Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٦٧ فإن شدة الحر من فيح جهنم، وإن النار اشتكت إلى ربها))، الحديث بكماله، فإما أنه نار على حقيقته وإلا فهو نفسها يوجد عنه كاثرها، قال السدي: الإعصار الريح، والنار السموم، وقال ابن عباس ريح فيها سموم شديدة، وقال ابن مسعود إن السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءاً من النار. قال القاضي أبو محمد: يريد من نار الآخرة، وقال الحسن بن أبي الحسن ﴿إعصار فيه نار﴾ ربح فيها صر، برد، وقاله الضحاك، وفي المثل: إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً، والريح إعصار لأنها تعصر السحاب، والسحاب معصرات إما أنها حوامل فهي كالمعصر من النساء وهي التي هي عرضة للحمل وإما لأنها تنعصر بالرياح، وبهذا فسر عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي، وحكى ابن سيده أن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب، وقال الزجاج: الإعصار الريح الشديدة تصعد من الأرض إلى السماء رهي التي يقال لها الزوبعة، قال المهدوي: قيل لها ﴿إعصار﴾ لأنها تلتف كالثوب إذا عصر. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، والإشارة بذلك إلى هذه الأمثال المبينة، ﴿ولعلكم﴾ ترجّ في حق البشر، أي إذا تأمل من يبين له هذا البيان رجي له التفكر وكان أهلاً له. وقال ابن عباس ﴿تتفكرون﴾ في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها. قوله عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَاكَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِقَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهٍ وَأَعْلَمُوْ اْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيُ ٦٧ هذا الخطاب هو لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه صيغة أمر من الإنفاق، واختلف المتأولون هل المراد بهذا الإنفاق، الزكاة المفروضة أو التطوع، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبيدة السلماني ومحمد بن سيرين: هي في الزكاة المفروضة. نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد، وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهم زائف خير من تمرة، فالأمر على هذا القول للوجوب، والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن بن أبي الحسن وقتادة، أن الآية في التطوع، وروى البراء بن عازب، وعطاء بن أبي رباح ما معناه أن الأنصار كانوا أيام الجداد يعلقون أقناء التمر في حبل بين أسطوانتين في المسجد فيأكل من ذلك فقراء المهاجرين فعلق رجل حشفاً فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بئسما علق هذا، فنزلت الآية. قال القاضي أبو محمد: والأمر على هذا القول على الندب، وكذلك ندبوا إلى أن لا يتطوعوا إلا بجيد مختار، والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة يتلقاها على الوجوب وصاحب التطوع يتلقاها على الندب، وهؤلاء كلهم وجمهور المتأولين قالوا معنى ﴿من طيبات﴾ من جيد ومختار ﴿ما كسبتم﴾، وجعلوا ﴿الخبيث﴾ بمعنى الرديء والرذالة، وقال ابن زيد معناه: من حلال ما كسبتم، قال: وقوله: ﴿ولا تيمموا الخبيث﴾ أي الحرام. قال القاضي أبو محمد: وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية لا من معناه في نفسه، وقوله : ٣٦٢ - تفسير سورة البقرة / الآية :٢٦٧ ﴿من طيبات ما كسبتم﴾ يحتمل أن لا يقصد به لا الجيد ولا الحلال، لكن يكون المعنى كأنه قال: أنفقوا مما كسبتم، فهو حض على الإنفاق فقط. ثم دخل ذكر الطيب تبييناً لصفة حسنة في المكسوب عاماً وتعديداً للنعمة كما تقول: أطعمت فلاناً من مشبع الخبز وسقيته من مروي الماء، والطيب على هذا الوجه يعم الجود والحل، ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد الله بن مغفل قال: ليسٍ في مال المؤمن خبيث، و﴿كسبتم﴾ معناه كانت لكم فيه سعاية، إما بتعب بدن أو مقاولة في تجارة، والموروث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه، إذ الضمير في ﴿كسبتم﴾ إنما هو لنوع الإنسان أو المؤمنين، ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ النباتات والمعادن والركاز وما ضارع ذلك، و﴿تيمموا﴾ معناه تعمدوا وتقصدوا، يقال تيمم الرجل كذا وكذا إذا قصده، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] يفيُ عَلَيْهَا الظُّلُّ عَرْمَضُهَا طَامٍ تَيَّمَّمَتِ الْعَيْنَ التي عِنْدَ ضَارِجٍ ومنه قول الأعشى : [المتقارب] تَيَمَّمْتُ قَيْساً وَكَمْ دُونَهُ مِنَ الأَرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ ومنه التيمم الذي هو البدل من الوضوء عند عدم الماء، وهكذا قرأ جمهور الناس وروى البزي عن ابن كثير تشديد التاء في أحد وثلاثين موضعاً أولها هذا الحرف، وحكى الطبري أن في قراءة عبد الله بن مسعود ((ولا تؤموا الخبيث)) من أممت إذا قصدت، ومنه إمام البناء، والمعنى في القراءتين واحد، وقرأ الزهري ومسلم بن جندب ((ولا تُيِّمِّموا)) بضم التاء وكسر الميم، وهذا على لغة من قال: يممت الشيء بمعنى قصدته، وفي اللفظ لغات، منها أممت الشيء خفيفة الميم الأولى وأممته بشدها ويممته وتيممته، وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ ((ولا تؤمموا)) بهمزة بعد التاء، وهذه على لغة من قال أممت مثقلة الميم، وقد مضى القول في معنى ﴿الخبيث﴾ وقال الجرجاني في كتاب نظم القرآن: قال فريق من الناس: إن الكلام تم في قوله: ﴿الخبيث﴾ ثم ابتدأ خبراً آخر في وصف الخبيثُ فقال: ﴿تتفقون﴾ منه وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي ساهلتم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع، والضمير في ﴿منه﴾ عائد على ﴿الخبيث﴾. قال الجرجاني وقال فريق آخر: بل الكلام متصل إلى قوله ﴿فيه﴾. قال القاضي أبو محمد: فالضمير في ﴿منه﴾ عائد على ﴿ما كسبتم﴾، ويجيء ﴿تتفقون﴾ كأنه في موضع نصب على الحال، وهو كقولك: إنما أخرج أجاهد في سبيل الله، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ فقال البراء بن عازب وابن عباس والضحاك وغيرهم: معناه ولستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم عند الناس إلا بأن تساهلوا في ذلك، وتتركون من حقوقكم وتكرهونه ولا ترضونه، أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم، وقال الحسن بن أبي الحسن معنى الآية: لستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع، إلا أن يهضم لكم من ثمنه، وروي نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة وقال البراء بن : ٣٦٣ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٦٧ عازب أيضاً: معناه ولستم بآخذيه لو أهدي إليكم ﴿إلا أن تغمضوا﴾ أي تستحيي من المهدي أن تقبل منه ما لا حاجة لك فيه، ولا قدر له في نفسه. قال القاضي أبو محمد: وهذا يشبه كون الآية في التطوع، وقال ابن زيد معنى الآية: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه، وقرأ جمهور الناس ((إلا أن تُغْمِضوا)) بضم التاء وسكون الغين وكسر الميم. وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففاً، وروي عنه أيضاً ((تُغَمِّضُوا)) بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم مشددة، وحكى مكي عن الحسن البصري ((تغمَّضوا)) مشددة الميم مفتوحة وبفتح التاء. وقرأ قتادة بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففاً قال أبو عمرو معناه: إلا أن يغمض لكم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذه اللفظة تنتزع إما من قول العرب أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز، فمن ذلك قول الطرماح بن حكيم: [الخفيف] لَمْ يَقُتنا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ وللذٌ لِّ أُنَاسٌ يَرْضَونَ بِالإِغْمَاضِ وإما أن تنتزع من تغميض العين لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عنه عينيه ومنه قول الشاعر : أغمض عنها لست عنها بذي عمى إلی کم وکم أشياء منکمْ تريبني وهذا كالإغضاء عند المكروه، وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مكي، وإما من قول العرب أغمض الرجل إذا أتى غامضاً من الأمر كما تقول: أعمن إذا أتى عمان، وأعرق إذا أتى العراق، وأنجد، وأغور، إذا أتى نجداً والغور الذي هو تهامة، ومنه قول الجارية: وإن دسر أغمض فقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضاً من التأويل والنظر في أخذ ذلك إما لكونه حراماً على قول ابن زيد، وإما لكونه مهدياً أو مأخوذاً في دين على قول غيره، وأما قراءة الزهري الأولى فمعناها تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم، قال أبو عمرو معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان. قال القاضي أبو محمد: وأما قراءته الثانية فهذا مذهب أبي عمرو الداني فيها. ويحتمل أن تكون من تغميض العين. وأما قراءة قتادة فقد ذكرت تفسير أبي عمرو لها. وقال ابن جني : معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس، وهذا كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محموداً إلى غير ذلك من الأمثلة، ثم نبه تعالى على صفة الغنى أي لا حاجة به إلى صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر، و﴿حميد﴾ معناه محمود في كل حال، وهي صفة ذات. قوله عز وجل : الشَّيْطَانُ يَعِدُ كُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (٦) يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَ مَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرَاً ٣٦٤ تفسير سورة البقرة / الآيتان : ٢٦٨، ٢٦٩ ٢٦٩ وَمَا يَذَّكَرُ إِلَّا أُوْلُوْ اُلْأَلْبَبٍ هذه الآية وما بعدها وإن لم تكن أمراً بالصدقة فهي جالبة للنفوس إلى الصدقة، بين عز وجل فيها نزغات الشيطان ووسوسته وعداوته، وذكر بثوابه هو لا رب غيره. وذكر بتفضله بالحكمة وأثنى عليها، ونبه أن أهل العقول هم المتذكرون الذين يقيمون بالحكمة قدر الإنفاق في طاعة الله عز وجل وغير ذلك، ثم ذكر علمه بكل نفقة ونذر. وفي ذلك وعد ووعيد. ثم بين الحكم في الإعلان والإخفاء وكذلك إلى آخر المعنى. والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير وإذا قيد بالموعود ما هو فقد يقيد بالخير وبالشر كالبشارة. فهذه الآية مما قيد الوعد فيها بمكروه وهو ﴿الفقر﴾ و ﴿الفحشاء﴾ کل ما فحش وفحش ذكره، ومعاصي الله كلها فحشاء، وروى حيوة عن رجل من أهل الرباط أنه قرأ ((الفُقر)) بضم الفاء، وهي لغة، وقال ابن عباس: في الآية اثنتان من الشيطان، واثنتان من الله تعالى، وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن للشيطان لمة من ابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، فمن وجد ذلك فليتعوذ، وأما لمة الملك فوعد بالحق وتصديق بالخير فمن وجد ذلك فليحمد الله، ثم قرأ عليه السلام ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم) الآية، والمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة، والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة فيه والتنعيم في الآخرة، وبكل قد وعد الله تعالى، وذكر النقاش أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى، لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير وهو بتخويفه الفقر يبعد منه . قال القاضي أبو محمد: وليس في الآية حجة قاطعة أما إن المعارضة بها قوية وروي أن في التوراة (عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة)) وفي القرآن مصداقه: وهو ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين﴾ [سبأ: ٣٩] و﴿واسع﴾ لأنه وسع كل شيء رحمة وعلماً، ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه ﴿يؤتي الحكمة﴾ أي يعطيها لمن يشاء من عباده، واختلف المتأولون في ﴿الحكمة) في هذا الموضع فقال السدي: ﴿الحكمة﴾ النبوءة، وقال ابن عباس: هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وعربيته. وقال قتادة: ﴿الحكمة﴾ الفقه في القرآن، وقاله مجاهد: وقال مجاهد أيضاً: ﴿الحكمة﴾ الإصابة في القول والفعل، وقال ابن زيد وأبوه زيد بن أسلم: ﴿الحكمة) العقل في الدين، وقال مالك: ﴿الحكمة﴾ المعرفة في الدين والفقه فيه والاتباع له، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: ﴿الحكمة﴾ التفكر في أمر الله والاتباع له، وقال أيضاً ﴿الحكمة﴾ طاعة الله والفقه في الدين والعمل به، وقال الربيع: ﴿الحكمة﴾ الخشية، ومنه قول النبي عليه السلام: ((رأس كل شيء خشية الله تعالى))، وقال إبراهيم: ﴿الحكمة﴾ الفهم وقاله زيد بن أسلم، وقال الحسن: ﴿الحكمة﴾ الورع، وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان فيّ عمل أو قول. وكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة. وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس. وقرأ الجمهور ((من يؤت الحكمة)) على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الزهري ويعقوب ((ومن يؤت)) بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة ﴿فمن﴾ مفعول أول مقدم و﴿الحكمة﴾ مفعول ثان، وقرأ الأخفش: ((ومن ٣٦٥ تفسير سورة البقرة / الآيتان : ٢٧٠، ٢٧١ يؤته الحكمة))، وقرأ الربيع بن خثيم (تؤتي الحكمة من تشاء)) بالتاء في ((تؤتي)) و((تشاء)) منقوطة من فوق، (( ومن يؤت الحكمة)) بالياء، وباقي الآية تذكرة بينة وإقامة لهمم الغفلة، والألباب العقول واحدها لب. قوله عز وجل : وَمَآ أَنْفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْنَذَرْتُمْ مِّن نََّذْرٍ فَإِنَّ اُللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّاهِىِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌلَكُمْ ٢٧ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ٧١ كانت النذر من سيرة العرب تكثر منها، فذكر تعالى النوعين ما يفعله المرء متبرعاً وما يفعله بعد إلزامه لنفسه، ويقال: نذر الرجل كذا إذا التزم فعله ((ينذُر)) بضم الذال ((وينذِر)) بكسرها، وقوله تعالى: ﴿فإن الله يعلمه﴾ قال مجاهد: معناه يحصيه، وفي الآية وعد ووعيد، أي من كان خالص النية فهو مثاب ومن أنفق رئاء أو لمعنى آخر مما يكشفه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم يذهب فعله باطلاً ولا يجد ناصراً فيه، ووحد الضمير في ﴿يعلمه) وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص، وقوله تعالى: ﴿إن تبدوا. الصدقات) الآية، ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية هي في صدقة التطوع، قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفاً، قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويقوي ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ((صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة، وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك، وقال سفيان الثوري هذه الآية في التطوع، وقال يزيد بن أبي حبيب: إنما أنزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى، وكان يأمر بقسم الزكاة في السر، وهذا مردود لا سيما عند السلف الصالح، فقد قال الطبري: أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل، قال المهدوي: وقيل المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به، فكان الإخفاء فيهما أفضل في مدة النبي عليه السلام، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك فاستحسن العلماء إظهار الفرض لئلا يظن بأحد المنع، قال أبو محمد: وهذا القول مخالف للآثار، ويشبه في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء، وقال النقاش: إن هذه الآية نسخها قوله تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية﴾ [البقرة: ٢٧٤]، وقوله: ﴿فنعما هي﴾ ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء، واختلف القراء في قوله ﴿فنعما هي﴾، فقرأ نافع في غير رواية ورش، وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل ((فنعمًا)) بكسر النون وسكون ((فنِعِمًا)) بكسر النون والعين، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ((فَنَعِمًا)) بفتح النون وكسر العين وكلهم شدد الميم، قال أبو علي من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله، لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين، وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأول حرف ٣٦٦ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٧١،٢٧٠ مد، إذ المد يصير عوضاً من الحركة، وهذا نحو دابة وضوال وشبهه، ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في باريكم ويأمركم فظن السامع الإخفاء إسكاناً للطف، ذلك في السمع وخفائه، وأما من قرأ ((نِعِمًا)) بكسر النون والعين فحجته أن أصل الكلمة ((نعم)) بكسر الفاء من أجل حرف الحلق، ولا يجوز أن يكون ممن يقول ((نعم)) ألا ترى أن من يقول هذا قدم ملك فیدغم، لا يدغم، هؤلاء قوم ملك وجسم ماجد، قال سيبويه ((نعم)) بكسر النون والعين ليس على لغة من قال ((نعم)) فأسكن العين، ولكن على لغة من قال ((نعم)) فحرك العين، وحدثنا أبو الخطاب أنها لغة هذيل وكسرها كما قال لعب ولو كان الذي قال ((نعْما)) ممن يقول نعم بسكون العين لم يجز الإدغام. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: یشبه أن هذا يمتنع لأنه يسوق إلى اجتماع ساکنین، قال أبو علي وأما من قرأ ((نَعِمًا)) بفتح النون وكسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها وهو نعم ومنه قول الشاعر: ما أقلّت قدماي أنهم نَعِمَ الساعون في الأمر المبر ولا يجوز أن يكون ممن يقول قبل الإدغام ((نعم)) بسكون العين، وقال المهدوي وذلك جائز محتمل، وتكسر العين بعد الإدغام لالتقاء الساكنين، قال أبو علي: وما من قوله ﴿نعمًا﴾ في موضع نصب، وقوله ﴿هي﴾ تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر والتقدير: نعم شيئاً إبداؤها. والإبداء هو المخصوص بالمدح. إلا أن المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويدلك على هذا قوله ﴿فهو خير لكم﴾ أي الإخفاء خير، فكما أن الضمير هنا للإخفاء لا الصدقات، فكذلك أولاً الفاعل هو الإبداء، وهو الذي اتصل به الضمير، فحذف الإبداء وأقيم ضمير الصدقات مقامه، واختلف القراء في قوله تعالى: ﴿ونكفر عنكم﴾ فقرأ أبو عمرو وابن کثیر وعاصم في رواية أبي بكر: ((ونکفر» بالنون ورفع الراء، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: ((ونكفرْ)) بالنون والجزم في الراء، وروي مثل ذلك أيضاً عن عاصم، وقرأ ابن عامر: ((ويكفرُ» بالياء ورفع الراء، وقرأ ابن عباس ﴿وتكفر﴾ بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء، وقرأ عكرمة: ﴿وتكفر﴾ بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء، وقرأ الحسن: ((ويكفرْ)) بالياء وجزم الراء، وروي عن الأعمش أنه قرأ: ﴿ويكفر﴾ بالياء ونصب الراء، وقال أبو حاتم: قرأ الأعمش: ((يكفر» بالياء دون واو قبلها وبجزم الراء، وحكى المهدوي عن ابن هرمز أنه قرأ: ((وتكفُرُ)) بالتاء ورفع الراء، وحكي عن عكرمة وشهر بن حوشب أنهما قرآها بتاء ونصب الراء . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلة، إلا ما روي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفر، والإعطاء في خفاء هو المكفر، ذكره مكي وأما رفع الراء فهو على وجهين: أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء، تقدير ونحن نكفر، أو وهي تكفر، أعني الصدقة، أو والله يكفر، والثاني: القطع والاستئناف وأن لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن لعطف جملة على جملة، وأما الجزم في الراء فإنه حمل للكلام على موضع قوله تعالى: ﴿فهو خير﴾ إذ هو في موضع ٣٦٧ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٧٢ جزم جواباً للشرط، كأنه قال: وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم، ثم عطفه على هذا الموضع كما جاء قراءة من قرأ: ﴿من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم﴾ [الأعراف: ١٨٦] بجزم الراء وأمثلة هذا كثيرة، وأما نصب الراء فعلى تقدير ((إن)» وتأمل، وقال المهدوي هو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام. والجزم في الراء أفصح هذه القراءات، لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطاً إن وقع الإخفاء. وأما رفع الراء فليس فيه هذا المعنى، و﴿من﴾ في قوله: ﴿من سيئاتكم﴾ للتبعيض المحض، والمعنى في ذلك متمكن، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: ﴿من﴾ زائدة في هذا الموضع وذلك منهم خطأ، وقوله: ﴿والله بما تعملون خبير﴾ وعد ووعيد. قوله عز وجل : لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَنهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءٌ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا ٢٧٢ تُظْلَمُونَ روي عن سعيد بن جبير في سبب هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم، فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام، وذكر النقاش أن النبي عليه السلام أتى بصدقات فجاءه يهودي فقال: أعطني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس لك في صدقة المسلمين من شيء))، فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية، ﴿ليس عليك هداهم﴾ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم نسخ الله ذلك بآية ﴿إنما الصدقات﴾ [التوبة: ٦٠] وروي عن ابن عباس أنه كان ناس من الأنصار لهم قرابات في بني قريظة والنضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا، فنزلت الآية بسبب ذلك، وحكى بعض المفسرين أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أرادت أن تصل جدها أبا قحافة، ثم امتنعت من ذلك لكونه كافراً، فنزلت الآية في ذلك، وذكر الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله: ﴿ليس عليك هداهم﴾ قال أبو محمد: وهذه الصدقة التي أبيحت عليهم حسبما تضمنته هذه الآثار إنما هي صدقة التطوع. وأما المفروضة فلا يجزي دفعها لكافر، وهذا الحكم متصور للمسلمين اليوم مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين. قال ابن المنذر أجمع من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئاً، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك، ولم يذكر خلافاً، وقال المهدوي رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة بهذه الآية. ! 1 قال القاضي أبو محمد: وهذا مردود عندي، والهدى الذي ليس على محمد صلى الله عليه وسلم هو خلق الإيمان في قلوبهم، وأما الهدى الذي هو الدعاء فهو عليه، وليس بمراد في هذه الآية، ثم أخبر تعالى أنه هو: ﴿يهدي من يشاء﴾ أي يرشده، وفي هذا رد على القدرية وطوائف المعتزلة، ثم أخبر أن نفقة المرء ٣٦٨ تفسير سورة البقرة / الآية :٠ ٢٧٣ تأجراً إنما هي لنفسه فلا يراعى حيث وقعت، ثم بيّن تعالى أن النفقة المعتدّ بها المقبولة إنما هي ما كان ابتغاء وجه الله، هذا أحد التأويلات في قوله تعالى: ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾ وفيه تأويل آخر وهو أنها شهادة من الله تعالى للصحابة أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله، فهو خبر منه لهم فيه تفضيل، وعلى التأويل الآخر هو اشتراط عليهم ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة، ونصب قوله ﴿ابتغاء﴾ هو على المفعول من أجله، ثم ذكر تعالى أن ثواب الإنفاق يوفى إلى المنفقين، والمعنى في الآخرة ولا يبخسون منه شيئاً، فيكون ذلك أبخس ظلماً لهم، وهذا هو بيان قوله: ﴿وما تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾ والخير في هذه الآية المال لأنه اقترن بذكر الإنفاق، فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم يقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، نحو قوله تعالى: ﴿خير مستقراً﴾ [الفرقان: ٢٤] وقوله تعالى: ﴿مثقال ذرة خيراً يره﴾ [الزلزلة: ٧] إلى غير ذلك، وهذا الذي قلناه تحرز من قول عكرمة: كل خير في كتاب الله فهو المال. قوله عز وجل : لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُ واْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَهُمْ لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ (٢٧٣) إِلَحَافَا وَمَاتُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمُ هذه اللام في قوله ﴿للفقراء﴾ متعلقة بمحذوف مقدر، تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء، وقال مجاهد والسدي وغيرهما: المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم، قال الفقيه أبو محمد: ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقر غابر الدهر، وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم، لأن الأنصار كانوا أهل أموال وتجارة في قطرهم، ثم بيّن الله تعالى من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم، بقوله: ﴿الذين أحصروا في سبيل الله﴾ والمعنى حبسوا ومنعوا وذهب بعض اللغويين إلى أن أحصر وحصر بمعنى واحد من الحبس والمنع سواء كان ذلك بعدو أو بمرض ونحوه من الأعذار، حكاه ابن سيده وغيره، وفسر السدي هنا الإحصار بأنه بالعدو. وذهب بعضهم إلى أن أحصر إنما يكون بالمرض والأعذار. وحصر بالعدو. وعلى هذا فسر ابن زيد وقتادة ورجحه الطبري. وتأول في هذه الآية أنهم هم حابسو أنفسهم بربقة الدين وقصد الجهاد وخوف العدو إذا أحاط بهم الكفر، فصار خوف العدو عذراً أحصروا به. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذا متجه كأن هذه الأعذار أحصرتهم أي جعلتهم ذوي حصر، كما قالوا قبره أدخله في قبره وأقبره جعله ذا قبر، فالعدو وكل محيط يحصر، والأعذار المانعة ((تُحصِر)) بضم التاء وكسر الصاد أي تجعل المرء كالمحاط به، وقوله: ﴿في سبيل الله﴾ يحتمل الجهاد ويحتمل الدخول في الإسلام، واللفظ يتناولهما، والضرب في الأرض هو التصرف في التجارة، وضرب الأرض هو المشي إلى حاجة الإنسان في البراز، وكانوا لا يستطيعون الضرب في الأرض لكون البلاد كلها كفراً مطبقاً، وهذا في صدر الهجرة، فقلتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد. وإنكار الكفار عليهم إسلامهم ٣٦٩ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٧٣ يمنع من التصرف في التجارة. فبقوا فقراء إلا أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث ﴿يحسبهم الجاهل﴾ بباطن أحوالهم ﴿أغنياء﴾ و﴿التعفف﴾ تفعل، وهو بناء مبالغة من عفَّ عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه. وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره، وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي ((يحسِبهم)) بكسر السين. وكذلك هذا الفعل في كل القرآن، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ((يحسبهم)) بفتح السين في كل القرآن، وهما لغتان في ((يحسب)) كعهد ويعهد بفتح الهاء وكسرها في حروف كثيرة أتت كذلك، قال أبو علي فتح السين في يحسب أقيس لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة، والقراءة بالكسر حسنة بمجيء السمع به، وإن كان شاذاً عن القياس، و﴿من﴾ في قوله: ﴿من التعفف﴾ لابتداء الغاية أي من تعففهم ابتدأت محسبته، وليست لبيان الجنس لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غناء تعفف، وانما يحسبهم أغنياء غناء مال، ومحسبته من التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة عن المسألة، وهو الذي عليه جمهور المفسرين، لأنهم قالوا في تفسير قوله تعالى ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾: المعنى لا يسألون البتة. وتحتمل الآية معنى آخر من فيه لبيان الجنس، سنذكره بعد والسيما مقصورة العلامة. وبعض العرب يقول: السيمياء بزيادة ياء وبالمد، ومنه قول الشاعر: [الطويل]. لَهُ سِيمِيَاءٌ لا تَشْقُّ على البَصَرْ واختلف المفسرون في تعيين هذه ((السيما)» التي يعرف بها هؤلاء المتعففون، فقال مجاهد: هي التخشع والتواضع، وقال السدي والربيع: هي جهد الحاجة وقصف الفقر في وجوههم وقلة النعمة، وقال ابن زيد: هي رثة الثياب، وقال قوم، وحكاه مكي : هي أثر السجود. : --- قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا حسن لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان أثر السجود عليهم أبداً، و((الإلحاف)) والإلحاح بمعنى واحد، وقال قوم: هو مأخوذ من ألحف الشيء إذا غطاه وغمه بالتغطية، ومنه اللحاف، ومنه قول ابن الأحمر: [الوافر] يَظَلُّ يَحُفُهُنَّ بِقُفْقُفَيْهِ وَيُلْحِفُهِنَّ مَفْهَافاً ثَخِينًا يصف ذكر نعام يحضن بيضاً، فكأن هذا السائل الملح يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك، وذهب الطبري والزجاج وغيرهما إلى أن المعنى لا يسألون البتة. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والآية تحتمل المعنيين نفي السؤال جملة ونفي الإلحاف فقط، أما الأولى فعلى أن يكون ﴿التعفف﴾ صفة ثابتة لهم، ويحسبهم الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال، وتكون ﴿من﴾ لابتداء الغاية ويكون قوله: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافاً من الناس، كما تقول: هذا رجل خير لا يقتل المسلمين. فقولك: ((خير)) قد تضمن أنه لا يقتل ولا يعصي بأقل من ذلك، ثم نبهت بقولك لا يقتل المسلمين على قبح فعل غيره ممن يقتل، وكثيراً ما يقال مثل هذا إذا كان المنبه عليه موجوداً في القضية مشاراً إليه في نفس المتكلم والسامع. وسؤال الإلحاف لم تخل منه مدة، وهو مما يكره، فلذلك نبه عليه. ٣٧٠ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٧٣ وأما المعنى الثاني فعلى أن يكون ﴿التعفف﴾ داخلاً في المحسبة أي إنهم لا يظهر لهم سؤالاً، بل هو قليل. وبإجمال فالجاهل به مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة، فـ ﴿من﴾ لبيان الجنس على هذا التأويل، ثم نفى عنهم سؤال الإلحاف وبقي غير الإلحاف مقرراً لهم حسبما يقتضيه دليل الخطاب، وهذا المعنى في نفي الإلحاف فقط هو الذي تقتضيه ألفاظ السدي، وقال الزجّاج رحمه الله: المعنى لا يكون منهم سؤال فلا يكون إلحاف. وهذا كما قال امرؤ القيس: [الطويل] عَلَى لَاحِبٍ لا يُهتَدَى بِمَنَارِهِ أي ليس ثم منار فلا يكون !هتداء. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: إن كان الزجاج أراد لا يكون منهم سؤال البتة فذلك لا تعطيه الألفاظ التي بعد لا، وإنما ينتفي السؤال إذا ضبط المعنى من أول الآية على ما قدمناه، وإن كان أراد لا يكون منهم سؤال إلحاف فذلك نص الآية، وأما تشبيهه الآية ببيت امرىء القيس فغير صحيح، وذلك أن قوله: على لاحب لا يهتدى بمناره وقوله الآخر: [البسيط]. قِفْ بِالطُّلُولِ التي لَمْ يَعْفُّهَا القَدَمُ وقول الشاعر: [المتقارب] وَمَنْ خِفْتُ من جَوْرِهِ فِي القَضَاء فَمَا خِفْتُ جَوْرَكِ يَا عَافِيهْ وما جرى مجراه ترتيب يسبق منه أنه لا يهتدى بالمنار، وإن كان المنار موجوداً، فلا ينتفي إلا المعنى الذي دخل عليه حرف النفي فقط، وكذلك ينتفي العفا وإن وجد القدم، وكذلك ينتفي الخوف وإن وجد الجور، وهذا لا يترتب في الآية، ويجوز أن يريد الشعراء أن الثاني معدوم فلذلك أدخلوا على الأول حرف النفي إذ لا يصح الأول إلا بوجود الثاني، أي ليس ثم منار، فإذاً لا يكون اهتداء بمنار، وليس ثم قدم فإذاً لا يكون عفا، وليس ثم جور فإذاً لا يكون خوف، وقوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾، لا يترتب فيه شيء من هذا، لأن حرف النفي دخل على أمر عام للإلحاف وغيره، ثم خصص بقوله: ﴿إلحافاً﴾ جزءاً من ذلك العام فليس بعدم الإلحاف ينتفي السؤال، وبيت الشعر ينتفي فيه الأول بعدم الثاني إذ دخل حرف النفي فيه على شيء متعلق وجوده بوجود الذي يراد أنه معدوم، والسؤال ليس هكذا مع الإلحاف، بل الأمر بالعكس إذ قد يعدم الإلحاف منهم ويبقى لهم سؤال لا إلحاف فيه، ولو كان الكلام لا يلحفون الناس سؤالاً لقرب الشبه بالأبيات المتقدمة، وكذلك لو كان بعد لا يسألون شيء إذا عدم السؤال، كأنك قلت تكسباً أو نحوه لصح الشبه، والله المستعان وقوله تعالى: ﴿وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم) وبعد محض أي يعلمه ويحصيه ليجازي عليه ويثيب. قوله تعالى : اُلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلََّ كُمَا وَلَآَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ٣٧١ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٧٤، ٢٧٥ يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسِنَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ◌ٌلْبَيْعُ مِثْلُ الْرّبَوَأْ وَأَحَلَّ اللَّهُ ج اُلْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّبَوأُ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْتَهَىْ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَ مَنْ عَادَ (٢٧٥ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ قال عبد الله بن عباس: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت له أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً وبدرهم علانية، وقال ابن جريج: نزلت في رجل فعل ذلك ولم يسم علياً ولا غيره، وقال ابن عباس أيضاً نزلت هذه الآية في علف الخيل، وقاله عبد الله بن بشر الغافقي وأبو ذر وأبو أمامة والأوزاعي وأبو الدرداء قالوا: هي في علف الخيل والمرتبطة في السبيل، وقال قتادة هذه الآية في المنفقين في سبيل الله من غير تبذير ولا تقتير. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والآية وإن كانت نزلت في علي رضي الله عنه، فمعناها يتناول كل من فعل فعله وكل مشاء بصدقته في الظلم إلى مظنة ذي الحاجة وأما علف الخيل والنفقة عليها فإن ألفاظ الآية تتناولها تناولاً محكماً، وكذلك المنفق في الجهاد المباشر له إنما يجيء إنفاقه على رتب الآية. وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان المؤمنون يعملون بهذه الآية من قوله: ﴿إن تبدوا الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧١] إلى قوله: ﴿ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٢٧٤] فلما نزلت براءة بتفصيل الزكاة قصروا عليها، وقد تقدم القول على نفي الخوف والحزن، والفاء في قوله: ﴿فلهم﴾ دخلت لما في ﴿الذين﴾ من الإبهام، فهو يشبه بإبهامه الإبهام الذي في الشرط. فحسنت الفاء في جوابه كما تحسن في الشرط، وإنما يوجد الشبه إذا كان الذي موصولاً بفعل وإذا لم يدخل على ﴿الذي﴾ عامل يغير معناه، فإن قلت: الذي أبوه زيد هو عمرو فلا تحسن الفاء في قولك فهو، بل تلبس المعنى، وإذا قلت ليت الذي جاءك جاءني لم يكن للفاء مدخل في المعنى، وهذه الفاء المذكورة إنما تجيء مؤكدة للمعنى، وقد يستغنى عنها إذا لم يقصد التأكيد كقوله بعد: ﴿لا يقومون﴾ وقوله عز وجل: ﴿الذين يأكلون الربا) الآية، ﴿الربا﴾ هو الزيادة وهو مأخوذ من ربا يربو إذا نما وزاد على ما كان، وغالبة ما كانت العرب تفعله من قولها للغريم أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب عليه، ومن الربا البين التفاضل في النوع الواحد لأنها زيادة، وكذلك أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه، ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها: آكل ربا فبتجوز وتشبيه، والربا من ذوات الواو، وتثنيته ربوان عند سيبويه، ويكتب بالألف. قال الكوفيون: يكتب ويثنى بالياء لأجل الكسرة التي في أوله. وكذلك يقولون في الثلاثية من ذوات الواو إذا انكسر الأول أو انضم، نحو ضحى، فإن كان مفتوحاً نحو صفا فكما قال البصري. ومعنى هذه الآية: الذين يكسبون الربا ويفعلونه، وقصد إلى لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال، ولأنها دالة على الجشع، فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله، فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك داخل كله في قوله: ﴿الذين يأكلون﴾، وقال ابن عباس رضي الله 1 ۔۔۔ ٣٧٢ تفسير سورة البقرة / الآيتان : ٢٧٤، ٢٧٥ عنه ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد: معنى قوله: ﴿لا يقومون﴾ من قبورهم في البعث يوم القيامة، قال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنفة، وقالوا كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتاً عند جمع المحشر، ويقوي هذا التأويل المجمع عليه في أن في قراءة عبد الله بن مسعود((لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم)). قال القاضي أبو محمد: وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الربا بقيام المجنون، لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه، وهذا كما تقول لمسرع في مشيه، مخلط في هيئة حركاته، إما من فزع أو غيره، قد جن هذا، وقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله: [الطويل] وَتُصْبِحُ مِنْ غِبّ السُّرِى وَكَأَنَّمَا أَلَمْ بِهَا مِنْ طَائِفِ الْجِنِّ أَوْلَق لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل ﴿ويتخبطه﴾ ((يتفعله)) من خبط يخبط كما تقول: تملكه وتعبده وتحمله. و﴿المس﴾ الجنون، وكذلك الأولق والألس والرود، وقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا﴾ معناه عند جميع المتأولين في الكفار، وأنه قول تکذیب للشريعة ورد علیھا. والآية كلها في الكفار المربين نزلت ولهم قيل ﴿فله ما سلف﴾ ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية، ثم جزم تعالى الخير في قوله: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وقال بعض العلماء في قوله: ﴿وأحل الله البيع﴾ هذا من عموم القرآن، لأن العرب كانت تقدر على إنفاذه، لأن الأخذ والإعطاء عندها بيع، وكل ما عارض العموم فهو تخصيص منه، وقال بعضهم: هو من مجمل القرآن الذي فسر بالمحلل من البيع وبالمحرم، والقول الأول عندي أصح، قال جعفر بن محمد الصادق: حرم الله الربا ليتقارض الناس. وقال بعض العلماء: حرمه الله لأنه متلفة للأموال مهلكة للناس. وسقطت علامة التأنيث في قوله: ﴿فمن جاءه﴾ لأن تأنيث الموعظة غير حقيقي وهو بمعنى وعظ، وقرأ الحسن ((فمن جاءته)» بإثبات العلامة، وقوله: ﴿فله ما سلف﴾ أي من الربا لاتباعه عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة قاله السدي وغيره، وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثقيف ومن كان يتجر هناك، و﴿سلف﴾ معناه تقدم في الزمن وانقضى. وفي قوله تعالى: ﴿وأمره إلى الله﴾ أربع تأويلات: أحدها أن الضمير عائد على الربا بمعنى: وأمر الربا إلى الله في إمرار تحريمه أو غير ذلك. والثاني أن يكون الضمير عائداً على ﴿ما سلف﴾. أي أمره إلى الله. في العفو عنه وإسقاط التبعية فيه. والثالث أن يكون الضمير عائداً على ذي الربا بمعنى أمره إلى الله في أن يثيبه على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا. والرابع أن يعود الضمير على المنتهي ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير. كما تقول وأمره إلى طاعة وخير وموضع رجاء. وكما تقول وأمره في نمو أو إقبال إلى الله وإلى طاعته، ويجيء الأمر هاهنا ليس في الربا خاصة بل وجملة أموره. وقوله تعالى: ﴿ومن عاد﴾ يعني إلى فعل الربا والقول ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ وإن قدرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد ٣٧٣ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٧٦، ٢٧٧ حقيقي، وإن لحظناها في مسلم عاصٍ فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة، كما تقول العرب: ملك خالد، عبارة عن دوام ما لا على التأبيد الحقيقي . قوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ .٨ يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرِّبَواْ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِّ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّكَفَّارِأَثِیم الضَّالِحَتِ وَأَقَامُواْالصَّلَوَةَ وَءَاتَواْالزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ٧٧ ﴿يمحق﴾ معناه: ينقص ويذهب، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه، ﴿ويربي الصدقات﴾ معناه ينميها ويزيد ثوابها تضاعفً، تقول: ربت الصدقة وأرباها الله تعالى ورباها وذلك هو التضعيف لمن يشاء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله، أو فلوه، حتى يجيء يوم القيامة وأن اللقمة لعلى قدر أحد)). قال القاضي أبو محمد: وقد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق، ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة، وقرأ ابن الزبير: (يُمحِّق الله)) بضم الياء وكسر الحاء مشددة، ((ويرَبّي)) بفتح الراء وشد الباء، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك. وقوله تعالى: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ يقتضي أن الزجر في هذه الآيات للكفار المستحلين للربا القائلين على جهة التكذيب للشرع ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ ووصف الكفار بـ ﴿أثيم﴾، إما مبالغة من حيث اختلف اللفظان، وإما ليذهب الاشتراك الذي في كفار، إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض. قاله ابن فورك قال ومعنى قوله: ﴿والله لا يحب﴾ أي لا يحب الكفار الأثيم. قال القاضى أبو محمد: محسناً صالحاً بل يريده مسيئاً فاجراً، ويحتمل أن يريد والله لا يحب توفيق الكفار الأثيم. وهذه تأويلات مستكرهة، أما الأول فأفرط في تعدية الفعل وحمله من المعنى ما لا يحتمله لفظه، وأما الثاني فغير صحيح المعنى، بل الله تعالى يحب التوفيق على العموم ويحببه، والمحب في الشاهد يكون منه ميل إلى المحبوب ولطف به، وحرص على حفظه، وتظهر دلائل ذلك، والله تعالى يريد وجود الكافر على ما هو عليه، وليس له عنده مزية الحب بأفعال تظهر عليه نحو ما ذكرناه في الشاهد، وتلك المزية موجودة للمؤمن، ولما انقضى ذكرهم عقب بذكر ضدهم ليبين ما بين الحالين. فقال ﴿إن الذين آمنوا) الآية، وقد تقدم تفسير مثل ألفاظ هذه الآية، وخص ﴿الصلاة﴾ و ﴿الزكاة﴾ بالذكر وقد تضمنهما عمل ﴿الصالحات﴾ تشريفاً لهما، وتنبيهاً على قدرهما، إذ هما رأس الأعمال الصلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال. ٣٧٤ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٧٩،٢٧٨ قوله عز وجل : يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْاللّهَ وَذَرُ واْ مَابَقِىَ مِنَ الْرّبَوْاْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٧) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُهُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ٢٧٩ سبب هذه الآية أنه كان الربا بين الناس كثيراً في ذلك الوقت، وكان بين قريش وثقيف ربا، فكان لهؤلاء على هؤلاء. فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال في خطبته في اليوم الثاني من الفتح : ((ألا كل ربا في الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب))، فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به، وهذه من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته، فيستفيض حينئذ في الناس، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستعمل على مكة عتاب بن أسيد، فلما استنزل أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطاً، منها ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها ما لم يعطه، وكان في شروطهم أن كل ربا لهم على الناس فإنهم يأخذونه، وكل ربا عليهم فهو موضوع، فيروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرر لهم هذه ثم ردها الله بهذه الآية، كما رد صلحه لكفار قريش في رد النساء إليهم عام الحديبية. وذكر النقاش رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فلما جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني المغيرة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف، وكانت لهم على بني المغيرة المخزوميين فقال بنو المغيرة لا تعطي شيئاً فإن الربا قد وضع، ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب فعلمت بها ثقيف فكفت، هذا سبب الآية على اختصار مجموع مما روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم. فمعنى الآية، اجعلوا بینکم وبين عذاب الله وقاية بترککم ما بقي لكم من ربا وصفحكم عنه. وقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين) شرط محض في ثقيف على بابه، لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام وإذا قدرنا الآية فيمن تقرر إيمانه فهو شرط مجازي على جهة المبالغة، كما تقول لمن تريد إقامة نفسه: إن كنت رجلاً فافعل كذا، وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال: ﴿إن﴾ في هذه الآية بمعنى إذ. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا مردود لا يعرف في اللغة، وقال ابن فورك: يحتمل أنه يريد ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بمن قبل محمد من الأنبياء، ﴿ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) بمحمد، إذ لا ينفع الأول إلا بهذا وهذا مردود بما روي في سبب الآية، ثم توعدهم تعالى إن لم يذروا الربا بحرب من الله ومن رسوله وأمته، والحرب داعية القتل، وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لأكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقال ابن عباس أيضاً: من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستنيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه، وقال قتادة: أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجاً أينما ثقفوا، ثم ردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم، وقال لهم: ﴿لا تَظلمون﴾ في أخذ الربا ﴿ولا تُظلمون﴾ ٣٧٥ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٧٨، ٢٧٩ في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم، فتذهب أموالكم. ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل، لأن مطل الغني ظلم، كما قال صلى الله عليه وسلم. فالمعنى أن يكون القضاء مع وضع الربا. وهكذا سنة الصلح، وهذا أشبه شيء بالصلح ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار على كعب بن مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر، فقال كعب: نعم يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر: قم فاقضه، فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات، وقرأ الحسن ((ما بقِيْ)) بكسر القاف وإسكان الياء، وهذا كما قال جرير: [البسيط] هو الخليفةُ فارضوْا ما رَضَي لكُمُ ماضي العَزِيمَةِ ما فِي حُكْمِهِ جَنَفُ ووجهها أنه شبه الياء بالألف، فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لم تصل هنا إلى الياء، وفي هذا نظر، وقرأ أبو السمال من ((الرّبُوْ)) بكسر الراء المشددة وضم الباء وسكون الواو، وقال أبو الفتح: شذ هذا الحرف في أمرين : أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم بناء لازماً، والآخر وقوع الواو بعد الضمة في آخر الاسم، وهذا شيء لم يأت إلا في الفعل، نحو يغزو ويدعو وأما ذو الطائية بمعنى الذي فشاذة جداً، ومنهم من يغير واوها إذا فارق الرفع، فيقول رأيت ذا قام، ووجه القراءة أنه فخم الألف انتحاء بها الواو التي الألف بدل منها على حد قولهم، الصلاة والزكاة وهي بالجملة قراءة شاذة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائي: ((فأذنَوا)) مقصورة مفتوحة الذال، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ((فآذِنوا)) ممدودة مكسورة الذال. قال سيبويه: آذنت أعلمت، وأذنت نادیت وصوت بالإعلام قال: وبعض يجري آذنت مجری أذنت، قال أبو علي: من قال: ((فأذنوا)) فقصر، معناه فاعلموا الحرب من الله، قال ابن عباس وغيره من المفسرين: معناه فاستيقنوا الحرب من الله تعالى . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهي عندي من الإذن، وإذا أذن المرء في شيء فقد قرره وبنى مع نفسه عليه، فكأنه قال لهم فقرروا الحرب بينكم وبين الله ورسوله، ملزمهم من لفظ الآية أنهم مستدعو الحرب والباغون بها، إذ هم الآذنون بها وفيها، ويندرج في هذا المعنى الذي ذكرته علمهم بأنهم حرب وتيقنهم لذلك، قال أبو علي: ومن قرأ ((فآذنوا)) فمد، فتقديره فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب، والمفعول محذوف، وقد ثبت هذا المفعول في قوله تعالى: ﴿فقل آذنتكم على سواء﴾ [الأنبياء: ١٠٩] وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة، قال: ففي إعلامهم علمهم، وليس في علمهم إعلامهم غيرهم، فقراءة المد أرجح، لأنها أبلغ وآكد قال الطبري: قراءة القصر أرجح لأنها تختص بهم، وإنما أمروا على قراءة المد بإعلام غيرهم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والقراءتان عندي سواء لأن المخاطب في الآية محضور بأنه كل من لم يذر ما بقي من الربا، فإن قيل لهم: ((فأذنوا)) فقد عمهم الأمر، وإن قيل لهم: ((فآذنوا)) بالمد فالمعنى أنفسكم وبعضكم بعضاً، وكأن هذه القراءة تقتضي فسحاً لهم في الارتياء 1 ۔۔ ٣٧٦ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٨٠، ٢٨١ والتثبيت أي فأعلموا نفوسكم هذا ثم انظروا في الأرجح لكم، ترك الربا أو الحرب، وقرأ جميع القراء !((لا تَظلمون)) بفتح التاء و ((لا تُظلمون» بضمها وقد مضى تفسيره. وروى المفضل عن عاصم: لا ((تُظلمون)) بضم التاء في الأولى وفتحها في الثانية. قال أبو علي: وتترجح قراءة الجماعة فإنها تناسب قوله ﴿فإن تبتم﴾ في إسناد الفعلين إلى الفاعل فيجيء ((تظلمون)) بفتح التاء أشکل بما قبله . قوله عز وجل : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّ قُواْخَيْرٌلَكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٨٠ وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِثُمَّ تُوَّى كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٨١ حكم الله تعالى لأرباب الربا برؤوس الأموال عند الواجدين للمال، ثم حكم في ذي العسرة بالنظرة إلى حالة اليسر. قال المهدوي: وقال بعض العلماء هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين، وحكى مكي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام. قال القاضي أبو محمد: فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نسخ، وإلا فليس بنسخ، و «العسرة)) ضيق الحال من جهة عدم المال ومنه جيش العسرة، والنظرة التأخير، والميسرة مصدر بمعنى اليسر، وارتفع ﴿ذو عسرة﴾ بـ ﴿كان﴾ التامة التي هي بمعنى وجد وحدث. هذا قول سيبويه وأبي علي وغيرهما، ومن هنا يظهر أن الأصل الغنى ووفور الذمة، وأن العدم طارىء حادث يلزم أن يثبت. وقال بعض الكوفيين، حكاه الطبري: بل هي ﴿كان﴾ الناقصة والخبر محذوف، تقديره ﴿وإن كان﴾ من غرمائكم ﴿ذو عسرة﴾ وارتفع قوله: ﴿فنظرة﴾ على خبر ابتداء مقدر، تقديره فالواجب نظرة، أو فالحكم نظرة. قال الطبري: وفي مصحف أبي بن كعب: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ على معنى وإن كان المطلوب، وقرأ الأعمش ((وإن كان معسراً فنظرة)». قال أبو عمرو الداني عن أحمد بن موسى: وكذلك في مصحف أبي بن كعب، قال مكي والنقاش وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ بالواو فهي عامة في جميع من علیه دین. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير لازم، وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان، ((فإن كان)) بالفاء ﴿ذو عسرة﴾ بالواو، وقراءة الجماعة نظرة بكسر الظاء، وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن: ((فنظرة)» بسكون الظاء، وكذلك قرأ الضحاك، وهي على تسكين الظاء من نظرة، وهي لغة تميمية، وهم الذين يقولون: کرم زيد بمعنی کرم، ويقولون: کبد في كبد، وکتف في كتف، وقرأ عطاء بن أبي رباح ((فناظرة)) على وزن فاعلة، وقال الزجّاج: هي من أسماء المصادر، كقوله تعالى: ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ [الواقعة: ٢] وكقوله تعالى: ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ [القيامة: ٢٥]، وكخائنة الأعين وغيره، وقرأ نافع ٣٧٧ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٨٠، ٢٨١ وحده («ميسُرة)) بضم السين، وقرأ باقي السبعة وجمهور الناس ((ميسرة)) بفتح السين على وزن مفعلة، وهذه القراءة أكثر في كلام العرب، لأن مفعلة بضم العين قليل. قال أبو علي: قد قالوا: مسربة ومشربة، ولكن مفعلة بفتح العين أكثر في كلامهم، وقرأ عطاء بن أبي رياح أيضاً ومجاهد: ((فناظره إلى ميسُره)) على الأمر في ((ناظره)) وجعلا الهاء ضمير الغريم، وضما السين من ((ميسُرِه)) وكسرا الراء وجعلا الهاء ضمير الغريم، فأما ناظره ففاعله من التأخير، كما تقول: سامحه، وأما ميسر فشاذ، قال سيبويه: ليس في الكلام مفعل، قال أبو علي يريد في الآحاد، فأما في الجمع فقد جاء قول عدي بن زيد: [الرمل] أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنّي مَأْلُكاً أنَّهِ قَدْ طَالَ حَبْسي وانتظار وقول جميل: [الطويل] على كثرة الواشين أيّ معون بٹین الزمی - لا - إن - لا - إن لزمته فالأول جمع مالكة، والآخر جمع معونة، وقال ابن جني: إن عدياً أراد مالكة فحذف، وكذلك جميل أراد أي معونة، وكذلك قول الآخر: [الرجز] ((لیومِ روع أو فِعال مكْرَمِ)) ((أرادَ مَكْرُمَة))، فحذف قال: ويحتمل أن تكون جموعاً كما قال أبو علي. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فإن كان ميسر جمع ميسرة فيجري مجرى هذه الأمثلة، وإن كان قارئه أراد به الإفراد فذلك شاذ، وقد خطأه بعض الناس، وكلام سيبويه يرده، واختلف أهل العلم: هل هذا الحكم بالنظرة إلى الميسرة: واقف على أهل الربا أو هو منسحب على كل ذي دين حال؟ فقال ابن عباس وشريح: ذلك في الربا خاصة، وأما الديون وسائر الأمانات فليس فيها نظرة، بل تؤدى إلى أهلها، وكأن هذا القول يترتب إذا لم يكن فقر مدقع وأما مع الفقر والعدم الصريح، فالحكم هي النظرة ضرورة، وقال جمهور العلماء النظرة إلى الميسرة حكم ثابت في المعسر سواء كان الدیْن ربا أو من تجارة في ذمة أو من أمانة، فسره الضحاك. .- وقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا﴾ ابتداء وخبره ﴿خير﴾، وندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله السدي وابن زيد والضحاك وجمهور الناس. وقال الطبري وقال آخرون معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير خير لكم، ثم أدخل الطبري تحت هذه الترجمة أقوالاً لقتادة وإبراهيم النخعي لا يلزم منها ما تضمنته ترجمته، بل هي كقول جمهور الناس، وليس في الآية مدخل للغني، وقرأ جمهور القراء: ((تصَّدقوا)) بتشديد الصاد على الإدغام من تتصدقوا. وقرأ عاصم ((وأن تصْدقوا)) بتخفيف الصاد وفي مصحف عبد الله بن مسعود (وأن تصدقوا)) بفك الإدغام. وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قال: كان آخر ما أنزل من القرآن آية الربا، وقبض 1 ٠ ٣٧٨ تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٨٢ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة. وقال ابن عباس: آخر ما نزل آية الربا. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ومعنى هذا عندي أنها من آخر ما نزل، لأن جمهور الناس وابن عباس والسدي والضحاك وابن جريج وغيرهم، قال: آخر آية قوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين، وروي أن قوله عز وجل: ﴿واتقوا﴾ نزلت قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ليال، ثم لم ينزل بعدها شيء، وروي بثلاث ليال، وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات، وأنه قال عليه السلام اجعلوها بين آية الربا وآية الدين، وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال جاءني جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية، من البقرة. وقوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ إلى آخر الآية، وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان، و﴿يوماً﴾ منصوب على المفعول لا على الظرف. وقرأ أبو عمرو بن العلاء ((تَرجِعون)) بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ باقي السبعة ((تُرجعَون)) بضم التاء وفتح الجيم، فمثل قراءة أبي عمرو ﴿إِن إلينا إيابهم﴾ [الغاشية: ٢٥] ومثل قراءة الجماعة ﴿ثم ردوا إلى الله﴾ [الأنعام: ٦٢] ﴿ولئن رددت إلى ربي﴾ [الكهف: ٣٦] المخاطبة في القراءتين بالتاء على جهة المبالغة في الوعظ والتحذير، وقرأ الحسن (يَرْجعون)) بالياء على معنى يرجع جميع الناس. قال ابن جني كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة إذ هي مما تنفطر له القلوب. فقال لهم: ﴿واتقوا يوماً﴾، ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقاً بهم، وقرأ أبي بن كعب ((يوماً تُردون)) بضم التاء، وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية، وقال قوم هو يوم الموت، والأول أصح بحكم الألفاظ في الآية، وفي قوله: ﴿إلى الله﴾ مضاف محذوف تقديره إلى حكم الله وفصل قضائه، وقوله ﴿وهم﴾ رد على معنى كل نفس لا على اللفظ إلا على قراءة الحسن ((يرجعون))، فقوله: ﴿وهم﴾ رد على ضمير الجماعة في ((يرجعون))، وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الإنسان. وهذا رد على الجبرية . قوله عز وجل : يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ اْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اَللَّهُ فَلْيَكْتُبْ قال ابن عباس رضي الله عنه نزلت هذه الآية في السلم خاصة. قال القاضي أبو محمد: معناه أن سلم أهل المدينة كان بسبب هذه الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعاً، وبين تعالى بقوله: ﴿بدين﴾ ما في قوله: ﴿تداينتم﴾ من الاشتراك، إذ قد يقال في كلام العرب: تداينوا بمعنى جازى بعضهم بعضاً. ووصفه الأجل بمسمى دليل على أن المجهلة لا تجوز، فكأن الآية رفضتها، وإذا لم تكن تسمية وحد فليس أجل، وذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب ٣٧٩ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٨٢ على أربابها فرض بهذه الآية، وذهب الربيع إلى أن ذلك وجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله تعالى بقوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقال الشعبي: كانوا يرون أن قوله: ﴿فإن أمن﴾ ناسخ لأمره بالکتب، وحکی نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري، وقال جمهور العلماء: الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقياً فما يضره الكتاب وإن كان غير ذلك فالكتب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق، وقال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة، وهذا هو القول الصحيح، ولا يترتب نسخ في هذا لأن الله تعالى ندب إلى الكتب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس، ثم علم تعالى أنه سيقع الائتمان فقال إن وقع ذلك ﴿فليؤد﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآية، فهذه وصية للذين عليهم الديون، ولم يجزم تعالى الأمر نصاً بأن لا يكتب إذا وقع الائتمان، وأما الطبري رحمه الله فذهب إلى أن الأمر بالكتب فرض واجب وطول في الاحتجاج، وظاهر قوله أنه يعتقد الأوامر على الوجوب حتى يقوم دليل على غير ذلك. واختلف الناس في قوله تعالى: ﴿وليكتب بينكم) فقال عطاء وغيره: واجب على الكاتب أن يكتب، وقال الشعبي وعطاء أيضاً: إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب، وقال السدي: هو واجب مع الفراغ، وقوله تعالى: ﴿بالعدل﴾ معناه بالحق والمعدلة، والباء متعلقة بقوله تعالى: ﴿وليكتب﴾، وليست متعلقة بـ ﴿كاتب﴾ لأنه كان يلزم أن لا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه، وقد يكتبها الصبي والعبد والمسخوط إذا أقاموا فقهها، أما أن المنتصبين لكتبها لا يتجوز للولاة ما أن يتركوهم إلا عدولاً مرضيين، وقال مالك رحمه الله: لا يكتب الوثائق من الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون، لقوله تعالى ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ ثم نهى الله تعالى الكتاب عن الإباية، وأبى يأبى شاذ لم يجىء إلا قلى يقلى وأبا يأبى، ولا يجيء فعل يفعل بفتح العين في المضارع إلا إذا رده حرف حلق، قال الزجّاج والقول في أبى أن الألف فيه أشبهت الهمزة فلذلك جاء مضارعه يفعل بفتح العين، وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله ﴿ولا يأب﴾ منسوخ بقوله ﴿لا يضار كاتب ولا شهيد﴾ [البقرة: ٢٨٢] والكاف في قوله ﴿كما علمه الله﴾ متعلقة بقوله: ﴿أن يكتب﴾ المعنى كتباً كما علمه الله، هذا قول بعضهم، ويحتمل أن تكون ﴿كما﴾ متعلقة بما في قوله ﴿ولا يأب﴾ من المعنى أي كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا یأب هو، وليفضل كما أفضل الله عليه، ويحتمل أن يكون الكلام على هذا المعنى تاماً عند قوله: ﴿أن يكتب﴾، ثم یکون قوله: ﴿كما علمه الله﴾ ابتداء كلام، وتكون الكاف متعلقة بقوله ﴿فليكتب﴾. قال القاضي أبو محمد: وأما إذا أمكن الكتاب فليس يجب الكتب على معين، ولا وجوب الندب، بل له الامتناع إلا إن استأجره، وأما إذا عدم الكاتب فيتوجه وجوب الندب حينئذ على الحاضر، وأما الكتب في الجملة فندب كقوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧] وهو من باب عون الضائع. قوله عز وجل : وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ ٣٨٠ تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٨٢ سَفِيهًا أَوْضَعِيفًا أَوْلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ أمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون بحسب إقراره، وإذا كتبت الوثيقة وأقرّ بها فهو كإملاء له. وأمره الله بالتقوى فيما يملي ونهي عن أن ﴿يبخس﴾ شيئاً من الحق، والبخس النقص بنوع من المخادعة والمدافعة، وهؤلاء الذين أمروا بالإملاء هم المالكون لأنفسهم إذا حضروا، ثم ذكر الله تعالى ثلاثة أنواع تقع نوازلهم في کل زمن. فقال ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً﴾ وكون الحق يترتب في جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك، والسفيه المهلهل الرأي في المال الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج، والسفه الخفة، ومنه قول الشاعر وهو ذو الرمة: [الطويل]. أعالِيهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّواسِمِ مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفْهَتْ وهذه الصفة في الشريعة لا تخلو من حجر أب أو وصي، وذلك هو وليه، ثم قال: ﴿أو ضعيفاً﴾ والضعيف هو المدخول في عقله الناقص الفطرة، وهذا أيضاً قد يكون وليه أباً أو وصياً، الذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير، و﴿وليه﴾ وصيه أو أبوه والغائب عن موضع الإشهاد إما لمرض أو لغير ذلك من العذر، و﴿وليه﴾ وكيله، وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأوْلى أنه ممن لا يستطيع، فهذه أصناف تتميز، ونجد من ينفرد بواحد واحد منها، وقد يجتمع منها اثنان في شخص واحد، وربما اجتمعت كلها في شخص، وهذا الترتيب ينتزع من قول مالك وغيره من العلماء الحذاق، وقال بعض الناس: السفيه الصبي الصغير، وهذا خطأ، وقال قوم الضعيف هو الكبير الأحمق، وهذا قول حسن، وجاء الفعل مضاعفاً في قوله: ﴿أن يمل﴾ لأنه لو فك لتوالت حركات كثيرة، والفك في هذا الفعل لغة قريش. و﴿بالعدل﴾ معناه بالحق وقصد الصواب، وذهب الطبري إلى أن الضمير في ﴿وليه﴾ عائد على ﴿الحق﴾، وأسند في ذلك عن الربيع وعن ابن عباس. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي شيء لا يصح عن ابن عباس، وكيف تشهد على البينة على شيء وتدخل مالاً في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدين؟ هذا شيء ليس في الشريعة، والقول ضعيف إلا أن يريد قائله أن الذي لا يستطيع ﴿أن يمل﴾ بمرضه إذا كان عاجزاً عن الإملاء فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز، فإذا كمل الإملاء أقر به، وهذا معنى لم تعن الآية إليه، ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يمل بمرض. قوله عز وجل : وَأَسْتَشْهِدُ واْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَارَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَنهُمَا الْأُخْرَى الاستشهاد: طلب الشهادة وعبر ببناء مبالغة في ﴿شهیدین) دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه،.