ وهذه اللام الداخلة على ((أن)) لا يعتمد القسم عليها، فلذلك جاز حذفها تارة وإثباتها تارة ، كما قال تعالى : ﴿وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾ [المائدة: ٧٣]. قال الزجاج: لأن قولك، والله لئن جتتني لأكرمنك، إنما حلف على فعلك، لأن الشرط معلق به، فلذلك دخلت اللام على الشرط، وما في هذا الوجه من كونها جزاء لا تحتاج إلى عائد لأنها مفعولة والمفعول لا يحتاج إلى ذكر عائد. والضمير في قوله تعالى: ﴿لتؤمِننَّ به﴾ عائد على ﴿رسول﴾، وكذلك هو على قراءة من كسر اللام، وأما الضمير في قوله ﴿وَلَتنصرَه﴾ فلا يحتمل بوجه إلا العود على رسول، قال أبو علي في الإغفال: وجزاء الشرط محذوف بدلالة قوله ﴿لتؤمنن﴾ عليه، قال سيبويه: سألته، يعني الخليل عن قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم) فقال: ((ما)) هنا بمنزلة الذي ودخلتها اللام كما دخلت على إن، حين قلت: لئن فعلت لأفعلن، ثم استمر يفسر وجه الجزاء قال أبو علي: أراد الخليل بقوله: هي بمنزلة الذي، أنها اسم كما أن الذي اسم ولم يرد أنها موصولة كالذي، وإنما فرّ من أن تكون ((ما)» حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله تعالى: ﴿وإن كلًا لما ليوفينهم ربك أعمالهم﴾ [هود: ١١١] وفي قوله ﴿ وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا﴾ [الزخرف: ٣٥]، والله المستعان، وحكى المهدوي ومكي عن سيبويه والخليل: أن خبر الابتداء فيمن جعل ((ما)) ابتداء على قراءة من فتح اللام هو في قوله: ﴿من كتاب وحكمة﴾ ولا أعرف من أين حكياه لأنه مفسد لمعنى الآية لا يليق بسيبويه، والخليل، وإنما الخبر في قوله، ﴿لتؤمنن﴾ كما قال أبو علي الفارسي ومن جرى مجراه كالزجاج وغيره، وقرأ الحسن: ((لما آتيناكم)) بفتح اللام وشدها قال أبو إسحاق: أي لما آتاكم الكتاب والحكمة أخذ الميثاق، وتكون اللام تؤول إلى الجزاء، كما تقول لما جئتني أكرمتك. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويظهر أن ((لما)) هذه هي الظرفية أي لما كنتم بهذه الحال، رؤساء الناس وأماثلهم، أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يؤخذ، فيجيء هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة، وذهب ابن جني في ((لما)) في هذه الآية إلى أن أصلها ((لمن ما))، وزيدت ((من)) في الواجب على مذهب الأخفش، ثم أدغمت، كما يجب في مثل هذا، فجاء لهما، فثقل اجتماع ثلاث ميمات فحذفت الميم الأولى فبقي ((لما))، وتتفسر هذه القراءة على هذا التوجيه المحلق تفسر ((لما)) بفتح الميم مخففة، وقد تقدم، وقرأ نافع وحده، ((آتيناكم)) بالنون، وقرأ الباقون، ((آتيتكم)» بالتاء، و﴿رسول﴾ في هذه الآية اسم جنس، وقال كثير من المفسرين: الإشارة بذلك إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف ابن مسعود: ((مصدقاً)) بالنصب على الحال. ٤٦٦ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٨١ - ٨٣ قوله تعالى : قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُ واْ وَ أَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ [® فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَالِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اُللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَّعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٨٣ هذه الآية هي وصف توقيف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق والتزامهم له وأخذ عهد الله فيه، وذلك يحتمل موطن القسم، ويحتمل أن يراد بهذه العبارة الجامعة وصف ما فعل مع كل نبي في زمنه، ﴿وأخذتم﴾ في هذه الآية عبارة عما تحصل لهم من إيتاء الكتاب والحكمة فمن حيث أخذ عليهم أخذوا هم أيضاً وقال الطبري: ﴿أخذتم﴾ في هذه الآية معناه: قبلتم، و((الإصر»: العهد، لا تفسير له في هذا الموضع إلا لذلك، وقوله تعالى ﴿فاشهدوا﴾ يحتمل معنيين: أحدهما فاشهدوا على أممكم المؤمنين بكم، وعلى أنفسكم بالتزام هذا العهد، هذا قول الطبري وجماعة، والمعنى الثاني، بثوا الأمر عند أممكم واشهدوا به، وشهادة الله تعالى هذا التأويل، وفي التي في قوله ﴿وأنا معكم من الشاهدين﴾ هي إعطاء المعجزات وإقرار نبوءاتهم، هذا قول الزجّاج وغيره. قال القاضي أبو محمد: فتأمل أن القول الأول هو إيداع الشهادة واستحفاظها، والقول الثاني هو الأمر بأدائها، وحكم الله تعالى بالفسق على من تولى من الأمم بعد هذا الميثاق، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره ويحتمل أن يريد بعد الشهادة عند الأمم بهذا الميثاق على أن قوله، ﴿فاشهدوا﴾ أمر بالأداء وقرأ أبو عمرو: ((يَبغون)) بالياء مفتوحة، و ((تُرجعون)) بالتاء مضمومة، وقرأ عاصم، ((يبغون)) و ((يرجعون) بالياء معجمة من تحت فيهما، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، ووجوه هذه القراءات لا تخفى بأدنى تأمل و﴿تبغون﴾ معناه: تطلبون، و﴿أسلم﴾ في هذه الآية بمعنى: استسلم عند جمهور المفسرين، و﴿من﴾ في هذه الآية تعم الملائكة والثقلين، واختلفوا في معنى قوله ﴿طوعاً وكرهاً﴾ فقال مجاهد: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ [الزمر: ٣٨] فالمعنى أن إقرار كل كافر بالصانع هو إسلام کرها . قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا عموم في لفظ الآية، لأنه لا يبقى من لا يسلم على هذا التأويل و ﴿أسلم﴾ فيه بمعنى استسلم، وقال بمثل هذا القول أبو العالية رفيع، وعبارته رحمه الله: كل آدمي فقد أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً، ومن أخلص فهذا الذي أسلم طوعاً، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بل إسلام الكاره منهم کان حين أخذ المیثاق، وروي عن مجاهد أنه قال: الكره في هذه الآية هو بسجود ظل الكافر فيسجد المؤمن طوعاً ويسجد الكافر وهو كاره، وقال الشعبي: الآية عبارة عن استقادة جميع البشر الله وإذعانهم لقدرته وإن نسب بعضهم الألوهية إلى غيره، وذلك هو الذي يسجد كرهاً . قال الفقيه الإمام: وهذا هو قول مجاهد وأبي العالية المتقدم وإن اختلفت العبارات، وقال الحسن بن ٤٦٧ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٨٤، ٨٥ أبي الحسن: معنى الآية: أنه أسلم قوم طوعاً، وأسلم قوم خوف السيف، وقال مطر الوراق: أسلمت الملائكة طوعاً، وكذلك الأنصار وبنو سليم وعبد القيس، وأسلم سائر الناس كرهاً حذر القتال والسيف. قال الفقيه الإمام: وهذا قول الإسلام فيه هو الذي في ضمنه الإيمان، والآية ظاهرها العموم، ومعناها الخصوص، إذ من أهل الأرض من لم يسلم طوعاً ولا كرها على هذا الحد، وقال قتادة: الإسلام كرهاً هو إسلام الكافر عند الموت والمعاينة حيث لا ينفعه. قال الفقيه الإمام: ويلزم على هذا أن كل كافر يفعل ذلك، وهذا غير موجود إلا في أفراد، والمعنى في هذه الآية، يفهم كل ناظر أن هذا القسم الذي هو الكره إنما هو في أهل الأرض خاصة، والتوقيف بقوله ﴿أَفْغَير﴾ إنما هو لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من الأحبار والكفار، وقرأ أبو بكر عن عاصم، (أصري))، بضم الألف وهي لغة. قوله تعالی : : قُلْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أَنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ عَلَىَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاُلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوْتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَاُلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ! ٨٥ المعنى: قل يا محمد أنت وأمتك: ﴿آمنا بالله وما أنزل علينا﴾ وهو القرآن وأمر محمد صلى الله عليه وسلم والإنزال على نبي الأمة إنزال عليها، وقدم إسماعيل لسنة، وسائر الآية بين، ثم حكم تعالى في قوله ﴿ومن يبتغ) الآية بأنه لا يقبل من آدمي ديناً غير دين الإسلام، وهو الذي وافق في معتقداته دين كل من سمي من الأنبياء، وهو الحنيفية السمحة، وقال عكرمة: لما نزلت قال أهل الملل للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون، فقال الله له: فحجهم يا محمد وأنزل عليه ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] فحج المسلمون وقعد الكفار، وأسند الطبري عن ابن عباس أنه قال: نزلت ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر﴾، إلى قوله ﴿ ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٦٢] فأنزل الله بعدها، ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ الآية. قال الفقيه الإمام: فهذه إشارة إلى نسخ، وقوله ﴿في الآخرة﴾ متعلق بمقدر، تقديره خاسر في الآخرة لأن الألف واللام في ﴿الخاسرين﴾ في معنى الموصول، وقال بعض المفسرين: إن قوله ﴿من يبتغ﴾ الآية، نزلت في الحارث بن سويد، ولم يذكر ذلك الطبري . قوله تعالى : كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمَا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُ وَأْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَاءَ هُمُ الْبَيِّنَتُ وَاللَّهُ ﴿ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ اللّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ ٨٦ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ i ٤٦٨ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٨٦ - ٨٩ أَجْمَعِينَ لَّهـ أَخَلِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ يُنْظُرُونَ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ٨٩ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآيات من قوله: ﴿كيف يهدي اشه﴾ نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، كان مسلماً ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ قال: فنزلت ﴿كيف يهدي الله﴾ الآيات، إلى قوله ﴿إلا الذين تابوا﴾ فأرسل إليه قومه فأسلم، وقال مجاهد: حمل الآيات إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال له الحارث: إنك والله لما علمت لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث فأسلم وحسن إسلامه، وقال السدي: نسخ الله تعالى، بقوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾ قوله ﴿أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله﴾ . قال الفقيه أبو محمد: وفي هذه العبارة تجوز كثير، وليس هذا بموضع نسخ، وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في أبي عامر الراهب والحارث بن سويد بن الصامت ووحوح بن الأسلت في اثني عشر رجلاً، رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهليهم هل لنا من توبة؟ فنزلت هذه الآيات وقال ابن عباس أيضاً والحسن بن أبي الحسن: إن هذه الآيات نزلت في اليهود والنصارى، شهدوا بنعت الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، فلما جاء من العرب حسدوه، وكفروا به ورجح الطبري هذا القول، وقال النقاش: نزلت هذه الآيات في طعيمة بن أبيرق. وقال الفقيه القاضي: وكل من ذكر فألفاظ الآية تعممه. وقوله تعالى: ﴿كيف﴾ سؤال عن حال لكنه سؤال توقيف على جهة الاستبعاد للأمر كما قال عليه السلام: كيف تفلح أمة أدمت وجه نبيها؟ فالمعنى أنهم لشدة هذه الجرائم يبعد أن يهديهم الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿وشهدوا﴾ عطف على ﴿كفروا﴾ بحكم اللفظ، والمعنى مفهوم أن الشهادة قبل الكفر، والواو لا ترتب، وقال قوم: معنى قوله ﴿بعد إيمانهم﴾ بعد أن آمنوا، فقوله ﴿وشهدوا﴾ عطف على هذا التقدير، وقوله تعالى ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين) عموم معناه الخصوص فيمن حتم كفره وموافاته عليه، ويحتمل أن يريد الإخبار عن أن الظالم في ظلمه ليس على هدى من الله، فتجيء الآية عامة تامة العموم، و((اللعنة)) الإبعاد وعدم الرحمة والعطف، وذلك مع قرينة الكفر زعيم بتخليدهم في النار، ولعنة الملائكة قول، و﴿الناس): بنو آدم، ويظهر من كلام أبي علي الفارسي في بعض تعاليقه، أن الجن يدخلون في لفظة الناس، وأنشد على ذلك: [الوافر] فقلتُ إلى الطَّعامِ فَقَالَ مِنْهُمْ أُناسٌ يَحْسُدُ الأَتْسَ الطَّعاما قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي يظهر، أن لفظة ﴿الناس﴾ إذا جاءت مطلقة، فإنما هي في كلام العرب بنو آدم لا غير، فإذا جاءت مقيدة بالجن، فذلك على طريقة الاستعارة، إذ هي ! ٤٦٩ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٩١،٩٠ جماعة كجماعة، وكذلك ﴿برجال من الجن﴾ [الجن: ٦] وكذلك ﴿نفر من الجن﴾ [الجن: ١]، ولفظة النفر أقرب إلى الاشتراك من رجال وناس، وقوله تعالى: ﴿من الجنة والناس﴾ [الناس: ٦] قاض بتباين الصنفين، وقوله تعالى: ﴿والناس أجمعين﴾ إما يكون لمعنى الخصوص في المؤمنين ويلعن بعضهم بعضاً، فيجيء من هذا في كل شخص منهم أن لعنة جميع الناس، وإما أن يريد أن هذه اللعنة تقع في الدنيا من جميع الناس على من هذه صفته، وكل من هذه صفته - وقد أغواه الشيطان - يلعن صاحب الصفات ولا يشعر من نفسه أنه متصف بها، فيجيء من هذا أنهم يلعنهم جميع الناس في الدنيا حتى أنهم ليلعنون أنفسهم، لكن على غير تعيين، والضمير في قوله، ﴿خالدين فيها﴾ قال الطبري: يعود على عقوبة الله التي يتضمنها معنى اللعنة، وقال قوم من المفسرين: الضمير عائد على اللعنة. قال الفقيه الإمام أبو محمد: وقرائن الآية تقتضي أن هذه اللعنة مخلدة لهم في جهنم، فالضمير عائد على النار، وإن كان لم يجر لها ذكر، لأن المعنى يفهمها في هذا الموضع كما يفهم قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٢٦] أنها الأرض، وقد قال بعض الخراسانيين في قوله تعالى: ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾ [النازعات: ٤٥] إن االضمير عائد على النار و﴿ينظرون﴾ في هذه الآية، بمعنى يؤخرون، ولا راحة إلا في التخفيف أو التأخير فهما مرتفعان عنهم، ولا يجوز أن يكون ﴿ينظرون﴾ هنا من نظر العين إلا على توجيه غير فصيح لا يليق بكتاب الله تعالى وقوله جل وعز ﴿إلا الذين تابوا﴾ استثناء متصل يبين ذلك قوله تعالى: ﴿من بعد ذلك﴾ التوبة: الرجوع، والإصلاح عام في القول والعمل، وقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ وعد، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((والناس أجمعون)). قوله تعالی : إِنَّالَّذِينَ كَفَرُوْبَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ ٩٠ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِّ: أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَّصِينَ اختلف المتأولون في كيف يترتب كفر بعد إيمان، ثم زيادة كفر، فقال الحسن وقتادة وغيرهما: الآية في اليهود كفروا بعيسى بعد الإيمان بموسى ثم ﴿ازدادوا كفراً﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم. قال الإمام أبو محمد: وفي هذا القول اضطراب، لأن الذي كفر بعيسى بعد الإيمان بموسى ليس بالذي كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فالآية على هذا التأويل تخلط الأسلاف بالمخاطبين، وقال أبو العالية رفيع: الآية في اليهود، كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته وإقرارهم أنها في التوراة، ثم ازدادوا كفراً بالذنوب التي أصابوها في خلاف النبي صلى الله عليه وسلم، من الافتراء والبهت والسعي على الإسلام وغير ذلك. قال الإمام أبو محمد: وعلى هذا الترتيب يدخل في الآية المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم، وقال 1 i ٤٧٠ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٩١،٩٠ مجاهد: معنى قوله ﴿ثم ازدادوا كفراً﴾ أي تموا على كفرهم وبلغوا الموبت به، فيدخل في هذا القول اليهود والمرتدون، وقال السدي نحوه، ثم أخبر تعالى أن توبة هؤلاء لن تقبل، وقد قررت الشريعة أن توبة كل كافر تقبل، سواء كفر بعد إيمان وازداد كفراً، أو كان كافراً من أول أمره، فلا بد في هذه الآية من تخصيص تحمل عليه ويصح به نفي قبول التوبة فقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: نفي قبول توبتهم مختص بوقت الحشرجة والغرغرة والمعاينة، فالمعنى ﴿لن تقبل توبتهم﴾ عند المعاينة، وقال أبو العالية: معنى الآية: لن تقبل توبتهم من تلك الذنوب التي أصابوها مع إقامتهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يقولون في بعض الأحيان: نحن نتوب من هذه الأفعال، وهم مقيمون على كفرهم، فأخبر الله تعالى، أنه لا يقبل تلك التوبة . قال الفقيه الإمام: وتحتمل الآية عندي أن تكون إشارة إلى قوم بأعيانهم من المرتدين ختم الله عليهم بالكفر، وجعل ذلك جزاء لجريمتهم ونكايتهم في الدين، وهم الذين أشار إليهم بقوله ﴿كيف يهدي الله قوماً﴾ [آل عمران: ٨٦] فأخبر عنهم أنهم لا تكون لهم توبة فيتصور قبولها، فتجيء الآية بمنزلة قبول الشاعر: (على لاحب لا يهتدى بمناره) أي قد جعلهم الله من سخطه في حيز من لا تقبل له توبة إذ ليست لهم، فهم لا محالة يموتون علی الكفر، ولذلك بيّن حكم الذين يموتون كفاراً بعقب الآية، فبانت منزلة هؤلاء، فكأنه أخبر عن هؤلاء المعينين، أنهم يموتون كفاراً، ثم أخبر الناس عن حكم من يموت كافراً و ﴿الضالون﴾ المخطئون الطريق القويم في الأقوال والأفعال، وقرأ عكرمة: ((لن نقبل)) بنون العظمة ((توبتهم)) بنصب التاء. وقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار) الآية، جزم للحكم على كل مواف على الكفر إلى يوم القيامة، وقرأ عكرمة: ((فلن نقبل)) بنون العظمة ((ملء الأرض)) بالنصب، و((الملء)) ما شحن به الوعاء، فهو بكسر الميم الاسم وبفتحها المصدر، تقول ملأت الشيء أملؤه مَلْأً والملء اسم ما ملأت به، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو السمال: ((مل)) دون همزة، ورويت عن نافع و﴿ذهباً﴾ نصب على التمييز، وقرأ ابن أبي عبلة: ((ذهباً لو افتدى)) به، دون واو، واختلف الناس في هذه الآية في قوله ﴿ولو افتدى﴾ فقال الطبري : هي متعلقة بمحذوف في آخر الكلام دل عليه دخول الواو، كما دخلت في قوله ﴿وليكون من الموقنين﴾ [الأنعام: ٧٥] لمتروك من الكلام، تقديره وليكون من الموقنين أريناه ملكوت السماوات والأرض. قال الفقيه الإمام: وفي هذا التمثيل نظر فتأمله، وقال الزّجاج: المعنى: لن يقبل من أحدهم إنفاقه وتقرباته في الدنيا ((ولو أنفق ملء الأرض ذهباً ولو افتدى)) أيضاً به في الآخرة لم يقبل منه، قال: فأعلم الله أنه لا يثيبهم على أعمالهم من الخير، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب. قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهذا قول حسن، وقال قوم: الواو زائدة وهذا قول مردود، ويحتمل أن ٤٧١ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٩٣،٩٢ يكون المعنى نفي القبول جملة على كل الوجوه، ثم خص من تلك الوجوه أليقها وأحراها بالقبول، كما تقول: أنا لا أفعل لك کذا بوجه، ولو رغبت إليَّ، وباقي الآية وعید بیّن. قوله تعالى : كُّ الطَّعَامِ لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ وَمَا نُنفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ( ج كَانَ حِلَّ لِّبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَءِ يلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَكَةُ قُلْ فَأْتُواْ ٩٣ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ذهب بعض الناس إلى أن يصل معاني هذه الآيات بعضها ببعض، من حيث أخبر تعالى: أنه لا يقبل من الموافي على الكفر ﴿ملء الأرض ذهباً﴾ [آل عمران: ٩١] وقد بان أنه يقبل من المؤمن القليل والكثير، فحض على الإنفاق من المحبوب المرغوب فيه، ثم ذكر تقرب إسرائيل عليه السلام، بتحريم ما كان يجب على نفسه، ليدل تعالى على أن جميع التقربات تدخل بالمعنى في جملة الإنفاق من المحبوب، وفسر جمهور المفسرين هذه الآيات، على أنها معان منحازة، نظمتها الفصاحة المعجزة أجمل نظم، وقوله تعالى ﴿لن تنالوا) الآية، خطاب لجميع المؤمنين، وقال السدي وعمرو بن ميمون: ﴿البر﴾ الجنة. قال الفقيه الإمام: وهذا تفسير بالمعنى، وإنما الخاص باللفظة أنه ما يفعله البر من أفاعيل الخير، فتحتمل الآية أن يريد: لن تنالوا بر الله تعالى بكم، أي رحمته ولطفه، ويحتمل أن يريد: لن تنالوا درجة الكمال من فعل البر حتى تكونوا أبراراً، إلا بالإنفاق المنضاف إلى سائر أعمالكم، وبسبب نزول هذه الآية، تصدق أبو طلحة بحائطه، المسمى بيرحاء، وتصدق زيد بن حارثة بفرس كان يحبها، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة ابنه، فكأن زيداً شق عليه فقال له النبي: أما إن الله قد قبل صدقتك، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يشتري له جارية من سبي جلولاء وقت فتح مدائن كسرى على يدي سعد بن أبي وقاص فسيقت إليه وأحبها فدعا بها يوماً وقال: إن الله يقول ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ ، فأعتقها. قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا کله حمل للآية على أن قوله تعالى: ﴿مما تحبون﴾ أي من رغائب الأموال التي يضن بها، ويتفسر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: خير الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى - الحديث - وذهب قوم من العلماء إلى أن ما يحب من المطعومات على جهة الاشتهاء يدخل في الآية، فكان عبد الله بن عمر، يشتهي أكل السكر بالوز فكان يشتري ذلك ويتصدق به ويتلو الآية. قال الفقيه الإمام أبو محمد: وإذا تأملت جميع الطاعات، وجدتها إنفاقاً مما يحب الإنسان، إما من ماله، وإما من صحته، وإما من دعته وترفهه، وهذه كلها محبوبات، وسأل رجل أبا ذر الغفاري رضي الله عنه، أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سنام العمل، والصدقة شي عجيب، فقال ٤٧٢ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٩٣،٩٢ له الرجل: أراك تركت شيئاً وهو أوثقها في نفسي الصيام، فقال أبو ذر: قربة وليس هناك، ثم تلا ﴿لن تنالوا البر﴾ الآية، وقوله تعالى ﴿وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم﴾ شرط وجواب فيه وعد، أي عليم مجاز به وإن قل. قوله تعالى: ﴿كل الطعام) الآية، إخبار بمغيب عن محمد صلى الله عليه وسلم وجميع الأميين لا يعلمه إلا الله وعلماء أهل الكتاب، وذهب كثير من المفسرين إلى أن معنى الآية: الرد على اليهود في قولهم في كل ما حرموه على أنفسهم من الأشياء: إنها محرمة عليهم بأمر الله في التوراة، فأكذبهم الله بهذه الآية، وأخبر أن جميع الطعام كان حلاً لهم، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه خاصة، ولم يرد به ولده، فلما استنوا هم به جاءت التوراة بتحريم ذلك عليهم، وليس من التوراة شيء من الزوائد التي يدعون أن الله حرمها، وإلى هذا تنحو ألفاظ السدي، وقال: إن الله تعالى حرم ذلك عليهم في التوراة عقوبة لاستنانهم في تحريم شيء إنما فعله يعقوب خاصة لنفسه، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ [النساء: ١٦٠ ] قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والظاهر في لفظة ظلم أنها مختصة بتحريم ونحوه، يدل على ذلك أن العقوبة وقعت بذلك النوع، وذهب قوم من العلماء إلى أن معنى الآية: الرد على قوم من اليهود قالوا: إن ما نحرمه الآن على أنفسنا من الأشياء التي لم تذكر في التوراة كان علينا حراماً في ملة أبينا إبراهيم، فأكذبهم الله وأخبر أن الطعام كله كان حلالاً لهم قبل التوراة ﴿إلا ما حرم إسرائيل﴾ في خاصته، ثم جاءت التوراة بتحريم ما نصت عليه، وبقيت هذه الزوائد في حيز افترائهم وكذبهم، وإلى هذا تنحو ألفاظ ابن عباس رضي الله عنهما وترجم الطبري في تفسير هذه الآية بتراجم، وأدخل تحتها أقوالاً توافق تراجمه، وحمل ألفاظ الضحاك أن الاستثناء منقطع وكأن المعنى: كل الطعام كان حلاً لهم قبل نزول التوراة وبعد نزولها . قال الفقيه الإمام أبو محمد: فيرجع المعنى إلى القول الأول الذي حكيناه، وحمل الطبري قول الضحاك إن معناه: لكن إسرائيل حرم على نفسه خاصة ولم يحرم الله على بني إسرائيل في توراة ولا غيرها . قال الفقيه الإمام: وهذا تحميل يرد عليه قوله تعالى: ﴿حرمنا عليهم﴾ [الأنعام: ١٤٦] وقوله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليهم الشحوم إلى غير ذلك من الشواهد، وقوله تعالى: ﴿حِلّاً﴾ معناه: حلالاً، و﴿إسرائيل﴾ هو يعقوب، وانتزع من هذه الآية أن للأنبياء أن يحرموا باجتهادهم على أنفسهم ما اقتضاه النظر لمصلحة أو قربة أو زهد، ومن هذا على جهة المصلحة تحريم النبي صلى الله عليه وسلم جاريته، فعاتبه الله تعالى في ذلك ولم يعاتب يعقوب، فقيل: إن ذلك لحق آدمي ترتب في نازلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: إن هذا تحريم تقرب وزهد، وتحريم الجارية تحريم غضب ومصلحة نفوس، واختلف الناس في الشيء الذي حرمه يعقوب على نفسه فقال يوسف بن ماهك: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال له: إنه جعل امرأته عليه حراماً، فقال ابن عباس: إنها ليست عليك بحرام، فقال الأعرابي: ولم؟ ٤٧٣ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٩٤ - ٩٦ والله تعالى يقول في كتابه ﴿إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ فضحك ابن عباس وقال: وما يدريك ما حرم إسرائيل؟ ثم أقبل على القوم يحدثهم، فقال: إن إسرائيل عرضت له الأنساء فأضنته فجعل الله أن شفاه من ذلك أن لا يطعم عرقاً، قال: فلذلك اليهود تنزع العروق من اللحم، وقال بمثل هذا القول قتادة وأبو مجلز وغيرهم، وقال ابن عباس والحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن كثير ومجاهد أيضاً: إن الذي حرم إسرائيل هو لحوم الإبل وألبانها، ولم يختلف فيما علمت أن سبب التحريم هو بمرض أصابه، فجعل تحريم ذلك شكراً لله تعالى إن شفي، وقيل: هو وجع عرق النسا، وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عصابة من بني إسرائيل قالوا له: يا محمد ما الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ فقال لهم: أنشدكم بالله هل تعلمون أن يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه منه فنذر الله نذراً إن عافاه الله من سقمه ليحرمنَّ أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وألبانها؟ قالوا: اللهم نعم، وظاهر الأحاديث والتفاسير في هذه الأمر أن يعقوب عليه السلام حرم لحوم الإبل وألبانها، وهو يحبها، تقرباً إلى الله بذلك، إذ ترك الترفه والتنعم من القرب، وهذا هو الزهد في الدنيا، وإليه نحا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله : إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر ومن ذلك قول أبي حازم الزاهد، وقد مر بسوق الفاكهة فرأى محاسنها فقال: موعدك الجنة إن شاء الله، وحرم يعقوب عليه السلام أيضاً العروق، لكن بغضة لها لما كان امتحن بها، وهذا شيء يعتري نفوس البشر في غير ما شيء وليس في تحريم العروق قربة فيما يظهر، والله أعلم، وقد روي عن ابن عباس: أن يعقوب حرم العروق ولحوم الإبل، وأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالإتيان بالتوراة، حتى يبين منها كيف الأمر، المعنى: فإنه أيها اليهود، كما أنزل الله عليَّ لا كما تدعون أنتم، قال الزجّاج: وفي هذا تعجيز لهم وإقامة الحجة عليهم، وهي كقصة المباهلة مع نصارى نجران . قوله تعالى : فَمَنِ اُفْتَرَىُ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّالِمُونَ ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَى إِبَهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٩٥ ١٦ لِلْعَلَمِينَ قوله: ﴿فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك﴾ تحتمل الإشارة - بذلك - أن تكون إلى ثلاثة أشياء: أحدها: أن تكون إلى التلاوة إذ مضمنها بيان المذهب وقيام الحجة، أي فمن كذب منا على الله تعالى أو نسب إلى كتب الله ما ليس فيها فهو ظالم واضع الشيء غير موضعه، والآخر: أن تكون الإشارة إلى استقرار التحريم في التوراة، لأن معنى الآية: ﴿كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ [آل عمران: ٩٣]، ثم حرمته التوراة عليهم عقوبة لهم، ﴿فمن افترى على الله الكذب﴾، وزاد في المحرمات فهو الظالم، والثالث: أن تكون الإشارة إلى الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه، وقبل نزول التوراة، أي من تسنن بيعقوب وشرع ذلك دون إذن من الله، ومن حرم شيئاً ونسبه إلى ملة إبراهيم فهو ٤٧٤ تفسير سورة آلعمران / الآيات: ٩٤ - ٩٦ الظالم، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير، قوله تعالى ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾. [النساء: ١٦٠] فنص على أنه كان لهم ظلم في معنى التحليل والتحريم، وكانوا يشددون فشدد الله عليهم، كما فعلوا في أمر البقرة، وبخلاف هذه السيرة جاء الإسلام في قوله صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا، وقوله: دين الله يسر وقوله: بعثت بالحنيفية، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يصدع بالخلاف والجدال مع الأحبار بقوله ﴿قل صدق الله﴾ أي الأمر كما وصف لا كما تكذبون أنتم، فإن كنتم تعتزون بإبراهيم فاتبعوا ملته على ما ذكر الله، وقرأ أبان بن تغلب: ((قل صدق))، بإدغام اللام في الصاد، وكذلك: قل سيروا، قرأها بإدغام اللام في السين، قال أبو الفتح: علة جواز ذلك فشو هذين الحرفين في الفم وانتشار الصدى المنبث عنهما فقاربا بذلك مخرج اللام، فجاز إدغامهما فيهما، وقرأ جمهور الناس: ((وُضع)). على بناء الفعل للمفعول على معنى وضعه الله، فالآية على هذا ابتداء معنى منقطع من الكلام الأول، وقرأ عكرمة، ((وَضع)) بفتح الواو والضاد، فيحتمل أن يريد: وضع الله، فيكون المعنى منقطعاً كما هو في قراءة الجمهور، ويحتمل أن یرید وضع إبراهيم عليه السلام، فيكون المعنى متصلاً بالذي قبله، وتكون هذه الآية استدعاء لهم إلى ملته، في الحج وغيره على ما روى عكرمة: أنه لما نزلت ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً﴾ الآية، قال اليهود: نحن على الإسلام فقرئت، ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] قيل له: أحجهم يا محمد، إن كانوا على ملة إبراهيم التي هي الإسلام. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا التأويل ما قال أبو ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: کم بينهما؟ قال أربعون سنة، فيظهر من هذا أنهما من وضع إبراهيم جميعاً، ويضعف ما قال الزجّاج: من أن بيت المقدس من بناء سليمان بن داود، اللهم إلا أن يكون جدده، وأين مدة سليمان من مدة إبراهيم؟ ولا مرية في أن إبراهيم وضع بيت مكة، وإنما الخلاف هل وضع بدأة أو وضع تجديد؟ واختلف المفسرون في معنى هذه الأولية التي في قوله: ﴿إن أول﴾ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: معنى الآية أن أول بيت وضع مباركاً وهدى هذا البيت الذي بيكة وقد كانت قبله بيوت لم توضع وضعه من البركة والهدى، وقال قوم: بل هو أول بيت خلق الله تعالى ومن تحته دحيت الأرض. قال الفقيه القاضي أبو محمد: ورويت في هذا أقاصيص من نزول آدم به من الجنة ومن تحديد ما بين خلقه ودحو الأرض، ونحو ما قال الزجّاج: من أنه البيت المعمور أسانيدها ضعاف فلذلك تركتها، وعلى هذا القول يجيء رفع إبراهيم القواعد تجديداً، قال قتادة: ذكر لنا أن البيت أهبط مع آدم ورفع وقت الطوفان، واختلف الناس في ﴿بكة﴾، فقال الضحاك وجماعة من العلماء: ((بكة)) هي مكة، فكأن هذا من إبدال الباء بالميم، على لغة مازن وغيرهم، وقال ابن جبير وابن شهاب وجماعة كثيرة من العلماء مكة الحرم كله، و((بكة)) مزدحم الناس حيث يتباكون، وهو المسجد وما حول البيت، وقال مالك في سماع ابن القاسم من العتبية: ((بكة)) موضع البيت، ومكة غيره من المواضع، قال ابن القاسم: يريد القرية، قال الطبري: ما خرج عن موضع الطواف فهو مكة لا بكة، وقال قوم: ((بكة))، ما بين الجبلين ومكة، الحرم كله، و﴿مباركاً﴾ نصب على الحال، والعامل فيه على قول علي بن أبي طالب إنه أول بيت وضع بهذه الحال، ٤٧٥ تفسير سورة آل عمران / الآية: ٩٧ قوله: ﴿وضع﴾ والعامل فيه على القول الآخر الفعل الذي تتعلق به باء الجر في قوله ﴿بيكة﴾ تقديره: استقر بيكة مباركاً، وفي وصف البيت بـ ﴿هدى﴾ مجازية بليغة، لأنه مقوم مصلح، فهو مرشد، وفيه إرشاد، فجاء قوله، ﴿وهدى﴾ بمعنى وذا هدى، ويحتمل أن يكون ﴿هدى﴾ في هذه الآية، بمعنى الدعاء، أي من حيث دعي العالمون إليه. قوله تعالى : فِيهِ ءَايَتُ بَيِنَكُ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمٌ وَمَن دَخَلَمُ كَانَ ءَامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ٩٧ الضمير في قوله: ﴿فيه﴾ عائد على البيت، وساغ ذلك مع كون ((الآيات)) خارجة عنه لأن البيت إنما وضع بحرمه وجميع فضائله، فهي فيه وإن لم تكن داخل جدرانه، وقرأ جمهور الناس: ((آيات بينات)) بالجمع، وقرأ أبي بن كعب وعمر وابن عباس: ((آية بينة)) على الإفراد، قال الطبري: يريد علامة واحدة المقام وحده، وحکي ذلك عن مجاهد. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يراد بالآية اسم الجنس فيقرب من معنى القراءة الأولى، واختلف عبارة المفسرين عن ((الآيات البينات)) فقال ابن عباس: من الآيات المقام، يريد الحجر المعروف والمشعر وغير ذلك. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا يدل على أن قراءته ((آية)) بالإفراد إنما يراد بها اسم الجنس، وقال الحسن بن أبي الحسن: ((الآيات البينات)) مقام إبراهيم، وإن من دخله كان آمناً، وقال مجاهد: المقام الآية، وقوله: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ كلام آخر. قال القاضي أبو محمد: فرفع ﴿مقام﴾ على قول الحسن ومجاهد على البدل من ﴿آيات﴾، أو على خبر ابتداء تقديره هن مقام إبراهيم، وعلى قول ابن عباس ومن نحا نحوه: هو مرتفع بالابتداء وخبره محذوف مقدم تقديره: منهن ﴿مقام إبراهيم﴾ . قال القاضي: والمترجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا مثالاً مما في حرم الله من الآيات، وخص بالذكر لعظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم، ومن آيات الحرم والبيت التي تقوم بها الحجة على الكفار أمر الفيل، ورمي طير الله عنه بحجارة السجيل، وذلك أمر لم تختلف كافة العرب في نقله وصحته إلى أن أنزله الله في كتابه، ومن آياته كف الجبابرة عنه على وجه الدهر، ومن آياته الحجر الأسود، وما روي فيه أنه من الجنة وما أشربت قلوب العالم من تعظيمه قبل الإسلام، ومن آياته حجر المقام، وذلك أنه قام عليه إبراهيم عليه السلام، وقت رفعه القواعد من البيت، لما طال له البناء فكلما علا الجدار، ارتفع الحجر به في الهواء، فما زال يبني وهو قائم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة والطين حتى أكمل الجدار، ثم إن الله تعالى، لما أراد إبقاء ذلك آية للعالمين لين الحجر، فغرقت فيه قدما إبراهيم عليه السلام كأنها في طين، فذلك الأثر العظيم باق في الحجر إلى اليوم، وقد نقلت كافة العرب ذلك في الجاهلية على مرور الأعصار، وقال أبو طالب: [الطويل] i ٤٧٦ تفسير سورة آل عمران / الآية: ٩٧ وَمَوْطِىءُ إبراهيمَ فِي الصَّخرِ رْبَةٌ على قَدَمِيهِ حافياً غيرَ ناعِلِ فما حفظ أن أحداً من الناس نازع في هذا القول، ومن آياته البيناتُ زمزم في نبعها لهاجر بهمز جبريل عليه السلام الأرض بعقبه، وفي حفر عبد المطلب لها آخراً بعد دثورها بتلك الرؤيا المشهورة، وبما نبع من الماء تحت خف ناقته في سفره، إلى منافرة قریش ومخاصمتها في أمر زمزم، ذكر ذلك ابن إسحاق مستوعباً، ومن آيات البيت نفع ماء زمزم لما شرب له، وأنه يعظم ماؤها في الموسم، ويكثر كثرة خارقة للعادة في الآبار، ومن آياته، الأمنة الثابتة فيه على قديم الدهر، وأن العرب كانت تغير بعضها على بعض ويتخطف الناس بالقتل، وأخذ الأموال وأنواع الظلم إلا في الحرم، وتركب على هذا أمن الحيوان فيه، وسلامة الشجر، وذلك كله للبركة التي خصه الله بها، والدعوة من الخليل عليه السلام في قوله، اجعل هذا بلداً آمناً، وإذعان نفوس العرب وغيرهم قاطبة لتوفير هذه البقعة دون ناه، ولا زاجر، آية عظمى تقوم بها الحجة، وهي التي فسرت بقوله تعالى: ﴿ومن دخله کان آمناً﴾ ومن آياته کونه بواد غير ذي زرع، والأرزاق من كل قطر تجيء إليه عن قرب وعن بعد، ومن آياته، ما ذكر ابن القاسم العتقي رحمه الله، قال في النوادر وغيرها: سمعت أن الحرم يعرف بأن لا يجيء سيل من الحل فيدخل الحرم. قال القاضي أبو محمد: هذا والله أعلم، لأن الله تعالی جعله ربوة أو في حكمها لیکون أصون له، والحرم فيما حكى ابن أبي زيد في الحج الثاني من النوادر. مما يلي المدينة نحو من أربعة أميال إلى منتهى التنعيم، ومما يلي العراق نحو من ثمانية أميال إلى مكان يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة أميال، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال، إلى موضع يقال له أضاة، ومما يلي جدة عشرة أميال إلى منتهى الحديبية، قال مالك في العتبية: والحديبية في الحرم، ومن آياته فيما ذكر مكي وغيره، أن الطير لا تعلوه، وإن علاه طائر فإنما ذلك لمرض به، فهو يستشفي بالبيت، وهذا كله عندي ضعيف، والطير تعاين تعلوه، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره، وتلك كانت من آياته ومن آياته فيما ذكر الناس قديماً وحديثاً، أنه إذا عمه المطر من جوانبه الأربعة في العام الواحد، أخصبت آفاق الأرض، وإن لم يصب جانباً منه لم يخصب ذلك الأفق الذي يليه ذلك العام، واختلف الناس في ﴿مقام إبراهيم﴾، فقال الجمهور: هو الحجر المعروف، وقال قوم: البيت كله مقام إبراهيم لأنه بناه وقام في جميع أقطاره، وقال قوم من العلماء مكة كلها مقام إبراهيم، وقال قوم: الحرم كله مقام إبراهيم، والضمير في قوله، ﴿ومن دخله﴾ عائد على الحرم في قول من قال: مقام إبراهيم هو الحرم، وعائد على البيت في قول الجمهور، إذ لم يتقدم ذكر الغيره، إلا أن المعنى يفهم منه أن من دخل الحرم فهو في الأمن، إذ الحرم جزء من البيت، إذ هو بسببه ولحرمته . واختلف الناس في معنى قوله ﴿كان آمناً﴾ فقال الحسن وقتادة وعطاء ومجاهد وغيرهم: هذه وصف حال كانت في الجاهلية أن الذي يجر جريرة ثم يدخل الحرم، فإنه كان لا يتناول ولا يطلب فأما في الإسلام وأمن جميع الأقطار، فإن الحرم لا يمنع من حد من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى رجم، ومن قتل قتل، واستحسن كثير ممن قال هذا القول أن يخرج من وجب عليه القتل إلى الحل فيقتل ٤٧٧ تفسير سورة آل عمران / الآية : ٩٧ هنالك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من أحدث حدثاً ثم استجار بالبيت فهو آمن، وإن الأمن في الإسلام كما كان في الجاهلية، والإسلام زاد البيت شرفاً وتوقيراً، فلا يعرض أحد بمكة لقاتل وليه، إلا أنه يجب على المسلمين ألا يبايعوا ذلك الجاني ولا يكلموه ولا يؤوه حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام عليه الحد، وقال بمثل هذا عبيد بن عمير والشعبي وعطاء بن أبي رباح والسدي وغيرهم، إلا أن أكثرهم قالوا هذا فيمن يقتل خارج الحرم ثم يعوذ بالحرم، فأما من يقتل في الحرم، فإنه يقام عليه الحد في الحرم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وإذا تؤمل أمر هذا الذي لا يكلم ولا يبايع، فليس بآمن، وقال يحيى بن جعدة: معنى الآية ومن دخل البيت كان آمناً من النار، وحكى النقاش عن بعض العباد قال: كنت أطوف حول الكعبة ليلاً فقلت: يا رب إنك قلت: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾، فمن ماذا هو آمن يا رب؟ فسمعت مكلما يكلمني وهو يقول: من النار، فنظرت وتأملت فما كان في المكان أحد. وقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ الآية، هو فرض الحج في كتاب الله بإجماع، وقال مالك رحمه الله: الحج كله في كتاب الله، فأما الصلاة والزكاة فهي من جملة الذي فسره النبي عليه السلام، والحج من دعائم الإسلام التي بني عليها حسب الحديث، وشروط وجوبه خمسة، البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، واستطاعة السبيل، والحج في اللغة: القصد لكنه في بيت الله مخصص بأعمال وأقوال، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ((حج البيت)) بكسر الحاء، وقرأ الباقون: ((حَج البيت)) بفتحها، قال سيبويه: حج حجاً مثل ذكر ذكراً، قال أبو علي: فحج على هذا مصدر، وقال سيبويه أيضاً: قالوا غزاة فأرادوا عمل وجه واحد، كما قيل حجة. قال القاضي: بكسر الحاء يريدون عمل سنة واحدة، ولم يجيئوا به على الأصل لكنه اسم له، قال أبو علي: قوله لم يجيئوا به على الأصل يريد على الفتح الذي هو الدفعة من الفعل، ولكن كسروه فجعلوه اسماً لهذا المعنى، كما أن غزاة كذلك، ولم تجىء فيه الغزوة وكان القياس. قال القاضي: وأكثر ما التزم كسر الحاء في قولهم ذو الحجة، وأما قولهم حجة الوداع ونحوه فإنها على الأصل، وقال الزجّاج وغيره، ((الحَج)): بفتح الحاء المصدر، ويكسرها اسم العمل، وقال الطبري: هما لغتان الكسر لغة نجد، والفتح لغة أهل العالية . وقوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾،﴿من﴾ في موضع خفض بدل من ﴿الناس﴾، وهو بدل البعض من الكل وقال الكسائي وغيره: هي شرط في موضع رفع بالابتداء، والجواب محذوف تقديره: من استطاع فعليه الحج، ويدل عليه عطف الشرط الآخر بعده في قوله: ﴿ومن كفر﴾، وقال بعض البصريين: ﴿من) رفع على أنه فاعل بالمصدر الذي هو﴿حج البيت﴾ ويكون المصدر مضافاً إلى المفعول، واختلف الناس في حال مستطيع السبيل كيف هي؟ فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير: هي حال الذي يجد زاداً وراحلة، وروى الطبري عن الحسن من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال له رجل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة، وأسند الطبري إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ملك زاداً وراحلة ٤٧٨٠ تفسير سورة آل عمران / الآية: ٩٧ فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وروى عبد الرزاق وسفيان عن إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر قال: قام رجل إلى النبي عليه السلام، فقال: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة . قال القاضي: وضعّف قوم هذا الحديث، لأن إبراهيم بن یزید الخوزي تكلم فيه ابن معين وغيره، والحديث مستغن عن طريق إبراهيم، وقال بعض البغداديين: هذا الحديث مشير إلى أن الحج لا يجب مشياً. : قال القاضي: والذي أقول: إن هذا الحديث إنما خرج على الغالب من أحوال الناس وهو البعد عن مكة واستصعاب المشي على القدم كثيراً، فأما القريب الدار فلا يدخل في الحديث، لأن القرب أغناه عن زاد وراحلة، وأما الذي يستطيع المشي من الأقطار البعيدة، فالراحلة عنده بالمعنى والقوة التي وهب، وقد ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يأتوك رجالاً﴾ [الحج: ٢٧] وكذلك أيضاً معنى الحديث: الزاد والراحلة لمن لم يكن له عذر في بدنه، من مرض أو خوف على أقسامه أو استحقاق بأجرة أو دين وهو يحاول الأداء ويطمع فيه بتصرفه في مال بين يديه، وأما العديم فله أن يحج إذا تكلف واستطاع، فمقصد الحديث: أن يتحدد موضع الوجوب على البعيد الدار، وأما المشاة وأصحاب الأعذار فكثير منهم من يتكلف السفر، وإن كان الحج غير واجب عليه، ثم يؤديه ذلك التكلف إلى موضع يجب فيه الحج عليه، وهذه مبالغة في طلب الأجر ونيله إن شاء الله تعالى، وذهبت فرقة من العلماء إلى قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ كلام عام لا يتفسر بزاد وراحلة ولا غير ذلك، بل إذا كان مستطيعاً غير شاق على نفسه فقد وجب عليه الحج، قال ذلك ابن الزبير والضحاك، وقال الحسن: من وجد شيئاً يبلغه فقد استطاع إليه سبيلاً، وقال عكرمة: استطاعة السبيل الصحة، وقال ابن عباس: من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل إليه، وقال مالك بن أنس رضي الله عنه، في سماع أشهب من العتبية، وفي كتاب محمد، وقد قيل له: أتقول إن السبيل الزاد والراحلة؟ فقال: لا والله، قد يجد زاداً وراحلة ولا يقدر على مسير، وآخر يقدر أن يمشي راجلًا، وربَّ صغير أجلد من كبير فلا صفة في هذا أبين مما قال الله تعالى. قال القاضي : : وهذا أنبل كلام، وجميع ما حكي عن العلماء لا يخالف بعضه بعضاً، الزاد والراحلة على الأغلب من أمر الناس في البعد، وأنهم أصحاء غير مستطيعين للمشي على الأقدام، والاستطاعة - متى تحصلت - عامة في ذلك وغيره، فإذا فرضنا رجلاً مستطيعاً للسفر ماشياً معتاداً لذلك، وهو ممن يسأل الناس في إقامته ويعيش من خدمتهم وسؤالهم ووجد صحابة، فالحج عليه واجب دون زاد ولا راحلة، وهذه من الأمور التي يتصرف فيها فقه الحال، وكان الشافعي يقول: الاستطاعة على وجهين: بنفسه أولاً، فمن منعه مرض أو عذر وله مال فعليه أن يجعل من يحج عنه وهو مستطيع لذلك . واختلف الناس هل وجوب الحج على الفور أو على التراخي؟ على قولين، ولمالك رحمه الله مسائل تقتضي القولين، قال في المجموعة فيمن أراد الحج ومنعه أبواه: لا يعجل عليهما في حجة الفريضة وليستأذنهما العام والعامين، فهذا على التراخي، وقال في كتاب ابن الموان: لا يحج أحد إلا بإذن أبويه إلا ٤٧٩ تفسير سورة آل عمران / الآية : ٩٧ الفريضة، فليخرج وليدعهما، فهذا على الفور، وقال مالك في المرأة يموت عنها زوجها فتريد الخروج إلى الحج: لا تخرج في أيام عدتها، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: فجعله على التراخي. قال القاضي: وهذا استقراء فيه نظر، واختلف قول مالك رحمه الله فيمن يخرج إلى الحج على أن يسأل الناس جائياً وذاهباً ممن ليست تلك عادته في إقامته، فروى عنه ابن وهب أنه قال: لا بأس بذلك، قيل له فإن مات في الطريق قال: حسابه على الله، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا أرى للذين لا يجدون ما ينفقون أن يخرجوا إلى الحج والغزو، ويسألوا وإني لأكره ذلك، لقول الله سبحانه، ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾ [التوبة: ٩١] قال ابن القاسم: وكره مالك أن يحج النساء في البحر لأنها كشفة، وكره أن يحج أحد في البحر إلا مثل أهل الأندلس الذين لا يجدون منه بدآ، وقال في كتاب محمد وغيره: قال الله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ [الحج: ٢٧] وما أسمع للبحر ذكراً . قال الفقيه القاضي: وهذا تأنيس من مالك رحمه اللّه لسقوط لفظة البحر، وليس تقتضي الآية سقوط البحر، وسيأتي تفسير ذلك في موضعه إن شاء الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناس من أمتي عرضوا عليَّ ملوكاً على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، يركبون ثبج هذا البحر الأخضر غزاة في سبيل الله. قال القاضي أبو محمد: ولا فرق بين الغزو والحج، واختلف في حج النساء ماشيات مع القدرة على ذلك، فقال في المدونة في المرأة تنذر مشياً فتمشي وتعجز في بعض الطريق: إنها تعود ثانية، قال: والرجال والنساء في ذلك سواء، فعلى هذا، يجب الحج إذا كانت قادرة على المشي لأن حجة الفريضة آكد من النذر، وقال في كتاب محمد: لا أرى على المرأة الحج ماشية وإن قويت عليه، لأن مشيهن عورة، إلا أن یکون المكان القريب من مكة . قال القاضي: وهذا ينظر بفقه الحال من رائعة ومتجالة، ولا حج على المرأة إلا إذا كان معها ذو محرم، واختلف إذا عدمته، هل يجب الحج بما هو في معناه من نساء ثقات يصطحبن في القافلة أو رجال ثقات؟ فقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وابن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو حنيفة وأصحابه: المحرم من السبيل، ولا حج عليها إلا مع ذي محرم. قال القاضي: وهذا وقوف مع لفظ الحديث، وقال مالك: تخرج مع جماعة نساء، وقال الشافعي : تخرج مع حرة ثقة مسلمة، وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل ثقة من المسلمين، وقال الأوزاعي : تخرج مع قوم عدول وتتخذ سلماً تصعد عليه وتنزل ولا يقربها رجل . قال القاضي: وهذه الأقوال راعت معنى الحديث، وجمهور الأمة على أن للمرأة أن تحج الفريضة وإن كره زوجها وليس له منعها، واضطرب قول الشافعي في ذلك، واختلف الناس في وجوب الحج مع وجود المكوس والغرامة، فقال سفيان الثوري: إذا كان المكس ولو درهماً سقط فرض الحج عن الناس، وقال عبد الوهاب: إذا كانت الغرامة كثيرة مجحفة سقط الفرض، فظاهر هذا أنها إذا كانت كثيرة غير ٤٨٠ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٩٨، ٩٩ مجحفة لسعة الحال أن الفرض لا يسقط، وعلى هذا المنزع جماعة أهل العلم وعليه مضت الأعصار، وهذه نبذة من فقه الاستطاعة، وليس هذا الجمع بموضع لتقصي ذلك والله المستعان. والسبيل - تذكر وتؤنث، والأغلب والأفصح التأنيث، قال الله تعالى: ﴿تبغونها عوجاً﴾ [آل عمران: ٩٩] وقال: ﴿قل هذه سبيلي﴾ [يوسف: ١٠٨] ومن التذكير قول كعب بن مالك. بغوا وسبيل البغي بالناس جائز قضى يوم بدر أن تلاقي معشراً والضمير في ﴿إليه﴾، عائد على البيت، ويحتمل أن يعود على الحج، وقوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) قال ابن عباس: المعنى، من زعم أن الحج ليس بفرض عليه، وقال مثله الضحاك وعطاء وعمران القطان والحسن ومجاهد، وروي عن النبي عليه السلام أنه قرأ الآية، فقال له رجل من هذيل: يا رسول الله من تركه كفر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من تركه لا يخاف عقوبته، ومن حجه لا يرجو ثوابه فهو ذلك وقال بمعنى هذا الحديث ابن عباس ومجاهد أيضاً، وهذا والذي قبله يرجع إلى كفر الجحد والخروج عن الملة، وقال ابن عمر وجماعة من العلماء معنى الآية، من كفر بالله واليوم الآخر وهذا قريب من الأول، وقال ابن زيد: معنى الآية من كفر بهذه الآيات التي في البيت، وقال السدي وجماعة من أهل العلم: معنى الآية: ومن كفر بأن وجد ما يحج به ثم لم يحج، قال السدي: من كان بهذه الحال فهو كافر. قال القاضي أبو محمد: فهذا كفر معصية، كقوله عليه السلام: من ترك الصلاة فقد كفر وقوله: لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض، على أظهر محتملات هذا الحديث. وبيّن أن من أنعم الله عليه بمال وصحة ولم يحج فقد كفر النعمة، ومعنى قوله تعالى: ﴿غني عن العالمين) الوعيد لمن كفر، والقصد بالكلام، فإن الله غني عنهم، ولكن عمم اللفظ ليبرع المعنى، وينتبه الفكر على قدرة الله وسلطانه واستغنائه من جميع الوجوه حتى ليس به افتقار إلى شيء، لا رَبُّ سواه. قوله تعالى : اقُلْ يَتَأَهْلَ اَلْكِنَبِ لِمَ ٩٨ قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَلَهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا ◌ِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا ◌َللّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ هذه الايات توبيخ لليهود المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم و﴿الكتاب﴾ التوراة، وجعلهم أهله بحسب زعمهم ونسبهم، وإلا فأهله على الحقيقة هم المؤمنون، و((آيات الله)) يحتمل أن يريد بها القرآن، ويحتمل أن يراد بالآيات العلامات الظاهرة على يدي محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: ﴿والله شهيد على ما تعملون﴾ وعيد محض: أي يجازيكم به ويعاقبكم، قال الطبري: هاتان الآيتان قوله، ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون﴾ وما بعدهما، إلى قوله ﴿أولئك لهم عذاب عظيم﴾ [آل عمران: ١٠٥]، نزلت بسبب رجل من يهود، حاول الإغواء بين الأوس والخزرج، قال ابن إسحاق: حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، قال شاش ابن قيس اليهودي، وكان شيخاً قد عسى في الجاهلية، عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، والحسد