Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٦٥ - ٦٧
هذا أن الممسوخ ينسل، فإن كان أراد هذا فهو ظن منه عليه السلام في أمر لا دخل له في التبليغ، ثم
أوحي إليه بعد ذلك أن الممسوخ لا ينسل، ونظير ما قلناه نزوله عليه السلام على مياه بدر، وأمره باطراح
تذكير النخل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أخبرتكم برأي في أمور الدنيا فإنما أنا بشر)).
وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط وردّت أفهامهم كأفهام القردة،
والأول أقوى، والضمير في ﴿جعلناها﴾: يحتمل العود على المسخة والعقوبة، ويحتمل على الأمة التي
مسخت، ويحتمل على القردة، ويحتمل على القرية إذ معنى الكلام يقتضيها، وقيل يعود على الحيتان،
وفي هذا القول بعد.
والنكال: الزجر بالعقاب، والنكل والأنكال: قيود الحديد، فالنكال عقاب ينكل بسببه غير المعاقب
عن أن يفعل مثل ذلك الفعل، قال السدي: ما بين يدي المسخة: ما قبلها من ذنوب القوم، ﴿وما خلفها﴾:
لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب، وهذا قول جيد، وقال غيره: ((ما بين يديها)) أي من حضرها من
الناجين، ﴿وما خلفها﴾ أي لمن يجيء بعدها، وقال ابن عباس: ﴿لما بين يديها﴾: أي من بعدهم من
الناس ليحذر ويتقي، ﴿وما خلفها): لمن بقي منهم عبرة.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وما أراه يصح عن ابن عباس رضي الله عنه ، لأن
دلالة ما بين اليد ليست كما في القول، وقال ابن عباس أيضاً: ﴿لما بين يديها وما خلفها﴾، أي من
القرى، فهذا ترتيب أجرام لا ترتيب في الزمان .
﴿وموعظة﴾ مفعلة من الاتعاظ والازدجار، ﴿وللمتقين) معناه للذين نهوا ونجوا، وقالت فرقة: معناه
لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، واللفظ يعم كل متق من كل أمة .
وقوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه﴾ الآية: ﴿إذ﴾ عطف على ما تقدم، والمراد تذكيرهم بنقض
سلفهم للميثاق، وقرأ أبو عمرو ((يأمرْكم)) بإسكان الراء، وروي عنه اختلاس الحركة، وقد تقدم القول في
مثله في (( بارثكم)).
وسبب هذه الآية على ما روي، أن رجلاً من بني إسرائيل أسنّ وكان له مال، فاستبطأ ابن أخيه موته،
وقيل أخوه، وقيل ابنا عمه، وقيل ورثة كثير غير معينين، فقتله ليرثه وألقاه في سبط آخر غير سبطه، ليأخذ
ديته ويلطخهم بدمه، وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاه إلى باب إحدى، المدينتين،
وهي التي لم يقتل فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلاً، فتعلق بالسبط أو بسكان المدينة التي
وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء حتى دخلوا في السلاح، فقال أهل
النهي منهم: أنقتل ورسول الله معنا؟ فذهبوا إلى موسى عليه السلام فقصوا عليه القصة، وسألوه البيان،
فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضرب القتيل ببعضها، فيحيى ويخبر بقاتله فقال لهم: ﴿إن الله يأمركم أن
تذبحوا بقرة﴾، فكان جوابهم أن قالوا: ﴿أتتخذنا هزواً﴾؟ قرأ الجحدري ((أيتخذنا)) بالياء، على معنى
ايتخذنا الله، وقرأ حمزة: ((هزْؤاً)) بإسكان الزاي والهمز، وهي لغة، وقرأ عاصم بضم الزاي والهاء
والهمز، وقرأ أيضاً: دون همز ((هزواً))، حكاه أبو علي، وقرأت طائفة من القراء بضم الهاء والزاي والهمزة .

١٦٢
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٦٨ - ٧٠
بین بین، وروي عن أبي جعفر وشيبة ضم الهاء وتشديد الزاي ((هُزّآ))، وهذا القول من بني إسرائيل ظاهره
فساد اعتقاد ممن قاله، ولا يصح الإيمان ممن يقول لنبي قد ظهرت معجزاته، وقال: ﴿إن الله يأمركم أن
تذبحوا بقرة﴾، ﴿أتتخذنا هزواً﴾، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم
لوجب تكفيره، وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية، على نحو ما قال
القائل للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين: ((إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله))، وكما قال له
الآخر: ((اعدل يا محمد)»، وكلُّ محتمل، والله أعلم.
وقول موسى عليه السلام: ﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾، يحتمل معنيين: أحدهما الاستعاذة
من الجهل في أن يخبر عن الله تعالى مستهزئاً، والآخر من الجهل كما جهلوا في قولهم ﴿أتتخذنا هزواً﴾
لمن يخبرهم عن الله تعالی.
قوله عز وجل:
قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَاهِىَّ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضُ وَلَا بِكْرٍّ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ
فَاَفْعَلُواْ مَا تُؤْمُرُونَ ﴿ قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ
قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا
٦٩
صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُ النَّظِرِينَ
وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
٧٠
هذا تعنت منهم وقلة طواعية، ولو امتثلوا الأمر فاستعرضوا بقرة فذبحوها لقضوا ما أمروا به، ولكن
شددوا فشدد الله عليهم، قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما. ولغة بني عامر ((ادع)) بكسر العين، و﴿ما﴾
استفهام رفع بالابتداء، وهي خبره، ورفع ﴿فارض﴾ على النعت للبقرة على مذهب الأخفش، أو على خبر
ابتداء مضمر تقديره لا هي فارض، والفارض المسنة الهرمة التي لا تلد، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد
وغيرهم، تقول فرضت تفرض بفتح العين في الماضي، فروضاً، ويقال فرضت بضم العين، ويقال لكل
ما قدم وطال أمده فارض، وقال الشاعر [العجاج]: [الرجز]
يا رب ذي ضغن عليَّ فارض له قروء كقروء الحائض
والبكر من البقر التي لم تلد من الصغر، وحكى ابن قتيبة أنها التي ولدت ولداً واحداً، والبكر من
النساء التي لم يمسها الرجل، والبكر من الأولاد الأول، ومن الحاجات الأولى، والعوان التي قد ولدت مرة
بعد مرة، قاله مجاهد، وحكاه أهل اللغة، ومنه قول العرب: العوان لا تعلم الخمرة. وحرب عوان: قد قوتل
فيها مرتین فما زاد، ورفعت ﴿عوان﴾ على خبر ابتداء مضمر، تقديره هي عوان، وجمعها عون بسكون الواو،
وسمع عون بتحريكها بالضم.
و﴿بين﴾، بابها أن تضاف إلى اثنتين، وأضيفت هنا إلى ﴿ذلك﴾، إذ ذلك يشار به إلى المجملات،
فذلك عند سيبويه منزلة ما ذكر، فهي إشارة إلى مفرد على بابه، وقد ذكر اثنان فجاءت أيضاً ﴿بين﴾ على بابها.
:

١٦٣
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٧١ - ٧٣
وقوله: ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنت، فما تركوه، و﴿ما﴾ رفع
بالابتداء، و﴿لونها﴾ خبره، وقال ابن زيد وجمهور الناس في قوله ﴿صفراء﴾، إنها كانت كلها صفراء، قال مكي
رحمه الله عن بعضهم: حتى القرن والظلف، وقال الحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير: كانت صفراء
القرن والظلف فقط، وقال الحسن أيضاً: ﴿صفراء﴾ معناه سوداء، وهذا شاذ لا يستعمل مجازاً إلا في الإبل،
وبه فسر قول الأعشى ميمون بن قيس: [الخفيف]
هنّ صفرٌ أولادُها كالزبيب
تلك خيلي منه وتلك ركابي
والفقوع: نعت مختص بالصفرة، كما خص أحمر بقانىء، وأسود بحالك، وأبيض بناصع، وأخضر
بناضر، و ﴿لونها﴾ فاعل بـ ﴿فاقع﴾.
و﴿تسر الناظرين﴾ قال وهب بن منبه: كانت كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها، فمعناه تعجب
الناظرين، ولهذا قال ابن عباس وغيره: الصفرة تسر النفس، وحض ابن عباس على لباس النعال الصفر،
حكاه عنه النقاش، وحكي نهي ابن الزبير ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السود، لأنها تهمّ، وقال أبو
العالية والسدي: ﴿تسر الناظرين﴾ معناه في سمنها ومنظرها كله، وسألوه بعد هذا كله عما هي سؤال متحيرين
قد أحسوا بمقت المعصية، و﴿البقر﴾ جمع بقرة، وتجمع أيضاً على باقر، وبه قرأ ابن يعمر وعكرمة، وتجمع
على بقير وبيقور، ولم يقرأ بهما فيما علمت، وقرأ السبعة: ((تشابه)) فعل ماض، وقرأ الحسن ((تشّابِهُ)) بشد
الشين وضم الهاء، أصله تتشابه، وهي قراءة يحيى بن يعمر، فأدغم، وقرأ أيضاً ((تَشَابُهُ)) بتخفيف الشين
على حذف التاء الثانية، وقرأ ابن مسعود «يَشابهُ)) بالياء وإدغام التاء، وحكى المهدي عن المعيطي ((يشَّبَّهُ))
بتشديد الشين والباء دون ألف، وحكى أبو عمرو الداني قراءة ((متشبه)) اسم فاعل من تَشَبَّه، وحكي أيضاً
«پتشابهُ)).
وفي استثنائهم في هذا السؤال الأخير إنابة ما وانقياد ودليل ندم وحرص على موافقة الأمر، وروي عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لولا ما استثنوا ما اهتدوا إليها أبداً))، والضمير في ﴿إنا﴾، هو اسم
﴿إن﴾، و﴿مهتدون﴾ الخبر، واللام للتأكيد، والاستثناء اعتراض، قدم على ذكر الاهتداء، تهمماً به.
قوله عز وجل:
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لََّذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَثَ مُسَلَّمَةٌ لََّ شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْشَّنَ جِئْتَ
اَلْحَقِّ فَذَ بَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴿وَإِذْ قَلْتُمْ نَفْسًا فَأَذَّرَءْ ثُمْ فِيهَا وَاَللَّهُ مُخْرِجُ مَا كُنتُمْ
تَكْتُمُونَ ﴿٣ فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحِى اَللّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
٧٣
﴿ذلول﴾: مذللة بالعمل والرياضة، تقول بقرة مذللة بيّنة الذَّل بكسر الذال، ورجل ذلول بين الذُّل بضم
الذال، و﴿ذلول﴾ نعت ل ﴿بقرة﴾، أو على إضمارهي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: ((لا ذلولَ)) بنصب اللام.
و﴿تثير الأرض﴾، معناه بالحراثة، وهي عند قوم جملة في موضع رفع على صفة البقرة، أي لا ذلول

١٦٤
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٧١ - ٧٣
مثيرة، وقال قوم ﴿تثير﴾ فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث وأنها كانت تحرث ولا تسقي، ولا يجوز أن
تكون هذه الجملة في موضع الحال، لأنها من نكرة، و﴿تسقي الحرث﴾ معناه بالسانية أو غيرها من
الآلات، و ﴿الحرث﴾ ما حرث وزرع.
و﴿مسلمة﴾ بناء مبالغة من السلامة، قال ابن عباس وقتادة وأبو العالية: معناه من العيوب، وقال مجاهد:
معناه من الشيات والألوان، وقال قوم: معناه من العمل.
و﴿لا شية فيها﴾: أي لا خلاف في لونها هي صفراء كلها لا بياض فيها ولا حمرة ولا سواد قاله ابن زيد
وغيره، والموشي المختلط الألوان، ومنه وشي الثوب، تزيينه بالألوان، ومنه الواشي لأنه يزين كذبه بالألوان
من القول، والثور الأشيه الذي فيه بلقة، يقال فرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وكلب أبقع، وثور
أشيه، كل ذلك بمعنى البلقة .
وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا فشدد الله عليهم، ودين الله يُسْرٌ، والتعمق في سؤال
الأنبياء عليهم السلام مذموم.
وقصة وجود هذه البقرة على ما روي، أن رجلاً من بني إسرائيل ولد له ابن، وكانت له عجلة،
فأرسلها في غيضة، وقال: اللهم إني قد استودعتك هذه العجلة لهذا الصبي، ومات الرجل، فلما كبر
الصبي قالت له أمه: إن أباك قد استودع الله عجلةً لك، فأذهب فخذها، فذهب فلما رأته البقرة جاءت إليه
حتى أخذ بقرنيها، وكانت مستوحشة، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصفة
التي أمروا بها، وروت طائفة أنه كان رجل من بني إسرائيل براً بأبيه فنام أبوه يوماً وتحت رأسه مفاتيح
مسكنهما، فمر به بائع جوهر فسامه فيه بستين ألفاً، فقال له ابن النائم: اصبر حتى ينتبه أبي، وأنا آخذه
منك بسبعين ألفاً، فقال له صاحب الجوهر: نبه أباك وأنا أعطيكه بخمسين ألفاً، فداما كذلك حتى بلغه
مائة ألف، وانحط صاحب الجوهر إلى ثلاثين ألفاً، فقال له ابن النائم: والله لا اشتريته منك بشيء براً
بأبيه، فعوضه الله منه أن وجدت البقرة عنده، وقال قوم: وجدت عند عجوز تعول يتامى كانت البقرة لهم،
إلى غير ذلك من اختلاف في قصتها، هذا معناه، فلما وجدت البقرة ساموا صاحبها، فاشتط عليهم،
وكانت قيمتها ـ على ما روي عن عكرمة - ثلاثة دنانير، فأتوا به موسى عليه السلام، وقالوا: إن هذا اشتط
علينا، فقال لهم: أرضوه في ملكه، فاشتروها منه بوزنها مرة، قاله عبيدة السلماني، وقيل بوزنها مرتين،
وقال السدي: بوزنها عشر مرات، وقال مجاهد: كانت لرجل يبر أمه، وأخذت منه بملء جلدها دنانير،
وحكى مكي: أن هذه البقرة نزلت من السماء، ولم تكن من بقر الأرض، وحكى الطبري عن الحسن أنها
كانت وحشية .
و﴿الآن﴾ مبنيٌّ على الفتح ولم يتعرف بهذه الألف واللام، ألا ترى أنها لا تفارقه في الاستعمال، وإنما
بني لأنه ضمن معنى حرف التعريف، ولأنه واقع موقع المبهم، إذ معناه هذا الوقت، هو عبارة عما بين
الماضي والمستقبل، وقرىء ((قالوا الآن)) بسكون اللام وهمزة بعدها، ((وقالوا الان)) بمدة على الواو وفتح
اللام دون همز، ((وقالوا الآن)) بحذف الواو من اللفظ دون همز، ((وقالوا الآن)» بقطع الألف الأولى وإن
كانت ألف وصل، كما تقول (يا الله)).

١٦٥
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٧١ - ٧٣
و﴿جئت بالحق﴾ معناه - عند من جعلهم عصاة - بينت لنا غاية البيان، و﴿جئت بالحق﴾ الذي طلبناه،
لا إنه كان يجيء قبل ذلك بغير حق، ومعناه عند ابن زيد - الذي حمل محاورتهم على الكفر -: الآن
صدقت. وأذعنوا في هذه الحال حين بين لهم أنها سائمة، وقيل إنهم عيّنوها مع هذه الأوصاف، وقالوا:
هذه بقرة فلان، وهذه الآية تعطي أن الذبح أصل في البقر، وإن نحر أجزأت.
وقوله تعالى: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ عبارة عن تثبطهم في ذبحها، وقلة مبادرتهم إلى أمر الله تعالى،
وقال محمد بن كعب القرظي : كان ذلك منهم لغلاء البقرة وكثرة ثمنها، وقال غيره: كان ذلك خوف
الفضيحة في أمر القاتل، وقيل: كان ذلك للمعهود من قلة انقيادهم وتعنتهم على الأنبياء، وقد تقدم قصص
القتيل الذي يراد بقوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفساً﴾، والمعنى قلنا لهم اذكروا إذ قتلتم.
و((ادار أتم)) أصله: تدارأتم، ثم أدغمت التاء في الدال فتعذر الابتداء بمدغم، فجلبت ألف الوصل،
ومعناه تدافعتم أي دفع بعضكم قتل القتيل إلى بعض، قال الشاعر: [الرجز]
صَادَفَ درءُ السَّيْلِ دَرْءاً يَدْفَعُهْ
وقال الآخر [الخفيف]:
مذراً يدرأُ الخُصُومُ بقولٍ مِثْلَ حَدِّ الصِّمْصَامَةِ الهُنْدُواني
والضمير في قوله: ﴿فيها﴾ عائد على النفس وقيل على القتلة، وقرأ أبو حيوة وأبو السوار الغنوي ((وإذ
قتلتم نسمة فادّارأتم))، وقرأت فرقة ((فتدارأتم)) على الأصل، وموضع ﴿ما﴾ نصب بمخرج، والمكتوم هو أمر
المقتول.
وقوله: ﴿اضربوه ببعضها﴾ آية من الله تعالى على يدي موسى عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا
ببعض البقرة القتيل فيحيى ويخبر بقاتله، فقيل: ضربوه، وقيل: ضربوا قبره، لأن ابن عباس ذكر أن أمر
القتيل وقع قبل جواز البحر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنة، وقال القرظي : لقد أمروا بطلبها وما
هي في صلب ولا رحم بعد، وقال السدي: ضرب باللحمة التي بين الكتفين، وقال مجاهد وقتادة وعبيدة
السلماني: ضرب بالفخذ، وقيل: ضرب باللسان، وقيل: بالذنب، وقال أبو العالية: بعظم من عظامها .
وقوله تعالى: ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ الآية، الإشارة بـ ﴿كذلك) إلى الإحياء الذي تضمنه قصص
الآية، إذ في الكلام حذف، تقديره: فضربوه فحيي، وفي هذه الآية حض على العبرة، ودلالة على البعث
في الآخرة. وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل، حينئذ حكي لمحمد صلى الله عليه وسلم ليعتبر به إلى يوم
القيامة، وذهب الطبري إلى أنها خطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وأنها مقطوعة من قوله
تعالى: ﴿اضربوه ببعضها﴾، وروي أن هذا القتيل لما حيي وأخبر بقاتله عاد ميتاً كما كان، واستدل مالك
رحمه الله بهذه النازلة على تجويز قول القتيل وأن تقع معه القسامة .
قوله عز وجل:
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالِحِجَارَةٍ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ

١٦٦
تفسير سورة البقرة / الآيتان : ٧٤، ٧٥
الْأَنْهَرٌ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشِيَةِ اَللَّهِ وَمَا اللَّهُ
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَّدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ
ME
بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
٧٥
﴿قست﴾ أي صلبت وجفت، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى، وقال ابن
عباس: المراد قلوب ورثة القتيل، لأنهم حين حيي قال: إنهم قتلوه وعاد إلى حال موته أنكروا قتله،
وقالوا: كذب بعدما رأوا هذه الآية العظمى، لكن نفذ حكم الله تعالى بقتلهم، قال عبيدة السلماني: ولم
یرٹ قاتل من حينئذ.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وبمثله جاء شرعنا، وحكى مالك رحمه الله في
الموطأ، أن قصة أحيحة بن الجلاح في عمه هي التي كانت سبباً أن لا يرث قاتل، ثم ثبت ذلك الإسلام،
كما ثبت كثيراً من نوازل الجاهلية، وقال أبو العالية وقتادة وغيرهما: إنما أراد الله قلوب بني إسرائيل جميعاً
في معاصيهم وما رکبوه بعد ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فهي كالحجارة) الآية، الكاف في موضع رفع خبر لـ ((هي))، تقديره: فهي مثل
الحجارة ﴿أو أشد﴾ مرتفع بالعطف على الكاف، ﴿أو﴾ على خبر ابتداء بتقدير تكرارهي، و﴿قسوة﴾ نصب على
التمييز، والعرف في ﴿أو﴾ أنها للشك، وذلك لا يصح في هذه الآية، واختلف في معنى ﴿أو﴾ هنا،
فقالت طائفة: هي بمعنى الواو، كما قال تعالى: ﴿آثماً أو كفوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] أي وكفوراً، وكما قال
الشاعر [جرير]: [البسيط]
كما أتى ربَّهُ موسى على قَدَر
نال الخلافة أو كانَتْ له قدراً
أي وكانت له. وقالت طائفة هي بمعنى بل، كقوله تعالى: ﴿إلى مائة ألف أو يزيدون﴾
[الصافات: ١٤٧] المعنى بل يزيدون، وقالت طائفة: معناها التخيير، أي: شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو
بأشد من الحجارة تصيبوا، وقالت فرقة: هي على بابها في الشك. ومعناه: عندكم أيها المخاطبون وفي
نظركم، أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة. وقالت فرقة: هي على جهة
الإبهام على المخاطب، ومنه قول أبي الأسود الدؤلي :
وعباساً وحمزة أو عليّا
أحب محمّداً حباً شديداً
ولم يشك أبو الأسود، وإنما قصد الإبهام على السامع، وقد عورض أبو الأسود في هذا، فاحتجّ بقول
الله تعالى: ﴿وأنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ: ٢٤]، وهذه الآية مفارقة لبيت أبي
الأسود، ولا يتم معنى الآية إلا بـ ((أو))، وقالت فرقة: إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر، وفيهم
من قلبه أشد من الحجر، فالمعنى فهي فرقتان كالحجارة أو أشد، ومثل هذا قولك: أطعمتك الحلو أو
الحامض، تريد أنه لم يخرج ما أطعمته عن هذين، وقالت فرقة: إنما أراد عز وجل أنها كانت كالحجارة.

١٦٧
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٧٤، ٧٥
يترجى لها الرجوع والإنابة، كما تتفجر الأنهار ويخرج الماء من الحجارة، ثم زادت قلوبهم بعد ذلك
قسوة بأن صارت في حد من لا ترجى إنابته، فصارت أشد من الحجارة، فلم تخل أن كانت كالحجارة طوراً
أو أشد طوراً، وقرأ أبو حيوة: ((قساوة))، والمعنى واحد.
وقوله تعالى: ﴿وإن من الحجارة﴾ الآية، معذرة للحجارة وتفضيل لها على قلوبهم في معنى قلة
القسوة، وقال قتادة: عذر الله تعالى الحجارة ولم يعذر شقيّ بني آدم، وقرأ قتادة: ((وإِنْ)) مخففة من
الثقيلة، وكذلك في الثانية والثالثة، وفرق بينها وبين النافية لام التأكيد، في ﴿لما﴾، وما في موضع نصب
اسم لـ ﴿إن﴾، ودخلت اللام على اسم ﴿إن﴾ لمّا حال بينهما المجرور، ولو اتصل الاسم بـ ﴿إن﴾ لم يصح دخول
اللام لثقل اجتماع تأكيدين، وقرأ مالك بن دينار: ((ينفجر)) بالنون وياء من تحت قبلها وكسر الجيم، ووحد
الضمير في ﴿منه﴾ حملاً على لفظ ((ما))، وقرأ أبي بن كعب والضحاك ((منها الأنهار))، حملًا على الحجارة،
و﴿الأنهار﴾ جمع نهر وهو ما كثر ماؤه جرياً من الأخاديد، وقرأ طلحة بن مصرف: ((لّ)) بتشديد الميم في
الموضعين، وهي قراءة غير متجهة، ﴿ويشقق﴾ أصله يتشفق أدغمت التاء في الشين، وهذه عبارة عن
العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهاراً، أو عن الحجارة التي تشقق وإن لم يجر ماء منسفح، وقرأ ابن
مصرف ينشقق بالنون، وقيل في هبوط الحجارة تفيؤ ظلالها، وقيل المراد: الجبل الذي جعله الله دكاً،
وقيل: إن الله تعالى يخلق في بعض الأحجار خشية وحياة يهبطها من علو تواضعاً، ونظير هذه الحياة حياة
الحجر المسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وحياة الجذع الذي أَنَّ لفقد النبي صلى الله عليه وسلم،
وقيل لفظة الهبوط مجاز لما كانت الحجارة يعتبر بخلقها ويخشع بعض مناظرها، أضيف تواضع الناظر
إليها، كما قالت العرب: ناقة تاجرة أي: تبعث من يراها على شرائها، وقال مجاهد: ما تردى حجر من
رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر ولا خرج ماء منه إلا ﴿من خشية الله﴾، نزل بذلك القرآن، وقال مثله ابن
جريج، وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله تعالى
﴿يريد أن ينقض﴾ [الكهف: ٧٧]، وكما قال زيد الخيل: [الطويل]
ترى الأكمَ فيه سجداً للحوافر
بِجمعِ تضِل البُلْقُ في حَجَراتِهِ
وكما قال جرير: والجبال الخشع، أي من رأى الحجر هابطاً تخيل فيه الخشية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قول ضعيف: لأن براعة معنى الآية تختل به، بل القوي أن
الله تعالى يخلق للحجارة قدراً ما من الإدراك تقع به الخشية والحركة، و﴿بغافل﴾ في موضع نصب خبر
﴿ما﴾، لأنها الحجازية، يقوي ذلك دخول الباء في الخبر، وإن كانت الباء قد تجيء شاذة مع التميمية،
وقرأ ابن كثير ((يعملون)) بالياء، والمخاطبة على هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ الآية، الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمد صلى الله
عليه وسلم، وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار الذي كان بينهم، ومعنى
هذا الخطاب: التقرير على أمر فيه بعد، إذ قد سلفت لأسلاف هؤلاء اليهود أفاعيل سوء، وهؤلاء على ذلك
السنن، والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كالحزب، وقال مجاهد والسدي: عني بالفريق هنا الأحبار

١٦٨
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٧٦ - ٧٨
الذين حرفوا التوراة في صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد كل من حرف في التوراة شيئاً حكماً
أو غيره كفعلهم في آية الرجم ونحوها، وقال ابن إسحاق والربيع: عُني السبعون الذين سمعوا مع موسى
صلى الله عليه وسلم ثم بدلوا بعد ذلك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذا القول ضعف، ومن قال إن السبعين سمعوا ما
سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى عليه السلام واختصاصه بالتكليم، وقرأ الأعمش: ((كَلِمَ الله))،
وتحريف الشيء إحالته من حال إلى حال ، وذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أن تحريفهم وتبديلهم
إنما هو بالتأويل ولفظ التوراة باقٍ، وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدلوا ألفاظاً من تلقائهم وأن ذلك
ممكنٌ في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن الله تعالى ضمن حفظه.
قوله عز وجل :
وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَءَامَنُوْقَالُوَاْءَامَنًا وَ إِذَا خَلَا يَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ
◌َ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَايُسِرُونَوَمَا
٧٦
عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ
٧٨
وَمِنْهُمْ أُمِّتُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
يُعْلِنُونَ لِّـ
المعنى: وهم أيضاً إذا لقوا يفعلون هذا، فكيف يطمع في إيمانهم؟ ويحتمل أن يكون هذا الكلام
مستأنفاً مقطوعاً من معنى الطمع، فيه كشف سرائرهم.
وورد في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن))، فقال
كعب بن الأشرف ووهب بن يهوذا وأشباههما: اذهبوا وتحسسوا أخبار من آمن بمحمد وقولوا لهم آمنا
واكفروا إذا رجعتم، فنزلت هذه الآية فيهم، وقال ابن عباس: نزلت في منافقين من اليهود، وروي عنه
أيضاً أنها نزلت في قوم من اليهود قالوا لبعض المؤمنين نحن نؤمن أنه نبي ولكن
ليس إلينا، وإنما هو إليكم خاصة، فلما خلوا قال بعضهم: لم تقرون بنبوته وقد كنا قبل
نستفتح به؟ فهذا هو الذي فتح الله عليهم من علمه، وأصل ﴿خلا﴾ ((خُلَوَ)) تحركت الواو وانفتح
ما قبلها فانقلبت ألفاً، وقال أبو العالية وقتادة: إن بعض اليهود تكلم بما في التوراة من صفة محمد
صلى الله عليه وسلم، فقال لهم كفرة الأحبار: أتحدثون ﴿بما فتح الله عليكم﴾ أي عرفكم من صفة
محمد صلى الله عليه وسلم فيحتجون عليكم إذ تقرون به ولا تؤمنون به؟، وقال السدي: إن بعض اليهود
حكى لبعض المسلمين ما عذب به أسلافهم، فقال بعض الأحبار: ﴿أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ من
العذاب، فيحتجون عليكم ويقولون نحن أكرم على الله حين لم يفعل بنا مثل هذا؟، وفتح على هذا التأويل
بمعنى حكم، وقال مجاهد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبني قريظة: يا إخوة الخنازير والقردة،
فقال الأحبار لأتباعهم: ما عرف هذا إلا من عندكم، أتحدثونهم؟ وقال ابن زيد: كانوا إذا سئلوا عن شيء،
قالوا في التوراة كذا وكذا، فكرهت الأحبار ذلك، ونهوا في الخلوة عنه، ففيه نزلت الآية.
والفتح في اللغة ينقسم أقساماً تجمعها بالمعنى التوسعة وإزالة الإبهام، وإلى هذا يرجع الحكم

١٦٩
تفسير سورة البقرة / الآيات : ٧٦ - ٧٨
وغيره، والفتاح هو القاضي بلغة اليمن، و﴿يحاجوكم﴾ من الحجة، وأصله من حج إذا قصد، لأن المتحاجَّيْن
كل واحد منهما يقصد غلبة الآخر، و ﴿عند ربكم﴾ معناه في الآخرة، وقيل عند بمعنى في ربكم، أي فيكونون
أحق به، وقيل: المعنى عند ذكر ربكم.
وقوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون) قيل: هو من قول الأحبار للأتباع، وقيل: هو خطاب من الله للمؤمنين،
أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال. والعقل علوم ضرورية
وقرأ الجمهور ((أولا يعلمون)) بالياء من أسفل، وقرأ ابن محيصن ((أولا تعلمون)) بالتاء خطاباً
للمؤمنين، والذي أسروه كفرهم، والذي أعلنوه قولهم آمنا، هذا في سائر اليهود، والذي أسره الأحبار صفة
محمد صلى الله عليه وسلم والمعرفة به، والذي أعلنوه الجحد به، ولفظ الآية يعم الجميع.
و﴿أميون﴾ هنا عبارة عن جهلة بالتوراة، قال أبو العالية ومجاهد وغيرهما: المعنى ومن هؤلاء اليهود
المذكورين، فالآية منبهة على عامتهم وأتباعهم، أي إنهم ممن لا يطمع في إيمانهم لما غمرهم من
الضلال، وقيل: المراد هنا بالأميين قوم ذهب كتابهم لذنوب ركبوها فبقوا أميين، وقال عكرمة والضحاك:
هم في الآية نصارى العرب، وقيل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنه قال: هم المجوس. والضمير
افي ﴿منهم﴾ على هذه الأقوال هو للكفار أجمعين، قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقول أبي العالية
ومجاهد أوجه هذه الأقوال، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة ((أميون)) بتخفيف الميم، والأمي في اللغة الذي
لا يكتب ولا يقرأ في كتاب، نسب إلى الأم: إما لأنه بحال أمه من عدم الكتاب لا بحال أبيه، إذ النساء ليس
من شغلهن الكتاب، قاله الطبري، وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها لم ينتقل عنها، وقيل نسب إلى الأمة وهي
القامة والخلقة، كأنه ليس له من الآدميين إلا ذلك، وقيل نسب إلى الأمة على سذاجتها قبل أن تعرف
المعارف، فإنها لا تقرأ ولا تكتب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في العرب: ((إنا أمة أميّة لا
نحسب ولا نكتب))، الحديث: والألف واللام في ﴿الكتاب﴾ للعهد، ويعني به التوراة في قول أبي العالية.
ومجاهد. والأماني جمع أمنية، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع في بعض ما روي عنه ((أماني)) بتخفيف الياء،
وأصل أمنية أمنوية على وزن أفعولة، ويجمع هذا الوزن على أفاعل، وعلى هذا يجب تخفيف الياء،
ويجمع على أفاعيل فعلى هذا يجيء أماني أدغمت الياء في الياء فجاء ((أماني)).
واختلف في معنى ﴿أماني﴾، فقالت طائفة: هي هنا من تمني الرجل إذا ترجى، فمعناه أن منهم من لا
يكتب ولا يقرأ وإنما يقول بظنه شيئاً سمعه، فيتمنى أنه من الكتاب، وقال آخرون: هي من تمنى إذا تلا،
ومنه قوله تعالى ﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ [الحج: ٥٢] ومنه قول الشاعر [كعب بن مالك]:
[الطويل]
تمنى كتاب الله أول ليله
وآخره لاقى حمام المقادِرِ
فمعنى الآية أنهم لا يعلمون الكتاب إلا سماع شيء يتلى لا علم لهم بصحته، وقال الطبري: هي
من تمنى الرجل إذا حدث بحديث مختلق كذب، وذكر أهل اللغة أن العرب تقول تمنى الرجل إذا كذب
واختلق الحديث، ومنه قول عثمان رضي الله عنه: ((ما تمنيت ولا تغنيت منذ أسلمت)).

١٧٠
تفسير سورة البقرة / الآيات : ٧٩-٨٢
فمعنى الآية أن منهم أميين لا يعلمون الكتاب إلا أنهم يسمعون من الأحبار أشياء مختلقة يظنونها من
الكتاب، وإن نافية بمعنى ما، والظن هنا على بابه في الميل إلى أحد الجائزين.
قوله عز وجل :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْنُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِ بِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْبِهِ، ثَمَنًا قَلِيلاً
فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٦) وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا
مَّعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْ تُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ نَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيَتَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّهُمْ فِيهَا
٨٠
٨٢
خَالِدُ ونَ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
﴿الذين﴾ في هذه الآية يراد بهم الأحبار والرؤساء، قال الخليل: الويل شدة الشر، وقال الأصمعي:
الويل القبوح وهو مصدر لا فعل له، ويجمع على ويلات، والأحسن فيه إذا انفصل الرفع، لأنه يقتضي
الوقوع، ويصح النصب على معنى الدعاء أي ألزمه الله ويلاً، وويل وويح وويس وويب تتقارب في
المعنى، وقد فرق بينها قوم، وروى سفيان وعطاء بن يسار أن الويل في هذه الآية: واد يجري بفناء جهنم
من صديد أهل النار، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وادٍ في جهنم بين جبلين
يهوي فيه الهاوي أربعين خريفاً، وقال أبو عياض: إنه صهريج في جهنم، وروى عثمان بن عفان رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من جبال النار. وحكى الزهراوي عن آخرين أنه باب من أبواب
جهنم، و﴿الذين يكتبون﴾: هم الأحبار الذين بدلوا التوراة.
وقوله تعالى: ﴿بأيديهم﴾ بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم الله، وفرق بين من كتب وبين من أمر، إذ
المتولي للفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله، وإن كان رأياً له، وقال ابن السراج: هو كناية عن أنه من تلقائهم
دون أن ينزل عليهم، وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم، والذي بدلوا هو صفة النبي صلى الله عليه وسلم
ليستديموا رياستهم ومكاسبهم، وقال ابن إسحاق: كانت صفته في التوراة أسمر ربعة، فردوه آدم طويلاً،
وذكر السدي أنهم كانوا يكتبون كتباً يبدلون فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم ويبيعونها من الأعراب
ويبثونها في أتباعهم ويقولون هي من عند الله، وتناسق هذه الآية على التي قبلها يعطي أن هذا الكتب
والتبديل إنما هو للأتباع الأميين الذين لا يعلمون إلا ما قرىء لهم.
والثمن قيل عرض الدنيا، وقيل الرشا والمآكل التي كانت لهم، ووصفه بالقلة إما لفنائه وإما لكونه
حراماً، وكرر الويل لتكرار الحالات التي استحقوه بها، و﴿يكسبون﴾ معناه من المعاصي والخطايا، وقيل من
المال الذي تضمنه ذكر الثمن.
وقوله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسَّنا النارُ﴾ الآية، روى ابن زيد وغيره أن سببها أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال لليهود: من أهل النار؟ فقالوا: نحن ثم تخلفوننا أنتم، فقال لهم: كذبتم لقد علمتم أنا لا

--
١٧١
تفسير سورة البقرة / الآیات: ٧٩ - ٨٢
نخلفكم، فنزلت هذه الآية، ويقال إن السبب أن اليهود قالت: إن الله تعالى أقسم أن يدخلهم النار أربعين
يوماً عدد عبادتهم العجل، قاله ابن عباس وقتادة، وقالت طائفة: قالت اليهود إن في التوراة أن طول جهنم
مسيرة أربعين سنة وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم، وقال ابن عباس أيضاً
ومجاهد وابن جريج: إنهم قالوا إن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإن الله تعالى يعذبهم بكل ألف سنة يوماً .
و﴿اتخذتمْ﴾ أصله ((ايتخذتم))، وزنه افتعلتم من الأخذ، سهلت الهمزة الثانية لامتناع جمع همزتين
فجاء ((ايتخذتم)) فاضطربت الياء في التصريف فجاءت ألفاً في ياتخذوا وواواً في ((موتخذ)) فبدلت بحرف
جلد ثابت وهو التاء وأدغمت، فلما دخلت في هذه الآية ألف التقرير استغني عن ألف الوصل، ومذهب
أبي علي أن ﴿اتخذتم﴾ من ((تخذ)) لا من ((أخذ)) وقد تقدم ذكر ذلك.
وقال أهل التفسير: العهد من الله تعالى في هذه الآية الميثاق والوعد، وقال ابن عباس وغيره: معناه
هل قلتم لا إله إلا الله وآمنتم وأطعتم فتدلون بذلك وتعلمون أنكم خارجون من النار؟، فعلى هذا التأويل
الأول يجيء المعنى: هل عاهدكم الله على هذا الذي تدعون؟ وعلى التأويل الثاني يجيء: هل أسلفتم
عند الله أعمالاً توجب ما تدعون؟، وقوله ﴿فلن يخلف الله عهده﴾ اعتراض أثناء الكلام.
و﴿بلى﴾ رد بعد النفي بمنزلة نعم بعد الإيجاب، وقال الكوفيون: أصلها بل التي هل للإضراب عن
الأول وزيدت عليها الياء ليحسن الوقف عليها وضمنت الياء معنى الإيجاب والإنعام بما يأتي بعدها، وقال
سيبويه: هي حرف مثل بل وغيره، وهي في هذه الآية رد لقول بني إسرائيل ﴿لن تمسنا النار﴾ فرد الله عليهم
وبين الخلود في النار والجنة بحسب الكفر والإيمان، و﴿من﴾ شرط في موضع رفع بالابتداء، و((أولئك)) ابتداء
ثان، و ﴿أصحاب﴾ خبره، والجملة خبر الأول، والفاء موطئة أن تكون الجملة جواب الشرط.
وقالت طائفة: السيئة الشرك كقوله تعالى ﴿ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار﴾
[النمل: ٩٠]، والخطيئات كبائر الذنوب، وقال قوم: ((خطيئته)) بالإفراد، وقال قوم: السيئةُ هنا الكبائر،
وأفردها وهي بمعنى الجمع لما كانت تدل على الجنس، كقوله تعالى ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾
[إبراهيم: ٣٤]، والخطيئة الكفر، ولفظة الإحاطة تقوي هذا القول وهي مأخوذة من الحائط المحدق
بالشيء، وقال الربيع بن خيثم والأعمش والسدي وغيرهم: معنى الآية مات بذنوب لم يتب منها، وقال
الربيع أيضاً: المعنى مات على كفره، وقال الحسن بن أبي الحسن والسدي: المعنى كل ما توعد الله عليه
بالنار فهي الخطيئة المحيطة، والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأبيد في المشركين، ومستعار بمعنى
الطول والدوام في العصاة وإن علم انقطاعه، كما يقال ملك خالد ويدعى للملك بالخلد.
وقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا) الآية. يدل هذا التقسيم على أن قوله ﴿من كسب سيئة﴾ الآية في الكفار
لا في العصاة، ويدل على ذلك أيضاً قوله: ﴿أحاطت) لأن العاصي مؤمن فلم تحط به خطيئته، ويدل على
ذلك أيضاً أن الرد كان على كفار ادعوا أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة فهم المراد بالخلود، والله أعلم.
قوله عز وجل :
وَإِذْ أَخَذْ نَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَّء يَلَ لَا تَعْبُدُ ونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى

١٧٢
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٨٣، ٨٤
وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا
قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ
٨٤
أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ
المعنى: ((واذكروا إذا أخذنا))، وقال مكي رحمه الله: ((هذا هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين
أخرجوا من صلب آدم كالذر)»، وهذا ضعيف، وإنما هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على لسان
موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم عليهم السلام، وأخذ الميثاق قول، فالمعنى قلنا لهم ﴿لا تعبدون﴾، وقرأ
ابن كثير وحمزة والكسائي ((لا يعبدون)) بالياء من أسفل، وقرأ الباقون بالتاء من فوق، حكاية ما قيل لهم،
وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود ((لا تعبدوا)) على النهي. قال سيبويه: ﴿لا تعبدون﴾ متعلق لقسم،
والمعنى وإذ استخلفناكم والله لا تعبدون، وقالت طائفة: تقدير الكلام بأن لا تعبدوا إلا الله، ثم حذفت
الباء ثم حذفت أن فارتفع الفعل لزوالها، ﴿فلا تعبدون﴾ على هذا معمول لحرف النصب، وحكي عن
قطرب أن ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ في موضع الحال أي أخذنا ميثاقهم موحدين، وهذا إنما يتجه على قراءة
ابن كثير، ونظام الآية يدفعه مع كل قراءة، وقال قوم ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ نهي في صيغة خبر، ويدل على
ذلك أن في قراءة أبي لا تعبدوا.
والباء في قوله ﴿وبالوالدين﴾ قيل هي متعلقة بالميثاق عطفاً على الباء المقدرة أولاً على قول من قال
التقدير بأن لا تعبدوا، وقيل: تتعلق بقوله و ﴿إحساناً﴾ والتقدير قلنا لهم لا تعبدون إلا الله، وأحسنوا إحساناً
بالوالدين ويعترض هذا القول بأن المصدر قد تقدم عليه ما هو معمول له، وقيل تتعلق الباء بأحسنوا المقدر
والمعنى وأحسنوا بالوالدين إحساناً، وهذا قول حسن، وقدم اللفظ ﴿بالوالدين﴾ تهمماً فهو نحو قوله تعالى
﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥] وفي الإحسان تدخل أنواع بر الوالدين كلها، ﴿وذي القربى﴾ عطف على
الوالدين، و﴿القربى﴾ بمعنى القرابة، وهو مصدر كالرجعى والعقبى، وهذا يتضمن الأمر بصلة الرحم،
﴿واليتامى﴾: جمع يتيم كنديم وندامى، واليتم في بني آدم فقد الأب، وفي البهائم فقد الأم، وقال عليه
السلام: ((لا يتم بعد بلوغ))، وحكى الماوردي أن اليتيم في بني آدم في فقد الأم، وهذا يتضمن الرأفة
باليتامى وحيطة أموالهم، ﴿والمساكين﴾: جمع مسكين وهو الذي لا شيء له، لأنه مشتق من السكون وقد
قيل: إن المسكين هو الذي له بلغة من العيش، وهو على هذا مشتق من السكن، وهذا يتضمن الحض
على الصدقة والمواساة وتفقد أحوال المساكين .
وقوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسناً﴾، أمر عطف على ما تضمنه ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ وما بعده من معنى
الأمر والنهي، أو على أحسنوا المقدر في قوله ﴿وبالوالدين﴾، وقرأ حمزة والكسائي ((حَسَناً) بفتح الحاء
والسين، قال الأخفش: هما بمعنى واحد كالبخل والبخل، قال الزجاج وغيره: بل المعنى في القراءتين
وقولوا قولاً حسناً بفتح السين أو قولاً ذا (حُسن)) بضم الحاء، وقرأ قوم ((حسنى)) مثل فعلى، ورده سيبويه لأن
أفعل وفعلى لا تجيء إلا معرفة إلا أن يزال عنها معنى التفضيل وتبقى مصدراً كالعقبى، فذلك جائز، وهو

١٧٣
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٨٣، ٨٤
وجه القراءة بها، وقرأ عيسى بن عمر وعطاء بن أبي رباح ((حُسُنا)) بضم الحاء والسين، وقال ابن عباس:
معنى الكلام قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها، وقال ابن جريج: قولوا لهم حسناً في الإعلام بما في
كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال سفيان الثوري: معناه مروهم بالمعروف وانهوهم عن
المنكر، وقال أبو العالية: معناه قولوا لهم الطيب من القول وحاوروهم بأحسن ما تحبون أن تحاوروا به،
وهذا حض على مكارم الأخلاق، وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله تعالى ﴿وقولوا للناس حسناً﴾:
منسوخ بآية السيف.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ
في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه، وقد تقدم القول في إقامة الصلاة،
وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها وتنزل النار على ما تقبل ولا تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن كزكاة أمة
محمد صلى الله عليه وسلم، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ((الزكاة التي أمروا بها طاعة الله
والإخلاص)».
وقوله تعالى ﴿ثم توليتم) الآية خطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم أسند إليهم تولي
أسلافهم، إذ هم كلهم بتلك السبيل، قال نحوه ابن عباس وغيره، و﴿ثم﴾ مبنية على الفتح ولم تجر مجرى
رد وشد لأنها لا تتصرف، وضمت التاء الأخيرة من ﴿توليتم﴾ لأن تاء المفرد أخذت الفتح وتاء المؤنث أخذت
الكسر فلم يبق للتثنية والجمع إلا الضم، و﴿قليلاً﴾ نصب على الاستثناء قال سيبويه: المستثنى منصوب
على التشبيه بالمفعول به، قال المبرد: هو مفعول حقيقة لأن تقديره استثنيت كذا، والمراد بالقليل جميع
مؤمنيهم قديماً من أسلافهم وحديثاً كابن سلام وغيره، والقلة على هذا هي في عدد الأشخاص، ويحتمل
أن تكون القلة في الإيمان أي لم يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا إيمان قليل،
إذ لا ينفعهم، والأول أقوى، وقرأ قوم ((إلا قليلٌ)) برفع القليل، ورويت عن أبي عمرو، وهذا على بدل
قليل من الضمير في ﴿توليتم﴾، وجاز ذلك مع أن الكلام لم يتقدم فيه نفي لأن ﴿توليتم﴾ معناه النفي كأنه قال ثم
لم تفوا بالميثاق إلا قليل، والسفك صب الدم وسرد الكلام، وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة
((لا تسفُكون)) بضم الفاء، وقرأ أبو نهيك (تُسفِّكون)) بضم التاء وكسر الفاء وتضعيفها، وإعراب ﴿لا
تسفکون﴾ کما تقدم في ﴿لا تعبدون﴾، و ﴿دماءكم﴾ جمع دم، وهو اسم منقوص أصله دمي، وتثنيته دمیان، وقيل
أصله دمْي بسكون الميم، وحركت في التثنية لتدل الحركة على التغيير الذي في الواحد.
وقوله تعالى ﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ معناه ولا ينفي بعضكم بعضاً بالفتنة والبغي، ولما
كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحداً وكانوا في الأمم كالشخص الواحد، جعل قتل بعضهم لبعض ونفي
بعضهم بعضاً قتلاً لأنفسهم ونفياً لها، وكذلك حكم كل جماعة تخاطب بهذا اللف في القول، وقيل ﴿لا
تسفكون دماءكم﴾ أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصاً، فكأنه سفك دم نفسه لما سبب ذلك ولا يفسد في الأرض
فينفى فيكون قد أخرج نفسه من دياره، وهذا تأويل فيه تكلف، وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على
بني إسرائيل في التوراة ميثاقاً أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا ينفيه ولا يسترقه ولا يدعه يسترق إلى غير ذلك
من الطاعات.
1

١٧٤
- تفسير سورة البقرة / الآية: ٨٥
+
وقوله تعالى ﴿ثم أقررتم﴾ أي خلفاً بعد سلف أن هذا الميثاق أخذ عليكم والتزمتموه فيتجه في هذه
اللفظة أن تكون من الإقرار الذي هو ضد الجحد وتتعدى بالباء، وأن تكون من الإقرار الذي هو إبقاء الأمر
على حاله، أي أقررتم هذا الميثاق ملتزماً.
وقوله ﴿وأنتم تشهدون﴾ قيل الخطاب يراد به من سلف منهم والمعنى وأنتم شهود أي حضور أخذ
الميثاق والإقرار، وقيل إن المراد من كان في مدة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى وأنتم شهداء أي
بينة أن هذا الميثاق أخذ على أسلافكم فمن بعدهم.
قوله عز وجل :
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَآءٍ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم
بِآلْإِمِ وَالْعُدْوَنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أَسَرَىْ تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ
بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّاخِرِىٌ فِى
اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٨٥
﴿هؤلاء﴾ دالة على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل رداً إلى الأسلاف، قيل: تقدير الكلام يا هؤلاء،
فحذف حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبويه مع المبهمات، لا تقول هذا أقبل، وقيل تقديره أعني
هؤلاء، وقيل ﴿هؤلاء﴾ بمعنى الذين، فالتقدير ثم أنتم الذين تقتلون، فـ ﴿تقتلون﴾ صلة ﴿لهؤلاء﴾،
ونحوه قال يزيد بن مفرغ الحميري .
نجوت وهذا تحملين طليق
عدسْ ما لعبّاد عليك إمارة
وقال الأستاذ الأجل أبو الحسن بن أحمد شيخنا رضي الله عنه: ﴿هؤلاء﴾ رفع بالابتداء و﴿أنتم﴾
خبر مقدم، و﴿تقتلون﴾ حال، بها تم المعنى، وهي كانت المقصود فهي غير مستغنى عنها، وإنما جاءت
بعد أن تم الكلام في المسند والمسند إليه، كما تقول هذا زيد منطلقاً، وأنت قد قصدت الإخبار بانطلاقه لا
الإخبار بأن هذا هو زید.
وهذه الآية خطاب لقريظة والنضير وبني قينقاع، وذلك أن النضير وقريظة حالفت الأوس، وبني
قينقاع حالفت الخزرج، فكانوا إذا وقعت الحرب بين بني قيلة ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها
فقتل بعضهم بعضاً وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعاً
لحكم التوراة وهم قد خالفوها بالقتال والإخراج، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((تُقتَلون)) بضم التاء الأولى
وكسر الثانية وشدّها على المبالغة، والديار مباني الإقامة، وقال الخليل: محلة القوم دارهم، وقرأ حمزة
وعاصم والكسائي ((تظاهرون)) بتخفيف الظاء وهذا على حذف التاء الثانية من تتظاهرون، وقرأ بقية
السبعة ((تظَّاهرون)) بشد الظاء على إدغام التاء في الظاء، وقرأ أبو حيوة ((تُظهِرون)) بضم التاء وكسر
الهاء، وقرأ مجاهد وقتادة ((تَظَّهَرَّون)) بفتح التاء وشد الظاء والهاء مفتوحة دون ألف، ورويت هذه عن أبي

١٧٥
تفسير سورة البقرة / الآية: ٨٥
عمرو، ومعنى ذلك على كل قراءة تتعاونون، وهو مأخوذ من الظهر، كأن المتظاهريْن يسند كل واحد منهما
ظهره إلى صاحبه، والإثم العهد الراتبة على العبد من المعاصي، والمعنى بمكتسبات الإثم، ﴿والعدوان﴾
تجاوز الحدود والظلم، وحسن لفظ الإتيان من حيث هو في مقابلة الإخراج فيظهر التضاد المقبح لفعلهم
في الإخراج، وقرأ حمزة ((أسرى تفدوهم))، وقرأ نافع وعاصم والكسائي ((أسارى تفادوهم))، وقرأ أبو
عمرو وابن عامر وابن كثير ((أساری تفدوهم))، وقرأ قوم ((أسرى تفادوهم)). و ﴿أسارى﴾ جمع أسير، والأسير
مأخوذ من الأسر وهو الشد، سمي بذلك لأنه يؤسر أي يشد وثاقاً، ثم كثر استعماله حتى لزم وإن لم يكن ثم
ربط ولا شد، وأسير فعيل بمعنى مفعول، ولا يجمع بواو ونون وإنما يكسر على أسرى وأسارى، والأقيس
فيه أسرى، لأن فعيلا بمعنى مفعول الأصل فيه أن يجمع على فعلى، كقتلى وجرحى، والأصل في فعلان
أن يجمع على ((فَعالى)) بفتح الفاء و ((فُعالی)) بضمها کسکران وكسلان وسُكَاری وكُسَالى، قال سيبويه:
فقالوا في جمع کسلان کسْلى، شبهوه بأسری کما قالوا ﴿أسارى﴾ شبهوه بكسالى، ووجه الشبه أن الأسر يدخل
على المرء مكرهاً كما يدخل الكسل، وفعالى إنما يجيء فيما كان آفة تدخل على المرء.
و﴿تفَادوهم﴾ معناه في اللغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئاً، قاله أبو علي، قال القاضي أبو محمد
رحمه الله: وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئاً، فعلى هذا قد تجيء بمعنى فديت أي دفعت فيه
من مال نفسي، ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: أعطني فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلاً،
وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف جر، تقول: فديت زيداً بمال وفاديته بمال، وقال
قوم: هي في قراءة تفادوهم مفاعلة في أسرى بأسرى، قال أبو علي: كل واحد من الفريقين فعل، الأسر
دفع الأسير، والمأسور منه دفع أيضاً إما أسيراً وإما غيره، والمفعول الثاني محذوف.
وقوله تعالى: ﴿وهو محرم) قيل في ﴿هو﴾ إنه ضمير الأمر، تقديره والأمر محرم عليكم،
و﴿إخراجهم﴾ في هذا القول بدل من ﴿هو﴾، وقيل ﴿هو﴾ فاصلة، وهذا مذهب الكوفيين، وليست هنا
بالتي هي عماد، و﴿محرم﴾ على هذا ابتداء، و﴿إخراجهم﴾ خبره، وقيل هو الضمير المقدر في
﴿محرم﴾ قدم وأظهر، وقيل هو ضمير الإخراج تقديره وإخراجهم محرم عليكم.
وقوله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب﴾ يعني التوراة، والذي آمنوا به فداء الأسارى، والذي كفروا
به قتل بعضهم بعضاً وإخراجهم من ديارهم، وهذا توبيخ لهم، وبيان لقبح فعلهم.
وروي أن عبد الله بن سلام مرّ على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء من لم تقع عليه
العرب ولا يفادي من وقع عليه، فقال له ابن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن.
ثم توعدهم عز وجل. والخزي: الفضيحة والعقوبة، يقال: خزي الرجل يخزى خزياً إذا ذل من
الفضيحة، وخزي يخزى خزاية إذا ذل واستحيا. واختلف ما المراد بالخزي ها هنا فقيل: القصاص فيمن
قتل، وقيل ضرب الجزية عليهم غابر الدهر، وقيل قتل قريظة، وإجلاء النضير، وقيل: الخزي الذي توعد
به الأمة وهو غلبة العدو. والدنيا مأخوذة من دنا يدنو، وأصل الياء فيها واو ولكن أبدلت فرقاً بين الأسماء
والصفات. وأشد العذاب الخلود في جهنم، وقرأ الحسن وابن هرمز ((تردون)) بتاء.

١٧٦
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٨٦ - ٨٨
وقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل) الآية، قرأ نافع وابن كثير ((يعملون)) بياء على ذكر الغائب فالخطاب
بالآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والآية واعظة لهم بالمعنى إذ الله تعالى بالمرصاد لكل كافر
وعاص، وقرأ الباقون بتاء على الخطاب المحتمل أن يكون في سرد الآية وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون
لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن بني إسرائيل قد
مضوا وأنتم الذين تعنون بهذا يا أمة محمد، يريد: وبما يجري مجراه.
قوله عز وجل :
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِاَ لْآَخِرَةِ فَلاَ يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ يُنْصَرُونَ
٨٦
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اُلْبَيِّنَتِ
وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَاجَاءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَىَ أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ
وَفَرِيقًا نَقْئُلُونَ (*) وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُْ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ
٨٨
جعل الله ترك الآخرة وأخذ الدنيا مع قدرتهم على التمسك بالآخرة بمنزلة من أخذها ثم باعها بالدنيا.
وهذه النزعة صرفها مالك رحمه الله في فقه البيوع، إذ لا يجوز الشراء على أن يختار المشتري في كل ما تختلف
صفة آحاده، ولا يجوز فيه التفاضل كالحجل المذبوحة وغيرها، ولا يخفف عنهم العذاب في الآخرة، ولا ينصرون
لا في الدنيا ولا في الآخرة، و﴿الكتاب﴾ التوراة، ونصبه على المفعول الثاني لـ ﴿آتينا﴾، ﴿وقفينا﴾ مأخوذ من
القفا، تقول قفيت فلاناً بفلان إذا جئت به من قبل قفاه، ومنه قفا يقفو إذا اتبع. وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿ثم
أرسلنا رسلنا تترا﴾ [المؤمنون: ١٤٤]، وكل رسول جاء بعد موسى عليه السلام فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر
بلزومها إلى عيسى عليه السلام، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر ((بالرسْل)) ساكنة السين، ووافقهما أبو عمرو
إذا انضاف ذلك إلى ضمير نحورسلنا ورسلهم، و﴿البينات﴾ الحجج التي أعطاها الله عيسى، وقيل هي آياته من
إحياء وإبراء وخلق طير، وقيل هي الإنجيل، والآية تعم جميع ذلك، و﴿أيدناه﴾ معناه قويناه، والأيد القوة، وقرأ
ابن محيصن والأعرج وحميد ((آيدناه)). وقرأ ابن كثير ومجاهد ((روح القدس)) بسكون الدال. وقرأ الجمهور
بضم القاف والدال، وفيه لغة فتحهما، وقرأ أبو حيوة ((بروح القدوس)) بواو، وقال ابن عباس رضي الله عنه:
((روح القدس هو الاسم الذي به كان يحيي الموتى))، وقال ابن زيد: ((هو الإنجيل كما سمى الله تعالى
القرآن روحاً»، وقال السدي والضحاك والربيع وقتادة: ((روح القدس جبريل صلى الله عليه وسلم))، وهذا
أصح الأقوال. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: ((اهج قريشاً وروح القدس معك))،
ومرة قال له ((وجبريل معك))، وقال الربيع ومجاهد: ﴿القدس﴾ اسم من أسماء الله تعالى كالقدوس، والإضافة
على هذا إضافة الملك إلى المالك، وتوجهت لما كان جبريل عليه السلام من عباد الله تعالى، وقيل
﴿القدس) الطهارة، وقيل ﴿القدس﴾ البركة.
وكلما ظرف، والعامل فيه ﴿استكبرتم﴾، وظاهر الكلام الاستفهام، ومعناه التوبيخ والتقرير، ويتضمن
أيضاً الخبر عنهم، والمراد بهذه الآية بنو إسرائيل.

١٧٧
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٨٩ - ٩١
ويروى أن بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي ثم تقوم سوقهم آخر النهار، وروي سبعين
نبياً ثم تقوم سوق بقلهم آخر النهار، وفي ﴿تهوى) ضمير من صلة ما لطول اللفظ، والهوى أكثر ما يستعمل
فيما ليس بحق، وهذه الآية من ذلك، لأنهم إنما كانوا يهوون الشهوات، وقد يستعمل في الحق، ومنه قول
عمر رضي الله عنه في قصة أسرى بدر: ((فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما
قلت))، و﴿استكبرتم﴾ من الكبر، ﴿وفريقاً﴾ مفعول مقدم.
وقرأ جمهور القراء ((غلْف)) بإسكان اللام على أنه جمع أغلف مثل ((حمْر) و ((صفْر))، والمعنى قلوبنا
عليها غَلَف وغشاوات فهي لا تفقه، قاله ابن عباس، وقال قتادة: ((المعنى عليها طابع))، وقالت طائفة:
غلْف بسكون اللام جمع غلاف، أصله غلّف بتثقيل اللام فخفف.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قلما يستعمل إلا في الشعر. وقرأ الأعمش والأعرج وابن
محيصن ((غلّف)) بتثقيل اللام جمع غلاف، ورويت عن أبي عمرو، فالمعنى هي أوعية للعلم والمعارف
بزعمهم، فهي لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد
صلى الله عليه وسلم؟، فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾، و﴿بل﴾ في هذه الآية
نقض للأول، وإضراب عنه، ثم بين تعالى أن السبب في نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم
من كفرهم واحترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنب فالذنب أعظم منه، واللعن الإبعاد والطرد، و﴿قليلاً﴾
نعت لمصدر محذوف تقديره فإيماناً قليلاً ما يؤمنون، والضمير في ﴿يؤمنون﴾ لحاضري محمد صلى الله
عليه وسلم، ويتجه قلة هذا الإيمان: إما لأن من آمن بمحمد منهم قليل فيقل لقلة الرجال، قال هذا المعنى
قتادة، وإما لأن وقت إيمانهم عندما كانوا يستفتحون به قبل مبعثه قليل، إذ قد كفروا بعد ذلك، وإما لأنهم
لم يبق لهم بعد كفرهم غير التوحيد على غير وجهه، إذ هم مجسمون فقد قللوه بجحدهم الرسل وتكذيبهم
التوراة، فإنما يقل من حيث لا ينفعهم كذلك، وعلى هذا التأويل يجيء التقدير فإيماناً قليلاً، وعلى الذي
قبله فوقتاً قليلاً، وعلى الذي قبله فعدداً من الرجال قليلاً، و﴿ما﴾ في قوله: ﴿فقليلاً ما يؤمنون﴾ زائدة
مؤكدة، و ﴿قليلا﴾ نصب بـ ﴿يؤمنون﴾.
قوله عز وجل :
وَلَمَّا جَآءَ هُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِتْسَمَا أَشْتَرَوْأْ بِهِ:
فَلَمَّاجَآءَ هُم مَاعَرَفُواْ كَفَرُواْبِةٍ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اَلْكَفِرِينَ ﴾
أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنْزَلَ
فَبَآءُ وبِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ
اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَاُلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمُّ قُلْ فَلِمَ
تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ قُّؤْمِنِينَ
الكتاب القرآن، و﴿مصدق لما معهم﴾ يعني التوراة، وروي أن في مصحف أبي بن كعب ((مصدقاً) بالنصب.
:

١٧٨
تفسير سورة البقرة / الآيات : : ٨٩ -٩١
و ﴿يستفتحون﴾ معناه أن بني إسرائيل كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قد علموا خروجه بما
عندهم من صفته وذكر وقته، وظنوا أنه منهم، فكانوا إذا حاربوا الأوس والخزرج فغلبتهم العرب قالوا لهم:
لو قد خرج النبي الذي قد أظل وقته لقاتلناكم معه واستنصرنا علیکم به و ﴿يستفتحون﴾ معناه يستنصرون،
وفي الحديث: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين))، وروي أن قريظة
والنضير وجميع يهود الحجاز في ذلك الوقت كانوا يستفتحون على سائر العرب، وبسبب خروج النبي
المنتظر كانت نقلتهم إلى الحجاز وسكناهم به، فإنهم كانوا علموا صقع المبعث، وما عرفوا أنه محمد عليه
السلام وشرعه، ويظهر من هذه الآيات العناد منهم، وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة، ((ولعنة الله)): معناه
إبعاده لهم وخزیهم لذلك.
:
واختلفت النحاة في جواب ﴿لما﴾ و﴿لما﴾ الثانية في هذه الآية. فقال أبو العباس المبرد: جوابهما في
قولَه: ﴿كَفروا﴾، وأعيدت ﴿لما﴾ الثانية لطول الكلام، ويفيد ذلك تقريراً للذنب، وتأكيداً له، وقال الزجاج:
﴿لما﴾ الأولى لا جواب لها للاستغناء عن ذلك بدلالة الظاهر من الكلام عليه؟
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فكأنه محذوف، وقال الفراء: جواب ﴿لما﴾ الأولى
في الفاء وما بعدها، وجواب ﴿لما﴾ الثانية ﴿كفروا﴾.
((وبيس)) أصله ((بئس)) سهلت الهمزة ونقلت إلى الباء حركتها، ويقال في ((بئس)) ((بيس)) اتباعاً
للكسرة، وهي مستوفية للذم كما نعم مستوفية للمدح، واختلف النحويون في ﴿بيسما﴾ في هذا الموضع،
فمذهب سيبويه أن ((ما)) فاعلة ببيس، ودخلت عليها بيس كما تدخل على أسماء الأجناس والنكرات لما
أشبهتها ((ما)) في الإبهام، فالتقدير على هذا القول: بيس الذي ﴿اشتروا به أنفسهم أن يكفروا﴾، كقولك:
بيس الرجل زيد، و((ما)) في هذا القول موصولة، وقال الأخفش: ((ما)) في موضع نصب على التمييز كقولك
((بيس رجلاً زيد))، فالتقدير ((بيس شيئاً أن يكفروا))، و﴿اشتروا به أنفسهم) في هذا القول صفة ((ما))، وقال
الفراء ((بيسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا))، وفي هذا القول اعتراض لأنه فعل يبقى بلا فاعل، و((ما))
إنما تكف أبداً حروفاً، وقال الكسائي: ((ما))، و ﴿اشتروا﴾ بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه، فالتقدير بيس اشتراؤهم
أنفسهم أن يكفروا، وهذا أيضاً معترض لأن ((بيس)) لا تدخل على اسم معين متعرف بالإضافة إلى الضمير،
وقال الكسائي أيضاً: إن ((ما)) في موضع نصب على التفسير وثم ((ما)) أخرى مضمرة، فالتقدير بيس شيئاً ما
اشتروا به أنفسهم، و﴿أن يكفروا﴾ في هذا القول بدل من ((ما)) المضمرة، ويصح في بعض الأقوال
المتقدمة أن يكون ﴿أن يكفروا﴾ في موضع خفض بدلاً من الضمير في ﴿به﴾، وأما في القولين الأولين فـ (أن﴾
﴿يكفروا﴾ ابتداء وخبره فيما قبله، و﴿اشتروا﴾ بمعنى باعوا، يقال: شرى واشترى بمعنى باع، وبمعنى ابتاع،
و﴿بما أنزل الله﴾ يعني به القرآن، ويحتمل أن يراد به التوراة لأنهم إذ كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام
فقد كفروا بالتوراة، ويحتمل أن يراد به الجميع من توراة وإنجيل وقرآن، لأن الكفر بالبعض يلزم الكفر
بالكل، و﴿بغياً﴾ مفعول من أجله، وقيل نصب على المصدر، و﴿أن ينزل﴾ نصب على المفعول من أجله أو في
موضع خفض بتقدير بأن ينزل.

١٧٩
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٨٩ - ٩١
وقرأ أبو عمرو وابن كثير ((أن ينزل)) بالتخفيف في النون والزاي، و﴿من فضله﴾ يعني من النبوة
والرسالة. و﴿من يشاء﴾ يعني به محمداً صلى الله عليه وسلم لأنهم حسدوه لما لم يكن منهم وكان من العرب.
ويدخل في المعنى عيسى عليه السلام لأنهم قد كفروا به بغياً، والله قد تفضل عليه، و((باؤوا)) معناه: مضوا
متحملين لما يذكر أنهم باؤوا به، و﴿يغضب﴾ معناه من الله تعالى لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم على
غضب متقدم من الله تعالى عليهم، قيل لعبادتهم العجل، وقيل لقولهم عزير ابن الله، وقيل لكفرهم بعيسى
عليه السلام.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فالمعنى على غضب قد باء به أسلافهم حظ هؤلاء منه وافر بسبب
رضاهم بتلك الأفعال وتصویبهم لها.
وقال قوم: المراد بقوله ﴿بغضب على غضب﴾ التأكيد وتشديد الحال عليهم لا أنه أراد غضبين
معللين بقصتين، و﴿مهين﴾ مأخوذ من الهوان وهو ما اقتضى الخلود في النار لأن من لا يخلد من عصاة
المسلمين إنما عذابه كعذاب الذي يقام عليه الحد لا هوان فيه بل هو تطهير له.
وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم﴾ يعني: اليهود أنهم إذا قيل لهم: آمنوا بالقرآن الذي أنزل الله على
محمد صلى الله عليه وسلم ﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾ يعنون التوراة وما وراءه. قال قتادة: أي ما بعده،
وقال الفراء: أي ما سواه ويعني به القرآن، وإذا تكلم رجل أو فعل فعلاً فأجاد يقال له ما وراء ما أتيت به
شيء، أي ليس يأتي بعده. ووصف الله تعالى القرآن بأنه الحق، و﴿مصدقاً﴾ حال مؤكدة عند سيبويه، وهي
غير منتقلة، وقد تقدم معناها في الكلام ولم يبق لها هي إلا معنى التأكيد، وأنشد سيبويه على الحال
المؤكدة. [البسيط]:
وهل لدارة يا للناس من عار
أنا ابن دارة معروفاً بها حسبي
و﴿لما معهم﴾ يريد به التوراة.
وقوله تعالى: ﴿قل فلم تقتلون) الآية رد من الله تعالى عليهم في أنهم آمنوا بما أنزل عليهم،
وتكذيب منه لهم في ذلك، واحتجاج عليهم. ولا يجوز الوقف على ﴿فلم﴾ لنقصان الحرف الواحد إلا أن
البزي وقف عليه بالهاء، وسائر القراء بسكون الميم. وخاطب الله من حضر محمداً صلى الله عليه وسلم
من بني إسرائيل بأنهم قتلوا الأنبياء لما كان ذلك من فعل أسلافهم. وجاء ﴿تقتلون﴾ بلفظ الاستقبال وهو
بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله ﴿من قبل﴾ وإذا لم يشكل فجائز سوق الماضي بمعنى المستقبل
وسوق المستقبل بمعنى الماضي. قال الحطيئة [الكامل أخذ مضمر].
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر
وفائدة سوق الماضي في موضع المستقبل، الإشارة إلى أنه في الثبوت كالماضي الذي قد وقع.
وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر. ألا ترى أن حاضري محمد صلى الله
عليه وسلم لما كانوا راضين بفعل أسلافهم بقي لهم من قتل الأنبياء جزء، و﴿إن كنتم﴾ شرط والجواب
متقدم، وقالت فرقة: ﴿إِن﴾ نافية بمعنى ما.

١٨٠
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٩٢ - ٩٥
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ جَآءَ كُم ◌ُوسَى بِالْبَهِّنَتِ ثُمَّ أَّخَذْ تُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ () وَإِذْ
أَخَذْنَامِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلْتُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُوا
سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِثْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ:
إِيمَئُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ( قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ اُلْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةٌ مِّن دُونٍ
وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدْابِمَا قَّدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ
٩٤
النَّاسِ فَتَمَنَّوأُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
٩٥
عَلِيمٌ بِلَّلِمِينَ
البينات التوراة والعصا وفرق البحر وغير ذلك من آيات موسى عليه السلام وقوله تعالى: ﴿ثم
اتخذتم﴾ تدل ثم على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات، وذلك أعظم في دينهم(١)، وقد تقدمت
قصة اتخاذهم العجل، والضمير في قوله ﴿من بعده﴾ عائد على موسى عليه السلام، أي من بعده حین غاب
عنكم في المناجاة، ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿بعده﴾ على المجيء. وهذه الآية رد عليهم في أن من
آمن بما نزل عليه لا يتخذ العجل، وقد تقدم ذكر أخذ الميثاق ورفع الطور.
وقوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ يعني التوراة والشرع، و﴿بقوة﴾ أي بعزم ونشاط وجد.
﴿واسمعوا﴾ معناه هنا: وأطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط.
وقالت طائفة من المفسرين: إنهم قالوا ﴿سمعنا وعصينا﴾. ونطقوا بهذه الألفاظ مبالغة في التعنت
والمعصية. وقالت طائفة: ذلك مجاز ولم ينطقوا بـ ﴿سمعنا وعصينا﴾، ولكن فعلهم اقتضاه، كما قال
الشاعر [الرجز]:
امتلأ الحوض وقال قطني
وهذا أيضاً احتجاج عليهم في كذب قولهم ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ [البقرة: ٩١]، وقوله تعالى:
﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾ التقدير حب العجل، والمعنى جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه
ومجاز، عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم، وقال قوم: إن معنى قوله ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾
شربهم الماء الذي ألقى فيه موسى برادة العجل، وذلك أنه برده بالمبرد ورماه في الماء، وقيل لبني إسرائيل:
اشربوا من ذلك الماء فشرب جميعهم، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قول يرده قوله تعالى: ﴿في قلوبهم)، وروي أن الذين تبين فيهم
حب العجل أصابهم من ذلك الماء الجبن، وقوله تعالى ﴿بكفرهم﴾ يحتمل أن تكون باء السبب، ويحتمل أن
تکونبمعنی مع، وقوله تعالى : ﴿قل پنسما﴾ الآیة أمر لمحمد صلی الله علیه وسلم أن یوبخھم بأنه بئس
هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم الذي زعمتم في قولكم ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ [البقرة: ٩١]،
(١) في نسخة: وذلك أعظم لذنبهم في دينهم.