Indexed OCR Text

Pages 41-60

٠٫٠
٤١
باب ما قيل في الكلام في تفسير القرآن
باب ما قيل في الكلام في تفسير القرآن،
والجرأة عليه، ومراتب المفسرين
● روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسّر من كب
اللّه إلّ آياً بعددٍ عَلّمَه إياهنّ جبريل)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ومعنى هذا الحديث: في مغيبات القرآن، وتفسير
مجمله، ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به كوقت
قيام الساعة ونحوه، ومنها ما يُستقرأ من ألفاظه كعدد النفخات في الصور، وكرتبة خلق السماوات والأرض.
ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله
فيتسور عليه برأيه، دون نظر فيما قال العلماء، أو اقتضته قوانين العلوم كالنحو، والأصول، وليس يدخل في
هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني
على قوانين علم ونظر، فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلاً بمجرد رأيه. وكان جلة من السلف كسعيد بن
المسيب، وعامر الشعبي، وغيرهما، يعظمون تفسير القرآن، ويتوقفون عنه تورعاً واحتياطاً لأنفسهم، مع
إدراكهم، وتقدمهم، وكان جلة من السلف كثير عددهم يفسرونه وهم أبقوا على المسلمين في ذلك رضي
الله عنهم .
فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويتلوه عبد الله بن العباس
رضي الله عنهما، وهو تجرد للأمر وكمله وتتبعه، وتبعه العلماء عليه، كمجاهد، وسعيد بن جبير،
وغيرهما، والمحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقال ابن عباس: ((ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب)).
وكان علي بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عباس ويحث على الأخذ عنه.
وكان عبد الله بن مسعود يقول: ((نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس))، وهو الذي يقول فيه رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم فقهه في الدين)) وحسبك بهذه الدعوة.
وقال عنه علي بن أبي طالب: ((ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق))، ويتلوه عبد الله بن
مسعود، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكل ما أخذ عن الصحابة فحسن
متقدم.

٤٢
باب ما قيل في الكلام في تفسير القرآن
ومن المبرزين في التابعين الحسن بن أبي الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعلقمة.
قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهم ووقوف عند كل آية، ويتلوهم عكرمة، والضحاك بن مزاحم،
وإن كان لم يلق ابن عباس، وإنما أخذ عن ابن جبير.
وأما السدي رحمه الله فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى أبي صالح، لأنه كان يراهما مقصرين في
النظر، ثم حمل تفسير كتاب الله تعالى عدول كل خلف، وألف الناس فيه كعبد الرزاق، والمفضل،
وعلي بن أبي طلحة، والبخاري، وغيرهم.
ثم إن محمد بن جرير الطبري رحمه الله جمع على الناس أشتات التفسير، وقرب البعيد وشفى في
الإسناد.
ومن المبرزين في المتأخرين أبو إسحاق الزجاج وأبو علي الفارسي فإن كلامهما منخول وأما أبو بكر
النقاش، وأبو جعفر النحاس، فكثيراً ما استدرك الناس عليهما، وعلى سننهما مكي بن أبي طالب رضي الله
عنه، وأبو العباس المهدوي رحمه الله متقن التأليف، وكلهم مجتهد مأجور رحمهم الله، ونضر وجوههم.

٤٣
باب معنى قول النبي # («إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ... )).
(باب معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم
((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف
فاقرؤوا ما تیسر منه))
اختلف الناس في معنى هذا الحديث، اختلافاً شديداً، فذهب فريق من العلماء إلى أن تلك
الحروف السبعة هي فيما يتفق أن يقال على سبعة أوجه فما دونها، كتعال، وأَقْبِلْ، وإليَّ، ونحوي،
وقصدي، واقرب، وجىء، وكاللغات التي في أف، وكالحروف التي في كتاب الله فيها قراءات كثيرة،
وهذا قول ضعيف .
قال ابن شهاب في كتاب مسلم: ((بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون
واحداً لا يختلف في حلال ولا حرام)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا كلام محتمل.
وقال فريق من العلماء: ((إن المراد بالسبعة الأحرف معاني كتاب الله تعالى، وهي: أمرٌ، ونهيّ،
ووعدٌ، ووعيدٌ، وقِصَصٌ، ومُجَادَلَةٌ، وأمثال. وهذا أيضاً ضعيف، لأن هذه لا تسمى أحرفاً، وأيضاً:
فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحريم حلال، ولا في تحليل حرام، ولا في تغيير شيء من المعاني
المذكورة .
وحكى صاحب الدلائل عن بعض العلماء، وقد حكى نحوه القاضي أبو بكر بن الطيب، قال:
تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعة، منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته، مثل:
هن أطهرُ، وأطهرَ. ومنها ما لا تتغير صورته، ويتغير معناه بالإعراب، مثل: ربنًا بَاعِدْ وباعَدَ. ومنها ما تبقى
صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف، مثل: ننشرها، وننشزها. ومنها ما تتغير صورته ويبقى معناه كقوله :
﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥]، وكالصوف المنفوش، ومنها ما تتغير صورته ومعناه، مثل: ﴿وطلح
منضود﴾ [الواقعة: ٢٩] وطلع منضود، ومنها بالتقديم والتأخير كقوله: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾
[ق: ١٩]. وسكرة الحق بالموت. ومنها بالزيادة والنقصان كقوله: ((تسع وتسعون نعجة أنثى)).
وذكر القاضي أبو بكر بن الطيب في معنى هذه السبعة الأحرف حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ((إن هذا القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، نهي، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه،
وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وائتمروا، وانتهوا، واعتبروا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه)).
قال القاضي أبو محمد: فهذا تفسير منه صلى الله عليه وسلم للأحرف السبعة، ولكن ليست هذه
التي أجاز لهم القراءة بها على اختلافها، وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة، ومنه قوله تعالى:

٤٤
باب معنى قول النبي : ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ... ))
﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ [الحج: ١١] أي على وجه وطريقة، هي ريب وشك، فكذلك
معنى هذا الحديث على سبع طرائق، من تحليل، وتحريم، وغير ذلك.
وذكر القاضي أيضاً أن أُبيّاً رضي الله عنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يا أُبِيُّ إني
أُقرِثْتُ القرآن على حرف أو حرفين ثم زادني الملك حتى بلغ سبعة أحرف ليس منها إلا شافٍ وكافٍ إن
قلت غفور رحيم، سميع عليم، أو عليم حكيم، وكذلك ما لم تختم عذاباً برحمة، أو رحمة بعذاب)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وقد أسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر من كلام ابن مسعود نحوه.
قال القاضي ابن الطيب: ((وهذه أيضاً سبعة غير السبعة التي هي وجوه وطرائق، وغير السبعة التي
هي قراءات ووسع فيها، وإنما هي سبعة أوجه من أسماء الله تعالى)).
وإذا ثبتت هذه الرواية حمل على أن هذا كان مطلقاً ثم نسخ، فلا يجوز للناس أن يبدلوا اسماً لله في
موضعٍ بغيرهِ مما يوافق معناه أو يخالفه.
قال القاضي: ((وزعم قوم أن كل كلمة تختلف القراءة فيها فإنها على سبعة أوجه، وإلا بطل معنى
الحدیث».
قالوا: ((وتعرف بعض الوجوه بمجيء الخبر به، ولا نعرف بعضها، إذا لم يأت به خبر)).
قال: وقال قوم: ظاهر الحديث يوجب أن يوجد في القرآن كلمة أو كلمتان تقرآن على سبعة أوجه،
فإذا حصل ذلك تم معنى الحديث)).
قال القاضي أبو بكر بن الطيب: ((وقد زعم قوم أن معنى الحديث أنه نزل على سبع لغات مختلفات
وهذا باطل إلا أن يريد الوجوه المختلفة التي تستعمل في القصة الواحدة.
والدليل على ذلك أن لغة عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وهشام بن حكيم، وابن مسعود،
واحدة، وقراءتهم مختلفة، وخرجوا بها إلى المناكرة)).
فأما الأحرف السبعة التي صوب رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة بجميعها - وهي التي راجع
فيها فزاده وسهل عليه لعلمه تعالى بما هم عليه من اختلافهم في اللغات - فلها سبعة أوجه، وسبع قراءات
مختلفات، وطرائق يقرأ بها على اختلافها في جميع القرآن أو معظمه، حسبما تقتضيه العبارة في قوله:
((أنزل القرآن)) فإنما يريد به الجميع أو المعظم ، فجائز أن يقرأ بهذه الوجوه على اختلافها ويدل على ذلك
قول الناس: حرف أبيّ وحرف ابن مسعود، ونقول في الجملة إن القرآن منزل على سبعة أحرف من
اللغات، والإعراب، وتغيير الأسماء والصور، وإن ذلك مفترق في كتاب الله ليس بموجود في حرف واحد،
وسورة واحدة، يقطع على اجتماع ذلك فيها.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: انتهى ما جمعت من كلام القاضي أبي بكر رضي
الله عنه، وإطلاقه البطلان على القول الذي حكاه فيه نظر، لأن المذهب الصحيح الذي قرره آخراً من قوله

٤٥
باب معنى قول النبي و # («إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ... ))
((ونقول في الجملة)) إنما صح وترتب من جهة اختلاف لغات العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، وهو
اختلاف ليس بشديد التباين حتى يجهل بعضهم ما عند بعض في الأكثر، وإنما هو أن قريشاً استعملت في
عباراتها شيئاً، واستعملت هذيل شيئاً غيره في ذلك المعنى، وسعد بن بكر غيره، والجميع كلامهم في
الجملة ولغتهم.
واستدلال القاضي رضي الله عنه بأن لغة عمر وأبيّ وهشام وابن مسعود واحدة فيه نظر، لأن ما
استعملته قريش في عبارتها ومنهم عمر وهشام، وما استعملته الأنصار ومنهم أبيّ وما استعملته هذيل ومنهم
ابن مسعود، قد يختلف، ومن ذلك النحو من الاختلاف هو الاختلاف في كتاب الله سبحانه، فليست لغتهم
واحدة في كل شيء، وأيضاً فلو كانت لغتهم واحدة بأن نفرضهم جميعاً من قبيلة واحدة، لما كان اختلافهم
حجة على من قال: إن القرآن أنزل على سبع لغات لأن مناكرتهم لم تكن لأن المنكر سمع ما ليس في لغته
فأنكره، وإنما كانت لأنه سمع خلاف ما أقرأه النبي صلى الله عليه وسلم وعساه قد أقرأه ما ليس من لغته
واستعمال قبيلته .
فكأن القاضي رحمه الله، إنما أبطل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصد في قوله: على سبعة
أحرف عد اللغات التي تختلف بجملتها وأن تكون سبعاً متباينة لسبع قبائل تقرأ كل قبيلة القرآن كله بحرفها
ولا تدخل عليها لغة غيرها، بل قصد النبي عليه السلام - عنده - عد الوجوه والطرائق المختلفة في كتاب الله
مرة من جهة لغة، ومرة من جهة إعراب، وغير ذلك، ولا مرية أن هذه الوجوه والطرائق إنما اختلفت
لاختلاف في العبارات بين الجملة التي نزل القرآن بلسانها وذلك يقال فيه اختلاف لغات.
وصحيح أن يقصد عليه السلام عد الأنحاء والوجوه التي اختلفت في القرآن، بسبب اختلاف عبارات
اللغات .
وصحيح أن يقصد عد الجماهير والرؤوس من الجملة التي نزل القرآن بلسانها، وهي قبائل مضر
فجعلها سبعة، وهذا أكثر توسعة للنبي عليه السلام، لأن الانحاء تبقى غير محصورة، فعسى أن الملك أقرأه
بأكثر من سبعة طرائق ووجوه.
قال القاضي في كلامه المتقدم: ((فجائز أن يقرأ بهذه الوجوه على اختلافها)).
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والشرط الذي يصح به هذا القول هو أن تروى عن النبي عليه
السلام، ومال كثير من أهل العلم كأبي عبيد، وغيره، إلى أن معنى الحديث المذكور أنه أنزل على سبع
لغات لسبع قبائل انبث فيه من كل لغة منها، وهذا القول هو المتقرر من كلام القاضي رضي الله عنه وقد
ذكر بعضهم قبائل من العرب روماً منهم أن يعينوا السبع التي يحسن أن تكون مراده عليه السلام، نظروا في
ذلك بحسب القطر ومن جاور منشأ النبي عليه السلام. واختلفوا في التسمية وأكثروا، وأنا ألخص الغرض
جهدي بحول الله :
فأصل ذلك وقاعدته قريش، ثم بنو سعد بن بكر، لأن النبي عليه السلام قرشي، واسترضع في بني
سعد، ونشأ فيهم، ثم ترعرع وعقت تمائمه وهو يخالط في اللسان كنانة، وهذيلاً، وثقيفاً، وخزاعة،

٤٦
باب معنى قول النبي ◌ّ (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ... )).
وأسداً، وضبة، وألفافها لقربهم من مكة، وتكرارهم عليها، ثم بعد هذه تميماً، وقيساً، ومن انضاف إليهم
وسط جزيرة العرب، فلما بعثه الله تعالى ويسر عليه أمر الأحرف أنزل عليه القرآن بلغة هذه الجملة
المذكورة، وهي التي قسمها على سبعة لها السبعة الأحرف، وهي اختلافاتها في العبارات حسبما تقدم.
قال ثابت بن قاسم: (لو قلنا من هذه الأحرف لقريش، ومنها لكنانة، ومنها الأسد، ومنها لهذيل،
ومنها لتميم، ومنها لضبة وألفافها، ومنها لقيس، لكان قد أتى على قبائل مضر في مراتب سبعة تستوعي
اللغات التي نزل بها القرآن)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وهذا نحو ما ذكرناه، وهذه الجملة هي التي انتهت إليها
الفصاحة، وسلمت لغاتها من الدخيل ويسرها الله لذلك ليظهر آية نبيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه،
وسبب سلامتها أنها في وسط جزيرة العرب في الحجاز ونجد وتهامة فلم تطرقها الأمم، فأما اليمن وهي
جنوبي الجزيرة فأفسدت كلام عربه خلطة الحبشة والهنود، على أن أبا عبيد القاسم بن سلام، وأبا العباس
المبرد، قد ذكرا أن عرب اليمن من القبائل التي نزل القرآن بلسانها.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وذلك عندي إنما هو فيما استعملته عرب الحجاز من لغة اليمن
كالعرم والفتاح. فأما ما انفردوا به كالزخيخ، والقلوبي، ونحوه، فليس في كتاب الله منه شيء.
وأما ما والى العراق من جزيرة العرب، وهي بلاد ربيعة، وشرقي الجزيرة، فأفسدت لغتها مخالطة
الفرس، والنط، ونصارى الحيرة، وغير ذلك.
وأما الذي يلي الشام وهو شمالي الجزيرة وهي بلاد آل جفنة، وابن الرافلة، وغيرهم. فأفسدها
مخالطة الروم، وكثير من بني إسرائيل.
وأما غربي الجزيرة فهي جبال تسكن بعضها هذيل وغيرهم وأكثرها غير معمور. فبقيت القبائل
المذكورة سليمة اللغات لم تكدر صفو كلامها أمة من العجم، ويقوي هذا المنزع أنه لما اتسع نطاق
الإسلام وداخلت الأمم العرب وتجرد أهل المصرين: البصرة، والكوفة، لحفظ لسان العرب، وكتب لغتها
لم يأخذوا إلا عن هذه القبائل الوسيطة المذكورة، ومن كان معها، وتجنبوا اليمن، والعراق، والشام، فلم
يكتب عنهم حرف واحد. وكذلك تجنبوا حواضر الحجاز مكة، والمدينة، والطائف. لأن السبي والتجار
من الأمم كثروا فيها فأفسدوا اللغة. وكانت هذه الحواضر في مدة النبي صلى الله عليه وسلم سليمة لقلة
المخالطة .
فمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) أي فيه عبارات سبع قبائل
بلغة جملتها نزل القرآن فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب
الأفصح والأوجز في اللفظة. ألا ترى أن فطر معناها عند غير قريش ابتدأ خلق الشيء وعمله فجاءت في
القرآن فلم تتجه لابن عباس حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر فقال أحدهما: ((أنا فطرتها)) قال ابن عباس:
((ففهمت حينئذ موقع قوله تعالى: ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ [فاطر: ١، الزمر: ٤٦].

٤٧
باب معنى قول النبي ◌َّقة ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ... )
وقال أيضاً: ((ما كنت أدري معنى قوله: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ [الأعراف: ٨٩] حتى
سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك أي أحاكمك)).
وكذلك قال عمر بن الخطاب، وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿أو يأخذهم على تخوف﴾ [النحل:
٤٧] فوقف به فتى فقال: ((إن أبي يتخوفني حقي)) فقال عمر: ((الله أكبر، أو يأخذهم على تخوف أي على
تنقص لهم)).
وكذلك اتفق لقطبة بن مالك إذ سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة: ﴿والنخل
باسقات﴾ [قَ: ١٠]، ذكره مسلم في باب القراءة في صلاة الفجر، إلى غير هذا من الأمثلة.
فأباح الله تعالى لنبيه هذه الحروف السبعة وعارضه بها جبريل في عرضاته على الوجه الذي فيه
الإعجاز وجودة الوصف، ولم تقع الإباحة في قوله عليه السلام: ((فاقرؤوا ما تيسر منه)) بأن يكون كل واحد
من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه. ولو كان هذا الذهب
إعجاز القرآن وكان معرضاً أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله وإنما وقعت الإباحة في
الحروف السبعة للنبي عليه السلام ليوسع بها على أمته، فقرأ مرة لأبيّ بما عارضه به جبريل صلوات الله
عليهما، ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضاً.
وفي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أقرأني جبريل على حرف، فراجعته،
فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف)).
وعلى هذا تجيء قراءة عمر بن الخطاب لسورة الفرقان وقراءة هشام بن حكيم لها، وإلا فكيف
يستقيم أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة كل منهما - وقد اختلفتا - : هكذا أقرأني جبريل؟ هل
ذلك إلا لأنه أقرأه بهذه مرة وبهذه مرة. وعلى هذا يحمل قول أنس بن مالك حين قرأ ﴿إن ناشئة الليل هي
أشد وطئاً وأصوب قيلاً﴾ [المزمل: ٦]، فقيل له: إنما تقرأ وأقوم، فقال أنس: ((أصوب وأقوم وأهيأ
واحد)). فإنما معنى هذا أنها مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فلو كان هذا لأحد من الناس أن
يضعه لبطل معنى قول الله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩].
ثم إن هذه الروايات الكثيرة لما انتشرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وافترق الصحابة في
البلدان، وجاء الخلف وقرأ القرآن كثير من غير العرب، وقع بين أهل الشام والعراق ما ذكر حذيفة بن
اليمان رضي الله عنه، وذلك أنهم لما اجتمعوا فى غزوة أرمينية، فقرأت كل طائفة بما روي لها، فاختلفوا
وتنازعوا حتى قال بعضهم لبعض: ((أنا كافر بما تقرأ به)) فأشفق حذيفة مما رأى منهم. فلما قدم حذيفة
المدينة فيما ذكر البخاري وغيره دخل إلى عثمان بن عفان قبل أن يدخل بيته، فقال: أدرك هذه الأمة قبل أن
تهلك، قال: فيماذا؟ قال: في كتاب الله، إني حضرت هذه الغزوة وجمعت ناساً من العراق، ومن الشام،
ومن الحجاز، فوصف له ما تقدم وقال: إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم كما اختلفت اليهود
والنصارى، قال عثمان رضي الله عنه: أفعل، فتجرد للأمر، واستناب الكُفاة العلماء الفصحاء في أن يكتبوا
القرآن ويجعلوا ما اختلفت القراءة فيه على أشهر الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفصح

٤٨
باب معنى قول النبي ◌َّا ((إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ... ))
اللغات، وقال لهم: ((إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش)).
فمعنى هذا إذا اختلفتم فيما روي، وإلا فمحال أن يحيلهم على اختلاف من قبلهم، لأنه وضع قرآن
فكتبوا في القرآن من كل اللغات السبع، مرة من هذه، ومرة من هذه، وذلك مقيد بأن الجميع مما روي عن
النبي صلى الله عليه وسلم وقرىء عليه، واستمر الناس على هذا المصحف المتخير وترك ما خرج عنه مما
كان كتب سداً للذريعة وتغليباً لمصلحة الألفة وهي المصاحف التي أمر عثمان بن عفان رضي الله عنه أن
تحرق أو تخرق.
فأما ابن مسعود فأبى أن يزال مصحفه فترك، ولكن أبى العلماء قراءته سداً للذريعة، ولأنه روي أنه
كتب فيه أشياء على جهة التفسير فظنها قوم من التلاوة فتخلط الأمر فيه ولم يسقط فيما ترك معنى من معاني
القرآن لأن المعنى جزء من الشريعة، وإنما تركت ألفاظ معانيها موجودة في الذي أثبت.
ثم إن القراء في الأمصار تتبعوا ما روي لهم من اختلافات لاسيما فيما وافق خط المصحف، فقرؤوا
بذلك حسب اجتهاداتهم، فلذلك ترتب أمر القراء السبعة وغيرهم رحمهم الله ومضت الأعصار والأمصار
على قراءة السبعة وبها يصلى لأنها ثبتت بالإجماع.
وأما شاذ القراءات فلا يصلى به، وذلك لأنه لم يجمع الناس عليه. أما أن المروي منه عن الصحابة
رضي الله عنهم وعن علماء التابعين لا يعتقد فيه إلا أنهم رووه.
وأما ما يؤثر عن أبي السمال ومن قاربه فلا يوثق به وإنما أذكره في هذا الكتاب لئلا يجهل والله
المستعان .
وكان المصحف غير مشكول ولا منقوط، وقد وقع لبعض الناس خلاف في بعض ما ذكرته في هذا
الباب ومنازعات اختصرت ذلك كراهة التطويل وعولت على الأسلوب الواضح الصحيح، والله المرشد
للصواب برحمته .

٤٩
باب ذكر جمع القرآن
(باب ذكر جمع القرآن وشكله
ونقطه وتحزيبه وتعشيره)
كان القرآن في مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقاً في صدور الرجال، وقد كتب الناس منه
في صحف، وفي جريد، وظرر وفي لخاف وفي خزف وغير ذلك، فلما استحرّ القتل بالقراء يوم اليمامة
أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن، مخافة أن يموت أشياخ القراءة
کأبيّ وزید وابن مسعود فيذهب، فندبا إلى ذلك زيد بن ثابت فجمعه غير مرتب السور بعد تعب شديد منه
رضي الله عنه .
وروي أن في هذا الجمع سقطت الآية من آخر براءة حتى وجدها عند خزيمة بن ثابت. وحكى
الطبري أنه إنما سقطت له في الجمع الأخير ، والأول أصح. وهو الذي حكى البخاري إلا أنه قال فيه مع أبي
خزيمة الأنصاري، وقال: إن في الجمع الثاني فقد زيد آية من سورة الأحزاب ﴿من المؤمنين رجال﴾
[الأحزاب: ٣٣] فوجدها مع خزيمة بن ثابت، وبقيت الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر بن الخطاب
بعده، ثم عند حفصة بنته في خلافة عثمان، وانتشرت في خلال ذلك صحف في الآفاق كتبت عن الصحابة
كمصحف ابن مسعود وما كتب عن الصحابة بالشام ومصحف أبيّ وغير ذلك، وكان في ذلك اختلاف
حسب السبعة الأحرف التي أنزل القرآن عليها.
فلما قدم حذيفة من غزوة أرمينية حسبما قد ذكرناه انتدب عثمان لجمع المصحف وأمر زيد بن ثابت
بجمعه، وقرن بزيد فيما ذكر البخاري ثلاثة من قريش: سعيد بن العاصي، وعبد الرحمن بن الحارث بن
هشام، وعبد الله بن الزبير، وكذلك ذكر الترمذي وغيرهما.
وقال الطبري فيما روي: إنه قرن بزيد أبان بن سعيد بن العاصي وحده، وهذا ضعيف.
وقال الطبري أيضاً: إن الصحف التي كانت عند حفصة جعلت إماماً في هذا الجمع الأخير. وروي
أن عثمان رضي الله عنه قال لهم: ((إذا اختلفتم في شيء فاجعلوه بلغة قريش»، فاختلفوا في التابوه
والتابوت، قرأه زيد بن ثابت بالهاء والقرشيون بالتاء، فأثبته بالتاء، وكتب المصحف على ما هو عليه غابر
الدهر ونسخ عثمان منه نسخاً ووجه بها إلى الآفاق، وأمر بما سواها من المصاحف أن تحرق أو تخرق،
وتروى بالحاء غير منقوطة وتروى بالخاء على معنى: ثم تدفن. ورواية الحاء غير منقوطة أحسن.
قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وترتيب السور اليوم هو من تلقاء زيد ومن كان معه مع مشاركة من
عثمان رضي الله عنه في ذلك وقد ذكر ذلك مكي رحمه الله في تفسير سورة ((براءة)). وذكر أن ترتيب الآيات

٥٠ -
باب ذكر جمع القرآن
في السور ووضع البسملة في الأوائل هو من النبي صلى الله عليه وسلم، ولما لم يأمر بذلك في أول براءة
ترکت بلا بسملة .
هذا أحد ما قيل في براءة، وذلك مستقصى في موضعه موفى إن شاء الله تعالى. وظاهر الآثار أن
السبع الطول والحواميم والمفصل كان مرتباً في زمن النبي عليه السلام، وكان في السور ما لم يرتب،
فذلك هو الذي رتب وقت الكتب.
وأما شكل المصحف ونقطه فروي أن عبد الملك بن مروان أمر به وعمله فتجرد لذلك الحجاج
بواسط وجد فيه وزاد تحزيبه وأمر وهو والي العراق الحسن ويحيى بن يعمر بذلك، وألف إثر ذلك بواسط
كتاب في القراءات، جمع فيه ما روي من اختلاف الناس فيما وافق الخط، ومشى الناس على ذلك زماناً
طويلاً إلى أن ألف ابن مجاهد كتابه في القراءات. وأسند الزبيدي في كتاب الطبقات إلى المبرد أن أول من
نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي وذكر أيضاً أن ابن سيرين كان له مصحف نقطه له يحيى بن يعمر.
وذكر أبو الفرج أن زياد بن أبي سفيان أمر أبا الأسود بنقط المصاحف.
وذكر الجاحظ في كتاب الأمصار أن نصر بن عاصم أول من نقط المصاحف وكان يقال له نصر
الحروف.
وأما وضع الأعشار فيه فمر بي في بعض التواريخ أن المأمون العباسي أمر بذلك وقيل إن الحجاج
فعل ذلك.
وذكر أبو عمرو الداني عن قتادة أنه قال: بدؤوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا، وهذا كالإنكار.
:

٥١
باب في ذكر الألفاظ ألتي في كتاب الله وللغات العجم بها تعلّق
(باب في ذكر الألفاظ التي في كتاب الله
وللغات العجم بها تعلق)
) اختلف الناس في هذه المسألة، فقال أبو عبيدة وغيره: إن في كتاب الله تعالى من كل لغة، وذهب
الطبري وغيره إلى أن القرآن ليس فيه لفظة إلا وهي عربية صريحة وأن الأمثلة والحروف التي تنسب إلى
سائر اللغات إنما اتفق فيها أن تواردت اللغتان فتكلمت بها العرب والفرس أو الحبشة بلفظ واحد، وذلك
مثل قوله تعالى: ﴿إِن ناشئة الليل﴾ [المزمل: ٦] قال ابن عباس: نشأ بلغة الحبشة قام من الليل، ومنه قوله
تعالى: ﴿يؤتكم كفلين من رحمته﴾ [الحديد: ٢٨].
قال أبو موسى الأشعري : كفلان ضعفان من الأجر بلسان الحبشة وكذلك قال ابن عباس في القسورة
إنها الأسد بلغة الحبشة إلى غير هذا من الأمثلة.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي أقوله إن القاعدة والعقيدة هي أن القرآن نزل
بلسان عربي مبين، فليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب فلا تفهمها إلا من لسان آخر، فأما هذه الألفاظ
وما جرى مجراها فإنه قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات
وبرحلتي قريش، وكسفر مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس إلى الشام، وسفر عمر بن الخطاب،
وكسفر عمرو بن العاصي وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته
لنصاراها مع كونه حجة في اللغة، فعلقت العرب بهذا كله ألفاظاً أعجمية غيرت بعضها بالنقص من
حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي
الصريح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن، فإن جهلها عربي ما فكجهله الصريح بما في
لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى ((فاطر)) إلى غير ذلك فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في
الأصل أعجمية، لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه، وما ذهب إليه الطبري من أن
اللغتين اتفقتا في لفظة فذلك بعيد، بل إحداهما أصل، والأخرى فرع في الأكثر، لأنا لا ندفع أيضاً جواز
الاتفاق قليلاً شاذاً.

٥٢
نبذة مما قال العلماء في إعجاز القرآن
نبذة مما قال العلماء في إعجاز القرآن
· اختلف الناس فى إعجاز القرآن بم هو؟ فقال قوم: ((إن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو
صفة الذات، وإن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق، وفيه وقع عجزها)).
وقال قوم: ((إن التحدي وقع بما في كتاب الله تعالى من الأنباء الصادقة، والغيوب المسرودة)).
وهذان القولان إنما يرى العجز فيهما من قد تقررت الشريعة ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم في نفسه.
وأما من هو في ظلمة كفره فإنما يتحدى فيما يبين له بينه وبين نفسه عجزه عنه، وأن البشر لا يأتي بمثله
ويتحقق مجيئه من قبل المتحدي، وكفار العرب لم يمكنهم قط أن ينكروا أن رصف القرآن ونظمه وفصاحته
متلقى من قبل محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا تحديت إلى ذلك وعجزت فيه علم كل فصيح ضرورة أن
هذا نبي يأتي بما ليس في قدرة البشر الإتيان به، إلا أن يخص الله تعالى من يشاء من عباده.
وهذا هو القول الذي عليه الجمهور والحذاق وهو الصحيح في نفسه أن التحدي إنما وقع بنظمه
وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه.
ووجه إعجازه أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علماً، وأحاط بالكلام كله علماً، فإذا ترتبت اللفظة
من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن
إلى آخره، والبشر معهم الجهل، والنسيان، والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشراً لم يكن قط محيطاً.
فيهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا النظر يبطل قول من قال: ((إن العرب
كان من قدرتها أن تأتي بمثل القرآن فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه)).
والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر
في أن الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولاً كاملاً، ثم تعطى
لآخر نظيره فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل، كتاب الله
لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ونحن تبين لنا البراعة في أكثره
ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز
الكلام .
ألا ترى ميز الجارية نفس الأعشى وميز الفرزدق نفس جرير من نفس ذي الرمة ونظر الأعرابي في
قوله: ((عز فحكم فقطع)) إلى كثير من الأمثلة اكتفيت بالإشارة إليها اختصاراً.

!
٥٣
نبذة مما قال العلماء في إعجاز القرآن
فصورة قيام الحجة بالقرآن على العرب أنه لما جاء محمد صلى الله عليه وسلم به وقال: ﴿فأتوا
بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣] قال كل فصيح في نفسه: وما بال هذا الكلام حتى لا آتي بمثله؟ فلما تأمله
وتدبره، ميز منه ما ميز الوليد بن المغيرة حين قال: ((والله ما هو بالشعر ولا هو بالكهانة ولا بالجنون)» وعرف
كل فصيح بينه وبين نفسه أنه لا يقدر بشر على مثله، فصح عنده أنه من عند الله تعالى.
فمنهم من آمن وأذعن، ومنهم من حسد كأبي جهل وغيره ففر إلى القتال، ورضي بسفك الدم عجزاً
عن المعارضة، حتى أظهر الله دينه، ودخل جميعهم فيه، ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي
الأرض قبيل من العرب يعلن كفره. وقامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة
المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة عيسى بالأطباء، وفي معجزة موسى بالسحرة فإن الله تعالى إنما
جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره، فكأن السحر في مدة
موسى قد انتهى إلى غايته، وكذلك الطب في زمن عيسى، والفصاحة في مدة محمد عليهم الصلاة
والسلام.
-------------------------
1

٥٤
باب في الألفاظ التي يقتصي الإيجاز استعمالها في التفسير
باب في الألفاظ التي يقتضي الإيجاز استعمالها
في تفسير كتاب الله تعالى
· اعلم أن القصد إلى إيجاز العبارة قد يسوق المتكلم في التفسير إلى أن يقول: خاطب الله بهذه
الآية المؤمنين وشرف الله بالذكر الرجل المؤمن من آل فرعون، وحكى الله تعالى عن أم موسى أنها قالت:
((قصيه)) ووقف الله ذرية آدم على ربوبيته بقوله: ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] ونحو هذا من إسناد
أفعال إلى الله تعالى لم يأت إسنادها بتوقيف من الشرع.
وقد استعمل هذه الطريقة المفسرون والمحدثون والفقهاء، واستعملها أبو المعالي في الإرشاد، وذكر
بعض الأصوليين أنه لا يجوز أن يقال: حكى الله ولا ما جرى مجراه.
قال القاضى أبو محمد عبد الحق: وهذا على تقرير هذه الصفة له وثبوتها مستعملة كسائر أوصافه
تبارك وتعالى، وأما إذا استعمل ذلك في سياق الكلام والمراد منه حكت الآية أو اللفظ فذلك استعمال
عربي شائع وعليه مشى الناس، وأنا أتحفظ منه في هذا التعليق جهدي، لكني قدمت هذا الباب لما عسى
أن أقع فيه نادراً، واعتذاراً عما وقع فيه المفسرون من ذلك.
وقد استعملت العرب أشياء في ذكر الله تعالى تنحمل على مجاز كلامها، فمن ذلك قول أبي عامر
يرتجز بالنبي صلى الله عليه وسلم: ((فاغفر فداء لك ما اقتفينا)). وقول أم سلمة: فعزم الله لي في الحديث
في موت أبي سلمة وإبدال الله لها منه رسول الله. ومن ذلك قولهم: الله يدري كذا وكذا والدراية إنما هي
التأتي للعلم بالشيء حتى يتيسر ذلك.
قال أبو علي: ((واحتج بعض أهل النظر على جواز هذا الإطلاق بقول الشاعر الجوهري: [الرجز].
لاهُمَّ لا أدري وأنت الداري
قال أبو علي: ((وهذا لا ثبت فيه لأنه يجوز أن يكون من غلط الاعراب)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وكذلك أقول إن الطريقة كلها عربية لا يثبت للنظر
المنخول شيء منها. وقد أنشد بعض البغداديين: [الرجز].
ولم تغيرك الأمور بعدي
لا همّ إن كنتَ الذي بعهدي
وقد قال العجاج: فارتاح ربي وأراد رحمتي.
وقال الآخر: قد يصبحُ اللَّه إمام الساري.

٥٥
باب في الألفاظ التي يقتضي الإيجاز استعمالها في التفسير .
وقال الآخر:
يا فقعسيّ لمْ أكلتهُ لِمَهْ لو خَافَكَ الله عليهِ حرَّمَهْ
وقال أوس:
وَجِدَ الإلهُ بكمْ كما أجِدُ
أَبَنِي لُبَيْنَى لا أحبُّكمُ
وقال الآخر:
وإِنَّ اللَّهَ ذاقَ عقولَ تَيْمٍ فلمّا راء خفّتها قلاها
ومن هذا الاستعمال الذي يبنى الباب عليه قول سعد بن معاذ: ((عرّق الله وجهك في النار)) يقول هذا
للرامي الذي رماه، وقال: ((خذها وأنا ابن العرقة)).
وفي هذه الأمثلة كفاية فيما نحوناه إذ النظير لذلك كثير موجود، وإن خرج شيء من هذه على حذف
مضاف فذلك متوجه في الاستعمال الذي قصدنا الاعتذار عنه والله المستعان.
i

٥٦
باب في تفسير أسماء القرآن
باب في تفسير أسماء القرآن
وذكر السورة والآية
هو القرآن، وهو الكتاب، وهو الفرقان، وهو الذكر، فالقرآن مصدر من قولك: قرأ الرجل إذا تلا يقرأ
قرآناً وقراءة، وحكى أبو زيد الأنصاري: وقرءاً. وقال قتادة: ((القرآن معناه التأليف قرأ الرجل إذا جمع
وألف قولاً)) وبهذا فسر قتادة قول الله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [القيامة: ١٧] أي تأليفه، وهذا
نحو قول الشاعر عمرو بن كلثوم : [الوافر]
ذراعَيْ بَكْرَةٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ هجان اللون لم تقرأْ جنينًا
أي لم تجمع في بطنها ولداً فهو أفره لها، والقول الأول أقوى إن القرآن مصدر من قرأ إذا تلا، ومنه
قول حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان رضي الله عنه: [البسيط].
ضحوا بأشمط عنوانُ السجودِ به يُقطَّعُ الليلَ تسبيحاً وقرآنًا
أي قراءة .
وأما الكتاب فهو مصدر من كتب إذا جمع. ومنه قيل كتيبة لاجتماعها. ومنه قول الشاعر: ((واكتبها
بأسیار» أي اجمعها.
وأما الفرقان أيضاً فهو مصدر لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر، فرقاً وفرقاناً .
وأما الذكر فسمي به لأنه ذكر به الناس آخرتهم وإلههم وما كانوا في غفلة عنه فهو ذكر لهم، وقيل
سمي بذلك لأنه فيه ذكر الأمم الماضية والأنبياء، وقيل: سمي بذلك لأنه ذكر وشرف لمحمد صلى الله عليه
وسلم وقومه وسائر العلماء به .
وأما السورة فإن قريشاً كلها ومن جاورها من قبائل العرب كهذيل، وسعد بن بكر، وكنانة، يقولون:
سورة بغير همز، وتميم كلها وغيرهم أيضاً يهمزون فيقولون: سؤر وسؤرة.
فأما من همز فهي عنده كالبقية من الشيء والقطعة منه التي هي سؤر وسؤرة من أسأر إذا أبقى. ومنه
((سؤر الشراب)) ومنه قول الأعشى - وهو ميمون بن قيس - : [المتقارب]
فبأنَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفؤا دٍ صَدْعاً على نَأْيِها مُسْتطيرا
أي أبقت فيه .
وأما من لا يهمز فمنهم من يراها من المعنى المتقدم إلا أنها سهلت همزتها. ومنهم من يراها مشبهة

٥٧
-
باب في تفسير أسماء القرآن
بسورة البناء أي القطعة منه، لأن كل بناء فإنما يبنى قطعة بعد قطعة، وكل قطعة منها سورة، وجمع سورة
القرآن سور بفتح الواو، وجمع سورة البناء سور بسكونها.
قال أبو عبيدة: ((إنما اختلفا في هذا فكأن سور القرآن هي قطعة بعد قطعة حتى كمل منها القرآن)).
ويقال أيضاً للرتبة الرفيعة من المجد والملك سورة. ومنه قول النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر:
[الطويل].
أَلَمْ تَرَ أَنّ اللَّهَ أعطاكِ سَوْرَةً ترى كُلَّ مَلْكٍ دُونها يتذبذبُ
فكان الرتبة انبنت حتی کملت.
وأما الآية فهي العلامة في كلام العرب. ومنه قول الأسير الموصي إلى قومه باللُّغز: ((بآية ما أكلت
معکم حیساً».
فلما كانت الجملة التامة من القرآن علامة على صدق الآتي بها وعلى عجز المتحدى بها سمّيتْ
آية. هذا قول بعضهم، وقيل سميت آية لما كانت جملة وجماعة كلام كما تقول العرب: ((جئنا بآيتنا)) أي
بجماعتنا. وقيل: لما كانت علامة للفصل بين ما قبلها وما بعدها سميت آية. ووزن آية عند سيبويه فعلة
بفتح العين أصلها أيية تحركت الياء الأولى وما قبلها مفتوح فجاءت آية .
وقال الكسائي: ((أصل آية آبِيَة على وزن فَاعِلَة، حذفت الياء الأولى مخافة أن يلتزم فيها من الإدغام
ما لزم في دابة)).
وقال مكي فى تعليل هذا الوجه: ((سكنت الأولى وأدغمت فجاءت آية على وزن دابة، ثم سهلت
الياء المثقلة))، وقيل: أصلها أية على وزن فعلة بسكون العين، أبدلت الياء الساكنة ألفاً استثقالاً
للتضعيف، قاله الفراء، وحكاه أبو علي عن سيبويه في ترجمة ﴿وكأين من نبي﴾ [آل عمران: ١٤٦].
وقال بعض الكوفيين: ((أصلها أيية على وزن فعلة بكسر العين أبدلت الياء الأولى ألفاً لثقل الكسر
عليها وانفتاح ما قبلها)).

٥٨
باب القول في الاستعاذة
باب القول في الاستعاذة
قال الله عز وجل: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨].
معناه: إذا أردت أن تقرأ وشرعت فأوقع الماضي موقع المستقبل لثبوته. وأجمع العلماء على أن قول
القارىء: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) ليس بآية من كتاب الله. وأجمعوا على استحسان ذلك والتزامه
في كل قراءة في غير صلاة، واختلفوا في التعوذ في الصلاة، فابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وقوم،
يتعوذون في الصلاة في كل ركعة، ويمتثلون أمر الله بالاستعاذة على العموم في كل قراءة، وأبو حنيفة،
والشافعي، يتعوذان في الركعة الأولى من الصلاة، ويريان أن قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة. ومالك
رحمه الله لا يرى التعوذ في الصلاة المفروضة، ويراه في قيام رمضان. ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه تعوذ في صلاة.
وحكى الزهري عن الحسن أنه قال: ((نزلت الآية في الصلاة، وندبنا إلى الاستعاذة في غير الصلاة
ولیس بفرض».
قال غيره: ((كانت فرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم وحده، ثم تأسينا به)).
وأما لفظ الاستعاذة فالذي عليه جمهور الناس هو لفظ كتاب الله تعالى ((أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم)».
وروي عن ابن عباس أنه قال: «أول ما نزل جبريل علی محمد صلی الله عليه وسلم قال له: قل یا
محمد: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم)).
وروى سليمان بن سالم عن ابن القاسم رحمه الله: أن الاستعاذة ((أعوذ بالله العظيم من الشيطان
الرجيم إن الله هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم)).
وأما المقرئون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى وفي الجهة الأخرى كقول
بعضهم: ((أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد)». ونحو هذا مما لا أقول فيه نعمت البدعة ولا أقول إنه لا
يجوز.
ومعنى الاستعاذة: الاستجارة، والتحيز إلى الشيء على معنى الامتناع به من المكروه، والكلام على
المكتوبة يجيء في بسم الله فذلك الموضع أولى به.

٥٩
باب القول في الاستعاذة
وأما الشيطان فاختلف الناس في اشتقاقه، فقال الحذاق: ((هو فيعال من شطن إذا بعد لأنه بعد عن
الخير ورحمة الله)). ومن اللفظة قولهم: نوى شطون، أي بعيدة.
قال الأعشى : [الوافر].
نَأَتْ بسعادَ عَنْكَ نوى شطونُ فبانَتْ والفؤادُ بها رهينُ
ومنه قيل للحبل شطن، لبعد طرفيه وامتداده، وقال قوم: إن شيطاناً مأخوذ من شاط يشيط إذا هاج
وأحرق ونحوه، إذ هذه أفعاله، فهو فعلان.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ويرد على هذه الفرقة أن سيبويه حكى أن العرب
تقول تشيطن فلان إذا فعل أفاعيل الشياطين، فهذا بين أنه تفعيل من شطن، ولو كان من شاط لقالوا تشيط.
ويرد أيضاً عليهم بيت أمية بن أبي الصلت: [الخفيف].
أيُّما شاطنٍ عَصَاهُ عكاهُ ثُمَّ يُلقى في السّجنِ والأكبال
فهذا شاطن من شطن لا شك فيه.
وأما الرجيم فهو فعيل بمعنى مفعول، كقتيل وجريح ونحوه، ومعناه أنه رجم باللعنة، والمقت، وعدم
الرحمة .
قال المهدوي رحمه الله: ((أجمع القراء على إظهار الاستعاذة في أول قراءة سورة الحمد إلا حمزة
فإنه أسرها)).
وروى المسيب عن أهل المدينة أنهم كانوا يفتتحون القراءة بالبسملة.
1
٠

٦٠
القول في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم
٢.
(القول في تفسير
بسم الله الرحمن الرحيم)
● روي عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه أنه قال: ((البسملة تيجان السور)).
وروي أن رجلاً قال بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم: تعس الشيطان، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((لا تقل ذلك، فإنه يتعاظم عنده، ولكن قل: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) فإنه يصغر حتى يصير
أقل من ذباب)).
وقال علي بن الحسين رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا
على أدبارهم نفوراً﴾ [الإسراء: ٤٦] قال: ((معناه إذا قلت: ((بسم الله الرحمن الرحيم)).
وروي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «كيف تفتتح الصلاة يا جابر؟
قلت: بالحمد لله رب العالمين. قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم)).
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فعلمني الصلاة فقرأ بسم الله
الرحمن الرحيم يجهر بها)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذان الحديثان يقتضيان أنها آية من الحمد، ويرد
ذلك حديث أبي بن كعب الصحيح إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((هل لك ألا تخرج من المسجد
حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها)»، قال: فجعلت أبطىء في
المشي رجاء ذلك، فقال لي: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت الحمد لله رب العالمين حتى
أتيت على آخرها.
ويرده الحديث الصحيح بقوله عز وجل: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، يقول العبد الحمد لله
رب العالمين)».
ويرده أنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أبي بكر، ولا عن عمر، ولا عثمان،
رضي الله عنهم أنهم قرؤوا في صلاتهم: ((بسم الله الرحمن الرحيم)).
ويرده عدد آيات السورة لأن الإجماع أنها سبع آيات، إلا ما روي عن حسين الجعفي أنها ست
آيات، وهذا شاذ لا يعول عليه وكذلك روي عن عمرو بن عبيد أنه جعل ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥]آية، فهي على
عده ثماني آيات ، وهذا أيضاً شاذ. وقول الله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني﴾ [الحجر: ٨٧] هو الفصل في