Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٠،١٩
ووصفهم بهذه الصفات إذ أعمالهم من الخطأ وقلة الإجابة كأعمال من هذه صفته، وصم رفع على خبر
ابتداء فإما أن يكون ذلك على تقدير تكرار أولئك، وإما على إضمار هم.
وقرأ عبد الله بن مسعود وحفصة أم المؤمنين رضي الله عنهما. ((صماً، بكماً، عمياً)) بالنصب،
ونصبه على الحال من الضمير في ﴿مهتدين﴾، وقيل هو نصب على الذم، وفيه ضعف، وأما من جعل الضمير
في ((نورهم)) للمنافقين لا للمستوقدين فنصب هذه الصفات على قوله على الحال من الضمير في. ﴿تركهم﴾.
قال بعض المفسرين قوله تعالى ﴿فهم لا يرجعون﴾ إخبار منه تعالى أنهم لا يؤمنون بوجه.
قال القاضي أبو محمد: وإنما كان يصح هذا إن لو كانت الآية في معينين، وقال غيره: معناه ﴿فهم
لا يرجعون﴾ ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيح، لأن الآية لم تعين، وكلهم معرض
للرجوع مدعو إليه.
قوله عز وجل :
أَوْكَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتُ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىَّءَ اذَانِهِم مِنْ الصَّوْعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ
وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِنَ ثَ يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرُهُمْ كُلْمَآ أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْافِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ
٢٠
قَامُواْ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
﴿أو﴾ للتخيير، معناه مثلوهم بهذا أو بهذا، لا على الاقتصار على أحد الأمرين، وقوله: ﴿أو
كصيب﴾ معطوف على ﴿كمثل الذي﴾. وقال الطبري: ﴿أو﴾ بمعنى الواو.
قال القاضي أبو محمد: وهذه عجمة، والصيب المطر من صاب يصوب إذا انحط من علو إلى سفل،
ومنه قول علقمة بن عبدة: [الطويل]
كأنهمُ: صابتْ عليهمْ سحابةٌ
وقول الآخر: [الطويل]
صواعقها لطيرِ هِنَّ دبيبُ
فلستِ لإنسيّ ولكن لملأكِ
تُنْزِلَ من جوِّ السماءِ يصوبُ
وأصل صَيّب صَيْوب اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت، كما
فعل في سَيّد ومَيّت.
وقال بعض الكوفيين: أصل صَيّب صَوِيب على مثال فعيل وكان يلزمه أن لا يعل كما لم يعل طويل،
فبهذا يضعف هذا القول.
وقوله تعالى: ﴿ظلمات﴾ بالجمع، إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن ومن حيث تتراكب وتتزايد
جمعت، وكون الدجن مظلماً هول وغم للنفس، بخلاف السحاب والمطر إذا انجلى دجنه، فإنه سارٍّ
جميل، ومنه قول قيس بن الخطيم: [المتقارب]

١٠٢
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٠،١٩
كأَنَّ الْمَصَابِيحَ حِوذانها
فما رَوْضةٌ من رياضِ القطا
دلوحْ تَكشّفُ أدجانُها
بأحسنَ مِنْها ولا مَزنةٌ
واختلف العلماء في الرعد: فقال ابن عباس ومجاهد وشهر بن حوشب وغيرهم: هو ملك يزجر
السحاب بهذا الصوت المسموع كلما خالفت سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه طار النار من فيه، فهي
﴿الصواعق﴾، واسم هذا الملك الرعد، وقيل الرعد ملك، وهذا الصوت تسبيحه، وقيل الرعد اسم الصوت
المسموع، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا هو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في
جاهليته: [المنسرح]
فجعني الرعدُ والصواعقُ بال فارسٍ يومَ الكريهةِ النجدِ
وروي عن ابن عباس أنه قال: ((الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت)). وقيل:
((الرعد اصطكاك أجرام السحاب)). وأكثر العلماء على أن الرعد ملك، وذلك صوته يسبح ويزجر السحاب.
واختلفوا في البرق:
فقال علي بن أبي طالب: ((هو مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب)).
وقال ابن عباس: ((هو سوط نور بيد الملك يزجي به السحاب)).
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن البرق ملك يتراءى، وقال قوم: ((البرق ماء))، وهذا قول
ضعيف .
والصاعقة: قال الخليل: ((هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد يكون معها أحياناً نار، يقال إنها من
المخراق الذي بيد الملك، وقيل في قطعة النار إنها ماء يخرج من فم الملك عند غضبه)).
٠٠
وحكى الخليل عن قوم من العرب ((الساعقة)) بالسين.
وقال النقاش: ((يقال صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنى واحد)).
وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((من الصواقع)) بتقديم القاف. قال أبو عمرو: ((وهي لغة تميم)).
وقرأ الضحاك بن مزاحم ((حذار الموت)) بكسر الحاء وبألف. واختلف المتأولون في المقصد بهذا
المثل وكيف تترتب أحوال المنافقين الموازنة لما في المثل من الظلمات والرعد والبرق والصواعق.
فقال جمهور المفسرين: ((مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم. والعمى: هو
الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أن تبهرهم هو
البرق وتخوفهم وروعهم وحذرهم هو جعل أصابعهم في آذانهم، وفضح نفاقهم، واشتهار كفرهم، وتكاليف
الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة ونحوه هي الصواعق)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا کله صحیح بین.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: ((إن رجلين من المنافقين هربا من النبي صلى الله عليه وسلم إلى

١٠٣
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٩، ٢٠
المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله وأيقنا بالهلاك، فقالا: ليتنا أصبحنا فنأتي محمداً ونضع أيدينا
في يده، فأصبحا وأتياه وحسن إسلامهما، فضرب الله ما نزل بهما مثلاً للمنافقين)).
وقال أيضاً ابن مسعود: ((إن المنافقين في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجعلون
أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن، فضرب الله المثل لهم)).
قال القاضي أبو محمد: وهذا وفاق لقول الجمهور الذي ذكرناه .
وقال قوم: ((الرعد والبرق هما بمثابة زجر القرآن ووعيده)).
و﴿محيط بالكافرين﴾ معناه بعقابه وأخذه، يقال أحاط السلطان بفلان إذا أخذه أخذاً حاصراً من كل
جهة، ومنه قوله تعالى: ﴿وأحيط بثمره﴾ [الكهف: ٤٢] ففي الكلام حذف مضاف، ويكاد فعل ينفي
المعنى مع إيجابه ويوجبه مع النفي، فهنا لم يخطف البرق الأبصار، والخطف الانتزاع بسرعة .
واختلفت القراءة في هذه اللفظة فقرأ جمهور الناس: ((يَخْطَف أبصارهم)) بفتح الياء والطاء وسكون
الخاء، على قولهم في الماضي خطف بكسر الطاء وهي أفصح لغات العرب، وهي القرشية.
وقرأ علي بن الحسين ويحيى بن وثاب: ((يَخْطِف)) بفتح الياء وسكون الخاء وكسر الطاء على قول
بعض العرب في الماضي ((خَطَف)) بفتح الطاء، ونسب المهدوي هذه القراءة إلى الحسن وأبي رجاء،
وذلك وهم.
وقرأ الحسن وأبو رجاء وعاصم الجحدري وقتادة: ((يَخِطّف)) بفتح الياء وكسر الخاء والطاء وتشديد
الطاء، وهذه أصلها ((يختطف)) أدغمت التاء في الطاء وكسرت الخاء لالتقاء الساكنين.
وحكى ابن مجاهد قراءة لم ينسبها إلى أحد ((يَخَطَّف)) بفتح الياء والخاء وتشديد الطاء المكسورة.
قال أبو الفتح: ((أصلها يختطف نقلت حركة التاء إلى الخاء وأدغمت التاء في الطاء)).
وحكى أبو عمرو الداني عن الحسن أيضاً، أنه قرأ ((يَخَطّف)) بفتح الياء والخاء والطاء وشدها.
وروي أيضاً عن الحسن والأعمش ((يخطّف)) بكسر الثلاثة وشد الطاء منها. وهذه أيضاً أصلها
يختطف أدغم وكسرت الخاء للالتقاء وكسرت الياء إتباعاً .
وقال عبد الوارث: ((رأيتها في مصحف أبي بن كعب ((يَتَخَطَّف)) بالتاء بين الياء والخاء)).
وقال الفراء: ((قرأ بعض أهل المدينة بفتح الياء وسكون الخاء وشد الطاء مكسورة)).
قال أبو الفتح: ((إنما هو إختلاس وإخفاء فيلطف عندهم فيرون أنه إدغام، وذلك لا يجوز)).
قال القاضي أبو محمد: لأنه جمع بین ساکنین دون عذر.
وحكى الفراء قراءة عن بعض الناس بضم الياء وفتح الخاء وشد الطاء مكسورة.
i
قال القاضى أبو محمد رحمه الله: كأنه تشديد مبالغة لا تشديد تعدية .
۔۔

١٠٤
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢١ ٢٢
ومعنى: ﴿يكاد البرق يخطف أبصارهم﴾ تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن
جعل ﴿البرق﴾ في المثل الزجر والوعيد قال يكاد ذلك يصيبهم.
و﴿كلما﴾ ظرف، والعامل فيه ﴿مشوا﴾ وهو أيضاً جواب ﴿كلما﴾، و﴿أضاء﴾ صلة ما، ومن جعل
﴿أضاء﴾ يتعدى قدر له مفعولاً، ومن جعله بمنزلة ضاء استغنى عن ذلك.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((أضا لهم)) بغير همز، وهي لغة.
وفي مصحف أبي بن كعب: «مروا فيه)).
وفي قراءة ابن مسعود ((مضوا فيه)).
وقرأ الضحاك: ((وإذا أُظلِم)) بضم الهمزة وكسر اللام، و﴿قاموا﴾ معناه ثبتوا، لأنهم كانوا قياماً،
ومنه قول الأعرابي: ((وقد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره)) يريد أثبت الدهر، ومعنى الآية فيما روي
عن ابن عباس وغيره كلما سمع المنافقون القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه، فإذا نزل من
القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه قاموا أي ثبتوا على نفاقهم.
وروي عن ابن مسعود أن معنى الآية: كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت عليهم
النعم قالوا دين محمد دين مبارك. وإذا نزلت بهم مصيبة أو أصابتهم شدة سخطوه وثبتوا في نفاقهم.
وقال قوم: معنى الآية: كلما خفي عليكم نفاقهم وظهر لكم منهم الإيمان مشوا فيه، فإذا افتضحوا
عندكم قاموا، ووحد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع.
وحكى النقاش أن من العلماء من قرأ بأسماعهم.
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: ((ولو شاء الله لأذهب أسماعهم وأبصارهم)) وخص الأسماع والأبصار لتقدم
ذكرها في الآية. ويشبه هذا المعنى في حال المنافقين أن الله لو شاء لأوقع بهم ما يتخوفونه من الزجر
والوعيد أو لفضحهم عند المؤمنين وسلط المؤمنين عليهم، وبكل مذهب من هذين قال قوم.
وقوله تعالى: ﴿على كل شيء﴾ لفظه العموم ومعناه عند المتكلمين على كل شيء يجوز وصفه تعالى
بالقدرة عليه و﴿قدير﴾ بمعنى قادر، وفيه مبالغة، وخص هنا صفته التي هي القدرة بالذكر لأنه قد تقدم ذكر
فعل مضمنه الوعيد والإخافة، فكان ذكر القدرة مناسباً لذلك.
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُ وارَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اُلْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّعَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ
لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢
((يا)» حرف نداء، وفيه تنبيه، و((أي)) هو المنادى.

١٠٥
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٢،٢١
قال أبو علي: ((اجتلبت أي بعد حرف النداء فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفاً فكان
يجتمع تعريفان، و((ها)) تنبيه وإشارة إلى المقصود، وهي بمنزلة ذا في الواحد، و﴿الناس﴾ نعت لازم
لأي)).
وقال مجاهد: ﴿يا أيها الناس) حيث وقع في القرآن مكي، و﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ مدني.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: قد تقدم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء
في المدني ﴿يا أيها الناس﴾، وأما قوله في ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فصحيح.
وقوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم﴾ معناه وحدوه وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم من بين سائر
صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك حجة عليهم.
و((لعل)) في هذه الآية قال فيها كثير من المفسرين هي بمعنى إيجاب التقوى وليست من الله تعالى
بمعنی ترجّ وتوقُّع.
وقال سيبويه ورؤساء اللسان: هي على بابها، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، أي إذا تأملتم
حالكم مع عبادة ربكم رجوتم لأنفسكم التقوى، و﴿لعلكم﴾ متعلقة بقوله: ﴿اعبدوا ربكم﴾، ويتجه
تعلقها بخلقكم أي لما ولد كل مولود على الفطرة فهو إن تأمله متأمل توقَّع له ورجا أن يكون متقياً.
و﴿تتقون﴾ مأخوذ من الوقاية، وأصله ((توتقيون)) نقلت حركة الياء إلى القاف وحذفت للالتقاء مع الواو
الساكنة وأدغمت الواو الأولى في التاء.
وقوله تعالى: ﴿الذي جعل﴾ نصب على إتباع الذي المتقدم، ويصح أن يكون مرفوعاً على القطع.
وما ذكر مكي من إضمار أعني أو مفعول بـ ﴿تتقون﴾ فضعيف.
وجعل بمعنى صير في هذه الآية لتعديها إلى مفعولين، و﴿فراشاً﴾ معناه تفترشونها وتستقرون
عليها، وما في الأرض مما ليس بفراش كالجبال والبحار فهو من مصالح ما يفترش منها، لأن الجبال كالأوتاد
والبحار يركب فيها إلى سائر منافعها، و﴿السماء﴾ قيل هو اسم مفرد جمعه («سماوات))، وقيل هو جمع واحده
((سماوة))، وكل ما ارتفع عليك في الهواء فهو سماء، والهواء نفسه علواً يقال له ((سماء))، ومنه الحديث:
((خلق الله آدم طوله في السماء ستون ذراعاً))، واللفظة من السمو وتصاريفه.
وقوله تعالى: ﴿بناء﴾ تشبيه بما يفهم، كما قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ [الذاريات: ٤٧].
وقال بعض الصحابة: ((بناها على الأرض كالقبة)).
وقوله: ﴿وأنزل من السماء﴾ يريد السحاب، سمي بذلك تجوزاً لما كان يلي السماء ويقاربها وقد
سموا المطر سماء المجاورة، ومنه قول الشاعر: [الوافر].
إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا
فتجوز أيضاً في رعيناه، فبتوسط المطرجعل السماء عشباً، وأصل ﴿ماء﴾ موه يدل على ذلك قولهم في

١٠٦
تفسير سورة البقرة / الآيتان : ٢٤،٢٣
الجمع مياه وأمواه، وفي التصغير مويه، وانطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك، أي
هي معدة أن يصح الانتفاع بها فهي رزق، ورد بهذه الآية بعض الناس قول المعتزلة إن الرزق ما يصح
تملكه، وليس الحرام برزق، وواحد الأنداد ند، وهو المقاوم والمضاهي كان مثلاً أو خلافاً أو ضداً، ومن
حیث قاوم وضاهى فقد حصلت مماثلة ما.
وقال أبو عبيدة معمر والمفضل: الضد الند، وهذا التخصيص منهما تمثيل لا حصر.
واختلف المتأولون من المخاطب بهذه الآية؟ فقالت جماعة من المفسرين: المخاطب جميع
المشركين. فقوله على هذا: ﴿وأنتم تعلمون﴾ يريد العلم الخاص في أنه تعالى خلق وأنزل الماء وأخرج
الرزق، ولم تنف الآية الجهالة عن الكفار، وقيل المراد كفار بني إسرائيل، فالمعنى تعلمون من الكتب
التي عندکم، أن الله لا ند له.
وقال ابن فورك: ((يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين))، فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون، وتجعلوا لله
أنداداً بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد. وهذه الآية تعطي أن الله تعالى أغنى الإنسان بنعمه
هذه عن كل مخلوق، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا، فقد
أخذ بطرق من جعل لله نداً، عصمنا الله تعالى بفضله وقصر آمالنا عليه بمنه وطوله، لا رب غيره.
قوله عز وجل :
وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ
٢٣
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ
٢٤
الريب الشك، وهذه الآية تقتضي أن الخطاب المتقدم إنما هو لجماعة المشركين الذين تحدوا،
وتقدم تفسير لفظ سورة في صدر هذا التعليق. وقرأ يزيد بن قطيب: ((أنزلنا)) بألف.
واختلف المتأولون على من يعود الضمير في قوله ﴿مثله﴾: فقال جمهور العلماء: هو عائد على
القرآن ثم اختلفوا. فقال الأكثر من مثل نظمه ورصفه وفصاحة معانيه التي يعرفونها ولا يعجزهم إلا التأليف
الذي خُصَّ به القرآن، وبه وقع الإعجاز على قول حذاق أهل النظر.
وقال بعضهم: ﴿من مثله﴾ في غيوبه وصدقه وقدمه، فالتحدي عند هؤلاء وقع بالقدم، والأول أبين
و﴿من﴾ على هذا القول زائدة، أو لبيان الجنس، وعلى القول الأول هي للتبعيض، أو لبيان الجنس.
وقالت فرقة: الضمير في قوله ﴿من مثله﴾ عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم اختلفوا.
فقالت طائفة: من أمي صادق مثله.
وقالت طائفة: من ساحر أو كاهن أو شاعر مثله. على زعمكم أيها المشركون.

١٠٧
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٢٤،٢٣
وقالت طائفة: الضمير في ﴿مثله﴾ عائد على الكتب القديمة التوراة والإنجيل والزبور.
وقوله تعالى: ﴿وادعوا شهداءكم﴾ معناه دعاء استصراخ، والشهداء من شهدهم وحضرهم من عون
ونصير، قاله ابن عباس. وقيل عن مجاهد: إن المعنى دعاء استحضار.
والشهداء جمع شاهد، أي من يشهد لكم أنكم عارضتم، وهذا قول ضعيف.
وقال الفراء: شهداؤهم يراد بهم آلهتهم.
وقوله تعالى: ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي فيما قلتم من الريب. هذا قول بعض المفسرين.
وقال غيره: فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة. ويؤيد هذا القول أنه قد حكى عنهم في آية
أخرى: ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ [الأنفال: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا﴾، دخلت ((إن)) على ﴿لم﴾ لأن ﴿لم تفعلوا﴾ معناه تركتم الفعل،
فـ ((إن)» لا تؤثر كما لا تؤثر في الماضي من الأفعال، و﴿تفعلوا﴾ جزم بـ ﴿لم﴾، وجزمت بـ ﴿لم﴾ لأنها
أشبهت ((لا)) في التبرية في أنهما ينفيان، فكما تحذف لا تنوين الاسم كذلك تحذف لم الحركة أو العلامة
من الفعل.
وقوله: ﴿ولن تفعلوا﴾ نصبت ﴿لن﴾، ومن العرب من تجزم بها، ذكره أبو عبيدة، ومنه بيت النابغة
على بعض الروايات: [البسيط]
فلن أعرّضْ أبيت اللعن بالصفد
وفي الحديث في منامة عبد الله بن عمر فقيل لي: ((لن ترعْ)) هذا على تلك اللغة، وفي قوله: ﴿لن
تفعلوا﴾ إثارة لهممهم وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر
بها القرآن قبل وقوعها .
وقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار﴾، أمر بالإيمان وطاعة الله خرج في هذه الألفاظ المحذرة.
وقرأ الجمهور: ((وَقودها)) بفتح الواو. وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وأبو
حيوة: ((وقودها)) بضم الواو في كل القرآن، إلا أن طلحة استثنى الحرف الذي في البروج، وبفتح الواو هو
الحطب وبضمها هو المصدر، وقد حكيا جميعاً في الحطب وقد حكيا في المصدر.
قال ابن جني: ((من قرأ بضم الواو فهو على حذف مضاف تقديره ذو وقودها، لأن الوقود بالضم
مصدر، وليس بالناس، وقد جاء عنهم الوقود بالفتح في المصدر، ومثله ولعت به ((ولوعاً)) بفتح الواو، وكله
شاذ، والباب هو الضم)).
وقوله: ﴿الناس﴾ عموم معناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء بدخولها.
وروي عن ابن مسعود في ﴿الحجارة﴾ أنها حجارة الكبريت وخصت بذلك لأنها تزيد على جميع
الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الاتقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق
بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت.

١٠٨
تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٥
وفي قوله تعالى: ﴿أعدت﴾ رد على من قال: إن النار لم تخلق حتى الآن، وهو القول الذي سقط
فيه منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي، وذهب بعض المتأولين إلى أن هذه النار المخصصة بالحجارة هي نار
الكافرين خاصة، وأن غيرها هي للعصاة.
وقال الجمهور: بل الإشارة إلى جميع النار لا إلى نار مخصوصة، وإنما ذكر الكافرين ليحصل
المخاطبون في الوعيد، إذ فعلهم كفر، فكأنه قال أعدت لمن فعل فعلكم، وليس يقتضي ذلك أنه لا
يدخلها غيرهم.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((أَعدَّها الله للكافرين)).
قوله عز وجل :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَئِّ كُلَّمَا
رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْبِهِ، مُتَشَبِهَاٌ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ
مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
٢٥
﴿بشر﴾ مأخوذ من البشرة لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثر في بشرة الوجه،
والأغلب استعمال البشارة في الخير، وقد تستعمل في الشر مقيدة به منصوصاً على الشر المبشر به، كما
قال تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤] ومتى أطلق لفظ
البشارة فإنما يحمل على الخير، وفي قوله تعالى: ﴿وعملوا الصالحات﴾ رد على من يقول إن لفظة الإيمان
بمجردها تقتضي الطاعات لأنه لو كان ذلك ما أعادها.
و﴿أن﴾ في موضع نصب بـ ﴿بشرٌ﴾ وقيل في موضع خفض على تقدير باء الجر و﴿جنات﴾ جمع
جنة، وهي بستان الشجر والنخيل، وبستان الكرم يقال له الفردوس، وسميت جنة لأنها تجن من دخلها أي
تستره، ومنه المجن والجنن وجن الليل. و﴿من تحتها﴾ معناه من تحت الأشجار التي يتضمنها ذكر الجنة
وقيل قوله ﴿من تحتها﴾ معناه بإزائها كما تقول داري تحت دار فلان وهذا ضعيف، و﴿الأنهار﴾ المياه في
مجاريها المتطاولة الواسعة، لأنها لفظة مأخوذة من أنهرت أي وسعت، ومنه قول قيس بن الخطيم:
[الطويل].
ملكت بها كفي فأنْهَرْتَ فَتْقَها يَرَى قَائِمٌ من دونِها ما وراءَها
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أنهر الدم وذكرَ اسمُ اللّه عليه فكلوه)) معناه ما وسع الذبح
حتى جرى الدم كالنهر ونسب الجري إلى النهر وإنما يجري الماء وحده تجوزاً، كما قال ﴿واسأل القرية﴾
[يوسف: ٨٢] وكما قال الشاعر: [مهلهل أخو كليب] [الكامل]
نُبِئْتُ أن النارَ بعدَك أوقدتْ واستبّ بعدك يا كليبُ المجلسُ
وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنما تجري على سطح أرض الجنة منضبطة. وقوله:

١٠٩
تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٥
﴿كلما﴾ ظرف يقتضي الحصر وفي هذه الآية رد على من يقول: إن الرزق من شروطه التملك.
قال القاضي أبو محمد: ذكر هذا بعض الأصوليين وليس عندي ببين، وقولهم ﴿هذا﴾ إشارة إلى
الجنس أي: هذا من الجنس الذي رزقنا منه من قبل، والكلام يحتمل أن يكون تعجباً وهو قول ابن عباس،
ويحتمل أن يكون خبراً من بعضهم لبعض، قاله جماعة من المفسرين .
وقال الحسن ومجاهد: ((يرزقون الثمرة ثم يرزقون بعدها مثل صورتها والطعم مختلف فهم يتعجبون
لذلك ویخبر بعضهم بعضاً».
وقال ابن عباس: ((ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء، وأما الذوات فمتباينة)).
وقال بعض المتأولين: ((المعنى أنهم يرون الثمر فيميزون أجناسه حين أشبه منظره ما كان في الدنيا،
فيقولون: ﴿هذا الذي رزقنا من قبل﴾ في الدنيا)).
قال القاضي أبو محمد: وقول ابن عباس الذي قبل هذا يرد على هذا القول بعض الرد.
وقال بعض المفسرين: ((المعنى هذا الذي وعدنا به في الدنيا فكأنهم قد رزقوه في الدنيا إذ وعد الله
منتجز)) .
وقال قوم: إن ثمر الجنة إذا قطف منه شيء خرج في الحين في موضعه مثله فهذا إشارة إلى الخارج
في موضع المجني .
وقرأ جمهور الناس: ((وأُتُوا)) بضم الهمزة وضم التاء.
وقرأ هارون الأعور: ((وأُتُوا) بفتح الهمزة والتاء والفاعل على هذه القراءة الولدان والخدام، و((أتوا))
على قراءة الجماعة أصله أتيوا نقلت حركة الياء إلى التاء ثم حذفت الياء للالتقاء.
وقوله تعالى: ﴿متشابهاً﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: ((معناه يشبه بعضه بعضاً في
المنظر ويختلف في الطعم)).
وقال عكرمة: ((معناه يشبه ثمر الدنيا في المنظر ويباينه في جل الصفات)».
وقوله تعالى: ﴿متشابهاً﴾ معناه خيار لا رذل فيه، كقوله تعالى: ﴿كتاباً متشابهاً﴾ [الزمر: ٢٣].
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كأنه يريد متناسباً في أن كل صنف هو أعلى جنسه
فهذا تشابه ما، وقيل ﴿متشابهاً﴾ أي مع ثمر الدنيا في الأسماء لا في غير ذلك من هيئة وطعم، و﴿أزواج) جمع
زوج والمرأة زوج الرجل والرجل زوج المرأة ويقال في المرأة زوجة ومنه قول الفرزدق: [الطويل]
كساع إلى اسد الشرى يستبيلها
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي
وقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ((والله إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا
والآخرة، ولكن الله ابتلاكم)). ذكر البخاري وغيره الحديث بطوله. و﴿مطهرة﴾ أبلغ من طاهرة، ومعنى
هذه الطهارة من الحيض والبزاق وسائر أقذار الآدميات، وقيل من الآثام. والخلود الدوام في الحياة أو

١١٠
تفسير سورة البقرة / الآية: ٢٦
الملك ونحوه وخلد بالمكان إذا استمرت إقامته فيه، وقد يستعمل الخلود مجازاً فيما يطول، وأما هذا الذي
في الآية فهو أبدي حقيقة.
قوله عز وجل :
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِيَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاأَ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ
٩
أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُ واْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ،
٢٦
كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ
ذكر المفسرون أنه لما ضرب الله تعالى المثلين المتقدمين في هذه السورة قال الكفار: ما هذه
الأمثال؟ الله عز وجل أجل من أن يضرب هذه أمثالاً، فنزلت الآية.
وقال ابن قتيبة: ((إنما نزلت لأن الكفار أنكروا ضرب المثل في غير هذه السورة بالذباب
والعنكبوت».
وقال قوم: ((هذه الآية مثل للدنيا)).
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف يأباه رصف الكلام واتساق المعنى. و﴿يستحيي﴾
أصله يستحيي، عينه ولامه حرفا علة، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء فسكنت.
وقرأ ابن كثير في بعض الطرق عنه، وابن محيصن وغيرهما ((يستحي)) بكسر الحاء، وهي لغة
لتميم، نقلت حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ثم استثقلت الضمة على الياء الثانية فسكنت، فحذفت
إحداهما للالتقاء.
واختلف المتأولون في معنى: ﴿يستحيي﴾ في هذه الآية. فرجح الطبري أن معناه يخشى. وقال غيره:
معناه يترك وهذا هو الأولى. ومن قال يمتنع أو يمنعه الحياء فهو يترك أو قريب منه. ولما كان الجليل القدر
في الشاهد لا يمنعه من الخوض في نازل القول إلا الحياء من ذلك، رد الله بقوله: ﴿إن الله لا يستحيي﴾
على القائلين كيف يضرب الله مثلاً بالذباب ونحوه، أي إن هذه الأشياء ليست من نازل القول، إذ هي من
الفصيح في المعنى المبلغ أغراض المتكلم إلى نفس السامع، فليست مما يستحيي منه.
وحكى المهدوي أن الاستحياء في هذه الآية راجع إلى الناس، وهذا غير مرضي .
وقوله تعالى: ﴿أن يضرب﴾، ﴿أن﴾ مع الفعل في موضع نصب، كأنها مصدر في موضع المفعول،
ومعنى ﴿يضرب مثلاً﴾ يبين ضرباً من الأمثال أي نوعاً، كما تقول: هذا من ضرب هذا، والضريب
المثيل. ويحتمل أن يكون مثل ضرب البعث، وضرب الذلة، فيجيء المعنى أن يلزم الحجة بمثل،
و﴿مثلاً﴾ مفعول، فقيل هو الأول، وقيل هو الثاني، قدم وهو في نية التأخير، لأن ((ضرب)) في هذا المعنى
یتعدی إلی مفعولین .
واختلفوا في قوله: ﴿ما بعوضة﴾ فقال قوم: ﴿ما﴾ صلة زائدة لا تفيد إلا شيئاً من تأكيد. وقيل ما

١١١
تفسير سورة البقرة / الآية : ٢٦
نكرة في موضع نصب على البدل من قوله ﴿مثلاً﴾، و﴿بعوضة﴾ نعت لـ ﴿ما﴾، فوصفت ما بالجنس
المنكر لإبهامها. حكى المهدوي هذا القول عن الفراء والزجاج وثعلب.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقيل غير هذا مما هو تخليط دعا إليه الظن ﴿أن يضرب﴾ إنما
یتعدی إلی مفعول واحد.
وقال بعض الكوفيين: نصب ﴿بعوضة﴾ على تقدير إسقاط حرف الجر. والمعنى أن يضرب مثلاً ما
من بعوضة .
وحكي عن العرب: ((له عشرون ما ناقة فجملاً))، وأنكر أبو العباس هذا الوجه .
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي يترجح أن ﴿ما﴾ صلة مخصصة كما تقول جئتك
في أمر ما فتفيد النكرة تخصيصاً وتقريباً، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الخفيف]
سلع ما ومثله عشر ما عائل ما وعالت البيقورا
وبعوضة على هذا مفعول ثان .
وقال قوم: ﴿ما﴾ نكرة، كأنه قال شيئاً. والآية في هذا يشبهها قول حسان بن ثابت: [الكامل].
فكفى بنا فضلاً على من غيرنا حبُّ النبيِّ محمدٍ إِيّانا
قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم نظير هذا القول، والشبه بالبيت غير صحيح عندي، والبعوضة
فعولة من بعض إذا قطع اللحم، يقال بضع وبعض بمعنى، وعلى هذا حملوا قول الشاعر: [الوافر].
لنعمَ البيتُ بيتُ أبي دثارٍ إذا ما خاف بعضُ القومِ بَعْضا
وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤية بن العجاج: ((بعوضةٌ)) بالرفع.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أن ((ما)) اسم بمنزلة ((الذي))، أي لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة
مثلاً، فحذف العائد على الموصول، وهو مبتدأ، ومثله قراءة بعضهم: ((تماماً على الذي أحسن)) أي على
الذي هو أحسن.
وحكى سيبويه ما أنا بالذي قائل لك شيئاً، أي هو قائل.
وقوله تعالى: ﴿فما فوقها﴾ من جعل ﴿ما﴾ الأولى صلة زائدة، فـ ((ما)) الثانية عطف على بعوضة،
ومن جعل ﴿ما﴾ اسماً فـ ((ما)) الثانية عطف عليها.
وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما: ((المعنى فما فوقها في الصغر)).
وقال قتادة وابن جريج وغيرهما: ((المعنى في الكبر)).
قال القاضي أبو محمد: والكل محتمل، والضمير في ﴿أنه﴾، عائد على المثل.
واختلف النحويون في ﴿ماذا﴾: فقيل هي بمنزلة اسم واحد، بمعنى أي شيء أراد الله، وقيل ((ما))

١١٢
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٧ - ٢٩
اسم ((وذا)) اسم آخر بمعنى الذي، فـ ((ما)) في موضع رفع بالابتداء، و ((ذا)» خبره، ومعنى كلامهم هذا
الإنكار بلفظ الاستفهام.
وقوله: ﴿مثلا﴾ نصب على التمييز، وقيل على الحال من ((ذا)) في (بهذا﴾، والعامل فيه الإشارة والتنبيه.
واختلف المتأولون في قوله تعالى: ﴿يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً﴾ فقيل هو من قول الكافرين،
أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى؟ وقيل بل هو خبر من الله تعالى أنه
يضل بالمثل الكفار الذين يعمون به، ويهدي به المؤمنين الذين يعلمون أنه الحق. وفي هذا رد على
المعتزلة في قولهم: ((إن الله لا يخلق الضلال)) ولا خلاف أن قوله تعالى: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ من
قول الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿ويهدي به كثيراً﴾ إلى آخر الآية رداً من الله
تعالى على قول الكفار ﴿يضل به كثيراً﴾ والفسق الخروج عن الشيء. يقال فسقت الفارة إذا خرجت من
جحرها، والرطبة إذا خرجت من قشرها، والفسق في عرف الاستعمال الشرعي الخروج من طاعة الله عز
وجل، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان، وقراءة جمهور الأمة في هذه الآية: ((يُضل))
بضم الياء فیھما .
وروي عن إبراهيم بن أبي عبلة أنه قرأ ((يَضل)) بفتح الياء، ((كثيرٌ)) بالرفع ((ويهدي به كثير. وما يضل
به إلا الفاسقون)» بالرفع.
قال أبو عمرو الداني: ((هذه قراءة القدرية وابن أبي عبلة من ثقات الشاميين ومن أهل السنة، ولا
تصح هذه القراءة عنه، مع أنها مخالفة خط المصحف)).
وروي عن ابن مسعود أنه قرأ في الأولى: ((يُضل)) بضم الياء وفي الثانية ((وما يَضل)) بفتح الياء ((به إلا
الفاسقون)).
قال القاضي أبو محمد: وهذه قراءة متجهة لولا مخالفتها خط المصحف المجمع عليه.
قوله عز وجل :
الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى
اُلْأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ
ثُمَّيُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا
٣٩
ثُمَّ أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّدُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَهُوَبِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
النقض رد ما أبرم على أوله غير مبرم، والعهد في هذه الآية التقدم في الشيء والوصاة به.

١١٣
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٧ - ٢٩
واختلف في تفسير هذا العهد: فقال بعض المتأولين: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين
استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر.
وقال آخرون: بل نصب الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد.
وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله أن يوحدوه وأن لا يعبدوا
غيره .
وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله تعالى على أتباع الرسل والكتب المنزلة أن يؤمنوا
بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن لا يكتموا أمره.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فالآية على هذا في أهل الكتاب، وظاهر ما قبل
وبعد أنه في جميع الكفار.
وقال قتادة: ((هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي عليه السلام ثم كفر به فنقض العهد)).
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: لم ينسب الطبري شيئاً من هذه الأقوال، وكل عهد جائز بين
المسلمين فنقضه لا يحل بهذه الآية، والضمير في ﴿ميثاقه﴾ يحتمل العودة على العهد أو على اسم الله تعالى،
وميثاق مفعال من الوثاقة، وهي الشد في العقد والربط ونحوه، وهو في هذه الآية اسم في موضع المصدر
كما قال عمرو بن شييم: [الوافر].
أكفراً بعد ردِّ الموتِ عنّي وَبَعْدَ عَطَائك المائَةَ الرّتاعا؟
أراد بعد إعطائك.
وقوله تعالى: ﴿ما أمر الله به أن يوصل﴾، ﴿ما﴾ في موضع نصب بـ ﴿يقطعون﴾ واختلف الشيء
الذي أمر بوصله؟
فقال قتادة: ((الأرحام عامة في الناس)) وقال غيره: ((خاصة فيمن آمن بمحمد، كان الكفار يقطعون
أرحامهم)). وقال جمهور أهل العلم: الإشارة في هذه الآية إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامة
شرائعه، وحفظ حدوده.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الحق، والرحم جزء من هذا، و﴿أن﴾ في موضع نصب بدل من
﴿ما﴾، أو مفعول من أجله. وقيل ﴿أن﴾ في موضع خفض بدل من الضمير في ﴿به﴾، وهذا متجه.
﴿ويفسدون في الأرض﴾ يعبدون غير الله ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، والخاسر
الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز، والخسران النقص كان في ميزان أو غيره.
وقوله تعالى: ﴿كيف تكفرون﴾ لفظه الاستفهام وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ، أي كيف تكفرون
بالله ونعمه عليكم وقدرته هذه؟ وكيف﴾ في موضع نصب على الحال والعامل فيها ﴿تكفرون﴾، وتقديرها
أجاحدین تكفرون أمنکرین تكفرون؟ و ﴿کیف﴾ مبنية، وخصت بالفتح خفته، ومن قال إن ﴿کیف﴾ تقریر
٠

١١٤
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٧ - ٢٩
وتعجب فمعناه إن هذا الأمر إن عن فحقه أن يتعجب منه لغرابته وبعده عن المألوف من شكر المنعم ، والواو
في قوله ﴿وكنتم﴾ واو الحال ، واختلف في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين: فقال ابن عباس وابن مسعود
ومجاهد: ((فالمعنى كنتم أمواتاً معدومين قبل أن تخلقوا دارسين، كما يقال للشيء الدارس ميت، ثم خلقتم
وأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم ثم أماتكم الموت المعهود، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة)).
وقال آخرون: ((كنتم أمواتاً بكون آدم من طين ميتاً قبل أن يُحيى ثم نفخ فيه الروح فأحياكم بحياة
آدم ثم يميتكم ثم يحييكم على ما تقدم)).
وقال قتادة: ((كنتم أمواتاً في أصلاب آبائكم فأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم ثم كما تقدم)).
وقال غيره: ((كنتم أمواتاً في الأرحام قبل نفخ الروح ثم أحياكم بالإخراج إلى الدنيا ثم كما تقدم)).
وقال ابن زيد: ((إن الله تعالى أخرج نسم بني آدم أمثال الذر ثم أماتهم بعد ذلك فهو قوله وكنتم
أمواتاً، ثم أحياهم بالإخراج إلى الدنيا ثم كما تقدم)).
وقال ابن عباس وأبو صالح: ((كنتم أمواتاً بالموت المعهود ثم أحياكم للسؤال في القبور، ثم أماتكم
فیھا، ثم أحیاکم للبعث)).
وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: ((وكنتم أمواتاً بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين
والنبي الذي جاءكم)).
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والقول الأول هو أولى هذه الأقوال، لأنه الذي لا محيد للكفار عن
الإقرار به في أول ترتيبه، ثم إن قوله أولاً ﴿كنتم أمواتاً﴾ وإسناده آخراً الإماتة إليه تبارك وتعالى مما يقوي
ذلك القول، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتاً معدومين ثم للإحياء في الدنيا ثم الإماتة فيها قوي
عليهم لزوم الإحياء الآخر، وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها، والضمير في ﴿إليه﴾ عائد على الله تعالى
أي إلى ثوابه أو عقابه، وقيل هو عائد على الاحياء، والأول أظهر.
وقرأ جمهور الناس ((تُرجَعون)) بضم التاء وفتح الجيم.
وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن يعمر وسلام والفياض بن غزوان ويعقوب الحضرمي :
(یرجع ویرجعون وترجعون)) بفتح الياء والتاء حيث وقع.
و﴿خلق﴾ معناه اخترع وأوجد بعد العدم، وقد يقال في الإنسان خلق بعد إنشائه شيئاً، ومنه قول الشاعر:
[زهير بن أبي سلمى] [الكامل]
القوم يخلق ثم لا يفري
ولأنت تفري ما خلقت وبعض
ومنه قول الآخر: [مجزوء الكامل]
ل فحيلتي فيه قليله
من كان يخلق ما يقو
و﴿لكم﴾: معناه للاعتبار، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده من نصب العبر: الإحياء، والإماتة،
والخلق، والاستواء إلى السماء وتسويتها.

١١٥
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٢٧ - ٢٩
وقال قوم: بل معنى ﴿لكم﴾ إباحة الأشياء وتمليكها، وهذا قول من يقول إن الأشياء قبل ورود السمع
على الإباحة بينته هذه الآية، وخالفهم في هذا التأويل القائلون بالحظر، والقائلون بالوقف، وأكثر القائلين
بالحظر استثنوا أشياء اقتضت حالها مع وجود الإنسان الإباحة كالتنفس والحركة ويرد على القائلين بالحظر
كل حظر في القرآن وعلى القائلين بالإباحة كل تحليل في القرآن وإباحة، ويترجح الوقف إذا قدرنا نازلة لا
يوجد فيها سمع ولا تتعلق به.
ومعنى الوقف أنه استنفاد جهد الناظر فيما يحزب من النوازل.
وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال: ((لم يخل العقل قط من السمع ولا نازلة إلا وفيها سمع
أولها به تعلق أولها حال تستصحب)). قال: ((فينبغي أن يعتمد على هذا، ويغني عن النظر في حظر وإباحة
ووقف))، و﴿جميعاً﴾ نصب على الحال.
وقوله تعالى: ﴿ثم استوى﴾، ﴿ثم﴾ هنا هي لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في نفسه، و ﴿استوى﴾: قال
قوم: ((معناه علا دون تكييف ولا تحديد))، هذا اختيار الطبري، والتقدير علا أمره وقدرته وسلطانه .
وقال ابن كيسان: ((معناه قصد إلى السماء)).
-
قال القاضي أبو محمد: أي بخلقه واختراعه.
وقيل معناه كمل صنعه فيها كما تقول استوى الأمر.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قلق.
وحكى الطبري عن قوم: أن المعنى أقبل، وضعفه.
وحكي عن قوم ((المستوي)) هو الدخان.
وهذا أيضاً يأباه رصف الكلام، وقيل المعنى استولى كما قال الشاعر الأخطل: [الرجز]
قد استوى بشر على العراقِ
من غير سيف ودم مهراقٍ
وهذا إنما يجيء في قوله تعالى: ﴿على العرش استوى﴾ [طه: ٥] والقاعدة في هذه الآية ونحوها
منع النقلة وحلول الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان.
﴿فسواهن﴾ قيل المعنى جعلهن سواء، وقيل سوى سطوحها بالإملاس، و﴿سبع﴾ نصب على البدل
من الضمير، أو على المفعول بـ ((سوّى))، بتقدير حذف الجار من الضمير، كأنه قال فسوّى منهن سبع، وقيل
نصب على الحال، وقال سواهن إما على أن السماء جمع، وإما على أنه مفرد اسم جنس، فهو دال على
الجمع.
وقوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم) معناه بالموجودات وتحقق علمه بالمعدومات من آيات أخر،
وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء، وذلك صحيح، ثم دحيت الأرض بعد خلق
السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات: هذه والتي في سورة المؤمن وفي النازعات.
١

١١٦
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٣٠ - ٣٢
قوله عز وجل :
وَإِذْقَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا
صے
وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدٍَكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ (*) وَعَلَّمَ
ءَادَمَ اَلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا تُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنْتُونِ بِأَسْمَاءٍ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ
(* قَالُواْ سُبْحَتَكَ لَ عِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَّ إِنَّكَ أَنتَ اْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
قال معمر بن المثنى: ((إذ زائدة، والتقدير وقال ربك)).
قال أبو إسحاق الزجاج: «هذا اجتراء من أبي عبيدة)).
قال القاضي أبو محمد: وكذلك رد عليه جميع المفسرين.
وقال الجمهور: ليست بزائدة وإنما هي معلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال، وأيضاً فقوله: ﴿خلق
لكم ما في الأرض جميعاً﴾ الآية، يقتضي أن يكون التقدير وابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة، وإضافة
رب إلى محمد صلى الله عليه وسلم ومخاطبته بالكاف تشريف منه له، وإظهار لاختصاصه به، والملائكة
واحدها ملك أصله ملاك على وزن مفعل من لاك إذا أرسل، وجمعه ملائكة على وزن مفاعلة.
وقال قوم: أصل ملك مألك، من ألك إذا أرسل، ومنه قول عدي بن زيد: [الرمل]
أنه قد طال حبسي وانتظاري
أبلغ النعمان عنى مالكاً
واللغتان مسموعتان لأك وألك، قلبت فيه الهمزة بعد اللام فجاء وزنه معفل، وجمعه ملائكة، وزنه
معافلة .
وقال ابن كيسان: ((هو من ملك يملك، والهمزة فيه زائدة كما زيدت في شمال من شمل، فوزنه
فعال، ووزن جمعه فعائلة)) وقد يأتي في الشعر على أصله كما قال: [الطويل]
فلستِ لأنسيٍّ ولكنْ لمَلأكِ تَنَزَّلَ مَن جَوِّ السماءِ يصُوبُ
وأما في الكلام فسهلت الهمزة وألقيت حركتها على اللام أو على العين في قول ابن كيسان فقيل
ملك، والهاء في ملائكة لتأنيث الجموع غير حقيقي، وقيل هي للمبالغة كعلامة ونسابة، والأول أبين.
وقال أبو عبيدة: ((الهمزة في ملائكة مجتلبة لأن واحدها ملك)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فهذا الذي نحا إليه ابن کیسان.
و ﴿جاعل﴾ في هذه الآية بمعنى خالق، ذكره الطبري عن أبي روق، ويقضي بذلك تعديها إلى
مفعول واحد.
وقال الحسن وقتادة: ((جاعل بمعنى فاعل)).

١١٧
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٣٠ - ٣٢
وقال ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الأرض هنا يعني بها مكة لأن الأرض
دحيت من تحتها، ولأنها مقرَّ من هلك قومه من الأنبياء، وإن قبر نوح وهود وصالح بين المقام والركن)).
و﴿خليفة﴾ معناه من يخلف.
قال ابن عباس: ((كانت الجن قبل بني آدم في الأرض فأفسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله إليهم قبيلاً
من الملائكة قتلهم وألحق فلَّهم بجزائر البحار ورؤوس الجبال، وجعل آدم وذريته خليفة)).
وقال الحسن: ((إنما سمى الله بني آدم خليفة لأن كل قرن منهم يخلف الذي قبله، الجيل بعد
الجیل)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ففي هذا القول، يحتمل أن تكون بمعنى خالفة
وبمعنى مخلوفة.
وقال ابن مسعود: ((إنما معناه خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق وبأوامري)) يعني بذلك آدم
علیه السلام ومن قام مقامه بعده من ذريته .
وقرأ زيد بن علي ((خليقة)) بالقاف.
وقوله تعالى: ﴿قالوا أتجعل فيها﴾ الآية، وقد علمنا قطعاً أن الملائكة لا تعلم الغيب ولا تسبق
بالقول، وذلك عام في جميع الملائكة، لأن قوله: ((لا يسبقونه بالقول)) خرج على جهة المدح لهم.
قال القاضي أبو بكر بن الطيب: ((فهذه قرينة العموم، فلا يصح مع هذين الشرطين إلا أن يكون
عندهم من إفساد الخليفة في الأرض نبأ ومقدمة)).
قال ابن زيد وغيره: إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون ويسفكون
الدماء، فقالوا لذلك هذه المقالة .
قال القاضي أبو محمد: فهذا إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه، أو من عصيان
من يستخلفه الله في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعاً،
الاستخلاف، والعصيان.
وقال أحمد بن يحيى ثعلب وغيره: إنما كانت الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن
وسفكهم الدماء في الأرض فجاء قولهم ﴿أتجعل فيها﴾ الآية، على جهة الاستفهام المحض، هل هذا
الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟
وقال آخرون: كان الله تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرض خلقاً يفسدون ويسفكون
الدماء، فلما قال لهم بعد ذلك: ﴿إني جاعل﴾ ﴿قالوا أتجعل فيها﴾ الآية، على جهة الاسترشاد
والاستعلام هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به قبل أو غيره؟
والسفك صب الدم، هذا عرفه، وقد يقال سفك كلامه في كذا إذا سرده.
!

١١٨
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٣-٣٢
وقراءة الجمهور بكسر الفاء.
وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: ويسفكُ)) بضم الفاء.
وقرأ ابن هرمز ((ويسفكَ)) بالنصب بواو الصرف كأنه قال: من يجمع أن يفسد وأن يسفك.
وقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام.
قال القاضي أبو محمد: والأول أحسن.
وقولهم: ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ قال بعض المتأولين: هو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا
﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ الآية، أم نتغير عن هذه الحال.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في
قولهم: ﴿أتجعل﴾؟.
وقال آخرون: معناه التمدح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسف عليه السلام: ﴿اني
حفيظ عليم﴾ [يوسف: ٥٥].
قال القاضي أبو محمد: وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم
﴿أتجعل﴾ وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾.
وقال قوم: معنى الآية ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك. وهذا أيضاً حسن مع
التعجب والاستعظام في قولهم: ﴿أتجعل﴾.
ومعنى ﴿نسبح بحمدك﴾ ننزهك عما لا يليق بك وبصفاتك.
وقال ابن عباس وابن مسعود: ((تسبيح الملائكة صلاتهم لله)).
وقال قتادة: ((تسبيح الملائكة قولهم سبحان الله على عرفه في اللغة)).
و﴿بحمدك﴾ معناه: نخلط التسبيح بالحمد ونصله به، ويحتمل أن يكون قوله ﴿بحمدك﴾ اعتراضاً بين
الكلامين، كأنهم قالوا ونحن نسبح ونقدس، ثم اعترضوا على جهة التسليم، أي وأنت المحمود في
الهداية إلى ذلك.
﴿ونقدس لك﴾ قال الضحاك وغيره: معناه نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، والتقديس التطهير بلا
خلاف، ومنه الأرض المقدسة أي المطهرة، ومنه بيت المقدس، ومنه القدس الذي يتطهر به.
وقال آخرون: ﴿ونقدس لك﴾ معناه ونقدسك أي نعظمك ونطهر ذكرك عما لا يليق به. قاله مجاهد
وأبو صالح وغيرهما.
وقال قوم: نقدس لك معناه نصلي لك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف.
وقوله تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ الأظهر أن ﴿أعلم) فعل مستقبل، وهما﴾ في موضع نصب به،

١١٩
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٣٠ - ٣٢
وقيل ﴿أعلم﴾ اسم، وهما﴾ في موضع خفض بالإضافة، ولا يصح الصرف فيه بإجماع من النحاة، وإنما الخلاف
في أفعل إذا سمي به وكان نكرة، فسيبويه والخليل لا يصرفانه، والأخفش يصرفه.
واختلف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى: ﴿ما لا تعلمون﴾ فقال ابن عباس: ((كان إبليس - لعنه
الله - قد أعجب ودخله الكبر لما جعله الله خازن السماء الدنيا وشرفه)). وقيل: بل لما بعثه الله إلى قتل
الجن الذين كانوا أفسدوا في الأرض فهزمهم وقتلهم بجنده، قاله ابن عباس أيضاً. واعتقد أن ذلك لمزية له
واستحقب الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام.
قال: فلما قالت الملائكة ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ وهي لا تعلم أن في نفس إبليس
خلاف ذلك. قال الله لهم ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ يعني ما في نفس إبليس.
وقال قتادة: لما قالت الملائكة ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ وقد علم الله تعالى أن فيمن يستخلف
في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة، قال لهم ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ يعني أفعال الفضلاء من بني
آدم.
وقوله تعالى: ﴿وعلم﴾ معناه عرف وتعليم آدم هنا عند قوم إلهام علمه ضرورة.
وقال قوم: بل تعليم بقول، فإما بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوطه الأرض، فلا يشارك موسى -
عليه السلام - في خاصته.
وقرأ اليماني: ((وعُلِّم)) بضم العين على بناء الفعل للمفعول، ((آدمُ)) مرفوعاً.
قال أبو الفتح: ((وهي قراءة يزيد البربري))، و﴿آدم﴾ أفعل مشتق من الأدمة وهي حمرة تميل إلى السواد،
وجمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر، ولا ينصرف بوجه، وقيل ﴿آدم﴾ وزنه فاعل مشتق من أديم الأرض، كأن
الملك آدمها وجمعه آدمون وأوادم، ويلزم قائل هذه المقالة صرفه.
وقال الطبري: ((آدم فعل رباعي سمي به))، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله
آدم من أديم الأرض كلها فخرجت ذريته على نحو ذلك منهم الأبيض والأسود والأسمر والسهل والحزن
والطيب والخبيث)).
واختلف المتأولون في قوله: ﴿الأسماء﴾ فقال جمهور الأمة: ((علمه التسميات)) وقال قوم: ((عرض
عليه الأشخاص)).
قال القاضي أبو محمد: والأول أبين، ولفظة - علمه - تعطي ذلك.
ثم اختلف الجمهور في أي الأسماء علمه؟ فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: ((علمه اسم كل شيء
من جميع المخلوقات دقيقها وجليلها)).
وقال حميد الشامي: ((علمه أسماء النجوم فقط)).
وقال الربيع بن خثيم: ((علمه أسماء الملائكة فقط)).

١٢٠
تفسير سورة البقرة / الآيات: ٣٠ - ٣٢
وقال عبد الرحمن بن زيد ((علمه أسماء ذريته فقط)).
وقال الطبري: ((علمه أسماء ذريته والملائكة))، واختار هذا ورجحه بقوله تعالى: ﴿ثم عرضهم على
الملائكة﴾ .
وحكى النقاش عن ابن عباس أنه تعالى علمه كلمة واحدة عرف منها جميع الأسماء.
وقال آخرون: ((علمه أسماء الأجناس، كالجبال والخيل والأودية ونحو ذلك، دون أن يعين ما سمته
ذريته منها)).
وقال ابن قتيبة: ((علمه أسماء ما خلق في الأرض)).
وقال قوم: علمه الأسماء بلغة واحدة، ثم وقع الاصطلاح من ذريته فيما سواها.
وقال بعضهم: ((بل علمه الأسماء بكل لغة تكلمت بها ذريته))، وقد غلا قوم في هذا المعنى حتى
حكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه قال: ((علم الله تعالى آدم كل شيء، حتى إنه كان يحسن من
النحو مثل ما أحسن سيبويه))، ونحو هذا من القول الذي هو بين الخطأ من جهات. وقال أكثر العلماء:
((علمه تعالى منافع كل شيء ولما يصلح)).
وقال قوم: ((عرض عليه الأشخاص عند التعليم)).
وقال قوم: ((بل وصفها له دون عرض أشخاص)».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه كلها احتمالات، قال الناس بها .
وقرأ أبي بن كعب: ((ثم عرضها)).
وقرأ ابن مسعود: ((ثم عرضهن)) واختلف المتأولون هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو
الأسماء دون الأشخاص؟ فقال ابن مسعود وغيره: عرض الأشخاص.
وقال ابن عباس وغيره: عرض الأسماء، فمن قال في الأسماء بعموم كل شيء قال عرضهم أمة أمة
ونوعاً نوعاً، ومن قال في الأسماء إنها التسميات استقام على قراءة أبيّ: ((عرضها))، ونقول في قراءة من قرأ
((عرضهم)): إن لفظ الأسماء يدل على الأشخاص، فلذلك ساغ أن يقول للأسماء عرضهم ..
و﴿أنبئوني﴾ معناه: أخبروني، والنبأ الخبر، ومنه النبيء.
وقال قوم: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق، ويتقرر جوازه، لأنه تعالى علم أنهم لا
يعلمون .
وقال المحققون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليف وإنما هو على جهة التقرير والتوقيف.
وقوله تعالى: ﴿هؤلاء﴾ ظاهره حضور أشخاص، وذلك عند العرض على الملائكة.
وليس في هذه الآية ما يوجب أن الاسم أريد به المسمى كما ذهب إليه مكي والمهدوي، فمن قال
إنه تعالى عرض على الملائكة أشخاصاً استقام له مع لفظ ﴿هؤلاء﴾، ومن قال إنه إنما عرض أسماء فقط